← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23

سبيل المهتدين إلى شرح الأربعين النووية

خلدون نغوي

Полный текст (476 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كَانَا فِيَّ أَو حَدِيثًا؟ قَالَ: «بَلْ قَدِيمٌ»، قُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَينِ يُحِبُّهُمَا (١). ٢ - البُعْدُ عَنْ أَسْبَابِ الغَضَبِ. - فَضِيلَةٌ مِنْ فَضَائِلِ عُمَرَ ﵁ فِي كَظْمِ الغَيظِ: عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: " قَدِمَ عُيَينَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيفَةَ؛ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيسٍ -وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَو شُبَّانًا-، فَقَالَ عُيَينَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي؛ هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ؛ فَاسْتَاذِنْ لِي عَلَيهِ؟ قَالَ: سَأَسْتَاذِنُ لَكَ عَلَيهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَاذَنَ الحُرُّ لِعُيَينَةَ؛ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ؛ قَالَ: هِي يَا ابْنَ الخَطَّابِ! فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ، وَلَا تَحْكُمُ بَينَنَا بِالعَدْلِ! فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذْ العَفْوَ وَامُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ. وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ" (٢). - فَائِدَةٌ: يَجُوزُ مِنَ الغَضَبِ مَا كَانَ للهِ تَعَالَى، قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الغَضَبِ وَالشِّدَّةِ لِأَمْرِ اللهِ) (٣)، وَأَيضًا (بَابُ الغَضَبِ فِي المَوعِظَةِ

стр. 212

وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ) (١). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَالوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ شَهْوَتُهُ مَقْصُورَةً عَلَى طَلَبِ مَا أَبَاحَهُ اللهُ لَهُ، وَرُبَّمَا تَنَاوَلَهَا بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ فَأُثِيبَ عَلَيهَا، وَأَنْ يَكُون غَضَبُهُ دَفْعًا لِلأَذَى فِي الدِّينِ لَهُ أَو لِغَيرِهِ، وَانْتِقَامًا مِمَّنْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَومٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التَّوبَة: ١٤] " (٢).

стр. 213

مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ: - المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي جُمْلَةِ وَصَايَا النَّبِيِّ ﷺ اخْتَلَفَ جَوَابُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَنِ الوَصِيَّةِ! فَمَرَّةً قَالَ مِثْلَمَا قَالَ هُنَا: «لَا تَغْضَبْ»، وَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ» (١)، وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: «أَوصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ؛ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢)، فَمَا الجَوَابُ عَنْ هَذَا التَّنَوُّعِ؟ الجَوَابُ: قَالَ العُلَمَاءُ: اخْتِلَافُ الإِجَابَةِ يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ تَفْسِيرَينِ: ١ - أَنَّهُ ﵊ نَوَّعَ الإِجَابَةَ بِحَسْبِ الأَنْفَعِ لِلسَّائِلِ، فَالسَّائِلُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الذِّكْرِ أَرْشَدَهُ إِلَى الذِّكْرِ، وَالَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ لَا يَغْضَبَ أَرْشَدَهُ إِلَى عَدَمِ الغَضَبِ، وَهَكَذَا. ٢ - أَنَّهُ نَوَّعَ الإِجَابَةَ لِبَيَانِ تَنَوُّعِ أَسْبَابِ الخَيرِ فِي الأُمَّةِ، وَهَذَا الاخْتِلَافُ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ وَلَيسَ اخْتِلَافَ تَضَادٍّ.

стр. 214

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ تَعَالَى: "غَضِبَ اللهُ" (١): الغَضَبُ للهِ تَعَالَى؛ هَلْ هُوَ صِفَةٌ حَقِيقيَّةٌ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى؟ أَمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّاوِيلِ والتَّعْطِيلِ: غَضَبُ اللهِ هُوَ الانْتِقَامُ مِمَّنْ عَصَاهُ! وَبَعْضُهُم يَقُولُ: إِرَادَةُ الانْتِقَامِ مِمَّنْ عَصَاهُ! وَالحُجَّةُ عِنْدَهُم أَنَّهَا تَشْبِيهٌ لِلخَالِقِ بِالمَخْلُوقِ! وَوَصْفٌ لَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ! وَالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ غَضَبَ اللهِ تَعَالَى لَا يُمَاثِلُ غَضَبَ المَخْلُوقِينَ لَا فِي الحَقِيقَةِ وَلَا فِي الأَثَرِ. أ- فَمِنْ حَيثُ الحَقِيقَةِ: غَضَبُ المَخْلُوقِ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ القَلْبِ طَلَبًا لِلانْتِقَامِ، وَهُوَ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ حَتَّى يَفُورَ، أَمَّا غَضَبُ الخَالِقِ؛ فَإِنَّهُ صِفَةٌ لَا تُمَاثِلُ هَذَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١]. ب- مِنْ حَيثُ الأَثَرِ: غَضَبُ الآدَمِيِّ قَدْ يُؤَثِّرُ آثَارًا غَيرَ مَحْمُودَةٍ، فَقَدْ يَقْتُلُ المَغْضُوبَ عَلَيهِ، وَرُبَّمَا يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ، أَو يِكْسِرُ الإِنَاءَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ لَهُ أَدْنَى ارْتِبَاطٍ بِمَوضُوعِ الغَضَبِ نَفْسِهِ! وَأَمَّا غَضَبُ اللهِ تَعَالَى فَلَا تَتَرَتَّبُ عَلَيهِ إِلَّا آثَارٌ حَمِيدَةٌ، فَاللهُ تَعَالَى عَزِيزٌ حَمِيدٌ حَكِيمٌ. وَتَأَمَّلِ الاقْتِرَانَ بَينَ بَعْضِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى كَالعَزِيزِ وَالحَكِيمِ، وَالعَزِيزِ الحَمِيدِ؛ حَيثُ يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا تُخْرِجُهُ عِزَّتُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَتِهِ

стр. 215

وَاسْتِحْقَاقِهِ الحَمْدَ؛ بِخِلَافِ العَزِيزِ مِنَ البَشَرِ (١). ٢ - يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ تَاوِيلِ صِفَةِ الغَضَبِ بِالانْتِقَامِ (٢) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزُّخْرُف: ٥٥] فَإِنَّ مَعْنَى ﴿آسَفُونَا﴾ أَغْضَبُونَا (٣)؛ فَجَعَلَ الانْتِقَامَ غَيرَ الغَضَبِ، بَلْ أَثَرًا مُتَرَتِّبًا عَلَيهِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى بُطْلَانِ تَفْسِيرِ الغَضَبِ بِالانْتِقَامِ. وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ؛ فَإِنَّ الغَضَبَ صِفَةٌ تَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ، فَلَيسَتْ مَذْمُومَةً مُطْلَقًا! قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " وَالمُؤْلِمُ إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الغَضَبَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الحُزْنَ، وَلِهَذَا يَحْمَرُّ الوَجْهُ عِنْدَ الغَضَبِ لِثَوَرَانِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ القُدْرَةِ، وَيَصْفَرُّ عِنْدَ الحُزْنِ لِغَورِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ العَجْزِ" (٤).

стр. 216

الحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ) عَنْ أَبِي يَعْلَى؛ شَدَّادِ بْنِ أَوسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ؛ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). - قَولُهُ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ»: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِحْسَانَ وَاجِبٌ. - قَولُهُ: «القِتْلَةَ»: هِيَ الهَيئَةُ وَالحَالَةُ. - الكِتَابَةُ هُنَا قَدْ تَكُونُ شَرْعِيَّةً وَقَدْ تَكُونُ كَونِيَّةً قَدَرِيَّةً، وَالأَظْهَرُ هُنَا أَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ لِدِلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيهَا حَيثُ أَمَرَ الذّابِحَ بِإِحْسَانِ الذَّبْحِ. وَالفَرْقُ بَينَهُمَا أَنَّ الكَونِيَّةَ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالَى وَقَدْ لَا يُحِبُّهَا، أَمَّا الكِتَابَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَقَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ، وَهِيَ مَحْبُوبَةٌ دَومًا مِنَ اللهِ تَعَالَى (٢).

стр. 217

- الإِحْسَانُ هُنَا هُوَ الإِحْسَانُ الوَاجِبُ؛ لِأَنَّ اللهَ فَرَضَهُ، وَفِي الجُمْلَةِ قَدْ يَكُون الإِحْسَانُ مُسْتَحَبًّا؛ وَلَكِنَّهُ لَيسَ المَقْصُودَ هُنَا. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الإِحْسَانِ الوَاجِبِ هَيئَةُ الذَّبْحِ وَالقَتْلِ، وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُ بِالعَدْلِ والإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّحْل: ٩٠]، وَقَولُهُ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَهَذَا الأَمْرُ بِالإِحْسَانِ تَارَةً يَكُونُ لِلوُجُوبِ كَالإِحْسَانِ إِلَى الوَالِدَينِ وَالأَرْحَامِ بِمِقْدَارِ مَا يَحْصُلُ بِهِ البِرُّ وَالصِّلَةُ، وَالإِحْسَانِ إِلَى الضَّيفِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ قِرَاهُ -عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ-، وَتَارَةً يَكُون لِلنَّدْبِ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَنَحْوِهَا" (١). - هَذَا الحَدِيثُ فِيهِ تَمْثِيلٌ لِنَوعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الإِحْسَانِ، وَتَأَمَّلْ كَونَهُ فِي القَتْلِ وَالذَّبْحِ رُغْمَ أَنَّهُ مَوتٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ (٢)! فكَيفَ بِمَا هُوَ أَعْلَى مِمَّا فِيهِ عَلَاقَةُ العَبْدِ مَعَ رَبِّهِ وَمَعَ إِخْوَانِهِ المُسْلِمِينَ؟! وَفِي الحَدِيثِ «إِنَّ اللهَ تَعَالَى مُحْسِنٌ فَأَحْسِنُوا» (٣)، وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ «إِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا، وَإِذَا قَتَلْتُمْ فأَحْسِنُوا؛ فَإِنَّ اللهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ» (٤). - الذَّبْحُ أَخَصُّ مِنَ القَتْلِ لِأَنَّهُ لِلأَكْلِ.

стр. 218

- يُسْتَثْنَى مِنْ إِحْسَانِ القَتْلِ حَالَةُ القِصَاصِ، لِأَنَّهَا مِمَّا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ (١). - مِنَ الإِحْسَانِ فِي الذّبْحِ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الأَمْرِ بِحَدِّ الشِّفَارِ، وَأَنْ تُوَارَى عَنِ البَهَائِمِ، وَقَالَ: «إِذَا ذَبَحَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيُجْهِزْ» (٢). - شُرُوطُ الذَّكَاةِ (٣)؟ الجَوَابُ: يُشْتَرَطُ فِي الذَّكَاةِ (٤) شُرُوطٌ تِسْعَةٌ: ١ - أَنْ يَكُونَ المُذَكِّي عَاقِلًا مُمَيِّزًا. فَلَا يَحِلُّ مَا ذَكَّاُه مَجْنُونٌ أَو سَكْرَانٌ أَو صَغِيرٌ لَمْ يُمَيِّزْ أَو كَبِيرٌ ذَهَبَ تَمْيِيزُهُ وَنَحْوُهُم. ٢ - أَنْ يَكُونَ المُذَكِّي مُسْلِمًا، أَو كِتَابِيًّا -وَهُوَ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى دِينِ اليَهُودِ أَوِ النَّصَارَى-، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٥]. وَكَمَا فِي الصَّحِيحِينِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا (٥). ٣ - أَنْ يَقْصِدَ التَّذْكِيَةَ؛ وَلَيسَ مُجَرَّدَ القَتْلِ! كَأَنْ يُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَيَقْتُلَهَا وَلَا يَنْوِي الذَّبْحَ! ٤ - أَنْ لَا يَكُونَ الذَّبْحُ لِغَيرِ اللهِ -فَهُوَ شِرْكٌ فِي الأُلُوهِيَّةِ-، فَإِنْ كَانَ لِغَيرِ اللهِ

стр. 219

لَمْ تَحِلَّ الذَّبِيحَةُ، كَالذِي يَذْبَحُ تَعْظِيمًا لِصَنَمٍ أَو صَاحِبِ قَبْرٍ أَو مَلِكٍ أَو ضَيفٍ مُعَظَّمٍ وَنَحْوِهِم، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ المَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَةُ وَالمَوقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ اليَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوهُمْ وَاخْشَونِ اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المَائِدَة: ٣]. وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. وَالنُّصُبُ: حَجَرٌ كَانَ يُنْصَبُ فَيُعْبَدُ، وَتُصَبُّ عَلَيهِ دِمَاءُ الذَّبَائِحِ. ٥ - أَنْ لَا يُسَمِّيَ عَلَيهَا اسْمَ غَيرِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ المَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ بِهِ﴾ [المَائِدَة: ٣] وَالإِهْلَالُ: رَفْعُ الصَّوتِ، وَهِيَ هُنَا تَسْمِيَةُ الذَّابِحِ. ٦ - أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى عَلَيهَا فَيَقُولَ عِنْدَ تَذْكِيَتِهَا: (بِسْمِ اللهِ)، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١١٨]، وَقَولِهِ ﷺ : «مَا أنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ؛ فَكُلُوهُ» (١). وَالتَّكْبِيرُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ مُسْتَحَبٌّ وَلَيسَ بِوَاجِبٍ، وَتَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ إِذَا ذُكِرَ غَيرُ اسْمِ اللهِ تَعَالَى عَلَيهَا؛ سَوَاءً كَانَ الذّابِحُ مُسْلِمًا أَمْ كِتَابِيًّا. ٧ - أَنْ تَكُونَ الذَّكَاةُ بِحَادٍّ يُنْهِرُ الدَّمَ مِنْ حَدِيدٍ أَو أَحْجَارٍ أَو زُجَاجٍ أَو غَيرِهَا، لِقَولِهِ ﷺ : «مَا أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ فَكُلُوهُ، لَيسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ! وَسَأُحَدِّثُكُم عَنْ ذَلِكَ؛ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ» (٢).

стр. 220

وَالعَظْمُ مَنْهِيٌّ عَنِ اسْتِخْدَامِهِ لِأَنَّهُ زَادُ إِخْوَانِنَا مِنَ الجِنِّ (١)، وَأَمَّا مُدَى الحَبَشَةِ فَهُوَ خَنْقٌ بِالأَظَافِرِ مِنْ أَهْلِ الحَبَشَةِ لِلشَّاةِ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّوَحُّشِ. ٨ - إِنْهَارُ الدَّمِ، أَي: إِجْرَاؤُهُ بِالتَّذْكِيَةِ، لِقَولِهِ ﷺ -كَمَا سَبَقَ-: «مَا أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ فَكُلُوهُ». ثُمَّ إنْ كَانَ الحَيَوَانُ غَيرَ مَقْدُورٍ عَلَيهِ كَالشَّارِدِ أَوِ الوَاقِعِ فِي بِئْرٍ أَو مَغَارَةٍ وَنَحْوِهِ؛ كَفَى إِنْهَارُ الدَّمِ فِي أَيِّ مَوضِعٍ كَانَ فِي بَدَنِهِ، وَالأَولَى أَنْ يَتَحَرَّى مَا كَانَ أَسْرَعَ إِزْهَاقًا لِرُوحِهِ؛ لِأَنَّهُ أَرْيَحُ لِلحَيَوَانِ وَأَقَلُّ عَذَابًا. ٩ - أَنْ يَكُون المُذَكَّى مَاذُونًا فِي ذَكَاتِهِ شَرْعًا، فَمَا حُرِّمَ لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى كَصَيدِ الحَرَمِ وَالإِحْرَامِ؛ فَلَا يَحِلُّ وَإِنْ ذُكِّيَ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ غَيرَ مُحِلِّى الصَّيدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المَائِدَة: ١]، وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ، وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيرِ» (٢). - فَائِدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالآيَةِ السَّابِقَةِ (٣): إنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَاذَا أُعِيدَ ذِكْرُ أَصْنَافٍ مِنْ هَيئَاتِ الحَيَوَانَاتِ المَيِّتَةِ مَعَ أَنَّهَا كُلَّهَا أَصْلًا مَشْمُولَةٌ بِأَوَّلِ الآيَةِ وَفِيهَا ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ المَيتَةُ﴾؟!

стр. 221

وَالجَوَابُ: " إِنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الآيَةِ كَانُوا لَا يَعُدُّونَ المَيتَةَ مِنَ الحَيَوَانِ إِلَّا مَا مَاتَ مِنْ عِلَّةٍ عَارِضَةٍ بِهِ غَيرِ الانْخِنَاقِ وَالتَّرَدِّي وَالانْتِطَاحِ وَفَرَسِ السَّبُعِ! فَأَعْلَمَهُم اللهُ أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ مَا مَاتَ مِنَ العِلَلِ العَارِضَةِ، وَأَنَّ العِلَّةَ المُوجِبَةَ تَحْرِيمَ المَيتَةِ لَيسَتْ مَوتَهَا مِنْ عِلَّةِ مَرَضٍ أَو أَذًى كَانَ بِهَا قَبْلَ هَلَاكِهَا! وَلَكِنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ يذبَحْهَا مِنْ أَجْلِ ذَبِيحَتِهِ بِالمَعْنَى الَّذِي أَحَلَّهَا بِهِ" (١). - فَائِدَةٌ: التَّسْمِيَةُ شَرْطٌ فِي حِلِّ الذّبِيحَةِ إِلاَّ لِنِسْيَانٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَوقُوفًا: " المُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ؛ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَاكُل". قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: " وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا عَلَيهِ" (٢). قُلْتُ: وَقَدْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ الأَفَاضِلِ بِأَنَّ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الآيَةِ الصَّرِيحِ ﴿وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأَنْعَامُ: ١٢١]، إِلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَخْفَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَهُوَ تَرْجُمَانُ القُرْآنِ! وَيَزِيدُ هَذَا بَيَانًا أَنَّ نَصَّ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ كَمَا فِي

стр. 222

قَولِهِ: " المُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ"، فَيَكُونُ النِّسْيَانُ مِنَ المُسْلِمِ اسْتِثْنَاءً مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ لِعُمُومِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. وَلَعَلَّهُ مِمَّا يَزِيدُ الأَمْرَ بَيَانًا أَيضًا أَنَّ النَّهْيَ أَصْلًا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالذَّبْحِ لِغَيرِ اللهِ، كَمَا فِي تَتِمَّةِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأَنْعَامُ: ١٢١]. قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀: " ذَلِكَ فِسْقٌ: يَعْنِي مَعْصِيَةَ كُفْرٍ" (١). وَقَالَ البُخَارِيُّ ﵀ في صَحِيْحِهِ: " بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيْحَةِ وَمَنْ تَرَكَ مُتَعَمِّدًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ نَسِيَ فَلَا بَاسَ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأَنْعَام: ١٢١]؛ وَالنَّاسِي لَا يُسَمَّى فَاسِقًا! وَقَولُهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِيْنَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٢١] " (٢)، وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ مِنَ الآيَةِ الكَرِيْمَةِ أَنَّ المَقْصُودَ بِهَا هُمُ المُشْرِكُونَ؛ لِأَنَّهُم هُمْ أَولِيَاءُ الشَّيَاطِيْنِ وَلَيْسَ المُسْلِمُونَ -وَإِنْ أَخْطَأَوا -. وأَيْضًا لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَانَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رجب ﵀: " وَكَذَا لَو تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيْحَةِ نِسْيَانًا؛ فِيْهِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ [عَنْ أَحْمَدَ]، وَأَكْثَرُ الفُقَهَاءِ عَلَى أنَّها تُؤْكَلُ" (٣).

стр. 223

الحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: (اتَّقِ اللهَ حَيثُما كُنْتَ) عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُما كُنْتَ، وَأَتَّبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنِ». رَوَاهُ التِّرمِذيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١). - هَذِهِ الوَصِيَّةُ وَصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ جَامِعَةٌ بَينَ حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَحَقِّ عِبَادِهِ. - قَولُهُ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنْتَ»: هَذَا أَمْرٌ بِالتَّقْوَى، وَ (حَيثُمَا) هَذِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ الأَمْكِنَةِ، يَعْنِي فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ. وَفِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ «اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ» (٢). وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀: " أَشَدُّ الأَعْمَالِ ثَلَاثَةٌ: الجُودُ مِنْ قِلَّةٍ، وَالوَرَعُ فِي خَلْوَةٍ، وَكَلِمَةُ الحَقِّ عِنْدَ مَنْ يُرْجَى أَو يُخَافُ" (٣). - المُتَّقِي لُغَةً: هُوَ مَنْ جَعَلَ بَينَهُ وَبَينَ مَا يَكْرَهُ وِقَايَةً، وَشَرْعًا: مَنْ جَعَلَ بَينَهُ وَبَينَ سَخَطِ اللهِ وَعَذَابِهِ وِقَايَةً.

стр. 224

- التَّقْوَى فِي القُرْآنِ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: ١ - تَقْوًى بِمَعْنَى التَّوحِيدِ، وَقَدْ أُمِرَ بِهَا النَّاسُ جَمِيعًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاء:١]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: " يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا خَلْقَهُ بِتَقْوَاهُ -وَهِيَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَمُنَبِّهًا لَهُم عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُم بِهَا مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ آدَمَ ﵇" (١). ٢ - تَقْوًى أُمِرَ بِهَا المُؤْمِنُونَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٨]، فَهِيَ لِلمُؤْمِنِ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ التَّوحِيدَ، وَمَعْنَاهَا أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى. ٣ - تَقْوًى بِمَعْنَى الثَّبَاتِ عَلَيهَا وَعَلَى الطَّاعَةِ، فَهِيَ مُوَجَّهَةٌ لِمَنْ هُوَ آتٍ بِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ١]. - التَّقْوَى لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ بَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: " كَمْ مِنْ

стр. 225

مُرِيدٍ لِلْخَيرِ لَنْ يُصِيبَهُ؟! " (١). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: " أَي: كَمَا بَيَّنَ اللهُ الصِّيَامَ وَأَحْكَامَهُ وَشَرَائِعَهُ وَتَفَاصِيلَهُ؛ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ سَائِرَ الأَحْكَامِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أَي: يَعْرِفُونَ كَيفَ يَهْتَدُونَ، وكَيفَ يُطِيعُونَ" (٢). - قَولُهُ: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا»: أَي: إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا بِحَسَنَةٍ؛ فَإِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السِّيِّئَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هُود: ١١٤]. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هُود: ١١٤]، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣). - تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ عَلَى مَرْتَبَتَينِ: ١ - العُلْيَا؛ وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ بِالحَسَنَةِ إِذْهَابَ السَّيِّئَةِ؛ فَعِنْدَهَا يَتَبَرَّأُ بِقَلْبِهِ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ. ٢ - أَنْ يَعْمَلَ بِالخَيرِ مُطْلَقًا؛ وَالحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. - قَولُهُ: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنِ»: هَذَا مِنْ خِصَالِ التَّقْوَى، وَأَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِلحَاجَةِ إِلَى بَيَانِهِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ التَّقْوَى هِيَ القِيَامُ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى

стр. 226

دُونَ حُقُوقِ عِبَادِهِ! أَو لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَغْفَلُ العَبْدُ عَنْ حُقُوقِ العِبَادِ لِاشْتِغَالِهِ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى؛ فَجَاءَ البَيَانُ بالأَمْرِ بِإِحْسَانِ العِشْرَةِ لِلنَّاسِ أَيضًا، فَإِنَّ مُعَاذًا كَانَ قَدْ بُعِثَ إِلَى اليَمَنِ مُعَلِّمًا لَهُم وَمُفَقِّهًا وَقَاضِيًا؛ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَالَقَةِ النَّاسِ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، وَكَثِيرًا مَا يَغْلِبُ عَلَى مَنْ يَعْتَنِي بِالقِيَامِ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى وَالعُكُوفِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ وَطَاعَتِهِ إِهْمَالُ حُقُوقِ العِبَادِ بِالكُلِّيَّةِ أَوِ التَّقْصِيرُ فِيهَا! فَالجَمْعُ بَينَ القِيَامِ بِحَقِّ اللهِ وَحُقُوقِ النَّاسِ عَزِيزٌ جِدًّا (١). - فِي فَضْلِ حُسْنِ الخُلُقِ أَحَادِيثُ كَثِيرْةٌ، مِنْهَا: ١ - «أكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، المُوَطَّؤُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَالَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَا خَيرَ فِيمَنْ لَا يَالَفُ وَلَا يُؤْلَفُ» (٢). ٢ - «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يُعَمِّرْنَ الدِّيَارَ، وَيَزِدْنَ فِي الأَعْمَارِ» (٣). ٣ - «أَكْثَرُ مَا يَلِجُ بِهِ الإِنْسَانُ النَّارَ الأَجْوَفَانِ: الفَمُ وَالفَرْجُ، وَأَكْثَرُ مَا يَلِجُ بِهِ الإِنْسَانُ الجَنَّةَ: تَقْوَى اللهِ ، وَحُسْنُ الخُلُقِ» (٤). - فَائِدَةٌ: لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ بِأَنَّ السَّيِّئَاتِ العَظِيمَةَ تَحْتَاجُ لِحَسَنَاتٍ عَظِيمَةٍ لِتَكْفِيرِهَا. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَكَذَلِكَ المَرْأَةُ الَّتِي عَمِلَتْ بِالسِّحْرِ

стр. 227

بِدَومَةِ الجَنْدَلِ وَقَدِمَتِ المَدِينَةَ تَسْأَلُ عَنْ تَوبَتِهَا؛ فَوَجَدَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ تُوُفِّيَ، فَقَالَ لَهَا أَصْحَابُهُ: " لَو كَانَ أَبَوَاكِ حَيَّينِ أَو أَحَدُهُمَا كَانَا يَكْفِيَانِكِ". خَرَّجَهُ الحَاكِمُ، وَقَالَ: فِيهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حِدْثَانَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى أَنَّ بِرَّ الوَالِدَينِ يَكْفِيَانِهَا" (١). وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى! فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ! فَلْيَتَصَدَّقْ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢). وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوصِنِي؟ قَالَ: «إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَمِنَ الحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ: «هِيَ أَفْضَلُ الحَسَنَاتِ» (٣). - ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ مُكَفِّرَةٌ لِلصَّغَائِرِ بِشَرْطِ اجْتِنَابِ الكَبَائِرِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٣١]، وَلِحَدِيثِ «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ؛ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» (٤) وَمَفْهُومُ هَذَا أَيضًا أَنَّ الكَبَائِرَ لَا تُكَفَّرُ إِلَّا بِتَوبَةٍ خَاصَّةٍ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ تَكْفِيرِ بَعْضِ الأَعْمَالِ لِلكَبَائِرِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَضَمُّنِ تَوبَةٍ

стр. 228

خَاصَّةٍ لِهَذَا الذَّنْبِ، أَو أَنْ يَكُونَ العَمَلُ المُكَفِّرُ لِلذُّنُوبِ عَمَلًا مُمَيَّزًا دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى عَظَمَةِ أَجْرِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا يُكفِّرُ الكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ مَعًا؛ وَلَكِنْ بِشَرْطِ الإِتْيَانِ بِهَا بِكَمَالِهَا، وَفِي هَذِهِ الحَالَةِ يَكُونُ عَمَلُهُ مَقْرُونًا بِتَوبَةٍ تُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ (١)، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي اليَسَرِ؛ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا «مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ وَالرُّبُعَ وَالخُمُسَ» حَتَّى بَلَغَ العُشُرَ (٢)، وَعَلَى هَذَا فَالصَّلَاةُ الكَامِلَةُ هِيَ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ دُونَ مَا كَانَ فِيهَا تَقْصِيرٌ، وَكَذَلِكَ كَلِمَةُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) الَّتِي يَدْخُلُ صَاحِبُهَا بِهَا الجَّنَّةَ وَيَحْرُمُ مُطْلَقًا عَلَى النَّارِ؛ هِيَ الخَالِصَةُ المَقْرُونَةُ باِلتَّوبَةِ النَّصُوحِ. قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَن آل الشَّيخِ ﵀ -نَقْلًا عَنْ شَيخِ الإِسْلَام رَحِمَهُمَا اللهُ-: " فِإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا [يَعْنِي كَلِمَةَ التَّوحِيدِ" بِإِخْلَاصٍ وَيَقِينٍ تَامٍّ؛ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الحَالِ مُصِرًّا عَلَى ذَنْبٍ أَصْلًا! فَإِنَّ كَمَالَ إِخْلَاصِهِ وَيَقِينِهِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ اللهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ؛ فَإِذَن لَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ إِرَادَةٌ لِمَا حَرَّمَ اللهُ، وَلَا كَرَاهَةٌ لِمَا أَمَرَ اللهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ -وَإِنْ كَانَتْ لَهُ ذُنُوبٌ قَبْلَ ذَلِكَ-، فَإِنَّ هَذَا الإِيمَانَ وَهَذَا الإِخْلَاصَ وَهَذِهِ التَّوبَةَ وَهَذِهِ المَحَبَّةَ وَهَذَا اليَقِينَ لَا تَتْرُكُ لَهُ ذَنْبًا إِلَّا مُحِيَ عَنْهُ كَمَا يَمْحُو اللَّيلُ النَّهَارَ؛ فَإِذَا قَالَهَا عَلَى وَجْهِ الكَمَالِ

стр. 229

-المَانِعِ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ-؛ فَهَذَا غَيرُ مُصِرٍّ عَلَى ذَنْبٍ أَصْلًا؛ فَيُغْفَرُ لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَى النَّارِ" (١). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ -عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابَةِ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ- وَفِيهِ «فَجَزَاؤُهَا بِمِثْلِهَا أَو أَغْفِر»: " وَفِيهِ رَدٌّ لِقَولِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ الكَبَائِرَ لَا تُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوبَةِ! " (٢). وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُم عَلَى تَكْفِيرِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِلكَبَائِرِ أَيضًا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ فِي الصَّحِيحَينِ مَرْفُوعًا «أَرَأَيتُمْ لَو أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَومٍ خَمْسًا؛ مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟» قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيئًا. قَالَ: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ؛ يَمْحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا» (٣). وَرَدَّ عَلَى هَذَا الاسْتِدْلَالِ الأَوَّلُونَ: " يُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ أَنَّ المُرَادَ الصَّغَائِرُ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ شَبَّهَ الخَطَايَا بِالدَّرَنِ، وَالدَّرَنُ صَغِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنَ القُرُوحِ وَالجِرَاحَاتِ" (٤). وَرَدَّ الآخَرُونَ عَلَى هَذَا الاسْتِدْلَالِ بِأَنَّ الغَسْلَ يَذْهَبُ فِيهِ الوَسَخُ الكَبِيرُ الوَاضِحُ قَبْلَ الصَّغِيرِ، وَلُغَةُ الحَدِيثِ تَشْهَدُ بِذَلِكَ فِي قَولِهِ: «مِنْ دَرَنِهِ» و -دَرَنُهُ- هُنَا تُفِيدُ العُمُومَ؛ لِأَنَّ المُفرَدَ المُضافَ يَعُمُّ، وَأَيضًا قَولُهُ: «لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيئًا» فَـ -شَيئًا- نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتُفِيدُ العُمُومَ.

стр. 230

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَلَيسَ هَذَا بِمُسْتَبْعَدٍ؛ فَفَضْلُ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتُهُ أَوسَعُ مِنْ أَنْ يُحِيط بِهِ عِلْمُ إِنْسَانٍ! اللَّهُمَّ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيتَ عَلَى نَفْسِكَ.

стр. 231

الحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: (احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ) عَنْ أَبِي العَبَّاسِ؛ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَومًا؛ فَقَالَ: «يَا غُلَامُ؛ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، إِذَاَ سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِن بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنْ اجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ غَيرِ التِّرْمِذِيِّ «احْفَظِ اللهَ تَجٍدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَم أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَربِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» (١). - قَولُهُ: «إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ»: عِبَارَةٌ فِيهَا التَّرْغِيبُ فِي العِلْمِ، فَقَولُهُ: «كَلِمَات»: جَمْعُ تَقْلِيلٍ، وَالمَقْصُودُ بِهَا هُنَا أَنَّهَا جُمَلٌ يَسِيرَةٌ لَيسَتْ بِكَثِيرَةٍ وَمُطَوَّلَةٍ لِذَا فَسَيَسْهُلُ عَلَيكَ حِفْظُهَا. - الكَلِمَةُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَصْلِ اللُّغَةِ غَيرُ الكَلِمَةِ عِنْدَ النُّحَاةِ، فَالكَلِمَةُ

стр. 232

عِنْدَ النُّحَاةِ: اسْمٌ أَو فِعْلٌ أَو حَرْفٌ، أَمَّا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَصْلِ اللُّغَةِ فَالكَلِمَةُ: هِيَ الجُمْلَةُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» (١). - قَولُهُ: «احْفَظِ اللهَ»: أَي: احْفَظْ حُدُودَهُ وَعُهُودَهُ وَأَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ؛ فَقِفْ عِنْدَ أَوَامِرِهِ بِالِامْتِثَالِ، وَعِنْدَ نَوَاهِيهِ بِالِاجْتِنَابِ. وَهَذَا الحِفْظُ عَلَى دَرَجَتَينِ: ١ - دَرَجَةٍ وَاجِبَةٍ: وَهِيَ الإِتْيَانُ بِالوَاجِبَاتِ، وَالامْتِنَاعُ عَنِ المُحَرَّمَاتِ. ٢ - دَرَجَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ: وَهِيَ الإِتْيَانُ بِمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خِصَالِ التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ. وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]. - قَولُهُ: «يَحْفَظْكَ»: حِفْظُ اللهِ تَعَالَى لِلعَبْدِ هُوَ عَلَى دَرَجَتَينِ أَيضًا: ١ - حِفْظِهِ فِي دُنْيَاهُ: مِنْ صِحَّةٍ وَمَعَاشٍ وَرِزْقٍ وَوَلَدٍ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الحِفْظِ لِمَصَالِحِ العَبْدِ فِي الدُّنْيَا. قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀: " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكَهْف: ٨٢]: حُفِظَا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا" (٢). ٢ - حِفْظِهِ فِي دِينِهِ: بِأَنْ يُسَلِّمَ لَهُ دِينَهُ مِنْ تَاثِيرِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ.

стр. 233

وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا -فِي دُعَاءِ العَبْدِ إِذَا أَرَادَ النَّومَ- «اللَّهُمَّ إِنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أرْسَلْتَها فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» (١). وَمِنْ حِفْظِ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَولَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِيْنَ﴾ [يُوسُف: ٢٤]. وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ إِبْلِيْسُ الرَّجِيْمُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. - قَولُهُ: «تَجِدُهُ تُجَاهَكَ»: أَي: تَجِدُهُ أَمَامَكَ؛ قَرِيبًا مِنْكَ، يُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَ، كَمَا فِي حَدِيثِ الوَلِيِّ. فَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (٢). - فِي هَذَا الحَدِيثِ بَيَانٌ لِمَعِيَّةٍ خَاصَّةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ، وَهَذِهِ المَعِيَّةُ نَوعَانِ:

стр. 234

١ - مَعِيَّةٌ عَامَّةٌ. كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [المُجَادِلَة: ٧]. وَهَذِهِ المَعِيَّةُ تَقْتَضِي عِلْمَهُ وَاطِّلَاعَهُ وَمُرَاقَبَتَهُ لِأَعْمَالِهِم، وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ أَيضًا لِتَخْوِيفِ العِبَادِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ. ٢ - مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ. كَقَولِهِ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طَه: ٤٦]، وَقَولِهِ تَعَالَى عَنْ مُوسَى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشُّعَرَاء: ٦٢]. وَهَذِهِ المَعِيَّةُ تَقْتَضِي النَّصْرَ وَالتَّايِيدَ وَالحِفْظَ وَالإِعَانَةَ، وَهِيَ المَقْصُودَةُ بِالحَدِيثِ هُنَا. - قَولُهُ: «تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»: أَي: قُمْ بِحَقِّ اللهِ فِي حَالِ الرَّخَاءِ وَالصِّحَّةِ وَالغِنَى؛ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ إِذَا زَالَتْ عَنْكَ الصِّحَّةُ وَالغِنَى وَاشْتَدَّتْ حَاجَتُكَ. - مَعْرِفَةُ العَبْدِ لِرَبِّهِ نَوعَان: ١ - مَعْرِفَةٌ عَامَّةٌ: وَهِيَ مَعْرِفَةُ الإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ وَالإِيمَانِ بِهِ تَعَالَى، وَهِيَ عَامَّةٌ لِلمُؤْمِنِينَ. ٢ - مَعْرِفَةٌ خَاصَّةٌ: تَقْتَضِي مَيلَ القَلْبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالكُلِّيَّةِ، وَالانْقِطَاعَ إِلَيهِ، وَالأُنْسَ بِهِ وَحْدَهُ، وَالطُّمَانِينَةَ بِذِكْرِهِ، وَالحَيَاءَ وَالهَيبَةَ مِنْهُ، وَهِيَ المَقْصُودَةُ

стр. 235

بِالحَدِيثِ هُنَا. - مَعْرِفَةُ اللهِ تَعَالَى أَيضًا لِعَبْدِهِ نَوعَان: ١ - مَعْرِفَةٌ عَامَّةٌ: وَهِيَ عِلْمُهُ تَعَالَى بِعِبَادِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا أَسَرُّوهُ وَمَا أَعْلَنُوهُ. ٢ - مَعْرِفَةٌ خَاصَّةٌ: وَهِيَ تَقْتَضِي مَحَبَّتَهُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ، وَتَقْرِيبَهُ إِلَيهِ، وَإِجَابَةَ دُعَائِهِ وَإِنْجَاءَهُ لَهُ مِنَ الشَّدَائِدِ، وَهِيَ المَقْصُودَةُ بِالحَدِيثِ هُنَا. - قَولُهُ: «إِذَاَ سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنتَ فَاسْتَعِن بِاللهِ»: هو كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفَاتِحَة: ٥]، وَفِيهِ بَيَانُ إِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى بِالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَانَةِ. ولَكِنَّ هَذَا الإِفْرَادَ بِالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَانَةِ يَكُونُ عَلَى مَرْتَبَتَينِ: ١ - مَرْتَبَةٌ وَاجِبَةٌ: وَهِيَ التَّوحِيدُ؛ بِأَنْ يَسْتَعِينَ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَإِنَّ صَرْفَ ذَلِكَ لِغَيرِهِ تَعَالَى شِرْكٌ بِهِ. ٢ - مَرْتَبَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ: وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ أنْ يَقُومَ بِالمَطْلُوبِ وَحْدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ إِعَانَةً (١). وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ الأَخِيرَةُ قَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ البَيعَةَ عَلَيهَا مِنْ عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فَأَمرَهُم أَلَّا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا! كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ؛ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -تِسْعَةً، أَو ثَمَانِيَةً، أَو سَبْعَةً- فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» -وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيعَةٍ -قُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ! حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَبَسَطْنَا أَيدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ قَائِلٌ:

стр. 236

يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ؛ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا» وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً؛ قَالَ: «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا». قَالَ: فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوطُهُ؛ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). - فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ هُنَا؛ لَا يُكْتَفَى بِسُؤَالِ اللهِ تَعَالَى أُمُورَ الدُّنْيَا الهَامَّةَ وَأُمُورَ الآخِرَةِ فَقَط! بَلْ يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ يَغْفَلُ عَنْهُمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: ١ - سُؤَالُ اللهِ تَعَالَى أُمُورَ الدُّنْيَا كُلِّهَا وَلَو كَانَتْ قَلِيلَةَ الأَهَمِّيَّةِ وَالقَدْرِ. كَمَا فِي قَولِ عَائِشَة ﵂: " سَلُوا اللهَ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى الشِّسْعَ؛ فَإِنَّ اللهَ إِنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ" (٢). ٢ - سُؤَالُ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُعِينَهُ عَلَى طَاعَتِهِ. كَمَا فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ «لَا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاة تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٣). وَكَمَا فِي قَولِ يَعْقُوبَ ﷺ فِي الصَّبْرِ عَلَى المَقْدُورِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يُوسُف: ١٨]. - قَولُهُ: «وَاعْلَم أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ .. قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ»: فِيهِ بَيَانُ القَدَرِ الثَّابِتِ؛ وَأَنَّ العِبَادَ لَنْ يُغَيِّرُوا مِنْ قَدَرِ اللهِ تَعَالَى المَاضِي شَيئًا.

стр. 237

وَإِنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ يُفِيدُنَا أَمْرَينِ: ١ - تَعْظِيمَ جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَذَلِكَ بِالإِيمَانِ بِعِلْمِ اللهِ الأَزَلِيِّ، وَكِتَابَتِهِ سُبْحَانَهُ لِذَلِكَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ؛ وَأَنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَا لَمْ يَكُنْ. وَكَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ مَرْفُوعًا «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيءٌ قَبْلَهُ -وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ-، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيءٍ» (١). ٢ - تَعْظِيمَ جَانِبِ الأُلُوهِيَّةِ، وَذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيهِ سُبْحَانَهُ وَالاعْتِصَامِ بِهِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيهِ وَحْدَهُ فِي قَضَاءِ الحَاجَاتِ. - قَولُهُ: «رُفعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»: أَي: إِنَّ الأَمْرَ مَضَى وَانْتَهَى. وَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّ العَبْدَ مَامُورٌ بِالعَمَلِ وَالطَّاعَةِ! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ فِي جَنَازَةٍ؛ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [اللَّيل: ٥ - ٧]» (٢)، وَفِي لَفْظٍ «أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاءِ» (٣). - قَولُهُ: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ»: فِيهَا بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلصَّابِرِينَ. وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْتِ النَّظَرِ إِلَى أَنَّ الصَّبْرَ الَّذِي يُثَابُ عَلَيهِ صَاحِبُهُ هُوَ صَبْرُ

стр. 238

الرَّاضِي بِقَدَرِ اللهِ؛ المُحْسِنِ الظَّنَّ بِهِ وَبِحِكْمَتِهِ فِي أَفْعَالِهِ ، وَلَيسَ صَبْرَ العَاجِزِ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ إِلَّا العَجْزَ؛ حَيثُ يَجْعَلُ عَجْزَهُ صَبْرًا! وَالفَرْقُ بَينَ قَلْبَيهِمَا كَالفَرْقِ بَينَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ، وَسُبْحَانَ اللهِ العَلِيمِ بِذَاتِ الصُّدُورِ. - مِمَّا يُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ أَمْرَانِ: ١ - مُلَاحَظَةُ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي ابْتِلَائِهِ؛ وَأَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا سُبْحَانَهُ تَدُورُ بَينَ العَدْلِ وَالفَضْلِ. ٢ - مُلَاحَظَةُ ثَوَابِ الرِّضَى بِالقَدَرِ، وَمَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِلصَّابِرِينَ (١). - مَرَاتِبُ النَّاسِ عِنْدَ المُصِيبَةِ: ١ - مَرْتَبَةُ السَّخَطِ عَلَى قَدَرِ اللهِ تَعَالَى: وَيَكُونُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ. كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَيسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» (٢). ٢ - مَرْتَبَةُ الصَّبْرِ: وَهُوَ الرِّضَى بِمَا قَدَّرَ اللهُ عِنْدَهُ مِنَ البَلَاءِ؛ وَأنَّهُ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا اللهُ (٣). وَهَذَا الابْتِلَاءُ قَدْ يَتَمَنَّى العَبْدُ زَوَالَهُ وَلَكِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِصَبْرِهِ! كَمِثْلِ مَنْ ابْتُلِيَ بِمَرَضٍ؛ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لِحِكْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ؛ فَهُوَ رَاضٍ بِفِعْلِ رَبِّهِ وَتَقْدِيرِهِ؛ وَإِنْ كَانَ مُتَمَنِّيًا

стр. 239

لِزَوَالِ مَرَضِهِ -وَهُوَ المَقْدُورُ-. ٣ - مَرْتَبَةُ الرِّضَا بِالمَقْدُورِ: فَهُوَ رَاضٍ بِالقَدَرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لِحِكْمَةٍ؛ وَأَيضًا هُوَ رَاضٍ بِمَا حَلَّ بِهِ -أَي: مِنَ المَقْدُورِ- فَهُوَ غَيرُ مُتَمَنٍ لِزَوَالِ مَا أَصَابَهُ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَالفَرْقُ بَينَ الرِّضَا وَالصَّبْرِ: أَنَّ الصَّبْرَ كَفُّ النَّفْسِ وَحَبْسُهَا عَنِ التَّسَخُّطِ -مَعَ وُجُودِ الأَلَمِ-، وَتَمَنِّي زَوَالِ ذَلِكَ، وَكَفُّ الجَوَارِحِ عَنِ العَمَلِ بِمُقْتَضَى الجَزَعِ. وَالرِّضَا: انْشِرَاحُ الصَّدْرِ وَسَعَتُهُ بِالقَضَاءِ، وَتَرْكُ تَمَنِّي زَوَالِ ذَلِكَ المُؤْلِمِ -وَإِنْ وُجِدَ الإِحْسَاسُ بِالأَلَمِ-، لَكِنَّ الرِّضَا يُخَفِّفُهُ لِمَا يُبَاشِرُ القَلْبَ مِنْ رَوحِ اليَقِينِ وَالمَعْرِفَةِ، وَإِذَا قَوِيَ الرِّضَا؛ فَقَدْ يُزِيلُ الإِحْسَاسَ بِالأَلَمِ بِالكُلِّيَّةِ" (١). قُلْتُ: لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَاخُذُ بِأَسْبَابِ إِزَالَةِ المُؤْلِمِ! لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ إِظْهَارُ مَحَبَّةِ مَا اخْتَارَهُ اللهُ لَكَ لِأَنَّهُ نَاتِجٌ عَنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ وَرَحْمَةٍ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ تَعَلَّقَ بِالأَمْرِ مَا هُوَ خَيرٌ مِنْهُ، أَو مَا كَانَ مَذْمُومًا فِي نَفْسِهِ؛ فَالمَقْصُودُ هُنَا إِظْهَارُ الرِّضَا بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى فِي العَبْدِ. وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: " فَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِعْلُ التَّدَاوِي فِي نَفْسِهِ؛ وَالأَمْرُ بِهِ لِمَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ" (٢). ٤ - مَرْتَبَةُ الشُّكْرِ عَلَى المُصِيبَةِ: ووَجْهُهَا أَنَّه يَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى أَنَّه لَمْ يَجْعَلْهَا فِي دِينِهِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ عَذَابَ الدُّنيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ.

стр. 240

وَفِي الحَدِيثِ «وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنا فِي دِينِنَا» (١). - قَولُهُ: «وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَربِ»: هَذِهِ الإِجَابَةُ -أَي الإِجَابَةُ عِنْدَ الكَرْبِ- سَبَبُهَا أَمْرَانِ: ١ - أَنَّ الكَرْبَ إِذَا اشْتَدَّ وَعَظُمَ وَتَنَاهَى؛ حَصَلَ لِلْعَبْدِ الإِيَاسُ مِنْ كَشْفِهِ مِنْ جِهَةِ المَخْلُوقِينَ، وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ الَّتِي تُطْلَبُ بِهَا الحَوَائِجُ؛ فَإِنَّ اللهَ يَكْفِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاق: ٣] (٢). ٢ - أَنَّ المُؤْمِنَ إِذَا اسْتَبْطَأَ الفَرَجَ وَأَيِسَ مِنْهُ بَعْدَ كَثْرَةِ دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ اسْتِجَابَةٌ؛ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ بِاللَّومِ، وَهَذَا اللَّومُ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ انْكِسَارَ العَبْدِ لِمَولَاهُ، وَاعْتِرَافَهَ لَهُ بِأَنَّه أَهْلٌ لِمَا نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلَاءِ، وَأَنَّهُ لَيسَ أَهْلًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ فَلِذَلِكَ تَسْرَعُ إِلَيهِ حِينَئِذٍ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَتَفْرِيجُ الكُرَبِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُم مِنْ أَجْلِهِ (٣).

стр. 241

الحَدِيثُ العِشْرُونَ: (إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) عَنْ أَبي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ (١) ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «إِنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لمْ تَسْتَحِ؛ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). - مَعْنَى الإِدْرَاكِ هُنَا: أَنَّهُ فَشَا فِي النَّاسِ، وَتَنَاقَلُوهُ عَنِ الأَنْبِيَاءِ. - الحَيَاءُ لُغَةً: تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ الإِنْسَانَ مِنْ خَوفِ مَا يُعَابُ بِهِ. وَشَرْعًا: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ القَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الحَقِّ. - قَولُهُ: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ» يَحْتَمِلُ مَعْنَيِينِ -وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ لِلْمُتَأَمِّلِ-: ١ - إِذَا لَمْ تَكُنْ ذَا حَيَاءٍ صَنَعْتَ مَا شِئْتَ، فَالحَيَاءُ هُنَا عَائِدٌ عَلَى الفَاعِلِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَحِي، وَقَدْ خَرَجَ الكَلَامُ مَخْرَجَ الذَّمِّ (٣). ٢ - إِذَا كَانَ الفِعْلُ لَا يُسْتَحْيَى مِنْهُ؛ فَاصْنَعْهُ وَلَا تُبَالِ، وَالحَيَاءُ هُنَا عَائِدٌ عَلَى الفِعْلِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْيَى مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا عَيبَ فِيهِ.

стр. 242

- مَا يُؤْثَرُ عَنِ النُّبُوَّةِ الأُولَى يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: ١ - مَا شَهِدَ شَرْعُنَا بِصِحَّتِهِ: فَهُوَ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ. ٢ - مَا شَهِدَ شَرْعُنَا بِبُطْلَانِهِ: فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ. ٣ - مَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِتَايِيدِهِ وَلَا نَفْيِهِ: فَهَذَا يُتَوَقَّفُ فِيهِ. - الحَيَاءُ -بِحَسْبِ مَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ- نَوعَانِ: ١ - حَيَاءٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى؛ فَتَسْتَحِي مِنَ اللهِ أَنْ يَرَاكَ حَيثُ نَهَاكَ، وَأَنْ يَفْقِدَكَ حَيثُ أَمَرَكَ. ٢ - حَيَاءٌ مَعَ المَخْلُوقِ؛ فَلَا تَفْعَلُ مَا يُخَالِفُ المُرُوءَةَ وَالأَخْلَاقَ. - الحَيَاءُ -بِحَسْبِ اكْتِسَابِهِ- نَوعَانِ: ١ - جِبِلِّيٌّ (غَيرُ مُكْتَسَبٍ): وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الأَخْلَاقِ الَّتِي يَمْنَحُهَا اللهُ العَبْدَ وَيَجْبُلُهُ عَلَيهَا، لَكِنَّهُ -وَإِنْ كانَ قَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً- فَهُوَ فِي اسْتِعْمالِهِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ وَنيَّةٍ. وَفِي حَدِيثِ أَشَجِّ عَبْدِ القَيسِ؛ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ»، قُلْتُ: مَا هُمَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الحِلْمُ وَالحَيَاءُ»، قُلْتُ: أَقَدِيمًا كَانَا فِيَّ أَو حَدِيثًا؟ قَالَ: «بَلْ قَدِيمٌ»، قُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَينِ يُحِبُّهُمَا (١). ٢ - مُكْتَسَبٌ، وَسَبَبُ اكْتِسَابِهِ أَمْرَانِ: أ- مَعْرِفَةُ اللهِ وَعَظَمَتِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ عِبَادِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيهِم وَعِلْمِهِ بِخَائِنَةِ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَهَذَا مِنْ أَعْلَى خِصَالِ الإِيمَانِ.

стр. 243

ب- مُطَالَعَةُ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى، وَرُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ فِي شُكْرِهَا (١). - فِي الحَدِيثِ قَولُهُ: «الحَيَاءُ لَا يَاتِي إِلَّا بِخَيرٍ» (٢): المَقْصُودُ بِهِ الحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ، أَمَّا الحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ مَنْعُ مَا يَجِبُ أَو أَوقَعَ فِيمَا يَحْرُمُ؛ فَهُوَ لَيسَ حَيَاءً شَرْعِيًّا! بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيهِ الحَيَاءُ لِمُشَابَهَتِهِ الحَيَاءَ الشَّرْعِيَّ. وَفِي صَحِيحِ البُخَاريِّ تَحْتَ بَابِ (مَا لَا يُسْتَحْيَا مِنَ الحَقِّ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ)؛ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂؛ قَالَتْ: " جَاءَتْ أُمُّ سُلَيمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ؛ فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ». وَهُوَ المُرَادُ بِقَولِ مُجَاهِدٍ: لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْي" (٣). - الحَيَاءُ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ، لِقَولِهِ ﷺ : «الحَيَاءُ شُعْبةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (٤). وَسَبَبُ كَونِ الحَيَاءِ مِنَ الإِيمَانِ؛ وَأَنَّهُ لَا يَاتِي إِلَّا بِخَيرٍ: أَنَّهُ يَكُفُّ عَنِ ارْتِكَابِ القَبَائِحِ، وَعَنْ دَنَاءَةِ الأَخْلَاقِ، وَيَحُثُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَمَعَالِيهَا؛

стр. 244

فَهُوَ مِنْ خِصَالِ الإِيمَانِ بِهَذَا الاعْتِبَارِ، فَإِذَا زَالَ الحَيَاءُ زَالَ الإِيمَانُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «إنَّ الحَيَاءَ وَالإِيمَانَ قُرِنَا جَمِيعًا؛ فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ» (١)، فَهُوَ كَالإِيمَانِ يَحُولُ بَينَ العَبْدِ وبَينَ المَعَاصِي. - الحَيَاءُ فِي صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى: هُوَ حَيَاءٌ يَلِيقُ بِهِ، فَإِنَّهُ حَيَاءُ كَرَمٍ وَجُودٍ وَجَلَالٍ، فَإِنَّهُ ﵎ «حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إلَيهِ يَدَيهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَينِ» (٢). وَالحَيَاءُ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَحَيَاؤُهُ سُبْحَانَهُ هُوَ تَرْكُ مَا لَيسَ يَتَنَاسَبُ مَعَ سِعَةِ رَحْمَتِهِ وَكَمَالِ جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَعَظِيمِ عَفْوِهِ وَحِلْمِهِ (٣).

стр. 245

- أَحَادِيثُ فِي فَضْلِ الحَيَاءِ: ١ - «إنَّ لِكُلِّ دِينِ خُلُقًا؛ وَخُلُقُ الإِسْلَامِ الحَيَاءُ» (١). ٢ - «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَإِذَا كَرِهَ شَيئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ» (٢). ٣ - «مَا كانَ الفُحْشُ فِي شَيءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ، وَلَا كانَ الحَيَاءُ فِي شَيءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ» (٣). ٤ - «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ تَعَالَى حَقَّ الحَيَاءِ، مَنَ اسْتَحْيا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ؛ فَلْيَحْفَظِ الرَّاسَ وَمَا وَعَى، ولْيَحْفَظِ البَطْنَ وَمَا حَوَى، ولْيَذْكُرِ المَوتَ وَالبِلَا، وَمَنْ أرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ» (٤). ٥ - «إِنَّ الحَيَاءَ وَالعَفَافَ وَالعِيَّ -عِيَّ اللِّسَانِ لَا عِيَّ القَلْبِ (٥) - وَالعَمَلَ مِنَ الإِيمَانِ، وَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِي الآخِرَةِ، وَيُنْقِصْنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا يَزِدْنَ فِي الآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُنْقِصْنَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّ الشُّحَّ والفُحْشَ وَالبَذَاءَ مِنَ النِّفَاقِ، وَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا، وَيُنْقِصْنَ مِنَ الآخِرَةِ، وَمَا يُنْقِصْنَ فِي الآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا» (٦).

стр. 246

٦ - «أَفْشِ السَّلَامَ وَابْذُلِ الطَّعَامَ، وَاسْتَحْي مِنَ اللهِ اسْتِحْيَاءَكَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِكَ، وَإِذَا أَسَاتَ فَأَحْسِنْ، وَلْتُحْسِنْ خُلُقَكَ مَا اسْتَطَعْتَ» (١).

стр. 247

الحَدِيثُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ: (قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ) عَنِ أَبي عَمْرٍو -وَقِيلَ أَبي عمْرَةَ- سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁؛ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الإِسْلامِ قَولًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيرَكَ؟ قَالَ: «قُلْ آمَنْتُ باللهِ، ثُمَّ استَقِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). - هَذَا الحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]. - قَولُهُ: «استَقِمْ»: هُنَا لَيسَ مَعْنَاهُ طَلَبُ الشَّيءِ! وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ: الإِقَامَةُ عَلَى هَذَا الدِّينِ، وَالثَّبَاتُ عَلَيهِ -طَاعَةً وَنَهْيًا-. - (اسْتَقَامَ) بِنَاؤُهَا هُوَ (اسْتَفْعَلَ)، وَهَذَا البِنَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيِينِ لُغَةً: ١ - الطَّلَبُ: كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ القُدُسِيِّ: «يَا ابْنَ آدَمَ؛ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» (٢)، وَأَيضًا حَدِيثُ مُسْلِمٍ القُدُسِيِّ «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» (٣). ٢ - كَثْرَةُ الوَصْفِ فِي الفِعْلِ: كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ

стр. 248

فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٣٤]، وَالمَعْنَى: إِنَّ إِبْلِيسَ زَادَ فِي كِبْرِهِ وَتَعَاظَمَ، وَكَمِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التَّغَابُن: ٦]. - فِي الحَدِيثِ بَيَانُ وُجُوبِ العَمَلِ بِالشَّهَادَتَينِ مَعًا؛ وَلَيسَ بِالأُولَى مِنْهُمَا فَقَط -وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ-! فَالإِيمَانُ بِاللهِ يَتَضَمَّنُ الإِخْلَاصَ للهِ تَعَالَى فِي العِبَادَةِ، وَالاسْتِقَامَةُ تَتَضَمَّنُ التَّمَشِّيَ عَلَى شَرِيعَتِهِ الَّذِي أَنْزَلَهَا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ فيَكُونُ جَامِعًا لِشَرْطَي قَبُولِ العَمَلِ وَهُمَا: الإِخْلَاصُ وَالمُتَابَعَةُ. - رَوَى الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَولَهُ: " مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]؟ قَالُوا: رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا مِنْ ذَنْبِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ حَمَلْتُمْ عَلَى غَيرِ المَحْمَلِ! قَالَ: رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى إِلَهٍ غَيرِهِ" (١)، فَيَكُونُ فِي هَذَا تَصْدِيقُ القَولِ بِالعَمَلِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَلَعَلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ المُرَادَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى التَّوحِيدِ؛ إِنَّمَا أَرَادَ التَّوحِيدَ الكَامِلَ الَّذِي يُحَرِّمُ صَاحِبَهُ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ تَحْقِيقُ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ الإِلَهَ هُوَ المَعْبُودُ الَّذِي يُطَاعُ فَلَا يُعْصَى خَشْيَةً وَإِجْلَالًا وَمَهَابَةً وَمَحَبَّةً وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا وَدُعَاءً، وَالمَعَاصِي كُلُّهَا قَادِحَةٌ فِي هَذَا التَّوحِيدِ لِأَنَّهَا إِجَابَةٌ لِدَاعِي الهَوَى وَهُوَ الشَّيطَانُ، قَالَ اللهُ : ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٣] قَالَ الحَسَنُ وَغَيرُهُ: هُوَ الَّذِي لَا يَهْوَى شَيئًا إِلَّا رَكِبَهُ!

стр. 249

فَهَذَا يُنَافِي الِاسْتِقَامَةَ عَلَى التَّوحِيدِ" (١). - الفَائِدَة الأُولَى: إِنَّ لُزُومَ الاسْتِقَامَةِ لَا يَعْنِي العِصْمَةَ مِنَ الزَّلَلِ! وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ العَبْدَ المُسْتَقِيمَ إِذَا زَلَّ؛ فَإِنَّهُ يُتْبِعُ ذَلِكَ بِالاسْتِغْفَارِ وَالتَّوبَةِ. وَدَلَّتْ لِذَلِكَ أُمُورٌ: ١ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فُصِّلَت: ٦]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي الاسْتِقَامَةِ المَامُورِ بِهَا؛ فَيَجْبُرُ ذَلِكَ الاسْتِغْفَارُ المُقْتَضِي لِلتَّوبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الاسْتِقَامَةِ" (٢). ٢ - حَدِيثُ «اتَّقِ اللهَ حَيثُما كُنْتَ، وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنِ» (٣). ٣ - حَدِيثُ «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيرَ أعْمَالِكُم الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» (٤). - الفَائِدَة الثَّانية: التَّعْبِيرُ بِلَفْظَةِ (الاسْتِقَامَةِ) -عَنِ المُتَمَسِّكِ بِالشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ- أَولَى مِنَ التَّعْبِيرِ بِلَفْظَةِ (الالتِزَامِ)؛ لِكَونِ لَفْظِ (الاسْتِقَامَةِ) مُسْتَخْدَمٌ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (٥).

стр. 250

الحَدِيثُ الثَّانِي وَالعِشْرُونَ: (أَحْلَلْتُ الحَلالَ، وَحَرَّمْتُ الحَرَامَ) عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ؛ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا (١) سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ؛ فَقَالَ: أَرَأَيتَ إِذا صَلَّيتُ المَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحلَلْتُ الحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلى ذَلِكَ شَيئًا؛ أَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). - هَذَا الحَدِيثُ بَوَّبَ عَلَيهِ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِـ (بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الجَنَّةُ؛ وَأَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ) (٣). - فِي الحَدِيثِ بَيَانُ عَدَمِ وُجُوبِ غَيرِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، وَغَيرُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ لَا تَجِبُ إِلَّا لِسَبَبٍ. - الصِّيَامُ لُغَةً: الإِمْسَاكُ. وَشَرْعًا: هُوَ الإِمْسَاكُ عَنِ المُفْطِرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ تَعَبُّدًا للهِ . - قَولُهُ: (وَأَحْلَلْتُ الحَلَالَ): أَي: فَعَلْتُ الحَلَالَ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ، (وَحَرَّمْتُ الحَرَامَ): أَي اجْتَنَبْتُ الحَرَامَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ. وَالتَّقْيِيدُ بِكَونِهِ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ هُوَ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى مَا فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ بِغَيرِ
следующие страницы →