← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23

سبيل المهتدين إلى شرح الأربعين النووية

خلدون نغوي

Полный текст (476 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

«وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم»، وَهِيَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذَابِ﴾ [الزُّمَر: ٢٤]، فَأَهْلُ النَّارِ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ؛ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا إِلَّا بِوُجُوهِهِم، وَالمَعْنَى أَنَّهَا لَيسَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهُم، بَلْ هِيَ تَمَسُّ أَكْثَرَ عُضْوٍ يَحْرِصُونَ عَلَى وِقَايَتِهِ.

стр. 317

مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ: - المَسْأَلَةُ الأُولَى: يُشْكِلُ هَذَا الحَدِيثُ فِي قَولِهِ: «أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ» مَعَ حَدِيثِ «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَلَاَ أَنَا؛ إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدِنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ» (١)! فَمَا الجَمْعُ؟ الجَوَابُ: أَنَّ البَاءَ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ هِيَ بَاءُ السَّبَبِيَّةِ، وَالتِي تُفِيدُ أَنَّ هَذَا العَمَلَ هُوَ سَبَبٌ لِهَذِهِ النَّتِيجَةِ، أَمَّا الحَدِيثُ الثَّانِي فَالبَاءُ فِيهِ هِيَ بَاءُ العِوَضِ، وَالتِي تُفِيدُ أَنَّ النَّتِيجَةَ مُقَابِلَةٌ وَمُسَاوِيَةٌ لِلسَّبَبِ، فَإِذَا قُلْتَ: بِعْتُكَ هَذَا الكِتَابَ بِدِرْهَمٍ؛ فَهَذِهِ لِلعِوَضِ، وَإِذَا قُلْتُ: أَكْرَمْتُكَ بِحُسْنِ خُلُقِي؛ فَهَذِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ (٢)، فَالمَنْفِيُّ فِي الحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ العِوَضُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الجَنَّةِ لَيسَ فَضْلًا وَعَطَاءً مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ، وَعَلَيهِ فَلَا تَعَارُضَ بَينَ الحَدِيثَينِ (٣).

стр. 318

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَمْ يُذْكَرْ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ اسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النَّحْل: ٩٨]! الجَوَابُ: قَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ العَمَلِيَّةُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَامُرُ بِالاسْتِعَاذَةِ فِي حَالِ التِّلَاوَةِ وَلَيسَ فِي حَالِ الاسْتِشْهَادِ وَالاسْتِدْلَالِ، وَكُتُبُ الحَدِيثِ -مِنْ جِهَةِ الهَدْي النَّبَوِيِّ- تَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ (القُذَاذَةُ فِي تَحْقِيقِ مَحَلِّ الِاسْتِعَاذَةِ): " الَّذِي ظَهَرَ لِي -مِنْ حَيثُ النَّقْلِ وَالِاسْتِدْلَالِ- أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقُولَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى؛ وَيَذْكُرُ الآيَةَ، وَلَا يَذْكُرُ الِاسْتِعَاذَةَ، فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ فِي الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ … " (١).

стр. 319

الحَدِيثُ الثَّلاثُونَ: (إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ؛ فَلا تُضَيِّعُوهَا) عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ -جُرثُومِ بْنِ نَاشِرٍ- ﵁؛ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ؛ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا؛ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ؛ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيرَ نِسْيَانٍ؛ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا». حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيرُهُ (١). - الحَدِيثُ هُنَا شَمَلَ أَحْكَامَ الدِّينِ كُلَّهَا، وَهِيَ: فَرَائِضُ، وَمَحَارِمُ، وَحُدُودُ، وَمَسْكُوتٌ عَنْهَا. - الحَدِيثُ هُنَا ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ يَقْرُبُ مِنْهُ حَدِيثُ «مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ؛ فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٤]» (٢). - (جُرْثُوم): الجُرْثُومَةُ مَعْنَاهَا: الأَصْلُ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيهِ، وَلَيسَتْ هِيَ كَلِمَةُ ذَمٍّ فِي أَصْلِهَا!

стр. 320

- قَولُهُ: «فَرَضَ»: أَي: أَوجَبَ. - قَالَ أَهْلُ العِلْمِ عَنِ الفَرْضِ وَالوَاجِبِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الفَرْقِ بَينَهُمَا: ١ - إِنَّ الفَرْضَ مَا دَلَّ القُرْآنُ عَلَى وُجُوبِهِ، وَالوَاجِبَ مَا دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى وُجُوبِهِ. وَهَذَا التَّفْرِيقُ هُوَ مِنْ جِهَةِ عَزْوِ الدَّلِيلِ لَا مِنْ جِهَةِ المَرْتَبَةِ. ٢ - إِنَّ الفَرْضَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالوَاجِبَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ غَيرِ قَطْعِيٍّ. وَهَذَا التَّفْرِيقُ عِنْدَهُم هُوَ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ وَالمَرْتَبَةِ. ٣ - إِنَّ الفَرْضَ وَالوَاجِبَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ؛ فَلَا يُفَرِّقُونَ بَينَهُمَا لَا مِنْ جِهَةِ عَزْوِ الدَّلِيلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ المَرْتَبَةِ، وَهُوَ الأَرْجَحُ. - قَولُهُ: «حَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا»: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَأَمَّا حُدُودُ اللهِ الَّتِي نَهَى عَنِ اعْتِدَائِهَا؛ فَالمُرَادُ بِهَا جُمْلَةُ مَا أَذِنَ فِي فِعْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوِ الإِبَاحَةِ، وَاعْتِدَاؤُهَا: هُوَ تُجَاوُزُ ذَلِكَ إِلَى ارْتِكَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطَّلَاقِ: ١] " (١). وَفِي الحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تَتَعَرَّجُوا (٢)، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوفِ الصِّرَاطِ؛ فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ قَالَ: وَيحَكَ لَا

стр. 321

تَفْتَحْهُ؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ! وَالصِّرَاطُ الإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللهِ تَعَالَى، وَالأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَاسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللهِ ، وَالدَّاعِي فَوقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» (١). - الحَدُّ جَاءَ فِي الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ: ١ - الحَدُّ: أَي: مَا أُذِنَ بِهِ، وَالمَعْنَى مَا وَرَدَ وَقُصِدَ بِهِ جُمْلَةُ مَا أَذِنَ بِهِ الشَّارِعُ وَدَلَّ عَلَيهِ؛ فَالَّذِي يَخْرُجُ مِنْ دَائِرَةِ المَاذُونِ بِهِ إِلَى خَارِجِهِ؛ فَقَدْ تَعَدَّى الحَدَّ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩] (٢)، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُنَا، وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الحَدِّ هُوَ عَنْ تَجَاوُزِهِ. ٢ - الحَدُّ: أَي: المُحرَّمُ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ سِيَاقُ الكَلَامِ فِي النَّهْي عَنْ قُرْبَانِهِ، أَو أَنْ تُذْكَرَ عَلَيهِ العُقُوبَةُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (٣)، وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الحَدِّ هُوَ عَنْ قُرْبَانِهِ. ٣ - الحَدُّ: أَي: العُقُوبَةُ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ عَنِ النَّبِيِّ

стр. 322

صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ» (١). - قَولُهُ: «سَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ»: أَي: لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهَا. - قَولُهُ: «غَيرَ نِسْيَانٍ»: أَي: أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا نَاسِيًا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٤]، وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْهُ تَعَالَى بِالخَلْقِ حَتَّى لَا يُضَيِّقَ عَلَيهِم. - قَولُهُ: «فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا»: أَي: لَا تَسْأَلُوا، مَاخُوذٌ مِنْ بَحْثِ الطَّائِرِ فِي الأَرْضِ، أَي: لَا تُنَقِّبُوا عَنْهَا، بَلْ دَعُوهَا. - البَحْثُ عَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَصٌّ خَاصٌّ أَو عَامٌّ -وَهُوَ المَسْكُوتُ عَنْهُ-هُوَ عَلَى قِسْمَينِ: ١ - أَنْ يَبْحَثَ عَنْ دُخُولِهِ فِي دِلَالَاتِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الفَحْوَى -أَي: المَعْنَى-، وَالمَفْهُومِ -مُوَافَقَةً أَو مُخَالَفَةً-، وَالقِيَاسِ الظَّاهِرِ الصَّحِيحِ؛ فَهَذَا حَقٌّ، وَهُوَ مِمَّا يِتَعيَّنُ فَعْلُهُ عَلَى المُجْتَهِدِينَ فِي مَعْرِفَةِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. ٢ - البَحْثُ وَالتَّدْقِيقُ فِي الوُجُوهِ المُسْتَبْعَدَةِ، وَالنَّظَرُ فِي الفُرُوقِ الَّتِي لَا تَاثِيرَ لَهَا عَلَى الشَّرْعِ؛ فَهُوَ المَذْمُومُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ؛ فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا! ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٤]» (٢). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالبَحْثِ عَنْهُ: أُمُورُ الغَيبِ الخَبَرِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِالإِيمَانِ بِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيفِيَّتَهَا، وَبَعْضُهَا قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ شَاهِدٌ فِي هَذَا العَالَمِ المَحْسُوسِ؛ فَالبَحْثُ عَنْ كَيفِيَّةِ

стр. 323

ذَلِكَ هُوَ مِمَّا لَا يَعْنِي، وَهُوَ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ، وَقَدْ يُوجِبُ الحَيرَةَ وَالشَّكَّ، وَيَرْتَقِي إِلَى التَّكْذِيبِ" (١). - تَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: " ثُمَّ إِنَّ فِي اسْمِ ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا عَجِيبًا لَمْ يَسْتَطِعِ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -عَلَى حِفْظِهِ وَعِلْمِهِ- أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِرَايٍ رَاجِحٍ، بَلْ وَكَلَ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَالعَجَبُ مِنَ المُصَنِّفِ كَيفَ جَزَمَ بِاسْمِهِ المَذْكُورِ دُونَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى الاخْتِلَافِ المَذْكُورِ! " (٢).

стр. 324

مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ: - المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا التَّوفِيقُ بَينَ الحَدِيثِ هُنَا «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيرَ نِسْيَانٍ» (١)، وَبَينَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التَّوبَة: ٦٧]؟ الجَوَابُ: إِنَّ المُرَادَ بِالنِّسْيَانِ فِي الآيَةِ هُنَا التَّركُ، يَعْنِي تَرَكُوا شَرْعَ اللهِ؛ فَتَرَكَهُم سُبْحَانَهُ فِي العَذَابِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ المُقَابَلَةِ، أَمَّا النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ الخَطَأُ وَالذُّهُولُ وَالغَفْلَةُ؛ فَهَذَا الَّذِي لَا يُوصَفُ اللهُ بِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طَه: ٥٢]، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهِ الإِنْسَانُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيثِ نَفْيُهُ.

стр. 325

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَل فِي الحَدِيثِ إِثْبَاتُ صِفَةِ السُّكُوتِ للهِ تَعَالَى؟ الجَوَابُ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِ السَّلَفِ هَذَا الوَصْفُ. وَلَكِنَّ السُّكُوتَ أَصْلًا نَوعَانِ: ١ - سُكُوتٌ يُقَابِلُ الكَلَامَ؛ فَلَا يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ مَوصُوفٌ بِصِفَةِ الكَلَامِ. ٢ - سُكُوتٌ يُقَابِلُ الإِظْهَارَ لِلأَحْكَامِ، أَي: مَعْنَى السُّكُوتِ هُنَا عَدَمُ إِظْهَارِ حُكْمِ أَمْرٍ مَا؛ فَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى. مِثَالُ ذَلِكَ: لَو تَكَلَّمَ المُدَرِّسُ عَنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيفِيَّةَ السُّجُودِ؛ فَيُقَالُ: تَكَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ وَسَكَتَ عَنْ كَيفِيَّةِ السُّجُودِ؛ رُغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَصْمُتْ! وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ مَعْنَاهُ فِي الحَدِيثِ (١). وَعَلَى العُمُومِ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَينَ إِثْبَاتِ الصِّفَةِ وَبَينَ الإِخْبَارِ، فَحِينَ نَصِفُ اللهَ فَلَا نَصِفُهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَو وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُه ﷺ ، أَمَّا بَابُ الإِخْبَارِ عَنِ اللهِ ؛ فَالأَمْرُ فِيه وَاسِعٌ.

стр. 326

الحَادِي وَالثَّلاثُونَ: (ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِديِّ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فقالَ: يَا رَسولَ اللهِ؛ دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِيَ اللهُ وَأَحَبَّنِيَ النَّاسُ، فَقَالَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيدِي النَّاسِ يُحبَّكَ النَّاسُ». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَغَيرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنةٍ (١). - الزُّهْدُ لُغَةً: الرَّغْبَةُ عَنِ الشَيءِ وَاحْتِقَارُهُ وَارْتِفَاعُ الهِمَّةِ عَنْهُ، يُقَالُ: شَيءٌ زَهِيدٌ أَي: قَلِيلٌ حَقِيرٌ، وَالزُّهْدُ حَقِيقَتُهُ: " تَرْكُ مَا يُشْغِلُكَ عَنِ اللهِ " (٢)، وَالاقْتِصَارُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْهَا. - الزُّهْدُ أَعْلَى مِنَ الوَرَعِ، فَالوَرَعُ: تَرْكُ مَا قَدْ يَضُرُّ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَالزُّهْدُ: تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الآخِرَةِ، وَتَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ أَعْلَى مِنْ تَرْكِ مَا قَدْ يَضُرُّ. - سُمِّيَتِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا لِأَحَدِ أَمْرَينِ: ١ - أَنَّهَا دُنْيَا فِي الزَّمَنِ، أَي: أَدْنَى زَمَنًا وَأَقْرَبُ مِنَ الآخِرَةِ، فَهِيَ الأُولَى؛ وَتِلْكَ الآخِرَةُ. ٢ - أَنَّهَا دُنْيَا فِي القَدْرِ وَالمَنْزِلَةِ، مِنَ الدَّنَاءَةِ؛ فَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ العَمَلَ

стр. 327

وَالانْشِغَالَ بِهَا. وَالأَوَّلُ أَقْرَبُ نَظَرًا لِتَسْمِيَةِ مُقَابِلَتِهَا بِالآخِرَةِ وَلَيسَ بِالعُلْيَا! - اشْتَمَلَ هَذَا الحَدِيثُ عَلَى وَصِيَّتَينِ عَظِيمَتَينِ: ١ - الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا؛ وَأَنَّهُ مُقْتَضٍ لِمَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ. ٢ - الزُّهْدُ فِيمَا فِي أَيدِي النَّاسِ؛ وَأَنَّهُ مُقْتَضٍ لِمَحبَّةِ النَّاسِ. - فِي الحَدِيثِ ذَمُّ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيَا، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ؛ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَو مُتَعَلِّمٌ» (١). وَكَمَا فِي الحَدِيثِ الآخَرِ «مَنْ كَانَتْ هَمَّهُ الآخِرَةُ جَمَعَ الله لَهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا رَاغِمَةً، وَمَنْ كَانَتْ هَمَّهُ الدُّنْيَا فَرَّقَ الله عَلَيهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَينَ عَينَيهِ، وَلَمْ يَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ» (٢). - الزُّهْدُ دَرَجَتَانِ: ١ - مَنِ اقْتَصَرَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ مَا يَسُدُّ بِهِ الرَّمقَ فَقَط، وَهُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ الزُّهَّادِ. ٢ - مَنْ فَسَحَ لِنَفْسِهِ أَحْيَانًا فِي تَنَاوُلِ بَعْضِ شَهَوَاتِهَا المُبَاحَةِ لِتَقْوَى النَّفسُ بِذَلِكَ وَتَنْشَطَ لِلعَمَلِ، وكما فِي الحَدِيثِ «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْياكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلَاةِ» (٣).

стр. 328

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَمَتَى نَوَى الْمُؤْمِنُ بِتَنَاوُلِ شَهَوَاتِهِ الْمُبَاحَةِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ؛ كَانَتْ شَهَوَاتُهُ لَهُ طَاعَةً يُثَابُ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: " إِنِّي لَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي" (١)، يَعْنِي: أَنَّهُ يَنْوِي بِنَوْمِهِ التَّقَوِّي عَلَى الْقِيَامِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَيَحْتَسِبُ ثَوَابَ نَوْمِهِ كَمَا يَحْتَسِبُ ثَوَابَ قِيَامِهِ" (٢). - فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكَهْف: ٧]: بَيَانُ أَنَّ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا هِيَ ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ جَعَلَهُ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِيَنْظُرَ سُبْحَانَهُ أَيَّهُم كَانَ مُؤْمِنًا بِوَعْدِ رَبِّهِ فَأَخَذَ مِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَأَيُّهُم عَاشَ لِدُنْيَاهُ وَنَسِيَ آخِرَتَهُ، ثُمَّ أَعْقَبَ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا بِبَيَانِ فَنَائِهَا فَقَالَ: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (٣)، فَكَانَ الفَائِزُ فِي هَذَا الامْتِحَانِ هُوَ مَنْ اشْتَغَلَ بِآخِرَتِهِ وَلَمْ يَنْشَغِلْ بِدُنْيَاهُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا قَومِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ﴾ [غَافِر: ٣٩]، قَالَ سَعِيدُ ابْنُ جُبَيرٍ: " مَتَاعُ الغُرُورِ: مَا يُلْهِيكَ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، وَمَا لَمْ يُلْهِكَ فَلَيسَ بِمَتَاعِ الغُرُورِ؛ وَلَكِنَّهُ مَتَاعُ بَلَاغٍ إِلَى مَا هُوَ خَيرٌ مِنْهُ" (٤). فَكَانَ الفَائِزُ هُوَ مَنْ جَعَلَ هَمَّهُ التَّزَوُّدَ مِنْهَا لِلآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ القَرَارِ، وَاكْتَفَى مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَكْتَفِي بِهِ المُسَافِرُ فِي سَفَرِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁:

стр. 329

(اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الحَصِيرِ شَيئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (١). - وَأَمَّا الزُّهْدُ بِمَا فِي أَيدِي النَّاسِ فَقَدْ تَكَاثَرَتِ الأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالأَمْرِ بِالاسْتِعْفَافِ عَنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ وَالاسْتِغْنَاءِ عَنْهُم (٢)، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ مَا بِأَيدِيهِم كَرِهُوهُ وَأَبْغَضُوهُ، لِأَنَّ المَالَ مَحْبُوبٌ لِنُفُوسِ بَنِي آدَمَ؛ فَمَنْ طَلَبَ مِنْهُم مَا يُحِبُّونَهُ كَرِهُوهُ لِذَلِكَ، وَمَنِ اسْتَعَفَّ عَمَّا فِي أَيدِي النَّاسِ أَحَبُّوهُ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِأَهْلِ البَصْرَةِ: مَنْ سَيِّدُ أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ؟ قَالُوا: الحَسَنُ، قَالَ: بِمَ سَادَهُم؟ قَالُوا: احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى عِلْمِهِ، وَاسْتَغْنَى هُوَ عَنْ دُنْيَاهُم (٣). - وَفِي الحَدِيثِ فَائِدَةٌ: أَنَّهُ لَا بَاسَ بِالسَّعْي فِيمَا تُكْتَسَبُ بِهِ مَحَبَّةُ العِبَادِ مِمَّا لَيسَ بِمُحَرَّمٍ، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ الأَمْرُ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ أَيضًا (٤)، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنْ جَوَالِبِ المَحَبَّةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الشَّارِعُ.

стр. 330

الحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلاثُونَ: (لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». حَدِيث حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه (١) وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٢) مُسْنَدًا، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ (٣) مُرْسَلًا عَنْ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْقَطَ أَبَا سَعِيدٍ، وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا (٤). - قَالَ أَبُو دَاوُد صَاحِبُ السُّنَنِ: (الفِقْهُ يَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٥)، وَ «الحَلَالُ بَيِّنٌ» (٦)، وَ «مَا نَهَيتُكُم عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» (٧)، وَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٨)، وَ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (٩)) (١٠).

стр. 331

- قَولُهُ: «لَا ضَرَرَ»: (لَا) نَافِيَةٌ لِلجِنْسِ، وَ (ضَرَرَ) اسْمُهَا، وَالخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَائِنٌ، وَالمَعْنَى لَا ضَرَرَ كَائِنٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهِي وَالنَّفْي كَمَا سَيَاتِي. - وَالضَّرَرُ وَالضِّرَارُ مَنْفِيَّانِ مِنْ جِهَتَينِ: مِنْ جِهَةِ العِبَادَاتِ، وَمِنْ جِهَةِ المُعَامَلَاتِ. ١ - مِنْ جِهَةِ العِبَادَاتِ: فَالعِبَادَاتُ لَمْ يُشْرَعْ مِنْهَا شَيءٌ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى المُكَلَّفِ، بَلْ إِذَا حَصَلَ تَضَرُّرٌ فَإِنَّ الشَّرْعَ يُرَخِّصُ لَهُ فِيهِ، فَمَنْ تَضَرَّرَ بِالصَّلَاةِ قَائِمًا صَلَّى جَالِسًا، وَمَنْ تَضَرَّرَ بِالوُضُوءِ بِالمَاءِ رُخِّصَ لَهُ بِالتَّيَمُّمِ. ٢ - مِنْ جِهَةِ المُعَامَلَاتِ وَالأُمُورِ الاجْتِمَاعِيَّةِ؛ فَهَذِهِ قِسْمَان: أ- مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ نَفْسِهَا؛ فَلَيسَ فِي أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى الَّتِي جَعَلَهَا عَلَى عِبَادِهِ فِيمَا بَينَهُم ضَرَرٌ، مِنْ بُيُوعٍ وَحُقُوقٍ وَنِكَاحٍ وَ .... ب- مِنْ جِهَةِ المُكَلَّفِ؛ فَهُوَ مَامُورٌ بِأَنْ لَا يَضُرَّ غَيرَهُ. - أَمَّا مَعْنَى الضَّرَرِ وَالضِّرَارِ: فَدَارَتْ عِبَارَاتُ أَهْلِ العِلْمِ حَولَ عِدَّةِ مَعَانٍ؛ مِنْهَا: ١ - أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ التَّكْرَارَ لِلتَّاكِيدِ، وَالمَعْنَى: النَّهْيُّ عَنْ إِيصَالِ الضَّرَرِ لِلغَيرِ. ٢ - أَنَّ الضَّرَرَ هُوَ الاسْمُ: أَي: نَفْيُ وُجُودِ الضَّرَرِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالضِّرَارُ هُوَ الفِعْلُ: أَي النَّهْيُ عَنِ الإِضْرَارِ بِالغَيرِ. ٣ - الضَّرَرُ: أَنْ يَضُرَّ بِمَنْ لَا يَضُرُّهُ، وَالضِّرَارُ: أَنْ يَضُرَّ بِمَنْ قَدْ أَضَرَّ بِهِ عَلَى

стр. 332

وَجْهٍ غَيرِ جَائِزٍ (١). ٤ - لَا ضَرَرَ: أَي: عَلَى النَّفْسِ، وَلَا ضِرَارَ مِنْكَ عَلَى الغَيرِ. ٥ - أَنَّ الضَّرَرَ إِيصَالُ الأَذَى لِلغَيرِ لِمَنْفَعَةٍ مَا، وَالضِّرَارُ مَا كَانَ دُونَ مَنْفَعَةٍ، وَهَذَا الوَجْهُ هُوَ الأَولَى (٢)، وَعَلَيهِ فيَكُونُ الضِّرَارُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَالضَّرَرُ فِيهِ تَفْصِيلٌ (٣). - فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ قَولُهُ: «مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللهُ عَلَيهِ» (٤). - إِنَّ إِدْخَالَ الضَّرَرِ عَلَى أَحَدٍ بِحَقٍّ -إِمَّا لِكَونِهِ تَعَدَّى حُدُودَ اللهِ فَيُعَاقَبُ بِقَدْرِ جَرِيمَتِهِ، أَو لِكَونِهِ ظَلَمَ غَيرَهُ؛ فَيَطْلُبُ المَظْلُومُ مُقَابَلَتَهُ بِالعَدْلِ-؛ فَهَذَا غَيرُ مُرَادٍ قَطْعًا، وَإِنَّمَا المُرَادُ: إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِغَيرِ حَقٍّ.

стр. 333

مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ: - مَسْأَلَةٌ: فِي عَلَاقَاتِ النَّاسِ فِيمَا بَينَهُم يَحْصُلُ شَيءٌ مِنَ الضَّرَرِ أَثْنَاءَ انْتِفَاعِ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِم؛ فَهَلْ يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا الضَّرَرِ؟ الجَوَابُ: إِنَّ أَهْلَ العِلْمِ فِيهِ عَلَى قَولَينِ: مِنْهُم مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا (١)، وَمِنْهُم مَنْ فَصَّلَ -وُهُوَ الرَّاجِحُ وَاللهُ أَعْلَمُ (٢) -، لِأَنَّ مَصَالِحَ العِبَادِ لَا تَتَمُّ إِلَّا بِوُقُوعِ شَيءٍ مِنَ الضَّرَرِ أَوِ التَّعَدِّي المُحْتَمَلِ عَلَى بَعْضِهِم، وَهَذَا الجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطَينِ: ١ - أَنْ تَكُونَ المَصْلَحَةُ فِيهِ ظَاهِرَةً حَقِيقِيَّةً. ٢ - أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا الضَّرَرِ مُعْتَادًا، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: أَنْ يَكُونَ هَذَا الضَّرَرُ مُحْتَمَلًا. وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ؛ مِنْهَا: مَنْ يُرِيدُ شِوَاءَ طَعَامٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَارٍ وَدُخَانٍ، وَالدُّخَانُ فِيهِ أَذًى عَلَى الجَارِ! فَمِثْلُ هَذَا الشِّوَاءِ مَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهُ طَعَامٌ يَحْتَاجُ لِهَذَا النَّوعِ مِنَ الطَّهْي، وَهَذَا الضَّرَرُ مُعْتَادٌ؛ فَالتَّأَذِّي بِالدُّخَانِ مِمَّنْ حَولَكَ شَائِعٌ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ (٣).

стр. 334

وَمِثْلُ مَنْ أَشْعَلَ نَارًا لِلطَّهْوِ وَالشَّوي عِنْدَ الحَائِطِ الفَاصِلِ بَينَهُ وَبَينَ جَارِهِ تَمَامًا؛ فَالأَذَى أَشَدُّ وَهُوَ لَيسَ مُعْتَادًا! وَكَمَنْ أَرَادَ إِزَالَةَ حَائِطٍ مِنْ دَارِهِ فَاسْتَخْدَمَ مُتَفَجِّرَاتٍ فَأَسْقَطَ بَيتَ جَارِهِ! وَكَمَنْ يَعْمَلُ عَلَى تَرْمِيمِ بَيتِهِ فَقَامَ بِأَعْمَالِ الصِّيَانَةِ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيلِ عِنْدَ نُومِ النَّاسِ! فَهَذَا غَيرُ مَعْهُودٍ وَلَا مُحْتَمَلٍ. وَمِثْلُ مَنْ كَنَسَ أَمَامَ بَيتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَطَايُرِ الغُبَارِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً عَلَى المَارَّةِ وَعَلَى السَّيَّارَاتِ القَرِيبَةِ. وَمِثْلُ مَنْ يَبْنِي بَيتًا فَلَا بُدَّ مِنَ الأَصْوَاتِ العَالِيَةِ مِنَ الطَّرْقِ وَالصّيَاحِ وَانْتِشَارِ الغُبَارِ.

стр. 335

الحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلاثُونَ: (البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي) عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَومٍ وَدِمَاءَهُمْ؛ وَلَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ هَكَذَا، وَبَعْضُهُ فِي الصَّحِيحَينِ (١). - الَّذِي فِي الصَّحِيحَينِ «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ»، وَعِنْدَ الإِسْمَاعِيلِيِّ «وَلَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى الطَّالِبِ، وَاليَمِينَ عَلَى المَطْلُوبِ» (٢). وَبَوَّبَ البُخَارِيُّ ﵀ عَلَى الحَدِيثِ بِاللَّفْظِ التَّامِّ، وَهُوَ قَولُهُ: " بَابُ إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالمُرْتَهِنُ وَنَحْوُهُ؛ فَالبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ"، وَفِي صَحِيحِهِ مَعْنَاهُ وَهُوَ حَدِيثُ المُتَخَاصِمَينِ فِي البِئْرِ، وَفِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلمُدَّعِي: «بَيِّنَتُكَ أَو يَمِينُهُ؟» (٣). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي، قَالَ الكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي، أَزْرَعُهَا لَيسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟»، قَالَ: لَا، فَقَالَ: «فَلَكَ

стр. 336

يَمِينُهُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ؛ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَلَيسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيءٍ! فَقَالَ: لَيسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَاكُلَهُ ظُلْمًا؛ لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» (١). - هَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي القَضَاءِ، وَقَاعِدَةٌ يَنْتَفِعُ بِهَا القَاضِي، وَيَنْتَفِعُ بِهَا المُصْلِحُ بَينَ اثْنَينِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ. وَفِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْ دَاوُد ﵇: ﴿وَآتَينَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]؛ قَالَ قَتَادَةُ: (فَصْلُ الخِطَابِ): " البَيِّنَةُ عَلَى الطَّالِبِ، وَاليَمِينُ عَلَى المَطْلُوبِ" (٢). وَقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ ﵀: " أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ" (٣). - حِكْمَةُ الحَدِيثِ: أَنَّ الأَحْكَامَ بَينَ النَّاسِ لَو كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ فَإِنَّهُ سَيَاتِي مَنْ يَدَّعِي مَالَ غَيرِهِ -بَلْ وَدَمَهُ أَيضًا-، وَسَتَضِيعُ الحُقُوقُ، وَتُرَاقُ الدِّمَاءُ بِغَيرِ حَقٍّ! - فِي التَّفْرِيقِ بَينَ المُدَّعِي وَبَينَ المُدَّعَى عَلَيهِ: المُدَّعِي مَنْ إِذَا سَكَتَ تُرِكَ، وَالمُدَّعَى عَلَيهِ مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ، وَقِيلَ: المُدَّعِي هُوَ مَنْ يُخَالِفُ قَولُهُ الظَّاهِرَ. - قَولُهُ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي»: البَيِّنَةُ: هِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُظهِرُ الحَقَّ وَيُبَيِّنُهُ.

стр. 337

- مِن أَمْثِلَةِ البَيِّنَاتِ: الإِقْرَارُ، وُالشُّهُودِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، وَالغَايَةُ مِنْهُمَا تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَينِ عِنْدَ الاخْتِلَافِ. وَاعْتِبَارُ القَرَائِنِ، كَظَاهِرُ الحَالِ، كَمَنْ يَرْكُضُ هَارِبًا وَعَلَى رَاسِهِ عِمَامَةٌ وَبِيَدِهِ عِمَامَةٌ، وَيَتْبَعُهُ رَجُلٌ لَا عِمَامَةَ عَلَى رَاسِهِ؛ فَظَاهِرُ الحَالِ أَنَّ الأَوَّلَ سَرَقَ عِمَامَةَ غَيرِهِ. وَمِنَ القَرَائِنِ أَيضًا فَهْمُ القَاضِي بِالاخْتِبَارِ، كَمَا فِي قِصَّةِ حُكْمِ سُلَيمَانَ ﵊ عَلَى المَرْأَتَينِ فِي الصَّبِيِّ لِأَيِّهِمَا كَانَ. فَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقَّهُ بَينَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلُ يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» (١). - الشَّهَادَةُ هِيَ مِنَ البِيِّنَاتِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ: مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا عَدْلًا. وَيَجُوزُ إِشْهَادُ غَيرِ المُسْلِمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي الوَصِيَّةِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَو آخَرَانِ مِنْ غَيرِكُمْ﴾ [المَائِدَة: ١٠٨]. قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀: " يُخْبِرُ تَعَالَى خَبَرًا مُتَضَمِّنًا لِلأَمْرِ بِإِشْهَادِ اثْنَينِ

стр. 338

عَلَى الوَصِيَّةِ إِذَا حَضَرَ الإِنْسَانَ مُقَدِّمَاتُ المَوتِ وَعَلَائِمُهُ؛ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ، وَيُشْهِدَ عَلَيهَا اثْنَينِ ذَوَي عَدْلٍ مِمَّنْ تُعْتَبَرُ شَهَادَتُهُمَا، ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيرِكُمْ﴾ أَي: مِنْ غَيرِ أَهْلِ دِينِكُم مِنَ اليَهُودِ أَوِ النَّصَارَى أَو غَيرِهِم، وَذَلِكَ عِنْدَ الحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ وَعَدَمِ غَيرِهِمَا مِنَ المُسْلِمِينَ" (١). وَأَمَّا الحُرِّيَّةُ؛ فَالجُمْهُورُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَكُون حُرًّا، وَأَجَازُ البَعْضُ شَهَادَةَ العَبْدِ فِي الشَّيءِ التَّافِهِ. - يُعْتَبَرُ عَدَدُ الشُّهُودِ بِحَسْبِ مَا دَلَّ عَلَيهِ الشَّرْعُ، وَأَحْوَالُهُ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ نَوعِ الحَقِّ: ١ - فِي حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ: أ- مَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ -كَالبَيعِ وَالإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ-: فَفِيهِ شَاهِدَانِ رَجُلَانِ، أَو رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَو شَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِي. ب- مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ إِلَّا الرِّجَالُ فِي الغَالِبِ -كَالزَّوَاجِ وَالطَّلَاقِ-: فَفِيهِ شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ. ج- مَا لَا تَطَّلِعُ عَلَيهِ إِلَّا النِّسَاءُ فِي الغَالِبِ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ -كَالوِلَادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ الدَّاخِلِيَّةِ-: فَفِيهِ رَجُلَانِ، أَو رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَو أَرْبَعُ نِسْوَةٍ. ٢ - فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى: أ- فِي الزِّنَا: لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ. ب- فِي غَيرِ الزِّنَا مِنَ الحُدُودِ: فَفِيهِ شَاهِدَانِ.

стр. 339

ج- فِي هِلَالِ رَمَضَانَ: فَفِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ (١). - يُعْتَبَرُ فِي إِثْبَاتِ الرِّضَاعِ شَهَادَةُ الوَاحِدَةِ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ -تَحْتَ بَابِ شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ-، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا! فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «وَكَيفَ وَقَدْ قِيلَ؟! دَعْهَا عَنْكَ أَو نَحْوَهُ (٢). قَالَ الإِمَامُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀: " فَيَكُونُ هَذَا الحُكْمُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الشَّهَادَةِ المُعْتَبَرِ فِيهَا العَدَدُ" (٣). - قَولُهُ: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»: أَي أَنَّ صَاحِبَ الدَّعْوَى يُطَالَبُ بِالبَيِّنَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَدِيهِ مَا يُبَيِّنُ وَيُؤَيِّدُ دَعْوَاهُ كَانَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَلَا يُرْجَعُ إِلَى يَمِينِهِ إِذَا جَاءَ المُدَّعِي بِالبَيِّنَةِ! قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: " بَابُ مَنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ بَعْدَ اليَمِينِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ»، وَقَالَ طَاوُسُ وَإِبْرَاهِيمُ وَشُرَيحُ: البَيِّنَةُ العَادِلَةُ أَحَقُّ مِنَ اليَمِينِ الفَاجِرَةِ" (٤). قَالَ العَينِيُّ ﵀: " وَحَاصِلُ مَعْنَى كَلَامِهِم أَنَّ المُدَّعَى عَلَيهِ إِذَا حَلَفَ دَفَعَ المُدَّعِي بِاليَمِينِ، ثُمَّ إِذَا أَقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ المَرْضِيَّةَ -وَهُوَ مَعْنَى العَادِلَةِ- عَلَى

стр. 340

دَعْوَاهُ ظَهَرَ أَنَّ يَمِينَ المُدَّعَى عَلَيهِ كَانَتْ فَاجِرَةً -أَي: كَاذِبَةً-، فَسَمَاعُ هَذِهِ البَيِّنَةِ العَادِلَةِ أَولَى بِالقَبُولِ مِنْ تِلْكَ اليَمِينِ الفَاجِرَةِ؛ فَتُسْمَعُ هَذِهِ البَيِّنَةُ وَيُقْضَى بِهَا. وَاللهُ أَعْلَمُ" (١). إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَدَى المُدَّعَى عَلَيهِ بَيِّنَةٌ يُدْلِي بِهَا؛ فيَكُونُ الأَمْرُ لِلقَاضِي فِي الحُكْمِ وَالنَّظَرِ فِي التَّرْجِيحِ بَينَهَا. - إِنَّ الحَاكِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمُجَرَّدِ رَايِهِ وَلَا بِعِلْمِهِ فِي الوَقَائِعِ! وَإِنَّمَا بِمَا دَلَّتْ عَلَيهِ الدَّلَائِلُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٥]. - إِنَّ حُكْمَ الحَاكِمِ لَا يُحِلُّ الحَرَامَ! وَإِنَّمَا هُوَ يَقْضِي بِحَسْبِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ. كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيئًا بِقَولِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ؛ فَلَا يَاخُذْهَا» (٢). - قَولُهُ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»: يُسْتَثْنَى مِنْهَا نَوعَانِ: ١ - القَسَامَةُ: قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: " القَسَامَةُ -بِالفَتْحِ- اليَمِينُ كَالقَسَمِ، وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يُقْسِمَ مِنْ أَولِيَاءِ الدَّمِ خَمْسُونَ نَفَرًا عَلَى اسْتِحْقاقِهِم دَمَ صَاحِبِهِم إِذَا وَجَدُوهُ قَتِيلًا بَينَ قَومٍ

стр. 341

وَلَمْ يُعْرَفَ قَاتِلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا خَمْسِينَ أقْسَمَ المَوجُودُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا" (١). وَوَجْهُ المُخَالَفَةِ فِيهَا لِلأَصْلِ: أَنَّ اليَمِينَ كَانَتْ لِلمُدَّعِي، وَأَنَّهَا خَمْسُونَ يَمِينًا، وَأَنَّ الأَيمَانَ قَدْ تَكُونُ لِشَيءٍ غَيرِ مُشَاهَدٍ. قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: " وَهِيَ مُطَابِقَةٌ لِلقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأَنَّ أَيمَانَهُم بِمَثَابَةِ البَيِّنَةِ، وَكَثْرَةُ الأَيمَانِ هِيَ لِعِظَمِ شَانِ الدِّمَاءِ، بِخِلَافِ الأَمْوَالِ" (٢). ٢ - اليَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ: عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ" (٣)، حَيثُ جُعِلَ هَذَا يَمِينًا لِلمُدَّعِي. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀: " وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيرِهِمْ؛ رَأَوا: أَنَّ اليَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ جَائِزٌ فِي الحُقُوقِ وَالأَمْوَالِ، وَهُوَ قَولُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَقَالُوا: لَا يُقْضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ إِلَّا فِي الحُقُوقِ وَالأَمْوَالِ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ وَغَيرِهِمْ أَنْ يُقْضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ" (٤).

стр. 342

وَقَدْ أَنْكَرَهُ الأَحْنَافُ بِسَبَبِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢] وَقَدْ أَجَابَ الإِسْمَاعِيلِيُّ ﵀ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: " إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى الشَّيءِ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ" (١). قُلْتُ: وَهَذَانِ النَّوعَانِ كَانَ اليَمِينُ فِيهِمَا عَلَى المُدَّعِي؛ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ هُنَاكَ مُرَجِّحٌ فِي صَفِّ كُلٍّ منِهْمَا، اعْتُبِرَ هَذَا اليَمِينُ. فَفِي الحَالَةِ الأُولَى هُنَاكَ مَا يُسَمَّى عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِـ (اللَّوثِ) كَوُجُودِ الضَّغِينَةِ أَصْلًا بَينَ الطَّرَفَينِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ اللَّوثُ قَرِينَةً، وَفِي الحَالَةِ الثَّانِيَةِ وُجُودُ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ؛ فَإِذَا أُضِيفَ لَهَا اليَمِينُ الجَازِمَةُ عَلَى ذَلِكَ الأَمْرِ قَامَتِ البَيِّنَةُ بِذَلِكَ كَالشَّاهِدَينِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. - قَولُهُ: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»: يُسْتَثْنَى مِنْهَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَينَ الطَّرَفَينِ مُخَالَطَةٌ فَلَا يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عَلَيهِ، وَذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَتَبَذَّلَ السُّفَهَاءُ الكُبَرَاءَ (٢)؛ فَيُسِيئُونَ إِلَيهِم أَمَامَ النَّاسِ بِالتُّهْمَةِ وَالحَلِفِ. قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: " فَلْيَقِفْ عِنْدَ مَا شَرَطْنَا فِي أَنْ لَا يَقْبَلَ فِيمَنْ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ، وَعُلِمَتَ بِالْعِلْمِ عِنَايَتُهُ، وَسَلِمَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَلَزِمَ الْمُرُوءَةَ وَالتَّصَاوُنَ، وَكَانَ خَيْرُهُ غَالِبًا، وَشَرُّهُ أَقَلَّ عَمَلِهِ؛ فَهَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ قَائِلٍ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ إِنْ شَاء الله" (٣).

стр. 343

- أَحْوَالُ الدَّعَاوَى ثَلَاثَةٌ، هِيَ: ١ - مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيهِ: وَفِيهَا حَدِيثُ البَابِ. ٢ - مُدَّعًى عَلَيهِ دُونَ مُدَّعٍ: وَهِيَ مَا كَانَ فِي حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى، كَمَنْ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، وَالمُطَلِّقُ، وَالنَّاكِحُ؛ فَيُعْتَبَرُ يَمِينُهُ إِذَا اتُّهِمَ. ٣ - مُدَّعٍ دُونَ مُدَّعًى عَلَيهِ: أَي إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ شَيئًا لَيسَ لَهُ صَاحِبٌ مَعْرُوفٌ؛ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ عَلَى صِدْقِهِ، كَاللُّقْطَةِ، وَالغَنِيمَةِ، وَالغُصُوبِ. ٤ - أَكْثَرُ مِن مُدَّعٍ عَلَى شَيءٍ وَاحِدٍ: أَي إِذَا ادَّعَتْ أَطْرَافٌ عَلَى شَيءٍ وَلَيسَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ؛ أُقْرِعَ بَينَهُمَا عَلَى اليَمِينِ. كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَومٍ اليَمِينَ؛ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَينَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ) (١). - يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ البَابِ -مِنْ جِهَةِ التَّوحِيدِ- أَنَّ مَنْ كَانَ مُدَّعِيًا مَحَبَّةَ اللهِ تَعَالَى طُولِبَ بِالبَيِّنَةِ، وَهِيَ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عِمْرَان: ٣١]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: " هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللهِ -وَلَيسَ هُوَ عَلَى الطَّرِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ-؛ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ حَتَّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ المُحَمَّدِيَّ وَالدِّينَ النَّبَوِيَّ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) "، إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: " ثُمَّ قَالَ آمِرًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ

стр. 344

خَاصٍّ وَعَامٍّ: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا﴾ أَي: خَالَفُوا عَنْ أَمْرِهِ ﴿فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَتَهُ فِي الطَّرِيقَةِ كُفْرٌ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ -وَإِنِ ادَّعَى وَزَعَمَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيهِ-! حَتَّى يُتَابِعَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ خَاتَمَ الرُّسُلِ وَرَسُولَ اللهِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَينِ الجِنِّ وَالإِنْسِ؛ الَّذِي لَو كَانَ الأَنْبِيَاءُ -بَلِ المُرْسَلُونَ، بَلْ أُولُو العَزْمِ مِنْهُمْ- فِي زَمَانِهِ لَمَا وَسِعَهُمْ إِلَّا اتِّبَاعُهُ وَالدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعُ شَرِيعَتِهِ" (١). - المُدَّعَى عَلَيهِ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ بِالعَدَمِ، فَلَيسَ عَلَيهِ حَرَجٌ فِي ذَلِكَ، حَيثُ قَدْ يُخْشَى أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَو جَاهِلًا أَو غَابَ عَنْهُ ذَلِكَ العِلْمُ! كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَينِ -وَقَدْ سَبَقَ، وَاللَّفْظُ هُنَا لِأَبِي دَاوُدَ- عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيسٍ " أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوتَ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَرْضٍ مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا وَهِيَ فِي يَدِهِ. قَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟» قَالَ: لَا؛ وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ -وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ-! فَتَهَيَّأَ الكِنْدِيُّ -يَعْني لِلْيَمِينِ-" وَسَاقَ الحَدِيثَ، وَالشَّاهِدُ قَولُهُ: " أُحَلِّفُهُ؛ وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ" (٢). قَالَ الحَافِظُ أَبُو دَاوُد -صَاحِبُ السُّنَنِ-: " بَابُ: الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ فِيمَا غَابَ عَنْهُ" (٣).

стр. 345

الحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلاثُونَ: (مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنكَرًا فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ) عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رِسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِقَلبِه، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). - الحَدِيثُ بَوَّبَ عَلَيهِ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِـ (بَابِ بَيَانِ كَونِ النَّهْي عَنِ المُنْكَر مِنَ الإِيمَانِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَأَنَّ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَر وَاجِبَانِ)، ثُمَّ أَورَدَ الحَدِيثَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ؛ قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالخُطْبَةِ يَومَ العِيدِ -قَبْلَ الصَّلَاةِ- مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ؛ فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الخُطْبَةِ! فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» ". - قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: " وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا البَابَ -أَعْنِي: بَابَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ- قَدْ ضُيِّعَ أَكْثَرُهُ مِنْ أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ وَلَمْ يَبْقْ مِنْهُ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ إِلَّا رُسُومٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَهُو بَابٌ عَظِيمٌ بِهِ قِوَامُ الأَمْرِ وَمِلَاكُهُ، وَإِذَا كَثُرَ الخَبَثُ عَمَّ العِقَابُ الصَّالِحَ وَالطَّالِحَ، وَإِذَا لَمْ يَاخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ أَوشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى بِعِقَابِهِ" (٢).

стр. 346

وَفِي البُخَارِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنَ بَشِيرٍ ﵄؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوقَهُمْ، فَقَالُوا: لَو أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوقَنَا! فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيدِيهِمْ نَجَوا وَنَجَوا جَمِيعًا» (١). وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ [الأَنْفَال: ٢٥]. قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: " بَلْ تُصِيبُ فَاعِلَ الظُّلْمِ وَغَيرِهِ، وَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ الظُّلْمُ فَلَمْ يُغَيَّرْ؛ فَإِنَّ عُقُوبَتَهُ تَعُمُّ الفَاعِلَ وَغَيرَهُ، وَالتَّقْوَى مِنْ هَذِهِ الفِتْنَةِ تَكُونُ بِالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، وَقَمْعِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالفَسَادِ؛ وَأَنْ لَا يُمَكَّنُوا مِنَ المَعَاصِي وَالظُّلْمِ مَهْمَا أَمْكَنَ" (٢). - المُنْكَرُ: اسْمٌ لِمَا عُرِفَ فِي الشَّرِيعَةِ قُبْحُهُ وَالنَّهْيُ عَنْهُ. - قَالَ العُلَمَاءُ: ظَاهِرُ الحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ حَتَّى يُرَى بِالعَينَ، وَيُنَزَّلُ السَّمْعُ المُحَقَّقُ مَنْزِلَةَ الرَّاي بِالعَينِ، فَإِذَا عَلِمَ بِمُنْكَرٍ -أَي: لَيسَ مُشَاهَدَةً-؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الإِنْكَارِ؛ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي النَّصِيحَةِ. - قَولُهُ: «فَلْيُغَيِّرْهُ»: تَتَضَمَّنُ مَعَانِيَ؛ مِنْهَا الإِزَالَةُ بِاليَدِ، كَكَسْرِ آلَةِ اللَّهْوِ وَآنِيَةِ الخَمْرِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِالقَلْبِ. - إِنَّ مَا يُتْلَفُ مِن آلَاتِ اللَّهْوِ المُحَرَّمَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيهَا.

стр. 347

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " وَالأَصْنَامُ وَآلَاتُ المَلَاهِي لَا يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيءٌ، وَالأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ الكَسْرَ الفَاحِشَ؛ بَلْ تُفْصَلُ لِتَعُودَ كَمَا قَبْلَ التَّالِيفِ، فَإِنْ عَجَزَ المُنْكِرُ عَنْ رِعَايَةِ هَذَا الحَدِّ لِمَنْعِ صَاحِبِ المُنْكَرِ؛ أَبْطَلَهُ كَيفَ تَيَسَّرَ" (١). وَهَكَذَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ ﵊ حِينَ حَطَّمَ الأَصْنَامَ "وَهَذِهِ هِيَ المَرْتَبَةُ الرَّفِيعَةُ؛ مَرْتَبَةُ تَغْييرِ المُنْكَرِ بِاليَدِ، سَنَّهَا أَبُو الأَنْبِيَاءِ إِبْرَاهِيمُ، وَتَبِعَهُ فِيهَا مُوسَى حِينَمَا قَالَ لِلْسَّامِرِيِّ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧]، وَتَبِعَهُمَا خِتَامُهُم وَأَفْضَلُهُم مُحَمَّدٌ ﷺ ؛ فَحَطَّمَ أَوْثَانَ العَرَبِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وَأَرْسَلَ أَصْحَابَهُ يَهْدِمُونَهَا فِي كُلِّ حَيٍّ، وَلَمْ تُغْنِ عَنْ طَاغِيَةِ ثَقِيفٍ شَفَاعَةُ ثَقِيفٍ" (٢). - إِنَّ الإِنْكَارَ بِاللِّسَانِ هُوَ تَغْيِيرٌ لِلمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ صَاحِبُ المُنْكَرِ! وَيَكُونُ إِنْكَارُ اللِّسَانِ بِالزَّجْرِ، وَالتَّوبِيخِ، وَالرَّسَائِلِ، وَالكِتَابَةِ فِي الصُّحُفِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَأَمْثَالِهَا مِنْ أَسَالِيبِ الرَّدْعِ المُمْكِنَةِ. - قَولُهُ: «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ»: هُوَ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيِينِ مُتَلَازِمَينِ: ١ - أَقَلِّ المَرَاتِبِ إِيمَانًا: وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ يَسْتَطِيعُهَا كُلُّ أَحَدٍ، وَعَدَمُ الإِنْكَارِ فِي القَلْبِ دَلِيلٌ عَلَى ذَهَابِ الإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ. ٢ - أَقَلِّ أَنْوَاعِ الإِيمَانِ ثَمَرَةً: لِعَدَمِ تَعَدِّي نَفْعِهَا. - فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ -بَعْدَ حَدِيثِ البَابِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ

стр. 348

رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَاخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ؛ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (١). قُلْتُ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَرْتَبَةَ الأَخِيرَةَ مِنَ الإِنْكَارِ بِالقَلْبِ هِيَ مِنَ الإِيمَانِ، وَلَكِنْ بِأَدْنَى مَرَاتِبِهِ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ قُدْرَتِهِ عَلَى الأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَإِلَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا لَهَا أَصْلًا لَمْ تَكُنْ أَدْنَى فِي حَقِّهِ! وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا؛ فَتَنَبَّهْ. وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٩٥، ٩٦] حَيثُ اسْتَثْنَى سُبْحَانَهُ أُولِي الضَّرَرِ مِنْ جُمْلَةِ المُقَارَنَةِ بَينَ الحَالِ الأَدْنَى وَالحَالِ الأَعْلَى الَّذِي هُوَ لِأَهْلِ الجِهَادِ بِالمَالِ وَالنَّفْسِ. - وَفِي الحَدِيثِ أَنَّ المُؤْمِنَ لَا يَرْضَى بِالمُنْكَرِ أَبَدًا، فَإِنِ اسْتَطَاعَ تَغْيِيرَهُ غيَّرَه؛ وَإِلَّا أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ؛ وَإِلَّا أَنْكَرَهُ فِي قَلْبِهِ وَاعْتَقَدَ بُطْلَانَهُ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " فَدَلَّتْ هَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى وُجُوبِ إِنْكَارِ المُنْكَرِ بِحَسَبِ القُدْرَةِ عَلَيهِ، وَأَنَّ إِنْكَارَهُ بِالقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ فَمَنْ لَمْ

стр. 349

يُنْكِرْ قَلْبُهُ المُنْكَرَ دَلَّ عَلَى ذَهَابِ الإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ" (١). وَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: " فَأَصْلُ الإِيمَانِ فِي القَلْبِ -وَهُوَ قَولُ القَلْبِ وَعَمَلُهُ-، وَهُوَ إقْرَارٌ بِالتَّصْدِيقِ، وَالحُبُّ، وَالِانْقِيَادُ، وَمَا كَانَ فِي القَلْبِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مُوجِبُهُ وَمُقْتَضَاهُ عَلَى الجَوَارِحِ، وَإِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ دَلَّ عَلَى عَدَمِهِ أَو ضَعْفِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَتِ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنْ مُوجِبِ إِيمَانِ القَلْبِ وَمُقْتَضَاهُ، وَهِيَ تَصْدِيقٌ لِمَا فِي القَلْبِ وَدَلِيلٌ عَلَيهِ وَشَاهِدٌ لَهُ، وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ مَجْمُوعِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ وَبَعْضٌ لَهُ، لَكِنَّ مَا فِي القَلْبِ هُوَ الأَصْلُ لِمَا عَلَى الجَوَارِحِ، كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: «إنَّ القَلْبَ مَلِكٌ، وَالأَعْضَاءَ جُنُودُهُ؛ فَإِنْ طَابَ المَلِكُ طَابَتْ جُنُودُهُ، وَإِذَا خَبُثَ المَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ» (٢)، وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا «إنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ؛ أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (٣) " (٤). - إِنَّ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالأَمِيرِ فَقَطْ! بَلْ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِآحَادِ المُسْلِمِينَ لِقَولِهِ: «مِنكُم»، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَامُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَامُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأُمُورِ الظَّاهِرَةِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصَّومِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ المُسْلِمِينَ عُلَمَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الأَفْعَالِ وَالأَقْوَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالاجْتِهَادِ وَلَمْ يَكُنْ لِلعَوَامِّ فِيهِ مَدْخَلٌ؛ فَلَيسَ لَهُم إِنْكارُه، بَلْ ذَلِكَ لِلعُلَمَاءِ.

стр. 350

- إِنَّ إِنْكَارَ المُنْكَرِ يَخْتَلِفُ عَنِ النَّصِيحَةِ مِنْ جِهَتَينِ: ١ - الإِنْكَارُ أَخَصُّ مِنَ النَّصِيحَةِ. ٢ - الإِنْكَارُ يَكُونُ عَلَنًا، أَمَّا النَّصِيحَةُ فَتَكُونُ سِرًّا. - فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ شُهُودِ أَمَاكِنِ المَعَاصِي وَالمُنْكَرَاتِ دُونَ تَغْيِيرِهَا، كَمَا فِي الأَدِلَّةِ التَّالِيَةِ: ١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَومِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٦٨ - ٦٩] (١). قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: " ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَومِ الظَّالِمِينَ﴾ يَشْمَلُ الخَائِضِينَ بِالبَاطِلِ وَكُلَّ مُتَكَلِّمٍ بِمُحَرَّمٍ، أَو فَاعِلٌ لِمُحَرَّمٍ؛ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الجُلُوسُ وَالحُضُورُ عِنْدَ حُضُورِ المُنْكَرِ الَّذِي لَا يُقْدَرُ عَلَى إِزَالَتِهِ" (٢). ٢ - قَولُهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا -وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا- كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» (٣)، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الرَّاضِي بِالشَّيءِ كَفَاعِلِهِ. قَالَ العَلَّامَةُ شَمْسُ الحَقِّ العَظِيمُ آبَادِي: " «فَكَرِهَهَا» أَي: بِقَلْبِهِ، «كَمَنْ غَابَ عَنْهَا» أَي: فِي عَدَمِ لُحُوقِ الإِثْمِ لَهُ، وَهَذَا عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إِزَالَتِهَا بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ،

стр. 351

«وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» أَي: فِي المُشَارَكَةِ فِي الإِثْمِ -وَإنْ بَعُدَتِ المَسَافَةُ بَينَهُمَا-" (١). - إِنَّ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَر وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٠٤]، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّنُ فِي حَالَتَينِ: ١ - إِذَا كَانَ المُنْكَرُ فِي مَوضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ. ٢ - إِذَا كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، كَمَنْ يَرَى زَوجَتَهُ أَو وَلَدَهُ أَو غُلَامَهُ عَلَى مُنْكَرٍ. - قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيّ ﵀: " ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ المُنْكَرُ حَرَامًا وَجَبَ الزَّجْرُ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ مَكْرُوهًا نُدِبَ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ أَيضًا تَبَعٌ لِمَا يُؤْمَرُ بِهِ؛ فَإِنْ وَجَبَ فَوَاجِبٌ، وَإِنْ نُدِبَ فَمَنْدُوبٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الحَدِيثِ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ شَامِلٌ لَهُ" (٢). - عِنْدَ تَغْيِيرِ المُنْكَرِ تُرَاعَى أُمُورٌ، هِيَ: ١ - العِلْمُ: وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الأَمْرُ مُنْكَرًا وَاضِحًا يَتَّفِقُ عَلَيهِ الجَمِيعُ، أَو فِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ غَيرُ مُعْتَبَرٍ. وَأَيضًا أَنْ يَسْتَبِينَ كَونُ الأَمْرِ مُنْكَرًا فِي حَقِّ المُنْكَرِ عَلِيهِ بِدُونِ التِبَاسٍ، كَالإِنْكَارِ عَلَى امْرَأَةٍ تَاكُلُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِعِلَّةِ حَيضِهَا! وَهُوَ أَمْرٌ خَفِيٌّ. وَمِنْ جُمْلَةِ العِلْمِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ هُنَا مَعْرِفَةُ حَالِ المَدْعُوِّ، وَطَرِيقَةِ الدَّعْوَةِ، وَمَادَّةِ

стр. 352

الدَّعْوَةِ؛ كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي إِرْسَالِ النَّبِيِّ ﷺ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ (١). ٢ - القُدْرَةُ عَلَى تَغْيِيرِهِ: وَكُلٌّ بِحَسْبِ طَاقَتِهِ وَوِلَايَتِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «مَا مِنْ قَومٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِي؛ ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» (٢). وَلَكِنْ تُلَاحَظُ فِيهِ القُدْرَةُ عَلَى تَحَمُّلِ الأَذَى، وَكُلٌّ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ، وَفِي الحَدِيثِ «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ؛ يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ» (٣). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: " فَأَمَّا حَدِيثُ «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الأَذَى وَلَا يَصْبِرُ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ حِينَئِذٍ لِلأَمْرِ -وَهَذَا حَقٌّ-، وَإنَّمَا الكَلَامُ فِيمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ، كَذَلِكَ قَالَهُ الأَئِمَّةُ؛ كَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَالفُضِيلِ بْنِ عِيَاضٍ وَغَيرِهِم" (٤). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: " قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ رَفَعَهُ: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» (٥)، وَبِعُمُومِ قَولِهِ: «مَنْ رَأَى

стр. 353

مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ إِنْكَارُ المُنْكَرِ؛ لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَلْحَقَ المُنْكِرَ بَلَاءٌ لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُنْكِرُ بِقَلْبِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «يُسْتَعْمَلُ عَلَيكُمْ أُمَرَاءُ بَعْدِي؛ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» (١) الحَدِيث). قَالَ: وَالصَّوَابُ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيهِ حَدِيثُ: «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنْ «يَتَعَرَّضَ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ» (٢). انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ غَيرُهُ: يَجِبُ الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيهِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ ضَرَرًا" (٣). ٣ - عَدَمُ الانْتِقَالِ إِلَى مُنْكَرٍ آخَرَ مِثْلِهِ أَو أَشَدَّ! وَلَكِنْ إِلَى مَعْرُوفٍ، أَو تَرْكٍ لِلمُنْكَرِ، أَو أَدْنَى مِنْهُ. ٤ - الرِّفقُ: كَمَا فِي الحَدِيثِ «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ» (٤). وَالأَصْلُ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ هُوَ الرِّفْقُ، لَكِنْ قَدْ تَكُونُ الشِّدَّةُ هِيَ الأَفْضَلُ فِي بَعْضِ الَحالَاتِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنِ المُسْتَهْزِئِينَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التَّوبَةُ: ٦٥، ٦٦]. ٥ - ظَنُّ الانْتِفَاعِ.

стр. 354

مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ: - المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ وُجُوبُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ مُتَعَلِّقٌ بِظَنِّ الانْتِفَاعِ؟ الجَوَابُ: فِيهِ خِلَافٌ (١)؛ وَلَعَلَّ الأَرْجَحَ هُوَ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الوَعْظَ غَايَتُهُ الانْتِهَاءُ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَيسَ عَمَلًا تَعَبُّدِيًّا مَحْضًا! وَدَلَّتْ لِهَذَا أَدِلَّةٌ؛ مِنْهَا: ١ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأَعْلَى: ٩]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: " أَي: ذَكِّرْ حَيثُ تَنْفعُ التَّذْكِرَةُ" (٢).

стр. 355

وَقَالَ العَلَّامَةُ الشَّنْقِيطِيُّ ﵀: " وَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهِ: مَظِنَّةُ النَّفْعِ بِهِ، فَإِنْ جَزَمَ بِعَدَمِ الفَائِدَةِ فِيهِ؛ لَمْ يَجِبْ عَلِيهِ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ ظَاهِرُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ " (١). ٢ - فِي الحَدِيثِ «إِذَا رَأيتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكانُوا هَكَذَا -وَشَبَّكَ بَينَ أَصَابِعِهِ-؛ فَالْزَمْ بَيتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُهُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيكَ بِأمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ العَامَّةِ» (٢). قَالَ العَلَّامَةُ شَمْسُ الحَقِّ العَظِيمُ آبَادِي: " أَي: اِلْزَمْ أَمْرَ نَفْسِكَ، وَاحْفَظْ دِينَكَ، وَاتْرُكِ النَّاسَ وَلَا تَتَّبِعَهُمْ، وَهَذَا رُخْصَةٌ فِي تَرْكِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهِي عَنِ المُنْكَرِ إِذَا كَثُرَ الأَشْرَارُ وَضَعُفَ الأَخْيَارُ" (٣). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: " هَذِهِ الآيَةُ ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيتُمْ﴾ [المَائِدَة: ١٠٥] لِأَقْوَامٍ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِنَا؛ إِنْ قَالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ" .... ، وَكَلَامُ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ؛ لَمْ يَجِبْ عَلِيهِ، كَمَا حُكِيَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَا قَالَ الأَوزَاعِيُّ: مُرْ مَنْ تَرَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْكَ" (٤). قُلْتُ: وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِإِظْهَارِ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ، وَتَذْكِيرِ النَّاسِ بِأَمْرِ الدِّينِ (٥). قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: " وَمَفْهُومُ الآيَةِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى
следующие страницы →