← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23

سبيل المهتدين إلى شرح الأربعين النووية

خلدون نغوي

Полный текст (476 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

- تَنْبِيهٌ: الحَدِيثُ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ إِسْنَادِهِ الَّذِي فِي البُخَارِيِّ، لَكِنْ لَهُ طُرُقٌ يَرْتَقِي بِهَا إِلَى الصَّحِيحِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ، تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ كَرَامَةَ عَنْ خَالِدٍ، وَلَيسَ هُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مَعَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَخْلَدٍ القَطَوَانِيَّ تَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ، وَقَالُوا: لَهُ مَنَاكِيرُ! وَعَطَاءُ الَّذِي فِي إِسْنَادِهِ قِيلَ: إِنَّهُ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ابْنُ يَسَارٍ، وَإِنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الصَّحِيحِ مَنْسُوبًا كَذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ لَا تَخْلُو كُلُّهَا عَنْ مَقَالٍ" (١). قَالَ الشَّيخُ المُحَدِّثُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: " قُلْتُ: وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، وَهُوَ مِنَ الأَسَانِيدِ القَلِيلَةِ الَّتِي انْتَقَدَهَا العُلَمَاءُ عَلَى البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (٢)، فَقَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ هَذَا -وَهُوَ القَطْوَانِيُّ- بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اخْتِلَافَ العُلَمَاءِ فِي تَوثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ وَسَاقَ لَهُ أَحَادِيثَ تَفَرَّدَ بِهَا؛ وَهَذَا مِنْهَا: (فَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَولَا هَيبَةُ الجَامِعِ الصَحِيحِ (!) لَعَدَدْتُهُ فِي مُنْكَرَاتِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَذَلِكَ لِغَرَابَةِ لَفْظِهِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَنْفَرِدُ بِهِ شَرِيكُ -وَلَيسَ بِالحَافِظِ-، وَلَمْ يُرْوَ هَذَا المَتْنُ إِلَّا بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَا أَخْرَجَهُ مَنْ عَدَا البُخَارِيِّ،

стр. 422

وَلَا أَظُنُّهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عَطَاءَ، فَقِيلَ: هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ). وَنَقَلَ كَلَامَهُ هَذَا بِشَيءٍ مِنَ الاخْتِصَارِ الحَافِظُ فِي الفتح، ثُمَّ قَالَ: (قُلْتُ: لَيسَ هُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ جَزْمًا، وَإِطْلَاقُ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا المَتْنُ إِلَّا بِهَذَا الإِسْنَادِ مَرْدُودٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَشَرِيكُ -شَيخُ شَيخِ خَالِدٍ- فِيهِ مَقَالٌ أَيضًا، وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ المِعْرَاجِ الَّذِي زَادَ فِيهِ وَنَقَصَ وَقدَّمَ وَأَخَّرَ وَتفرَّدَ فِيهِ بِأَشْيَاءَ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيهَا -كَمَا يَاتِي القَولُ فِيهِ مُسْتَوعَبًا فِي مَكَانِهِ-، وَلَكِنْ لِلحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا) (١) " (٢).

стр. 423

مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ: - المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلِ اسْتِجَابَةُ اللهِ تَعَالَى لِدُعَاءِ الدَّاعِي هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَادَامَ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الأَوصَافِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الحَدِيثِ؟ الجَوَابُ: لا، لِأَنَّ النُّصُوصَ يُقَيِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ لَهَا شُرُوطٌ وَأَنْوَاعٌ: وَالشُّرُوطُ هِيَ: ١ - أَنَّ لَا يَكُونَ الدُّعَاءُ فِيهِ إِثْمٌ. ٢ - أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ قَطِيعَةُ رَحِمٍ. ٣ - أَنْ لَا يَسْتَعجِلَ الإِجَابَةَ فَيُؤَدِّي بِهِ لِتَرْكِ الدُّعَاءِ إِذَا لَمْ تُعَجَّلْ لَهُ! ٤ - حُضُورُ القَلْبِ فِي الدُّعَاءِ. كَمَا فِي الحَدِيثِ «اُدْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (١). وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَوقُوفًا " لَا يَسْمَعُ اللَّهُ مِنْ مُسْمِعٍ، وَلَا مُرَاءٍ، وَلَا لَاعِبٍ؛ إِلَّا داعٍ دَعَا يَثْبُتُ مِنْ قَلْبِهِ" (٢). ٥ - الرَّجَاءُ مَعَ الدُّعَاءِ. كَمَا فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «يَا ابْنَ آَدَمَ؛ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِي وَرَجَوتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي» (٣) (٤).

стр. 424

وَالإِجَابَةُ أَنْوَاعٌ هِيَ: ١ - أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ فِي الحَاضِرِ. ٢ - أَنْ يُصْرَفَ بِهَا مِنَ السُّوءِ عَنِ المُسْلِمِ مِثْلُهَا. ٣ - أَنْ يُدَّخَرَ جَوَابُهَا إِلَى الآخِرَةِ. وَفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِمِثْلِهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ» (١). وَفِي الحَدِيثِ أَيضًا «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِلَّهِ -يَسْأَلُهُ مَسْأَلَةً- إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا، إِمَّا عَجَّلَهَا لَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا ادَّخَرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: قَدْ دَعَوتُ وَدَعَوتُ فَلَا أَرَاهُ يُسْتَجَابُ» (٢).

стр. 425

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَدْ رَدَّ هَذَا الحَدِيثَ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ؛ وَقَالُوا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالتّرَدُّدِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَرَدَّدُ مَنْ لَا يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ، وَاللهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِالعَوَاقِبِ! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ: إِنَّ التَّرَدُّدَ قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ العِلْمِ بِالعَوَاقِبِ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَا فِي الفِعْلَينِ مِنَ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ؛ فَيُرِيدُ الفِعْلَ لِمَا فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وَيَكْرَهُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ لَا لِجَهْلِهِ بِهِ! وَهُوَ الوَجْهُ هُنَا؛ فَإِنَّ العَبْدَ الَّذِي صَارَ مَحْبُوبًا للهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ اللهَ يَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ قَضَى بِالمَوتِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ؛ وَهَذَا مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَةِ حَبِيبِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي سُمِّيَ تَرَدُّدًا فِي الحَدِيثِ (١) (٢).

стр. 426

- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ يُحْمَلُ الحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا»؟ الجَوَابُ: نَعَمْ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ حَقِيقَتُهُ، وَلَكِنْ مَا ظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ؟ هَلْ يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَكُونُ نَفْسَ سَمْعِ الوَلِيِّ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ؟ أَو يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَدِّدُ الوَلِيَّ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجلِهِ بِحَيثُ يَكُونُ إِدْرَاكُهُ وَعَمَلُهُ للهِ وَبِاللهِ وَفِي اللهِ؟ لَا رَيبَ أَنَّ القَولَ الأَوَّلَ لَيسَ هُوَ ظَاهِرُ الكَلَامِ، بَلْ وَلَا يَقْتَضِيهِ الكَلَامُ لِمَنْ تَدَبَّرَ الحَدِيثَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ»، وَقَالَ: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ» فَأَثْبَتَ عَبْدًا وَمَعْبُودًا، وَمُتَقَرِّبًا وَمُتَقَرَّبًا إِلَيهِ، وَمُحِبًّا وَمَحْبُوبًا، وَسَائِلًا وَمَسْئُولًا، وَمُعْطِيًا وَمُعْطًى، وَمُسْتَعِيذًا وَمُسْتَعَاذًا بِهِ، فَسِيَاقُ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى اثْنَينِ مُتَبَايِنَينِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيرُ الآخَرِ. وَإِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ القَولِ الأَوَّلِ وَامْتِنَاعُهُ تَعَيَّنَ القَولُ الثَّانِي، وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الحَدِيثِ حَيثُ جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الإِثَابَةِ وَالإِعَانَةِ، وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَدِّدُ هَذَا الوَلِيَّ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَمَلِهِ، وَهَذَا مَا فَسَّرَهُ بِهِ السَّلَفُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مُطَابِقٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَمُوَافِقٌ لِحَقِيقَتِهِ، وَمُتَعَيِّنٌ بِسِيَاقِهِ، وَلَيسَ فِيهِ تَاوِيلٌ وَلَا صَرْفٌ لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ. وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ (١) (٢).

стр. 427

الحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالثَّلاثُونَ: (التَّجَاوُزُ عَنِ الخَطَأُ وَالنِّسْيَانِ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ الله ِصَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ». حَدِيث حَسَنٌ. رَوَاهُ ابْن مَاجَه والبَيهَقِيُّ وَغَيرُهُمَا (١). - قَولُهُ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي»: اللَّامُ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ، أَي: تَجَاوَزَ مِنْ أَجْلِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ. - التَّجَاوُزُ هُنَا هُوَ الوَضْعُ، وَالأُمَّةُ هُنَا هِيَ أُمَّةُ الإِجَابَةِ؛ وَلَيسَتْ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ. - الخَطَأُ: أَنْ يَرْتَكِبَ الإِنْسَانُ غَيرَ الصَّوَابِ مِنْ غَيرِ عَمْدٍ.

стр. 428

- النِّسْيَانُ: هُوَ ذُهُولُ القَلْبِ عَنْ شَيءٍ مَعْلُومٍ مِنْ قَبْلُ. - الاسْتِكْرَاهُ: هُوَ الإِجْبَارُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُكْرِهَهَ شَخْصٌ عَلَى عَمَلٍ مُحَرَّمٍ وَلَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ. - هَذِهِ الأَعْذَارُ الثَّلَاثَةُ شَهِدَ لَهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ، فَأَمَّا الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فَقَدْ قَالَ اللهُ : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَانَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦] (١). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁؛ قَالَ: (لَمَّا نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَانَا﴾ قَالَ اللهُ: «قَدْ فَعَلْتُ») (٢). وَأَمَّا الإِكْرَاهُ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦]، فَرَفَعَ اللهُ حُكْمَ الكُفْرِ عَنِ المُكْرَهِ -المُطْمَئِنِّ بِالإِيمَانِ-، وَمَا دُونَ الكُفْرِ مِنَ المَعَاصِي هُوَ مِنْ بَابِ أَولَى. وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ: أَخَذَ المُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيرٍ! ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيرٍ. قَالَ: «كَيفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ» (٣).

стр. 429

- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَاتِ عُمُومًا لَا تَلْزَمُ إِلَّا بِالعِلْمِ؛ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٥]، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُقَصِّرًا فَهُوَ مُحَاسَبٌ بِهَا، كَمَنْ عِنْدَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ مِنَ العُلَمَاءِ وَلَكِنْ لَا يَحْرِصُ عَلَى سُؤَالِهِم مَعَ عِلْمِهِ بِجَهْلِ نَفْسِهِ وَحَاجَتِهِ لِلْعِلْمِ! عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا في سَفَرٍ؛ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ في رَاسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى المَاءِ! فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ؛ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟! فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ» (١). قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: " وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ؛ وَهِيَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا حَاضَتْ مُبَكِّرَةً لَزِمَهَا الصِّيَامُ! وَيَظُنُّونَ أَنَّ المَرْأَةَ لَا يَلْزَمُهَا الصِّيَامُ إِلَّا إِذَا تَمَّ لَهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً! وَهِيَ قَدْ حَاضَتْ وَلَهَا إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مَثَلًا؛ فَلَهَا خَمْسُ سِنِينَ لَمْ تَصُمْ! فَهَلْ نُلْزِمُهَا بِالقَضَاءِ؟ الجَوَابُ: لَا نُلْزِمُهَا بِالقَضَاءِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جَاهِلَةٌ وَلَمْ تُقَصِّرْ، لَأَنَّهُ لَيسَ عِنْدَهاَ مَنْ تَسْأَلُهُ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَهَا يَقُولُونَ لَهَا: أَنْتِ صَغِيرَةٌ؛ لَيسَ عَلَيكِ شَيءٌ! وَكَذَلِكَ لَو

стр. 430

كَانَتْ لَا تُصَلِّي" (١). - فِي العُذْرَ بِالجَهْلِ ضَوَابِطُ عِدَّةٌ، مِنْهَا (٢): ١ - إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ -دُونَ تَقْصِيرٍ مِنْهُ- كَبُعْدِهِ عَنْ بِلَادِ الإِسْلَامِ، أَو لِعَدَمِ شُهْرَةِ المَسْأَلَةِ؛ فَيُعْذَرُ. مِثَالُهُ: رَجُلٌ زَنَى يَحْسَبُ أَنَّ الزِّنَى حَلَالٌ! لِأَنَّهُ عَاشَ فِي غَيرِ بِلَادِ الإِسْلَامِ -وَهُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ-؛ فَلَا حَدَّ عَلَيهِ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ، حَيثُ أَسْلَمَ حَدِيثًا وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ، فَقَولُهُ مَقْبُولٌ، لَكِنْ لَو قَالَ رَجُلٌ عَاشَ بَينَ المُسْلِمِينَ: إِنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ! فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَيُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ. ٢ - الجَهْلُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الفِعْلِ لَيسَ بِعُذْرٍ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ! إِنَّمَا العُذْرُ إِذَا جَهِلَ الحُكْمَ. مِثَالُهُ: رَجُلٌ جَامَعَ زَوجَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ -وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الجِمَاعَ حَرَامٌ-؛ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ كَفَّارَةً؛ فَهَذَا تَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ، لِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ غَيرُ مَعْذُورٍ حَيثُ انْتَهَكَ حُرْمَةَ رَمَضَانَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ فَتَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ، وَلِهَذَا أَلْزَمَ النَّبِيُّ ﷺ المُجَامِعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِالكَفَّارَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الكَفَّارَةَ (٣). وَأَيضًا كَرَجُلٍ زَنَى -وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ-، لَكِنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ الزَّانِي

стр. 431

المُحْصَنَ عَلَيهِ الرَّجْمُ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَو عَلِمَ أَنَّ عَلَيهِ الرَّجْمَ مَا زَنَى؛ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ. ٣ - الجَهْلُ فِي حَقَّ اللهِ تَعَالَى يَرْفَعُ الإِثْمَ، أَمَّا فِي حَقِّ المَخْلُوقِ فَلَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ -وَإِنْ أَسْقَطَ الإِثْمَ-. مِثَالُهُ: رَجُلٌ أَخَذَ شَاةً -ظَنَّهَا شَاتَهُ- فَذَكَّاهَا وَأَكَلَهَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لِغَيرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، لِأَنَّ هَذَا حَقُّ آدَمِيٍّ، وَحُقُوقُ الآدَمِيِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى المُشَاحَّةِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الإِثْمُ لِأَنَّهُ غَيرُ مُتَعَمِّدٍ لِأَخْذِ مَالِ غَيرِهِ. ٤ - الحَدِيثُ عَامٌّ فِي المَحْظُورَاتِ، أَمَّا المَامُورَاتُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ أَدَاؤُهَا وَقَضَاؤُهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ تُفْعَلَ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ الإِثْمُ فِي تَاخِيرِهَا بِعُذْرٍ، وَسَيَاتِي الكَلَامُ عَلَيهَا فِي المَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَفِي الحَدِيثِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا؛ فَلْيُصِلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١)، فَعَذَرَهُ عَلَى التَّاخِيرِ وَلَمْ يُعْفِهِ مِنَ القَضَاءِ. وَكَذَا لَو أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ لَحْمَ إِبِلٍ -وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ- وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الإِبِلِ نَاقِضٌ لِلوُضُوءِ، فَصَلَّى؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الوَاجِبَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ مَعَ الجَهْلِ، وَأَمَّا المُحَرَّمُ فَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ وَانْتَهَى مِنْهُ. - إِنَّ العُذْرَ بِالإِكْرَاهِ يُقَيَّدُ بِمَا لَمْ يَكُنْ حَقًّا لِلآدَمِيِّ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالإِكْرَاهِ. مِثَالٌ: لَو أَنَّ رَجُلًا أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ إِنْسَانٍ، وَقَالَ لَهُ المُكْرِهُ: إِمَّا أَنْ تَقْتُلَ فُلَانًا أَو أَقْتُلَكَ -وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ- فَقَتَلَهُ؛ فَإِنَّ القاتِلَ المُكْرَهَ يُقْتَلُ بِهِ. - المُكْرَهُ نَوعَانِ: ١ - مَنْ لَا اخْتِيَارَ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الامْتِنَاعِ: كَمَنْ حُمِلَ كَرْهًا

стр. 432

وَأُدْخِلَ إِلَى مَكَانٍ حَلَفَ عَلَى الامْتِنَاعِ مِنْ دُخُولِهِ، أَو حُمِلَ كَرْهًا وَضُرِبَ بِهِ غَيرُهُ حَتَّى مَاتَ ذَلِكَ الغَيرُ -وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الامْتِنَاعِ-، أَوِ امْرَأَةٍ زُنِيَ بِهَا مِنْ غَيرِ قُدْرَةٍ لَهَا عَلَى الامْتِنَاعِ؛ فَهَؤُلَاءِ لَا إِثْمَ عَلَيهِم بِالاتِّفَاقِ. ٢ - مَنْ أُكْرِهَ بِضَرْبٍ أَو غَيرِهِ حَتَّى فَعَلَ المَحْظُورَ؛ فَهَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ بَينَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَبَينَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ العَبْدِ، وَقَدْ مَضَى تَفْصِيلُهُ. - التَّجَاوُزُ عَنِ النِّسْيَانِ مُقَيَّدٌ بِمَا لَمْ يَتَعَاطَ صَاحِبُهُ أَسْبَابَهُ، كَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِأَمْرٍ مَا سَيَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ وَقَدْ يَنْسَاهَا لِذَلِكَ! - يَنْبَغِي لِلنَّاصِحِ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَعَ النَّاسِ نَظْرَتَانِ: نَظْرَةُ حَازِمٍ: بِأَنْ لَا يَتَهَاوَنَ مَعَ مَنْ عَلِمَ مِنْهُ تَقْصِيرًا، وَالأُخْرَى نَظْرَةُ رَاحِمٍ: إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ؛ لَكِنَّهُ جَاهِلٌ أَو نَاسٍ أَو تَائِبٌ.

стр. 433

مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ: - المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي حَدِيثِ المُسِيءِ صَلَاتَهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَامُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ إِلَّا الصَّلَاةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا دُونَ مَا سَبَقَ مِنْهَا! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الوَاجِبَاتِ تَسْقُطُ بِالجَهْلِ مَا لَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُهَا فِي الوَقْتِ -اسْتِدْلَالًا بِنَفْسِ الحَدِيثِ- (١). وَالحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَدَّ، وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ!» فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا! فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيرَهُ؛ فَعَلِّمْنِي. فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَا مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (٢).

стр. 434

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يُبْنَى عَلَى مَا سَلَفَ؛ أَنَّ مَنْ جَهِلَ الزَّكاةَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَيهِ تَكْلِيفُ مَا سَلَفَ مِنَ السَّنَوَاتِ؟ الجَوَابُ: لَا، لِأَنَّ هَذَا الوَاجِبَ الَّذِي تَرَكَهُ جَهْلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقَّانِ: حَقُّ للهِ تَعَالَى، وَحَقٌّ لِلغَيرِ، فَلَو أَخَّرَهَا عَمْدًا إِلَى خَمْسِ سَنَوَاتٍ لَزِمَهُ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهَا، وَلَكِنْ لَا نُؤَثِّمُهُ بِتَرْكِهَا جَهْلًا.

стр. 435

الحَدِيثُ الأَرْبَعُونَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلٍ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمنْكِبَيَّ فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلٍ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: (إِذَا أَمْسَيتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ؛ وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوتِكَ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). - الحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ مِنْ صَحِيحِهِ، وَمَفَادُ الحَدِيثِ هُوَ تَرْكُ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيَا، وَالاقْتِصَارُ مِنْهَا عَلَى مَا يَنْفَعُ فِي الآخِرَةِ، وَالسَّعْيُ لِاغْتِنَامِ الوَقْتِ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " هَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ فِي قِصَرِ الأَمَلِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الدُّنْيَا وَطَنًا وَمَسْكَنًا فَيَطْمَئِنَّ فِيهَا! وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا كَأَنَّهُ عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ يُهَيِّئُ جِهَازَهُ لِلرَّحِيلِ. وَقَدِ

стр. 436

اتَّفَقَتْ عَلَى ذَلِكَ وَصَايَا الأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، قَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَونَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَومِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ﴾ [غَافِر: ٣٩]. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». وَمِنْ وَصَايَا المَسِيحِ ﵇ لِأَصْحَابِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: " اُعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا"، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ ذَا الَّذِي يَبْنِي عَلَى مَوجِ البَحْرِ دَارًا؟! تِلْكُمُ الدُّنْيَا، فَلَا تَتَّخِذُوهَا قَرَارًا". وَ " دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي بَيتِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَينَ مَتَاعُكُمْ؟ قَالَ: إِنَّ لَنَا بَيتًا نُوَجِّهُ إِلَيهِ، قَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مَتَاعٍ مَا دُمْتَ هَاهُنَا، قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَنْزِلِ لَا يَدَعُنَا فِيهِ" (١) " (٢). - قَولُهُ: (بِمَنْكِبَيَّ): بِفَتْحِ المِيمِ وَكَسْرِ الكَافِ، وَهُوَ مَجْمَعُ العَضُدِ وَالكَتِفِ، وَيُرْوَى بِالإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ. - التَّوجِيهُ النَّبَوِيُّ فِي الحَدِيثِ بِأَنْ يَكُونَ العَبْدُ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُ غَرِيبٌ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّهُ لَمَّا أُنْزِلَ آدَمُ ﵊ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ صَارَ هُوَ وَذُرِّيَتُهُ غُرَبَاءَ عَنْ وَطَنِهِم، وَلَكِنَّهُم عَائِدُونَ إِلَيهِ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَالشَّاهِدُ مِنَ الحَدِيثِ إِذًا أَنْ يُهَيِّأَ المَرْءُ نَفْسَهُ لِلعَودَةِ إِلَى دَارِ خُلُودِهِ، وَيَاخُذَ بِأَسْبَابِهَا؛ لِذَلِكَ فَهُوَ غَرِيبٌ، وَلَا يَانَسُ الغَرِيبُ إِلَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ. ٢ - أَنَّ الغَرِيبَ فِي غَيرِ بَلَدِهِ لَيسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي مُنَافَسَةِ أَهْلِ البَلَدِ فِي دَارِهِم

стр. 437

وَعِزِّهِم، فَالدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ ولَيسَتْ دَارَ مَقَرٍّ، وَفِي الحَدِيثِ «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا! مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (١) (٢). ٣ - أَنَّ الغَرِيبَ المُقِيمَ فِي بَلَدِ غُرْبَةٍ؛ هَمُّهُ التَّزَوُّدُ لِلرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ، وَلَا يَهْتَمُّ بِإِعْمَارِ دَارِ غُرْبَتِهِ وَتَحْسِينِ مَسْكَنِهِ وَالاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ تَارِكُهُ، وَفِي الحَدِيثِ «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيهِ مِنْ مَالِهِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيهِ. قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ» (٣). - التَّوجِيهُ النَّبَوِيُّ بِأَنْ يَكُونَ العَبْدُ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُ عَابِرُ سَبِيلٍ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ عَابِرَ السَّبِيلِ أَقَلُّ تَعَلُّقًا بِمَسْكَنِهِ وَمَتَاعِهِ مِنَ الغَرِيبِ؛ لِأَنَّ الغَرِيبَ قَدْ يَجْلِسُ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ ثُمَّ يَرْحَلُ، أَمَّا عَابِرُ السَّبِيلِ فَهُوَ غَيرُ جَالِسٍ أَبَدًا، بَلْ هُوَ مَارٌّ مِنْ غَيرِ مُكْثٍ فِي مَكَانِهِ أَصْلًا. ٢ - أَنَّ عَابِرَ السَّبِيلِ أَسْرَعُ وَأَخَفُّ حَرَكَةً مِنَ الغَرِيبِ لِأَنَّهُ قَلِيلُ المَتَاعِ، وَهَذِهِ القِلَّةُ مِنَ المَتَاعِ فِي الدُّنْيَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّقِ بِهَا. - إنَّ عَطْفَ عَابِرِ السَّبِيلِ عَلَى الغَرِيبِ لَيسَ مِنْ بَابِ الشَّكِّ، وَلَا مِنْ بَابِ

стр. 438

التَّخْيِيرِ؛ وَإِنَّمَا مِنْ بَابِ التَّرَقِّي فِي التَّمْثِيلِ، لِأَنَّ عَابِرَ السَّبِيلِ أَقَلُّ تَعَلُّقًا بِالدُّنْيَا مِنَ الغَرِيبِ. - فِي الحَدِيثِ التَّشْبِيهُ بِالمَحْسُوسِ لِيَكُونَ أَحْفَظَ فِي الذِّهْنِ، وَفِي قَولِهِ: (أَخَذَ بِمنْكَبَيَّ) فِعْلُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِانْتِبَاهِ المُخَاطَبِ وَحُضُورِ قَلْبِهِ. - فِي الحَدِيثِ فَضِيلَةُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ لِكَونِهِ عَمِلَ بِمُقْتَضَى الوَصِيَّةِ. - فِي الحَدِيثِ إِرْشَادٌ لِعَدَمِ التَّعَلُّقِ بِطُولِ الأَمَلِ، فَالإِنْسَانُ لَا يَدْرِي مَتَى يَنْقَطِعُ أَجَلُهُ، وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: «هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ -أَو قَدْ أَحَاطَ بِهِ-، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ؛ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا» (١). وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيضًا الَّذِي فِي البُخَارِيِّ «هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ» (٢). - قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ﵀: " اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ، فَقَالُوا لِأَحَدِهِم: مَا أَمَلُكَ؟ قَالَ: مَا أَتَى عَلَيَّ شَهْرٌ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنِّي سَأَمُوتُ فِيهِ، قَالَ: فَقَالَ صَاحِبَاهُ: إنَّ هَذَا لَأَمَلٌ، فَقَالَا لِأَحَدِهِم: فَمَا أَمَلُكَ؟ قَالَ: مَا أَتَتْ عَلَيَّ جُمُعَةٌ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنِّي سَأَمُوتُ فِيهَا، قَالَ: فَقَالَ صَاحِبَاهُ: إنَّ هَذَا لَأَمَلٌ، فَقَالَا لِلآخَرِ: فَمَا أَمَلُكَ؟ قَالَ:

стр. 439

مَا أَمَلُ مَنْ نَفْسُهُ فِي يَدِ غَيرِهِ؟ " (١). - قَولُ ابْنِ عُمَرَ " إِذَا أَمْسَيتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ"؛ فِيهِ إِرْشَادَانِ: ١ - كُنْ دَائِمًا عَلَى حَذَرٍ مِنَ المَوتِ أَنْ يُفَاجِئَكَ وَأَنْتَ غَيرُ مُسْتَعِدٍّ لَهُ. ٢ - بَاشِرْ فِي العَمَلِ وَلَا تُؤَخِّرْهُ. - قَولُ ابْنِ عُمَرَ " وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ؛ وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوتِكَ": مَعْنَاهُ: المُبَادَرَةُ فِي العَمَلِ عِنْدَ صِحَّتِهِ وَعَافِيَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَ عَلَيهِ زَمَنٌ يَعْجَزُ فِيهِ عَنِ العَمَلِ -لِمَرَضٍ أَو مَوتٍ- فَيَنْدَمَ عَلَى تَفْرِيطِهِ فِي وَقْتِ صِحَّتِهِ، كَمَا في البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» (٢) (٣). - في صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٤) عَنْ أَبِي هُريرة مَرْفُوعًا «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَو خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَو أَمْرَ العَامَّةِ» (٥). فَالوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ المُبَادَرَةُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يَقْدِرَ

стр. 440

عَلَيهَا وَيُحَالَ بَينَهُ وَبَينَهَا إِمَّا بِمَرَضٍ أَو مَوتٍ أَو بِأَنْ يُدْرِكَهُ بَعْضُ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عَمَلٌ. - فَائِدَةٌ: تَتِمَّةُ الحَدِيثِ المَرْفُوعِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ القُبُورِ»، وَتَتِمَّةُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ " فَإِنَّكَ يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَدًا" (١) يَعْنِي: ١ - لَعَلَّكَ غَدًا مَعْدُودٌ مِنَ الأَمْوَاتِ (٢). ٢ - أَو لَعَلَّكَ بَعْدَ مَوتِكَ تَكُونُ شَقِيًّا أَو سَعِيدًا (٣).

стр. 441

مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ: - مَسْأَلَةٌ: فِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَو سَافَرَ كَتَبَ اللهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (١) فَفِيهِ أَنَّ العَبْدَ يُكْتَبُ لَهُ الأَجْرُ فِي المَرَضِ، فَمَا هُوَ تَوجِيهُ الحَدِيثِ مَعَ حَدِيثِ البَابِ «خُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ» وَالَّذِي مَفَادُهُ أَنَّهُ سَيَاتِي عَلَيكَ وَقْتٌ لَا تَسْتَطِيعُ فِيهِ العَمَلَ لِتَنَالَ الأَجْرَ؟ الجَوَابُ: لَا تَعَارُضَ أَبَدًا، لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى هَذَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ يَعْمَلُ، أَمَّا التَّحْذِيرُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ شَيئًا؛ فَإِنَّهُ إِذَا مَرِضَ نَدِمَ عَلَى تَرْكِهِ العَمَلَ، وَعَجَزَ لِمَرَضِهِ عَنِ العَمَلِ فَلَا يُفِيدُهُ النَّدَمُ (٢).

стр. 442

الحَدِيثُ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ) عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ؛ عَبْدِ اللهِ بِنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ رَوَينَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١). - الحَدِيثُ ضَعِيفٌ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " تَصْحِيحُ هَذَا الحَدِيثِ بَعِيدٌ جِدًّا مِنْ وُجُوهٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ حَدِيثٌ يَتَفَرَّدُ بِهِ نُعَيمُ بْنُ حَمَّادٍ المَرْوَزِيُّ" (٢)، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ (٣). وَلَكِنْ قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: " مَعْنَى الحَدِيثِ -بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إِسْنَادِهِ- صَحِيحٌ" (٤). - عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو بْنِ العَاصِ ﵄ مِنَ المُكْثِرِينَ رِوَايَةً لِلحَدِيثِ، وَكَانَ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ يَغْبِطُهُ عَلَى هَذَا وَيَقُولُ: " مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا

стр. 443

مِنِّي إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ". البُخَارِيُّ (١). - قَولُهُ: «لا َيُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ»: هَذَا فِيهِ نَفْيٌ لِكَمَالِ الإِيمَانِ الوَاجِبِ. - مَعْنَى الحَدِيثِ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلَ الإِيمَانِ الوَاجِبِ حَتَّى تَكُونَ مَحبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَغَيرِهَا؛ فَيُحِبُّ مَا أَمَرَ بِهِ، وَيَكْرَهُ مَا نَهَى عَنْهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٣٦]. وَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، فَلَا يَكُونُ المُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَقًّا حَتَّى يُقَدِّمَ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى مَحَبَّةِ جَمِيعِ الخَلْقِ، وَمَحَبَّةُ الرَّسُولِ تَابِعَةٌ لِمَحَبَّةِ مُرْسِلِهِ (٢). - قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: " قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ النَّهْرُجُورِيُّ (٣): كُلُّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَمْ يُوَافِقِ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ؛ فَدَعَوَاهُ بَاطِلَةٌ، وَكُلُّ مُحِبٍّ لَيْسَ يَخَافُ اللَّهَ؛ فَهُوَ مَغْرُورٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ (٤): لَيْسَ بِصَادِقٍ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَمْ يَحْفَظْ

стр. 444

حُدُودَهُ!. وَسُئِلَ رُوَيْمٌ (١) عَنِ الْمَحَبَّةِ؛ فَقَالَ: الْمُوَافَقَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَأَنْشَدَ: وَلَوْ قُلْتَ لِي مُتْ مُتُّ سَمْعًا وَطَاعَةً … وَقُلْتُ لِدَاعِي الْمَوْتِ أَهْلًا وَمَرْحَبًا وَلِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ: تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ … هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ شَنِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ … إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ فَجَمِيعُ المَعَاصِي تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ هَوَى النُّفُوسِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ المُشْرِكِينَ بِاتِّبَاعِ الهَوَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ [القَصَص: ٦٤]، وَكَذَلِكَ البِدَعُ؛ إِنَّمَا تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى الشَّرْعِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى أَهْلُهَا أَهْلَ الأَهْوَاءِ، وَكَذَلِكَ المَعَاصِي؛ إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ" (٢). - قَولُهُ: «حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»: الهَوَى بِالقَصْرِ هُوَ: المَيلُ، وَبِالمَدِّ هُوَ: الرِّيحُ، وَالمُرَادُ الأَوَّلُ.

стр. 445

- كِتَابُ (الحُجَّةُ عَلَى تَارِكِ المَحَجَّةِ) لِلشَّيخِ أَبِي الفَتْحِ؛ نَصْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ المَقْدِسِيِّ الشَّافِعِيِّ؛ الفَقِيهِ الزَّاهِدِ نَزيلِ دِمَشْقَ، تَضَمَّنَ كِتَابُهُ ذِكْرَ أُصُولِ الدِّينِ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، (ت ٤٩٠ هـ) (١). - قَولُهُ: (هَوَاهُ): الهَوَى لَهُ مَعْنَيَانِ: ١ - المَيلُ إِلَى خِلَافِ الحَقِّ -وَهُوَ المَعْنَى إِذَا أُطْلِقَ اللَّفْظُ-، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: ٢٦]. وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾ [النَّازِعَات: ٤٠، ٤١]. ٢ - المَحَبَّةُ وَالمَيلُ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَيلُ إِلَى الحَقِّ وَغَيرِهِ، فيُذَمُّ وَيُمْدَحُ بِحَسْبِ المَحْبُوبِ. وَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: " أَمَا تَسْتَحِي المَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟! فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأَحْزَاب: ٥١] (٢)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ" (٣). وَعَلَى هَذَا النَّوعِ يُحْمَلُ الحَدِيثُ، أَي: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم الإِيمَانَ الوَاجِبَ

стр. 446

حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّةِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا الوجْهِ -أَنَّ الهَوَى هُنَا بِمَعْنَى المَحَبَّةِ- لَا يَبْقَى وَجْهٌ لِإِنْكَارِ مَتْنِ الحَدِيثِ -مِمَّنْ أَنْكَرَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالفَضْلِ- بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلهَوَى أَنْ يُوَافِقَ الشَّرْعَ؛ وَأَنَّ الهَوَى مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ دَومًا؛ وَأَنَّ الإِيمَانَ يَكُونُ بِمُخَالَفَةِ الهَوَى بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ! وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ الإِنْكَارِ بِالحَدِيثِ «حُفَّتِ الجَنَّةَ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» (١)، وَأَيضًا بِحَدِيثِ «وَالمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ» (٢). قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي مَا يَهْوَاهُ وَيُحِبُّهُ المَرْءُ بِطَبْعِهِ مَا يُؤْجَرُ عَلَيهِ -مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ- كَمَا فِي حَدِيثِ «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» (٣). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَمَتَى نَوَى الْمُؤْمِنُ بِتَنَاوُلِ شَهَوَاتِهِ الْمُبَاحَةِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ؛ كَانَتْ شَهَوَاتُهُ لَهُ طَاعَةً يُثَابُ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: " إِنِّي لَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي" (٤)، يَعْنِي: أَنَّهُ يَنْوِي بِنَوْمِهِ التَّقَوِّي عَلَى الْقِيَامِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَيَحْتَسِبُ ثَوَابَ نَوْمِهِ كَمَا يَحْتَسِبُ ثَوَابَ قِيَامِهِ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ إِذَا تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ شَهَوَاتِهِ الْمُبَاحَةِ وَاسَى مِنْهَا إِخْوَانَهُ، كَمَا

стр. 447

رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا لَمْ يَاكُلْهُ حَتَّى يَشْتَهِيَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ؛ فَيَاكُلُهُ مَعَهُمْ، وَكَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا؛ دَعَا ضَيْفًا لَهُ لِيَاكُلَ مَعَهُ" (١).

стр. 448

الحَدِيثُ الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ: (إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِي وَرَجَوتَنِي) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: «يَا ابْنَ آَدَمَ؛ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِي وَرَجَوتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آَدَمَ لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لقِيتَنِي لَا تُشْرِك بِي شَيئًا لأَتَيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحَيحٌ (١). - قَولُهُ: «يَا ابْنَ آَدَمَ»: المَقْصُودُ بِابْنِ آدَمَ هُنَا المُسْلِمُ الَّذِي اتَّبعَ رِسَالَةَ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيهِ، وَذَلِكَ لِكَونِهِ عَلَّقَ المَغْفِرَةَ بِالدُّعَاءِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا فَإِنَّهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ أَصْلًا؛ فَدَلَّ عَلَى التَّخْصِيصِ بِالمُسْلِمِ. - قَولُهُ: «غَفَرْتُ لَكَ»، الغَفْرُ: السَّتْرُ، وَفِي الحَدِيثِ هُنَا: أَنْ يَسْتُرَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا أَثَرَ الذَّنْبِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ العُقُوبَةَ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. - قَولُهُ: «عَنَانَ السَّمَاءِ»: أَي السَّحَابَ العَالِي. - قَولُهُ: «مَا دَعَوتَنِي»: (مَا) هُنَا شَرْطِيَّةٌ، وَفِعْلُ الشَّرْطِ: (دَعَوتَنِي)، وَجَوَابُ الشَّرْطِ: (غَفَرْتُ)، وَالدُّعَاءُ هُنَا يَشْمَلُ دُعَاءَ العِبَادَةِ وَدُعَاءَ المَسْأَلَةِ.

стр. 449

وَمَعْنَاهُمَا: ١ - دُعَاءُ العِبَادَةِ: وَهُوَ الدُّعَاءُ بِلِسَانِ الحَالِ، كَالصَّومِ وَالصَّلَاةِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَادَاتِ، وَسُمِّيَ دُعَاءً لِأَنَّهُ دَاعٍ بِلِسَانِ حَالِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ الجَنَّةَ وَالبُعْدَ عَنِ النَّارِ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى أَعْمَالِ الطَّاعَةِ للهِ؛ فَهُوَ دَاعٍ فِي الجُمْلَةِ. وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ [الجِنّ: ١٨]، وَهَذَا النَّوعُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُنَا. ٢ - دُعَاءُ المَسْأَلَةِ: وَهُوَ الدُّعَاءُ بِلِسَانِ المَقَالِ، أَي: يَدْعُو سَائِلًا بِلِسَانِهِ، كَقَولِكَ: يَا غَفُورُ اغْفِرْ لِي. وَالنَّوعَانِ مَجْمُوعَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٥ - ٥٦]. - قَولُهُ: «مَا دَعَوتَنِي وَرَجَوتَنِي»: الدُّعَاءُ هُنَا فِيهِ قَيدٌ هَامٌّ وَهُوَ قَولُهُ: (وَرَجَوتَنِي) فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا القَيدِ، أَي: أَنْ تَكُونَ دَاعِيًا للهِ رَاجِيًا إِجَابتَهُ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِقَلْبٍ غَافِلٍ فَيَبْعُدُ جَوَابُهُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «اُدْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (١). فَإِنَّهُ " لَا بُدَّ مَعَ الدُّعَاءِ مِنْ رَجَاءٍ، وَأَمَّا القَلْبُ الغَافِلُ اللَّاهِيُ الَّذِي يَذْكُرُ الدُّعَاءَ عَلَى وَجْهِ العَادَةِ! فَلَيسَ حَرِيًّا بِالإِجَابَةِ، بِخِلَافِ الذِّكْرِ كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا يُعْطَى أَجْرًا بِهِ، وَلَكِنَّهُ أَقَلُّ مِمَّا لَوِ اسْتَحْضَرَ وَذَكَرَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ" (٢).

стр. 450

قَالَ الإِمَامُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀: " غَافِلٍ لَاهٍ عَنْ مَعْنَى مَا قَالَهُ، أَو غَافِلٍ لَاهٍ عَنِ الطَّاعَاتِ، أَو عَنِ اللهِ، أَو عَنْ رَجَائِهِ الإِجَابَةَ، وَالمُرَادُ: الحَثُّ عَلَى حُضُورِ القَلْبِ، وَالإِقْبَالُ عَلَيهِ تَعَالَى بِالكُلِّيَّةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ" (١). - قَولُهُ: «وَلا أُبَالِي»: أَي: لَا أَكْتَرِثُ بِذُنُوبِكَ وَلَا أَسْتَكْثِرُهَا -وَإِنْ كَثُرَتْ- إِذْ لَا يَتَعَاظَمُنِي شَيءٌ أَعْطَيتُهُ، وَهَذَا يُفِيدُ كَمَالَ السُّلْطَانِ، وَكَمَالَ الإِحْسَانِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ. لِيَعْزِم المَسْأَلَةَ؛ فَإنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «وَلكِنْ لِيَعْزِمْ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيءٌ أَعْطَاهُ» (٢). - قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " وَأَمَّا قُرَابُ الأَرْضِ: فَرُوِيَ بِضَمِّ القَافِ وَكَسْرِهَا، وَالضَّمُّ هُوَ المَشْهُورُ، وَمَعْنَاهُ: مَا يُقَارِبُ مِلْئَهَا" (٣). - شُرُوطُ التَّوبَةِ (٤): ١ - الإِخْلَاصُ فِيهَا: فَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى التَّوبَةِ خَوفُهُ مِنْ أَحَدٍ! أَو تَابَ لِأَجْلِ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ مُسْتَقِيمٌ! فَـ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٥). ٢ - النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَفِي الحَدِيثِ «النَّدَمُ تَوبَةٌ» (٦).

стр. 451

٣ - الإِقْلَاعُ عَنِ الذَّنْبِ. لَكِنْ إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ؛ وَجَبَ أَدَاؤُهُ: أ- فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الأَوَامِرِ وَيُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ. ب- وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الكَفَّارَاتِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهَا. ج- وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ العِبَادِ؛ فَيَجِبُ رَدُّهُ. ٤ - العَزْمُ عَلَى عَدَمِ العَودَةِ فِي المُسْتَقْبَلِ. ٥ - أَنْ تَكُونَ التَّوبَةُ فِي وَقْتِ القَبُولِ. وَهِيَ عَلَى حَالَتَينِ: أ- عَامَّةٍ: وَهِيَ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ. كَمَا فِي الحَدِيثِ «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (١). وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَومَ الفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السَّجْدَة: ٢٨، ٢٩]. ب- خَاصَّةٍ لِكُلِّ فَرْدٍ: وَهِيَ قَبْلَ نَزْعِ الرُّوحِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٨]. قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: "وَذَلِكَ أَنَّ التَّوبَةَ فِي هَذِهِ الحَالِ تَوبَةُ اِضْطِرَارٍ لَا

стр. 452

تَنْفَعُ صَاحِبَهَا! إِنَّمَا تَنْفَعُ تَوبَةُ الاخْتِيَارِ" (١). - الفَائِدَة الأُولَى: إنَّ الحَدِيثَ فِيهِ بَيَانُ مَغْفِرَةِ اللهِ تَعَالَى لِلذُّنُوبِ وَلَو كَانَتْ بِمِقْدَارِ الأَرْضِ، ولَكِنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِأُمُورٍ: ١ - أَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللهِ تَعَالَى شَيئًا. وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ التَّوحِيدَ هُوَ سَبَبُ الشَّفَاعَاتِ؛ فَكُلَّمَا قَوِيَ التَّوحِيدُ كُلَّمَا زَادَتِ الشَّفَاعَةُ فِي حَقَّهِ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي الحَدِيثِ «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَةِ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَو نَفْسِهِ» (٢). ٢ - أَنْ يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ لِقَولِهِ: «لَقِيتَنِي». ٣ - أَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨]. - الفَائِدَة الثَّانِيَة: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِ الاسْتِغْفَارِ: أَنْ يَبْدَأَ العَبْدُ بِالثَّنَاءِ عَلَى رَبِّهِ، ثُمَّ يُثَنِّيَ بِالاعْتِرَافِ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ يَسْأَلَ اللهَ المَغْفِرَةَ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوسٍ مَرْفُوعًا «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي؛ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (٣) " (٤).

стр. 453

- الفَائِدَة الثَّالثَة: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " مَنْ جَاءَ مَعَ التَّوحِيدِ بِقُرَابِ الأَرْضِ -وَهُوَ مِلْؤُهَا أَو مَا يُقَارِبُ مِلْأَهَا- خَطَايَا؛ لَقِيَهُ اللهُ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً، لَكِنْ هَذَا مَعَ مَشِيئَةِ اللهِ ؛ فَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِذُنُوبِهِ، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَتُهُ أَنْ لَا يَخَلُدَ فِي النَّارِ؛ بَلْ يَخْرُجُ مِنْهَا ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: المُوَحِّدُ لَا يُلْقَى فِي النَّارِ كَمَا يُلْقَى الكُفَّارُ، وَلَا يَلْقَى فِيهَا مَا يَلْقَى الكُفَّارُ، وَلَا يَبْقَى فِيهَا كَمَا يَبْقَى الكُفَّارُ. فَإِنْ كَمُلَ تَوحِيدُ العَبْدِ وَإِخْلَاصُهُ لِلَّهِ فِيهِ، وَقَامَ بِشُرُوطِهِ كُلِّهَا -بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ، أَو بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ عِنْدَ المَوتِ-؛ أَوجَبَ ذَلِكَ مَغْفِرَةَ مَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّهَا، وَمَنَعَهُ مِنْ دُخُولِ النَّارِ بِالكُلِّيَّةِ، فَمَنْ تَحَقَّقَ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ قَلْبُهُ؛ أَخْرَجَتْ مِنْهُ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا وَمَهَابَةً وَخَشْيَةً وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا، وَحِينَئِذٍ تُحْرَقُ ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ كُلُّهَا وَلَو كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ، وَرُبَّمَا قَلَبَتْهَا حَسَنَاتٍ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي تَبْدِيلِ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ؛ فَإِنَّ هَذَا التَّوحِيدَ هُوَ الإِكْسِيرُ الأَعْظَمُ، فَلَو وُضِعَتْ مِنْهُ ذَرَّةٌ عَلَى جِبَالِ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا لَقَلَبَهَا حَسَنَاتٍ" (١). - الفَائِدَة الرَّابِعَة: تَوبَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَى العَبْدِ تَرِدُ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَينِ: ١ - تَوفِيقُهُ تَعَالَى لِلعَبْدِ كَي يَتُوبَ. ٢ - قَبُولُهُ تَعَالَى لِلتَّوبَةِ. وَكِلَا النَّوعَينِ مَجْمُوعَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ

стр. 454

يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التَّوبَة: ١١٧ - ١١٨] (١). - الفَائِدَة الخَامِسَة: لَيسَ مِنْ شَرْطِ التَّوبَةِ عَدَمَ العَودَةِ لِلْذَّنْبِ! وَإِنَّمَا العَزْمُ عَلَى عَدَمِ العَودَةِ؛ فَإِنَّهُ إِنْ عَادَ إِلَى الذَّنْبِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ تَوبَتَهُ الأُولَى. كَمَا في الصَّحِيحَين من حَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَاخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَي: رَبِّ؛ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَاخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَي رَبِّ؛ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَاخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» (٢). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَالمَعْنَى: مَا دَامَ عَلَى هَذَا الحَالِ؛ كُلَّمَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الاسْتِغْفَارُ المَقْرُونُ بِعَدَمِ الإِصْرَارِ" (٣). تَمَّ الكِتَابُ بِحَولِهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ وَفَضْلِهِ.

стр. 455

وَأَخِيرًا؛ أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى إِجَابَتِي دَعْوَةً كَدَعْوَةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ﵊: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٠، ٤١]. وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَكَتَبَهُ / أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ خُلْدُونُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ نَغَوِي الحَقَوِيُّ

стр. 456

فِهْرِسُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ - وُفْقَ التَّرْتِيبِ الأَبْجَدِيِّ -: - الاسْتِذْكَارُ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ يُوسُف بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ البَرِّ؛ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي عُمَرَ، المَالِكِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٦٣ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيرُوت، تَحْقِيقُ سَالِم مُحَمَّد عَطَا، وُمُحَمَّد عَلِي مُعَوَّض. - الاعْتِصَامُ، لِلإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ اللَّخْمِيِّ الغِرْنَاطِيِّ، الشَّهِيرِ بِالشَّاطِبِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٠ هـ)، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ سَلِيمِ بْنِ عِيدٍ الهِلَالِيِّ. - الإِبَانَةُ عَنْ أُصُولِ الدِّيَانَةِ، لِلإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الأَشْعَرِيِّ؛ أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٢٤ هـ)، دَارُ الأَنْصَارِ، القَاهِرَةُ، بِتَحْقِيقِ فَوقِيَّة حُسَين مَحْمُود. - الإِتْقَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْر؛ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩١١ هـ)، الهَيئَةُ المِصْرِيَّةُ العَامَّةُ لِلكِتَابِ، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد؛ أَبِي الفَضْلِ إِبْرَاهِيم. - الإِجْمَاعُ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُنْذِرِ النَّيسَابُورِيِّ؛ أَبِي بَكْر، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١٥ هـ)، دَارُ المُسْلِمِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، بِتَحْقِيقِ فُؤَاد عَبْدِ المُنْعِمِ أَحْمَد. - الأَجْوِبَةُ النَّافِعَةُ عَنْ أَسْئِلَةِ لَجْنَةِ مَسْجِدِ الجَامِعَةِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.

стр. 457

- الأَدَبُ المُفْرَدُ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الجعْفِيِّ البُخَارِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٥٦ هـ)، دَارُ البَشَائِرِ الإِسْلَامِيَّةِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد فُؤَاد عَبْدِ البَاقِي. - الأَذْكَارُ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ الفِكْرِ لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ الفَاضِلِ عَبْدِ القَادِرِ الأَرْنَؤُوطِ. - الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ، أَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٨ هـ)، مَكْتَبَةُ السوادي، جِدَّة، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ الحَاشِدِيِّ. - الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ، تَالِيفُ خَيرِ الدِّينِ بْنِ مَحْمُودٍ الزِّرِكْلِيِّ الدِّمَشْقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٩٦ هـ)، دَارُ العِلْمِ لِلمَلَايِينِ. - الأُمُّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٠٤ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ، بَيرُوت. - البَاعِثُ الحَثِيثُ إِلَى اخْتِصَارِ عُلُومِ الحَدِيثِ، لِلحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ ابْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيِّ الدِّمَشْقِيِّ؛ أَبِي الفِدَاءِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٧٤ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ المُحَدِّثِ أَحْمَد شَاكِر. - البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، لِلحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيِّ الدِّمَشْقِيِّ؛ أَبِي الفِدَاءِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٧٤ هـ)، دَارُ هجر، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التّركيّ.

стр. 458

- التِّبْيَانُ فِي أَقْسَامِ القُرْآن، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ، بَيرُوت. - التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد الحَجَّار. - التَّحْجِيلُ فِي تَخْرِيجِ مَا لَمْ يُخَرَّجُ فِي إِرْوَاءِ الغَلِيلِ، لِلشَّيخِ عَبْدِ العَزيزِ بْنِ مَرْزُوقٍ الطّريفي، (مُعَاصِرٌ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض. - التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ، لِلإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ الأَصْبَهَانِيِّ؛ أَبِي القَاسِمِ، المُلَقَّبِ بِقَوَّامِ السُّنَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٣٥ هـ)، دَارُ الحَدِيثِ، القَاهِرَةُ، بِتَحْقِيقِ أَيمَن بْنِ صَالِحِ بْنِ شَعْبَانَ. - التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيخِ، (مُعَاصِرٌ)، دَارُ التَّوحِيدِ. - التَّمْهِيدُ لِمَا فِي المُوَطَّأِ مِنَ المَعَانِي وَالأَسَانِيدِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ يُوسُف بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ البَرِّ؛ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي عُمَرَ، المَالِكِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٦٣ هـ)، وِزَارَةُ عُمُومِ الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ، المَغْرِب، بِتَحْقِيقِ مُصْطَفَى بْنِ أَحْمَد العَلَوِيِّ، وَمُحَمَّد عَبْدِ الكَبِير البَكْرِيِّ. - التَّنْوِيرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ، لِلإِمَامِ الفَقِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّنْعَانِيِّ؛ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٨٢ هـ)، مَكْتَبَةُ دَارِ السَّلَامِ، الرِّيَاضُ، بِتَحْقِيقِ د. مُحَمَّد إِسْحَاق مُحَمَّد إِبْرَاهِيم.

стр. 459

- الجَامِعُ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ؛ شَمْسِ الدِّينِ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ المَصْرِيَّةِ، القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ أَحْمَد البردوني وإبراهيم أطفيش. - الحَاوِي لِلفَتَاوَى، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْر؛ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩١١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيرُوت. - الحُجَّةُ فِي بَيَانِ المَحَجَّةِ، لِلإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ الأَصْبَهَانِيِّ؛ أَبِي القَاسِمِ، المُلَقَّبِ بِقَوَّامِ السُّنَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٣٥ هـ)، دَارُ الرَّايَةِ، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعٍ المَدْخَلِيِّ. - الدَّرَارِي المَضِيَّةُ؛ شَرْحُ الدُّرَرِ البَهِيَّةِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوكَانِيِّ اليَمَنِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٥٠ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ. - السُّنَنُ الكُبْرَى، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ، أَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٨ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد عَبْدِ القَادِرِ عَطَا. - السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي الفِتَنِ وَغَوَائِلِهَا وَالسَّاعَةُ وَأَشْرَاطُهَا، لِلإِمَامِ عُثْمَانِ بْنِ سَعِيدٍ؛ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٤٤ هـ)، دَارُ العَاصِمَةِ، الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ رِضَاءِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ إِدْرِيس المُبَارَكْفُورِيِّ. - الشَّرِيعَةُ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الآجُرِّيِّ البَغْدَادِيِّ؛ أَبِي بَكْرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٠ هـ)، دَارُ الوَطَنِ لِلنَّشْرِ- الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سُلَيمَانَ الدّميجي.

стр. 460

- الصَّلَاةُ وَحُكْمُ تَارِكِهَا، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، مَكْتَبَةُ الثَّقَافَةِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ. - الفَائِقُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، لِلشَّيخِ مَحْمُودِ بْنِ عَمْرو بِنْ أَحْمَدَ الزَّمَخْشَرِيِّ؛ أَبِي القَاسِمِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٣٨ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ، لُبْنَان، بِتَحْقِيقِ عَلِي البجاوي وَمُحَمَّد أَبُو الفَضْلِ إِبْرَاهِيم. - الفَتْحُ الكَبِيرُ، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْر؛ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩١١ هـ)، دَارُ الفِكْرِ، بَيرُوت. - القَامُوسُ المُحِيطُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الفَيرُوزآبَادِي؛ أَبِي طَاهِرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨١٧ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مَكْتَبِ تَحْقِيقِ التُّرَاثِ فِي مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ. - القَولُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ ابْنِ الجَوزِيِّ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ. - الكَامِلُ فِي ضُعَفَاءِ الرِّجَالِ، لِلحَافِظِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيٍّ الجُرْجَانِيِّ؛ أَبِي أَحْمَدَ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٥ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَادِل أَحْمَد عَبْدِ المَوجُود، وَعَلِي مُحَمَّد مُعَوَّض، وَعَبْدِ الفَتَّاحِ أَبُو سنة. - المُجَلَّى فِي شَرْحِ القَوَاعِدِ المُثْلَى لِلشَّيخِ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، تَالِيفُ كَامِلَة الكَوَارِي. - المَجْمُوعُ شَرْحُ المُهَذَّبِ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ الفِكْرِ.
следующие страницы →