Полный текст (77 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الباب الخامس
في ذكر الأدلة على أنه واحدٌ سبحانه
ذكر الأدلة على أنه واحدٌ سبحانه. ومن حيث ثبت أنه موجود بصفة الوجوب ثبت أنه واحدٌ؛ لأن الصنعة مفتقرة إلى الصانع وليست مفتقرة إلى ما زاد على الصانع، فصار وجود ما زاد على الصنعة جائزاً والجائز الوجود لا يجوز أن يكون إلهاً مبدعاً قديماً. وأما أدلة الكتاب العزيز فكثيرة، من ذلك قوله ﵎: (لو كانَ فِيْهِمَا آلهةٌ إلاَّ اللهُ لفسدَتَا) وهذا الدليل معتمد أرباب الكلام من أهل الإسلام، وقد نقل عن بعض علماء السلف أنه قال: نظرت في سبعين كتاباً من كتب التوحيد فوجدت مدارها على قوله تعالى: (لو كانَ فِيْهِمَا آلهةٌ إلاَّ اللهُ لفسدَتَا) دليل آخر في سورة المؤمنين قوله تعالى: (
стр. 37
ما اتخذَ اللهُ مِنْ ولدٍ وما كان مَعَهُ من إلهٍ إذاً لذهبَ كُلُّ إلهٍ بما خلقَ ولعلاَ بعضُهُمْ على بعضٍ سبحانَ اللهِ عمَّا يصفُونَ) وفي الكلام حذفٌ وتقديره ولو كان معه آلهةٌ وإنما حذف للإيجاز. والإيجاز مستحسنٌ في كل مكان وههنا اكمل حسناً لئلاَّ يتكرر ذكر الإله؛ لأنه إبطالٌ على تقدير، وإنما ذهب كل إلهٍ بما خلق لأجل طلب الاستعلاء بالعلو والقدرة، وذلك منشأ المخالفة والمنافسة والتغالب والمغلوب لا يكون إلهاً. " دليل آخر " قوله سبحانه: (قُلْ لو كانَ معهُ آلهةٌ كما يقولونَ إذاً لابتغَوا إلى ذي الرشِ سبيلاً) ومعناه أن الآلهة تطلب المنازعة والمخالفة في المراد فحينئذٍ يقع الفساد إذ يريد أحدهما حياة شخص ولآخر موته، أو إسعاده والآخر إشقاءَه، فإن قيل الشبهة على هذه الأدلة من وجهين: "
стр. 38
أحدهما ": يجوز أن يكون اثنان تتفق إرادتهما فلا يقع خلاف فلا يقع فساد. " الشبهة الثانية ": قالوا لما رأينا وجود الشيء وضده من الموت والحياة، والنور والظلمة، والخير والشر، وما يقتضي الحكمة وينافيها من النقض بعد البناء والعجز بعد القوة، جاز أن ينسب إلى مدبرين اثنين. والجواب عن الشبهة الأولى: استحالة الإرادة وجود اثنين لا تنفك ارادة أحدهما عن إرادة الآخر متكافئين في العلم والقدرة والإرادة والحكمة والتدبير على وجهٍ لا تتقدم صفة
стр. 39
الآخر في الأعيان والأذهان فإذا هما واحدٌ سموه اثنين.
والجواب عن الشبهة الثانية: أن صدور الشيء وضده أدل على قدرة الصانع، وقد نبه سبحانه على ذلك في عدة مواضع من الكتاب العزيز من ذلك قوله تعالى: (تُسْقَى بماءٍ واحدٍ ونفضِّلُ بعضَهَا على بعضٍ في الأُكُلِ) .
стр. 40
الباب السادس
في ذكر أدلة البعث في الكتاب العزيز
ذكر أدلة البعث في الكتاب العزيز:
стр. 41
وهي كثيرة من ذلك قوله تعالى: (ويقولُ الإنسانُ أإذا ما مِتُّ لسوفَ أُخْرَجُ حَيَّاً. أوَ لاَ يذكَرَ الإنسانُ أنَّا خَلَقْنَاُه مِنْ قَبْلُ ولم يَكُ شَيئاً) ، ومثله (أوَ لم يَرَ الإنسانُ أنَّا خلقناهُ من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبينٌ) المرادُ ها هنا أبي بن خلفٍ. وقيل العاص بن وائلٍ. ثم ذكر شبهةً فقال: (وضربَ لنا مثلاً ونسيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحييْ العظامَ وهيَ رميمٌ) فجاء الجواب من وجهين: " أحدهما ": جدلاً يتضمن فساد شبهته من جهة أنه استبعد الإعادة والحياة في عظام وحشٍ وترك نفسه، وذلك أهم من إحياء
стр. 42
الحيوان البهيم، لأن إيجاد الحيوان البهيم كان لأجل الإنسان. " الوجه الثاني ": (قلْ يحييها الذي أنشأها أوَّل مَرَّةٍ) إلى آخر السورة فإن إيجاد المبادئ أصعب في مطرد العرف وحكم العقل من رد شيءٍ كان إلى ما كان على ما لا يخفى وقوله سبحانه: (الذي جَعَلَ لكمْ مِنَ الشجرِ الأخضرِ ناراً) معناه: إيجاد شيءٍ مما ينافبه وينافره، فلا بد من قوةٍ من خارج تغلب على المتنافرين المتنافيين بفعل ذلك، ثم قال سبحانه: (أوَ ليسَ الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ بقادرٍ على أن يَخْلُقَ مثلَهُمْ بلَى وهو الخلاَّقُ العليمُ) معناه: من قدر على خلق
стр. 43
السموات والأرض قدر على خلق هذا النوع اللطيف والشكل الضعيف، وإذا قدر على إيجاده قدر على رده بعد نفاده. ثم أخبر سبحانه عن نفسه بماذا يخلق الأشياء وتكون فقال: (إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شيئاً أنْ يقولَ لَهُ كُنْ فيكونُ) ، وفي موضع آخر (إنَّما قولُنا لشيءٍ إذا أردناهُ أنْ نقولَ لَهُ كُنْ فيكونُ) ، وعند ذلك سبح نفسه فقال: (فسُبحانَ الذي بيدِهِ ملكوتُ كُلِّ شيءٍ وإليهِ تُرْجَعُونَ) ، فعم الموجود والمعدوم والإبداءَ والإعادة وجعل الرجوع خاتمة الكلام؛ لأن الإنكار له والأدلة أقيمت عليه. ومن أدلة البعث في قوله سبحانه: (فسيقولونَ مَنْ يُعِيدُنَا قل الذي فطرَكُمْ أَوَّل مَرَّةٍ) ، ومن أدلة البعث قوله: (وهوَ الذي يَبدأَ الخلقَ ثم يعيدُهُ وهو أهونُ عليهِ ولَهُ المثَلُ الأعلى في السمواتَ والأرضِ وهُوَ
стр. 44
العزيز الحكيم) ، وإنما قالَ سبحانه: (وَهُوَ أهَونُ عَلَيْهِ) ضرب مثلٍ، لأن المقدورات عندنا متفاوتة في العسر واليسر باختلاف القدرة التي تزيد وتنقص في حقنا، ولما كان إيجاد شيءٍ مستحيلاً منا، وإيجاد شيءٍ من شيءٍ ممكناً، فاستعار له كلمة " أفعل " ضرب ذلك مثلاً. ولما استحال في حقه العجز والضعف عن إيجاد شيءٍ لا من شيءٍ قال: (وَلَهُ المثلُ الأعْلَى) وذلك مطردٌ في سائر صفاته سبحانه من العلم والقدرة والحياة والرحمة والرضا والغضب، وكل صفةٍ وصف بها الإنسان من ذلك مثاله قولنا عالم، والواحد منا عالم، ولكن يطلق على المخلوق باعتبار معلومٍ ما، وإن علمه من جهة جهله من جهاتٍ، ثم عِلْمُهُ إما بطريق الخبر والنظر أو الاضطرار، والله سبحانه عالم بما كان وما يكون على وجهٍ لا يخفى عليه شيءٌ ولا يداخله الشك ولا الذهول ولا النسيان ولا يتقدم بزمانٍ ولا مكانٍ ولا نظيرٍ
стр. 45
ولا حيزٍ ولا اضطرار. قال تعالى: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) ، فهذا معنى قوله: (وَلَهُ المثلُ الأعْلَى) ومن أدلة البعث قوله تعالى: (قُلْ سيرُوا في الأرض فانظُروا كيفَ بدأ الخلقَ ثم اللهُ يُنْشِىءُ النشأَةَ الآخِرَةَ إنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قديرٌ) ، ومن أدلة البعث قوله تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ أنكَ تَرَى الأرض خاشعة فإذا أنزلْنَا عليْها الماءَ اهتزَّتْ وَرَبَتْ إنَّ الذي أحْيَاهَا لَمُحي الموتىَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شيءٍ قديرٌ) ، ومن أدلة البعث في سورة الواقعة قوله: (أفرأيتُم ما تمنون) (أفرأيتُم ما تحرثُون) (أفرأيتم الماءَ الذي تَشْربون) (أفرأيتم النار التي تورونَ)
стр. 46
ووجه دلالة النار على البعث أن النار تكمن في الشجر والحجر ثم تظهر بالقدح، وتشب بالنفخ، فالحجر والشجر كالقبر، والقدح والنفخ كالنفخة في الصور، وإنما ذكر الله سبحانه في هذه السورة هذه الأدلة الأربعة متوالية؛ لأنه بدأَ السورة بالواقعة وهي القيامة وقال: (ليسَ لوقعتِهَا كاذبةٌ. خافضةٌ رافعةٌ) ، وإن الجاحدين كما قال كانوا يقولون: (قُلْ إنَّ الأولينَ والآخرينَ. لمجموعون إلى ميقاتِ يومٍ معلومٍ) ، ومن أدلة البعث في سورة الأحقاف:) أوَ لمْ يَرَوْا
أنَّ اللهَ الذي خلقَ السمواتِ والأرض ولم يعيَ بخلقهِنَّ بقادرٍ عَلَى أَنْ يُحْييَ الموتىَ بَلَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شيءٍ قديرٌ (، ومن أدلة البعث) ألم ترَ أنَّ اللهَ أنزل من السماءِ ماءً فتصبحُ الأرضُ مخضرَّةً (. قال المصنف: والأدلة على البعث جوازاً ووجوباً: أما الجواز: فالنظائر الحسية. وأما الوجوب: فما وعد الله تعالى به من البعث والإعادة، وإكرام الطائعين بجنته وإهانة المجرمين بعقوبته وما اقتنع للخلق بتكرير وعده الصادق حتى حلف على ذلك في عدة مواضع من ذلك) زَعَمَ الذينَ كَفَروا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بلى وربِّي لَتبعثُنَّ ثمَّ لتنبؤنَّ بما عملتم (ومن ذلك) فوربَّ السماءِ والأرضِ إنَّهُ لحقٌ مِثْلَ ما أنكم تنطِقُونَ (ومن ذلك:) ويستنبئُونكَ أحَقٌّ هو قُلْ إيْ وربِّي إنَّهُ لَحقّ (.َ اللهَ الذي خلقَ السمواتِ والأرض ولم يعيَ بخلقهِنَّ بقادرٍ عَلَى أَنْ يُحْييَ الموتىَ بَلَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شيءٍ قديرٌ) ، ومن أدلة البعث (ألم ترَ أنَّ اللهَ أنزل من السماءِ ماءً فتصبحُ الأرضُ مخضرَّةً) .
стр. 47
قال المصنف: والأدلة على البعث جوازاً ووجوباً: أما الجواز: فالنظائر الحسية. وأما الوجوب: فما وعد الله تعالى به من البعث والإعادة، وإكرام الطائعين بجنته وإهانة المجرمين بعقوبته وما اقتنع للخلق بتكرير وعده الصادق حتى حلف على ذلك في عدة مواضع من ذلك (زَعَمَ الذينَ كَفَروا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بلى وربِّي لَتبعثُنَّ ثمَّ لتنبؤنَّ بما عملتم) ومن ذلك (فوربَّ السماءِ والأرضِ إنَّهُ لحقٌ مِثْلَ ما أنكم تنطِقُونَ) ومن ذلك: (ويستنبئُونكَ أحَقٌّ هو قُلْ إيْ وربِّي إنَّهُ لَحقّ) .
" فصل " ولم يكن لمنكرٍ شبهةٍ إلا مجرد تعجب واستبعاد قال اللهُ تعالى: (وإنْ تَعْجَبْ فعجبٌ قولُهم أَئِذا كُنَّا تراباً أَئِنَّا لفي خَلْقٍ جَديدٍ) معناه: أن كان لك عجبٌ من شيءٍ فمن إنكارهم
стр. 48
البعث فاعجب؛ لأنَّ العجب ما ندر وجوده وخفي سببه، وليس هذا مما ندر وهم يشاهدون إحياء الأرض بعد موتها واكتساءَ الأشجار بعد عُريها، وعود النهار بعد زواله والليل بعد ذهابه، وإخراج الحي من الميت والميت من الحي ولا مما خفي سببه، فإن الله سبحانه هو الفاعل لذلك والمخترع له والقادر عليه، وحكمته إظهار ما استتر عن خلقه من تدبيره، وما النشأة الثانية بأعجب من الأولى، وقد قال بعض الحكماء: ثبت أن الله حكيم، والحكيم لا ينقضُ ما بنى إلا لحكمه أتم من حكمةِ النقضِ ولا يجوز أن يكون أنقض ولا مماثله على ما لا يخفى.
стр. 49
الباب السابع
في ذكر أدلة نبوة محمد
ﷺ من الكتاب العزيز
ذكر أدلة نبوة محمدٍ من الكتاب العزيز: والكتاب العزيز كله دليلٌ على صدق رسالته بل كل سورةٍ منهُ دليل عليه لمكان العجز عن الإتيان بمثلها، وقد ورد التحدي بذلك في الكتاب العزيز في خمسة مواضع من ذلك قوله تعالى: (وإنْ كُنْتُم في رَيْبٍ مما نزَّلْنَا على عَبْدِنَا فأتوا بسورةٍ من مثِلِه وادعُوا شهداءَكُم مِنْ دُوْنِ اللهِ إنِّ كنتُمْ صادقينَ) . الموضع الثاني: قوله : (قلْ لئنِ اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على أنْ يأتوا بمثلِ هذَا القرآنِ لا يأتونَ بمثلهِ ولو كانَ بعضُهم لبعضٍ ظهيراً) . الثالث: (أمْ يقولونَ افتراهُ قلْ فأتُوا بعشْرِ سُورٍ مثلِهِ
стр. 50
مفترياتٍ وادعوا مَنِ استطعتُم منْ دونِ اللهِ إنْ كنتُم صادقينَ) . الموضعُ الرابعُ: (أمْ يقولونَ افتراهُ قلْ فأتُوا بسورةٍ مثِلِهِ وادعُوا مَنِ استطعتُم منْ دونِ اللهِ إنْ كنتُم صادقينَ) الموضع الخامس: (أمْ يقولونَ تقوَّلَهُ بلْ لا يؤمنون فليأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنْ كانوا صادقينَ) .
" دليلُ آخرُ " (قُل يا أيُّها الذينَ هادوا زَعَمْتُمْ أَنَّكم أولياء لله مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَّنوا الموتَ إن كُنْتُم صادقينَ ولا يتمنونَهُ أبداً بما قدمتْ أيديهم واللهُ عليمُ بالظالمينَ) فلو لم يَعْلمُوا أنهُ رسولُ اللهِ وأنَّ خبَرَه حقَّ وصدقُ لبادروا إلى ما يبطلُ دعواهُ ويكذبُ خبرهُ.
" دليلُ آخرُ " خاص باليهود والنصارى والعرب قوله تعالى: (الذينَ يتَّبعُونَ الرسولَ النبيَّ الأُمِّيَّ الذي يجدونَهُ مكُتوباً عِنْدَهُمْ في التوراةِ والإنجيل) وقد علموا أنه لا يعرف الكتابة ولا النظر في الكتب ولم يكن من شأنه.
" دليلُ آخرُ " (محمدٌ رسولُ اللهِ والذينَ مَعَهُ أشداءُ على الكفارِ رحماءُ بينهم تراهم ركَّعاً سجَّداً يبتغُونَ فضلاً من اللهِ ورضوَاناً سيماهُمْ في وجوهِهِمْ مِن أَثرِ السُّجُودِ ذلك مثلهم في التوراةِ ومثلهم في الإنجيل) إلى آخرة الآية فالدلالة من ذلك من وجهين: " أحدهما ": أن هذه الصفات لا تكون إلا في الصادقين إذ كانت أعدل السمات واكمل الصفات. " الثاني ": ذكرهم في التوراة والإنجيل كما سبق.
" دليلُ آخرُ " مختص باليهود قوله تعالى: (والذينَ آتيناهُمُ الكتابَ يعلمونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن ربِّكَ بالحقِ فلا تكونَنَّ مِنَ الممترِينَ) فلولا أنه يعلم أنهم يعلمون ذلك لما استجاز أن يخبرهم بأمرٍ يدعي معرفتهم به وهم لا يعرفونه.
" دليلُ آخرُ " قوله تعالى: (وإنْ يريدُوا أن يخدعُوكَ فإنَّ حَسْبُكَ اللهُ هو الذي أيَّدَكَ بنصرِهِ وبالمؤمنينَ. وألَّفَ بينَ قلوبِهِم لو أنفقتَ ما في الأرضِ جميعاً ما ألفتَ بين قُلُوبِهِم ولكنَّ اللهَ ألَّفَ بينهم إنه عزيزٌ حكيمٌ) قال ابنُ عبد البرِّ كان بين الأوس والخزرج من العداوة ما لم يكن بين أحدٍ من بني آدم فألَّفَ الله قلوبِهِم؛ لأجلِ نصرة نبيهِ محمدٍ ﷺ فصاروا يداً واحدةً وقلباً واحداً.
" دليلُ آخرُ " قوله تعالى: (هوَ الذي أرسلَ رسولَهُ بالهدى ودينِ الحقِِ ليظهرَهُ على الدين كُلِّهِ ولو كرِهَ المشركونَ) وهذا خبرٌ عن الغيب وكان كما أخبر.
" دليلُ آخرُ " قوله تعالى: (وعد َاللهُ الذينَ آمنوا مِنْكُمْ وعملُوا الصالحاتِ ليستخلفَّنهم في الأرضِ كما استخلفَ الذينَ من قبِلِهم وليمكنَنَّ لهم دينَهُمُ الذي ارْتَضَى لهمْ وليبدلَنَّهم مِنْ بعدِ خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركُونَ بي شيئاً) ومعلوم أن هذه سيرة أصحاب (في خوفهم أولاً، وأمنهم ثانياً، واستخلافهم في الأرض. وهذا ظاهر الدلالة.
" دليلُ آخرُ " قوله تعالى:) وإنكَ لتهدِي إلى صراطٍ مستقيمٍ. صراطِ اللهِ الذي له ما في السموات وما في الأرضِ (فنظرنا فيما دعا إليه فكانت مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم صراط العقلاءِ ومختار النبلاءِ، وهي الأخلاق المأمور بها في قوله سبحانه:) وقضَى ربك أَلأَ تعبدُوا إلا إياهُ وبالوالديْنِ إحساناً إما يبلغنَّ عندكَ الكِبَرَ أحدُهما أو كلاهُما فلا تقلْ لهما أفٍّ ولا تنهرْهُما وقلْ لَهُما قولاً كريماً. واخفضْ لهما جناحَ الذُلِّ منَ الرحْمَةِ وقلْ ربِّ ارحمْهُمَا كما ربياني صغيراً. ربُّكمْ أعلمُ بما في نفوسِكُمْ إنْ تكونُوا صالحينَ فإنهُ كان للأوابينَ غفوراً. وآتِ ذا القربى حقَّهُ والمسكينَ وابنَ السبيلِ ولا تبذرْ تبذيراً. إنَّ المبذرينَ كانوا إخوانَ الشياطينِ وكانَ الشيطانُ لربهِ كفوراً. وإما تعرضَنَّ عنهُم ابتغاءَ رحمةٍ من ربكَ ترجوهَا فقل لهم قولاً ميسوراً. ولا تجعلْ يدكَ مغلولةً إلى عُنُقِكَ ولا تبسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتقعدَ ملوماً محسوراً. إنَّ ربكَ يبسطُ الرزقَ لمنْ يشاءُ ويقدِرُ إنه كانَ بعباِده خبيراً بصيراً. ولا تقتُلوا أولادَكم خشيةَ إملاقٍ نحنُ نرزقُهم وإياكُم إنَّ قتلهم كانَ خِطأً كبيراً. ولا تقربُوا الزنا إنه كان فاحشةً وساءَ سبيلاً. ولا تقتلوا النفس التي حرمَّ اللهُ إلا بالحقِّ ومَنْ قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليِهِ سلطاناً فلا يُسْرِفْ في القتل إنه كان منصوراً. ولا تقربُوا مالَ اليتيمِ إلا بالتي هي أحسنُ حتَّى يبلُغ أَشدَّهُ وأوفوا بالعهدِ إن العهدَ كان مسؤولاً. وأوفُوا الكيلَ إذا كِلْتُم وزِنُوا بالقسْطَاسِ المستقيمِ ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً. ولا تقفُ ما ليسَ لك بهِ علم إن السمعَ والبصرَ والفؤادَ كل أولئك كان عنه مسئولاً. ولا تمشِ في الأرض مرحاً إنك لن تخرقَ الأرضَ ولنْ تبلغَ الجبال طولاً، كلُّ ذلكَ كانَ سيئُّهُ عندَ ربِّكَ مكروهاً. ذلكَ مما أوْحَى إليكَ ربُّكَ من الحكمةِ ولا تجعلْ مَعَ اللهِ إلهاً آخرَ فتُلقى في جهنَّم ملوماً مدحُوراً (، وكذلك قوله تعالى:) إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذي القُرْبَى ويَنْهَى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغيِ يعظِكُمْ لعلَّكمْ تذكَّرون) ومثل هذه السير العادلة والمكارم المستحسنة لا تجري على لسان ممخرق.
" دليلٌ آخرُ " على اليهود قوله تعالى: (كُلُّ الطعامِ كانَ حِلاً لبني إسرائيلَ إلا ما حرَّمَ إسرائيلُ على نفسهِ مِنْ قبلِ أَن تُنَزَّلَ التوراةُ قلْ فأتُوا بالتوراةِ فاتلُوها إنْ كنُتم صادقينَ. فمنِ افترى على اللهِ الكذبَ مِنْ بعدِ ذلكَ فأولئكِ هم الظالمونَ) روي أن إسرائيل أخذه وجعُ العِرْقِ الذي يقال له النَّسا فنذر لئن شفاه اللهُ تعالى منه ليحرِّمِنَّ أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب ذلك إليه لحوم الإبل وألبانها، فَشُفِيَ فوفى بنذره. وادعت اليهود أن ذلك كان حراماً على نوحٍ حتى انتهى الأمر إليهم فبين الله تعالى بطلان دعواهم، وأمر أن يحاجهم بالتوراة فلم يجسروا على إخراجها، وفي ذلك الدلالة الظاهرة على صدق محمدٍ (.
" دليلٌ آخرُ " قوله تعالى:) فَارتَقِبْ يومَ تأتي السماءُ بِدُخَانٍ مبينٍ (وهي: السنون التي دعا النبيُّ) بها على أهل مكة. والدخان: الجدبُ سُمِّيَ دخاناً؛ لأن الغبار يزيدُ في الجدبِ فيكونُ كالدخان.
" فصل " قد توجه القرآن العظيم على مائة دليلٍ وأربعة عشر دليلاً عدد سورهِ فالتحدي بالطوال منه كالتحدي بالقصار، فعلى هذا السور القصار إذا أخذت عدلها كلماتٍ على ترتيبها كانت معجزة ويقع بهذا التحدي أو سورةٍ من القصار وعدلها من أي القرآن من أي سورةٍ كان كانت معجزة، فإذن تبلغ أدلة التعجيز منه مبلغاً يزيدُ على الألف دليلٍ، وهذا من أسرار الكتاب العزيز وعجائب التنزيل.
" دليلٌ آخرُ " قوله: (فإنْ لم تفعلُوا ولنْ تفعلُوا) أخبر أن
стр. 51
المنكرين نبوتهُ لم يقدروا على معارضته وكذلك جرى.
" دليلٌ آخرُ " قوله تعالى: (إنَّا نحنُ نزَّلْنا الذكرَ وإنا له لحافظونَ) وهذا خبرٌ لم يسمع إلا من الرسول وكان الأمر كما أخبر.
دليلٌ آخرُ " أخبر أنه: (لا يأتيهِ الباطِلُ من بينِ يديهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ) فكان الأمر كما أخبر بحمد الله ومنه.
" دليلٌ آخرُ " (آلم غُلِبَتِ الرومُ في أَدْنَى الأرضِ وهم مِنْ بعدِ غَلَبِهم سَيَغْلِبونَ في بضعِ سنينَ) وقصة مبايعة أبي بكر ﵁ لأبي خلفٍ مشهورةٌ.
" دليلٌ آخرُ " (لتدخلُنَّ المسجدَ الحرامَ إن شاءَ اللهُ آمنينَ محلِّقينَ رؤوسَكُم ومقصِّرينَ لا تخافون فَعَلِمَ ما لَم تعلَمُوا) فكان كذلك.
" دليلٌ آخرُ " المباهلة قوله تعالى: (فمنْ حاجَّكَ فيهِ منى
стр. 52
بعدِ ما جاءكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تعالوا نَدْعُ أبناءَنَا وأبناءَكُم ونساءَنَا ونساءَكُم) الآية. وهذا دليلٌ يدلُّ بسياقهِ وبخصوصهِ على نصارى نجران.
" دليلٌ آخرُ " يخص اليهود وهو قوله تعالى: (قُلْ إن كانتْ لكمُ الدارُ الآخِرَةُ عندَ اللهِ خالصةً مِنْ دونِ الناسِ فتمنَّوُا الموتَ إن كنُتم صادقينَ ولن يتمنَّوْهُ أبداً بما قدَّمتْ أيديهِمْ واللهُ عليمٌ بالظالمين)
стр. 53
وهذا دليلٌ واضح وحجةٌ قاطعةٌ على اليهود، فلو لم يعلموا أنهم إن تمنوه ماتوا، وإلا كانوا تمنوه فيحاجوا به رسول الله (ويبطلوا نبوته، وكان ذلك أهم الأشياءَ عندهم.
"
стр. 54
دليلٌ آخرُ " قوله تعالى:) قلْ للمخلَّفينَ منَ الأعرابِ ستُدعونَ إلى قومٍ أُولي بأسٍ شديدٍ تقاتلونهم أو يسلمونَ (وأصحاب البأس الشديد مسيلمةُ وأصحابهُ يوم اليمامة وقيل فارس والروم، وأيُّما كان فقد أخبر عن الغيب فيه فكان الأمر كذلك.
" دليلٌ آخرُ " قوله تعالى:) ألم ترى إلى الذينَ نافقُوا لإخوانهمُ الذين كفرُوا مِنْ أهلِ الكتابِ لَئِنْ أُخرجتُم لنخرجَنَّ معكُم ولا نطيعُ فيكم أحداً أبداً وإنْ قوتلُتم لننصرنَّكُم واللهُ يشهَدُ إنهم لكاذبُونَ. لَئِنْ أُخرجُوا لا يخرجونَ مَعَهم ولئنْ قوتِلُوا لا ينصرونهم (وفي هذا دليلٌ ظاهرٌ على صدق الرسول) ؛ لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا اللهُ، فإنهم أخرجوا فلم يخرجوا معهم وقوتلوا فلم ينصروهم.
"
стр. 55
دليلٌ آخرُ " قوله تعالى: (هوَ الذي بعثَ في الأميينَ رسولاً منْهم يتلُوا عليهِم آياتِهِ ويزكِّيْهِمْ ويعلِّمُهُمُ الكتابَ والحِكمةَ وإنْ كانوا مِنْ قبلُ لفي ضلالٍ مبينٍ. وآخرينَ منهم لما يَلحقوا بهم) قيل هم من بعد الصحابة وقيل هم الأعاجم وعلى كلا الأمرين فقد وقع الخبر موافقاً للمُخْبَرِ به.
" دليلٌ آخرُ " قوله تعالى: (واللهُ يعصمُكَ مِنَ النَّاسِ) وقوله: (لَهُ معقباتٌ مِنْ بين يديْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) وكان يحرس فقال: اذهبوا فإن الله تعالى قد عصمني فأخبر بعصمته فما قدر أحدٌ على قتلهِ مع كثرة أعدائه والقاصدين له بذلك كما عُرف.
" دليلٌ آخرُ " قوله تعالى: (أفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآنَ أمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُها) (أفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآنَ ولو كانَ مِنْ عندِ غيرِ اللهِ لوجدُوا فيهِ اختلافاً كَثيراً)
стр. 56
ولا خلف في خبره (وقد أخبر كما تقدم من القصص، واليهود يعرفون صحة ما أخبر من كتابهم هذا ولم يكن صاحب كتابةٍ ولا مشتغلاً بالكتب. وأخبر عن أمور منها ما كان، ومنها ما سيكون ومن أنعم النظر في الكتاب العزيز استنبط من أدلة صدق محمدٍ) أكثر مما ذكرناه، فأما أدلة رسالته من غير الكتاب العزيز فهي أكثر من أن تحصى وقد ألف في دلائل النبوة جماعةٌ من العلماء منهم أبو نعيم الحافظ الأصبهاني، ومنهم أبو بكرٍ بن فوركٍ، ومنهم
стр. 57
الحافظ أبو بكر البيهقي.
" فصلٌ " ومن فهم مذهب الفصاحة والبلاغة وأرشده الله تعالى ووفقه أمكنه أن يختار من الأخبار النبوية الصحاح ألف حديثٍ فما زاد تبلغُ مرتبة التعجيز عن الإتيان بمثلها فيكون ألف دليلٍ على النبوة مستمرة التعجيز مشهوداً لها بالتمييز، وإذا تقررت هذه الأدلة التي ذكرناها فكل دليل دلَّ على رسالة محمد) وعلى رسالة من سبقه من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، فهو دليل على الصانع سبحانه.
стр. 58
الباب الثامن
في ذكر الأسئلة والأجوبة الجدلية من الكتاب العزيز
في ذكر الأسئلة والأجوبة الجدلية من الكتاب العزيز: سؤال المنع (وإذا قيلَ لهم لا تفسِدُوا في الأرضِ قالوا إنما نحنُ مصلحُون) معناهُ: لاَ نسلمُ إنا مفسدونَ؛ لأنَّ الإصلاحَ ضدُّ الإفسادِ فإذا ادَّعوا الإصلاحَ فقدْ أنكروا الإفسادَ ثَّم منعُوا هذهِ الدعوى بقولهِ تعالى: (ألا إنَّهم همُ المفسدونَ) وفي هذا دليلُ جواز المنعِ منْ طريق المعنى، وفبهِ الردُّ على منْ يقولُ هذا بغيرتوجيهٍ لإهمالِ مراعاة صيغة لفظ المجادلِ، وهذا يطردُ في كلِّ موضعٍ هذا سبيله، ومثلهُ قولُ اللهِ تعالى عن الكفارِ حيثُ قالوا لرسلِ عيسى بن مريمَ: (إناَّ تطَّيْرنَا بِكُم) قالوا لهم: (طائِرُكُم مَعَكم) أي: شؤمكُم
стр. 59
مِنْكُم لا منَّا، ودليلهُ أنَّكم جعلْتُمُ التذكيرَ باللهِ وبعبادِتهِ علة الشؤْمِ أيْ: (أإنْ ذُكِّرْتُم بَلْ أنتمْ قومُ مسرفون) سؤال النقضِ في قولهِ تعالى: (الذين قالوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلينا ألاَّ نُؤْمِنَ لرسُولٍ حتى يأتينا بقربانٍ تأكلُهُ النارُ قل قدْ جاءَكُم رسلُ مِنْ قبلي بالبيناتِ وبالذي قلتُم فَلِمَ قتلتموهُم إنْ كنتم صادِقِينَ) . معناه: العلة التي توجب عندكم الإيمان بالرسل قد وُجِدَتْ فَلِمَ قتلتموهم، فدل على أن التعليل بما ذكرتم غير صحيح. وهذا النقض وارد على معنى كلامهم، فدل على جواز إيراد ما يهدم كلام الخصم على أي وجهٍ كان. ومن صور النقض قوله: (وإذا قيلَ لهمُ اتبعُوا ما أنزلَ اللهُ قَالُوا بل نتبعُ ما ألفيناَ عليهِ آباءنَا) النقض في قوله: (أَوَلَوْ كان آباؤُهم لا يعقلونَ شيئاً ولا يهتدونَ) ،
стр. 60
ومن صور النقض أيضاً في قوله: (ما كان للنبيِّ والذينَ آمنُوا أنْ يستغفرُوا للمشركينَ ولو كانُوا أولي قُرْبَى مِنْ بَعدِ ما تبينَ لهمْ أنَّهم أصحابُ الجحيمِ) ، النقض بإبراهيم ﵇؛ لأنه استغفر لأبيه وهو مشركٌ في قوله تعالى: (سأستغفرُ لكَ ربي إنهُ كانَ بي حفياً) فكان الجواب: (وَمَا كانَ استغفارُ إبراهيمَ لأبيهِ إلاَّ عنْ موعدةٍ وعدَها إياهُ، فلما تبينَ لهُ أنهُ عدوٌّ للهِ تَبَرَّأَ منهُ إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليمٌ) . ومن صور النقض قوله تعالى: (فلمَّا جاءهُمُ الحقُّ مِنْ عندِنَا قالُوا لولا أُوتيَ مثلَ ما أوتيَ موسَى أوَ لم يكفُروا بما أُتيَ مُوسىَ مِنْ قبلُ قالُوا ساحِرانِ تظاهَرَا وقالُوا إنَّا بكلٍ كافِرُونَ) . سؤال القول بالموجب في قوله تعالى: (قالُوا إنْ أنتمُ ألاَّ بشرٌ مثلُنَا تريدونَ أنْ
стр. 61
تصدُّونَا عَمَّا كان يعبدُ آباؤنا فأْتُونَا بسلطانٍ مبينِ) القول بالموجب (قالتْ لهم رسلُهم إنْ نحنُ إلاَّ بشرٌ مِثلُكُمْ) تقديره: (يريدُ أنْ يصدَّكُم عما كان يعبدُ آباؤُكم) (ولكنَّ اللهَ يمنُّ على مَنْ يشاءُ مِنْ عِبَادِهِ وما كانَ لنا أنْ نأتيكُم بسلطانٍ إلاَّ بإذن اللهِ) " ومن " القول بالموجب في قوله تعالى: (الذين يؤذُونَ النبيَّ ويقولونَ هوَ أُذُنٌ) القول بالموجب: (قل أذنُ خيرٍ لكم يؤمنُ باللهِ ويؤمنُ للمؤمنين) " سؤال المعارضة " في قوله تعالى: (فأتُوا بسورةٍ مثلِهِ) (فأتوا بعشرِ سورٍ مثلِهِ مفترياتٍ) (فليأتُوا بحديثٍ مثلِهِ) وذلك أنه
стр. 62
جعله دليلاً على نبوته، والدليل متى عورض بمثله بطل عمله فيسقط الاحتجاج به.
" فصلٌ " الحكم تارةً يعللُ بعلةٍ واحدةٍ منفردةٍ كقوله تعالى: (ولكُم في القصاص حياةٌ) . وتارةً بعلتين، كقوله تعالى: (وإنْ أردتُمُ استبدالَ زوجٍ مكانَ زوجٍ وآتيتُمْ إحداهُنَّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً وكيف تأخذونَهُ وقد أفضَى بعضُكُم إلى بعضٍ وأخذنَ منكُم ميثاقاً غليظاً) فإن قيل: بل هي علةٌ واحدةٌ مركبةٌ من وصفين. فالجوابُ أن الإفضاءَ علة في استحقاق المهر في الصحيح من النكاح والفاسد لقول النبي: (" فَلَها المهرُ بما استحلَّ مِنْ فَرْجها " والميثاق الغليظ هو عقدةُ النكاح وهي كلمة الله : " وهوَ قولُه بما اسْتَحْلَلْتُمْ مِنْ كلمةِ اللهِ " فهو قد يثبت بمجرده دون الإفضاء جميع المهر بالموت ونصفه بالطلاق.
"
стр. 63
فصلٌ " وقد يعلل الحكم بعللٍ كل علةٍ تستقلُّ بالحكم كقوله تعالى:) وما مَنَعَهُمْ أنْ تُقْبَلَ منْهم نفقاُتهم إلا أنَّهم كفرُوا باللهِ وبرسُوْلِهِ ولا يأَتونَ الصلاةَ إلاَّ وهُمْ كُسَالَى ولا ينفقونَ إلا وهمْ كارهون) .
" فصلٌ " تعليق الحكم على علةٍ يقتضي النقيض كقوله تعالى: (وتأتونَ في ناديكم المنكر، فما كانَ جوابَ قومِهِ إلا أنْ قالُوا أئْتِنا بعذابِ اللهِ إنْ كنتَ مِنَ الصادقينَ) ، وكقوله تعالى: (أخْرِجُوهُمْ مِنْ قريتكمُ إنَّهم أناسٌ يتطهرونَ) ، وكقوله تعالى: (وإذْ قالُوا إنْ كانَ هذا هوَ الحقَّ فأمطرْ علينا حجارةً منَ السماءِ أو أئْتِنا بعذابٍ أليمٍ) ومثله: (فأسقطْ علينا كِسَفَاً منَ السماءِ إنْ كنتَ مِنَ الصادقينَ) .
" فصلٌ " أجوبة الأسئلة على التفصيل كقوله تعالى: (أما السفينةُ فكانتْ لمساكين) (وأما الغلام) (وأما الجدارُ) .
"
стр. 64
فصلٌ " وقد تذكر صورة القياس وليس بقياس دلالةٍ كقوله تعالى: (فوربِّ السماءِ والأرضِ إنهُ لحقٌ مثل ما أنكُم تنطقون) فالحكم المقيس عليه أمرٌ وجودي: وهو النطقُ والذي وعدهم به هو الحياة بعد الموت، والبعث بعد الدفن، وهو أمرٌ معدومٌ وليس بينه وبين النطق مناسبةٌ، ومجرد وجود حقيقةِ شيءٍ لا يدلُّ على وجود حقيقةٍ أخرى، فعند ذلك يعلم أنه ما أراد إلا تحقيق الوعد بإيجاد على وجهٍ لا يشكُّ فيه كوجود النطق، كقول النبي: (" إنكمُ لترونَ ربَّكم كما ترونَ هذا القمرَ لا تضامونَ في رؤيتِهِ " ومعلومٌ أنه ما أراد أن رؤية القمر مقتضيةٌ لرؤية الله تعالى، بل أراد أنه كائن كوجود هذا القمر ورؤيته، ولو قيل: فإن فيه شبهة اقتضت القياس على النطق صح من جهة أن الكلام يغور ويعود، فهو كالميت له غيبةٌ بالدفنِ والبِلَى ثم حضورٌ بالبعثِ فعلى هذا قياسُ الشبه صحيحٌ.
" فصلٌ " ومثال قياس الشبه قوله تعالى:) يا بني آدمَ لا يفتننكُم
стр. 65
الشيطانُ كما أخرجَ أبويْكُم من الجنة (وفيه دلالة على جواز إقامة اللازم للحكم أو السبب مقام نفس الحكم؛ لأنَّ فتنته سبب الخروج من الحنة وهي سبب المنع من دخولها، وذلك كلُّه توسعةٌ على المستدلّ.
" فصلٌ " في الترجيح وهو دليلٌ معتبرٌ في الشرع قد تكرر وجوده في الكتاب العزيز في مواضع من ذلك قوله :) ولا تهنُوا في القومِ إنْ تكونوا تألمونَ فإنَّهم يألمونَ كما تألمونَ وترجونَ من اللهِ مَا لا يرجونَ (ومعناه: التحريض على القتال والتسلية لما اصاب من مكروهٍ بالتساوي في الألم، والمزيةُ لكم عليهم بما ترجون من ثواب الله تعالى، فأنتم أَوْلى بطلبهم وأحرى بالصبر على المكروه من جهتهم، ومن الترجيح قوله تعالى:) أفمنْ يهدي إلى الحقِّ أحقُّ أن يُتَّبَعَ أمنْ لا يَهِدِّي إلا أَنْ يُهدَى فما لكم كيف تحكمونَ (ومن الترجيح أيضاً قوله تعالى:) قلِ الحمدُ للهِ وسلامٌ على عبادهِ الذينَ اصطَفَى آللهُ خيرٌ أمَّا يشركونَ (في خمسِ مراتٍ أمّنْ.
стр. 66
ومن الترجيح قوله تعالى:) أفمنْ أسَّسَ بنيانَهُ على تَقْوَى مِنَ اللهِ ورضوانٍ خَيْرٌ أَمنْ أسَّسَ بنيانَهُ على شفا جُرُفٍ هارٍ فَانهارَ به في نارِ جهنَّم واللهُ لا يهدي القومَ الظالمينَ (ومن الترجيح قوله تعالى:) يا صاحبيَ السِّجنِ أأربابٌ متفرقونَ خيرٌ أمِ اللهُ الواحدُ القهارُ (وذلك لما تقرر أن الاثنين لا بد من وجود الفساد منهما لوقوع الاختلاف بينهما. ومن الترجيح المذكور في الحجة العظمى) فأيُّ الفريقينِ أحقُّ بالأمنِ (.
" فصلٌ " في المفهوم وهو ينقسم قسمين مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، فالموافقة متفقٌ عليه لقوله تعالى:) فلا تقلْ لهما أفٍ (فمفهومه تحريم الضرب والسب؛ لأن التأفيف دون ذلك وكذلك قوله تعالى:) ومِنْ أهلِ الكتابِ مَنْ إنْ تأمنْهُ بقنطارٍ يؤدِّه إليكَ ومنْهم مَنْ إنْ تأمنْه بدينارٍ لا يؤدِّهِ إِليكَ إلا ما دمتَ عليهِ قائماً (ولا يخفى أن من يؤدي القنطار يؤدي ما
стр. 67
دونه ومن يخون في دينارٍ يخون فيما فوقه، ويسمى ذلك فحوى الخطاب. ومفهوم المخالفة كقوله تعالى:) ما دمتَ عليهِ قائماً (فمفهومه إن لم يكن عليه قائماً لم يؤده إليك، ومن الناس من يقول: ليس هو بحجةٍ لقوله تعالى:) فمنِ افْتَرى على اللهِ الكذبَ من بَعْدِ ذلكَ فأولئكَ همُ الظالمونَ) ، ومعلومٌ أن من افترى على اللهِ الكذب فهو من الظالمين قبل الرسالة وبعدها وقبل نزول الكتاب وبعده.
" فصلٌ " وقد سمى الله سبحانه الشُبه التي أوردها الكفار أمثالاً، فقال تعالى: (وقالوا ما لهذا الرسولِ يأكلُ الطعامَ ويمشي في الأسواقِ لولا أُنزل إليه مَلَكٌ فيكونَ مَعَهُ نذيراً. أو يُلْقَى إليه كنزٌ أو تكونُ له جنَّةٌ يأكلُ منها وقالَ الظالمونَ إنْ تتبعونَ إلاَّ رَجُلاً مسحوراً) فكانَ الجواب: (انظرْ كيفَ ضَرَبُوا لكَ الأمثالَ فضلٌّ فلا يستطيعونَ سبيلاً) ،
стр. 68
وهذا جواب جدل يتضمن فساد ما تمسكوا به من الشُّبَهِ المذكورة؛ لأنهم قالوا إنه مسحورٌ والمسحور مبلبل الفكر ذاهب الرأي فكيف يكون معه ملكٌ أو يلقى إليه كنزٌ، ثم جاءَ الجواب الآخر: (وما أرسلْنا قبلكَ مِنَ المرسلينَ إلاَّ إنَّهم ليأكلونَ الطعام ويمشونَ في الأسواق) فأما ما اقترحوه من الآيات في هذا الموضع وفي غيره فالجواب عنه مذكور في عدة مواضع، منها قوله تعالى: (وما مَنَعَنَا أنْ نرسِلَ بالآياتِ إلاَّ أنْ كَذَّبَ بها الأولونَ) وقال في موضع آخر: (وقالوا لولا أُنْزِلَ عليهِ مَلَكٌ ولو أنزلْنَا مَلَكَاً لقُضِيَ الأمرُ ثم لا يُنْظَرَونَ) ومثله قوله تعالى: (ولما وقعَ عليهمُ الرِّجْزُ قالوا يا مُوسى ادعُ لنا ربَّكَ بما عَهِدَ عندَكَ لئنْ كشفتَ عَنَّا الرجزَ لنؤمننّ لك ولنرسلنَّ معكَ بني إسرائيل. فلما كشفْنَا عنهُم الرجزَ إلى أجلٍ هم بالغوهُ إذا هم ينكُثُونَ. فانتقمْنَا منهمْ فأغرقْنَاهم في اليمِّ بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلينَ) .
والفرق بين الآيات الداله على صدق الرسل عليهم
стр. 69
السلام المقترحات من الأمم وبين الآيات التي تبتكرها الأنبياء أن المقترحات لم تبق لهم عذراً في ترك الإيمان بعد الإتيان بها، إذ هي بمنزلة المشاهد الذي أجاز الخصم شهادته عليه، فإذا رد وجحد فقد عاند وصد فاستحق تعجيل الإنزال به، بخلاف سائر الآيات فإنها وإن كانت أدلةٌ إلا أن للناظر فيها فسحة النظر ومهلة التأمل، فلهذا لم يعجل عقابه وهذا المعنى دل عليه قوله تعالى: (ولو أنَّا أهلكناهُمْ بعذابٍ مِنْ قبْلِهِ لَقَالُوا ربَّنا لولا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُلاً فنتبعَ آياتِكَ من قبلِ أن نَذِلَّ ونَخزَى) .
" فصلٌ " في ذم التقليد والمقلدين وقد عابهم الله في كتابه العزيز في عدة مواضع منها قوله تعالى: (وإذا قيلَ لهم اتّبِعُوا ما أنزلَ اللهُ قالُوا بَلْ نتبعُ ما ألفينا عليه آباءنا أوَ لو كانَ آباؤُهم لا يعقلونَ شيئاً ولا يهتدون) ، ومن ذلك في المائدة: (وإذا قيلَ لهم تعالَوْا إلى ما أَنْزَلَ اللهُ وإلى الرسولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجدْنا عليهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كَانَ آباؤُهِم لا يعلمونَ شيئاً ولا يهتدون) ،
стр. 70
ومن ذلك في حم الزخرف: (بلْ قَالُوا إنَّا وجدْنا آباءَنا على أُمَّةٍ وإنَّا على آثارِهمْ مهتدونَ) ، ثم ذكر سبحانه أن هذه الشبهة تمسك بها جميع الأمم قال سبحانه: (وكذلكَ ما أرسلْنا مِنْ قبلكَ في قريةٍ مِنْ نذيرٍ إلاَّ قالَ مترفُوها إنا وجدْنا آباءَنا على أُمَّةٍ وإنَّا على آثارِهمْ مقتدون) ، فكان الجواب عن شُبَهِهِمْ من وجهين: " أحدهما ": قوله تعالى: (أوَ لوْ كانَ آباؤُهم لا يعقلونَ شيئاً ولا يهتدون) . " الوجه الثاني ": (قل أوَلَوْ جئتُكم بأهْدَى مما وجدتُم عليهِ آباءَكم) . وههنا نكتتان: " إحداهما " قوله: (بأهْدَى) ولا هداية آباءهم، وإنما ذكر ذلك توطئةً لاستماع حجتهِ وتلطفاً إلى هدايتهِ " النكتة الثانية ": أعرضوا عن الجواب الملزم لهم إلى استماع ما هو أهدى إلى قولهم: (إنا بما أُرْسِلْتُم به كافرونَ) .
"
стр. 71
فصلٌ " في جواز التجوز وفي الكتاب العزيز من ذلك كثيرٌ من ذلك قوله تعالى: (إنَّ الذينَ يكتمونَ ما أَنزلَ اللهُ مِنَ الكتابِ ويشترونَ به ثمناً قليلاً أولئكَ لا يأكلونَ في بطونِهِم إلا النَّارَ) وقد علم أنهم في الحالة الحاضرة لا يأكلون النارَ والشراءَ، والصبر على النارَ.
" فصلٌ " يجوز عطف الواجب على غير الواجب كقوله تعالى: (كُلوا مِنْ ثمرِهِ إذا أثمرَ وآتُوا حقَّه يومَ حصادهِ) وكقوله: (كُلوا من طيباتِ ما رزقْنَاكُمْ واشكرُوا للهِ إنْ كنتُم إياهُ تَعبُدونَ) .
" فصلٌ " والإنكار بعد الاعتراف لا يسمع دليله قوله تعالى: (ثمَّ قيلَ لهمْ أينَ ما كنتُم تُشركونَ مِنْ دونِ اللهِ قالوا ضَلُّوا عَنَّا بل لم نكُنْ ندعُوا مِن قبلُ شيئاً كذلِكَ يُضِل اللهُ الكافرين) فعاقبهم على ضلالهم الأول بضلالٍ هو الإنكار بعد الاعتراف.
"
стр. 72
فصلٌ " ومن لطائف الأجوبة الحدلية لما قال فرعون لموسى: (ألم نربِّك فينَا وليداً ولبثْتَ فينا مِنْ عُمُرِك سنينَ) كان جواب موسى ﵇: (وتلكَ نعمهٌ تمُنُّها عليَّ أن عَبَّدتَ بني إسرائيل) فالذي اعتده فرعونُ نعمةً جعلها موسى نقمةً هو جواب على معنى الكلام لا على لفظه.
" فصلٌ " ومن أنواع التجاوز قوله تعالى: (وعليها وعلى الفلكِ تُحملونَ) والأنعام ثلاثةُ أنواع: إبلٌ وبقرٌ وغنمٌ. والمركوب منها الإبل خاصة.
" فصلٌ " في المباكتة بالتشنيع منها قوله تعالى: (" قل " يا أهلَ الكتابِ هل تنقمونَ مِنّا إلا أنْ آمنَّا باللهِ وما أنزلَ إلينا وما أُنزِلَ مِنْ قبلُ وأن أكثرَكم فاسقونَ قُلْ هل أنبئُكم بشرٍ مِنْ ذلكَ مثوبةً عندَ اللهِ مَنْ لعنَهُ
стр. 73
اللهُ وغضبَ عليهِ وجعلَ منهم القردةَ والخنازيرَ وعبدَ الطاغوتَ أولئكَ شرٌ مكاناً وأضلُّ عنْ سواءِ السبيلِ) فإذا وقع التشنيع على مذهبٍ بسببِ حكمٍ خالفَ فيه الفقهاء، أو قولٍ فيه نفرةٌ مثلُ المخلوقة من الزِّنا وجواز الخضخضة على مذهب الإمام أحمد، أو ما كان للخصم أن يشنع على مذهبه بما هو من هذا القبيل وقد صح أن النبي (قال لليهود: " يا إخوان القردةِ ".
" فصلٌ " ومما يجري مجرى المقابلة في الأذى والجناس في الجزاءِ:) وقالتِ اليهود يدُ اللهِ مغلولةٌ غُلَّت أيديْهم ولُعِنُوا بما
стр. 74
قالُوا (واللعن هو الطرد والبعد. ولما كانت يدُ اللهِ مبسوطةً بالقدرة على الإيجاد والإعدام والإشقاءِ والإسعاد كان القول بغلول يده سبحانه أبعد المحالات في نظر العقل فاستحقوا الإبعاد.
" فصلٌ " التخصيص بالذكر لا يدل على الاختصاص في الحكم كقوله تعالى:) لقدْ كفرَ الذينَ قالُوا إن اللهَ هوَ المسيحُ بنُ مريمَ (وقال سبحانه بعدها:) لقدْ كفرَ الذين قالُوا إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ (.
" فصلٌ " يتضمن ثلاث شبهٍ والجواب عنها: " الشبهة الأولى ": أنه تارةً تحدى بجملة القرآن وتارةً بعشرِ سورٍ، وتارةً بسورةٍ، والجوابُ أنه ذكر الآحاد والعقود ونفاها ليعلم العجز عن كله وبعضه. فإن قيل القديم لا يوصف بكلٍّ ولا بعضٍ قيل هذا كقولنا عالمٌ مريدٌ قادرٌ هذه بعضُ صفات
стр. 75
القديم ولا نريد بَعْضِية التجزي وكما تقول: القرآن مائةُ وأربع عشرةَ سورةً كذا كذا آيةٌ.
" الشبهة الثانية ": ما الحكمة أن هذا الكتاب العزيز لم ينزل جملةً واحدةً وسائرُ الكتب نزلت جملةً جملةً قال تعالى:) وقالَ الذينَ كفروا لولا نزلَ عليهِ القرآنُ جملةً واحدةً كذلكَ لِنُثَبِّتَ بهِ فؤادَكَ ورتلناهُ ترتيلاً. ولا يأتونَكَ بمثلٍ إلا جئناكَ بالحقَّ وأحسنَ تفسيراً (.
الجواب الثاني قال أهل المعاني: القوم كانوا قبلنا عمالاً فكتبت كتب عهودهم وسلمت إليهم جملةً، وهذه الأمة أحباب ورسائل الأحباب لا تنقطع.
"
следующие страницы →