Полный текст (2 567 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وقال ابن عطية معناه ماذا أجابت به الأمم، ولم يجعل ما مصدراً بل جعلها كناية عن الجواب، وهو الشيء المجاب به لا للمصدر، وهو الذي عنى الزمخشري بقوله ولو أريد الجواب لقيل بماذا أجبتم. وقال الحوفي ما للاستفهام وهو مبتدأ بمعنى الذي خبرها وأجبتم صلته والتقدير ماذا أجبتم به انتهى، وحذف هذا الضمير المجرور بالحرف يضعف لو قلت جاءني الذي مررت تريد به كان ضعيفاً إلا إن اعتقد أنه حذف حرف الجر أولاً فانتصب الضمير ثم حذف منصوباً ولا يبعد. وقال أبو البقاء ماذا في موضع نصب بأجبتم وحرف الجر محذوف أي بماذا أجبتم وما وذا هنا بمنزلة اسم واحد ويضعف أن يجعل ذا بمعنى الذي هنا لأنه لا عائد هنا وحذف العائد مع حرف الجر ضعيف انتهى، وما ذكره أبو البقاء أضعف لأنه لا ينقاس حذف حرف الجر إنما سمع ذلك في ألفاظ مخصوصة ونصوا على أنه لا يجوز زيداً مررت به تريد بزيد مررت ولا سرت البيت تريد إلى البيت إلا في ضرورة شعر نحو قول الشاعر:
تحن فتبدي ما بها من صبابة
وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني
يريد لقضي عليّ فحذف عليّ وعدى الفعل إلى الضمير فنصبه.
وقرأ علام بالنصب وهو على حذف الخبر لفهم المعنى فيتم الكلام بالمقدر في قوله ﴿إنك أنت﴾ أي إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره. وقال الزمخشري ثم نصب ﴿علام الغيوب﴾ على الاختصاص أو على النداء أو صفة لاسم إن انتهى. وهذا الوجه الأخير لا يجوز لأنهم أجمعوا على أن ضمير المتكلم وضمير المخاطب لا يجوز أن يوصف وأما ضمير الغائب ففيه خلاف شاذّ، للكسائي. وقرأ حمزة وأبو بكر الغيوب بكسر الغين حيث وقع كأنّ من قال ذلك من العرب قد استثقل توالي ضمتين مع الياء ففر إلى حركة مغايرة للضمة مناسبة لمجاورة الياء وهي للكسرة.
стр. 1052
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ﴾ قال ابن عطية: العامل في إذ محذوف تقديره اذكره ويحتمل أن يكون ﴿إذ﴾ بدلاً من قوله: ﴿يوم يجمع الله الرسل﴾ والمعنى أنه يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم وبتعدد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام فكذبوهم وسموهم سحرة وجاوز واحد التصديق إلى أن اتخذوهم آلهة كما قال بعض بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى من البينات هذا سحر مبين واتخذه بعضهم وأمه إلهين قاله الزمخشري. وقال ابن عطية يحتمل أن يكون العامل في إذ مضمراً تقديره اذكر يا محمد، وقال هنا بمعنى يقول لأن الظاهر من هذا القول أنه في القيامة تقدمة لقوله: أأنت قلت للناس ويحتمل أن يكون ﴿إذ﴾ بدلاً من قوله: ﴿يوم يجمع الله﴾ انتهى. وجوزوا أن يكون إذ في موضع خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك إذ قال الله. وإذا كان المنادى علماً مفرداً ظاهر الضمة موصوفاً بابن متصل مضاف إلى علم جاز فتحه اتباعاً لفتحة ابن. هذا مذهب الجمهور وأجاز الفرّاء وتبعه أبو البقاء في ما لا يظهر فيه الضمة تقدير والفتحة فإن لم تجعل ﴿ابن مريم﴾ صفة وجعلته بدلاً أو منادى فلا يجوز في ذلك العلم إلا الضم وقد خلط بعض المفسرين وبعض من ينتمي إلى النحو هنا، فقال بعض المفسرين: يجوز أن يكون عيسى في محل الرفع لأنه منادى معرفة غير مضاف ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه في نية الإضافة ثم جعل الابن توكيداً وكل ما كان مثل هذا جاز فيه الوجهان نحو يا زيد بن عمرو وأنشد النحويون:
يا حكم بن المنذر بن الجارود
أنت الجواد بن الجواد بن الجود
قال التبريزي الأظهر عندي أن موضع عيسى نصب لأنك تجعل الاسم مع نعته إذا أضفته إلى العلم كالشيء الواحد المضاف انتهى. والذي ذكره النحويون في نحو يا زيد بن بكر إذا فتحت آخر المنادى أنها حركة اتباع الحركة نون ﴿ابن﴾ ولم يعتد بسكون باء ابن لأن الساكن حاجز غير حصين.
стр. 1053
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى﴾ أن: مصدرية وتحتمل أن تكون تفسيرية.
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ﴾ أن ينزل معمول لسؤال المحذوف إذ هو حذف لا يتم المعنى إلا به.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وقال الزمخشري هنا عيسى في محل النصب على اتباع حركته حركة الابن كقولك يا زيد بن عمرو وه اللغة الفاشية ويجوز أن يكون مضموماً كقولك يا زيد بن عمرو والدليل عليه قوله: أجاز ابن عمر كأني خمر، لأن الترخيم لا يكون إلا في المضموم انتهى. فقوله: عيسى في محل النصب على هذا التقدير وعلى تقدير ضمه فهو لا اختصاص له بكونه في محل النصب على تقدير النصب على هذا التقدير وعلى تقدير ضمه فهو لا اختصاص له بكونه في محل النصب على تقدير الأتباع فإصلاحه عيسى مقدر فيه الفتحة على اتباع الحركة وقوله: ويجوز أن يكون مضموماً هذا مذهب الفراء وهو تقدير الفتح والضم ونحوه مما لا تظهر فيه الضمة قياساً على الصحيح ولم يبدأ أولاً بالضم الذي هو مجمع على تقديره فليس بشرط، ألا ترى إلى جواز ترخيم رجل اسمه مثنى فتقول يا مثن أقبل وإلى ترخيم بعلبك وهو مبني على الفتح لكنه في تقدير الاسم المضموم وإن عنى ضمة مقدرة فإن عنى ضمة ظاهرة فليس بشرط ألا ترى إلى جواز ترخيم رجل اسمه مثنى فتقول يا مثن فإنّ مثل يا جعفر بن زيد مما فتح فيه آخر المنادي لأجل الاتباع مقدّر فيه الضمة لشغل الحرف بحركة الاتباع كما قدر الأعرابي في قراءة من قرأ الحمد لله بكسر الدال لأجل اتباع حركة الله فقولك: يا حار هو مضموم تقديراً وإن كانت الثاء المحذوفة مشغولة في الأصل بحركة الاتباع، وهي الفتحة فلا تنافي بين الترخيم وبين ما فتح اتباعاً وقدرت فيه الضمة، وكان ينبغي للزمخشري أن يتكلم على هذه المسألة قبل هذا في قوله تعالى: ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك﴾ حيت تكلم الناس عليها.
стр. 1054
﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ وإذا ولي أن المخففة من الثقيلة فعل متصرف عن دعاء فإن كان ماضياً فصل بينهما بقد نحو قوله ونعلم أن قد صدقتنا وإن كان مضارعاً فصل بينهما بحرف تنفيس كقوله علم أن سيكون منكم مرضي ولا يقع بغير فصل قيل إلا قليلاً. وقيل إلا ضرورة وفيما تتعلق به عليها التي تقدمت في نحو إني لكما لمن الناصحين، وقال الزمخشري عاكفين عليها على أن عليها في موضع الحال انتهى. وهذا التقدير ليس بجيد لأن حرف الجر لا يحذف عامله وجوباً إلاّ إذا كان كوناً مطلقاً لا كوناً مقيداً والعكوف كون مقيد ولأن المجرور إذا كان في موضع الحال كان العامل فيها عاكفين المقدر وقد ذكرنا أنه ليس بجيد ثم إن قول الزمخشري مضطرب لأن عليها إذا كان ما يتعلق به هو عاكفين كانت في موضع نصب على المفعول الذي تعدى إليه العامل بحرف الجر وإذا كانت في موضع الحال كان العامل فيها كوناً مطلقاً واجب الحذف فظهر التنافي بينهما.
﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأًّوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا﴾ وقرأ الجمهور ﴿سكون لنا﴾ على أن الجملة صفة لمائدة. وقرأ عبد الله والأعمش ﴿يكن﴾ بالجزم على جواب الأمر والمجرور بدل من قوله ﴿لنا﴾ وكرر العامل وهو حرف الجر كقوله ﴿منها من غم﴾ ، والبدل من ضمير المتكلم والمخاطب إذا كان بدل بعض أو بدل اشتمال جاز بلا خلاف وإن كان بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة فإن أفاد معنى التأكيد جاز لهذا البدل إذ المعنى تكون لنا عيداً كلنا كقولك مررت بكم أكابركم وأصاغركم لأن معنى ذلك مررت بكم كلكم وإن لم تفد توكيداً فمسألة خلاف الأخفش بخير وغيره من البصريين بمنع.
стр. 1055
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّى أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَلَمِينَ * وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * للَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
стр. 1056
﴿فَإِنِّى أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ والعذاب هنا بمعنى التعذيب فانتصابه انتصاب المصدر، وأجاز أبو البقاء أن يكون مفعولاً به على السعة وهو إعراب سائغ ولا يجوز أن يراد بالعذاب ما يعذب به إذ يلزم أن يتعدى إليه الفعل بحرف الجر فكان يكون التركيب فإني أعذبه بعذاب لا يقال حذف حرف الجر فتعدى الفعل إليه فنصبه لأن حذف الحرف في مثل هطا مختص بالضرورة والظاهر أن الضمير في ﴿لا أعذبه﴾ يعود على العذاب بمعنى التعذيب والمعنى لا أعذب مثل التعذيب أحداً. وأجاز أبو البقاء أن يكون التقدير لا عذب به أحداً وأن يكون مفعولاً به على السعة وأن يكون ضمير المصدر المؤكد كقولك: ظننته زيداً منطلقاً فلا يعود على العذاب، ورابط الجملة الواقعة صفة لعذاب هو العموم الذي في المصدر المؤكد كقولك هو جنس وعذاباً نكرة فانتظمه المصدر كما انتظم اسم الجنس زيداً في: زيد نعم الرجل، وأجاز أيضاً أن يكون ضمير من على حذف أي لا أعذب مثل عذاب الكافر وهذه تقادير متكلفة ينبغي أن ينزه القرآن عنها.
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ قال أبو عبيدة ﴿إذ﴾ زائدة وقال غيره بمعنى إذا والظاهر أنها على أصل وضعها وأن ما بعدها من الفعل الماضي قد وقع ولا يؤول بيقول وقد يقع التجوز في استعمال ﴿إذ﴾ بمعنى إذا والماضي بعده بمعنى المستقبل وفي إيلاء الاستفهام الاسم، ومجيء الفعل بعده دلالة على صدور الفعل في الوجود لكن وقع الاستفهام عن النسبة أكان هذا الفعل الواقع صادراً عن المخاطب أم ليس بصادر عنه، بيان ذلك أنك تقول: أضربت زيداً، فهذا استفهام هل صدر منك ضرب لزيد أم لا، ولا إشعار فيه بأن ضرب زيد قد وقع. فإذا قلت أنت ضربت زيداً كان الضرب قد وقع بزيد، لكنك استفهمت عن إسناده للمخاطب، وهذه مسألة بيانية نص على ذلك أبو الحسن الأخفش.
стр. 1057
﴿مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ﴾ و ﴿بحق﴾ خبر ليس أي ليس مستحقاً وأجازوا في ﴿لي﴾ أن يكون تبييناً وأن يكون صلة صفة لقوله ﴿يحق﴾ لي تقدم فصار حالاً أي بحق لي، ويظهر أنه يتعلق بحق لأن الباء زائدة، وحق بمعنى مستحقّ أي ما ليس مستحقاً، وأجاز بعضهم أن يكون الكلام قد تم عند قوله ﴿ما ليس لي﴾ وجعل ﴿بحق﴾ متعلقاً بعلمته الذي هو جواب الشرط، ورد ذلك بادعاء التقديم والتأخير فيما ظاهره خلاف ذلك، ولا يصار إلى التقديم والتأخير إلا لمعنى يقتضي ذلك، أو بتوقيف، أو فيما لا يمكن فيه إلا ذلك؛ انتهى هذا القول ورده، ويمتنع أن يتعلق لأنه لا يتقدم على الشرط شيء من معمولات فعل الشرط ولا من معمولات جوابه.
стр. 1058
﴿ُ ِمَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ﴾ قال الحوفي وابن عطية: وأن في ﴿أن اعبدوا﴾ مفسرة، لا موضع لها من الإعراب. ويصح أن يكون بدلاً من من ما وصح أن يكون بدلاً من الضمير في به، زاد ابن عطية أنه يصح أن يكون في محل خفض على تقدير بـ ﴿أن اعبدوا﴾ ، وأجاز أبو البقاء الجر على البدل من الهاء والرفع على إضمار هو والنصب على إضمار أعني أو بدلاً من موضع به. قال: ولا يجوز أن تكون بمعنى أن المفسرة، لأن القول قد صرّح به، وأن لا تكون مع التصريح بالقول. وقال الزمخشري أن في قوله ﴿أن اعبدوا الله﴾ إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر، والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر وكلاهما لا وجه له، أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يوسط بينهما حرف التفسير لا تقول ما قلت لهم إلا ﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ ولكن ما قلت لهم إلا اعبدوا الله وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله تعالى فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم يخلُ من أن تكون بدلاً من ما أمرتني به أو من الهاء في به وكلاهما غير مستقيم، لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه، ولا يقال ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته لأن العبادة لا تقال وكذلك إذا جعلته بدلاً من الهاء لأنك لو أقمت ﴿أن اعبدوا الله﴾ لم يصح لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته.
стр. 1059
(فإن قلت) : فكيف تصنع؟ (قلت) : يحمل فعل القول على معناه لأن معنى ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بـ ﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ ويجوز أن تكون موصولة عطفاً على بيان الهاء لا بدلاً؛ انتهى، وفيه بعض تلخيص. أما قوله: وأما فعل الأمر إلى آخر المنع، وقوله لأن الله تعالى لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم فإنما لم يستقم لأنه جعل الجملة وما بعدها مضمومة إلى فعل الأمر، ويستقيم أن يكون فعل مفسراً بقوله ﴿اعبدوا الله﴾ ويكون ربي وربكم من كلام عيسى على إضمار أعني أي ربي وربكم لا على الصفة التي فهمها الزمخشري، فلم يستقم ذلك عنده. وأما قوله: لأن العبادة لا تقال فصحيح لكن ذلك يصحّ على حذف مضاف، أي: ما قلت لهم إلا القول الذي أمرتني به قول عبادة الله، أي القول المتضمن عبادة الله. وأما قوله لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته فلا يلزم في كل بدل أن يحلّ محل المبدل منه، ألا ترى إلى تجويز النحويين: زيد مررت به أبي عبدا لله، ولو قلت زيد مررت بأبي عبد الله لم يجز ذلك عندهم إلا على رأي الأخفش. وأما قوله عطفاً على بيانا لهاء، فهذا فيه بعد لأن عطف البيان أكثره بالجوامد الأعلام، وما اختاره الزمخشري وجوّزه غيره من كون أن مفسرة لا يصح لأنها جاءت بعد إلا، وكل ما كان بعد إلا المستثنى بها فلا بدّ أن يكون له موضع من الإعراب وأن التفسيرية لا موضع لها ما لإعراب.
стр. 1060
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قرأ الجمهور هذا يوم بالرفع على أن هذا مبتدأ ويوم خبره والجملة محكية بقال وهي في موضع المفعول به، لقال: أي هذا الوقت وقت نفع الصادقين وفيه إشارة إلى صدق عيسى ﵇. وقرأ نافع ﴿هذا يوم﴾ بفتح الميم وخرّجه الكوفيون على أنه مبني خبر لهذا وبني لإضافته إلى الجملة الفعلية، وهم لا يشترطون كون الفعل مبنياً في بناء الظرف المضاف إلى الجملة، فعلى قولهم تتحد القراءتان في المعنى. وقال البصريون: شرط هذا البناء إذا أضيف الظرف إلى الجملة الفعلية أن يكون مصدراً بفعل مبني، لأنه لا يسري إليه البناء لا من المبني الذي أضيف إليه، والمسألة مقررة في علم النحو فعلى قول البصريين: هو معرب لا مبني وخرج نصبه على وجهين ذكرهما الزمخشري وغيره أحدهما: أن يكون ظرفاً لقال وهذا إشارة إلى المصدر فيكون منصوباً على المصدرية، أي: قال الله هذا القول أو إشارة إلى الخبر أو القصص، كقولك: قال زيد شعراً أو قال زيد: خطبة فيكون إشارة إلى مضمون الجملة، واختلف في نصبه أهو على المصدرية أو ينتصب مفعولاً به؟ فعلى هذا الخلاف ينتصب إذا كان إشارة إلى الخبر أو القصص نصب المصدر أو نصب المفعول به. قال ابن عطية: وانتصابه على الظرف وتقدير ﴿قال الله هذا﴾ القصص أو الخبر ﴿يوم ينفع﴾ معنى يزيل وصف الآية وبهاء اللفظ والمعنى، والوجه الثاني أن يكون ظرفاً خبر هذا وهذا مرفوع على الابتداء والتقدير، هذا الذي ذكرناه من كلام عيسى واقع يوم ينفع ويكون هذا يوم ينفع جملة محكية بقال. قال الزمخشري: وقرأ الأعمش يوماً ينفع بالتنوين كقوله ﴿واتقوا يوماً لا تجزى﴾ . وقال ابن عطية: وقرأ الحسن بن عياش الشامي ﴿هذا يوم﴾ بالرفع والتنوين. وقرأ الجمهور ﴿صدقهم﴾ بالرفع فاعل ينفع وقرىء بالنصب، وخرج على أنه مفعول له أي لصدقهم أو على إسقاط حرف الجر أي بصدقهم أو مصدر مؤكد، أي الذين يصدقون صدقهم أو مفعول به
стр. 1061
أي يصدقون الصدق كما تقول: صدقته القتال والمعنى يحققون الصدق.
سورة الأنعام
﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِى الأٌّرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ * وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْءَايَةٍ مِّنْءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ * أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِى الأٌّرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مَّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأٌّنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناًءَاخَرِينَ * وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَباً فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الأٌّمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ * قُلْ سِيرُواْ فِى الأٌّرْضِ ثُمَّ انْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
стр. 1062
﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ وقال الزمخشري ﴿جعل﴾ يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ، كقوله: ﴿جعل الظلمات والنور﴾ وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً﴾ والفرق بين الخلق والجعل، أن الخلق فيه معنى التقدير وفي الجعل معنى التصيير كإنشاء من شيء أو تصيير شيء شيئاً أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك ﴿ ... وجعل منها زوجها﴾ ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ لأن الظلمات من الإجرام المتكاثفة والنور من النار ﴿وجعلناكم أزواجاً﴾ أجعل الآلهة إلهاً واحداً؛ انتهى. وما ذكره من أن جعل بمعنى صير في قوله: ﴿وجعلوا الملائكة﴾ لا يصح لأنهم لم يصيروهم إناثاً، وإنما قال بعض النحويين: إنها بمعنى سمى وقول الطبري ﴿جعل﴾ هنا هي التي تتصرف في طرف الكلام كما تقول: جعلت أفعل كذا فكأنه قال: وجعل إظلامها وإنارتها تخليط، لأن تلك من أفعال المقاربة تدخل على المبتدأ والخبر وهذه التي في الآية تعدت إلى مفعول واحد، فهما متباينان معنى واستعمالاً.
﴿ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وقال ابن عطية، ثم تدل على قبح فعل الذين كفروا وهذا الذي ذهب إليه ابن عطية من أن ﴿ثم﴾ للتوبيخ، والزمخشري من أن ﴿ثم﴾ للاستبعاد ليس بصحيح لأن ﴿ثم﴾ لم توضع لذلك، وإنما التوبيخ أو الاستبعاد مفهوم من سياق الكلام لا من مدلول، ثم ولا أعلم أحداً من النحويين ذكر ذلك بل ﴿ثم﴾ هنا للمهلة في الزمان وهي عاطفة جملة اسمية على جملة اسمية.
وقال الزمخشري (فإن قلت) : على م عطف قوله: ﴿ثم الذين كفروا﴾ .
стр. 1063
(قلت) : إما على قوله: ﴿الحمد لله﴾ على عنى أن الله حقيق بالحمد على ما خلق، لأنه ما خلقه إلا نعمة ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ فيكفرون نعمه وإما على قوله ﴿خلق السموات والأرض﴾ على معنى أنه خلق ما خلق، مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه؛ انتهى. وهذا الوجه الثاني الذي جوزه لا يجوز، لأنه إذ ذاك يكون معطوفاً على الصلة والمعطوف على الصلة صلة، فلو جعلت الجملة من قوله: ﴿ثم الذين كفروا﴾ صلة لم يصح هذا التركيب لأنه ليس فيها رابط يربط الصلة بالموصول، إلا إن خرج على قولهم أبو سعيد الذي رويت عن الخدري يريد رويت عنه فيكون الظاهر قد وقع موقع المضمر، فكأنه قيل: ﴿ثم الذين كفروا به يعدلون﴾ وهذا من الندور، بحيث لا يقاس عليه ولا يجمل كتاب الله عليه مع ترجيح حمله على التركيب الصحيح الفصيح.
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ وقال الزمخشري: (فإن قلت) : المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفاً وجب تقديمه فلم جاز تقديمه في قوله: ﴿وأجل مسمى عنده﴾ .
(قلت) : لأنه تخصيص بالصفة فقارب المعرفة، كقوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ انتهى. وهذا الذي ذكره من مسوغ الابتداء بالنكرة لكونها وصفت لا يتعين هنا أن يكون هو المسوغ، لأنه يجوز أن يكون المسوغ هو التفصيل لأن من مسوغات الابتداء بالنكرة، أن يكون الموضع موضع تفصيل نحو قوله:
إذا ما بكى من خلفها انحرفت له
بشق وشق عندنا لم يحول
وقد سبق كلامنا على هذا البيت وبينا أنه لا يجوز أن يكون عندنا في موضع الصفة، بل يتعين أن يكون في موضع الخبر.
وقال الزمخشري: (فإن قلت) : الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد ولي عبد كيس وما أشبه ذلك.
стр. 1064
(قلت) : أوجبه أن المعنى وأي ﴿أجل مسمى عنده﴾ تعظيماً لشأن الساعة فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم؛ انتهى. وهذا لا يجز لأنه إذا كان التقدير وأي ﴿أجل مسمى عنده﴾ كانت أي صفة لموصوف محذوف تقديره وأجل أي ﴿أجل مسمى عنده﴾ ولا يجوز حذف الصفة إذا كانت أياً ولا حذف موصوفها وإبقاؤها، فلو قلت مررت بأي رجل تريد برجل أيّ رجل لم يجز.
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِى الأٌّرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ وقال أبو علي: ﴿هو﴾ ضمير الشأن ﴿والله﴾ مبتدأ خبره ما بعده، والجملة مفسرة لضمير الشأن وإنما فر إلى هذه لأنه إذا لم يكن ضمير الشأن، كان عائداً على الله تعالى فيصير التقدير الله ﴿والله﴾ فينعقد مبتدأ وخبر من اسمين متحدين لفظاً ومعنى لا نسبة بينهما إسنادية، وذلك لا يجوز فلذلك والله أعلم تأول. أبو علي الآية على أن الضمير ضمير الأمر ﴿والله﴾ خبره يعلم في ﴿السماوات وفي الأرض﴾ متعلق بيعلم والتقدير الله يعلم ﴿في السماوات وفي الأرض﴾ ﴿سركم وجهركم﴾ .
ذهب الزجاج إلى أن قوله: ﴿في السماوات﴾ متعلق بما تضمنه اسم الله من المعاني، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب. قال ابن عطية: وهذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازاً لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى.
стр. 1065
وما ذكره الزجاج وأوضحه ابن عطية صحيح من حيث المعنى، لكن صناعة النحو لا تساعد عليه لأنهما زعما أن ﴿في السماوات﴾ متعلق بلفظ ﴿الله﴾ لما تضمنه من المعاني ولا تعمل تلك المعاني جميعها في اللفظ، لأنه لو صرح بها جميعها لم تعمل فيه بل العمل من حيث اللفظ لواحد منها، وإن كان ﴿في السماوات﴾ متعلقاً بها جميعها من حيث المعنى، بل الأولى أن يعمل في المحرور ما تضمنه لفظ ﴿الله﴾ من معنى الألوهية وإن كان لفظ ﴿الله﴾ علماً لأن الظرف والمجرور قد يعمل فيهما العلم بما تضمنه من المعنى كما قال: أنا أبو المنهال بعض الأحيان. فبعض منصوب بما تضمنه أبو المنهال كأنه قال أنا المشهور بعض الأحيان.
وقالت فرقة: ﴿وهو الله﴾ تم الكلام هنا. ثم استأنف ما بعده وتعلق المجرور بـ ﴿يعلم﴾ وقالت فرقة: ﴿وهو الله﴾ تام و ﴿في السماوات وفي الأرض﴾ متعلق بمفعول ﴿يعلم﴾ وهو ﴿سركم وجهركم﴾ والتقدير يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض، وهذا يضعف لأن فيه تقديم مفعول المصدر الموصول عليه والعجب من النجاس حيث قال: هذا من أحسن ما قيل فيه، وقالت فرقة: هو ضمير الأمر والله مرفوع على الابتداء وخبره ﴿في السماوات﴾ والجملة خبر عن ضمير الأمر وتم الكلام. ثم استأنف فقال: ﴿وفي الأرض يعلم سركم وجهركم﴾ أي: ويعلم في الأرض.
وقيل: يتعلق ﴿في السماوات﴾ بقوله: ﴿تكسبون﴾ هذا خطأ، لأن ﴿ما﴾ موصولة بـ ﴿تكسبون﴾ وسواء كانت حرفاً مصدرياً أم اسماً بمعنى الذي، فإنه لا يجوز تقديم معمول الصلة على الموصول. وقيل ﴿في السماوات﴾ حال من المصدر الذي هو ﴿سركم وجهركم﴾ تقدم على ذي الحال وعلى العامل. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون ﴿الله في السماوات﴾ خبراً بعد خبر على معنى أنه الله وأنه في السموات والأرض بمعنى أنه عالم بما فيهما، لا يخفى عليه شيء منه كأن ذاته فيها وهو ضعيف، لأن المجرور بفي لا يدل على وصف خاص إنما يدل على كون مطلق وعلى هذه الأقوال ينبني إعراب هذه الآية.
стр. 1066
وقال الزمخشري: (فإن قلت) : كيف موقع قوله ﴿يعلم سركم وجهركم﴾ (قلت) : إن أراد المتوحد بالإلهية كان تقريراً له، لأن الذي استوى في علمه السرّ والعلانية، هو الله وحده وكذلك إذا جعلت ﴿في السماوات﴾ خبراً بعد خبر وإلا فهو كلام مبتدأ أو خبر ثالث، انتهى، وهذا على مذهب من يجيز أن يكون للمبتدأ أخباراً متعددة.
﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْءَايَةٍ مِّنْءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ والجملة من قوله: ﴿كانوا﴾ ومتعلقها في موضع الحال فيكون ﴿تأتيهم﴾ ماضي المعنى لقوله: ﴿كانوا﴾ أو يكون ﴿كانوا﴾ مضارع المعنى لقوله: ﴿تأتيهم﴾ وذو الحال هو الضمير في ﴿تأتيهم﴾ ، ولا يأتي ماضياً إلا بأحد شرطين أحدهما: أن يسبقه فعل كما في هذا الآية، والثاني أن تدخل على ذلك الماضي قد نحو ما زيد إلا قد ضرب عمراً.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ والظاهر أن ما في قوله: ﴿لما كانوا﴾ موصولة اسمية بمعنى الذي والضمير في ﴿به﴾ عائد عليها. وقال ابن عطية: يصح أن تكون مصدرية التقدير ﴿أنباء﴾ كونهم مستهزئين فعلى هذا يكون الضمير في ﴿به﴾ لا على مذهب الأخفش حيث زعم أن ﴿ما﴾ المصدرية اسم لا حرف، ولا ضرورة تدعو إلى كونها مصدرية.
﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِى الأٌّرْضِ﴾ و ﴿يروا﴾ هنا بمعنى يعلموا، لأنهم لم يبصروا هلاك القرون السالفة و ﴿كم﴾ في موضع المفعول بـ ﴿أهلكنا﴾ و ﴿يروا﴾ معلقة والجملة في موضع مفعولها، و ﴿من﴾ الأولى لابتداء الغاية و ﴿من﴾ الثانية للتبعيض، والمفرد بعدها واقع موقع الجمع ووهم الحوفي في جعله ﴿من﴾ الثانية بدلاً من الأولى.
стр. 1067
وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿كم﴾ هنا ظرفاً وأن يكون مصدراً، أي: كم أزمنة أهلكنا؟ أو كم إهلاكاً أهلكنا؟ ومفعول ﴿أهلكنا من قرن﴾ على زيادة من وهذا الذي أجازه لا يجوز، لأنه لا يقع إذ ذاك المفرد موقع الجمع بل تدل على المفرد، لو قلت: كم أزماناً ضربت رجلاً أو كم مرة ضربت رجلاً؟ لم يكن مدلوله مدلول رجال، لأن السؤال إنما هو عن عدد الأزمان أو المرات التي ضرب فيها رجل، ولأن هذا الموضع ليس من مواضع زيادة ﴿من﴾ لأنها لا تزاد إلا في الاستفهام المحض أو الاستفهام المراد به النفي، والاستفهام هنا ليس محضاً ولا يراد به النفي.
стр. 1068
والظاهر أن قوله ﴿مكناهم﴾ جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما كان من حالهم؟ فقيل: ﴿مكناهم في الأرض﴾ . وقال أبو البقاء: ﴿مكناهم﴾ في موضع خبر صفة ﴿قرن﴾ وجمع على المعنى وما قاله أبو البقاء ممكن، ﴿وما﴾ في قوله: ﴿ما لم نمكن لكم﴾ جوزوا في إعرابها أن تكون بمعنى الذي ويكون التقدير التمكين، الذي ﴿لم نمكن لكم﴾ فحذف المنعوت وأقيم النعت مقامه، ويكون الضمير العائد على ﴿ما﴾ محذوفاً أي ما لم نمكنه لكم وهذا لا يجوز، لأن ﴿ما﴾ بمعنى الذي لا يكون نعتاً للمعارف وهن كان مدلولها مدلول الذي، بل لفظ الذي هو الذي يكون نعتاً للمعارف لو قلت ضربت الضرب ما ضرب زيد تريد الذي ضرب زيد لم يجز، فلو قلت: الضرب الذي ضربه زيد جاز وجوزوا أيضاً أن يكون نكرة صفة لمصدر محذوف تقديره تمكيناً لم نمكنه لكم، وهذا أيضاً لا يجوز لأن ﴿ما﴾ النكرة الصفة لا يجوز حذف موصوفها، لو قلت: قمت ما أو ضربت ما وأنت تريد قمت قياماً ما وضربت ضرباً ما لم يجز، وهذان الوجهان أجازهما الحوفي وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿ما﴾ مفعولاً به بتمكن على المعنى، لأن المعنى أعطيناهم ما لم نعطكم، وهذا الذي أجازه تضمين والتضمين لا ينقاس، وأجاز أيضاً أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية والزمان محذوف أي مد ﴿ما لم نمكن لكم﴾ ويعني مدة انتفاء التمكين لكم، وأجاز أيضاً أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها أي شيئاً لم نمكنه لكم، وحذف العائد من الصفة على الموصوف وهذا أقرب إلى الصواب وتعدى مكن هنا للذوات بنفسه وبحرف الجر، والأكثر تعديته باللام ﴿مكنا ليوسف في الأرض﴾ ﴿إنما مكنا له في الأرض﴾ أو لم نمكن لهم.
стр. 1069
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مَّدْرَاراً﴾ و ﴿السماء﴾ السماء المظلة قالوا: لأن المطر ينزل منها إلى السحاب، ويكون على حذف مضاف أي مطر ﴿السماء﴾ ويكون ﴿مدراراً﴾ حالاً من ذلك المضاف المحذوف. وقيل: ﴿السماء﴾ المطر وفي الحديث: «في أثر سماء كانت من الليل» ، وتقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يريدون المطر وقال الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قوم
رغيناه وإن كانوا غضبانا
﴿ومدراراً﴾ على هذا حال من نفس ﴿السماء﴾ . وقيل: ﴿السماء﴾ هنا السحاب ويوصف بالمدرار، فمدراراً حال منه.
﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ و ﴿سخروا﴾ استهزؤوا إلا أن استهزأ تعدّى بالباء وسخر بمن كما قال: ﴿إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون﴾ وبالباء تقول: سخرت به وتكرر الفعل هنا لخفة الثلاثي ولم يتكرر في ﴿ولقد استهزىء﴾ فكان يكون التركيب، ﴿فحاق بالذين﴾ استهزؤوا بهم لثقل استفعل، والظاهر في ﴿ما﴾ أن تكون بمعنى الذي وجوّزوا أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، والظاهر أن الضمير في ﴿منهم﴾ عائد على الرسل، أي ﴿فحاق بالذين سخروا﴾ من الرسل وجوز الحوفي وأبو البقاء أن يكون عائداً على غير الرسل. قال الحوفي: في أمم الرسل. وقال أبو البقاء: على المستهزئين، ويكون ﴿منهم﴾ حالاً من ضمير الفاعل في ﴿سخروا﴾ وما قالاه وجوزاه ليس بجيد، أما قول الحوفي فإن الضمير يعود على غير مذكور وهو خلاف الأصل، وأما قول أبي البقاء فهو أبعد لأنه يصير المعنى: ﴿فحاق بالذين سخروا﴾ كائنين من المستهزئين فلا حاجة لهذه الحال لأنها مفهومة من قوله ﴿سخروا﴾ وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة بكسر دال ﴿ولقد استهزىء﴾ على أصل التقاء الساكنين. وقرأ باقي السبعة بالضم اتباعاً ومراعاة لضم التاء إذ الحاجز بينهما ساكن، وهو حاجز غير حصين.
стр. 1070
﴿قُل لِّمَن مَّا فِى السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ قُل للَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
﴿ُقُل للَّهِ﴾ ولله خبر مبتدأ محذوف التقدير قل ذلك أو هو لله.
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ وهذه الجملة مقسم عليها ولا تعلق لها بما قبلها من جهة الإعراب وإن كانت من حيث المعنى متعلقة بما قبلها كما ذكرنا. وحكى المهدوي أن جماعة من النحويين قالوا: إنها تفسير للرحمة تقديره: أن يجمعكم، فتكون الجملة في موضع نصب على البدل من ﴿الرحمة﴾ وهو مثل قوله ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه﴾ المعنى أن يسجنوه، وردّ ذلك ابن عطية بأن النون الثقيلة تكون قد دخلت في الإيجاب قال: وإنما تدخل في الأمر والنهي وباختصاص من الواجب في القسم، انتهى. وهذا الذي ذكره لا يحصر مواضع دخول نون التوكيد، ألا ترى دخولها في الشرط وليس واحداً مما ذكر نحو قوله تعالى: ﴿وإمّا ينزغنك﴾ وكذلك قوله: وباختصاص من الواجب في القسم بهذا ليس على إطلاقه بل له شروط ذكرت في علم النحو ولهم أن يقولوا صورة الجملة صورة المقسم عليه، فلذلك لحقت النون وإن كان المعنى على خلاف القسم ويبطل ما ذكروه، إن الجملة المقسم عليها لا موضع لها وحدها من الإعراب، فإذا قلت والله لأضربنّ زيداً، فلأضربنّ لا موضع له من الإعراب فإذا قلت زيد والله لأضربنه، كانت جملة القسم والمقسم عليه في موضع رفع.
стр. 1071
﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ اختلف في إعراب ﴿الذين﴾ فقال الأخفش: هو بدل من ضمير الخطاب في ﴿ليجمعنكم﴾ وردّه المبرد بأن البدل من ضمير الخطاب لا يجوز، كما لا يجوز مررت بك زيد وردّ رد المبرد ابن عطية. فقال: ما في الآية مخالف للمثال لأن الفائدة في البدل مترتبة من الثاني، وإذا قلت مررت بك زيد فلا فائدة في الثاني، وقوله::ّ ﴿ليجمعنكم﴾ يصلح لمخاطبة الناس كافة فيفيدنا إبدال ﴿الذين﴾ من الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب وخصوا على جهة الوعيد، ويجيء هذا بدل البعض من الكل، انتهى. وما ذكره ابن عطية في هذا الردّ ليس بجيد، لأنه إذا جعلنا ﴿ليجمعنكم﴾ يصلح لمخاطبة الناس كافة كان ﴿الذين﴾ بدل بعض من كل، ويحتاج إذ ذاك إلى ضمير ويقدر ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ منهم وقوله فيفيدنا إبدال ﴿الذين﴾ من الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب، وخصوا على جهة الوعيد وهذا يقتضي أن يكون بدل كل من كل فتناقض أول كلامه مع آخره لأنه من حيث الصلاحية، يكون بدل بعض من كل ومن حيث اختصاص الخطاب بهم يكون بدل كل من كل، والمبدل منه متكلم أو مخاطب في جوازه خلاف مذهب الكوفيين والأخفش، أنه يجوز ومذهب جمهور البصريين أنه لا يجوز، وهذا إذا لم يكن البدل يفيد معنى التوكيد فإنه إذ ذاك يجوز، وهذا كله مقرر في علم النحو. وقال الزجاج: ﴿الذين﴾ مرفوع على الابتداء والخبر قوله: ﴿فهم لا يؤمنون﴾ ودخلت الفاء لما تضمن المبتدأ من معنى الشرط كأنه قيل: من يخسر نفسه فهو لا يؤمن، ومن ذهب إلى البدل جعل الفاء عاطفة جملة على جملة وأجاز الزمخشري أن يكون ﴿الذين﴾ منصوباً على الذمّ أي: أريد ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ ؛ انتهى وتقديره بأريد ليس بجيد إنما يقدر النحاة المنصوب على الذم باذم وأبعد من ذهب إلى أن موضع ﴿الذين﴾ جر نعتاً للمكذبين أو بدلاً منهم.
стр. 1072
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ * قُلْ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدُيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَدةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لاٌّنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِءَالِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * الَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِئَايَتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآءُوكَ
стр. 1073
يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَطِيرُ الأٌّوَّلِينَ * وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِئَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الأٌّخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ .
стр. 1074
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ﴾ وانتصاب غير على أنها مفعول أول لاتخذ. وقرأ الجمهور ﴿فاطر﴾ فوجهه ابن عطية والزمخشري ونقلها الحوفي على أنه نعت لله، وخرجه أبو البقاء على أنه بدل وكأنه رأى أن الفضل بين المبدل منه والبدل أسهل من الفصل بين المنعوت والنعت، إذ البدل على المشهور هو على تكرار العامل وقرأ ابن أبي عبلة برفع الراء على إضمار هو. قال ابن عطية: أو على الابتداء؛ انتهى. ويحتاج إلى إضمار خبر ولا دليل على حذفه وقرىء شاذاً بنصب الراء وخرجه أبو البقاء على أنه صفة لولي على إرادة التنوين أو بدل منه أو حال، والمعنى على هذا أأجعل ﴿فاطر السموات والأرض﴾ غير الله، انتهى. والأحسن نصبه على المدح. وقرأ الزهري فطر جعله فعلاً ماضياً.
﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ أي وقيل لي والمعنى أنه أمر بالإسلام ونهى عن الشرك، هكذا خرجه الزمخشري وابن عطية على إضمار. وقيل لي: لأنه لا ينتظم عطفه على لفظ ﴿إني أمرت أن أكون أول من أسلم﴾ فيكون مندرجاً تحت لفظ ﴿قل﴾ إذ لو كان كذلك لكان التركيب ولا أكون من المشركين. وقيل: هو معذوف على معمول ﴿قل﴾ إذ لو كان كذلك لكان الترتيب ولا أكون من المشركين. وقيل: هو معطوف على معمول ﴿قل﴾ حملاً على المعنى، والمعنى ﴿قل إني﴾ قيل لي كن ﴿أول من أسلم، ولا تكوننّ من المشركين﴾ فهما جميعاً محمولان على القول لكن أتى الأول بغير لفظ القول، وفيه معناه فحمل الثاني على المعنى وقيل هو معطوف على ﴿قل﴾ أمر بأن يقول كذا ونهى عن كذا.
وجوابه محذوف ولذلك جاء بصيغة الماضي. فقيل: هو شرط معترض لا موضع له من الإعراب كالاعتراض بالقسم. وقيل: هو في موضع نصب على الحال كأنه قيل إني أخاف عاصياً ربي.
стр. 1075
﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ قرأ حمزة وأبو بكر والكساني من يصرف مبنياً للفاعل فمن مفعول به مقدم ويجوز أن يعرب ﴿من﴾ مبتدأ والضمير في ﴿عنه﴾ عائد عليه، ومفعول ﴿بصرف﴾ محذوف اختصاراً إذ قد تقدّم في الآية قبل التقير أي شخص يصرف الله العذاب عنه فقد رحمه، وعلى هذا يجوز أن يكون من باب الاشتغال فيكون ﴿من﴾ منصوباً بإضمار فعل يفسره معنى ﴿يصرف﴾ ويجوز على إعراب ﴿من﴾ مبتدأ أن يكون المفعول مذكوراً، وهو ﴿يومئذ﴾ على حذف أي هول يومئذ فينتصب ﴿يومئذ﴾ انتصاب المفعول به. وقرأ باقي السبعة ﴿من يصرف﴾ مبنياً للمفعول ومعلوم أن الصارف هو الله تعالى، فحذف للعلم به أو للإيجاز إذ قد تقدّم ذكر الرّب ويجوز في هذا الوجه أن يكون الضمير في ﴿يصرف﴾ عائداً على ﴿من﴾ وفي ﴿عنه﴾ عائداً على العذاب أي أيّ شخص يصرف عن العذاب، ويجوز أن يكون الضمير في ﴿عنه﴾ عائداً على ﴿من﴾ ومفعول ﴿يصرف﴾ ﴿يومئذ﴾ وهو مبني لإضافته إلى إذ فهو في موضع رفع بيصرف والتنوين في ﴿يومئذ﴾ تنوين عوض من جملة محذوفة يتضمنها الكلام السابق التقدير يوم، إذ يكونن الجزاء إذ لم يتقدّم جملة مصرّح بها يكون التنوين عوضاً عنها، وتكلم المعربون في الترجيح بين القراءتين على عادتهم فاختار أبو عبيد وأبو حاتم وأشار أبو عليّ إلى تحسينه قراءة ﴿يصرف﴾ مبنياً للفاعل لتناسب ﴿فقد رحمه﴾ ولم يأت فقد رحم ويؤيده قراءة عبد الله وأبي ﴿من يصرف﴾ الله ورجح الطبري قراءة ﴿يصرف﴾ مبنياً للمفعول قال: لأنها أقل إضماراً. قال ابن عطية: وأما مكي بن أبي طالب فتخبط في كتاب الهداية في ترجيح القراءة بفتح الياء ومثل في احتجاجه بأمثلة فاسدة. قال ابن عطية: وهذا توجيه لفظي يشير إلى الترجيح تعلقه خفيف، وأما المعنى فالقراءتان واحد؛ انتهى. وقد تقدّم لنا غير مرّة إنا لا نرجح بين القراءتين المتواترتين. وحكى أبو عمرو الزاهد في كتاب اليواقيت أن أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلباً كان لا يرى
стр. 1076
الترجيح بين القراءات السبع. وقال: قال ثعلب من كلام نفسه إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة، لم أفضل إعراباً على إعراب في القرآن فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى ونعم السلف لنا، أحمد بن يحيى كان عالماً بالنحو واللغة متديناً ثقة.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ و ﴿فوق﴾ منصوب على الظرف إما معمولاً للقاهر أي المستعلي فوق عباده، وإما في موضع رفع على أنه خبر ثان لهو وحكى المهدوي أنه في موضع نصب على الحال كأنه قال: وهو القاهر غالباً فوق عباده وقاله أبو البقاء، وقدره مستعلياً أو غالباً وأجاز أن يكون فوق عباده في موضع رفع بدلاً من القاهر.
стр. 1077
﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ قرأ حمزة وأبو بكر والكساني من يصرف مبنياً للفاعل فمن مفعول به مقدم ويجوز أن يعرب ﴿من﴾ مبتدأ والضمير في ﴿عنه﴾ عائد عليه، ومفعول ﴿بصرف﴾ محذوف اختصاراً إذ قد تقدّم في الآية قبل التقير أي شخص يصرف الله العذاب عنه فقد رحمه، وعلى هذا يجوز أن يكون من باب الاشتغال فيكون ﴿من﴾ منصوباً بإضمار فعل يفسره معنى ﴿يصرف﴾ ويجوز على إعراب ﴿من﴾ مبتدأ أن يكون المفعول مذكوراً، وهو ﴿يومئذ﴾ على حذف أي هول يومئذ فينتصب ﴿يومئذ﴾ انتصاب المفعول به. وقرأ باقي السبعة ﴿من يصرف﴾ مبنياً للمفعول ومعلوم أن الصارف هو الله تعالى، فحذف للعلم به أو للإيجاز إذ قد تقدّم ذكر الرّب ويجوز في هذا الوجه أن يكون الضمير في ﴿يصرف﴾ عائداً على ﴿من﴾ وفي ﴿عنه﴾ عائداً على العذاب أي أيّ شخص يصرف عن العذاب، ويجوز أن يكون الضمير في ﴿عنه﴾ عائداً على ﴿من﴾ ومفعول ﴿يصرف﴾ ﴿يومئذ﴾ وهو مبني لإضافته إلى إذ فهو في موضع رفع بيصرف والتنوين في ﴿يومئذ﴾ تنوين عوض من جملة محذوفة يتضمنها الكلام السابق التقدير يوم، إذ يكونن الجزاء إذ لم يتقدّم جملة مصرّح بها يكون التنوين عوضاً عنها، وتكلم المعربون في الترجيح بين القراءتين على عادتهم فاختار أبو عبيد وأبو حاتم وأشار أبو عليّ إلى تحسينه قراءة ﴿يصرف﴾ مبنياً للفاعل لتناسب ﴿فقد رحمه﴾ ولم يأت فقد رحم ويؤيده قراءة عبد الله وأبي ﴿من يصرف﴾ الله ورجح الطبري قراءة ﴿يصرف﴾ مبنياً للمفعول قال: لأنها أقل إضماراً. قال ابن عطية: وأما مكي بن أبي طالب فتخبط في كتاب الهداية في ترجيح القراءة بفتح الياء ومثل في احتجاجه بأمثلة فاسدة. قال ابن عطية: وهذا توجيه لفظي يشير إلى الترجيح تعلقه خفيف، وأما المعنى فالقراءتان واحد؛ انتهى. وقد تقدّم لنا غير مرّة إنا لا نرجح بين القراءتين المتواترتين. وحكى أبو عمرو الزاهد في كتاب اليواقيت أن أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلباً كان لا يرى
стр. 1078
الترجيح بين القراءات السبع. وقال: قال ثعلب من كلام نفسه إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة، لم أفضل إعراباً على إعراب في القرآن فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى ونعم السلف لنا، أحمد بن يحيى كان عالماً بالنحو واللغة متديناً ثقة.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ و ﴿فوق﴾ منصوب على الظرف إما معمولاً للقاهر أي المستعلي فوق عباده، وإما في موضع رفع على أنه خبر ثان لهو وحكى المهدوي أنه في موضع نصب على الحال كأنه قال: وهو القاهر غالباً فوق عباده وقاله أبو البقاء، وقدره مستعلياً أو غالباً وأجاز أن يكون فوق عباده في موضع رفع بدلاً من القاهر.
﴿قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ جملة من مبتدأ وخبر.
﴿قل الله أكبر شهادة﴾ وانتصب ﴿شهادة﴾ على التمييز. قال ابن عطية: ويصح على المفعول بأن يحمل أكبر على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل؛ انتهى. وهذا كلام عجيب لأنه لا يصح نصبه على المفعول ولأن أفعل من لا يتشبه بالصفة المشبهة باسم الفاعل، ولا يجوز في أفعل من أن يكون من باب الصفة المشبهة باسم الفاعل لأن شرط الصفة المشبهة باسم الفاعل أن تؤنث وتثنى وتجمع، وأفعل من لا يكون فيها ذلك وهذا منصوص عليه من النحاة فجعل ابن عطية المنصوب في هذا مفعولاً وجعل ﴿أكبر﴾ مشبهاً بالصفة المشبهة وجعل منصوبه مفعولاً وهذا تخليط فاحش ولعله يكون من الناسخ لا من المصنف.
﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لاٌّنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ قرأ الجمهور ﴿وأوحى﴾ مبنياً للمفعول والقرآن مرفوع به. وقرأ عكرمة وأبو نهيك وابن السميقع والجحدري ﴿وأوحى﴾ مبنياً للفاعل و ﴿القرآن﴾ منصوب به.
والظاهر وهو قول الجمهور إن ﴿من﴾ في موضع نصب عطفاً على مفعول ﴿لأنذركم﴾ والعائد على ﴿من﴾ ضمير منصوب محذوف وفاعل ﴿بلغ﴾ ضمير يعود على ﴿القرآن﴾ .
وقالت فرقة: الفاعل بـ ﴿بلغ﴾ عائد على ﴿من﴾ لا على ﴿القرآن﴾ .
стр. 1079
والمفعول محذوف والتقدير ومن بلغ الحلم، ويحتمل أن يكون ﴿من﴾ في موضع رفع عطفاً على الضمير المستكن في ﴿لأنذركم به﴾ وجاز ذلك للفصل بينه وبين الضمير بضمير المفعول وبالجار والمجرور أي ولينذر به من بلغه القرآن.
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِءَالِهَةً أُخْرَى﴾ وأخرى صفة لآلهة وصفة جمع ما لا يعقل كصفة الواحدة المؤنثة، كقوله: ﴿مآرب أخرى والأسماء الحسنى﴾ ولما كانت الآلهة حجارة وخشباً أجريت هذا المجرى.
﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أعرب الذين خسروا مبتدأ والخبر منهم لا يؤمنون.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ قيل: ﴿لوم﴾ معمول لا ذكر محذوفة على أنه مفعول به قاله ابن عطية وأبو البقاء. وقيل: المحذوف متأخر تقديره ﴿ويوم نحشرهم﴾ كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في التخويف قاله الزمخشري. وقيل: العامل انظر كيف كذبوا يوم نحشرهم. وقيل: هو مفعول به لمحذوف تقديره وليحذروا يوم نحشرهم. وقيل: هو مطعوف على ظرف محذوف، والعامل فيه العامل في ذلك الظرف والتقدير أنه لا يلفح الظالمون اليوم في الدنيا ويوم نحشرهم قاله الطبري.
وحذف مفعولاً ﴿يزعمون﴾ اختصاراً إذ دل ما قبله على حذفهما والتقدير تزعمونهم شركاء، ويحسن أن يكون التقدير كما قال بعضهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ إنها تشفع لكم عند الله .
стр. 1080
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ وقرأ الجمهور ﴿ثم لم تكن﴾ وحمزة والكسائي بالياء وأبي وابن مسعود والأعمش وما كان فتنتهم، وطلحة وابن مطرف ثم ما كان والابنان وحفص ﴿فتنتهم﴾ بالرفع وفرقة ثم لم يكن بالياء، و ﴿فتنتهم﴾ بالرفع وإعراب هذه القراءات واضح والجاري منها على الأشهر قراءة ثم لم يكن ﴿فتنتهم﴾ بالياء بالنصب، لأن أن مع ما بعدها أجريت في التعريف مجرى المضمر وإذا اجتمع الأعرف وما دونه في التعريف فذكروا إن الأشهر جعل الأعرف هو الاسم وما دونه هو الخبر، ولذلك أجمعت السبعة على ذلك في قوله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا﴾ ﴿وما كان حجتهم إلا أن قالوا﴾ ومن قرأ بالياء ورفع الفتنة فذكر الفعل لكون تأنيث الفتنة مجازياً أو لوقوعها من حيث المعنى على مذكر، والفتنة اسم يكن والخبر ﴿إلا أن قالوا﴾ جعل غير الأعرف الاسم والأعرف الخبر ومن قرأ ﴿ثم لم تكن﴾ بالتاء ورفع الفتنة فأنث لتأنيث الفتنة والإعراب كإعراب ما تقدم قبله، ومن قرأ ﴿ثم لم تكن﴾ بالتاء ﴿فتنتهم﴾ بالنصب فالأحسن أن يقدر ﴿إلا أن قالوا﴾ مؤنثاً أي ﴿ثم لم تكن فتنتهم﴾ إلا مقالتهم. وقيل: ساغ ذلك من حيث كان الفتنة في المعنى. قال أبو علي: وهذا كقوله تعالى: ﴿فله عشر أمثالها﴾ فأنث الأمثال لما كانت الحسنات في المعنى. وقال الزمخشري: وقرىء ﴿تكن﴾ بالتاء و ﴿فتنتهم﴾ بالنصب وإنما أتت ﴿أن قالوا﴾ لوقوع الخبر مؤنثاً كقوله: من كانت أمك؛ انتهى. وتقدم لنا أن الأولى أن يقدر ﴿أن قالوا﴾ بمؤنث أي إلا مقالتهم. وكذا قدره الزجاج بمؤنث أي مقالتهم، وتخريج الزمخشري ملفق من كلام أبي علي وأما من كانت أمك فإنه حمل اسم كان على معنى من، لأن من لها لفظ مفرد ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث وليس الحمل على المعنى لمراعاة الخبر، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر نحو ومنهم من يستمعون إليك. ونكن مثل من يا ذئب يصطحبان. ومن تقنت في قراءة
стр. 1081
التاء فليست أنيث كانت لتأنيث الخبر وإنما هو للحمل على معنى من حيث أردت به المؤنث وكأنك قلت أية امرأة كانت أمك.
وقرأ الأخوان ﴿والله ربنا﴾ بنصب الباء على النداء أي يا ربنا، وأجاز ابن عطية فيه النصب على المدح وأجاز أبو البقاء فيه إضمار أعني وباقي السبعة بخفضها على النعت، وأجازوا فيه البدل وعطف البيان.
﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الخطاب للرسول ﵇ والنظر قلبي و ﴿كيف﴾ منصوب بـ ﴿كذبوا﴾ والجملة في موضع نصب بالنظر لأن ﴿انظر﴾ معلقة و ﴿كذبوا﴾ ماض وهو في أمر لم يقع لكنه حكاية عن يوم القيامة ولا إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل تحقيقاً لوقوعه ولا بد.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ما قيل مصدرية وقيل موصولة. والجملة عطف على كذبوا أو استئنافية.
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ ﴿وجعلنا﴾ معطوفة على الجملة قبلها عطف فعلية على اسمية فيكون إخباراً من الله تعالى أنه جعل كذا. وقيل: الواو واو الحال أي وقد جعلنا أي ننصت إلى سماعك وهم من الغباوة، في حد من قلبه في كنان وأذنه صماء وجعل هنا يحتمل أن تكون بمعنى ألقى، فتتعلق على بها وبمعنى صير فتتعلق بمحذوف إذ هي في موضع المفعول الثاني ويجوز أن تكون بمعنى خلق، فيكون في موضع الحال لأنها في موضع نعت لو تأخرت، فلما تقدّمت صارت حالاًو ﴿أن يفقهوه﴾ في موضع المفعول من أجله تقديره عندهم كراهة أن يفقهوه.
стр. 1082
﴿حَتَّى إِذَا جَآءُوكَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ومجيء الجملة الشرطية ﴿إذا﴾ بعد ﴿حتى﴾ كثير جدًّا في القرآن، وأوّل ما وقعت فيه قوله: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ وهي حرف ابتداء وليست هنا جارة لإذا ولا جملة الشرط جملة الجزاء في موضع جر وليس من شرط ﴿حتى﴾ التي هي حرف ابتداء أن يكون بعدها المبتدأ، بل تكون تصلح أن يقع بعدها المبتدأ ألا ترى أنهم يقولون في نحو ضربت القوم حتى زيداً ضربته أن حتى فيه حرف ابتداء وإن كان ما بعدها منصوباً و ﴿حتى﴾ إذا وقعت بعدها ﴿إذا﴾ يحتمل أن تكون بمعنى الفاء ويحتمل أن تكون بمعنى إلى أن فيكون التقدير فإذا ﴿جاؤوك يجادلونك﴾ يقول أو يكون التقدير ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً﴾ أي منعناهم من فهم القرآن وتدبره؟ إلى أن يقولوا: ﴿إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ في وقت مجيئهم مجادليك لأن الغاية لا تؤخذ إلا من جواب الشرط لا من الشرط، وعلى هذين المعنيين يتخرج جميع ما جاء في القرآن من قوله تعالى ﴿حتى إذا﴾ وتركيب ﴿حتى إذا﴾ لا بد أن يتقدمه كلام ظاهر نحو هذه الآية ونحو قوله: فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال: أقتلت، أو كلام مقدر يدل عليه سياق الكلام، نحو قوله: ﴿آتوني زبر الحديا﴾ ﴿حتى إذا﴾ ساوى بين الصدقين قال: انفخوا حتى إذا جعله ناراً التقدير فأتوه بها ووضعها بين الصدقين ﴿حتى إذا﴾ ساوى بينهما قال: انفخوا فنفخه ﴿حتى إذا﴾ جعله ناراً بأمره وإذنه قال آتوني أفرغ ولهذا قال الفراء ﴿حتى إذا﴾ لا بد أن يتقدمها كلام لفظاً أو تقديراً، وقد ذكرنا في كتاب التكميل أحكام حتى مستوفاة ودخولها على الشرط، ومذهب الفراء والكسائي في ذلك ومذهب غيرهما. وقال الزمخشري: هنا هي ﴿حتى﴾ التي تقع بعدها الجمل والجملة قوله: ﴿إذا جاؤوك يقول الذين كفروا ويجادلونك﴾ في موضع الحال؛ انتهى. وهذا موافق لما ذكرناه، ثم قال: ويجوز أن تكون الجارة ويكون ﴿إذا جاؤوك﴾ في
стр. 1083
محل الجرّ بمعنى حتى وقت مجيئهم و ﴿يجادلونك﴾ حال.
وما جوّزه الزمخشري في ﴿إذا﴾ بعد ﴿حتى﴾ من كونها مجرورة أوجبه ابن مالك في التسهيل، فزعم أن ﴿إذا﴾ تجز بـ ﴿بحتى﴾ . قال في التسهيل: وقد تفارقها، يعني ﴿إذا﴾ الظرفية مفعولاً بها ومجرورة بـ ﴿بحتى﴾ أو مبتدأ وما ذهب إليه الزمخشري في تجزيزه أن تكون ﴿إذا﴾ مجرورة بـ ﴿بحتى﴾ ، وابن مالك في إيجاب ذلك ولم يذكر قولاً غيره خطأ وقد بينا ذلك في كتاب التذييل في شرح التسهيل، وقد وفق الحوفي وأبو البقاء وغيرهما من المعربين للصواب في ذلك فقال هنا أبو البقاء ﴿حتى إذا﴾ في موضع نصب لجوابها وهو ﴿يقول﴾ وليس لحتى هاهنا عمل وإنما أفادت معنى الغاية، كما لا تعمل في الجمل و ﴿يجادلونك﴾ حال من ضمير الفاعل في ﴿جاؤوك﴾ وهو العامل في الحال، يقول جواب ﴿إذا﴾ وهو العامل في إذا؛ انتهى.
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ وفي قوله: ﴿ينهون وينأون﴾ تجنيس التصريف وهو أن يتنفرد كل كلمة عن الأخرى بحرف فينهون انفردت بالها ﴿وينأون﴾ انفردت بالهمزة ومنه وهم يحسبون أنهم يحسنون ويفرحون ويمرحون والخيل معقود في نواصيها الخير، وفي كتاب التحبير سماه تجنيس التحرف وهو أن يكون الحرف فرقاً بين الكلمتين. وأنشد عليه:
إن لم أشن على ابن هند غارة
لنهاب مال أو ذهاب نفوس
وذكر غيره أن تجنيس التحريف، هو أن يكون الشكل فرقاً بين الكلمتين كقول بعض العرب: وقد مات له ولد اللهم أني مسلم ومسلم. وقال بعض العرب: اللهي تفتح اللهى.
﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ﴾ إن نافية.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ﴾ وجواب ﴿لو﴾ محذوف لدلالة المعنى عليه وتقديره لرأيت أمراً شنيعاً وهولاً عظيماً وحذف جواب ﴿لو﴾ لدلالة الكلام عليه جائز فصيح ومنه ﴿ولو أن قرآناً سيرت به الجبال﴾ الآية. وقول الشاعر:
وجدّك لو شيء أتانا رسوله
سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
стр. 1084
أي لو شيء أتانا رسوله سواك لدفعناه و ﴿نرى﴾ مضارع معناه الماضي أي: ولو رأيت فإذ باقية على كونها ظرفاً ماضياً معمولاً لترى وأبرز هذا في صورة المضي وإن كان لم يقع بعد إجراء للمحقق المنتظر مجرى الواقع الماضي، والظاهر أن الرؤية هنا بصرية وجوزوا أن تكون من رؤية القلب.
ومعمول ﴿ترى﴾ محذوف تقديره ﴿ولو ترى﴾ حالهم ﴿إذ﴾ وقفوا.
وقيل: ﴿ترى﴾ باقية على الاستقبال و ﴿إذ﴾ معناه إذا فهو ظرف مستقبل فتكون ﴿لو﴾ هنا استعملت استعمال أن الشرطية، وألجأ من ذهب إلى هذا أن هذا الأمر لم يقع بعد.
стр. 1085
﴿فَقَالُواْ يلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِئَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ ابن عامر وحمزة وحفص ﴿ولا نكذب﴾ ﴿ونكون﴾ بالنصب فيهما وهذا النصب عند جمهور البصريين هو بإضمار أن بعد الواو فهو ينسبك من أن المضمرة، والفعل بعدها مصدر مرفوع معطوف على مصدر متوهم مقدر من الجملة السابقة والتقدير ﴿يا ليتنا﴾ يكون لنا رد وانتفاء تكذيب وكون ﴿من المؤمنين﴾ وكثيراً ما يوجد في كتب النحو أن هذه الواو المنصوب بعدها هو على جواب التمني كما قال الزمخشري ﴿ولا نكذب ونكون﴾ بالنصب بإضمار أن على جواب التمني ومعناه إن رددنا لم نكذب ونكن ﴿من المؤمنين﴾ انتهى، وليس كما ذكر فإن نصب الفعل بعد الواو ليس على جهة الجواب، لأن الواو لا تقع في جواب الشرط فلا ينعقد مما قبلها ولا مما بعدها شرط وجواب وإنما هي واو الجمع يعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها وهي واو العطف يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاثة وهي المعية، ويميزها من الفاء، تقدير شرط قبلها أو حال مكانها وشبهة من قال: إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء فتوهم أنها جواب. وقال سيبويه: والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء والواو ومعناها ومعنى الفاء مختلفان ألا ترى. لا تنه عن خلق وتأتي مثله. لو أدخلت الفاء هنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد لا يجتمع النهي والإتيان وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن لو أدخلت الفاء فسد المعنى انتهى كلام سيبويه ملخصاً. وبلفظه ويوضح لك أنها ليست بجواب انفراد الفاء دونها بأنها إذا حذفت انجزم الفعل بعدها بما قبلها لما فيه من معنى الشرط، إلا إذا نصبت بعد النفي وسقطت الفاء فلا ينجزم وإذا تقرر هذا فالأفعال الثلاثة من حيث المعنى متمناة على سبيل الجمع بينا لا أن كل واحد متمني وحده إذ التقدير كما قلنا يا ليتنا يكون لنا رد مع انتفاء التكذيب وكون من المؤمنين. قال ابن عطية: وقرأ ابن عامر
стр. 1086
في رواية هشام بن عمار عن أصحابه عن ابن عامر ﴿ولا نكذب﴾ بالرفع ﴿ونكون﴾ بالنصب ويتوجه ذلك على ما تقدم؛ انتهى. وكان قد قدم أن رفع ﴿ولا نكذب ونكون﴾ في قراءة باقي السبعة على وجهين أحدهما: العطف على ﴿نرد﴾ فيكونان داخلين في التمني. والثاني الاستئناف والقطع، فهذان الوجهان يسوغان في رفع ﴿ولا نكذب﴾ على هذه القراءة وف مصحف عبد الله فلا نكذب بالفاء وفي قراءة أبي فلا ﴿نكذب بآيات ربنا أبداً ونكون﴾ . وحكى أبو عمرو أن في قراءة أبي ونحن ﴿نكون من المؤمنين﴾ وجوزوا في رفع ﴿ولا نكذب ونكون﴾ أن يكون في موضع نصب على الحال فتلخص في الرّفع ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يكون معطوفاً على ﴿نرد﴾ فيكون انتفاء التكذيب والكون من المؤمنين داخلينن في التمني أي وليتنا لا نكذب، وليتنا نكون من المؤمنينن، ويكون هذا الرفع مساوياً في هذا الوجه للنصب لأن في كليهما العطف وإن اختلفت جهتاه، ففي النصب على مصدر من الرد متوهم وفي الرّفع على نفس الفعل.
والثاني من وجوه الرّفع أن يكون رفع ﴿ولا نكذب ونكون﴾ على الاستئناف فأخبروا عن أنفسهم بهذا فيكون مندرجاً تحت القول أي قالوا: يا ليتنا نرد وقالوا: نحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين فأخبروا أنهم يصدر عنهم ذلك على كل حال. فيصح على هذا تكذيبهم في هذا الإخبار ورجح سيبويه هذا الوجه وشبهه بقوله: دعني ولا أعود، بمعنى وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.
стр. 1087
والثالث من وجوه الرّفع: أن يكون ﴿ولا نكذب ونكون﴾ في موضع نصب على الحال، التقدير يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فيكون داخلاً قيداً في الرد المتمني وصاحب الحال هو الضمير المستكن في نرد ويجاب عن قوله ﴿وإنهم لكاذبون﴾ بالوجهين اللذين ذكرا في إعراب ﴿ولا نكذب ونكون﴾ إذا كانا معطوفين على نرد. وحكي أن بعض القراء قرأ ﴿ولا نكذب﴾ بالنصب ﴿ونكون﴾ بالرفع فالنصب عطف على مصدر متوهم والرفع في ﴿ونكون﴾ عطف على ﴿نرد﴾ أو على الاستئناف أي ونحن نكون وتضعف فيه الحال لأنه مضارع مثبت فلا يكون حالاً بالواو إلا على تأويل مبتدأ محذوف نحو نجوت، وأرهنهم مالكاً.
والأصح أن ﴿يا﴾ في قوله ﴿يا ليت﴾ حرف تنبيه لا حرف نداء والمنادى محذوف لأنّ في هذا حذف جملة النداء وحذف متعلقة رأساً وذلك إجحاف كثير.
﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ ﴿بل﴾ هنا للإضراب والانتقال من شيء إلى شيء من غير إبطال لما سبق، وهكذا يجيء في كتاب الله تعالى إذا كان ما بعدها من إخبار الله تعالى لا على سبيل الحكاية عن قوم، تكون فيه للإضراب كقوله: ﴿بل افتراه بل هو شاعر﴾ .
﴿وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ قال الزمخشري ــ معطوفة على لعادوا ــ ويجوز العطف على وأنهم لكاذبون.
стр. 1088
وإن هنا نافية ولم يكتفوا بالإخبار عن المحصور فيقولوا هي حياتنا الدنيا حتى أتوا بالنفي والحصر، أي لا حياة إلا هذه الحياة الدنيا فقط وهي ضمير الحياة وفسره الخبر بعده والتقدير وما الحياة إلا حياتنا الدنيا، هكذا قال بعض أصحابنا إنه يتقدم الضمير ولا ينوي به التأخير إذا جعل الظاهر خبراً للمبتدأ المضمر وعده مع الضمي المجرور برب نحو ربه رجلاً أكرمت والمرفوع بنعم على مذهب البصريين نحو نعم رجلاً زيد أو بأول المتنازعين على مذهب سيبويه نحو ضرباني وضربت الزيدين، أو أبدل منه المفسر على مذهب الأخفش نحو مررت به زيد قال: أو جعل خبره ومثله بقوله: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ التقديران الحياة إلا حياتنا الدنيا، فإظهار الخبر يدل عليها ويبينها ولم يذكر غيره من أصحابنا هذا القسم أو كان ضمير الشأن عند البصريين وضمير المجهول عند الكوفيين نحو هذا زيد قائم خلالاً لابن الطراوة في إنكار هذا القسم وتوضيح هذه المضمرات مذكور في كتب النحو والدنيا صفة لقوله: ﴿حياتنا﴾ .
﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ ويحتمل عندي أن تكون الجملة حالية التقدير ﴿إذ وقفوا على ربهم﴾ قائلاً لهم ﴿أليس هذا بالحق﴾ .
﴿حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ وجوزوا في انتصاب ﴿بغتة﴾ أن يكون مصدراً في موضع الحال من ﴿الساعة﴾ أي باغتة أو من مفعول جاءتهم أي مبغوتين أو مصدراً لجاء من غير لفظه كأنه قيل حتى إذا بغتتهم الساعة بغتة، أو مصدر الفعل محذوف أي تبغتهم بغتة وما مصدرية وقيل موصولة.
﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ والواو في ﴿وهم﴾ واو الحال وأتت الجملة مصدرة بالضمير لأنه أبلغ في النسبة إذ صار ذو الحال مذكوراً مرتين من حيث المعنى.
стр. 1089
﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ﴿ساء﴾ هنا تحتمل وجوهاً ثلاثة. أحدها: أن تكون المتعدية المتصرفة ووزنها فعل بفتح العين والمعنى ألا ساءهم ما يزرون، وتحتمل ﴿ما﴾ على هذا الوجه أن تكون موصولة بمعنى الذي، فتكون فاعلة ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية فينسبك منها ما بعدها مصدر هو الفاعل أي ألا ساءهم وزرهم. والوجه الثاني: أنها حوّلت إلى فعل بضم العين وأشربت معنى التعجب والمعنى ألا ما أسوأ الذي يزرونه أو ما أسوأ وزرهم على الاحتمالين في ما. والثالث: أنها أيضاً حوّلت إلى فعل بضم العين، وأريد بها المبالغة في الذمّ فتكون مساوية لبئس في المعنى والأحكام، ويكون إطلاق الذي سبق في ﴿ما﴾ في قوله: ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ جارياً فيها هنا، والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أن الذي قبله لا يشترط فيه ما يشترط في فاعل بئس من الأحكام ولا هو جملة منعقدة من مبتدإ وخبر، إنما هو منعقد من فعل وفاعل والفرق بين هذين الوجهين والأوّل أن في الأول الفعل متعد وفي هذين قاصر، وإن الكلام فيه خبر وهو في هذين إنشاء وجعل الزمخشري من باب فقط فقال: ساء ما يزرون بئس شيئاً يزرون وزرهم كقوله: ﴿ساء مثلاً القوم﴾ ، وذكر ابن عطية هذا الوجه احتمالاً أخيراً وبدأ بأن ﴿ساء﴾ متعدية و ﴿ما﴾ فاعل كما تقول ساء في هذا الأمر وإن الكلام خبر مجرد. قال كقول الشاعر:
رضيت خطة خسف غير طائلة
فساء هذا رضا يا قيس عيلانا
ولا يتعين ما قال في البيت من أن الكلام فيه خبر مجرد؛ بل يحتمل قوله: فساء هذا رضا الأوجه الثلاثة.
стр. 1090
﴿وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الأٌّخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ واللهو صرف النفس عن الجدّ إلى الهزل يقال: لهيت عنه أي صرفت نفسي عنه ورد عليه المهدوي، فقال هذا: فيه ضعف وبعد لأن الذي معناه الصرف لامه ياء بدليل قولهم: لهيان ولام الأول واو؛ انتهى. وهذا التضعيف ليس بشيء لأن فعل من ذوات الواو تنقلب فيه الواو ياء كما تقول: شقي فلان وهو من الشقوة فكذلك لهي، أصله لهو من ذوات الواو فانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها فقالوا: لهي كما قالوا: خلى بعيني وهو من الحلو وأما استدلاله بقولهم في التثنية لهيان ففاسد لأن التثنية هي كالفعل تنقلب فيه الواو ياء لأن مبناها على المفرد وهي تنقلب في المفرد في قولهم: له اسم فاعل من لهي كما قالوا: شج وهو من الشجو، وقالوا في تثنيته: شجيان بالياء وقد تقدم ذكر شيء من هذا في المفردات. وقرأ ابن عامر وحده ولدار الآخرة على الإضافة، وقالوا: هو كقولهم: مسجد الجامع فقيل هو من إضافة الموصوف إلى صفته. وقال الفراء: هي إضافة الشيء إلى نفسه كقولك: بارحة الأولى ويوم الخميس وحق اليقين، وإنما يجوز عند اختلاف اللفظين؛ انتهى. وقيل: من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه أي ولدار الحياة الآخرة، ويدل عليه وما الحياة الدنيا وهذا قول البصريين، وحسن ذلك أن هذه الصفة قد استعملت استعمال الأسماء فوليت العوامل كقوله ﴿وإن لنا للآخرة والأولى﴾ وقوله ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾ . وقرأ باقي السبعة ﴿وللدار الآخرة﴾ بتعريف الدار بأل ورفع ﴿الآخرة﴾ نعتاً لها و ﴿خير﴾ هنا أفعل التفضيلوحسن حذف المفضل عله لوقوعه خبراً والتقدير من الحياة الدنيا، وقيل: ﴿خير﴾ هنا ليست للتفضيل وإنما هي كقوله: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ إذ لا اشتراك بين المؤمن والكافر في أصل الخير، فيزيد المؤمن عليه بل هذا مختص بالمؤمن.
следующие страницы →