Полный текст (2 567 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
الأٌّرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
وأفرد الضمير في ﴿ليحكم بينهم﴾ وقد تقدم قوله: ﴿إلى اللَّه ورسوله﴾ لأن حكم الرسول هو عن الله. قال الزمخشري: كقولك أعجبني زيد وكرمه يريد كرم زيد ومنه:
ومنهل من الفلافي أوسطهغلسته قبل القطا وفرطه
أراد قبل فرط القطا انتهى أي قبل تقدم القطا إليه وقرأ أبو جعفر ﴿ليحكم﴾ في الموضعين مبنياً للمفعول و ﴿إذا﴾ الثانية للفجاءة. جواء ﴿إذا﴾ الأولى الشرطية، وهذا أحد الدلائل على أن الجواب لا يعمل في إذا الشرطية خلافاً للأكثرين من النحاة، لأن إذا الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقد أحكم ذلك في علم النحو. والظاهر أن ﴿إليه﴾ متعلق بيأتوا. والضمير في ﴿إليه﴾ عائد على الرسول ﷺ وأجاز الزمخشري أن يتعلق ﴿إليه﴾ بمذعنين قال: لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة وهذا أحسن لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص وقد رددنا عليه ذلك وفي ما رجح تهيئة العامل للعمل وقطعه عن العمل وهو مما يضعف.
﴿أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون﴾ ﴿أم﴾ هنا منقطعة والتقدير: بل ارتابوا بل أيخافون وهو استفهام توقيف وتوبيخ، ليقروا بأحد هذه الوجوه التي عليهم في الإقرار بها ما عليهم، وهذا التوقيف يستعمل في الأمور الظاهرة مما يوبخ به ويذم، أو مما يمدح به وهو بليغ جداً فمن المبالغة في الذم. قول الشاعر:
ألست من القوم الذين تعاهدواعلى اللؤم والفحشاء في سالف الدهر ومن المبالغة في المدح. قول جرير:
стр. 2067
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح وقرأ عليّ وابن إسحاق ﴿إنما كان قول﴾ بالرفع والجمهور بالنصب. قال الزمخشري: والنصب أقوى لأن الأولى الاسمين بكونه اسماً لكان أو غلهما في التعريف و ﴿أن يقولوا﴾ أو غل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين. وكان هذا من قبيل كان في قوله: ﴿ما كان للَّه أن يتخذ من ولد﴾ ﴿ما يكون لنا أن نتكلم بهذا﴾ انتهى. ونص سيبويه على أن اسم كان وخبرها إذا كانتا معرفتين فأنت بالخيار في جعل ما شئت منهما الاسم والآخر الخبر من غير اعتبار شرط في ذلك ولا اختيار.
وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن الياس ﴿ليحكم بينهم﴾ مبنياً للمفعول، والمفعول الذي لم يسم فاعله هو ضمير المصدر أي ﴿ليحكم﴾ هو أي الحكم، والمعنى ليفعل الحكم ﴿بينهم﴾ ومثله قولهم: جمع بينهما وألف بينهما وقوله تعالى: ﴿وحيل بينهم﴾ . قال الزمخشري: ومثله ﴿لقد تقطع بينكم﴾ فيمن قرأ ﴿بينكم﴾ منصوباً أي وقع التقطع بينكم انتهى. ولا يتعين ما قاله في الآية إذ يجوز أن يكون الفاعل ضميراً يعود على شيء قبله وتقدم الكلام في ذلك في موضعه.
وقرىء ﴿ويتقه﴾ بشكون القاف وكسر الهاء من غير إشباع أجرى خبر كان المنفصل مجرى المتصل، فكما يسكن علم فيقال علم كذلك سكن ويتقه لأنه تقه كعلم وكما قال السلم:
قالت سليمى اشتر لنا سويقاً
يريد اشتر لنا.
و ﴿طاعة﴾ مبتدأ و ﴿معروفة﴾ صفة والخبر محذوف، أي أمثل وأولى أو خبر مبتدأ محذوف أي أمرنا أو المطلوب ﴿طاعة معروفة﴾ . وقال أبو البقاء: ولو قرىء بالنصب لكان جائزاً في العربية وذلك على المصدر أي أطيعوا طاعة انتهى. وقدراه بالنصب زيد بن عليّ واليزيدي وتقدير بعضهم الرفع على إضمار ولتكن ﴿طاعة معروفة﴾ ضعيف لأنه لا يحذف الفعل ويبقى الفاعل، إلاّ إذا كان ثم مشعر به نحو ﴿رجال﴾ بعد ﴿يسبح﴾ مبنياً للمفعول أي يسبحه رجال، أو يجاب به نفي نحو: بلى زيد لمن قال: ما جاء أحد. أو استفهام نحو قوله:
стр. 2068
ألا هل أتى أم الحويرث مرسلبلى خالد إن لم تعقه العوائق
أي أتاها خالد.
﴿إن اللَّه خبير بما تعملون﴾ أي مطلع على سرائركم ففاضحكم والتفت من الغيبة إلى الخطاب لأنه أبلغ في تبكيتهم.
و ﴿من﴾ للبيان أي الذين هم أنتم وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر ويورثهم الأرض ويجعلهم خلفاء.
وقرىء ﴿كما استخلف﴾ مبنياً للمفعول. واللام في ﴿ليستخلفنهم﴾ جواب قسم محذوف، أي وأقسم ﴿ليستخلفنهم﴾ أو أجرى وعد الله لتحققه مجرى القسم فجووب بما يجاوب به القسم. وعلى لتقدير حذف القسم بكون معمول ﴿وعد﴾ محذوفاً تقديره استخلافكم وتمكين دينكم. ودل عليه جواب القسم المحذوف.
و ﴿الذي ارتضى لهم﴾ صفة مدح.
﴿يعبدونني﴾ الظاهر أنه مستأنف فلا موضع له من الإعراب كأنه قيل: ما لهم يستخلفون ويؤمنون فقال ﴿يعبدونني﴾ قاله الزمخشري. وقال ابن عطية: ﴿يعبدونني﴾ فعل مستأنف أي هو ﴿يعبدونني﴾ ويعني بالاستئناف الجملة لا نفس الفعل وحده وقاله الحوفي قال: ويجوز أن يكون مستأنفاً على طريق الثناء عليهم أي هم ﴿يعبدونني﴾ . وقال الزمخشري: وإن جعلته حالاً عن وعدهم أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم فمحله النصب انتهى. وقال الحوفي قبله. وقال أبو البقاء: ﴿يعبدونني﴾ حال من ﴿ليستخلفنهم﴾ و ﴿ليبدلنهم﴾ ﴿لا يشركون﴾ بدل من ﴿يعبدونني﴾ أو حال من الفاعل في ﴿يعبدونني﴾ موحدين انتهى.
وقال الزمخشري: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ معطوف على ﴿أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول﴾ وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه. فاصل. وإن طال لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه.
стр. 2069
وقرأ حمزة وابن عامر لا يحسبن بالياء للغيبة، والتقدير لا يحسبن حاسب، والرسول لا يندرج في حاسب وقالوا: يكون ضمير الفاعل للرسول لتقدم ذكره في ﴿وأطيعوا الرسول﴾ قاله أبو عليّ والزمخشري وليس بجيد لما ذكرناه في قراءة التاء. وقال النحاس: ما علمت أحداً من أهل العربية بصرباً ولا كوفياً إلاّ وهو يخطىء قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحن لأنه لم يأت إلاّ بمفعول واحد ليحسبن، وممن قال هذا أبو حاتم انتهى. وقال الفرّاء: هو ضعيف وأجازه على حذف المفعول الثاني وهو قول البصريين تقديره أنفسهم. و ﴿معجزين﴾ المفعول الثاني.
وقال عليّ بن سليمان: ﴿الذين كفروا﴾ في موضع نصب قال: ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر ﴿الذين كفروا معجزين في الأرض﴾ . وقال الكوفيون: ﴿معجزين﴾ المفعول الأول. و ﴿في الأرض﴾ الثاني قيل: وهو خطأ وذلك لأن ظاهر في ﴿الأرض﴾ تعلقه بمعجزين، فلا يكون مفعولاً ثانياً. وخرج الزمخشري ذلك متبعاً قول الكوفيين. فقال ﴿معجزين في الأرض﴾ هما المفعولان والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا لهم في مثل ذلك، وهذا معنى قوي جيد انتهى. وقال أيضاً: يكون الأصل: لا يحسبنهم ﴿الذين كفروا معجزين﴾ ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكان الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت كالشيء الواحد اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث انتهى وقد رددنا هذا التخريج في آل عمران في قوله: ﴿لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ في قراءة من قرأ بياء الغيبة، وجعل الفاعل ﴿الذي يفرحون﴾ وملخصه أنه ليس هذا من الضمائر التي يفسرها ما بعدها فلا يتقدر لا يحسبنهم إذلا يجوز ظنه زيد قائماً على تقدير رفع زيد بظنه.
﴿ومأواهم النار﴾ قال الزمخشري: عطف على ﴿لا تحسبن﴾ كأنه قيل الذين كفروا لا يفوتون الله ﴿ومأواهم النار﴾ .
стр. 2070
واستبعد العطف من حيث إن ﴿لا تحسبن﴾ نهي ﴿ومأواهم النار﴾ جملة خبرية فلم يناسب عنده أن يعطف الجملة الخبرية على جملة النهي لتباينهما وهذا مذهب قوم. ولما أحس الزمخشري بهذا قال: كأنه قيل الذين كفروا لا يفوتون الله فتأول جملة النهي بجملة خبرية حتى تقع المناسبة، والصحيح أن ذلك لا يشترط بل يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضاً على بعض وإن لم تتحد في النوعية وهو مذهب سيبوه.
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَبَكُمْ مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الأٌّيَتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الأٌّطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ الَّلَتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ * لَّيْسَ عَلَى الأٌّعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأٌّعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ
стр. 2071
أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الأٌّيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
و ﴿من﴾ في ﴿من الظهيرة﴾ قال أبو البقاء: لبيان الجنس أي حين ذلك هو الظهيرة، قال: أو بمعنى من أجل حر الظهيرة و ﴿حين﴾ معطوف على موضع ﴿من قبل﴾ و ﴿من بعد صلاة العشاء﴾ لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.
وقرأ حمزة والكسائي ﴿ثلاث﴾ بالنصب قالوا: بدل من ﴿ثلاث عورات﴾ وقدره الحوفي والزمخشري وأبو البقاء أوقات ﴿ثلاث عورات﴾ وقال ابن عطية: إنما يصح يعني البدل بتقدير أوقات ﴿عورات﴾ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقرأ باقي السبعة بالرفع أي هن ﴿ثلاث عورات﴾ وقرأ الأعمش ﴿عورات﴾ بفتح الواو وتقدم أنها لغة هذيل بن مدركة وبني تميم وعلى رفع ﴿ثلاث﴾ .
قال الزمخشري: يكون ﴿ليس عيكم﴾ الجملة في محل رفع على الوصف والمعنى هن ﴿ثلاث عورات﴾ مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
﴿بعدهن﴾ أي بعد استئذانهم فيهن حذف الفاعل وحرف الجر بفي بعد استئذانهن ثم حذف المصدر.
стр. 2072
﴿طوافون عليكم﴾ يمضون ويجيؤون وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم وجوّزوا في ﴿بعضكم على بعض﴾ أن أيكون مبتدأ وخبراً لكن الجر قدروه طائف على بعض وهو كون مخصوص فلا يجوز حذفه. قال الزمخشري: وحذف لأن طوافون يدل عليه وأن يكون مرفوعاً بفعل محذوف تقديره يطوف بعضكم. وقال ابن عطية ﴿بعضكم﴾ بدل من قوله: ﴿طوافون﴾ ولا يصح لأنه إن أراد بدلاً من ﴿طوافون﴾ نفسه فلا يجوز لأنه يصير التقدير هم ﴿بعضكم على بعض﴾ وهذا معنى لا يصح. وإن جعلته بدلاً من الضمير في ﴿طوافون﴾ فلا يصح أيضاً إن قدر الضمير ضمير غيبة لتقدير المبتدأ هم لأنه يصير التقدير هم يطوف ﴿بعضكم على بعض﴾ وهو لا يصح. فإن جعلت التقدير أنتم يطوف ﴿عليكم بعضكم على بعض﴾ فيدفعه أن قوله ﴿عليكم﴾ بدل على أنهم هم المطوف عليهم، وأنتم طوافون، يدل على أنهم طائفون فتعارضا. وقرأ ابن أبي عبلة طوافين بالنصب على الحال من ضمير ﴿عليهم﴾ .
وانتصب ﴿جميعاً أو أشتاتاً﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.
стр. 2073
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ﴾ .
وذلك مع تصدير الجملة بإنما وارتفاع المؤمنين مبتدأ ومخبر عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.
стр. 2074
وقرأ الحسن ويعقوب في رواية نبيكم بنون مفتوحة وباء مكسورة وياء مشددة بدل قوله ﴿بينكم﴾ ظرفاً قراءة الجمهور. قال صاحب اللوامع: وهو النبيّ ﵇ على البدل من ﴿الرسول﴾ فإنما صار بدلاً لاختلاف تعريفهما باللام مع الإضافة، يعني أن الرسول معرفة باللام ونبيكم معرفة بالإضافة إلى الضمير فهو في رتبة العلم، فهو أكثر تعريفاً من ذي اللام فلا يصح النعت به على المذهب المشهور، لأن النعت يكون دون المنعوت أو مساوياً له في التعريف. ثم قال صاحب اللوامح: ويجوز أن يكون نعتاً لكونهما معرفتين انتهى. وكأنه مناقض لما قرر من اختياره البدل وينبغي أن يجوز النعت لأن الرسول قد صار علماً بالغلبة كالبيت للكعبة إذ ما جاء في القرآنة والسنة من لفظ الرسول إنما يفهم منه أنه محمد ﷺ فإذا كان كذلك فقد تساويا في التعريف.
وانتصب ﴿لو إذاً﴾ على أنه مصدر في موضع الحال أي متلاودين و ﴿لو إذاً﴾ مصدر لاوذ صحت العين في الفعل فصحت في المصدر، ولو كان مصدر لاذ لكان لياذاً كقام قياماً. وقرأ يزيد بن قطيب ﴿لواذاً﴾ بفتح اللام، فاحتمل أن يكون مصدر لاذ ولم يقبل لأنه لا كسرة قبل الواو فهو كطاف طوافاً. واحتمل أن يكون مصدر لاوذ وكانت فتحة اللام لأجل فتحة الواو وخالف يتعدى بنفسه تقول: خالد أمر زيد وبالي تقول: خالفت إلى كذا فقوله ﴿عن أمره﴾ ضمن خالف معنى صدّ وأعرض فعداه بعن.
قال أبو عبيدة والأخفش ﴿عن﴾ زائدة أي ﴿أمره﴾ .
وقال الزمخشري: ادخل ﴿قد﴾ ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد وذلك أن قد إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التنكير في نحو قوله:
فإن يمس مهجور الفناء فربماأقام به بعد الوفود وفود ونحو من ذلك قول زهير:
стр. 2075
أخي ثقة لا يهلك الخمر مالهولكنه قد يهلك المال نائله انتهى وكون قد إذا دخلت على المضارع أفادت التكثير قول بعض النحاة وليس بصحيح، وإنما التكثير مفهوم من سياقة الكلام في المدح والصحيح في رب إنها لتقليل الشيء أو تقليل نظيره فإن فهم تكثير فليس ذلك من رب. ولا قد إنما هو من سياقة الكلام، وقد بين ذلك في علم النحو.
والتفت من ضمير الخطاب في ﴿أنتم﴾ إلى ضمير الغيبة في يرجعون.
والظاهر عطف ﴿ويوم﴾ على ﴿ما أنتم عليه﴾ فنصبه نصب المفعول. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون التقديم والعلم الظاهر لكم أو نحو هذا يوم فيكون النصب على الظرف.
سورة الفرقان
سبع وسبعون آية مكية
﴿و ﴿تبارك﴾ تفاعل مطاوع بارك وهو فعل لا يتصرف ولم يستعمل في غيره تعالى فلا يجيء منه مضارع ولا اسم فاعل ولا مصدر. وقال الطرماح:
تباركت لا معط لشيء منعته
وليس لما أعطيت يا رب مانع
والضمير في ﴿ليكون﴾ . قال ابن زيد: عائد على ﴿عبده﴾ ويترجح بأنه العمدة المسند إليه الفعل وهو من وصفه تعالى كقوله: ﴿إنا كنا منذرين﴾ . والظاهر أن ﴿نذيراً﴾ بمعنى منذر. وجوز أن يكون مصدراً بمعنى لإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ .
والذي مقطوع للمدح رفعاً أو نصباً أو نعت أو بد من ﴿الذي نزل﴾ وما بعد ﴿نزل﴾ من تمام الصلة ومتعلق به فلا يعد فاصلاً بين النعت أو البدل ومتوبعه.
﴿واتخذوا من دونه إلهة﴾ الضمير في ﴿واتخذوا﴾ عائد على ما يفهم من سياق الكلام لأن في قوله: ﴿ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك﴾ دلالة على ذلك لم ينف إلاّ وقد قيل به. وقال الكرماني: الواو ضمير للكفار وهم مندرجون في قوله ﴿للعالمين﴾ .
والظاهر أن الضمير في ﴿فقد جاؤوا﴾ عائد على ﴿الذين كفروا﴾ .
فيكون جاء متعدياً بنفسه قاله الكسائي، ويجوز أن يحذف الجار أي بظلم وزور ويصل الفعل بنفسه.
وقيل: الضمير عائد على قوم آخرين وهو من كلام الكفار، والضمير في ﴿وقالوا﴾ للكفار.
стр. 2076
و ﴿أساطير الأولين﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو أو هذه ﴿أساطير﴾ و ﴿اكتتبها﴾ خبر ثان، ويجوز أن يكون ﴿أساطير﴾ مبتدأ و ﴿اكتتبها﴾ الخبر. وقرأ الجمهور ﴿اكتتبها﴾ مبنياً للفاعل. وقراءة طلحة مبنياً للمفعول والمعنى ﴿اكتتبها﴾ كاتب له لأنه كان أمّياً لا يكتب بيده وذلك من تمام إعجازه، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار ﴿اكتتبها﴾ إياه كاتب كقوله ﴿واختار موسى قومه﴾ ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان بارزاً منصوباً وبقي ضمير الأساطير على حاله، فصار ﴿اكتتبها﴾ كما ترى انتهى. وهو من كلام الزمخشري ولا يصح ذلك على مذهب جمهور البصريين لأن ﴿اكتتبها﴾ له كاتب وصل فيه اكتتب لمفعولين أحدهما مسرح وهو ضمير الأساطير، والآخر مقيد وهو ضميره ﵇. ثم اتسع في الفعل فحذف حرف الجر فصار ﴿اكتتبها﴾ إياه مقيد وهو ضميره ﵇. ثم اتسع في الفعل فحذف حرف الجر فصار ﴿اكتتبها﴾ إياه كاتب فإذا بني هذا الفعل للمفعول إنما ينوب عن الفاعل المفعول المسرح لفظاً وتقديراً لا المسرح لفظاً المقيد تقديراً، فعلى هذا كان يكون التركيب اكتتبته لا ﴿اكتتبها﴾ وعلى هذا الذي قلناه جاء السماع عن العرب في هذا النوع الذي أحد المفعولين فيه مسرح لفظاً وتقديراً والآخر مسرح لفظاً لا تقديراً. قال الشاعر وهو الفرزدق:
ومنا الذي اختير الرجال سماحةوجوداً إذا هب الرياح الزعازع
ولو جاء على ما قرره الزمخشري لجاء التركيب ومنا الذي اختيره الرجال لأن اختار تعدى إلى الرجال على إسقاط حرف الجر إذ تقديره اختير من الرجال.
﴿وقالوا﴾ الضمير لكفار قريش.
стр. 2077
وقرىء فتكون بالرفع حكاه أبو معاذ عطفاً على ﴿أنزل﴾ لأن ﴿أنزل﴾ في موضع رفع وهو ماض وقع موضع المضارع، أي هلا ينزل إليه ملك أو هو جواب التحضيض على إضمار هو، أي فهو يكون. وقراءة الجمهور بالنصب على جواب التحضيض. وقوله ﴿أو يلقى﴾ ﴿أو﴾ يكون عطف على ﴿أنزل﴾ أي لولا ينزل فيكون المطلوب أحد هذه الأمور أو مجموعها باعتبار اختلاف القائلين، ولا يجوز النصب في ﴿أو يلقى﴾ ولا في ﴿أو تكون﴾ عطفاً على ﴿فيكون﴾ لأنهما في حكم المطلوب بالتحضيض لا في حكم الجواب لقوله ﴿لولا أنزل﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿ويجعل﴾ بالجزم قالوا عطفاً على موضع جعل لأن التقدير إن يشأ يجعل ويجوز أن يكون مرفوعاً أدغمت لامه في لام ﴿لك﴾ لكن ذلك لا يعرف إلاّ من مذهب أبي عمرو.
قال ابن عطية: والاستئناف ووجهه العطف على المعنى في قوله ﴿جعل﴾ لأن جواب الشرط؟ وقال الحوفي من رفع جعله مستأنفاً منقطعاً ما قبله انتهى. وقال أبو البقاء وبالرفع على الاستئناف. وقال الزمخشري: وقرىء: ﴿ويجعل﴾ بالرفع عطفاً على ﴿جعل﴾ لأن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله:
وإن أتاه خليل يوم مسألةيقول لا غائب مالي ولا حرم
стр. 2078
انتهى. وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري من أنه إذا كان فعل الشرط ماضياً جاز في جوابه الرفع ليس مذهب سيبويه، إذ مذهب سيبويه أن الجواب محذوف وأن هذا المضارع المرفوع النية به التقديم، ولكون الجواب محذوفاً لا يكون فعل الشرط إلاّ بصيغة الماضي. وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه هو الجواب وأنه على حذف الفاء، وذهب غير هؤلاء إلى أنه هو الجواب وليس على حذف الفاء ولا على لتقديم، ولما لم يظهر لأداة الشرط تأثير في فعل الشرط لكونه ماضي اللفظ ضعف عن العمل في فعل الجواب فلم تعمل فيه، وبقي مرفوعاً وذهب الجمهور إلى أن هذا التركيب فصيح وأنه جائز في الكلام. وقال بعض أصحابنا: هو ضرورة إذ لم يجىء إلاّ في الشعر وهو على إضمار الفاء والكلام على هذه المذاهب مذكور في علم النحو. وقرأ عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان ﴿ويجعل﴾ بالنصب على إضمار أن. وقال أبو الفتح هي على جواب الشرط بالواو، وهي قراءة ضعيفة انتهى. ونظير هذه القراءات الثلاث قول النابغة:
فإن يهلك أبو قابوس يهلكربيع الناس والشهر الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيشأجب الظهر ليس له سنام
يروى بجرم نأخذ ورفعه ونصبه.
وانتصب ﴿مكاناً﴾ على الظرف أي في مكان ضيق.
﴿مُّقَرَّنِينَ﴾
قال ابن عطية: وقرأ أبو شيبة صاحب معاذ بن جبل مقرنون بالواو وهي قراءة شاذة، والوجه قراءة الناس ونسبها ابن خالويه إلى معاذ بن جبل ووجهها أن يرتفع على البدل من ضمير ﴿ألقوا﴾ بدل نكرة من معرفة ونصب على الحال.
стр. 2079
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَءَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً * وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الأٌّسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً * وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً * وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً * أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً * وَيَوْمَ﴾
وقرأ الجمهور: ﴿أن نتخذ﴾ مبنياً للفاعل و ﴿من أولياء﴾ مفعول على زيادة ﴿من﴾ وحسن زيادتها انسحاب النفي على ﴿نتخذ﴾ لأنه معمول لينبغي. وإذا انتفى الابتغاء لزم منه انتفاء متعلقة وهو اتخاذ وليّ من دون الله.
стр. 2080
وقرأ أبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء ونصر بن علقمة وزيد بن عليّ وأخوه الباقر ومكحول والحسن وأبو جعفر وحفص بن عبيد والنخعي والسلمي وشيبة وأبو بشر والزعفراني أن يُتخذ مبنياً للمفعول واتخذ مما يتعدى تارة لواحد كقوله ﴿أم اتخذوا آلهة من الأرض﴾ وعليه قراءة الجمهور وتارة إلى اثنين كقوله ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ فقيل: هذه القراءة منه فالأول الضمير في ﴿نتخذ﴾ والثاني ﴿من أولياء﴾ و ﴿من﴾ للتبعيض أي لا يتخذ بعض أولياء وهذا قول الزمخشري.
وقال ابن عطية: ويضعف هذه القراءة دخول ﴿من﴾ في قوله ﴿من أولياء﴾ اعترض بذلك سعيد بن جبير وغيره. وقال أبو الفتح ﴿من أولياء﴾ في موضع الحال ودخلت ﴿من﴾ زيادة لمكان النفي المتقدم كما تقول: ما اتخذت زيداً من وكيل. وقيل ﴿من أولياء﴾ هو الثاني على زيادة ﴿من﴾ وهذا لا يجوز عند أكثر النحويين إنما يجوز دخولها زائدة على المفعول الأول بشرطه.
ومفعول ﴿أرسلنا﴾ عند الزجاج والزمخشري ومن تبعهما محذوف تقديره أحداً. وقدره ابن عطية رجالاً أو رسلاً. وعاد الضمير في ﴿إنهم﴾ على ذلك المحذوف كقوله ﴿وما منا إلاّ له مقام﴾ أي وما منا أحد والجملة عند هؤلاء صفة أعني قوله ﴿إلاّ إنهم﴾ كأنه قال إلاّ آكلين وماشين. وعند الفراء المفعول محذوف وهو موصول مقدر بعد إلاّ أي إلاّ من. ﴿إنهم﴾ والضمير عائد على ﴿من﴾ على معناها فيكون استثناء مفرغاً وقيل: إنهم قبله قول محذوف أي ﴿إلاّ﴾ قيل ﴿إنهم﴾ وهذان القولان مرجوحان في العربية. وقال ابن الأنباري: التقدير إلاّ وإنهم يعنى أن الجملة حالية وهذا هو المختار. قد ردّ على من قال إن ما بعد إلاّ قد يجيء صفة وإما حذف الموصول فضعيف وقد ذهب إلى حكاية الحال أيضاً أبو البقاء قال: وقيل لو لم تكن اللام لكسرت لأن الجملة حالية إذ المعنى إلاّ وهم يأكلون.
وقيل: في قوله ﴿أتصبرون﴾ أنه استفهام بمعنى الأمر أي اصبروا.
﴿رَبَّنَا لَقَدِ﴾
стр. 2081
واللام في لقد جواب قسم محذوف.
﴿يوم يرون الملائكة﴾ ﴿يوم﴾ منصوب باذكر وهو أقرب أو بفعل يدل عليه ﴿لا بشري﴾ أي يمنعون البشرى ولا يعمل فيه ﴿لا بشرى﴾ لأنه مصدر ولأنه منفي بلا التي لنفي الجنس لأنه لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وكذا الداخلة على الأسماء عاملة عمل ليس، ودخول ﴿لا﴾ على ﴿بشرى﴾ لانتفاء أنواع البشرى.
واحتمل ﴿بشرى﴾ أن يكون مبنياً مع ﴿لا﴾ واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ، ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإن كان مبنياً مع ﴿لا﴾ احتمل أن يكون الخبر ﴿يومئذ وللمجرمين﴾ خبر بعد خبر أو نعت لبشرى، أو متعلق بما تعلق به الخبر، وأن يكون ﴿يومئذ﴾ صفة لبشرى، والخبر ﴿للمجرمين﴾ ويجيء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس ﴿لا﴾ أو الخبر للمبتدأ الذي هو مجموع ﴿لا﴾ وما بني معها؟ وإن كان في نية التنوين وهو معرب جاز أن يكون ﴿يومئذ﴾ معمولاً لبشرى، وأن يكون صفة، والخبر من الخبر. وأجاز أن يكون ﴿يومئذ﴾ و ﴿للمجرمين﴾ خبر وجاز أن يكون ﴿يومئذ﴾ خبراً و ﴿للمجرمين﴾ صفة، والخبر إذا كان الاسم ليس مبنياً لنفس لا بإجماع.
وقال الزمخشري: و ﴿يومئذ﴾ للتكرير وتبعه أبو البقاء، ولا يجوز أن يكون تكريراً سواء أريد به التوكيد اللفظي أم أريد به البلد، لأن ﴿يوم﴾ منصوب بما تقدم ذكره من اذكر أو من يعدمون البشرى وما بعد ﴿لا﴾ العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها وعلى تقديره يكون العامل فيه ما قبل إلاّ والظاهر عموم المجرمين فيندرج هؤلاء القائلون فيهم. قيل: ويجوز أن يكون من وضع الظاهر موضع الضمير، والظاهر أن الضمير في ﴿ويقولون﴾ عائد على القائلين لأن المحدث عنهم كانوا يطلبون نزول الملائكة، ثم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلاّ بما يكرهون فقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو ونزول الشدة.
وذكر سيبويه ﴿حجراً﴾ في المصادر المنصوبة غير المتصرفة. وقال بعض الرجاز:
стр. 2082
قالت وفيها حيرة وذعرعوذ يرى منكم وحجر وأنه واجب إضمار ناصبها. قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل أتفعل كذا؟ فيقول حجراً.
وقيل: الضمير في ﴿ويقولون﴾ عائد على الملائكة أي تقول الملائكة للمجرمين ﴿حجراً محجوراً﴾ عليكم البشرى و ﴿محجوراً﴾ صفة يؤكد معنى ﴿حجراً﴾ كما قالوا: موت مائت، وذيل ذائل.
﴿وَقَدِمْنَآ﴾
قيل: أو على حذف مضاف أي قدمت ملائكتنا وأسند ذلك إليه لأنه عن أمر.
و ﴿منثوراً﴾ صفة للهباء شبهه بالهباء لقلته وأنه لا ينتفع به، ثم وصفه بمنثوراً لأن الهباء تراه منتظماً مع الضوء فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب. وقال الزمخشري: أو جعله يعني ﴿منثوراً﴾ مفعولاً ثالثاً لجعلناه أي ﴿فجعلناه﴾ جامعاً لحقارة الهباء والتناثر. كقوله ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ أي جامعين للمسخ والخسء انتهى. وخالف ابن درستويه فخالف النحويين في منعه أن يكون لكان خبران وأزيد. وقياس قوله في جعل أن يمنع أن يكون لها خبر ثالث.
стр. 2083
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً * وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً * أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً * وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَمِ وَنُزِّلَ الْمَلَئِكَةُ تَنزِيلاً * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيراً * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّلِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يلَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى وَكَانَ الشَّيْطَنُ لِلإِنْسَنِ خَذُولاً * وَقَالَ الرَّسُولُ يرَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً * وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً * الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾
وقرأ الجمهور: ﴿ونُزِّل﴾ ماضياً مشدداً مبنياً للمفعول، وابن مسعود وأبو رجاء ﴿ونزل﴾ ماضياً مبنياً للفاعل. وعنه أيضاً وأنزل مبنياً للفاعل وجاء مصدره ﴿تنزيلاً﴾ وقياسه إنزالاً إلاّ أنه لما كان معنى أنزل ونزَّل واحداً جاز مجيء مصدر أحدما للآخر كما قال الشاعر:
حتى تطوّيت انطواء الخصب
стр. 2084
كأنه قال: حتى انطويت. وقرأ الأعمش وعبد الله في نقل ابن عطية وأنزل ماضياً رباعياً مبنياً للمفعول مضارعه ينزل. وقرأ جناح بن حبيش والخفاف عن أبي عمرو ﴿ونزل﴾ ثلاثىاً مخففاً مبنياً للفاعل، وهارون عن أبي عمرو وتنزل بالتاء من فوق مضارع نزل مشدداً مبنياً للفاعل، وأبو معاذ وخارجة عن أبي عمرو ﴿ونزل الملائكة﴾ بضم النون وشد الزاي، أسقط النون من وننزل وفي بعض المصاحف وننزل بالنون مضارع نزل مشدداً مبنياً للفاعل. ونسبها ابن عطية لابن كثير وحده قال: وهي قراءة أهل مكة ورويت عن أبي عمرو. وعن أبيّ أيضاً وتنزلت. وقرأ أبيّ ونزلت ماضياً مشدداً مبنياً للمفعول بتاء التأنيث. وقال صاحب اللوامح عن الخفاف عن أبي عمرو: ﴿ونُزَل﴾ مخففاً مبنياً للمفعول ﴿الملائكة﴾ رفعاً، فإن صحت القراءة فإنه حذف منها المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وتقديره: ونزل نزول الملائكة فحذف النزول ونقل إعرابه إلى ﴿الملائكة﴾ بمعنى نزول نازل الملائكة لأن المصدر يكون بمعنى الاسم، وهذا مما يجيء على مذهب سيبويه في ترتيب اللازم للمفعول به لأن الفعل يدل على مصدره انتهى.
وقال أبو الفتح: وهذا غير معروف لأن ﴿نزل﴾ لا يتعدى إلى مفعول فيبني هنا للملائكة، ووجهه أن يكون مثل زكم الرجل وجن فإنه لا يقال إلاّ أزكمه الله وأجنه. وهذا باب سماع لا قياس انتهى.
﴿بِالْغَمَمِ﴾
والباء باء الحال أي متغيمة أو باء السبب أي بسبب طلوع الغمام منه كأنه الذي تتشقق به السماء كما تقول: شق السنام بالشفرة وانشق بها ونظيره قوله ﴿السماء منفطر به﴾ أو بمعنى عن أقوال ثلاثة. والفرق بين الباء السببية وعن أن انشق عن كذا تفتح عنه وانشق بكذا أنه هو الشاق له.
و ﴿الحق﴾ صفة للملك وخبر ﴿الملك﴾ ﴿يومئذ﴾ . و ﴿الرحمن﴾ متعلق بالحق أو للبيان أعني ﴿للرحمن﴾ . وقيل: الخبر ﴿للرحمن﴾ و ﴿يومئذ﴾ معمول للملك. وقيل: الخبر ﴿الحق﴾ و ﴿للرحمن﴾ متعلق به أو للبيان.
стр. 2085
﴿يقول﴾ في موضع الحال ﴿وفلان﴾ كناية عن العلم وهو متصرف وقل كناية عن نكرة الإنسان نحو: يا رجل وهو مختص بالنداء، وفلة بمعنى يا امرأة كذلك ولام فل ياء أو واو وليس مرخماً من فلان خلافاً للفراء. ووهم ابن عصفور وابن مالك وصاحب البسيط في قولهم فل كناية عن العلم كفلان. وفي كتاب سيبويه ما قلناه بالنقل عن العرب.
وانتصب ﴿هادياً﴾ و ﴿نصيراً﴾ على الحال أو على التمييز.
﴿لنثبت به فؤادك﴾ تعليلاً لمحذوفل أي فرقناه في أوقات ﴿لنثبت به فؤادك﴾ . وقيل: هو مستأنف من كلام الله تعالى لا من كلامهم، ولما تضمن كلامهم.
واللام في ﴿لنثبت به﴾ لام العلة. وقال أبو حاتم: هي لام القسم والتقدير والله ليثبتن فحذفت النون وكسرت اللام انتهى. وهذا قول في غاية الضعف وكان ينحو إلى مذهب الأخفش أن جواب القسم يتلقى بلام كي وجعل منه ولتصغي إليه أفئدة وهو مذهب مرجوح.
وأعربوا ﴿الذين﴾ مبتدأ والجملة من ﴿أولئك﴾ في موضع الخبر ويجوز عندي أن يكون ﴿الدين﴾ خبر مبتدأ محذوف لما تقدم ذكر الكافرين وما قالوا قال إبعاداً لهم وتسميعاً بما يؤول إليه حالهم هم ﴿الذين يحشرون﴾ ثم استأنف إخباراً أخبر عنهم فقال: ﴿أولئك شر مكاناً﴾ .
стр. 2086
﴿وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيراً * فَقُلْنَا اذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيراً * وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِءَايَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّلِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً * وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَبَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً * وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأٌّمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً * وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً * وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً * إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْءَالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً * أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأٌّنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾
﴿هارون﴾ بدل أو عطف بيان، واحتمل أن يكون معه المفعول الثاني لجعلنا.
وانتصب ﴿وقوم نوح﴾ على الاشتغال وكان النصب أرجح لتقدم الجمل الفعلية قبل ذلك، ويكون ﴿لما﴾ في هذا الإعراب ظرفاً على مذهب الفارسي. وأما إن كانت حرف وجوب لوجوب فالظاهر أن ﴿أغرقناهم﴾ جواب لما فلا يفسر ناصباً لقوم فيكون معطوفاً على المفعول في ﴿فدمرناهم﴾ أو منصوباً على مضمر تقديره اذكر. وقد جوز الوجوه الثلاثة الحوفي.
стр. 2087
والظاهر عطف ﴿وعاداً﴾ على و ﴿قوم﴾ وقال أبو إسحاق: يكون معطوفاً على لهاء والميم في ﴿وجعلناهم للناس آية﴾ . قال: ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿الظالمين﴾ لأن التأويل وعدنا الظالمين بالعذاب ووعدنا ﴿عاداً وثموداً﴾ .
﴿ذلك﴾ إشارة إلى أولئك المتقدمي الذكر فلذلك حسن دخول ﴿بين﴾ عليه من غير أن يعطف عليه شيء كأنه قيل بين المذكورين وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة. ثم يشير إليها وانتصب ﴿كلا﴾ الأول على الاشتغال أي وأنذرنا كلا أو حذرنا كلا والثاني على أن مفعول بتبرنا لأنه لم يأخذ مفعولاً وهذا من واضح الإعراب.
و ﴿كلا﴾ منصوب بضربنا و ﴿الأمثال﴾ بدل من ﴿كلا﴾ . والضمير في ﴿ولقد أتوا﴾ لقريش.
وقال مكي: الضمير في ﴿أتوا﴾ عائد على الذين اتخذوا القرآن مهجوراً انتهى. وهم قريش وانتصب ﴿مطر﴾ على أنه مفعول ثان لأمطرت على معنى أوليت، أو على أنه مصدر محذوف الزوائد أي إمطار السوء.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾
وهو استفهام مهناه التعجب.
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾
و ﴿أن﴾ نافية جواب ﴿إذا﴾ وانفردت ﴿إذا﴾ بإنه إذا كان جوابها منفياً بما أو بلا لا تدخله الفاء بخلاف أدوات الشرط غيرها فلا بد من الفاء مع ما ومع لا إذا ارتفع المضارع، فلو وقعت إن النافية في جواب غير إذا فلا بد من الفاء كما النافية.
﴿أهذا﴾ قبله قول محذوف أي يقولون وقال: جواب ﴿إذا﴾ ما أضمر من القول أي ﴿وإذا رأوك﴾ قالوا ﴿أهذا الذي بعث اللَّه رسولاً﴾ و ﴿أن يتخذونك﴾ جملة اعتراضية بين ﴿إذا﴾ وجوابها.
﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾
والظاهر أن من استفهامية وأضل خبره والجملة في موضع مفعول ﴿يعلمون﴾ إن كانت متعدية إلى واحد أو في موضع مفعولين إن كانت تعدت إلى اثنين، ويجوز أن تكون ﴿من﴾ موصولة مفعولة بيعلمون و ﴿أضل﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو أضل، وصار حذف هذا المضمر للاستطالة التي حصلت في قول العرب ما أنا بالذي قائل لك سواء.
стр. 2088
و ﴿أرأيت﴾ استفهام تعجب من جهل من هذه حاله و ﴿إلهه﴾ المفعول الأول لاتخذ، و ﴿هواه﴾ الثاني أي أقام مقام الإله الذي يعبده هواه فهو جار على ما يكون في ﴿هواه﴾ .
وقرأ ابن هرمز: إلاهه على وزن فعالة وفيه أيضاً تقديم أي هواه إلاهه بمعنى معبود لأنها بمعنى المألوهة. فالهاء فيها للمبالغة فلذلك صرفت.
ويقال لها أُلاهة بضم الهمزة وهي غير مصروفة للعلمية والتأنيث لكنها لما كانت مما يدخلها لام المعرفة في بعض اللغات صارت بمنزلة ما كان فيه اللام ثم نزعت فلذلك صرفت وصارت بمنزلة النعوت فتنكرت قاله صاحب اللوامح. ومفعول ﴿أرأيت﴾ الأول هو ﴿من﴾ والجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني.
و ﴿أم﴾ منقطعة تتقدر ببل والهمزة على لمذهب الصحيح.
стр. 2089
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً * وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً * وَهُوَ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً * لِّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَماً وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً * وَلَقَدْ صَرَّفْنَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً * فَلاَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً * وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً * وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً * وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَفِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً * وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً * قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾
стр. 2090
بمد والجملة في موضع متعلق ﴿ألم تروَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً * الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ لأن ﴿تر﴾ معلقة والجملة الاستفهامية التي هي معلق عنها فعل القلب ليس باقي على حقيقة الاستفهام.
﴿مَآءً طَهُوراً﴾
والطهور فعول إما للمبالغة كنؤوم فهو معدول عن طاهر، وإما أن يكون اسماً لما يتطهر به كالسحور والفطور، وإما مصدر لتطهر جاء على غير المصدر حكاه سيبويه. والظاهر في قوله ﴿ماء طهوراً﴾ أن يكون للمبالغة في طهارته وجهة المبالغة كونه لم يشبه شيء بخلاف ما نبع من الأرض ونحوه فإنه تشوبه أجزاء أرضية من مقره أو ممره أو مما يطرح فيه، ويجوز أن يوصف بالاسم وبالمصدر.
وإلاّ ففعول لا يكون بمعنى مفعل، ومن استعمال طهور للمبالغة قوله تعالى ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾ . وقال الشاعر:
إلى رحج الأكفال غيد من الظباعذاب الثنايا ريقهنّ طهور وقرأ عيسى وأبو جعفر ﴿ميِّتاً﴾ بالتشديد ووصف بلده بصفة المذكر لأن البلدة تكون في معنى البلد في قوله ﴿فسقناه إلى بلد ميت﴾ ورجح الجمهور التخفيف لأنه يماثل فعلاً من المصادر، فكما وصف المذكر والمؤنث بالمصدر فكذلك بما أشبهه بخلاف المشدد فإنه يماثل فاعلاً من حيث قبوله للثاء إلاّ فيما خص المؤنث نحو طامث.
﴿وأناسي﴾ جمع إنسان في مذهب سيبويه. وجمع أنسي في مذهب الفراء والمبرد والزجاج، والقياس أناسيه كما قالوا في مهلبي مهالبة. وحكي أناسين في جمع إنسان كسرحان وسراحين.
والضمير في ﴿صرفناه﴾ عائد على الماء المنزل من السماء.
стр. 2091
وقال ابن عباس أيضاً: عائد على القرآن وإن لم يتقدم له ذكر لوضوح الأمر ويعضده ﴿وجاهدهم به﴾ لتوافق الضمائر، وعلى أنه للمطر يكون به للقرآن. وقال أبو مسلم: راجع إلى المطر والرياح والسحاب وسائر ما ذكر فيه من الأدلة.
﴿جِهَاداً﴾ مصدر وصف بكبيراً.
والظاهر أن ﴿حجراً محجوراً﴾ معطوف على ﴿برزخاً﴾ عطف المفعول على المفعول وكذا أعربه الحوفي، وعلى ما ذكره الزمخشري يكون ذلك على إضمار القول المجازي أي، ويقولان أي كل واحد منهما لصاحبه ﴿حجراً محجوراً﴾ .
والظاهر أن ﴿الكافر﴾ اسم جنس فيعم.
والضمير في ﴿عليه﴾ عائد على التبشير والإنذار، أو على القرآن، أو على إبلاغ الرسالة أقوال. والظاهر في ﴿إلاّ من شاء﴾ أنه استثناء منقطع وقاله الجمهور.
واحتمل ﴿الذي﴾ أن يكون صفة للحي الذي لا يموت. ويتعين على قراءة زيد بن عليّ ﴿الرحمن﴾ بالجر وأما على قراءة الجمهور ﴿الرحمن﴾ بالرفع فإنه يحتمل أن يكون ﴿الذي﴾ صفة للحي و ﴿الرحمن﴾ خبر مبتدأ محذوف. ويحتمل أن يكون ﴿الذي﴾ مبتدأ و ﴿الرحمن﴾ خبره. وأن يكون ﴿الذي﴾ خبر مبتدأ محذوف، و ﴿الرحمن﴾ صفة له. أو يكون ﴿الذي﴾ منصوباً على إضمار أعني ويجوز على مذهب الأخفش أن يكون ﴿الرحمن﴾ مبتدأ. و ﴿فاسأل﴾ خبره تخريجه على حد قول الشاعر:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم
وجوزوا أيضاً في ﴿الرحمن﴾ أن يكون بدلاً من الضمير المستكن في ﴿استوى﴾ . والظاهر تعلق به بقوله ﴿فاسال﴾ وبقاء الباء غير مضمنة معنى عن.
وإن جعلت ﴿به﴾ متعلقاً بخبيراً كان المعنى ﴿فاسأل﴾ عن الله الخبراء به.
وقال الزمخشري: الباء في ﴿به﴾ صلة سل كقوله ﴿سأل سائل بعذاب﴾ كما يكون عن صلته في نحو ﴿ثم التسألن يومئذ عن النعيم﴾ أو صلة ﴿خبيراً﴾ به فتجعل ﴿خبيراً﴾ مفعولاً.
ومفعول ﴿تأمرنا﴾ الثاني محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره يأمرنا سجوده نحو قولهم: أمرتك الخير.
стр. 2092
﴿تَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً * وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً * وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأٌّرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يًّبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً * وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَلِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً * وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَلِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً * وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً * أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَماً * خَلِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّى لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ
стр. 2093
فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾
الضمير في ﴿فيها﴾ الظاهر أنه عائد على ﴿السماء﴾ . وقيل: على البروج.
وانتصب ﴿خلفة﴾ على الحال. فقيل: هو مصدر خلف خلفة. وقيل: هو اسم هيئة كالركبة ووقع حالاً اسم الهيئة في قولهم: مررت بماء قعدة رجل.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ هذه إضافة تشريف وتفضل.
وقيل: أولئك الخبر و ﴿الذين﴾ صفة.
وقال: وانتصب ﴿هوناً﴾ على أنه نعت لمصدر محذوف أي مشياً هوناً أو على الحال، أي يشمون هينين في تؤدة وسكينة وحسن سمت.
مجاهد: قولاً سديداً فهو منصوب بقالوا. وقيل: هو على إضمار فعل تقديره سلمنا ﴿سلاماً﴾ فهو جزء من متعلق الجملة المحكية. قال ابن عطية: والذي أقوله أن ﴿قالوا﴾ هو العامل في ﴿سلاماً﴾ لأن المعنى قالوا هذا اللفظ. وقال الزمخشري: تسلماً منكم فأقيم السلام مقام التسليم.
و ﴿ساءت﴾ احتمل أن يكون بمعنى بئست. والمخصوص بالذم محذوف وفي ﴿ساءت﴾ ضمير مبهم ويتعين أن يكون ﴿مستقراً ومقاماً﴾ تمييز. والتقدير ﴿ساءت مستقراً ومقاماً﴾ هي وهذا المخصوص بالذم هو رابط الجملة الواقعة خبراً لأن. ويجوز أن يكون ﴿ساءت﴾ بمعن أحزنت فيكون المفعول محذوفاً أي ساءتهم. والفاعل ضمير جهنم وجاز في ﴿مستقراً ومقاماً﴾ أن يكونا تمييزين وأن يكونا حالين قد عطف أحدهما على الآخر.
ويظهر أن قوله ﴿ومقاماً﴾ معطوف على سبيل التوكيد لأن الاستقرار والإقامة كأنهما مترادفان.
стр. 2094
وقيل: ﴿قواماً﴾ بالكسر مبلغاً وسداداً وملاك حال، و ﴿بين ذلك﴾ و ﴿قواماً﴾ يصح أن يكونا خبرين عند من يجيز تعداد خبر ﴿كان﴾ وأن يكون ﴿بين﴾ هو الخبر و ﴿قواماً﴾ حال مؤكدة، وأن يكون ﴿قواماً﴾ خبراً و ﴿بين ذلك﴾ إما معمول لكان على مذهب من يرى أن كان الناقصة تعمل في الظرف، وأن يكون حالاً من ﴿قواماً﴾ لأنه لو تأخر لكان صفة، وأجاز الفراء أن يكون ﴿بين ذلك﴾ اسم ﴿كان﴾ وبُني لإضافته إلى مبني كقوله ﴿ومن خزي يومئذ﴾ في قراءة من فتح الميم و ﴿قواماً﴾ الخبر.
(يضاعف) و (يخلد) .
والأعمش بضم الياء مبنياً للمفعول مرفوعاً مخففاً. والأعمش بضم الياء مبنياً للمفعول مشدداً مرفوعاً فالرفع على الاستئناف أو الحال والجزم على البدل من ﴿يلق﴾ . كما قال الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنافي ديارناتجد حطباً جزلاً وناراً تأججاً
والضمير في ﴿فيه﴾ عائد على العذاب.
﴿إلاّ من تاب﴾ استثناء متصل من الجنس، ولا يظهر لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه ﴿يضاعف له العذاب﴾ فيصير التقدير ﴿إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً﴾ فلا يضاعف له العذاب. ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف فالأولى عندي أن يكون استثناء منقطعاً أي لكن من تاب وآمن عمل صالحاً ﴿فأولئك يبدل الله سىئاتهم حسنات﴾ و ﴿سيئاتهم﴾ هو المفعول الثاني، وهو أصله أن يكون مقيداً بحرف الجر أي بسيئاتهم. و ﴿حسنات﴾ هو المفعول الأول وهو المسرح كما قال تعالى ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين﴾ . وقال الشاعر:
تضحك مني أخت ذات النحيينأبد لك الله بلون لونين سواد وجه وبياض عينين
(صماً وعمياناً) هي صفة للكفار.
وتقدم لنا أن ﴿من﴾ التي لبيان الجنس لا بد أن تتقدم المبين. ثم يأتي بمن البيانية وهذا على مذهب من أثبت أنها تكون لبيان الجنس. والصحيح أن هذا المعنى ليس بثابت لمن.
стр. 2095
وجاء ﴿أعين﴾ بصيغة جمع القلة دون عيون الذي هو صيغة جمع الكثرة لأنه أريد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم قاله الزمخشري. وليس بجيد لأن أعين تنطلق على العشرة فما دونه من الجمع، والمتقون ليست أعينهم عشرة بل هي عيون كثيرة جداً وإن كانت عيونهم قليلة بالنسبة إلي عيون غيرهم فهي من الكثرة بحيث تفوت العد.
﴿أولئك﴾ إشارة إلى الموصوفين بهذه الصفات العشرة.
﴿بما صبروا﴾ للسبب. وقيل: للبدل أي بدل صبرهم كما قال:
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا
أي فليت لي بدلهم قوماً ولم يذكر متعلق الصبر مخصصاً ليعم جميع متعلقاته.
والظاهر أن ﴿ما﴾ نفي أي ليس ﴿يبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ ويجوز أن تكون استفهامية فيها معنى النفي أي، أي عبء يعبأ بكم، و ﴿دعاؤكم﴾ مصدر أضيف إلى الفاعل أي لولا عبادتكم إياه أي لولا دعاؤكم وتضرعكم إليه أو ما يعبأ بتعذيبكم لولا دعاؤكم الأصنام آلها. وقيل: أضيف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته.
ونقل ابن خالويه عن أبي السماك أنه قرأ لزام على وزن حذام جعله مصدراً معدولاً عن اللزمة كفجار معدول عن الفجرة.j
سورة الشعراء
مائتان وسبعة وعشرون آية مكية
وقال ابن عطية: كبكب مضاعف من كب، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح، لأن معناهما واحد، والتضعيف في الفعل نحو: صرصر وصرصر. انتهى. وقول الزمخشري وابن عطية هو قول الزجاج، وهو أنه يزعم أن نحو كبكبه مما يفهم المعنى بسقوط ثالثه، هو مما ضوعف فيه الباء. وذهب الكوفيون إلى أن الثالث بدل من مثل الثاني، فكان أصله كبب، فأبدل من الباء الثانية كاف.
وقرأ الجمهور: فظلت، ماضياً بمعنى المستقبل، لأنه معطوف على ينزل.
стр. 2096
فقال ابن عبسى: هو على حذف مضاف، أي أصحاب للأعناق. وروعي هذا المحذوف في قوله: ﴿خاضعين﴾ ، حيث جاء جمعاً للمذكر العاقل، أولاً حذف، ولكنه اكتسى من إضافته للمذكر العاقل وصفه، فأخبر عنه إخباره، كما يكتسي المذكر التأنيث من إضافته إلى المؤنث في نحو:
كما شرقت صدر القناة من الدم
أولاً حذف، ولكنه لما وضعت لفعل لا يكون إلا مقصوداً للعاقل وهو الخضوع، جمعت جمعه كما جاء: ﴿أتينا طائعين﴾ .
﴿إلا كانوا: جملة حالية، أي إلا يكونوا عنها.
إِذْ قَالَ لأًّبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾
والعامل في إذ، قال الزجاج، اتل مضمرة، أي اتل هذه القصة فيما يتلوا إذ نادى، ودليل ذلك ﴿واتل عليهم نبأ إبراهيم﴾ إذ. وقيل: العامل اذكر، وهو مثل واتل.
وأن: يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون تفسيرية.
و ﴿قوم فرعون﴾ ، وقيل: بدل من ﴿القوم الظالمين﴾ ، والأجود أن يكون عطف بيان لأنهما عبارتان يعتقبان على مدلول واحد، إذ كل واحد عطف البيان، والأجود أن يكون عطف بيان لأنهما عبارتان يعتقبان على مدلول واحد، إذ كل واحد عطف البيان، وسوغه مستقل بالإسناد. ولما كان القوم الظالمين يوهم الاشتراك، أتى عطف البيان بإزالته، إذ هو أشهر.
وقال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ألا يتقون﴾ ؟ قلت: هو كلام مستأنف.
стр. 2097
ويحتمل أن يكون ألا يتقون حالاً من الضمير في الظالمين، أي يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال. انتهى. وهذا الاحتمال الذي أورده خطأ فاحش لأنه جعله حالاً من الضمير في الظالمين، وقد أعرب هو ﴿قوم فرعون﴾ عطف بيان، فصار فيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي بينهما، لأن قوم فرعون معمول لقوله: ﴿ائت﴾ والذي زعم أنه حال معمول لقوله الظالمين، وذلك لا يجوز أيضاً لو لم يفصل بينهما بقوله: قوم فرعون. لم يجز أن تكون الجملة حالاً، لأن ما بعد الهمزة يمتنع أن يكون معمولاً لما قبلها. وقولك: جئت أمسرعاً؟ على أن يكون أمسرعاً حالاً من الضمير في جئت لا يجوز، فلو أضمرت عاملاً بعد الهمزة جاز.
والظاهر أن ألا للعرض المضمن الحض على التقوى، وقول من قال إنها للتنبيه لا يصح، وكذلك قول الزمخشري: إنها للنفي دخلت عليها همزة الإنكار.
﴿ويضيق ولا ينطلق﴾ ، بالرفع فيهما عطفاً على أخاف. فالمعنى: إنه يفيد ثلاث علل: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان. وقرأ الأعرج، وطلحة، وعيسى، وزيد بن عليّ، وأبو حيوة، وزائدة، عن الأعمش، ويعقوب: بالنصب فيهما عطفاً على يكذبون، فيكون التكذيب وما بعده يتعلق بالخوف.
ومعكم، قيل: من وضع الجمع موضع المثنى، أي معكما. وقيل: هو على ظاهره من الجمع، والمراد موسى وهارون ومن أرسلا إليه. وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يرجح أن يكون أريد بصورة الجمع المثنى، والخطاب لموسى وهارون فقط، قال: لأن لفظة مع تباين من يكون كافراً، فإنه لا يقال الله معه. وعلى أنه أريد بالجمع التثنية، حمله سيبويه ﵀ وكأنهما لشرفهما عند الله، عاملهما في الخطاب معاملة الجمع، إذ كان ذلك جائزاً أن يعامل به الواحد لشرفه وعظمته.
﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾
ويجوز أن يكون معه متعلقاً بمستمعون، وأن يكون خبراً ومستمعون خبر ثان.
стр. 2098
﴿وإن أرسل:﴾ يجوز أن تكون تفسيرية لما في رسول من معنى القول، وأن تكون مصدرية.
﴿وأنت من الكافرين:﴾ يجوز أن يكون حالاً، أي قتلته وأنت إذ ذاك من الكافرين، فافترى فرعون بنسبة هذه الحال إليه إذ ذاك، والأنبياء ﵈ معصومون. ويجوز أن يكون إخباراً مستأنفاً من فرعون، حكم عليه بأنه من الكافرين بالنعمة التي لي عليك من التربية والإحسان، قاله ابن زيد.
﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً﴾
قال ابن عطية: إذن صلة في الكلام وكأنها بمعنى حينئذ. انتهى. وليس بصلة، بل هي حرف معنى. وقوله وكأنها بمعنى حينئذ، ينبغي أن يجعل قوله تفسير معنى، إذ لا يذهب أحد إلى أن إذن ترادف من حيث الإعراب حينئذ. وقال الزمخشري: فإن قلت: إذاً جواب وجزاء معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون: ﴿وفعلت فعلتك﴾ فيه معنى: إنك جازيت نعمتي بما فعلت؛ فقال له موسى: نعم فعلتها، مجازياً لك تسليماً لقوله، كأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء. انتهى. وهذا الذي ذكره من أن إذاً جواب وجزاء معاً، هو قول سيبويه، لكن الشراح فهموا أنها قد تكون جواباً وجزاء معاً، وقد تكون جواباً فقط دون جزاء. فالمعنى اللازم لها هو الجواب، وقد يكون مع ذلك جزاء. وحملوا قوله: ﴿فعلتها إذاً﴾ من المواضع التي جاءت فيها جواباً بالآخر، على أن بعض أئمتنا تكلف هنا كونها جزاء وجواباً، وهذا كله محرر فيما كتبناه في إذن في شرح التسهيل، وإنما أردنا أن نذكر أن ما قاله الزمخشري ليس هو الصحيح، ولا قول الأكثرين.
﴿قَالَ يمُوسَى إِنَّ الْمَلأّ يَأْتَمِرُونَ﴾
وقرأ الجمهور: لما حرف وجوب لوجوب، على قول سيبويه، وظرفاً بمعنى حين، على مذهب الفارسي.
﴿وتلك نعمة تمنها عليّ:﴾ وتلك إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله: ﴿ألم نربك فينا وليداً﴾ .
стр. 2099
فإن قلت: وتلك إشارة إلى ماذا؟ وأن عبدت ما محلها من الإعراب؟ قلت: تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة، لا يدري ما هي إلا بتفسيرها؛ ومحل أن عبدت الرفع، عطف بيان لتلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ ، والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ. وقال الزجاج: يجوز أن يكون في موضع نصب، المعنى أنها صارت نعمة عليّ، لأن عبدت بني إسرائيل، أي لو لم تفعل لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم. انتهى. وقال الحوفي: ﴿أن عبدت بني إسرائيل﴾ في موضع نصب مفعول من أجله. وقال أبو البقاء: بدل.
وجاء قوله: ﴿وما بينهما﴾ على التثنية، والعائد عليه الضمير مجموع اعتباراً للجنسين: جنس السماء، وجنس الأرض؛ كما ثنى المظهر في قوله:
بين رماحي مالك ونهشل
اعتباراً للجنسين: قال الزمخشري: أو لو جئتك، واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام، معناه: أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟ انتهى. وتقدّم لنا الكلام على هذه الواو، والداخلة على لو في مثل هذا السياق في قوله: ﴿أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون﴾ ، فأغنى عن إعادته. وقال الحوفي: واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام للتقرير، والمعنى: أتسجنني حتى في هذه الحالة التي لا تناسب أن أسجن وأنا متلبس بها؟.
وقدره الزمخشري: إن كنت من الصادقين في دعواك أتيت به. جعل الجواب المحذوف فعلاً ماضياً، ولا يقدر إلا من جنس الدليل بقوله: أنت ظالم إن فعلت، تقديره: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم. وقال الحوفي: إن حرف شرط يجوز أن يكون ما تقدم جوابه، وجاز تقديم الجواب، لأن حذف الشرط لم يعمل في اللفظ شيئاً. ويجوز أن يكون الجواب محذوفاً تقديره فأت به.
стр. 2100
قال ابن عطية: وانتصب حوله على الظرف، وهو في موضع الحال، أي كائنين حوله، فالعامل فيه محذوف، والعامل فيه هو الحال حقيقة والناصب له، قال: لأنه هو العامل في ذي الحال بواسطة لام الجر، نحو: مررت بهند ضاحكة. والكوفيون يجعلون الملأ موصولاً، فكأنه قيل: قال للذي حوله، فلا موضع للعامل في الظرف، لأنه وقع صلة. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما العامل في حوله؟ قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل. فالعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف، وذلك استقروا حوله، وهذا يقدر في جميع الظروف، والعامل في النصب المحلي، وهو النصب على الحال. انتهى.
﴿وبعزة فرعون﴾ : الظاهر أن الباء للقسم، والذي تتعلق به الباء محذوف، وعدلوا عن الخطاب إلى اسم الغيبة تعظيماً، كما يقال للملوك: أمروا ﵃ بكذا، فيخبر عنه إخبار الغائب.
قال الزمخشري: فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به؟ قلت: هو الله ، بما خوّلهم من التوفيق وإيمانهم، أو بما عاينوا من المعجزة الباهرة، ولك أن لا تقدر فاعلاً، لأن ألقوا بمعنى خروا وسقطوا. انتهى. وهذا القول الآخر ليس بشيء. لا يمكن أن يبني الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله إلا وقد حذف الفاعل فناب ذلك عنه، أما أنه لا يقدر فاعل، فقول ذاهب عن الصواب. وقال ابن عطية: قرأ البزي، وابن فليح، عن ابن كثير: بشد التاء وفتح اللام وشد القاف، ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن حذف همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين. انتهى.
стр. 2101
قال صاحب اللوامح على الشرط: وجاز حذف الفاء من الجواب، لأنه متقدم، وتقديره: ﴿إن كنا أول المؤمنين﴾ فإنا نطمع، وحسن الشرط لأنهم لم يتحققوا ما لهم عند الله من قبول الإيمان. انتهى. وهذا التخريج على مذهب الكوفيين وأبي زيد والمبرد، حيث يجيزون تقديم جواب الشرط عليه، ومذهب جمهور البصريين أن ذلك لا يجوز، وجواب مثل هذا الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقال الزمخشري: هو من الشرط الذي يجيء به المدلول بأمره المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين. ونظيره قول العامل لمن يؤخر. جعله إن كنت عملت فوقني حقي، ومنه قوله تعالى: ﴿إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيل وابتغاء مرضاتي﴾ ، مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك. وقال ابن عطية بمعنى: أن طمعهم إنما هو بهذا الشرط. انتهى. ويحتمل أن تكون إن هي المخففة من الثقيلة، وجاز حذف اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون، فلا يحتمل النفي، والتقدير: إن كنا لأول المؤمنين. وجاء في الحديث: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلّميحب العسل» ، أي ليحب. وقال الشاعر:
ونحن أباة الضيم من آل مالكوإن مالك كانت كرام المعادن
أي: وإن مالك لكانت كرام المعادن.
وقال أبو عبيدة: رجل حذر وحذر وحاذر بمعنى واحد. وذهب سيبويه إلى أن حذراً يكون للمبالغة، وأنه يعمل كما يعمل حاذر، فينصب المفعول به، وأنشد:
حذر أموراً لا تضير وآمنما ليس منجيه من الأقدار وقد توزع في ذلك بما هو مذكور في كتب النحو. وعن الفراء أيضاً، والكسائي: رجل حذر، إذا كان الحذر في خلقته، فهو متيقظ منتبه. وقرأ سميط بن عجلان، وابن أبي عمار.
قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه، والجر على أنه وصف لمقام، أي ومقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي الأمر كذلك. انتهى. فالوجه الأول لا يسوغ، لأنه يؤول إلى تشبيه الشيء بنفسه.
стр. 2102
﴿ثم:﴾ أي هناك، وثم ظرف مكان للبعد.
والظاهر أن مشرقين حال من الفاعل. قيل: مشرقين: أي في ضياء، وكان فرعون وقومه في ضباب وظلمة، تحيروا فيها حتى جاوز بنو إسرائيل البحر، فعلى هذا يكون مشرقين حالاً من المفعول.
وقرأ الجمهور: ﴿يسمعونكم﴾ ، من سمع؛ وسمع إن دخلت على مسموع تعدّت إلى واحد، نحو: سمعت كلام زيد، وإن دخلت على غير مسموع، فمذهب الفارسي أنها تتعدى إلى اثنين، وشرط الثاني منهما أن يكون مما يسمع، نحو: سمعت زيداً يقرأ والصحيح أنها تتعدى إلى واحد، وذلك الفعل في موضع الحال، والترجيح بين المذهبين مذكور في النحو. وهنا لم تدخل إلا على واحد، ولكنه بمسموع، فتأولوه على حذف مضاف تقديره: هل يسمعوانكم، تدعون؟
وقرأ قتادة، ويحيى بن يعمر: بضم الياء وكسر الميم من أسمع، والمفعول الثاني محذوف تقديره: الجواب، أو الكلام. وإذ: ظرف لما مضى، فإما أن يتجاوز فيه فيكون بمعنى إذا، وإما أن يتجاوز في المضارع فيكون قد وقع موقع الماضي، فيكون التقدير: هل سمعوكم هذ دعوتم؟ وقد ذكر أصحابنا أن من قرائن صرف المضارع إلى الماضي إضافة إلى جملة مصدرة بالمضارع، ومثلوا بقوله: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه﴾ ، أي وإذ قلت. وقال الزمخشري: وجاء مضارعاً مع إيقاعه في إذ على حكاية الحال الماضية التي كنتم تدعونها فيها، وقولوا: هل سمعوا، أو اسمعوا قط؟ وهذا أبلغ في التبكيت. انتهى.
стр. 2103
قال ابن عطية: ويجوز فيه قياس مذكر، ولم يقرأ به أحد؛ والقياس أن يكون اللفظ به، إذ ددعون. فالذي منع من هذا اللفظ اتصال الدال الأصلية في الفعل، فكثرة المتماثلات. انتهى. وهذا الذي ذكر أنه يجوز فيه قياس مذكر لا يجوز، لأن ذلك الإبدال، وهو إبدال التاء دالاً، لا يكون إلا في افتعل، مما فاؤه ذال أو زاي أو دال، نحو: إذذكر، وازدجر، وادهن، أصله: اذتكر، وازتجر، وادتهن؛ أو جيم شذوذ، قالوا: اجد مع في اجتمع، ومن تاء الضمير بعد الزاي والدال، ومثلوا بتاء الضمير للمتكلم فقالوا في فزت: فزد، وفي جلدت: جلدّ، ومن تاء تولج شذوذاً قالوا: دولج، وتاء المضارعة ليست شيئاً مما ذكرنا، فلا تبدل تاءه. وقول ابن عطية: والذي منع من هذا اللفظ إلى آخره، يدل على أنه لولا ذلك لجاز إبدال تاء، المضارعة دالاً وإدغام الذال فيها، فكنت تقول: إذ تخرج: ادّخرج، وذلك لا يقوله أحد، بل إذا أدغم مثل هذا أبدل من الذال تاء وأدغم في التاء، فتقول: اتخرج.
والكاف في موضع نصب بيفعلون.
وبل هنا إضراب عن جوابه لما سأل وأخذ في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً وإقراراً بالعجز.
وعدو: يكون للمفرد والجمع، كما قال: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ ، قيل: شبه بالمصدر، كالقبول والولوع.
стр. 2104
الظاهر إقرار الاستثناء في موضعه من غير تقديم ولا تأخير. وقال الجرجاني: تقديره: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين، فإنهم عدو لي، وإلا: بمعنى دون وسوى. انتهى. فجعله مستثنى مما بعد كنتم تعبدون، ولا حاجة إلى هذا التقدير لصحة أن يكون مستثنى من قوله: ﴿فإنهم عدو لي﴾ . وجعله جماعة منهم الفراء، واتبعه الزمخشري استثناء منقطعاً، أي لكن رب العالمين، لأنهم فهموا من قوله: ما كنتم تعبدون أنهم الأصنام. وأجاز الزجاج أن يكون استثناء متصلاً على أنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه الأصنام، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله، وأجازوا في ﴿الذي خلقني﴾ النصب على الصفة لرب العالمين، أو بإضمار، أعني: والرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هو الذي. وقال الحوفي: ويجوز أن يكون ﴿الذي خلقني﴾ رفعاً بالابتداء، ﴿فهو يهدين:﴾ ابتداء وخبر في موضع الخبر عن الذي، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط. انتهى. وليس الذي هنا فيه معنى اسم الشرط لأنه خاص، ولا يتخيل فيه العموم، فليس نظير: الذي يأتيني فله درهم، وأيضاً ليس الفعل الذي هو خلق لا يمكن فيه تحدد بالنسبة إلى إبراهيم.
وتابع أبو البقاء الحوفي في إعرابه هذا، لكنه لم يقل: ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط. فإن كان أراد ذلك، فليس بجيد لما ذكرناه، وإن لم يرده، فلا يجوز ذلك إلا على زيادة الفاء، على مذهب الأخفش في نحو: زيد فاضربه؛ الذي خلقني بقدرته فهو يهدين إلى طاعته.
و ﴿يوم الدين:﴾ ظرف، والعامل فيه يعفر.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
стр. 2105
والظاهر أن الاستثناء منقطع، أي لكن من أتى الله بقلب سليم ينفعه سلامة قلبه. قال الزمخشري: ولك أن تجعل الاستثناء منقطعاً، ولا بد لك مع ذلك من تقدير المضاف، وهو الحال المراد بها السلامة، وليست من جنس المال والبنين حتى يؤول المعنى إلى أن المال والبنين لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب، ولو لم يقدر المضاف ثم يتحصل للاستثناء معنى. انتهى. ولا ضرورة تدعو إلى حذف مضاف، كما ذكر، إذ قدرناه، لكن ﴿من أتى الله بقلب سليم﴾ ينفعه ذلك، وقد جعله الزمخشري في أول توجيهه متصلاً بتأويل قال: إلا من أتى الله: إلا حال من أتى الله بقلب سليم، وهو من قوله:
تحية بينهم ضرب وجيع
وما ثوابه إلى السيف، ومثاله أن يقال: هل لزيد مال وبنون؟ فيقول: ماله وبنوه سلامة قلبه، تريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك. وإن شئت حملت الكلام على المعنى، وجعلت المال والبنين في معنى الغنى، كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم، لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. انتهى. وجعله بعضهم استثناء مفرغاً، فمن مفعول، والتقدير: لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا من أتى الله بقلب سليم، فإنه ينفعه ماله المصروف في وجوه البر.
﴿الجحيم﴾ بالرفع، بإسناد الفعل إليها اتساعاً.
﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾
وقوله: إن كنا إلا ضالين، إن أراد تفسير المعنى فهو صحيح، وإن أراد أن هنا نافية، واللام في لفي بمعنى إلا، فليس مذهب البصريين، وإنما هو مذهب الكوفيين. ومذهب البصريين في مثل هذا أن إن هي المخففة من الثقيلة، وأن اللام هي الداخلة للفرق بين إن النافية وإن التي هي لتأكيد مضمون الجملة.
следующие страницы →