Полный текст (2 567 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
والشهداء ﴿وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ : الظاهر أنه مبتدأ خبره ما بعده، فيقف على الصديقون، وإن شئت فهو من عطف الجمل.
وقال ابن مسعود ومجاهد وجماعة: والشهداء معطوف على الصديقون، والكلام متصل، يعنون من عطف المفرادت.
﴿كمثل غيثٍ﴾ وقال ابن عطية: ﴿كمثل﴾ في موضع رفع صفة لما تقدّم.
﴿الذين يبخلون﴾ : أي هم الذين يبخلون، أو يكون الذين مبتدأ محذوف الخبر على جهة الإبهام تقديره: مذمومون، أو موعودون بالعذاب، أو مستغنى عنهم، أو على إضمار، أعني فهو في موضع نصب، أو في موضع نصب صفة لكل مختال، وإن كان نكرة، فهو مخصص نوعاً مّا، فيسوغ لذلك وصفة بالمعرفه. قال ابن عطية: هذا مذهب الأخفش.
стр. 2452
وقرأ الجمهور: ﴿فإن الله هو﴾ ؛ وقرأ نافع وابن عامر: بإسقاط هو، وكذا في مصاحف المدينة والشام، وكلتا القراءتين متواترة. فمن أثبت هو، فقال أبو علي الفارسي: يحسن أن يكون فصلاً، قال: ولا يحسن أن يكون ابتداء، لأن حذف الابتداء غير سائغ. انتهى. يعني أنه في القراءة الأخرى حذف، ولو كان مبتدأ لم يجز حذفه، لأنك إذا قلت: إن زيداً هو الفاضل، فأعربت هو مبتدأ، لم يجز حذفه، لأن ما بعده من قولك الفاضل صالح أن يكون خبراً لأن، فلا يبقى دليل على حذف هو الرابط. ونظيره: ﴿الذين هم يراءون﴾ ، لا يجوز حذف هم، لأن ما بعده يصلح أن يكون صلة، فلا يبقى دليل على المحذوف. وما ذهب إليه أبو علي ليس بشيء، لأنه بنى ذلك على توافق القراءتين وتركيب إحداهما على الأخرى، وليس كذلك. ألا ترى أنه يكون قراءتان في لفظ واحد، ولكل منهما توجيه يخالف الآخر، كقراءة من قرأ: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ بضم التاء، والقراءة الأخرى: ﴿بما وضعت﴾ بتاء التأنيث؟ فضم التاء يقتضي أن الجملة من كلام أم مريم، وتاء التأنيث تقتضي أنها من كلام الله تعالى، وهذا كثير في القراءات المتواترة. فكذلك هذا يجوز أن يكون هو مبتدأ في قراءة من أثبته، وإن كان لم يرد في القراءة الأخرى، ولكل من التركيبين في الإعراب حكم يخصه.
﴿وجعلنا﴾ : يحتمل أن يكون المعنى وخلقنا، كقوله: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ ، ويحتمل أن يكون بمعنى صيرنا، فيكون ﴿في قلوب﴾ : في موضع المفعول الثاني لجعلنا. ﴿ورهبانية﴾ معطوف على ما قبله، فهي داخلة في الجمل. ﴿ابتدعوها﴾ : جملة في موضع الصفة لرهبانية.
стр. 2453
وجعل أبو علي الفارسي ﴿ورهبانية﴾ مقتطعة من العطف على ما قبلها من ﴿رأفة ورحمة﴾ ، فانتصب عنده ﴿ورهبانية﴾ على إضمار فعل يفسره ما بعده، فهو من باب الاشتغال، أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها. واتبعه الزمخشري فقال: وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، يعني وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها. انتهى، وهذا إعراب المعتزلة، وكان أبو عليّ معتزلياً. وهم يقولون: ما كان مخلوقاً لله لا يكون مخلوقاً للعبد، فالرأفة والرحمة من خلق الله، والرهبانية من ابتداع الإنسان، فهي مخلوقة له. وهذا الإعراب الذي لهم ليس بجيد من جهة صناعة العربية، لأن مثل هذا هو مما يجوز فيه الرفع بالابتداء، ولا يجوز الابتداء هنا بقوله: ﴿ورهبانية﴾ ، لأنها نكرة لا مسوغ لها من المسوغات للابتداء بالنكرة.
والظاهر أن ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ استثناء متصل من ما هو مفعول من أجله، وصار المعنى: أنه تعالى كتبها عليهم ابتغاء مرضاته، وهذا قول مجاهد، ويكون كتب بمعنى قضى. وقال قتادة وجماعة: المعنى: المعنى: لم يفرضها عليهم، ولكنهم فعلوا ذلك ابتغاء رضوان الله تعالى، فالاستثناء على هذا منقطع، أي لكن ابتدعوها لابتغاء رضوان الله تعالى.
وقرأ الجمهور: ﴿لئلا يعلم﴾ ، ولا زائدة كهي في قوله: ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ ، وفي قوله: ﴿أنهم لا يرجعون﴾ في بعض التأويلات.
وري ابن مجاهد عن الحسن: ليلاً مثل ليلى اسم المرأة، يعلم برفع الميم أصله لأن لا بفتح لام الجر وهي لغة، فحذفت الهمزة، اعتباطاً، وأدغمت النون في اللام، فاجتمعت الأمثال وثقل النطق بها، فأبدلوا من الساكنة ياء فصار ليلاً، ورفع الميم، لأن إن هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع، إذ الأصل لأنه لا يعلم.
وقرأ الجمهور: أن لا يقدرون بالنون، فإن هي المخففة من الثقيلة.
سورة المجادلة
اثنان وعشرون آية مدنية
стр. 2454
وقرأ الجمهور: أمّهاتهم، بالنصب على لغة الحجاز؛ والمفضل عن عاصم: بالرفع على لغة تميم؛ وابن مسعود: بأمهاتهم، بزيادة الباء.
وانتصب ﴿جميعاً﴾ على الحال: أي مجتمعين في صعيد واحد.
ويكون هنا تامة، ونجوى احتمل أن تكون مصدراً مضافاً إلى ثلاثة، أي من تناجي ثلاثة، أو مصدراً على حذف مضاف، أي من ذوي نجوى، أو مصدراً أطلق على الجماعة المتناجين، فثلاثة: على هذين التقديرين. قال ابن عطية: بدل أو صفة. وقال الزمخشري: صفة. وقرأ ابن أبي عبلة ثلاثة وخمسة بالنصب على الحال، والعامل يتناجون مضمرة يدل عليه نجوى. وقال الزمخشري: أو على تأويل نجوى بمتناجين ونصبها من المستكن فيه.
وقرأ الجمهور: ولا أكثر ﴿الأٌّرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ﴾ عطفاً على لفظ المخفوض؛ والحسن وابن أبي إسحاق والأعمش وأبو حيوة وسلام ويعقوب: بالرفع عطفاً على موضع نجوى إن أريد به المتناجون، ومن جعله مصدراً محضاً على حذف مضاف، أي ولا نجوى أدنى، ثم حذف وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه. ويجوز أن يكون ﴿ولا أدنى﴾ مبتدأ، والخبر ﴿إلا هو معهم﴾ ، فهو من عطف الجمل، وقرأ الحسن أيضاً ومجاهد والخليل بن أحمد ويعقوب أيضاً: ولا أكبر بالباء بواحدة والرفع، واحتمل الإعرابين: العطف على الموضع والرفع بالابتداء.
وتقدمت القراءتان في نحو: ليحزن ﴿الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ﴾ . وقرىء: بفتح الياء والزاي، فيكون ﴿الذين﴾ فاعلاً، وفي القراءتين مفعولاً.
وانجزم ﴿يفسح الله﴾ على جواب الأمر.
والظاهر أن قوله: ﴿والذين أوتوا العلم﴾ معطوف على ﴿الذين آمنوا﴾ ، والعطف مشعر بالتغاير، وهو من عطف الصفات.
وانتصب ﴿والذين أوتوا العلم﴾ بفعل مضمر تقديره: ويخص الذين أوتوا العلم درجات، فللمؤمنين رفع، وللعلماء درجات.
стр. 2455
وعلى هذا التأويل يكون ﴿ما هم﴾ استئنافاً، وجاز أن يكون حالاً من ضمير ﴿تولوا﴾ . وعلى احتمال ابن عطية، يكون ﴿ما هم﴾ صفة لقوم.
وقرأ الجمهور: كتب ﴿عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ﴾ مبنياً للفاعل، ﴿في قلوبهم الإيمان﴾ نصباً، أي كتب الله. وأبو حيوة والمفضل عن عاصم: كتب مبنياً للمفعول، والإيمان رفع.
سورة الحشر
أربع وعشرون آية مدنية
من ديارهم ﴿الْمُفْلِحُونَ * سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الأٌّرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لأًّوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ يأُوْلِى الأٌّبْصَرِ﴾ : يتعلق بأخرج، و ﴿من أهل الكتاب﴾ يتعلق بمحذوف، أي كائنين من أهل الكتاب.
واللام في ﴿لأول الحشر﴾ تتعلق بأخرج، وهي لام التوقيت، كقوله: ﴿لدلوك الشمس﴾ .
стр. 2456
ولما كان ظن المؤمنين منفياً هنا، أجري مجرى نفي الرجاء والطمع، فتسلط على أن الناصبة للفعل، كما يتسلط الرجاء والطمع. ولما كان ظن اليهود قوياً جداً يكاد أن يلحق بالعلم تسلط على أن المشددة، وهي التي يصحبها غالباً فعل التحقيق، كعلمت وتحققت وأيقنت، وحصونهم الوصم والميضاة والسلاليم والكثيبة. وقال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسماً لأن وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في انفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. انتهى، يعني أن حصونهم هو المبتدأ، ومانعتهم الخبر، ولا يتعين هذا، بل الراجح أن يكون حصونهم فاعلة بمانعتهم، لأن في توجيهه تقديماً وتأخيراً، وفي إجازة مثله من نحو: قائم زيد، على الابتداء، والخبر خلاف؛ ومذهب أهل الكوفة منعه.
وما شرطية منصوبة بقطعتم، ومن لينة تبيين لإبهام ما، وجواب الشرط فبإذن الله ﴿الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ يأُوْلِى الأٌّبْصَرِ * وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الأٌّخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ﴾ .
стр. 2457
وما في قوله: ﴿وما آفاء الله على رسوله﴾ شرطية أو موصولة، وأفاء بمعنى: يفيء، ولا يكون ماضياً في اللفظ والمعنى، ولذلك صلة ما الموصولة إذا كانت الباء في خبرها، لأنها إذ ذاك شبهت باسم الشرط.
ومن في: ﴿من خيل﴾ زائدة في المفعول يدل عليه الاستغراق.
والضمير في تكون بالتأنيث عائد على معنى ما، إذ المراد به الأموال والمغانم، وذلك الضمير هو اسم يكون ﴿السَّبِيلِ كَى لاَ يَكُونَ﴾ . وكذلك من قرأ بالياء، أعاد الضمير على لفظ ما، أي يكون الفيء، وانتصب دولة على الخبر. ومن رفع دولة فتكون تامة، ودولة فاعل.
﴿للفقراء﴾ ، قال الزمخشري: بدل من قوله: ﴿ولذي القربى﴾ ، والمعطوف عليه والذي منع الإبدال من ﴿لله وللرسول﴾ ، والمعطوف عليهما، وإن كان المعنى لرسول الله ﷺ أن الله أخرج رسوله من الفقراء في قوله: ﴿وينصرون الله ورسوله﴾ ، وأنه يترفع برسول الله صلى الله عليه وسلّمعن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وعلا. انتهى. وإنما جعله الزمخشري بدلاً من قوله: ﴿ولذي القربى﴾ ، لأنه مذهب أبي حنيفة.
والإيمان معطوف على الدار، وهي المدينة، والإيمان ليس مكاناً فيتبوأ. فقيل: هو من عطف الجمل، أي واعتقدوا الإيمان وأخلصوا فيه، قاله أبو عليّ، فيكون كقوله:
علفتها تبناً وماء بارداً
أو يكون ضمن تبوؤا ﴿الصَّدِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ﴾ معنى لزموا، واللزوم قدر مشترك في الدار والإيمان، فيصح العطف.
﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ : الظاهر أنه معطوف على ما قبله من المعطوف على المهاجرين.
стр. 2458
وقيل: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ مقطوع مما قبله، معطوف عطف الجمل، لا عطف المفردات؛ فإعرابه: ﴿والذين﴾ مبتدأ، ندبوا بالدعاء للأولين، والثناء عليهم، وهم من يجيء بعد الصحابة إلى يوم القيامة، والخبر ﴿يقولون﴾ ، أخبر تعالى عنهم بأنهم لإيمانهم ومحبة أسلافهم ﴿يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا﴾ ، وعلى القول الأول يكون ﴿يقولون﴾ استئناف إخبار، قيل: أو حال.
و ﴿لننصرنكم﴾ : جواب قسم محذوف قبل أن الشرطية، وجواب أن محذوف، والكثير في كلام العرب إثبات اللام المؤذنة بالقسم قبل أداة الشرط، ومن حذفها قوله: ﴿وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين﴾ ، التقدير: ولئن لم ينتهوا لكاذبون.
قال ابن عطية: وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله: ﴿لا يخرجون﴾ و ﴿لا ينصرون﴾ لأنها راجعة على حكم القسم، لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر. انتهى. وأي نظر في هذا؟ وهذا جاء على القاعدة المتفق عليها من أنه إذا تقدم القسم على الشرط كان الجواب للقسم وحذف جواب الشرط، وكان فعله بصيغة المضي، أو مجزوماً بلم، وله شرط، وهو أن لا يتقدمه طالب خبر. واللام في ﴿لئن﴾ مؤذنة بقسم محذوف قبله، فالجواب له. وقد أجاز الفراء أن يجاب الشرط، وأن تقدم القسم، ورده عليه البصريون.
﴿كمثل﴾ : خبر مبتدأ محذوف، أي مثلهم.
والجمهور: ﴿خالدين﴾ بالياء حالاً، و ﴿في النار﴾ خبر أن؛ وعبد الله وزيد بن علي والأعمش وابن عبلة: بالألف، فجاز أن يكون خبر أن، والظرف ملغى وإن كان قد أكد بقوله: ﴿فيها﴾ ، وذلك جائز على مذهب سيبويه، ومنع ذلك أهل الكوفة، لأنه إذا أكد عندهم لا يلغى. ويجوز أن يكون في النار خبراً، لأن ﴿خالدين﴾ خبر ثان، فلا يكون فيه حجة على مذهب سيبويه.
سورة الممتحنة
ثلاث عشرة آية مدنية
стр. 2459
وأولياء مفعول ثان لتتخذوا. تلقون: بيان لموالاتهم، فلا موضع له من الإعراب، أو استئناف إخبار. وقال الحوفي والزمخشري: حال من الضمير في ﴿لا تتخذوا﴾ ، أو صفة لأولياء، وهذا تقدّمه إليه الفراء، قال: ﴿تلقون إليهم بالمودّة﴾ من صلة ﴿أولياء﴾ . انتهى. وعندهم أن النكرة توصل، وعند البصريين لا توصل بل توصف، والحال والصفة قيد.
ومفعول ﴿تلقون﴾ محذوف، أي تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلّموأسراره. والباء في ﴿بالمودة﴾ للسبب، أي بسبب المودة التي بينهم. وقال الكوفيون: الباء زائدة، كما قيل: في: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ : أي أيديكم. قال الحوفي: وقال البصريون هي متعلقة بالمصدر الذي دل عليه الفعل، وكذلك قوله ﴿بإلحاد بظلم﴾ : أي إرادته بإلحاد. انتهى. فعلى هذا يكون ﴿بالمودّة﴾ متعلقاً بالمصدر، أي إلقاؤهم بالمودّة، وهذا ليس بجيد، لأن فيه حذف المصدر، وهو موصول، وحذف الخبر، إذ إلقاؤهم مبتدأ وبما يتعلق به، ﴿وقد كفروا﴾ جملة حالية، وذو الحال الضمير في ﴿تلقون﴾ : أي توادونهم، وهذه حالهم، وهي الكفر بالله، ولا يناسب الكافر بالله أن يودّ. وأجاز الزمخشري أن يكون حالاً من فاعل ﴿لا تتخذوا﴾ .
وأن تؤمنوا ﴿الرَّسُولَ وَإِيَّكُمْ أَن﴾ مفعول من أجله، أي يخرجون لإيمانكم أو كراهة إيمانكم، ﴿إن كنتم خرجتم﴾ : شرط جوابه محذوف لدلالة ما تقدّم عليه، وهو قوله: ﴿لا تتخذوا عدوي﴾ ، ونصب جهاداً وابتغاء على المصدر في موضع الحال، أي مجاهدين ومبتغين، أو على أنه مفعول من أجله. ﴿تسرون﴾ : استئناف.
стр. 2460
وقال ابن عطية: ﴿تسرون﴾ بدل من ﴿تلقون﴾ . انتهى، وهو شبيه ببدل الاشتمال، لأن الإلقاء يكون سراً وجهراً، فهو ينقسم إلى هذىن النوعين. وأجاز أيضاً أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنتم تسرون. والظاهر أن ﴿أعلم﴾ أفعل تفضيل، ولذلك عداه بالباء. وأجاز ابن عطية أن يكون مضارعاً عدى بالباء قال: لأنك تقول علمت بكذا. ﴿وأنا أعلم﴾ : جملة حالية، والضمير في ﴿ومن يفعله منكم﴾ ، الظاهر أنه إلى أقرب مذكور، أي ومن يفعل الأسرار. وقال ابن عطية: يعود على الاتخاذ، وانتصب سواء على المفعول به على تقدير تعدى ضل، أو على الظرف على تقدير اللزوم، والسواء: الوسط.
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعاً مثله، ثم قال ﴿وودّوا﴾ بلفظ الماضي؟ قلت: الماضي، وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإنه فيه نكتة كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعاً. انتهى. وكأن الزمخشري فهم من قوله: ﴿وودوا﴾ أنه معطوف على جواب الشرط، فجعل ذلك سؤالاً وجواباً. والذي يظهر أن قوله: ﴿وودّوا﴾ ليس على جواب الشرط، لأن ودادتهم كفرهم ليست مترتبة على الظفر بهم والتسلط عليهم، بل هم وادون كفرهم على كل حال، سواء أظفروا بهم أم لم يظفروا، وإنما هو معطوف على جملة الشرط والجزاء.
ويوم معمول لينفعكم أو ليفصل. وقرأ الجمهور؛ يفصل ﴿أَوْلَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ﴾ بالياء مخففاً مبنياً للمفعول. وقرأ الأعرج وعيسى وابن عامر: كذلك إلا أنه مشدد، والمرفوع، إما ﴿بينكم﴾ ، وهو مبني على الفتح لإضافته إلى مبني، وإما ضمير المصدر المفهوم من يفصل، أي يفصل هو، أي الفصل.
стр. 2461
والذي يظهر أنه مستثنى من مضاف لإبراهيم تقديره: أسوة حسنة في مقالات إبراهيم ومحاوراته لقومه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴿لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ ، فليس فيه أسوة حسنة، فيكون على هذا استثناء متصلاً.
وقيل: هو استثناء منقطع المعنى، لكن قول إبراهيم لأبيه ﴿لأستغفرن لك﴾ ، فلا تأسوا به فيه.
و ﴿أن تبروهم﴾ ، و ﴿أن تولولهم﴾ بدلان مما قبلهما، بدل اشتمال.
قرئ مهاجرات بالرفع على البدل من المؤمنات.
﴿قد ينسوا من الآخرة﴾ : وقيل: من لبيان الجنس، أي الكفار الذين هم أصحاب القبور، والمأيوس منه محذوف، أي كما يئس الكفار المقبورون من رحمة الله.
وقد ذكرنا أن الظاهر كون من لابتداء الغاية، إذ لا يحتاج الكلام إلى تقدير محذوف.
سورة الصف
أربع عشرة آية مدنية
والظاهر انتصاب مقتاً ﴿الْقُبُورِ * سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الأٌّرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ على التمييز، وفاعل ﴿كبر﴾ : أن ﴿تقولوا﴾ ، وهو من التمييز المنقول من الفاعل، والتقدير: كبر مقت قولكم ما لا تفعلون. ويجوز أن يكون من باب نعم وبئس، فيكون في كبر ضمير مبهم مفسر بالتمييز، وأن تقولوا هو المخصوص بالذم، أي بئس مقتاً قولكم كذا، والخلاف الجاري في المرفوع في: بئس رجلاً زيد، جار في ﴿أن تقولوا﴾ هنا، ويجوز أن يكون في كبر ضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿لم تقولون﴾ ، أي كبر هو، أي القول مقتاً، ومثله كبرت كلمة، أي ما أكبرها كلمة، وأن تقولوا بدل من المضمر، أو خبر ابتداء مضمر. وقىل: هو من أبنية التعجب، أي ما أكبره مقتاً. وقال الزمخشري: قصد في كبر التعجب من غير لفظه كقوله:
غلت ناب كليب بواؤها
ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظرائه وأشكاله، وأسند إلى ﴿أن تقولوا﴾ ونصب ﴿مقتاً﴾ على تفسيره.
وانتصب صفاً على الحال، أي صافين أنفسهم أو مصفوفين.
стр. 2462
وقال الحوفي: كأنهم في موضع النعت لصفاً. انتهى. ويجوز أن يكونا حالين من ضمير يقاتلون.
﴿وقد تعلمون﴾ : جملة حالية ومصدقاً ومبشراً: حالان، والعامل رسول، أي مرسل، ويأتي واسمه جملتان في موضع الصفة لرسول.
وادعى يتعدى بنفسه إلى المفعول به، لكنه لما ضمن معنى الانتماء والانتساب عدى بإلى.
قال: واللام في قوله: يطفئوا ﴿الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ﴾ لام مؤكدة، دخلت على المفعول لأن التقدير: يريدون أن يطفؤا، وأكثر ما تلزم هذه اللام المفعول إذا تقدم، تقول: لزيد ضربت، ولرؤيتك قصرت. انتهى. وما ذكره ابن عطية من أن هذه اللام أكثر ما تلزم المفعول إذا تقدم ليس بأكثر، بل الأكثر: زيداً ضربت، من: لزيد ضربت. وأما قولهما إن اللام للتأكيد، وإن التقدير أن يطفؤا، فالإطفاء مفعول ﴿يريدون﴾ ، فليس بمذهب سيبويه والجمهور.
والجمهور: ﴿تؤمنون﴾ ، ﴿وتجاهدون﴾ ؛ وعبد الله: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا أمرين؛ وزيد بن علي بالتاء، فيهما محذوف النون فيهما. فأما توجيه قراءة الجمهور، فقال المبرد: هو بمعنى آمنوا على الأمر، ولذلك جاء يغفر مجزوماً. انتهى، فصورته صورة الخبر، ومعناه الأمر، ويدل عليه قراءة عبد الله، ونظيره قوله: اتقى الله امرؤ فعل خيراً يثب عليه، أي ليتق الله، وجيء به على صورة الخبر. قال الزمخشري: للإيذان بوجوب الامتثال وكأنه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين، ونظيره قول الداعي: غفر الله لك ويغفر الله لك، جعلت المغفرة لقوة الرجاء، كأنها كانت ووجدت. انتهى. وقال الأخفش: هو عطف بيان على تجارة، وهذا لا يتخيل إلا على تقدير أن يكون الأصل أن تؤمنوا حتى يتقدر بمصدر، ثم حذف أن فارتفع الفعل كقوله:
ألا أيهذا الزاجري احضر الوغا
стр. 2463
يريد: أن احضر، فلما حذف أن ارتفع الفعل، فكان تقدير الآية ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ : إيمان بالله ورسوله وجهاد. وقال ابن عطية: ﴿تؤمنون﴾ فعل مرفوع تقديره ذلك أنه تؤمنون. انتهى، وهذا ليس بشيء، لأن فيه حذف المبتدأ وحذف أنه وإبقاء الخبر، وذلك لا يجوز. وقال الزمخشري: وتؤمنون استئناف، كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: تؤمنون، ثم اتبع المبرد فقال: هو خبر في معنى الأمر، وبهذا أجيب بقوله: ﴿يغفر لكم﴾ . انتهى. وأما قراءة عبد الله فظاهرة المعنى وجواب الأمر يغفر، وأما قراءة زيد فتتوجه على حذف لام الأمر، التقدير: لتؤمنوا، كقول الشاعر:
قلت لبواب على بابهاتأذن لي أني من أحمائها يريد: لتأذن، ويغفر مجزوم على جواب الأمر في قراءة عبد الله وقراءة زيد، وعلي تقدير المبرد. وقال الفراء: هو مجزوم على جواب الاستفهام، وهو قوله: ﴿هل أدلكم﴾ ، واستبعد هذا التخريج. قال الزجاج: ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. وقال المهدوي: إنما يصح حملاً على المعنى، وهو أن يكون تؤمنون وتجاهدون عطف بيان على قوله: ﴿هل أدلكم﴾ ، كأن التجارة لم يدر ما هي، فبينت بالإيمان والجهاد، فهي هما في المعنى.
﴿وأخرى﴾ : صفة لمحذوف، أي ولكم مثوية أخرى، أو نعمة أخرى عاجلة إلى هذه النعمة الآجلة. فأخرى مبتدأ وخبره المقدر لكم، وهو قول الفراء، ويرجحه البدل منه بقوله: ﴿نصر من الله﴾ ، و ﴿تحبونها﴾ صفة، أي محبوبة إليكم. وقال قوم: وأخرى في موضع نصب بإضمار فعل، أي ويمنحكم أخرى؛ ونصر خبر مبتدأ، أي ذلك، أو هو نصر. وقال الأخفش: وأخرى في موضع جر عطفاً على تجارة، وضعف هذا القول لأن هذه الأخرى ليست مما دل عليه، إنما هي من الثواب الذي يعطيهم الله على الإيمان والجهاد بالنفس والمال.
стр. 2464
وقال الزمخشري: وفي تحبونها شيء من التوبيخ على محبة العاجل، قال: فإن قلت: لم نصب من قرأ نصراً من الله وفتحاً قريباً؟ قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص، أو على ينصرون نصراً ويفتح لكم فتحاً، أو على ﴿يغفر لكم﴾ و ﴿يدخلكم جنات﴾ ويؤتكم أخرى نصراً وفتحاً قريباً. فإن قلت علام عطف قوله: ﴿وبشر المؤمنين﴾ ؟ قلت: على ﴿تؤمنون﴾ ، لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك. انتهى.
والظاهر أن كما في موضع نصب على إضمار، أي قلنا لكم ذلك كما قال عيسى. وقال مكي: نعت لمصدر محذوف، والتقدير: كونوا كوناً. وقيل: نعت لأنصاراً.
سورة الجمعة
إحدى عشرة آية مدنية
وآخرين: الظاهر أنه معطوف على ﴿الأمّيين﴾ ، أي وفي آخرين من الأمّيين لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون. وقيل: ﴿وآخرين﴾ منصوب معطوف على الضمير في ﴿ويعلمهم﴾ .
وقرأ عبد الله: حمار منكراً؛ والمأمون بن هارون: يحمل بشد الميم مبنياً للمفعول. والجمهور: الحمار معرفاً، ويحمل مخففاً مبنياً للفاعل، ويحمل في موضع نصب على الحال. قال الزمخشري: أو الجر على الوصف، لأن الحمار كاللئيم في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
стр. 2465
وهذا الذي قاله قد ذهب إليه بعض النحويين، وهو أن مثل هذا من المعارف يوصف بالجمل، وحملوا عليه وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴿يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ﴾ ، وهذا وأمثاله عند المحققين في موضع الحال، لا في موضع الصفة. ووصفة بالمعرفة ذي اللام دليل على تعريفه مع ما في ذلك المذهب من هدم ما ذكره المتقدمون من أن المعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة، والجمل نكرات. ﴿بئس مثل القوم﴾ . قال الزمخشري: بئس مثلاً مثل القوم. انتهى. فخرجه على أن يكون التمييز محذوفاً، وفي بئس ضمير يفسره مثلاً الذي ادعى حذفه. وقد نص سيبويه على أن التمييز الذي يفسره الضمير المستكن في نعم وبئس وما أجري مجراهما لا يجوز حذفه. وقال ابن عطية: والتقدير بئس المثل مثل القوم. انتهى. وهذا ليس بشيء، لأن فيه حذف الفاعل، وهو لا يجوز. والظاهر أن ﴿مثل القوم﴾ فاعل ﴿بئس﴾ ، والذين كفروا هو المخصوص بالذم على حذف مضاف، أي مثل الذين كذبوا بآيات الله، وهم اليهود، أو يكون ﴿الذين كذبوا﴾ صفة للقوم، والمخصوص بالدم محذوف، التقدير: بئس مثل القوم المكذبين مثلهم.
قال الزمخشري: ولا فرق بين لا ولن في أن كل واحد منهما نفي للمستقبل، إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا، فأتى مرة بلفظ التأكيد: ولن يتمنوه ﴿صَدِقِينَ * وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ﴾ ، ومرة بغير لفظه: ﴿ولا يتمنونه﴾ ، وهذا منه رجوع عن مذهبه في أن لن تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة في أنها لا تقتضيه، وأما قوله: إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا، فيحتاج ذلك إلى نقل عن مستقري اللسان.
стр. 2466
وقرأ الجمهور: فإنه ﴿بِالظَّلِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ ثُمَّ﴾ ، والفاء دخلت في خبر إن إذا جرى مجرى صفته، فكان إن باشرت الذي، وفي الذي معنى الشرط، فدخلت الفاء في الخبر، وقد منع هذا قوم، منهم الفراء، وجعلوا الفاء زائدة. وقرأ زيد بن علي: إنه بغير فاء، وخرجه الزمخشري على الاستئناف، وخبر إن هو الذي، كأنه قال: قل إن الموت هو الذي تفرون منه. انتهى. ويحتمل أن يكون خبر أن هو قوله: أنه ملاقيكم، فالجملة خبر إن، ويحتمل أن يكون إنه توكيداً، لأن الموت وملاقيكم خبر إن. لما طال الكلام، أكد الحرف مصحوباً بضمير الاسم الذي لإن.
سورة المنافقون
إحدى عشرة آية مدنية
ولقولهم ﴿الرزِقِينَ﴾ : الجار والمجرور هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وليست اللام زائدة، بل ضمن يسمع معنى يصغ ويمل، تعدى باللام وليست زائدة، فيكون قولهم هو المسموع.
ويجوز أن يكون هم العدو ﴿مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ﴾ المفعول الثاني كما لو طرحت الضمير. فإن قلت: فحقه أن يقول: هي العدو. قلت: منظور فيه إلى الخبر، كما ذكر في هذا ربي، وأن يقدر مضاف محذوف على يحسبون كل أهل صيحة. انتهى. وتخريج ﴿هم العدو﴾ على أنه مفعول ثان ليحسبون تخريج متكلف بعيد عن الفصاحة.
قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون أنى ظرفاً لقاتلهم، كأنه قال: قاتلهم الله كيف انصرفوا أو صرفوا، فلا يكون في هذا القول استفهام على هذا. انتهى. ولا يصح أن يكون أنى لمجرد الظرف، بل لا بد يكون ظرفاً استفهاماً، إما بمعنى أين.
وعلى هذه التقادير لا يعمل فيها ما قبلها، ولا تتجرد لمطلق الظرفية بحال من غير اعتبار ما ذكرناه، فالقول بذلك باطل.
стр. 2467
وقرىء: يصدون ويصدون، جملة حالية، وأتت بالمضارع ليدل على استمرارهم، وهم مستكبرون ﴿فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ : جملة حالية أيضاً.
وجاز حذف الهمزة لدلالة أم عليها، كما دلت على حذفها في قوله:
بسبع رمينا الجمر أم بثمان
يريد: أبسبع.
ليخرجن الأعز منها الأذل ﴿عَلَيْهِمْ﴾ : والحسن وابن أبي عبلة والسبي في اختياره: لنخرجن بالنون، ونصب الأعز والأذل، فالأعز مفعول، والأذل حال. وقرىء: مبنياً للمفعول وبالياء، الأعز مرفوع به، الأذل نصباً على الحال. ومجيء الحال بصورة المعرفة متأول عند البصريين، فما كان منها بأل فعلى زيادتها، لا أنها معرفة.
стр. 2468
وقرأ الجمهور: فأصّدّق، وهو منصوب على جواب الرغبة؛ وأبي وعبد الله وابن جبير: فأتصدق على الأصل. وقرأ جمهور السبعة: وأكن ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ﴾ مجزوماً. قال الزمخشري: ﴿وأكن﴾ بالجزم عطفاً على محل ﴿فأصدق﴾ ، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن. انتهى. وقال ابن عطية: عطفاً على الموضع، لأن التقدير: أن تؤخرني أصدق وأكن، هذا مذهب أبي علي الفارسي. فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا، وهو أنه جزم وأكن على توهم الشرط الذي يدل عليه بالتمني، ولا موضع هنا، لأن الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف على الموضع، حيث يظهر الشرط كقوله تعالى: ﴿من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم﴾ . فمن قرأ بالجزم عطف على موضع ﴿فلا هادي له﴾ ، لأنه لو وقع هنالك فعل كان مجزوماً. انتهى. والفرق بين العطف على الموضع والعطف على التوهم: أن العامل في العطف على الموضع موجود دون مؤثره، والعامل في العطف على التوهم مفقود وأثره موجود. وقرأ الحسن وابن جبير وأبو رجاء وابن أبي إسحاق ومالك بن دينار والأعمش وابن محيصن وعبد الله بن الحسن العنبري وأبو عمرو: وأكون بالنصب، عطفاً على ﴿فأصدق﴾ ، وكذا في مصحف عبد الله وأبي. وقرأ عبيد بن عمير: وأكون بضم النون على الاستئناف، أي وأنا أكون.
سورة التغابن
ثماني عشرة آية مدنية
وارتفع أبشر عند الجوفي وابن عطية على الابتداء، والخبر ﴿يهدوننا﴾ ، والأحسن أن يكون مرفوعاً على الفاعلية، لأن همزة الاستفهام تطلب الفعل، فالمسألة من باب الاشتغال.
وبلى: إثبات لما بعد حرف النفي.
وانتصب ﴿يوم يجمعكم﴾ بقوله: ﴿لتنبؤن﴾ ، أو بخبير، بما فيه من معنى الوعيد والجزاء، أو باذكر مضمرة، قاله الزمخشري؛ والأول عن النحاس، والثاني عن الحوفي.
وما نافية، ومفعول أصاب محذوف، أي ما أصاب أحداً، والفاعل من مصيبة، ومن زائدة، ولم تلحق التاء أصاب، وإن كان الفاعل مؤنثاً، وهو فصيح.
стр. 2469
وقرأ الجمهور: يهد بالياء، مضارعاً لهدى، مجزوماً على جواب الشرط.
وخيراً ﴿الْمَصِيرُ * مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ﴾ منصوب بفعل محذوف تقديره: وأتوا خيراً، أو على إضمار يكن فيكون خبراً، أو على أنه نعت لمصدر محذوف، أي إنفاقاً خيراً، أو على أنه حال، أو على أنه مفعول بوأنفقوا خيراً، أي مالاً، أقوال، الأول عن سيبويه.
سورة الطلاق
اثنتا عشرة آية مدنية
لعدّتهن: هو على حذف مضاف، أي لاستقبال عدّتهن، واللام للتوقيت، نحو: كتبته لليلة بقيت من شهر كذا، وتقدير الزمخشري هنا حالاً محذوفة يدل عليها المعنى يتعلق بها المجرور، أي مستقبلات لعدتهن، ليس بجيد، لأنه قدر عاملاً خاصاً، ولا يحذف العامل في الظرف والجار والمجرور إذا كان خاصاً، بل إذا كان كوناً مطلقاً. لو قلت: زيد عندك أو في الدار، تريد: ضاحكا عندك أو ضاحكا في الدار، لم يجز. فتعليق اللام بقوله: ﴿فطلقوهن﴾ ، ويجعل على حذف مضاف هو الصحيح.
وقرأ الجمهور: بالغ بالتنوين، أمره بالنصب؛ وحفص والمفضل وأبان وجبلة وابن أبي عبلة وجماعة عن أبي عمرو ويعقوب وابن مصرف وزيد بن علي: بالإضافة؛ وابن أبي عبلة أيضاً وداود بن أبي هند وعصمة عن أبي عمرو: بالغ أمره، رفع: أي نافذ أمره. والمفضل أيضاً: بالغاً بالنصب، أمره بالرفع، فخرجه الزمخشري على أن بالغاً حال، وخبر إن هو قوله تعالى: قد جعل الله ﴿حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ﴾ ، ويجوز أن تخرج هذه القراءة على قول من ينصب بأن الجزأين، كقوله:
إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكنخطاك خفافاً أن حراسنا أسدا
ومن رفع أمره، فمفعول بالغ محذوف تقديره: بالغ أمره ما شاء.
стр. 2470
معطوف على واللائي يئسن ﴿أَشْهُرٍ وَاللَّتِي لَمْ﴾ ، فإعرابه مبتدأ كإعراب ﴿واللائي يئسن﴾ ، وقدروا خبره جملة من جنس خبر الأول، أي عدتهن ثلاثة أشهر، والأولى أن يقدر مثل أولئك أو كذلك، فيكون المقدر مفرداً جملة.
وقال الحوفي: من لابتداء الغاية، وكذا قال أبو البقاء. ومن وجدكم ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ﴾ . قال الزمخشري: فإن قلت: فقوله: ﴿من وجدكم﴾ . قلت: هو عطف بيان، كقوله: ﴿من حيث سكنتم﴾ وتفسير له، كأنه قيل: أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه، والوجد: الوسع والطاقة. انتهى. ولا نعرف عطف بيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً من قوله: ﴿من حيث سكنتم﴾ .
وقرأ الجمهور: ﴿لينفق﴾ بلام الأمر، وحكى أبو معاذ: لينفق بلام كي ونصب القاف، ويتعلق بمحذوف تقديره: شرعنا ذلك لينفق.
стр. 2471
وقيل: رسولاً ﴿ذِكْراً * رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْءَايَتِ اللَّهِ مُبَيِّنَتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَمَن﴾ نعت على حذف مضاف، أي ذكراً، ذا رسول. وقيل: المضاف محذوف من الأول، أي ذا ذكر رسولاً، فيكون رسولاً نعتاً لذلك المحذوف أو بدلاً. وقيل: رسول بمعنى رسالة، فيكون بدلاً من ذكر. وقيل: الذكر: الشرف لقوله: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ ، فيكون رسولاً بدلاً منه وبياناً له. وقال الكلبي: الرسول هنا جبريل ﵇، وتبعه الزمخشري فقال: رسولاً هو جبريل صلوات الله وسلامه عليه، أبدل من ذكراً لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر، فصح إبداله منه. انتهى. ولا يصح لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض ولا بدل اشتمال، وهذه الأعاريب على أن يكون ذكراً ورسولاً لشيء واحد. وقيل: رسولاً منصوب بفعل محذوف، أي بعث رسولاً، أو أرسل رسولاً، وحذف لدلالة أنزل عليه، ونحا إلى هذا السدي، واختاره ابن عطية. وقال الزجاج وأبو علي الفارسي: يجوز أن يكون رسولاً معمولاً للمصدر الذي هو الذكر. انتهى. فيكون المصدر مقدراً بأن، والقول تقديره: إن ذكر رسولاً وعمل منوناً كما عمل، أو ﴿إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً﴾ ، كما قال الشاعر:
بضرب بالسيوف رءوس قومأزلنا هامهن عن المقيل وقرىء: رسول بالرفع على إضمار هو.
стр. 2472
﴿ومن يؤمن﴾ : راعى اللفظ أولاً في من الشرطية، فأفرد الضمير في ﴿يؤمن﴾ ، ﴿ويعمل﴾ ، و ﴿يدخله﴾ ، ثم راعى المعنى في ﴿خالدين﴾ ، ثم راعى اللفظ في ﴿قد أحسن الله له﴾ فأفرد. واستدل النحويون بهذه الآية على مراعاة اللفظ أولاً، ثم مراعاة المعنى، ثم مراعاة اللفظ. وأورد بعضهم أن هذا ليس كما ذكروا، لأن الضمير في ﴿خالدين﴾ ليس عائداً على من، بخلاف الضمير في ﴿يؤمن﴾ ، ﴿ويعمل﴾ ، و ﴿يدخله﴾ ، وإنما هو عائد على مفعول ﴿يدخله﴾ ، و ﴿خالدين﴾ حال منه، والعامل فيها ﴿يدخله﴾ لا فعل الشرط.
وقرأ الجمهور: مثلَهنّ ﴿رِزْقاً * اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الأٌّرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأٌّمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا﴾ بالنصب؛ والمفضل عن عاصم، وعصمة عن أبي بكر: مثلُهن بالرفع فالنصب، قال الزمخشري: عطفاً على ﴿سبع سموات﴾ . انتهى، وفيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف، وهو الواو، والمعطوف؛ وهو مختص بالضرورة عند أبي عليّ الفارسي، وأضمر بعضهم العامل بعد الواو لدلالة ما قبله عليه، أي وخلق من الأرض مثلهن، فمثلهن مفعول للفعل المضمر لا معطوف، وصار ذلك من عطف الجمل والرفع على الابتداء، ﴿ومن الأرض﴾ الخبر.
سورة التحريم
اثنتا عشرة آية مدنية
وتبتغي ﴿عِلْمَا﴾ : في موضع الحال. وقال الزمخشري تفسير لتحرم، أو استئناف.
ونبأ وأنبأ، الأصل أن يتعديا إلى واحد بأنفسهما، وإلى ثان بحرف الجر، ويجوز حذفه فتقول: نبأت به، المفعول الأول محذوف، أي غيرها. ومن أنبأك هذا ﴿حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ﴾ : أي بهذا، ﴿قال نبأني﴾ أي نبأني به أو نبأنيه، فإذا ضمنت معنى أعلم، تعدت إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قول الشاعر:
نبئت زرعة والسفاهة كاسمهاتهدي إليّ غرائب الأشعار ومفعول عرّف المشدد محذوف، أي عرّفها بعضه.
стр. 2473
وأتى بالجمع في قوله: قلوبكما ﴿اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ﴾ ، وحسن ذلك إضافته إلى مثنى، وهو ضميراهما، والجمع في مثل هذا أكثر استعمالاً من المثنى، والتثنية دون الجمع، كما قال الشاعر:
فتخالسا نفسيهما بنوافذكنوافذ العبط التي لا ترفع وهذا كان القياس، وذلك أن يعبر بالمثنى عن المثنى، لكن كرهوا اجتماع تثنيتين فعدلوا إلى الجمع، لأن التثنية جمع في المعنى، والإفراد لا يجوز عند أصحابنا إلا في الشعر، كقوله:
حمامة بطن الواديين ترنمي
يريد: بطني. وغلط ابن مالك فقال في كتاب التسهيل: ونختار لفظ الإفراد على لفظ التثنية.
والأحسن الوقف على قوله: مولاه ﴿عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾ . ويكون ﴿وجبريل﴾ مبتدأ، وما بعده معطوف عليه، والخبر ﴿ظهير﴾ . فيكون ابتداء الجملة بجبريل.
وجوزوا أن يكون ﴿وجبريل وصالح المؤمنين﴾ عطفاً على اسم الله، فيدخلان في الولاية، ويكون ﴿والملائكة﴾ مبتدأ، والخبر ﴿ظهير﴾ .
وقرىء: وأهلوكم بالواو، وهو معطوف على الضمير في قوا ﴿ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ وحسن العطف للفصل بالمفعول. وقال الزمخشري: فإن قلت: أليس التقدير قوا أنفسكم وليق أهلوكم أنفسهم؟ قلت: لا، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو وأنفسكم واقع بعده، فكأنه قيل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم. لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه. فجعلت ضميرهما معاً على لفظ المخاطب. انتهى. وناقض في قوله هذا لأنه قدر وليق أهلوكم فجعله من عطف الجمل، لأن أهلوكم اسم ظاهرة لا يمكن عنده أن يرتفع بفعل الآمر الذي للمخاطب، وكذا في قوله: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ ، ثم قال: ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، فناقض لأنه في هذا جعله مقارناً في التقدير للواو، وفيما قبله رفعه بفعل آخر غير الرافع للواو وهو وليق.
وانتصب ﴿ما أمرهم﴾ على البدل، أي لا يعصون أمره لقوله تعالى: ﴿أفعصيت أمري﴾ ، أو على إسقاط حرف الجر.
стр. 2474
ومن قرأ بالضم جاز أن يكون مصدراً وصف كما قدمناه، وجاز أن يكون مفعولاً له، أي توبوا لنصح أنفسكم. وقرأ الجمهور: ويدخلكم ﴿اللَّهِ تَوْبَةً﴾ عطفاً على ﴿أن يكفر﴾ . وقال الزمخشري: عطفاً على محل عسى أن يكفر.
وجاز أن يكون: والذين ﴿الأٌّنْهَرُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ﴾ معطوفاً على ﴿النبي﴾ ، فيدخلون في انتفاء الخزي. وجاز أن يكون مبتدأ، والخبر ﴿نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم﴾ .
ومعنى عنهما ﴿فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ﴾ : عن أنفسهما، ولا بد من هذا المضاف إلا أن يجعل عن اسما، كهي في: دع عنك، لأنها إن كانت حرفاً، كان في ذلك تعدية الفعل الرافع للضمير المتصل إلى ضمير المجرور، وهو يجري مجرى المنصوب المتصل، وذلك لا يجوز.
﴿ومريم﴾ : معطوف على امرأة فرعون.
سورة الملك
ثلاثون آية مكية
стр. 2475
وأيكم أحسن عملاً ﴿الْقَنِتِينَ * تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ * وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُوماً لِّلشَّيَطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ * وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَلٍ كَبِيرٍ * وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَبِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لأًّصْحَبِ السَّعِيرِ * إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأٌّرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَءَمِنتُمْ مَّن فِى السَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأٌّرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِى السَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَصِباً
стр. 2476
فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ مبتدأ وخبر، فقدر الحوفي قبلها فعلاً تكون الجملة في موضع معموله، وهو معلق عنها تقديره: فينظر، وقدّر ابن عطية فينظر أو فيعلم.
وقال الزمخشري: فإن قلت: من أين تعلق قوله: ﴿أيكم أحسن عملاً﴾ بفعل البلوى؟ قلت: من حيث أنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملاً، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملاً أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه، كما تقول: علمته هو أحسن عملاً. فإن قلت: أيسمى هذا تعليقاً؟ قلت: لا، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسدّ المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق. ألا ترى أنه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدّراً بحرف الاستفهام وغير مصدّر به؟ ولو كان تعليقاً لافترقت الحالتان، كما افترقتا في قولك: علمت أزيد منطلق، وعلمت زيداً منطلقاً. انتهى. وأصحابنا يسمون ما منعه الزمخشري تعليقاً، فيقولون في الفعل إذا عدى إلى اثنين ونصب الأول، وجاءت بعده جملة استفهامية، أو بلام الابتداء، أو بحرف نفي، كانت الجملة معلقاً عنها الفعل، وكانت في موضع نصب، كما لو وقعت في موضع المفعولين وفيها ما يعلق الفعل عن العمل. وقد تقدّم الكلام على مثل هذه الجملة في الكهف في قوله تعالى: ﴿لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾ ، وانتصب ﴿طباقاً﴾ على الوصف السبع، فإما أن يكون مصدر طابق مطابقة وطباقاً لقولهم: النعل خصفها طبقاً على طبق، وصف به على سبيل المبالغة، أو على حذف مضاف، أي ذا طباق؛ وإما جمع طبق كجمل وجمال، أو جمع طبقة كرحبة ورحاب.
والظاهر أن قوله تعالى: ﴿ما ترى﴾ استئناف أنه لا يدرك في خلقه تعالى تفاوت، وجعل الزمخشري هذه الجملة صفة متابعة لقوله: ﴿طباقاً﴾ .
стр. 2477
والجملة من قوله: ﴿هل ترى من فطور﴾ في موضع نصب بفعل معلق محذوف، أي فانظر هل ترى، أو ضمن معنى ﴿فارجع البصر﴾ معنى فانظر ببصرك هل ترى؟ فيكون معلقاً.
وقال ابن عطية وغيره: ﴿كرتين﴾ معناه مرتين ونصبها على المصدر.
وقرأ الجمهور: ﴿ينقلب﴾ جزماً على جواب الأمر؛ والخوارزمي عن الكسائي: يرفع الباء، أي فينقلب على حذف الفاء، أو على أنه موضع حال مقدرة.
وقرأ الجمهور: ﴿عذاب جهنم﴾ برفع الباء؛ والضحاك والأعرج وأسيد بن أسيد المزني والحسن في رواية هارون عنه: بالنصب عطفاً على ﴿عذاب السعير﴾ ، أي وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم.
﴿فاعترفوا بذنبهم فسحقاً﴾ :والسحق: البعد، وانتصابه على المصدر: أي سحقهم الله سحقاً، قال الشاعر:
يجول بأطراف البلاد مغرباًوتسحقه ريح الصبا كل مسحق والفعل منه ثلاثي. وقال الزجاج: أي أسحقهم الله سحقاً، أي باعدهم بعداً. وقال أبو علي الفارسي: القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كما قيل:
وإن أهلك فذلك كان قدري
أي تقديري. انتهى، ولا يحتاج إلى ادعاء الحذف في المصدر لأن فعله قد جاء ثلاثياً، كما أنشد:
وتسحقه ريح الصبا كل مسحق
قال ابن عطية: ﴿فسحقاً﴾ : نصباً على جهة الدعاء عليهم.
والنصب في هذا كله بإضمار فعل، وإن وقع وثبت، فالوجه فيه الرفع، كما قال تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ ، و ﴿سلام عليكم﴾ ، وغير هذا من الأمثلة. انتهى.
﴿ألا يعلم من خلق﴾ : الهمزة للاستفهام ولا للنفي، والظاهر أن من مفعول، وأجاز بعض النحاة أن يكون من فاعلاً والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سركم وجهركم؟
وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى: فالمغيرات صبحاً فأثرن ﴿فَوْقَهُمْ صَفَّتٍ﴾ ، عطف الفعل على الاسم لما كان المعنى: فاللاتي أغرن صبحاً فأثرن، ومثل هذا العطف فصيح، وعكسه أيضاً جائز إلا عند السهيلي فإنه قبيح، نحو قوله:
بات يغشيها بغضب باتريقصد في أسوقها وجائر أي: قاصد في أسوقها وجائر.
стр. 2478
وقرأ الجمهور: أمن ﴿بَصِيرٌ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ﴾ ، بإدغام ميم أم في ميم من، إذ الأصل أم من، وأم هنا بمعنى بل خاصة لأن الذي بعدها هو اسم استفهام في موضع رفع على الابتداء، وهذا خبر.
و ﴿مكباً﴾ : حال من أكب، وهو لا يتعدى، وكب متعد.
وانتصب ﴿قليلاً﴾ على أنه نعت لمصدر محذوف، وما زائدة، وتشكرون مستأنف أو حال مقدرة، أي تشكرون شكراً قليلاً.
وجواب ﴿إن أهلكني﴾ : ﴿فمن يجير﴾ ، وجواب ﴿إن أصبح﴾ : ﴿فمن يأتيكم﴾ .
سورة القلم
اثنتان وخمسون آية مكية
وقال أبو نصر عبد الرحيم القشيري في تفسيره: ن حرف من حروف المعجم، فلو كان كلمة تامة أعرب كما أعرب القلم، فهو إذن حرف هجاء كما في سائر مفاتيح السور. انتهى. ومن قال إنه اسم الدواة أو الحوت وزعم أنه مقسم به كالقلم، فإن كان علماً فينبغي أن يجر، فإن كان مؤنثاً منع الصرف، أو مذكراً صرف، وإن كان جنساً أعرب، ونون وليس فيه شيء من ذلك فضعف القول به.
стр. 2479
وسعيد بن جبير وعيسى: بخلاف عنه بفتحها، فاحتمل أن تكون حركة إعراب، وهو اسم للسورة أقسم به وحذف حرف الجر، فانتصب ومنع الصرف للعلمية والتأنيث، ويكون والقلم ﴿مَّعِينٍ * ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأّجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِءَايَتُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الأٌّوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُواْ عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَرِمِينَ﴾ معطوفاً عليه. واحتمل أن يكون لالتقاء الساكنين، وأوثر الفتح تخفيفاً كأين، وما يحتمل أن تكون موصولة ومصدرية.
стр. 2480
وجواب القسم: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ . ويظهر أن ﴿بنعمة ربك﴾ قسم اعترض به بين المحكوم علىه والحكم على سبيل التوكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم عنه ﷺ وقال ابن عطية: ﴿بنعمة ربك﴾ اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل. انتهى. ولم يبين ما تتعلق به الباء في ﴿بنعمة﴾ . وقال الزمخشري: يتعلق ﴿بمجنون﴾ منفياً، كما يتعلق بعاقل مثبتاً في قولك: أنت بنعمة الله عاقل، مستوياً في ذلك النفي والإثبات استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً تعمل الفعل مثبتاً ومنفياً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال، كأنه قال: ما أنت بمجنون منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي.
وما ذهب إليه الزمخشري من أن ﴿بنعمة ربك﴾ متعلق ﴿بمجنون﴾ ، وأنه في موضع الحال، يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي على محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان: أحدهما: أن النفي يتسلط على ذلك المعمول فقط، والآخر: أن يتسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه بيان ذلك، تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع. والوجه الآخر أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي لا قيام فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري بوجه، بل يؤدي إلى مالا يجوز أن ينطق به في حق المعصوم صلى الله عليه وسلّم
стр. 2481
﴿بأيكم المفتون﴾ فقال قتادة وأبو عبيدة معمر: الباء زائدة، والمعنى: أيكم المفتون؟ وزيدت الباء في المبتدأ، كما زيدت فيه في قوله: بحسبك درهم، أي حسبك. وقال الحسن والضحاك والأخفش: الباء ليست بزائدة، والمفتون بمعنى الفتنة، أي بأيكم هي الفتنة والفساد الذي سموه جنوناً؟ وقال الأخفش أيضاً: بأيكم فتن المفتون، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ففي قوله الأول جعل المفتون مصدراً، وهنا أبقاه اسم مفعول وتأوله على حذف مضاف. وقال مجاهد والفراء: الباء بمعنى في، أي في أيّ فريق منكم النوع المفتون؟ انتهى. فالباء ظرفية، نحو: زيد بالبصرة، أي في البصرة، فيظهر من هذا القول أن الباء في القول قبله ليست ظرفية، بل هي سببية.
﴿ودوا لو تدهن﴾ : لو هنا على رأي البصريين مصدرية بمعنى أن، أي ودوا ادهانكم، وتقدم الكلام في ذلك في قوله تعالى: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ ، ومذهب الجمهور أن معمول ود محذوف، أي ودوا ادهانكم، وحذف لدلالة ما بعده عليه، ولو باقية على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف تقديره لسروا بذلك.
وفيدهنون عطف على تدهن. وقال الزمخشري: عدل به إلى طريق آخر، وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون كقوله: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف﴾ ، بمعنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون لطمعهم في ادهانك. انتهى. وجمهور المصاحف على إثبات النون. وقال هارون: إنه في بعض المصاحف فيدهنوا، ولنصبه وجهان: أحدهما أنه جواب ودوا لتضمنه معنى ليت؛ والثاني أنه على توهم أنه نطق بأن، أي ودوا أن تدهن فيدهنوا، فيكون عطفاً على التوهم، ولا يجيء هذا الوجه إلا على قول من جعل لو مصدرية بمعنى أن.
стр. 2482
قال ابن عطية ما ملخصه، قرأ النحويان والحرميان وحفص وأهل المدينة: ﴿أن كان﴾ على الخبر؛ وباقي السبعة والحسن وابن أبي إسحاق وأبو جعفر: على الاستفهام؛ وحقق الهمزتين حمزة، وسهل الثانية باقيهم. فأما على الخبر، فقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يعمل فيها عتل وأن كان قد وصف. انتهى، وهذا قول كوفي، ولا يجوز ذلك عند البصريين. وقيل: ﴿زنيم﴾ لا سيما على قول من فسره بالقبيح الأفعال. وقال الزمخشري: متعلق بقوله: ﴿ولا تطع﴾ ، يعنى ولا تطعه مع هذه المثالب، ﴿لأن كان ذا مال﴾ : أي ليساره وحظه من الدنيا، ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى لكونه متمولاً مستظهراً بالبنين، كذب آياتنا ولا يعمل فيه، قال الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب. انتهى. وأما على الاستفهام، فيحتمل أن يفسر عامل يدل عليه ما قبله، أي أيكون طواعية لأن كان؟ وقدره الزمخشري: أتطيعه لأن كان؟ أو عامل يدل عليه ما قبله، أي أكذب أو جحد لأن كان؟
والكاف في ﴿كما بلونا﴾ في موضع نصب، وما مصدرية. وقيل: بمعنى الذي، وإذ معمول لبلوناهم ليصرمنها جواب القسم لا على منطوقهم، إذ لو كان على منطوقهم لكان لنصرمنها بنون المتكلمين.
﴿أن لا يدخلنها﴾ : أي يتخافتون بهذا الكلام وهو لا يدخلنها، وأن مصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: لا يدخلنها، بإسقاط أن على إضمار يقولون، أو على إجراء يتخافتون مجرى القول.
وقرأ الجمهور: ﴿إن لكم﴾ بكسر الهمزة، فقيل هو استئناف قول على معنى: إن لكم كتاب فلكم فيه متخير. وقيل: أن معمولة لتدرسون، وكسرت الهمزة من أن لدخول اللام في الخبر، وهي بمعنى أن بفتح الهمزة، قاله الزمخشري وقرأ طلحة والضحاك: أن لكم بفتح الهمزة، واللام في لما زائدة كهي في قراءة من قرأ الا أنهم ليأكلون الطعام بفتح همزة أنهم. وقرأ الأعرج: أإن لكم على الاستفهام.
стр. 2483
وقرأ الجمهور: بالغة ﴿تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَنٌ عَلَيْنَا بَلِغَةٌ﴾ بالرفع على الصفة، والحسن وزيد بن علي: بالنصب على الحال من الضمير المستكن في علينا. وقال ابن عطية: حال من نكرة لأنها مخصصة تغليباً. ﴿إن لكم لما تحكمون﴾ : جواب القسم، لأن معنى ﴿أم لكم أيمان علينا﴾ : أم أقسمنا لكم، قاله الزمخشري.
وسل معلقة عن مطلوبها الثاني، لما كان السؤال سبباً لحصول العلم جاز تعليقه كالعلم، ومطلوبها الثاني أصله أن يعدى بعن أو بالباء، كما قال تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام ﴿تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ ، وقال الشاعر:
فإن تسألوني بالنساء فإننيعليم بأدواء النساء طبيب ولو كان غير اسم استفهام لتعدى إليه بعن أو بالباء، كما تقول: سل زيداً عن من ينظر في كذا، ولكنه علق سلهم، فالجملة في موضع نصب.
﴿يوم يكشف عن ساق﴾ : وعلى هذا القول الناصب ليوم فليأتوا. وقيل: اذكر، وقيل التقدير: يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت.
و ﴿خاشعة﴾ : حال، وذو الحال الضمير في ﴿يدعون﴾ .
ومن في موضع نصب، إما عطفاً على الضمير في ذرني، وإما على أنه مفعول معه.
إذ نادى ﴿سَلِمُونَ * فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ : فالعامل في إذ هو المحذوف المضاف، أي كحال أو كقصة صاحب الحوت.
والأصل في ذلك تتداركه، لأنه مستقبل انتصب بأن الخفيفة قبله.
وجواب لولا ﴿مَكْظُومٌ * لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ قوله: ﴿لنبذ بالعراء وهو مذموم﴾ .
﴿لما سمعوا الذكر﴾ : من يقول لما ظرف يكون العامل فيه ﴿ليزلقونك﴾ ، وإن كان حرف وجوب لوجوب، وهو الصحيح، كان الجواب محذوفاً لدلالة ما قبله عليه، أي لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك.
سورة الحاقة
اثنتان وخمسون آية مكية
стр. 2484
والحاقة مبتدأ، وما مبتدأ ثان، والحاقة خبره، والجملة خبر عن الحاقة، والرابط تكرار المبتدأ بلفظه نحو: زيد ما زيد، وما استفهام لا يراد حقيقته بل التعظيم، وأكثر ما يربط بتكرار المبتدأ إذا أريد، يعني التعظىم والتهويل.
وما استفهام أيضاً مبتدأ، وأدراك ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ الخبر، والعائد على ما ضمير الرفع في ﴿أدراك﴾ ، وما مبتدأ، والحاقة خبر، والجملة في موضع نصب بأدراك، وأدراك معلقة. وأصل درى أن يعدى بالباء، وقد تحذف على قلة، فإذا دخلت همزة النقل تعدى إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بحرف الجر، فقوله: ﴿ما الحاقة﴾ بعد أدراك في موضع نصب بعد إسقاط حرف الجر.
﴿حسوماً﴾ وقال الزمخشري: وإن كان مصدراً، فإما أن ينتصب بفعل مضمر، أي تحسم حسوماً بمعنى تستأصل استئصالاً، أو تكون صفة، كقولك: ذات حسوم، أو تكون مفعولاً له، أي سخرها عليهم للاستئصال. وقرأ السدّي: حسوماً بالفتح: حالاً من الريح، أي سخرها عليهم مستأصلة.
وقال ابن الأنباري: من باقية ﴿خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ * وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ فِى الْجَارِيَةِ﴾ : أي من باق، والهاء للمبالغة. وقال أيضاً: من فئة باقية. وقيل: ﴿من باقية﴾ : من بقاء مصدر جاء على فاعلة كالعاقبة.
﴿ومن قبله﴾ : ظرف زمان.
стр. 2485
وقرأها علي ﵁: وتعيها، بكسر العين وتخفيف الياء العامة؛ وابن مصرف وأبو عمرو في رواية هارون وخارجة عنه؛ وقنبل بخلاف عنه: بإسكانها؛ وحمزة: بإخفاء الحركة، ووجه الإسكان التشبيه في الفعل بما كان على وزن فعل في الاسم والفعل. نحو: كبد وعلم. وتعي ليس على وزن فعل، بل هو مضارع وعي، فصار إلى فعل وأصله حذفت واوه. وروي عن عاصم عصمة وحمزة الأزرق: وتعيها بتشديد الياء، قيل: وهو خطأ وينبغي أن يتأول على أنه أريد به شدة بيان الياء إحترازاً ممن سكنها، لا إدغام حرف في حرف، ولا ينبغي أن يجعل ذلك من باب التضعيف في الوقف، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، وإن كان قد ذهب إلى ذلك بعضهم.
وقرأ الجمهور: نفخة واحدة ﴿الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَعِيَةٌ﴾ ، برفعهما، ولم تلحق التاء نفخ، لأن تأنيث النفخة مجازى ووقع الفصل. وقال ابن عطية: لما نعت صح رفعه. انتهى. ولو لم ينعت لصح، لأن نفخة مصدر محدود ونعته ليس بنعت تخصيص، إنما هو نعت توكيد. وقرأ أبو السمال: بنصبهما، أقام الجار والمجرور مقام الفاعل.
والتشديد على أن تكون للتكثير، أو يكون التضعيف للنقل، فجاز أن تكون الأرض والجبال ﴿وَحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأٌّرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَحِدَةً﴾ المفعول الأول أقيم مقام الفاعل، والثاني محذوف، أي ريحاً تفتتها أو ملائكة أو قدرة. وجاز أن يكون الثاني أقيم مقام الفاعل، والأول محذوف، وهو واحد من الثلاثة المقدرة.
﴿فيومئذ﴾ معطوف على ﴿فإذا نفخ في الصور﴾ ، وهو منصوب بوقعت، كما أن إذا منصوب بنفخ على ما اخترناه وقررناه واستدللنا له في أن العامل في إذا هو الفعل الذي يليهما لا الجواب، وإن كان مخالفاً لقول الجمهور. والتنوين في إذ للعوض من الجملة المحذوفة، وهي في التقدير: فيوم إذ نفخ في الصور وجرى كيت وكيت.
стр. 2486
وقال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين قولك: ﴿والملك﴾ ، وبين أن يقال: والملائكة؟ قلت: الملك أعم من الملائكة. ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، أعم من قولك: ما من ملائكة؟ انتهى. ولا يظهر أن الملك أعم من الملائكة، لأن المفرد المحلى بالألف واللام الجنسية قصاراه أن يراد به الجمع المحلى بهما، ولذلك صح الاستثناء منه، فقصاراه أن يكون كالجمع المحلى بهما. وأما دعواه أنه أعم منه بقوله: ألا ترى الخ، فليس دليلاً على دعواه، لأن من ملك نكرة مفردة في سياق النفي قد دخلت عليها من المخلصة للاستغراق، فشملت كل ملك فاندرج تحتها الجمع لوجود الفرد فيه فانتفى كل فرد فرد، بخلاف من ملائكة، فإن من دخلت على جمع منكر، فعم كل جمع جمع من الملائكة، ولا يلزم من ذلك انتفاء كل فرد فرد من الملائكة. لو قلت: ما في الدار من رجال، جاز أن يكون فيها واحد، لأن النفي إنما انسحب على جمع، ولا يلزم من انتفاء الجمع أن ينتفي المفرد.
والملك في الآية ليس في سياق نفي دخلت عليه من فيكون أعم من جمع دخلت عليه من، وإنما جيء به مفرداً لأنه أخف، ولأن قوله: ﴿على أرجائها﴾ يدل على الجمع، لأن الواحد بما هو واحد لا يمكن أن يكون على أرجائها في وقت واحد، بل في أوقات.
﴿وتعرضون﴾ هو جواب قوله: ﴿فإذا نفخ﴾ . فإن كانت النفخة هي الأولى، فجاز ذلك لأنه اتسع في اليوم فجعل ظرفاً للنفخ ووقوع الواقعة وجميع الكائنات بعدها؛ وإن كانت النفخة هي الثانية، فلا يحتاج إلى اتساع لأن قوله: ﴿فيومئذ﴾ معطوف على فإذا، و ﴿يومئذ تعرضون﴾ بدل من ﴿فيومئذ﴾ ، وما بعد هذه الظروف واقع في يوم القيامة.
أما: حرف تفصيل فصل بها ما وقع في يوم العرض.
стр. 2487
وهاؤم إن كان مدلولها خذ، فهي متسلطة على كتابيه بغير واسطة، وإن كان مدلولها تعالوا، فهي متعدية إليه بواسطة إلى، وكتابيه يطلبه هاؤم واقرؤا. فالبصريون يعملون اقرؤا، والكوفيون يعملون هاؤم، وفي ذلك دليل على جواز التنازع بين اسم الفعل والقسم.
وهنيئاً ﴿خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ﴾ ، تقدم الكلام عليه في أول النساء. وقال الزمخشري: هنيئاً أكلاً وشرباً هنيئاً، أو هنيتم هنيئاً على المصدر. انتهى فقوله: أكلاً وشرباً هنيئاً يظهر منه جعل هنيئاً صفة لمصدرين، ولا يجوز ذلك إلا على تقدير الإضمار عند من يجيز ذلك، أي أكلاً هنيئاً وشرباً هنيئاً.
وهو أنه إذا جعلنا الخبر هاهنا، كان له واليوم متعلقين بما تعلق به الخبر، وهو العامل في ههنا، وهو عامل معنوي، فلا يتقدم معموله عليه. فلو كان العامل لفظياً جاز، كقوله تعالى: ولم يكن له كفواً أحد ﴿الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ﴾ ، فله متعلق بكفواً وهو خبر ليكن.
وانتصب ﴿قليلاً﴾ على أنه صفة لمصدر محذوف أو لزمان محذوف، أي تؤمنون إيماناً قليلاً أو زماناً قليلاً.
وقال ابن عطية: ونصب ﴿قليلاً﴾ بفعل مضمر يدل عليه ﴿تؤمنون﴾ ، وما تحتمل أن تكون نافية فينتفي إيمانهم البتة. ويحتمل أن تكون ما مصدرية، والمتصف بالقلة هو الإيمان اللغوي.
стр. 2488
أمّا قوله: ونصب قليلاً بفعل مضمر يدل عليه تؤمنون فلا يصح، لأن ذلك الفعل الدال عليه ﴿تؤمنون﴾ إما أن تكون ما نافية أو مصدرية، كما ذهب إليه. فإن كانت نافية، فذلك الفعل المضمر الدال عليه تؤمنون المنفي بما يكون منفياً، فيكون التقدير: ما تؤمنون قليلاً ما تؤمنون، والفعل المنفي بما لا يجوز حذفه ولا حذف ما لا يجوز زيداً ما أضربه، على تقدير ما أضرب زيداً ما أضربه، وإن كانت مصدرية كانت ما في موضع رفع على الفاعلية بقليلاً، أي قليلاً إيمانكم، ويبقى قلىلاً لا يتقدمه ما يعتمد عليه حتى يعمل ولا ناصب له؛ وإما في موضع رفع على الابتداء، فيكون مبتدأ لا خبر له، لأن ما قبله منصوب لا مرفوع. وقال الزمخشري: والقلة في معنى العدم، أي لا تؤمنون ولا تذكرون البتة، والمعنى: ما أكفركم وما أغفلكم. انتهى. ولا يراد بقليلاً هنا النفي المحض، كما زعم، وذلك لا يكون إلا في أقل نحو: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد، وفي قل نحو: قلّ رجل يقول ذلك إلا زيد. وقد تستعمل في قليل وقليلة إذا كانا مرفوعين، نحو ما جوزوا في قوله:
قليل بها الأصوات إلا بغاتها
أما إذا كان منصوباً نحو: قليلا ضربت، أو قليلاً ما ضربت، على أن تكون ما مصدرية، فإن ذلك لا يجور، لأنه في: قليلاً ضربت منصوب بضربت، ولم تستعمل العرب قليلاً إذا انتصب بالفعل نفياً، بل مقابلاً لكثير. وأمّا في قليلاً ما ضربت على أن تكون ما مصدرية، فتحتاج إلى رفع قليل، لأن ما المصدرية في موضع رفع على الابتداء.
وقرىء: ﴿ولو تقول﴾ مبنياً للمفعول، وحذف الفاعل وقام المفعول مقامة، وهو بعض، إن كان قرىء مرفوعاً؛ وإن كان قرىء منصوباً بعلينا قام مقام الفاعل، والمعنى: ولو تقول علينا متقول.
стр. 2489
والظاهر في ﴿حاجزين﴾ أن يكون خبراً لما على لغة الحجاز، لأن حاجزين هو محط الفائدة، ويكون منكم لو تأخر لكان صفة لأحد، فلما تقدّم صار حالاً، وفي جواز هذا نظر. أو يكون للبيان، أو تتعلق بحاجزين، كما تقول: ما فيك زيد راغباً، ولا يمنع هذا الفصل من انتصاب خبر ما. وقال الحوفي والزمخشري: حاجزين نعت لأحد على اللفظ، وجمع على المعنى لأنه في معنى الجماعة يقع في النفي العام للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ومنه: ﴿لا نفرّق بين أحد من رسله﴾ ، وقوله: ﴿لستن كأحد من النساء﴾ ، مثل بهما الزمخشري، وقد تكلمنا على ذينك في موضعيهما. وفي الحديث: «لم تحل لأحد سود الرؤوس قبلكم» . وإذا كان حاجزين نعتاً فمن أحد مبتدأ والخبر منكم، ويضعف هذا القول، لأن النفي يتسلط على الخبر وهو كينونته منكم، فلا يتسلط على الحجز. وإذا كان حاجزين خبراً. تسلط النفي علىه وصار المعنى: ما أحد منكم يحجزه عن ما يريد به من ذلك.
سورة المعارج
أربع وأربعون آية مكية
واللام للعلة، أي نازل بهم لأجلهم، أي لأجل كفرهم، أو على أن اللام بمعنى على، قاله بعض النحاة.
واقع. و ﴿ليس له دافع﴾ : جملة اعتراض بين العامل والمعمول. وقيل: يتعلق بدافع.
والظاهر أن قوله: ﴿في يوم﴾ متعلق بتعرج. وقيل: بدافع، والجملة من قوله: ﴿تعرج﴾ اعتراض.
﴿يوم تكون﴾ : منصوب بإضمار فعل، أي يقع يوم تكون، أو ﴿يوم تكون السماء كالمهل﴾ كان كيت وكيت، أو بقريباً، أو بدل من ضمير نراه إذا كان عائداً على يوم القيامة. وقال الزمخشري: أو هو بدل من ﴿في يوم﴾ فيمن علقه بواقع. انتهى. ولا يجوز هذا، لأن ﴿في يوم﴾ وإن كان في موضع نصب لا يبدل منه منصوب لأن مثل هذا ليس من المواضع التي تراعي في التوابع، لأن حرف الجر فيها ليس بزائد ولا محكوم له بحكم الزائد كرب، وإنما يجوز مراعاة المواضع في حرف الجر الزائد كقوله:
стр. 2490
يا بني لبينى لستما بيدإلا يداً ليست لها عضد ولذلك لا يجوز: مررت بزيد الخياط، على مراعاة موضع بزيد، ولا مررت بزيد وعمراً، ولا غضبت على زيد وجعفراً، ولا مررت بعمرو أخاك على مراعاة الموضع. فإن قلت: الحركة في يوم تكون حركة بناء لا حركة إعراب، فهو مجرور مثل ﴿في يوم﴾ . قلت: لا يجوز بناؤه على مذهب البصريين لأنه أضيف إلى معرب، لكنه يجوز على مذهب الكوفيين، فيتمشى كلام الزمخشري على مذهبهم إن كان استحضره وقصده.
قيل: حميماً منصوب على إسقاط عن، أي عن حميم.
﴿ثم ينجيه﴾ : عطف على ﴿يفتدي من عذاب يومئذ﴾ .
و ﴿لظى﴾ بدل من الضمير، و ﴿نزاعة﴾ خبر إن أو خبر مبتدأ، و ﴿لظى﴾ خبر إن: أي هي نزاعة، أو بدل من ﴿لظى﴾ ، أو خبر بعد خبر. كل هذا ذكروه، وذلك على قراءة الجمهور برفع نزاعة. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً ترجم عنه الخبر. انتهى. ولا أدري ما هذا المضمر الذي ترجم عنه الخبر؟ وليس هذا من المواضع التي يفسر فيها المفرد الضمير، ولولا أنه ذكر بعد هذا أو ضمير القصة، لحملت كلامه عليه. وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة والزعفراني وابن مقسم وحفص واليزيدي: في اختياره نزاعة بالنصب، فتعين أن يكون لظى خبراً لأن، والضمير في إنها عائد على النار الدال عليها عذاب، وانتصب نزاعة على الحال المؤكدة أو المبينة، والعامل فيها لظى، وإن كان عاملاً لما فيه من معنى التلظي، كما عمل العلم في الظرف في قوله:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان
أي: المشهور بعض الاحيان، أو على الاختصاص للتهويل، قاله الزمخشري، وكأنه يعني القطع. فالنصب فيها كالرفع فيها، إذا أضمرت هو فتضمر هنا.
﴿إلا المصلين﴾ : استثناء كما قلنا من الإنسان.
و ﴿يوم﴾ بدل من ﴿يومهم﴾ .
﴿ذلك اليوم﴾ : برفع الميم مبتدأ وخبر.
سورة نوح
ثمان وعشرون آية مكية
следующие страницы →