← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 2506

بحر الدموع

ابن الجوزي

Полный текст (150 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[بحر الدموع]ـ المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧هـ) المحقق: جمال محمود مصطفى الناشر: دار الفجر للتراث الطبعة: الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ-٢٠٠٤م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا. أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغيّ، وفتح به أعينا عميا، وإذانا صما، وقلوبا غلفا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد بالله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه. أما بعد، فهذا كتاب من أجلّ كتب الوعظ يرقق القلوب المعرضة عن ذكر الله . فالتوبة والندم سبب كشف الغم، ودفع البلاء. فالسعيد من وعظ بحال أبيه آدم. فتاب واستغفر. والشقي من دعاه إبليس فأصر واستكبر. وقد قمنا بتخريج التراجم الواردة بالكتاب على المصادر والكتب المطبوعة منها. وخرجت الآيات القرآنية على المصحف الشريف، وبعض ما ورد من أحاديث على كتب الحديث. والله أدعو أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3

ترجمة المؤلف اسمه ونسبه: الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي ابن محمد القرشي التيمي. ولادته ووفاته: ولد سنة تسع أو عشر وخمسمائة. ووفاته كانت سنة سبع وتسعين وخمسمائة. مصنفاته: صنف في فنون عديدة منها زاد المسير في علم التفسير وله في الحديث موضوعات ذكر فيها كل حديث موضوع والمنتظم في التاريخ وصفوة الصفوة ومناقب عمر ابن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. وعظه: قال الذهبي: كان رأسا في التذكير بلا مدافعة. يقول النظم الرائق والنثر الفائق بديها. حامل لواء الوعظ والقيم بفنونه مع الشكل الحسن والصوت الطيب والوقع في النفوس وحسن السيرة وكانت له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة. فمن أحسن ما يحكى عنه أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ﵄. فرضي الكل بما يجيب الشيخ أبو الفرج فأقاما شخصا سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه، فقال: أفضلهما كم كانت ابنته تحته. ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك. فقالت السنة: هو أبو بكر لأن ابنته عائشة ﵂ تحت رسول الله ﷺ وقالت الشيعة: هو علي لأن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ تحته. وهذا من لطائف الأجوبة.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الفقيه الإمام العابد أبو محمد عبد الرحمن بن علي الجوزي، رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنّه وكرمه: الحمد لله الذي اخترع الأشياء بلطيف قدرته، وبديع صنعته، فأحسن فيما اخترع، وأبدع الموجودات على غير مثال، فلا شريك له فيما ابتدع، ألف بين اللطيف والكثيف من أعداد آحاد الجوهر وجمع، ليقرّ له بالوحدانية، ويستدلّ على وجود الصانع بما صنع، فالعارفون واقفون تحت مطارف اللطائف بأقبية أبينة التوبة والورع، ليس لقلوبهم مجال في ميدان الكبرياء على أن حماه رحب متسع، فهم إن مالوا إلى نيل مطلوبهم، ردّهم قهر الهيبة إلى مفاوز الخوف والجزع، وان همّوا بالذهاب عن الباب، عاقهم قيود الغيب، فعز عليهم الرجوع وامتنع. فمنهم كاتم محبته ... قد كف شكوى لسانه وقطع ومنهم بائح يقول إذا ... لام عذول ذر الملام ودع أليس قلبي محل محنته ... وكيف يخفى ما فيه وهو قطع أين المحبون والمحب لهم ... وأين من شتت الهوى وجمع لهم عيون تبكي فوا عجبا ... لجفن صبّ إذا هما ودمع قد حرّموا النوم والمتيم لا ... هجوعا إذا الخلي هجع بالباب يبكون والبكاء إذا ... كان خليّا من النفاق نفع تشفع فيهم دموعهم وإذا ... شفع دمع المتيمين شفع فبينما هم حيارى بين الخوف والجزع، سكارى من شراب اليأس والطمع، إذ بزغ عليهم قمر السعادة من فلك الإرادة في جوانب قلوبهم ولمع، وأفيض عليهم من

стр. 5

ملا بس سنادس الاستيناس والبسط خلع، لكل خلعة علمان من الإيمان، ما زيّن بهما بشر، إلا ارتفع، رقم العلم الأيمن: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الأنبياء ١٠١، ورقم العلم الأيسر: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾ الأنبياء ١٠٣، فسبحان من يتوب على الجاني، ويقبل العاصي إذا تاب إليه ورجع. وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من أقرّ له بالوحدانية، واعترف له بالربوبية والألوهية، ولعز جلاله وجماله قد خضع. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي سنّ السنن، وبيّن الفرائض، وشرع الأعياد والجمع، صلى اله عليه وعلى آله وأصحابه ما ركد الماء ونبع، وظهر في ميدان سطح السماء نجم وطلع، وسلم تسليما كثيرا. قال الله العظيم: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذاريات ٥٥، وفي الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قال الله ﵎: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه، وان ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن تقرّب إليّ شبرا تقرّبت منه ذراعا، وإن تقرّب إليّ ذراعا، تقرّبت منه باعا، وإن أتاني مشيا، أتيته هرولة" (١) . وعن عبد الله بن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من عجز منكم عم الليل أن يكابده، وجبن عن العدو أن يقاتله، وبخل بالمال أن ينفقه، فليكثر ذكر الله تعالى" (٢) . وقال جابر بن عبد الله ﵁: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في مسجد المدينة، فقال: "إن لله تعالى سرايا من الملائكة تجول، وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فإذا رأيتم رياض الجنة، فارتعوا". قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: "مجالس الذكر، اغدوا وروحوا في ذكر الله تعالى، ومن كان يحبّ أن يعلم منزلته عند الله تعالى، فلينظر كيف منزلة

стр. 6

الله عنده، فإن الله ينزل العبد حيث أنزله من نفسه" (١) . وقال عبد الله بن بسر: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام كثرت عليّ فأمرني بشيء أتشبث به، فقال: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله تعالى" (٢) . وفي الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما من يوم إلا وبقاع الأرض تنادي بعضا بعضا: يا جارة، هل جاز عليك اليوم ذاكرا لله تعالى" (٣) . إخواني، إذا صعدت الملائكة من مجالس الذكر، قال المولى جل علاه: يا ملائكتي، أين كنتم، وهو أعلم، فيقولون: يا ربنا، أنت أعلم، كنا عند عبادك يسبّحونك ويقدّسونك ويعظمونك ويمجّدونك ويسألونك ويستغفرونك ويستعيذونك، فيقول: يا ملائكتي، وما الذي طلبوا؟ ومما استعاذوا؟ فيقولون: يا ربنا أنت أعلم، طلبوا الجنة، واستعاذوا من النار، فيقول: يا ملائكتي، اشهدوا إني قد أعطيتهم ما طلبوا، وأمنتهم مما خافوا، وأدخلهم الجنة برحمتي (٤) ". وفي الخبر عن رسول الله ﷺ أن الله ﵎ يقول: "عبدي اذكرني ساعة بالغداة وساعة بالعشيّ، أكفك ما بينهما". وفي بعض الكتب المنزلة أن الله ﵎ يقول: يا ابن آدم ما أجبرك! تسألني، فأمنعك لعلمي بما يصلحك، ثم تلح عليّ في المسألة، فأجود برحمتي وكرمي عليك، فأعطيك ما سألتني، فتستعين بما أعطيك على معصيتي، فأهمّ بهتك سترك، فكم من جميل أصنعه معك، ومن من قبيح تعمله معي. يوشك أن أغضب عليك غضبة لا أرضى بعدها أبدا. وفي بعض الكتب المنزلة أيضا: يقول الله ﵎: عبدي، إلى كم تستمر

стр. 7

على عصياني، وأنا غذيتك برزقي وإحساني، أما خلقتك بيدي؟ أما نفخت فيك من روحي؟ أما علمت فعلي بمن أطاعني، وأخذي لمن عصاني؟ أما تستحي تذكرني في الشدائد وفي الرخاء تنساني؟ عين بصيرتك أعماها الهوى. قل لي بماذا تراني، هذا حال من لم تؤثر فيه الموعظة، فإلى كم هذا التواني؟ إن تبت من ذنبك، آتيتك أماني. اترك دارا صفوها كدر، وآمالها أماني. بعت وصلي بالدون، وليس لي في الوجود ثاني. ما جوابك إذا شهدت عليك الجوارح بما تسمع وترى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ آل عمران ٣٠. وأنشدوا: تعصي الإله وأنت تدعي حبه ... هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع قال مالك بن دينار: دخلت على جار لي وهو في الغمرات يعاني عظيم السكرات، يغمى عليه مرة، ويفيق أخرى، وفي قلبه لهيب الزفرات، وكان منهمكا في دنياه، متخلفا عن طاعة مولاه، فقلت له: يا أخي، تب إلى الله، وارجع عن غيّك، عسى المولى أن يشفيك من ألمك، ويعافيك من مرضك وسقمك، ويتجاوز بكرمه عن ذنبك. فقال: هيهات هيهات! قد دنا ما هو آت، وأنا ميّت لا محالة، فيا أسفي على عمر أفنيته في البطالة. أردت أن أتوب مما جنيت، فسمعت هاتفا يهتف من زاوية البيت: عاهدناك مرارا فوجدناك غدارا. نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ونستغفره من الذنوب المتقادمة. يا أخي أقبل على قبلة التوجه إلى مولاك، وأعرض عن مواصلة غيّك وهواك وواصل بقية العمر بوظائف الطاعات، واصبر على ترك عاجل الشهوات، فالفرار أيها المكلف كل الفرار من مواصلة الجرائم والأوزار، فالصبر على الطاعة في الدنيا أيسر من الصبر على النار. وأنشدوا:

стр. 8

أمولاي إني عبد ضعيف ... أتيتك أرغب بما لديك أتيتك أشكو مصاب الذنوب ... وهل يشتكى الضر إلا إليك فمنّ بعفوك يا سيّدي ... فليس اعتمادي إلا عليك قال بعض السادة الأخيار لولده لما حضرته الوفاة: يا بنيّ، اسمع وصيتي، واعمل ما أوصيك به. قال نعم يا أبت. قال يا بنيّ، اجعل في عنقي حبلا، وجرّني إلى محرابي، ومرّغ خدي على التراب، وقل: هذا جزاء من عصى مولاه، وآثر شهوته وهواه، ونام عن خدمة مولاه. قال: فلما فعل ذلك به، رفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي، قد آن الرحيل إليك، وأزف القدوم عليك، ولا عذر لي بين يديك، غير أنك الغفور وأنا العاصي، وأنت الرحيم وأنا الجاني، وأنت السيد وأنا العبد، ارحم خضوعي وذلتي بين يديك، فانه لا حول ولا قوة إلا بك. قال: فخرجت روحه في الحال، فإذا بصوت ينادي من زاوية البيت سمعه كل من حضر وهو يقول: تذلل العبد لمولاه، واعتذر إليه مما جناه، فقرّبه وأدناه وجعل الجنة الخلد مأواه. الهي إن كنت الغريق وعاصيا ... فعفوك يا ذا الجود والسعة الرحب بشدّة فقري باضطراري بحاجتي ... إليك إلهي حين يشتد بي الكرب بما بي من ضعف وعجز وفاقة ... بما ضمّنت من وسع رحمتك الكتب صلاة وتسليم وروح ورواحة ... على الصادق المصدوق ما انفلق الحب أبي القاسم الماحي الأباطيل كلها ... وأصحابه الأخيار ساداتنا النجب إخواني، هذا القبول ينادي صبيان الهوى، الشاب التائب حبيب الله، ويصيح بكهول لخطا عسى الله أن يتوب عليهم، ويهتف بشيوخ الندم: انا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي. وفي الخبر: إذا تاب العبد إلى الله ، وحسنت توبته، وقام بالليل

стр. 9

يناجي ربه، أوقدت الملائكة سراجا من نور، وعلقته بين السماء والأرض، فتقول الملائكة: ما هذا؟ فيقال لهم: إن فلان بن فلان قد اصطلح الليلة مع مولاه. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قام العبد بالليل، تباشرت أعضاؤه، ونادى بعضها بعضا: قد قام صاحبنا لخدمة الله تعالى". وعن أحمد الحواري (١) ، قال: دخلت على أبي سليمان الداراني (٢) ، فوجدته يبكي، فقلت له: وما يبكيك يا سيدي؟ قال لي: يا أحمد، إن أهل المحبة إذا جنهم الليل، افترشوا أقدامهم، فدموعهم تجري على خدودهم بين راكع وساجد، فإذا أشرف المولى ﷻ عليهم، قال: يا جبريل، بعيني من تلذذ بكلامي، واستراح إلى مناجاتي، واني لمطلع عليهم، أسمع كلامهم، وأرى حنينهم، وبكاءهم، فنادهم يا جبريل، وقل لهم: ما هذا الجزع الذي أرى بكم؟ هل أخبركم مخبر أن حبيبا يعذب أحبابه بالنار؟ أم هل يحمل بي أن أبيّت قوما، وعند البيات أمرهم إلى النار؟ لا يليق هذا بعبد ذميم، فكيف بالملك الكريم؟! فبعزتي لأجعلن هديّتي إليهم أن أكشف لهم عن وجهي الكريم، فأنظر إليهم وينظرون إليّ. وعن أبي سليمان الداراني ﵁، قال: قرأت في بعض الكتب المنزلة: يقول الله تعالى: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي، وكابد المكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا إلى جواري، وبحبحوا في رياض خلدي هنالك فليبشر المصغون بأعمالهم بالنظر العجيب إلى الحبيب القريب. أترون إني أضيع لهم ما عملوا؟ كيف وأنا أجود على المولين، وأقبل التوبة على الخاطئين وأنا بهم أرحم الراحمين؟!.

стр. 10

الفصل الأول يا أسير دنياه، يا عبد هواه، يا موطن الخطايا، ويا مستودع الرزايا، اذكر ما قدّمت يداك، وكن خائفا من سيدك ومولاك أن يطّلع على باطن زللك وجفاك، فيصدك عن بابه، ويبعدك عن جنابه، ويمنعك عن مرافقة أحبابه، فتقع في حضرة الخذلان، وتتقيد بشرك الخسران، وكلما رمت التخلص من غيّك وعناك، صاح بك لسان الحال وناداك: إليك عنا فما تحظى بنجوانا ... يا غادرا قد لها عنا وقد خانا أعرضت عنا ولم تعمل بطاعتنا ... وجئت تبغي الرضا والوصل قد بانا بأي وجه نراك اليوم تقصدنا ... وطال ما كنت في الأيام تنسانا يا ناقض العهد ما في وصلنا طمع ... إلا لمجتهد بالجدّ قد دانا يا من باع الباقي بالفاني، أما ظهر لك الخسران، ما أطيب أيام الوصال، وما أمرّ أيام الهجران، ما طاب عيش القوم حتى هجروا الأوطان، وسهروا الليالي بتلاوة القرآن فيبيتون لربهم سجدا وقياما. عن عبد العزيز بن سلمان العابد، قال: حدثني مطهر، وقد كان بكى شوقا إلى الله تعالى ستين عاما، قال: رأيت كأني على ضفة نهر يجري بالمسك الإذفر، وحافاته شجر اللؤلؤ، وطينة العنبر، وفيه قضبان الذهب، وإذا بجوار مترنمات يقلن بصوت واحد: سبحان، سبحان المسبّح بكل لسان سبحان الموجود في كل مكان نحن الخالدات فلا نموت أبدا. نحن الراضيات، فلا نغضب أبدا. نحن الناعمات، فلا نتغيّر أبدا. قال: فقلت لهن: من أنتن؟! فقلن: خلق من خلق الله تعالى. قلت: ما تصنعن هاهنا؟ فقلن بصوت واحد حسن مليح: ذرانا اله الناس رب محمد ... لقوم على الأطراف بالليل قوم

стр. 11

يناجون رب العالمين إلههم ... ونسرى هموم القوم والناس نوم فقلت: بخ بخ! من هؤلاء الذين أقر الله أعينهم؟ قلن: أما تعرفهم؟! قلت: لا والله ما أعرفهم. فقلن: هم المجتهدون بالليل، أصحاب السهر بالقرآن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أذنب العبد، وتاب إلى الله، وحسنت توبته، تقبل الله منه كل حسنة عملها، وغفر له كل ذنب اقترفه، ويرفع له بكل ذنب درجة في الجنة، ويعطيه الله بكل حسنة قصرا في الجنة، ويزوجه الله حورا من الحور العين". وفي الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أوحى الله إلى داود ﵇: يا داود، بشر المذنبين، وأنذر الصديقين، فتعجب داود ﵇، فقال: يا رب، فكيف أبشر المذنبين وأنذر الصديقين؟! قال الله تعالى: يا داود، بشر المذنبين ألا يتعاظمني ذنب أغفره، وأنذر الصديقين إلا يعجبوا بأعمالهم، فأني لا أضع حسابي على أحد إلا هلك. يا داود، إن كنت تزعم أنك تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك، فان حبي وحبها لا يجتمعان في قلب واحد. يا داود، من أحبني، يتهجد بين يدي إذا نام البطالون، ويذكرني في خلوته إذا لها عن ذكري الغافلون، ويشكر نعمتي عليه إذا غفل عني الساهون". وأنشدوا: طوبى لمن سهرت بالليل عيناه ... وبات في قلق من حب مولاه وقام يرعى نجوم الليل منفردا ... شوقا إليه وعين الله ترعاه قال رسول الله ﷺ : "البرّ لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديّان لا يفنى. كن كيف شئت كما تدين تدان". ما هذا، أتدري ما صنعت؟ بعت القرب بالبعد، والعقل بالهوى والدين بالدنيا.

стр. 12

وأنشدوا: قم فارث نفسك وابكها ... ما دمت وابك على مهل فإذا اتقى الله الفتى ... فيما يريد فقد كمل وعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما نزع الله عبدا من ذنب إلا هو ويريد أن يغفر له، وما استمال الله عبدا لعمل صالح، إلا وهو يريد أن يتقبله منه". وعن عبد الله بن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "التائبون إذا خرجوا من قبورهم، ارتفع من بين أيديهم ريح المسك، ويأتون على مائدة من الجنة يأكلون منها وهم في ظل العرش، وسائر الناس في سدّة الحساب". ويروى أن رجلا أتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بما أتقي النار؟ قال: "بدموع عينيك". قال: وكيف أتقيها بدموع عيني؟ قال: "أهمل دموعهما من خشية الله، فانه لا يعذب بالنار عينا بكت من خشيته" (١) وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "قطرة تخرج من عين المؤمن من خشية الله، خير له من الدنيا وما فيها، وخير له من عبادة سنة، وتفكّر ساعة في عظمة الله وقدرته خير من صيام ستين يوما وقيام ستين ليلة. إلا وان لله ملكا ينادي في كل يوم وليلة: أبناء الأربعين، زرع دنا حصاده، أبناء الخمسين، هلموا إلى الحساب، أبناء الستين، ماذا قدّمتم وماذا أخرتم، أبناء السبعين، ماذا تنتظرون. إلا ليت الخلق لم يخلقوا، فإذا خلقوا ليتهم علموا لما خلقوا له، فعملوا لذلك. إلا قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم" (٢) . نزه مشيبك عن شيء يدنّسه ... إن البياض قليل الحمل للدنس

стр. 13

يا عبد السوء، كم تعصي ونستر، كم تكسر باب نهي ونجبر، كم نستقطر من عينيك دموع الخشية ولا يقطر، كم نطلب وصلك بالطاعة، وأنت تفرّ وتهجر، كم لي عليك من النعم، وأنت بعد لا تشكر. خدعتك الدنيا وأعمال الهوى وأنت لا تسمع ولا تبصر. سخّرت لك الأكوان وأنت تطغى وتكفر، وتطلب الإقامة في الدنيا وهي فنظرة لمن يعبر. منعوك من شرب المودة والصفا ... لما رأوك على الخيانة والجفا إن أنت أرسلت العنان إليهم ... جادوا عليك تكرّما وتعطّفا حاشاهم أن يظلموك وإنما ... جعلوا ألوفا منهم لأرباب لوفا وروي عن الحسن البصري ﵁ أنه قال: دخلت على بعض المجوس وهو يجود بنفسه عند الموت، وكان حسن الجوار، وكان حسن السيرة، حسن الأخلاق، فرجوت أن الله يوفقه عند الموت، ويميته على الإسلام، فقلت له: ما تجد، وكيف حالك؟ فقال: لي قلب عليل ولا صحة لي، وبدن سقيم، ولا قوة لي، وقبر موحش ولا أنيس لي، وسفر بعيد ولا زاد لي، وصراط دقيق ولا جواز لي، ونار حامية ولا بدن لي, وجنّة عالية ولا نصيب لي، ورب عادل ولا حجة لي. قل الحسن: فرجوت الله أن يوفقه، فأقبلت عليه، وقلت له: لم لا تسلم حتى تسلم؟ قال: إن المفتاح بيد الفتاح، والقفل هنا، وأشار إلى صدره وغشي عليه. قال الحسن: فقلت: إلهي وسيدي ومولاي، إن كان سبق لهذا المجوسي عندك حسنة فعجل بها إليه قبل فراق روحه من الدنيا، وانقطاع الأمل. فأفاق من غشيته، وفتح عينيه، ثم أقبل وقال: يا شيخ، إن الفتاح أرسل المفتاح. أمدد يمناك، فأنا أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم خرجت روحه وصار إلى رحمة الله.

стр. 14

وأنشدوا: يا ثقتي يا أملي ... أنت الرجا أنت الولي اختم بخير عملي ... وحقق التوبة لي قبل حلول أجلي ... وكن لي يا ربّ ولي إخواني، ما هذه السّنة وأنتم منتبهون؟ وما هذه الحيرة وأنتم تنظرون؟ وما هذه الغفلة وأنتم حاضرون؟ وما هذه السكرة وأنتم صاحون؟ وما هذا السكون وأنتم مطالبون؟ وما هذه الإقامة وأنتم راحلون؟ أما آن لهل الرّقدة أن يستيقظوا؟ أما حان لأبناء الغفلة أن يتعظوا؟. واعلم أن الناس كلهم في هذه الدنيا على سفر، فاعمل لنفسك ما يخلصها يوم البعث من سقر. آن الرحيل فكن على حذر ... ما قد ترى يغني عن الحذر لا تغترر باليوم أو بغد ... فلربّ مغرور على خطر قال الجنيد: كان سري السقطي ﵁ متصل الشغل، وكان إذا فاته شيء من ورده لا يقدر أن يعيده. وكذلك كان عمر بن الخطاب ﵁، لم يكن له وقت ينام فيه، فكان ينعس وهو جالس، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إلا تنام؟ فقال: كيف أنام؟! إن نمت بالنهار، ضيّعت حقوق الناس، وان نمت بالليل ضيّعت حظي من الله. وسمع الجنيد ﵁ ما يقول: ما رأيت أعبد لله تعالى من سريّ السّقطي، أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤي قط مضطجعا إلا في علته التي مات فيها. قال الجنيد ﵁: سمعت السريّ السقطي ﵁ يقول: لولا الجمعة والجماعة ما خرجت من بيتي، وللزمت بيتي حتى أموت. قال أبو بكر الصيدلاني: سمعت سليمان بن عمار يقول: رأيت أبي

стр. 15

في المنام فقلت له: ما فعل بكربك؟ فقال: إن الرب قرّبني وأدناني، وقال لي: يا شيخ السوء أتدري لم غفرت لك؟ فقلت: لا يا الهي. قال: انك جلست للناس يوما مجلسا فأبكيتهم، فبكى فيهم عبد من عبيدي لم يبك من خشيتي قط، فغفرت له ووهبت أهل المجلس كلهم له، ووهبتك فيمن وهبت له. عن علي بن محمد بن إبراهيم الصفار، قال: حضرت أسود بن سالم ليلة وهو يقول هذين البيتين ويكررهما ويبكي: أمامي موقف قدّام ربي ... يسألني وينكشف الغطا وحسبي أن أمرّ على صراط ... كحد السيف أسفله لظى قال: ثم صرخ صرخة، ولم يزل مغمى عليه حتى أصبح ﵁. وكذلك يروى عن الضحّاك بن مزاحم أنه قال: خرجت ذات ليلة إلى مسجد الكوفة، فلما قربت من المسجد، فإذا في بعض رحابه شاب قد خرّ ساجدا وهو يخور بالبكاء، فلم أشك أنه ولي من أولياء الله تعالى؟، فقربت منه لأسمع ما يقول فسمعته يقول أبياتا: عليك يا ذا الجلال معتمدي ... طوبى لمن كنت أنت مولاه طوبى لمن بات خائفا وجلا ... يشكو إلى ذي الجلال بلواه وما به علة ولا سقم ... أكثر من حبّه لمولاه إذا خلا في ظلام الليل مبتهلا ... أجابه الله ثم لبّاه ومن ينل ذا من الإله فقد ... فاز بقرب تقرّ عيناه فبقي يكرر هذه الأبيات ويبكي، وأنا أبكي رحمة لبكاءه، فبينما أنا كذلك، لاح لي ضوء كالبرق الخاطف، فأسرعت بيدي إلى عيني، فسمعت، فإذا بمناد ينادي من فوق رأسه بصوت عذب لذيذ لا يشبه كلام بني آدم، وهو يقول: لبيّك عبدي وأنت في كنفي ... وكل ما قلت قد قبلناه صوتك تشتاقه ملائكتي ... وحسبك الصوت قد سمعناه

стр. 16

إن هبت الريح من جوانبه ... خرّ صريعا لما تغشاه ذاك عبدي يجول في حجبي ... وذنبك اليوم قد غفرناه فقلت: مناجاة الحبيب مع حبيبه وربّ الكعبة، فخريّت مغشيا على وجهي لما أدركني من الهيبة، ثم أفقت من غشيتي وأنا أسمع ضجيج الملائكة في الهواء، وخفقان أجنحتهم بين السماء والأرض، خيّل إليّ أن السماء قد قربت من الأرض، ورأيت النور قد غلب على ضوء القمر، وكانت ليلة مقمرة ساطعة النور، فدنوت منه وسلمت عليه، فردّ عليّ السلام، فقلت له: بارك الله فيك، من أنت يرحمك الله؟ فقال لي: أنا راشد بن سليمان، فعرفته لما كنت أسمع عنه. فقلت له: رحمك الله، لو أذنت لي في صحبتك لآنس بك، فقال لي: هيهات هيهات، وهل يأنس بالمخلوقين من تلذذ بمناجاة رب العالمين، فانصرف عني وتركني ﵁.

стр. 17

الفصل الثاني إخواني، إلى كم تماطلون بالعمل، وتطمعون في بلوغ الأمل، وتغترّون بفسحة المهل، ولا تذكرون هجوم الأجل؟ ما ولدتم فللتراب، وما بنيتم للخراب، وما جمعتم فللذهاب، وما عملتم ففي كتب مدّخر ليوم الحساب. وأنشدوا: ولو أننا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ ولكنّا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعدها عن كل شيء يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا يغرّنّكم قول الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ الأنعام ١٦٠، فان السيئة وان كانت واحدة، فإنها تتبعها عشر خصال مذمومة: أولها: إذا أذنب العبد ذنبا، فقد أسخط الله وهو قادر عليه. والثانية: أنه فرّح إبليس لعنه الله. والثالثة: أنه تباعد من الجنة. والرابعة: أنه تقرّب من النار. والخامسة: أنه قد آذى أحب الأشياء إليه، وهي نفسه. والسادسة: أنه نجس نفسه وقد كان طاهراً. والسابعة: أنه قد آذى الحفظة. والثامنة: أنه قد احزن النبي ﷺ في قبره. والتاسعة: أنه أشهد على نفسه السموات والأرض وجميع المخلوقات بالعصيان. والعاشرة: أنه خان جميع الآدميين، وعصى رب العالمين.

стр. 18

ويروى عن ذي النون المصري (١) رحمه الله تعالى أنه قال: خرجت أريد الحجاز ولم أصحب أحدا من الناس، فبينما أنا سائر، إذ وقعت في أرض صحراء، وقد نفذ زادي، فأشرفت على الهلاك، إذ لاحت لي شجرة في وسط الصحراء دانية الفروع، متدلية الأغصان، كثيرة الأوراق، فقلت في نفسي: أسير نحو هذه الشجرة، فأكون في ظلها حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. فلما وصلت إلى الشجرة، ودنوت منها، وأردت الدخول في ظلها، فأخذ غصن من أغصانها بركوتي، فانهرق الماء الذي كان بقي لي فيها أحيي به رمقي، فأيقنت بالهلاك، وطرحت نفسي في ظل الشجرة، وبقيت أنتظر ملك الموت ليقبض روحي، فإذا أنا بصوت حزين وهو يقول: إلهي وسيدي ومولاي، إن كان هذا رضاك مني، فزد حتى ترضى عني يا أرحم الراحمين. فقمت وجعلت أمشي نحو الصوت، فإذا أنا بشخص حسن الصورة، وهو ملقى على الرمل، والنسور قد أحدقت به تنهش من لحمه، فسلمت عليه فردّ السلام، وقال لي: يا ذا النون، لما نفذ الزاد، وانهرق الماء، أيقنت بالموت والفناء، فجلست عند رأسه، وجعلت أبكي رحمة لبكائه، وشفقة لما رأيت منه. فبينما أنا كذلك، إذ أنا بقصعة من الطعام وضعت بين يدي، فوكز الأرض بعرقوبه، فإذا بعين من الماء قد تفجرت، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فقال لي: يا ذا النون، كل واشرب، لا بد لك من الوصول إلى بيت الله الحرام، ولكن يا ذا النون لي إليك حاجة، فان قضيتها فلك الأجر والثواب، فقلت: وما هي؟ قال: إذا أنا مت، فاغسلني وادفني، واسترني من الوحش والطير، وسر فإذا قضيت الحج، فانك تصل إلى مدينة بغداد، وتدخل من باب الزعفران، فانك تجد هنالك الصبيان يلعبون، وعليهم ألوان الثياب، فتجد هنالك شابا، صغير

стр. 19

السن، ليس يشغله شيء عن ذكر الله تعالى، قد تحزّم بخرقة، وجعل على كتفيه أخرى، في وجهه خطان أسودان من آثار الدموع، فإذا وجدته فذلك ولدي وقرّة عيني، فأقرئه مني السلام. قال ذا النون: فلما فرغ من كلامه، سمعته يقول: أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وشهق شهقة فارق الدنيا رحمة الله عليه، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، وكان معي قميص في وعائي لا أفارقه فغسلته من ذلك الماء، وكفنته ورايته التراب، وسرت إلى بيت الله الحرام وقضيت مناسك الحج، وخرجت إلى زيارة قبر رسول الله، فلما قضيت الزيارة، وسرت إلى مدينة بغداد، فدخلتها في يوم عيد، فإذا أنا بالصبيان يلعبون وعليهم ألوان الثياب، فنظرت فرأيت الصبي الموصوف جالسا لا يشغله الموهوب عن علام الغيوب، وقد ظهرت على وجهه الأحزان، وفي وجهه خطان أسودان من آثار الدموع، وهو يقول: الناس كلهم للعيد قد فرحوا ... وقد فرحت أنا بالواحد الصمد الناس كلهم للعيد قد صبغوا ... وقد صبغت ثياب الذل والكمد الناس كلهم للعيد قد غسلوا ... وقد غسلت أنا بالدمع للكبد قال ذو النون: فسلمت عليه، فرد عليّ السلام، وقال: مرحبا برسول أتى من أبي، فقلت له: من أخبرك باني رسول أتيتك من أبيك؟ قال: الذي أخبرني أنك دفنته بالصحراء. يا ذا النون، أتزعم أنك دفنت أبي بالصحراء؟ والله إن أبي رفع إلى سدرة المنتهى، ولكن سر معي إلى جدتي. فأخذ بيدي وسار معي إلى منزله، فلما وصل إلى الباب نقر نقرا خفيفا، فإذا بالعجوز قد خرجت إلينا، فلما رأتني، قالت مرحبا بمن تمتع بالنظر في وجه حبيبي وقرّة عيني. قلت لها: من أخبرك بأنك رأيته؟ قالت: الذي أخبرني بأنك كفنته وأنّ الكفن مردود عليك. يا ذا النون، فوعزة ربي وجلاله، إن خرقة ابني يباهي الله بها

стр. 20

الملائكة في الملأ الأعلى. ثم قالت: يا ذا النون، صف لي كيف تركت ابني وقرة عيني وثمرة فؤادي؟ قلت لها: تركته في الفيافي والقفار بين الرمال والأحجار، وقد حضي بما أمل من العزيز الغفار. فلما سمعت العجوز ذلك، ضمّت الصبي إلى صدرها، وغابت عني، وحجبت عن نظري، فلا ادري: أفي السماء صعد بهما، أو في جوف الأرض هبط بهما، فصرت أطلبهما في أركان الدار، فما وجدتهما، فسمعت هاتفا يقول: يا ذا النون لا تتعب نفسك، فلقد طلبتهم الأملاك، فلم يجدوهم. فقلت: أين صاروا، فقال لي: إن الشهداء يموتون بسيوف المشركين، وهؤلاء المحبون يموتون بالشوق إلى رب العالمين، فيحملون في مركب من نور في مقعد صدق عند مليك مقتدر. قال ذا النون: فتفقدت الجراب، فوجدت الكفن الذي كفنته فيه مطويّا كما كان أولا، ﵁ ونفعنا ببركاتهم.

стр. 21

الفصل الثالث أيها المقيم على الخطايا والعصيان، التارك لما أمرك الرحمن، المطيع للغويّ الفتان، إلى متى أنت على جرمك مصرّ، ومما يقرّبك إلى مولاك تفرّ؟ تطلب من الدنيا ما لا تدركه، وتتقي من الآخرة ما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله من الرزق واثق، ولا أنت بما أمرك به لاحق. يا أخي، الموعظة، والله لا تنفعك، والحوادث لا تردعك. لا الدهر يدعك، ولا داعي الموت يسمعك، كأنك يا مسكين لم تزل حيا موجودا، كأنك لا تعود نسيا مفقودا. فاز، والله، لمخفون من الأوزار، وسلم المتقون من عذاب النار، وأنت مقيم على كسب الجرائم والأوزار. وأنشدوا: عيل صبري وحق لي أن أنوحا ... لم تدع لي الذنوب قلبا صحيحا أخلقت مهجتي أكف المعاصي ... ونعاني المشيب نعيا صريحا كلما قلت قد بري جرح قلبي ... عاد قلبي من الذنوب جريحا إنما الفوز والنعيم لعبد ... جاء في الحشر آمنا مستريحا إخواني، ارفضوا هذه الدنيا كما رفضها الصالحون، وأعدّوا الزاد لنقلة لا بدّ لها أن تكون، واعتبروا بما تدور به عليكم الأيام والسنون. يا من غدا في الغيّ والتيه ... وغرّه طول تماديه أملى لك الله فبارزته ... ولم تخف غبّ معاصيه قال الجنيد ﵁: مرض السّريّ السّقطي ﵁ فدخلت عليه أعوده، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال:

стр. 22

كيف أشكو إلى طبيبي ما بي ... والذي قد أصابني من طبيبي فأخذت المروحة لأروّح عليه، فقال: كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق من داخل، ثم أنشأ يقول: القلب محترق والدمع مستبق ... والكرب مجتمع والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والشوق والقلق يا ربّ إن كان شيء فيه لي فرج ... فامنن عليّ به ما دام بي رمق ويروى عن علي بن الموفق ﵁ أنه قال: خرجت يوما لأؤذن، فأصبت قرطاسا، فأخذته ووضعته في كمي، وأقمت الصلاة وصليت، فلما صليت قرأته، فإذا مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم. يا علي بن الموفق، أتخاف الفقر وأنا ربك؟. ويروى عن المزني، قال: دخلت على الشافعي ﵁ في علته التي مات منها، فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولكأس المنيّة شاربا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى الله واردا، فلا أدري: أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ثم بكى وأنشأ يقول: ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت اعفو من الذنب ولم تزل ... تجود وتعفو منّة وتكرّما فلولاك لم ينجو من إبليس عابد ... وكيف وقد أغوى صفيّك آدما (١) إخواني: بادروا بالتوبة من الذنوب، واقتفوا آثار التوّابين، واسلكوا مسالك الأوّابين، الذين نالوا التوبة والغفران، وأتعبوا أنفسهم في رضا الرحمن، فلو رأيتهم في ظلم الليالي قائمين، ولكتاب ربهم تالين، بنفوس خائفة، وقلوب واجفة، قد وضعوا جباههم على الثرى ورفعوا حوائجهم لمن يرى ولا يرى: وأنشدوا:

стр. 23

ألا قف ببابي عند قرع النوائب وثق ... بي تجدني خير خلّ وصاحب ولا تلتفت غيري فتصبح نادما ... ومن يلتفت غيري يعش خائب كان أبو محفوظ معروف الكرخي قد خصّه الله بالاجتباء في حال الصبا، يذكر أن أخاه عيسى قال: كنت أنا وأخي معروف في المكتب، وكنا نصارى، وكان المعلم يعلم الصبيان: "أب" و"ابن" فيصيح أخي معروف: "أحد أحد" فيضربه المعلم على ذلك ضربا شديدا، حتى ضربه يوما ضربا عظيما، فهرب على وجهه. وكانت أمه تبكي وتقول: لئن ردّ الله عليّ معروفا، لأتبعنّه على أي دين كان، فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة، فقالت له: يا بنيّ، على أي دين أنت؟ قال: على دين الإسلام، فقالت: أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فأسلمت أمي وأسلمنا كلنا. وقال أحمد بن الفتح: رأيت بشر بن الحارث في منامي وهو قاعد في بستان بين يديه مائدة وهو يأكل منها، فقلت: يا أبا نصر, ما فعل الله بك؟ قال: رحمني وغفر لي، وأباح لي الجنة بأسرها، وقال لي: كل من جميع ثمارها، واشرب من أنهارها، وتمتع بجميع ما فيها، كما كنت تحرم نفسك عن الشهوات في دار الدنيا. فقلت له: فأين أخوك أحمد بن حنبل؟ فقال: هو قائم على باب الجنة يشفع لأهل السنة ممن يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. فقلت له: وما فعل الله بمعروف الكرخي؟ فحرّك رأسه، وقال هيهات هيهات! حالت بيننا وبينه الحجب. إن معروفا لم يعبد الله شوقا إلى جنّته، ولا خوفا من ناره، وإنما عبده شوقا إليه، فرفعه إلى الرفيق الأعلى، ورفع الحجاب بينه وبينه. ذلك الترياق المقدس المجرّب، فمن كانت له إلى الله حاجة، فليأت قبره، وليدع، فانه يستجاب له إن شاء الله تعالى (١) .

стр. 24

الفصل الرابع يا إخوان الغفلة تيقظوا، يا مقيمين على الذنوب انتهوا واتعظوا، فبالله أخبروني: من أسوأ حالا ممن استعبده هواه، أم من أخسر صفقة ممن باع آخرته بدنياه، فما للغفلة قد شملت قلوبكم؟ وما للجهالة قد ترت عنكم عيوبكم؟ أما ترون صوارم الموت بينكم لامعة، وقوارعه بكم واقعة، وطلائعه عليكم طالعة، وفجائعه لعذركم قاطعة، وسهامه فيكم نافذة، وأحكامة بنواصيكم آخذة؟ فحتى م؟ والى م؟ وعلام التخلف والمقام؟ أتطمعون في بقاء الأبد؟ كلا والواحد والصمد. إن الموت لبالرّصد، ولا يبقي على والد ولا ولد، فجدّوا، رحمكم الله، في خدمة مولاكم، وأقلعوا عن الذنوب، فلعله يتولاكم. يروى عن محمد بن قدامة، قال: لقي بشر بن الحارث رجلا سكران، فجعل السكران يقبله، ويقول: يا سيدي أبا نصر، ولا يدفعه بشر عن نفسه، فلما تولى تغرغرت عينا بشر بالدموع، وقال: رجل أحبّ رجلا على خير توهّمه فيه، ولعل المحبّ قد نجا والمحبوب لا يدري ما حاله. فوقف على أصحاب الفاكهة، فجعل ينظر، فقلت: يا أبا نصر، لعلك تشتهي من هذا شيئا؟ قال: ل، ولكن نظرت في هذا؛ إذا كان يطعم هذا لمن يعصيه، فكيف من يطيعه ماذا يطعمه في الجنة ويسقيه؟!. إخواني: ما للغافل إلى كم ينام؟ أما توقظ الليالي والأيام؟ أين سكان القصور والخيام؟ دار، والله، عليهم كأس الحمام، فالتقطهم الموت كما يلتقط الحبّ الحمام. ما لمخلوق فيها دوام، طويت الصحف وجفت الأقلام. وأنشدوا: دعوني على نفسي أنوح وأندب ... بدمع غزير واكف يتصبب

стр. 25

دعوني على نفسي أنوح لأنني ... أخاف على نفسي الضعيفة تعطب فمن لي إذا نادى المنادي بمن عصا ... إلى أين ألجأ أم إلى أين أذهب فيا طول حزني ثم يا طول حسرتي ... إذا كنت في نار الجحيم أعذب وقد ظهرت تلك القبائح كلها ... وقد قرّب الميزان والنار تلهب ولكنني أرجو الإله لعله ... بحسن رجائي فيه لي يتوهب ويدخلني دار الجنان بفضله ... فلا عمل أرجو به أتقرّب سوى حب طه الهاشمي محمد ... وأصحابه والآل من قد ترهبوا قال رسول الله ﷺ : "يؤتى برجل يوم القيامة قد جمع المال من حلال وأنفقه في الحلال، فيقال له: قف للحساب، فيحاسب على كل حبة وذرة ودانق: من أين أخذه وفيما أنفقه" ثم قال ﷺ : "يا ابن آدم، ما تصنع بالدنيا؟ حلالها حساب، وحرامها عقاب". وأنشدوا: فلا تأمن لذي الدنيا صلاحا ... فإن صلاحها عين الفساد ولا تفرح لمال تقتنيه ... فإنك فيه معكوس المراد قال بعض العارفين ﵁: إن أبا يزيد البسطامي بكى عند موته، ثم ضحك، ثم فارق الدنيا، فرؤي في المنام بعد موته، فقيل له: لم بكيت قبل الموت ثم ضحكت؟ فقال: لما كنت في النزع، أتاني إبليس لعنة الله عليه، وقال لي: يا أبا يزيد، أفلتّ من شبكتي، فبكيت حينئذ إلى الله تعالى، فنزل عليّ ملك من السماء، وقال لي: يا أبا يزيد، يقول لك رب العزة: لا تخف ولا تحزن، وأبشر بالجنة، فضحكت عند ذلك، وفارقت الدنيا. وأنشدوا: وقفت وأجفاني تفيض دموعها ... وقلبي من خوف القطيعة هائم وكل مسيء أوبقته ذنوبه ... ذليل حزين مطرق الطرف نادم

стр. 26

فيا رب ذنبي تعاظم قدره ... وأنت بما أشكو يا رب عالم وأنت رؤوف بالعباد مهيمن ... حليم كريم واسع العفو راحم يا أخي كم من يوم قطعته بالتسويف؟ وكم من سبب أضعت فيه التكليف، وكم أذن سمّاعة لا يزجرها التخويف؟. ولما حضرت جابر بن زيد الوفاة قيل: ما تشتهي؟ قال: نظرة في وجه الحسن فبلغ ذلك الحسن، فجاء ودخل عليه، وقال له: يا جابر كيف تجدك؟ قال: أجد أمر الله غير مردود. يا أبا سعيد، حدثني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، فقال الحسن: يا جابر قال رسول الله ﷺ : "المؤمن من الله على سبيل خير، إن تاب قبله، وان استقال أقاله، وان اعتذر إليه قبل اعتذاره، وعلامة قبل ذلك خروج روحه يجد بردا على قلبه". فقال جابر: الله أكبر! إني لأجد بردا على قلبي. ثم فال: اللهم إن نفسي تطمع في ثوابك، فحقق ظني، وآمن خوفي وجزعي، ثم تشهّد ومات ﵁. وكان سبب توبة داود الطائي (١) أنه دخل المقبرة، فسمع امرأة عند قبر تبكي وتقول: تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتسأل لما تبلى وأنت حبيب مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب

стр. 27

الفصل الخامس إخواني: قيّدوا هذه النفوس بزمام، وازجروا، هذه القلوب عن الآثام، واقرؤوا صحف العبر بألسنة الأفهام. يا من أجله خلفه وأمله قدّام، يا مقتحما على الجرائم أيّ اقتحام، انتبهوا يا نوّام، كم ضيّعتم من أعوام، الدنيا كلها منام، وأحلى ما فيها أضغاث أحلام، غير أن عقل الشيخ فيها الغلام، فكل من قهر نفسه فهو الهمام. هذه الغفلة قد تناهت، والمصائب قد تدانت، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، والسلام. مرّ عيسى ﵇ على قرية، فوجد كل من فيها أمواتا، وهم مطروحون على وجوههم في الأزقّة، فتعجّب عيسى ﵇ من ذلك، وقال: يا معشر الحواريين، إن هؤلاء القوم قد ماتوا على سخط وغضب، ولو ماتوا على رضا من الله، لدفن بعضهم بعضا. فقالوا: يا روح الله، وددنا أن نعرف قضيّتهم وخبرهم. قال: فسأل الله في ذلك، فأوحى الله إليه: إذا كان الليل نادهم، فإنهم يجيبونك. فلما كان من الليل، صعد عيسى على شرف ونادى: يا أهل القرية، فأجابه مجيب من بينهم: لبيّك يا روح الله، فقال: ما قضيتكم, وما خبلاكم؟ فقال: يا روح الله، بتنا في عافية، وأصبحنا في هاوية. قال: ولم ذلك؟ قال: لحبنا في الدنيا، وطاعة لأهل المعاصي، ولم نأمر بالمعروف، ولم ننه عن المنكر. فقال له عيسى ﵇: كيف كان حبكم للدنيا؟ قال: كحبّ الصبي لأمه؛ إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت جزنّا وبكينا. فقال له عيسى ﵇: يا هذا: ما بال أصحابك لم يجيبوني؟ قال: إنهم ملجمون بلجام من النار بأيدي ملائكة غلاظ شداد. قال: وكيف أجبتني أنت من بينهم؟ قال: إني كنت فيهم، ولم أكن منهم، فلما نزل بهم العذاب

стр. 28

لحقني معهم، فأنا الآن معلّق على شفير جهنّم، لا أدري: أنجو منها، أم أكبّ فيها. أعاذنا الله هنا. يا من يسير بعمره وقد تعدّى الحدود، ابك على معصيتك فلعلك مطرود. يا من عمره ينتهب وليس الماضي يعود، قد أسمعتك المواعظ من إرشادها نصحا، وأخبرك الشيب أنك بالموت تقصد وتنحّا، وناداك لسان الاعتبار: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ الانشقاق ٦. وأنشدوا: لما نقضى زمن التواصل والرضا ... قد صرت تطلب ردّ أمر قد مضى هلا أتيت ووقت وصلك ممكن ... وبياض شيبك في العوارض ما أضا يا أخي: هذا أوان الرجوع والاستغفار والإقلاع عن الذنوب والأوزار. من بلغ أربعين سنة ولم يغلب خيره على شره، فليتجهز إلى النار (١) . وأنشدوا: أتيتك راجيا يا ذا الجلال ... ففرّج ما ترى من سوء حالي عصيتك سيّدي ويلي بجهلي ... وعيب الذنب لم يخطر ببالي إلى من يشتكي المملوك إلا ... إلى مولاه يا مولى الموالي فويلي لم أمي لم تلدني ... ولا أعصيك في ظلم الليالي وها أنا ذا عبيدك عبد سوء ... ببابك واقف يا ذا الجلال فان عاقبت يا ربي فاني ... محق بالعذاب وبالنكال وان تعفو فعفوك أرتجيه ... ويحسن إن عفوت قبيح حالي يقول الله : يا عبادي، أما علمتم إني جعلت الدنيا دار تكليف وامتحان، وأني لا أخص بمنازل الفضل والإحسان إلا من تاب إليّ فيها عن مواطن الزلات والعصيان، فما لكم ما أتيتم لبابي، ولا رغبتم في جزيل فضلي

стр. 29

وثوابي، ولا خفتم من أخذي وعقابي؟. فيا من جلّت غفلته، وطالت سكرته، تأمّل عطف الموالي عليك، وإحسانه إليك. فبالله عليكم، حطّوا بالتوبة عن ظهوركم، واغسلوا وجوهكم بقطرات الدموع، واشتملوا بأردية التذلل والخضوع. وأنشدوا: ركبت مآثمي فلقيت ذلا ... وسالت عبرتي طلا ووبلا وصرت أعاتب القلب المبلا ... إلى من يشتكي المملوك إلا إلى مولاه يا مولى الموالي ... فلطفك بي إله العرش أولى **

стр. 30

الفصل السادس إخواني: انتبهوا من غفلتكم، فنوم الغفلة ثقيل، وشمّروا لآخرتكم، فإنما الدنيا منزل، وفي طريقها مقيل. جاء في بعض الأخبار، أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه ﵈: يا نبيي، شتان بين من عصاني وخالف أمري، وبين من قطع عمره في معاملتي وذكري ولزوم الوقوف ببابي، ومرّغ خده على أعتابي، فيا خجلة الخاطئين، ويا ندامة البطالين. وأنشدوا: اخلوا بنفسك إن أردت تقرّبا ... ودع الأنام بمعزل يا عاني واعمل على قطع العلائق جملة ... في العيش في خرق الحجاب الفاني وفي الخبر أن النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: "يا أصحابي، أتدرون من المفلس؟ " قالوا: يا رسول الله، المفلس عندنا من ليس له دينار ولا درهم. فقال لهم: "ليس هو ذلك، إنما المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وصدقة، ثم يأتي وقد شتم هذا، ولطم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا كذلك، حتى تفنى حسناته قبل أن يؤدي ما عليه، فتؤخذ خطاياهم، فتحمل على خطاياه، ويقذف به في النار، فهذا هو المفلس". نعوذ بالله من الحرمان. قال بعض الصالحين ﵃: أتيت إبراهيم بن أدهم لأزوره، فطلبته في المسجد، فلم أجده، فقيل لي: انه خرج الآن من المسجد، فخرجت في طلبه، فوجدته في بطن واد نائما في زمان الحر، وحيّة عظيمة عند رأسه، وفي فم الحيّة غصن من الياسمين، وهي تشرّد عنه الذباب، فبقيت متعجبا من ذلك، وإذا بالحية

стр. 31

قد أنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فقالت لي: مم تتعجب أيها الرجل؟ فقلت لها، من فعلك هذا, وأكثر تعجبي من كلامك وأنت عدوة لبني آدم. فقالت لي: والله العظيم، ما جعلنا الله أعداء إلا للعاصين، وأما أهل طاعته، فنحن لهم منقادون. وأنشدوا: فعالي قبيح وظني حسن ... وربي غفور كثير المنن تبارز مولاك يا من عصى ... وتخشى من الجار لما فطن ركبت المعاصي وشيبي معي ... فوالله يا نفس ماذا حسن فقومي الدياجي له وارغبي ... وقولي له يا عظيم المنن وقولي له يا عظيم الرجا ... إذا أنت لم تعف عني فمن بحقّ النبي هو المصطفى ... بحق الحسين بحق الحسن أيدفع مثلي إلى مالك ... وتعلم إني ضعيف البدن جلس الحسن البصري ذات يوم يعظ الناس، فجعلوا يزدحمون عليه ليقربوا منه، فأقبل عليهم، وقال: يا إخوتاه، تزدحمون عليّ لتقربوا مني؟ فكيف بكم غدا في القيامة إذا قرّبت مجالس المتقين، وأبعدت مجالس الظالمين، وقيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطوا؟ فيا ليت شعري: أمع المثقلين أحط، أم مع المخفين أجوز؟ ثم بكى حتى غشي عليه، وبكى من حوله، فأقبل عليهم وناداهم، يا إخوتاه، ألا تبكون خوفا من النار؟ ألا من بكى خوفا من النار نجاه الله منها يوم يجرّ الخلائق بالسلاسل والأغلال. يا إخوتاه، ألا تبكون شوقا إلى الله. ألا وإن من بكى شوقا إلى الله، لم يحرم من النظر غدا إلى الله إذا تجلى بالرحمة، واطّلع بالمغفرة، واشتدّ غضبه على العاصين. يا إخوتاه، إلا تبكون من عطش يوم القيامة؟ يوم يحشر الخلائق وقد ذبلت شفاههم، ولم يجدوا ماء إلا حوض المصطفى ﷺ ، فيشرب قوم، ويمنع آخرون. ألا

стр. 32

وإنّ من بكى من خوف عطش ذلك اليوم سقاه الله من عيون الفردوس. قال: ثم نادى الحسن ﵁: واذلاه إذا لم يرو عطشي يوم القيامة من حوض النبي ﷺ . ثم بكى وجعل يقول: والله لقد مررت ذات يوم بامرأة من المتعبدات، وهي تقول: الهي، قد سئمت الحياة شوقا ورجاء فيك. فقلت لها: يا هذه، أتراك على يقين من عملك؟ فقالت: حبي فيه وحرصي على لقائه بسطني. أتراه يعذبني وأنا أحب؟. فبينما أنا كذلك أخاطبها، إذ مرّ بي صبيّ صغير من بعض أهلي، فأخذته في ذراعي، وضممته إلى صدري، ثم قبلته. فقالت لي: أتحب هذا الصبي؟ قلت: نعم. قال: فبكت، وقالت: لو يعلم الله الخلائق ما يستقبلون غدا، ما قرّت أعينهم، ولا التذّت قلوبهم بشيء من الدنيا أبدا. قال: فبينما أنا كذلك، إذ أقبل لها ولد يقال له: "ضيغم"، فقالت: يا ضيغم، أتراني أراك غدا يوم القيامة في المحشر أو يحال بيني وبينك؟ قال: فصاح الصبي صيحة ظننت أنه قد انشق قلبه، ثم خرّ مغشيّا عليه، فجعلت تبكي عليه، وبكيت لبكائها. فلما أفاق من غشيته، قالت له: يا ضيغم، قال لها لبيك يا أماه. قالت: أتحب الموت؟ قال: نعم. قالت: ولم يا بنيّ؟ قال لها: لأصير إلى ما هو خير منك، وهو أرحم الراحمين، إلى من غذاني في ظلمة أحشائك، وأخرجني من أضيق المسالك، ولو شاء لأماتني عند الخروج من ضيق ذلك المسلك حتى تموتي أنت من شدة أوجاعك، لكنه برحمته ولطفه، سهّل ذلك عليّ وعليك. أما سمعتيه يقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي إني أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ الحجر ٤٩ـ٥٠. وجعل يبكي وينادي: أواه أواه، إن لم أنج غدا من عذاب الله، ولم يزل يبكي حتى غشي عليه، وسقط على الأرض، فدنت منه أمه، فلمسته بيدها، فإذا هو ميّت

стр. 33

رحمه الله. فجعلت تبكي وتقول: يا ضيغماه، يا قتيلا في حبّ مولاه. ولم تزل كذلك حتى صاحت صيحة عظيمة، ووقعت في الأرض، قال: فحرّكتها، فإذا هي قد ماتت. رحمة الله عليه وعليها، ورحمنا الله بهما. **

стр. 34

الفصل السابع إخواني، الدنيا سموم قاتلة، والنفوس عن مكائدها غافلة، كم من نظرة تحلو في العاجلة، ومرارتها لا تطاق في العاقبة الآجلة. يا ابن آدم، قلبك قلب ضعيف، ورأيك في إطلاق الطرف وأى (١) سخيف. عينك مطلوقة، ولسانك يجني الآثام، وجسدك يتعب في كسب الحطام، كم من نظرة محتقرة زلت بها الأقدام. عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا فلام قلبي طرفي ... وقال كنت الرسولا فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا فقلت كفا جميعا ... تركتماني قتيلا كان عيسى ﵇ يقول: النظرة تزرع في القلب الشهوة. وقال الحسن: من أطلق طرفه، كثر ألمه. قال إبراهيم (٢) : ومن كان يؤتى من عدو وحاسد ... فإني من عيني أوتى ومن قلبي وقد روي عن ابن عباس ﵁ أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يتسلسل دما، فقال له النبي ﷺ : "ما بالك؟ " فقال: مرّت بي امرأة، فنظرت إليها، فلم يزل يتبعها بصري، فاستبقني جدار فضربني، فصنع بي ما ترى، فقال النبي ﷺ : "إن الله إذا أراد بعبد خيرا، عجّل له عقوبته في الدنيا (٣) ".

стр. 35

قال أبو يعقوب النهرجوري: رأيت في الطواف رجلا بفرد عين، وهو يقول في طوافه: أعوذ بك منك، فقلت له: ما هذا الدعاء، فقال: إني مجاور منذ خمسين سنة، فنظرت إلى شخص يوما فاستحسنته، وإذا بلطمة قد وقعت على عيني، فسالت على خدي، فقلت: آه، فوقعت أخرى، وقائل يقول: لو زدت لزدناك. دعوني أناجي مولى جليلا ... إذا الليل أرخى على السدولا نظرت إليك بقلب ذليل ... لأرجو به يا إلهي القبولا لك الحمد والمجد والكبرياء ... وأنت الإله الذي لن يزولا وأنت الإله الذي لم يزل ... حميدا كريما عظيما جليلا تميت الأنام وتحيي العظام ... وتنشى الخلائق جيلا فجيلا عظيم الجلال كريم الفعال ... جزيل النوال تنيل السؤولا حبيب القلوب غفور الذنوب ... تواري العيوب تقيل الجهولا وتعطي الجزيل وتولي الجميل ... وتأخذ من ذا وذاك القليلا خزائن جودك لا تنقضي ... تعمّ الجواد بها والبخيلا قال بعض العارفين: خرجنا من أرض العراق نريد مكة ومدينة المصطفى ﷺ ، وكنا في رفقة كثيرة من الناس، فإذا نحن برجل من أهل العراق، وقد خرج معنا رجل به أدمة في شقرة وهو مصفرّ اللون، قد ذهب الدم من وجهه مما بلغت فيه العبادة، وعليه ثياب خلقة من رقاع شتى، وبيده عصا ومعه مزود فيه شيء من الزاد. قال: وكان ذلك الرجل العابد الزاهد أويسا القرني، فلما نظر إليه أهل القافلة على تلك الحالة، أنكروه، وقالوا له: نظن أنك عبد. قال: نعم. قالوا: نظن أنك عبد سوء هربت من مولاك. قال لهم: نعم. قالوا: كيف رأيت نفسك حين هربت من مولاك، وما صار حالك إليه؟ أما إنك لو أقمت عنده، ما كانت هذه حالتك، وإنما أنت عبد سوء مقصّر. فقال لهم: نعم والله، أنا عبد سوء، ونعم المولى

стр. 36

مولاي، ومن قبلي التقصير، ولأطعته وطلبت رضاه، ما كان من أمري هذا، وجعل يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق. قال: فرحمه القوم، وظنوا أنه يعني مولى من موالي الدنيا، وهو ما كان يريد بذلك إلا رب العزة. فقال له رجل من أهل القافلة: لا تخف، أنا آخذ لك من مولاك الأمان، فارجع إليه وتب. فقال: إني راجع إليه، وراغب فيما لديه. قال: وكان خرج زائرا إلى قبر رسول الله ﷺ ، فسارت القافلة ذلك اليوم، وسار معهم، وجدّوا في السير، فلما كان في الليل نزلوا في فلاة من الأرض، وكانت ليلة شاتية باردة كثيرة المطر. قال: فأوى كل واحد من أهل القافلة إلى رحله وخبائه، ولم يأو أويس إلى شيء، ولم يسأل أحدا شيئا. قال: وقد كان آلى على نفسه إلا يسأل من أمور الدنيا لمخلوق، وإنما تكون حوائجه إلى الله ، فبلغ به البرد تلك الليلة مبلغا شديدا، حتى اضطربت جوارحه من شدة البرد، واشتد عليه سلطان البرد حتى مات في جوف الليل. فلما أصبحوا وأرادوا الرحيل نادوه: قم أيها الرجل، فان الناس قد رحلوا، فلم يجبهم، فأتاه رجل قريب منه، فحرّكه فوجده ميتا ﵀، فنادى: يا أهل القافلة، إن العبد الهارب من سيده قد مات، ولا ينبغي لكم الرحيل حتى تدفنوه. قالوا: وما الحيلة في أمره؟. فقال لهم رجل صالح كان معهم: إن هذا العبد كان عبدا تائبا راجعا إلى مولاه نادما على ما صنع، ونحن نرجو أن ينفعنا الله به، وقد قبل توبته، ونخاف أن نسأل عنه إن تركناه غير مدفون، ولا بدّ لكم أن تصبروا حتى تحفروا له قبرا وتدفنوه فيه. فقالوا: هذا موضع ليس فيه ماء، فقال بعضهم لبعض: اسألوا الدليل، فسألوه، فقال: إن بينكم وبين الماء ساعة، ولكن أرسلوا معي واحدا وأنا آتيكم بالماء.

стр. 37

فأخذ الدليل دلوا، وساروا إلى الماء، فلما خرج من القافلة، إذا هو بغدير من الماء، فقال الدليل: هذا هو العجب الذي لم أر مثله هذا موضع ليس فيه ماء، ولا على قرب منه!. فرجع إليهم، وقال لهم: قد كفيتم المؤنة. عليكم بالحطب، فجمعوه ليسخنوا به الماء من شدة البرد، ثم أتوا إلى الماء ليأخذوه، فوجوده ساخنا يغلي، فازدادوا تعجبا، وفزعوا من ذلك الرجل، وقالوا إن لهذا العبد قصة وشأنا. قال: فأخذوا في حفر قبره، فوجدوا التراب ألين من الزبد، والأرض تفوح مثل المسك الإذفر، وملئوا رعبا وفزعا، وكانوا إذا نظروا إلى التراب الذي يخرج من القبر، وجدوه صفة التراب، وإذا شمّوه، وجدوا رائحة كرائحة المسك. فضربوا له خباء وأدخلوه فيه، وتنافسوا في كفنه، فقال رجل من القوم: أنا أكفنه، وقال آخر، أنا أكفنه. فاتفق رأيهم على أن يجعل كل واحد منهم ثوبا. ثم إنهم أخذوا دواة وقرطاسا، وكتبوا صفته وعته، وقالوا: إذا وصلنا، إن شاء الله، المدينة، فلعل من يعرفه، وجعلوا الكتاب في أوعيتهم. فلما غسّلوه، وأرادوا أن يكفنوه، كشفوا الثوب الذي كان عليه، فوجدوه مكفنا بكفن من الجنة، لم ير الراؤون مثله، ووجدوا على كفنه مسكا وعنبرا، وقد ملأت رائحة حنوطه الدنيا، وعلى جبينه خاتم من المسك، وعلى قدميه كذلك. فقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إن الله قد كفّنه وأغناه عن أكفان العباد، ونرجو الله تعالى أنه قد أوجب لنا الجنة ورحمنا بهذا العبد الصالح، وندموا ندامة شديدة على تركه تلك الليلة حتى مات بالبرد. ثم إنهم حملوه ليدفنوه، ووضعوه في بقعة سهلة ليصلّوا عليه، فلما كبّروا، سمعوا أصوات التكبير من السماء إلى الأرض، ومن المشرق إلى المغرب،

стр. 38

وانخلعت أفئدتهم وأبصارهم، ولم يدروا كيف صلوا عليه من شدة الجزع، وعظم رعبهم مما سمعوا فوق رؤوسهم، فحملوه يريدون قبره، فكأنه يخطف من بينهم ولا يجدون له ثقلا، حتى أتوا به إلى القبر ليدفنوه، فدفنوه، ورجع القوم وقد تعجبوا من أمره. فلما قضوا سفرهم، وأتوا إلى مسجد الكوفة، وأخبروا بخبره، وما كان من صفته، فعند ذلك عرفه الناس، وارتفعت الأصوات بالبكاء في مسجد الكوفة، ولولا ذلك ما عرف أحد بموته، ولا بمكان قبره، لاختفائه عن الناس وهروبه منهم ﵁، ونفعنا ببركاته. **

стр. 39

الفصل الثامن إخواني، إلى كم هذه الغفلة وأنتم مطالبون بغير مهلة؟ فبالله عليكم، تعاهدوا أيامكم بتحصيل العدد، وأصلحوا من أعمالكم ما فسد، وكونوا من آجالكم على رصد، فقد آذنتكم الدنيا بالذهاب، وأنتم تلعبون بالأجل وبين أيديكم يوم الحساب. آه من ثقل الحمل.. آه من قلة الزاد وبعد الطريق. فيا أيها المغرور بإقباله، المفتون بكواذب آماله، الذي غاب عن الصواب، وهو في فعله كذاب. يا بطال، إلى كم تؤخر التوبة وما أنت في التأخير بمعذور؟ إلى متى يقال عنك: مفتون ومغرور؟ يا مسكين، قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور؟ أترى مقبول أنت أم مطرود؟ أترى مواصل أنت أم مهجور؟ أترى تركب النجب (١) غدا أم أنت على وجهك مجرور؟ أترى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب النعيم والقصور. فاز، والله، المخفون، وخسر هنالك المبطلون، إلا إلى الله تصير الأمور. وأنشدوا: مالي أراك على الذنوب مواظبا ... أأخذت من سوء الحساب أمانا لا تغفلن كأن يومك قد أتى ... ولعل عمرك قد دنا أو حانا ومضى الحبيب لحفر قبره مسرعا ... وأتى الصديق فأنذر الجيرانا وأتو بغسّال وجاؤوا نحوه ... وبدا بغسلك ميتا عريانا فغسلت ثم كسيت ثوبا للبلى ... ودعوا لحمل شريرك الإخوانا وأتاك أهلك للوداع فودّعوا ... وجرت عليك دموعهم غدرانا فخف الإله فانه من خافه ... سكن الجنان مجاورا رضوانا

стр. 40

جنات عدن لا يبيد نعيمها ... أبدا يخالط روحه ريحانا ولمن عصا نار يقال لها لظى ... تشوى الوجوه وتحرق الأبدانا نبكي وحق لنا البكاء يا قومنا ... كي لا يؤاخذنا بما قد كانا قال النبي ﷺ : "إذا كان ابن آدم في سياق الموت، بعث الله إليه خمسة من الملائكة: أما الملك الأول، فيأتيه وروحه في الحلقوم، فيناديه: يا ابن آدم، أين بدنك القوي؟ ما أضعفه اليوم؟ أين لسانك الفصيح؟ ما أسكته اليوم؟ أين أهلك وقرابتك؟ ما أوحشك منهم اليوم!. ويأتيه الملك الثاني إذا قبض روحه، ونشر عليه الكفن، فيناديه: يا ابن آدم، أين ما أعددت من الغنى للفقر؟ أين ما أعددت من الخراب للعمران؟ أين ما أعددت من الأنس للوحشة؟. ويأتيه الملك الثالث إذا حمل على الأعناق، فيناديه: يا ابن آدم، اليوم تسافر سفرا بعيدا لم تسافر سفرا أبعد منه، اليوم تزور قوما لم تزورهم قبل هذا قط، اليوم تدخل مدخلا ضيقا لم تدخل أضيق منه، فطوبى لك إن فزت برضوان الله، وويل لك إن رجعت بسخط الله. ويأتيه الملك الرابع إذا ألحد في قبره فيناديه: يا ابن آدم، بالأمس كنت على ظهرها ماشيا، واليوم صرت في بطنها مضطجعا. بالأمس كنت على ظهرها ضاحكا، واليوم أصبحت في بطنها باكيا. بالأمس كنت على ظهرها مذنبا، واليوم أمسيت في بطنها نادما. ويأتيه الملك الخامس إذا سويّ عليه التراب، وانصرف عنه الأهل والجيران والأصحاب، فيناديه: يا ابن آدم، دفنوك وتركوك، ولو أقاموا عندك ما نفعوك. جمعت المال وتركته لغيرك. اليوم تصير إما لجنة عالية، أو إلى نار حامية".
следующие страницы →