← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٣) طريق الهجرتين وباب السعادتين تأليف الإمام أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١) حققه: محمد أجمل الإصلاحي خرج أحاديثه: زائد بن أحمد النشيري إشراف بكر بن عبد اللَّه أبو زيد دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

راجع هذا الجزء سعود بن عبد العزيز العريفي علي بن محمد العمران

стр. 3

مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع مكة المكرمة ص. ب ٢٩٢٨ هاتف ٥٥٠٥٣٠٥ فاكس ٥٥٤٢٣٠٩ الصف والإخراج دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد للَّه رب العالمين، القائل في كتابه الحكيم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة/ ١٥ - ١٦]. والصلاة والسلام على رسوله الذي بعثه في الأميين، يتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم؛ فبلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح للأمة. ومضى إلى ربه محمودًا بعدما أقام الدين، وترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. أما بعد، فإن كتاب "طريق الهجرتين وباب السعادتين" للإمام ابن قيم الجوزية رحمه اللَّه تعالى لكتاب نفيس نادر في بابه. فقد وضعه لبيان قواعد السلوك والسير إلى اللَّه على الطريقة التي شرعها اللَّه ورسوله ﷺ . والمقصود بالهجرتين -كما فسَّر المؤلف في مقدمة هذا الكتاب وفي كتبه الأخرى- هجرة العبد إلى اللَّه سبحانه بالتوحيد والإخلاص والإنابة والحب والخوف والرجاء والتوكل والعبودية، وهجرته إلى رسول اللَّه ﷺ بمتابعته والتأسِّي به في كل شأن من شؤون حياته من عقائده وعباداته ومعاملاته. وهذا هو مضمون الشهادتين اللتين لا يقوم الإيمان والإسلام إلّا بهما. ولا تخفى أهمية الهجرتين المذكورتين في باب الإحسان وتزكية النفس والسير إلى اللَّه. فإنّ الصوفية منذ أن جعلوه سرًّا مكتومًا، زاعمين أنه علم خصّ به النبي ﷺ بعض أصحابه، ثم حكَّموا فيه الذوق

стр. 5

والوجدان والكشف والإلهام = فتحوا بابًا واسعًا للزيغ والانحراف والتأويل والتحريف. ثمّ تعدَّوا إلى تقسيم الدين إلى شريعة وطريقة، وعلم الظاهر وعلم الباطن، وقرّروا أن الأول حجاب دون الآخر، حتى صار التصوف في بعض صوره دينًا مناهضًا لدين رسول اللَّه ﷺ . ومن ثم لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية وصاحبه الإمام ابن القيم رحمهما اللَّه ليصرفا النظر، في المهمة العظيمة التي قاما بها لإصلاح الأمة وتجديد معالم الدين، عن الردّ على مزاعم الصوفية، والكشف عن انحرافاتهم، وبيان هدي النبي ﷺ في التزكية والإحسان. وقد أوتي الشيخان الربّانيّان قدرةً عجيبةً على الخوض في غوامض علوم العارفين ودقائق أحوالهم والكلام عليها. وذلك لما فتح اللَّه عليهما من علوم الكتاب والحكمة، ثم وفقهما للظهور على معارج العبودية والإشراف على مقامات الإحسان. ومن هنا أصبحت كتابات الشيخين في التصوف والسلوك، الجامعة بين خطر الموضوع، وسلفيّة المنهج في التمسّك بالكتاب والسنّة دون تحيّز لأحدٍ كائنًا من كان، وقدرةٍ على الخوض في الدقائق، وقوّة البيان ووضوح التعبير = أصبحت منظومةً نادرةً في المكتبة الإسلامية الزاخرة. ومن أجلّ تلك الكتب كتابنا هذا. وقد افتتحه ابن القيّم ﵀ "بباب الفقر والعبودية، إذ هو باب السعادة الأعظم وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلّا منه". ثم تكلم على قواعد نافعة منها قاعدة في الإنابة ودرجاتها، وقاعدة في الابتلاء، وقاعدة في ذكر طريق قريب موصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال، وقاعدة في أقسام العباد في سفرهم إلى الدار الآخرة. وختم الكتاب بباب جامع في مراتب

стр. 6

المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وقد تطرّق الكلام في أثناء البابين والقواعد إلى مباحث عظيمة ومسائل مشكلة اقتضت أهميتها إشباع القول فيها، كمبحث القضاء والقدر الذي استغرق أكثر من مائتي صفحة. ولكن أهمّ أقسام الكتاب وأنفسها -وهو من صميم الموضوع فلا يعدّ استطرادًا- هو القسم الذي تكلم فيه المؤلف ﵀ على علل مقامات السلوك. وقد اختار لبيان غلط المشايخ في هذا الباب كتاب محاسن المجالس لأبي العباس ابن العريف الصنهاجي من أكابر صوفية الأندلس. فتناوله فصلًا فصلًا بالنقد والنقض، وبيّن ما له وما عليه، فتكلم على ما قاله في منزلة الإرادة مثلًا، من اثني عشر وجهًا، وعلى التوكل من خمسة عشر وجهًا، وعلى الخوف من ثلاثة عشر وجهًا، وهكذا. ومما يستغرب أن المستشرق الإسباني الذي نشر محاسن المجالس في باريس سنة ١٩٣٣ م لم يكن على علم بنقد ابن القيم إياه في طريق الهجرتين، مع كونه مطبوعًا قبل المحاسن بأكثر من ثلاثين سنة. وقد صدرت أول طبعة من كتابنا عن المطبعة الميمنية سنة ١٣٢٠ هـ = ١٩٠٢ م، على حاشية كتاب آخر لابن القيم، وهو إغاثة اللهفان. ثم طبعته إدارة الطباعة المنيرية سنة ١٣٥٨ هـ، وتلتها طبعة المكتبة السلفية سنة ١٣٧٥ هـ. ولكن لم تتهيأ لهذه الطبعات نسخة موثقة عالية من الكتاب، فكثرت فيها الأسقاط والتصحيفات والتحريفات، إلا ما صحح منها باجتهاد المشرفين عليها، غير أن اجتهادهم قد أدّى في أحيان كثيرة إلى مزيد من الأخطاء. وعن هذه الطبعات الثلاث -وبخاصة طبعة المكتبة السلفية-

стр. 7

صدرت عشرات الطبعات، وصوّرت مرّات ومرّات. وزعمت طبعتان منها -وهما طبعة دار ابن كثير بتحقيق يوسف علي البديوي، وطبعة دار البيان بتحقيق بشير محمد عيون- أنهما اعتمدتا على نسخة الظاهرية، وأثبتت الأخيرة أرقام أوراقها أيضًا في الحواشي، ولكن مقارنة متن الطبعتين بالنسخة المذكورة لا تصدّق دعواهما العريضة. ولو اعتمدت إحداهما عليها لكانت خليقةً بأن تكون أصحّ الطبعات، غير أنهما لم تزيدا على مراجعتها في مواضع متفرقة تحلّةً للقسم! وكان من فضل اللَّه سبحانه أن وفقني لإخراج هذه النشرة التي هي أول نشرة علمية للكتاب، وقد اعتمدت فيها على خمس نسخ خطيّة، أهمّها نسختان: إحداهما نسخة الظاهرية التي هي مسودة الكتاب بخط المصنف، والأخرى نسخة منقولة من نسخة المصنف حسب تصريح ناسخها. وقد تبيّن لي أنّ المؤلف ﵀ قد ترك الكتاب مسوّدة مع إضافاته وإلحاقاته الكثيرة، فلا أمكنه تبييضه، ولا قرئ عليه، ومن ثم قد بقي فيه من السهو وسبق القلم شيء كثير. وقد ضاع بعض كلامه أيضًا لكونه في أطراف الأوراق التي أكل منها البلى. وكان في خطه كذلك من السرعة وإهمال النقط وتداخل الكلمات وغيره ما يؤدي إلى صعوبة واختلاف في القراءة. وقد اجتهدت في قراءة النص مستعينًا بالنسخة المنقولة من الأصل وغيرها، ومستأنسًا بأسلوب المؤلف وعباراته المألوفة، وأرجو أن أكون قد وفقت في خدمة الكتاب وأدائه أداءً مقاربًا لما وضعه المؤلف ﵀.

стр. 8

وقد مهّدت للكتاب بدراسة اشتملت على الفصول الآتية: ١ - توثيق نسبة الكتاب. ٢ - عنوان الكتاب. ٣ - تاريخ تأليف الكتاب. ٤ - مقصد الكتاب. ٥ - ترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمة، وفيه إشارة إلى بعض طرائق التاليف اللطيفة عند المصنف. ٦ - أهمية الكتاب. ٧ - موارد الكتاب. ٨ - طبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمته. ٩ - مخطوطات الكتاب. ١٠ - منهج التحقيق، مع نماذج مصورة من النسخ المعتمدة. وأشكر الأخ الشيخ زائد بن أحمد النشيري الذي تولّى تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب ما عدا أحاديث الصحيحين، فجزاه اللَّه خير الجزاء. وقبل أن أضع القلم آمل من القراء، لا سيما العلماء والباحثون، إذا وقفوا على خلل أو زلل في خدمة الكتاب، أن لا يضنّوا عليّ بإفاداتهم وتنبيهاتهم. فالأمانة ثقيلة، والإنسان مهما اجتهد وبالغ فإنه إلى الضعف والنسيان ما هو! وخدمة هذا التراث العظيم لا تتم عندي إلا بتعاون

стр. 9

المحقق الخبير والناقد البصير؛ وإني إذ لم أكن بذاك، أرجو أن لا أعدم ناقدًا بصيرًا يُهدي إليّ عيوبي. أسأل اللَّه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يغفر لمؤلفه، ويرفع درجاته، ويجزيه عنا خير ما يجزي العلماء الربانيين. وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الرياض محمد أجمل أيوب الإصلاحي ٢٢/ ١٢/ ١٤٢٧ هـ

стр. 10

توثيق نسبة الكتاب لم يكن هذا الكتاب بحاجة إلى توثيق نسبته إلى الإمام ابن القيم ﵀، فإننا لا نعرف أحدًا شكّ في ذلك، لولا ما وجد على ظهر نسخة منه، وهي محفوظة في مكتبة الدولة في برلين برقم ٨٧٩٥، وناقصة من أولها بقدر ستين ورقة تقريبًا، فكتب بعضهم في أعلى الورقة الأولى: "كتاب نهج العمل لابن حجر"، وفي ورقة أخرى قبلها كتب: "نهج العمل لابن حجر في السلوك". ولعل من كتب هذه العبارة قصد المغالاة في ثمن النسخة وإغراء من يعرضها عليه بالشراء. وذلك لأن النسخة كتبت سنة ٨١٦ هـ كما جاء في خاتمتها، فإذا كان مؤلفها الحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، فهي على هذا قد نسخت في حياة المؤلف قبل وفاته بستة وثلاثين عامًا، فلا شكّ إذن في كونها نسخة ثمينة جدَّا! ولكن لا أدري من أين جاء هذا الكاتب بعنوان "نهج العمل"، إذ لم أره عنوانًا لكتاب مطلقًا في كشف الظنون وذيله، فضلًا عن أن يكون عنوانًا لكتاب من كتب الحافظ ابن حجر ﵀. والجدير بالذكر أن في بداية بعض الكراريس تصريحًا بكونه "حادي عشر من طريق الهجرتين" مثلًا. وبعد، فإن الشواهد على نسبة الكتاب إلى ابن القيم كثيرة جدًّا ومتنوعة. ومن أبرزها: (١) أن المخطوطة التي اعتمدنا عليها في هذه الطبعة مسودة الكتاب بخط المؤلف. وفي صفحة العنوان كتب اسمه واسم الكتاب مصرّحًا بأنه من تأليفه، كما سيأتي في وصف المخطوطة.

стр. 11

(٢) أن المؤلف نفسه ذكره أربع مرّات في كتابه مدارج السالكين، والمباحث التي أحال فيها على كتابنا كلها موجودة فيه. فذكر في الموضع الأول (١/ ١٥٥) مذهب نفاة الحكمة والتعليل الذين لا فرق عندهم بين المأمور والمحظور في نفس الأمر، والمشيئة هي التي اقتضت أمره ونهيه عن هذا. ثم أشار إلى أنه بيّن فساد هذا الأصل من نحو ستين وجهًا في كتابه مفتاح دار السعادة، وأنه ذكره أيضًا في كتابه المسمى بسفر الهجرتين وطريق السعادتين. وهذا المبحث موجود في كتابنا في ص (٢٤٦). وفي الموضع الثاني (١/ ٤٨٠) أورد فصلًا في مشاهد الخلق في المعصية وقال: "ولعلك لا تظفر به في كتاب سواه إلّا ما ذكرناه في كتابنا المسمى سفر الهجرتين في طريق السعادتين". وهذا الفصل يوجد في كتابنا في ص (٣٥٠). وفي الموضع الثالث (١/ ٥٦٧) عندما فسّر ابن القيم كلام صاحب منازل السائرين في رياضة خاصة الخاصة، وأن منها "قطع المعاوضات" نبّه على أن سؤال المحبّ الصادق أن يثيبه اللَّه سبحانه الجنة والقرب منه والتنعم بحبه ليس قادحًا في عبوديته، ثم قال: "وقد استوفينا ذكر هذا الموضع في كتاب سفر الهجرتين عند الكلام على علل المقامات". ولعل المؤلف يشير إلى المسألة الخامسة من المسائل الخمس في المحبة والشوق، التي تكلم عليها في كتابنا في ص (٧٢٩). وأشار في الموضع الرابع (٢/ ٧٤) إلى مسألة في الشوق، هل يبقى عند لقاء المحبوب أو يزول، فقال: "ولقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة وتوابعها في كتابنا الكبير في المحبة، وفي كتاب سفر الهجرتين". وهذه

стр. 12

المسألة هي المسألة الثالثة من المسائل الخمس المذكورة. انظر ص (٧٢٤). (٣) ومنها أن ابن القيم أحال في هذا الكتاب على مؤلفات أخرى له نحو قوله في ص (٨٦): "وقد ذكرنا في كتاب الكلم الطيب والعمل الصالح من فوائد الذكر استجلاب ذكر اللَّه لعبده، وذكرنا قريبًا من مائة فائدة تتعلق بالذكر، وكل فائدة منها لا خطر لها، وهو كتاب عظيم النفع جدًّا". والكتاب المذكور معروف مطبوع، وقد صدرت منه نشرة جديدة ضمن هذا المشروع أيضًا بعنوان "الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب". وكذلك أحال فيه على كتابه "التحفة المكية" مرتين (٤٢٥، ٤٥٤)، وهو من الكتب التي ذكرها الحافظ ابن رجب وغيره من مؤلفات ابن القيم. وقد أشار ابن القيم أيضَا إليه في عدة مواضع من كتابه بدائع الفوائد. وأحال أيضًا على كتاب كبير له في المحبة قائلًا: "وقد ذكرنا مجموع هذه الطرق في كتابنا الكبير في المحبة الذي سميناه "المورد الصافي والظل الضافي" في المحبة وأقسامها وأنواعها وأحكامها، وبيان تعلقها بالإله الحق دون ما سواه، وذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه" (١٢٤). وهذا الكتاب هو الذي أشار إليه في مدارج السالكين (٢/ ٥٩٨) -وإن لم يسمّه- فقال: "وجميع طرق الأدلة عقلًا ونقلًا وفطرةً وقياسًا واعتبارًا وذوقًا ووجدًا تدلّ على إثبات محبة العبد لربه والرب لعبده، وقد كرنا من ذلك قريبًا من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة". وهو غير كتاب "روضة المحبين" المطبوع. وقد أشار أيضًا إلى تابين آخرين لم يسمّهما، فقال في موضع:

стр. 13

"وقد ذكرنا مائتي دليل على فضل العلم وأهله في كتاب مفرد" (٧٧٠). ولا يخفى أن المقصود كتاب فضل العلماء الذي ذكره ابن رجب في ترجمة ابن القيم (١). وفي موضع آخر تطرق الكلام إلى الأنفع والأفضل من النخيل والعنب وأنّ طائفة رجحت النخل وأخرى رجحت العنب، فقال: "وذكرت كل طائفة حججًا لقولها قد ذكرناها في غير هذا الموضع" (٨٠٨). والظاهر أن المؤلف ﵀ يشير إلى كتابه مفتاح دار السعادة الذي تضمن هذا المبحث (٢/ ١١٧). (٤) ومنها المباحث المشتركة بين هذا الكتاب والكتب الأخرى للمؤلف، ولا خلاف بينها إلا في الاختصار والتفصيل أو التقديم والتأخير. أما نفسه وبيانه ومنهجه في ذكر الأقوال والمذاهب والموازنة بينها، فهو هو، بل تجد اللفظ بعينه بعض الأحيان. ومن أمثلتها مبحث طويل في مذاهب الناس في أطفال المشركين (٨٤٢ - ٨٧٧). وقد ورد المبحث نفسه في كتاب أحكام أهل الذمة (١٠٨٦ - ١١٣٠)، وفي حاشية المؤلف على سنن أبي داود (١٢/ ٣٢٠). ومن ذلك أيضًا تفسير المؤلف لدعاء النبي ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال" (٦٠٥). وقد فسره أيضًا في بدائع الفوائد (٧١٤) ومفتاح _________ (١) الذيل على طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٥). وانظر: ابن قيم الجوزية للشيخ بكر بن عبد اللَّه أبو زيد (٢٨٢).

стр. 14

دار السعادة (١/ ٣٧٥) والداء والدواء (١١٨). ومن ذلك تفسيره لكلام صاحب منازل السائرين على الفقر والغنى والتجريد والشوق. وقد فسره في كتابنا هذا (١٩، ٦٣، ٦٧، ٧٢٩) ثم فسره في مدارج السالكين (٢/ ٤٩٧، ٥٠٣)، (٣/ ٢١، ٤٠٨). والمقارنة بينهما تكشف عن وجوه المشابهة والمفارقة، ولكن تؤكد في الوقت نفسه أن الكلامين لمؤلف واحد. (٥) ومنها نقول المؤلف عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وبعضها من كتبه وبعضها رواية شفوية عنه. وسيأتي الحديث عنها عند الكلام على موارد المؤلف في هذا الكتاب. (٦) وأخيرًا اتفاق كتب التراجم على نسبته إلى ابن القيم، وبعضها لتلامذته ومعاصريه، كما سيتبين من الفقرة الآتية.

стр. 15

عنوان الكتاب ذكر الكتاب في المصادر -ومنها بعض كتب المؤلف- بعدّة عناوين وصلت إلى ستة وجوه، وهي: ١ - سفر الهجرتين وطريق السعادتين. بهذا العنوان سمّاه المؤلف في مدارج السالكين (١/ ١٥٦)، فقال: ". . . وذكرنا أيضًا في كتابنا المسمّى بـ (سفر الهجرتين وطريق السعادتين) ". وهذا العنوان هو الذي ذكره الصفدي (٧٦٤ هـ) في الوافي (٢/ ٢٧١) وأعيان العصر (٤/ ٣٦٩)، وابن تغري بردي (٨٧٤ هـ) في المنهل الصافي (٣/ ٦٢). ٢ - سفر الهجرتين في طريق السعادتين. هذا العنوان أيضًا ورد في كتاب مدارج السالكين (١/ ٤٨٠) قال: ". . . ذكرناه في كتابنا المسمّى (سفر الهجرتين في طريق السعادتين) ". وغريب أن يختلف العنوان في كتاب واحد في موضعين متقاربين. ٣ - سفر الهجرتين وباب السعادتين. ذكره تلميذه الحافظ ابن رجب (٧٩٥ هـ) في ترجمته في ذيل طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٥). ومنه نقل ابن ناصر الدين (٨٤٢ هـ) في الرد الوافر (٦٨) والداودي (٩٤٥ هـ) في طبقات المفسرين (٢/ ٩٢) ومرعي بن يوسف الحنبلي (١٠٣٣ هـ) في الشهادة الزكية (٣٤) وابن العماد (١٠٨٩ هـ) في شذرات الذهب (٣/ ١٦٩).

стр. 16

٤ - سفر الهجرتين. بهذا سمّاه المؤلف في موضعين في مدارج السالكين (١/ ٥٦٧) و (٢/ ٤٧). وهو ليس عنوانًا جديدًا، وإنما هو اختصار صالح للعناوين الثلاثة السابقة. وكذا ذكره السيوطي في بغية الوعاة (١/ ٦٣). ٥ - طرق السعادتين. وهذا أيضًا جاء على وجه الاختصار. ولكن الذي يلفت النظر أن "الطريق" صارت هنا "طرقًا"، وكذا سمّاه الحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) في الدرر الكامنة (٣/ ٤٠٢). وكلمة "طرق" -فيما يظهر- ليست تحريفًا في مطبوعة الدرر، بل كذا ورد في الأصل الذي بخط السخاوي. ثم كذا نقله الشوكاني (١٢٥٠ هـ) منه في البدر الطالع (٢/ ١٤٤). ٦ - طريق الهجرتين وباب السعادتين. هذا العنوان ورد بخط المصنف مرتين في الأصل الذي اعتمدنا عليه في تحقيق هذا الكتاب: أولًا في صفحة العنوان، وثانيًا في مقدمة الكتاب التي قال فيها: ". . . وسميناه (طريق الهجرتين وباب السعادتين)، وابتدأناه بباب الفقر والعبودية، إذ هو باب السعادة الأعظم وطريقها الأقوم. . . ". ولعلّ الصيغ الثلاث الأولى التي ذكرها المؤلف ومعاصره الصفدي وتلميذه ابن رجب، كان المؤلف ﵀ يميّل رأيه بينها، ثم استقرّ على العنوان الأخير الذي أثبته في المقدمة وفي صفحة العنوان. وهذا العنوان هو الوارد في سائر النسخ الخطيّة إلّا نسختين لا يعوّل عليهما. إحداهما نسخة الشيخ محمد بن إبراهيم الضويّان، وقد كتب

стр. 17

العنوان في الورقة الأولى: "كتاب سفر الهجرتين وباب السعادتين" مع أن العنوان المعروف هو الثابت في مقدمة المؤلف (ق ٢/ ب)، فأخشى أن يكون ذلك من اجتهاد الناسخ. والنسخة الأخرى في مكتبة جامعة ليدن بخط حديث، وقد كتب اسم الكتاب في صفحة العنوان هكذا: "سفر الهجرتين وطريق السعادتين أو طريق الهجرتين وباب السعادتين".

стр. 18

تاريخ تأليف الكتاب لم أجد في مخطوطات الكتاب أو غيرها نصَّا على التاريخ الذي فرغ المؤلف فيه من تأليف هذا الكتاب، ولكن أذكر فيما يلي بعض الإشارات التي تعين على تقديره. خرج الإمام ابن القيم ﵀ من السجن بعد وفاة شيخه فيه سنة ٧٢٨ هـ. "وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن وبالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة. وتسلّط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف والخوض في غوامضهم. وتصانيفه ممتلئة بذلك"، كما يقول تلميذه الحافظ ابن رجب في ترجمته (١). وإذا استعرضنا مؤلفات ابن القيم لم نجد كتابًا تصدق عليه كلمة ابن رجب هذه صدقها على كتابنا طريق الهجرتين وكتاب مدارج السالكين. فكلاهما وضع في علم السلوك، وهما يشهدان حقًا بما أوتي المؤلف من "تسلّط" على الكلام في العلوم والحقائق التي تنقطع عندها العبارة، وتجفو عنها الإشارة، كما يقول أصحابها. فالظاهر أن الكتابين من الكتب التي ألّفت بعد خروج المؤلف من السجن سنة ٧٢٨ هـ. وقد تبيّن ممّا سبق أن طريق الهجرتين ألّف قبل مدارج السالكين لأن المؤلف قد أحال في المدارج أربع مرات على كتابنا هذا. ثم في طريق الهجرتين مبحث طويل في القدر، جاء على سبيل الاستطراد ولكنه طال جدًّا لأهميته البالغة. وللمؤلف كتاب مستقلّ في _________ (١) الذيل على طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٣).

стр. 19

هذا الموضوع، وهو "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل". فلو كان ألفه قبل طريق الهجرتين لأحال عليه في هذا، ولم يسهب ذلك الإسهاب. وهذا ينبئ بأن شفاء العليل ألّف بعد طريق الهجرتين. ويوجد في حاشية المؤلف على سنن أبي داود (١٢/ ٣١٥) بحث في القدر أيضًا، وهناك قال المؤلف: "وقد نظرت في أدلة إثبات القدر والردّ على القدرية والمجوسية، فإذا هي تقارب خمسمائة دليل. وإن قدر اللَّه تعالى أفردت لها مصنّفًا مستقلًا، وباللَّه التوفيق". وهذا الكتاب الذي نوى المؤلف تأليفه هو "شفاء العليل" المذكور. ومن حسن الحظ قد عرفنا تاريخ تأليف حاشية السنن، إذ نصّ المؤلف في خاتمته للكتاب أنه فرغ من تأليفه في مكة في آخر شوّال سنة ٧٣٢ هـ. فلما جاء بحث القدر في طريق الهجرتين ولم يشر المؤلف إلى كتاب شفاء العليل ولا نيته لإفراد الموضوع بتأليف مستقلّ، وبدا له ذلك في أثناء تهذيب مختصر السنن والتعليق عليه الذي فرغ منه سنة ٧٣٢ هـ = علمنا أن طريق الهجرتين ألّف قبل سنة ٧٣٢ هـ. واللَّه أعلم.

стр. 20

مقصد الكتاب موضوع هذا الكتاب قواعد السلوك والسير إلى اللَّه على المنهج الشرعي الذي بينه النبي ﷺ . فالمؤمن يجب عليه أن يوحد اللَّه بعبادته ومحبته وخوفه ورجائه، وأن يكون قدوته في ذلك هو النبي ﷺ ، فيتبع هديه وشرعه ومنهاجه. وهذان الأمران: إفراد اللَّه بالعبادة، وإفراد الرسول بالمتابعة، هما المقصودان بالهجرتين في عنوان الكتاب. فيقول المؤلف ﵀ في مقدمته: "فله -يعني للمؤمن- في كل وقت هجرتان: هجرة إلى اللَّه بالطلب والمحبة والعبودية، والتوكل والإنابة، والتسليم والتفويض، والخوف والرجاء، والإقبال عليه، وصدق اللجأ والافتقار في كل نفَس إليه. وهجرة إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة، بحيث تكون موافقة لشرعه الذي هو تفصيل محاب اللَّه ومرضاته، ولا يقبل اللَّه من أحد دينًا سواه. وكل عمل سواه، فعيش النفس وحظّها لا زاد المعاد". وقد عني المؤلف في كتبه ببيان أهمية الهجرتين في حياة المسلمين عناية بالغة، فتكلم عليهما في مواطن عديدة؛ لأنهما مضمون الشهادتين ومقتضاهما، ولا يقوم الإيمان والإسلام إلّا بهما. فقال في مدارج السالكين (٢/ ٥٢٠): "وللَّه على كل قلب هجرتان، وهما فرض لازم له على [مدى] الأنفاس: هجرة إلى اللَّه سبحانه بالتوحيد والإخلاص والإنابة والحب والخوف والرجاء والعبودية. وهجرة إلى رسوله ﷺ بالتحكيم له والتسليم والتفويض والانقياد لحكمه، وتلقي أحكام الظاهر والباطن من مشكاته، فيكون تقيده به أعظم من تقيد الركب بالدليل الماهر في ظلم الليل ومتاهات الطريق. فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على

стр. 21

رأسه الرماد، وليراجع الإيمان من أصله، فيرجع وراء، ليقتبس نورًا قبل أن يحال بينه وبينه، ويقال له ذلك على الصراط من وراء السور، واللَّه المستعان". وقد عقد فصلًا كاملًا في قصيدته النونية (٨٧٠) بعنوان "فصل في تعيّن الهجرة من الآراء والبدع إلى سنّته، كما كانت فرضًا من الأمصار إلى بلدته ﷺ " يشتمل على ٥٧ بيتًا، افتتحه بقوله: يا قوم فرضُ الهجرتين بحاله ... واللَّهِ لم يُنسخ إلى ذا الآنِ فالهجرة الأولى إلى الرحمن بالـ ... إخلاص في سرّ وفي إعلان إلى أن قال: والهجرة الأخرى إلى المبعوث بالـ ... إسلام والإيمان والإحسان وفي رسالته التي بعث بها من تبوك إلى أصحابه بالشام، أفاض القول في بيان أهمية الهجرتين بأسلوب أدبي بليغ، وذكر أن الهجرة إلى اللَّه ورسوله فرض عين على كل أحد في كل وقت، وهي مطلوب اللَّه ومراده من العباد. وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها. وبعد ما فسّر الهجرة إلى اللَّه قال: "والذي يُقضى منه العجب أنّ المرء يوسّع الكلام، ويفرّع المسائل في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وفي الهجرة التي انقطعت بالفتح، وهذه هجرة عارضة ربما لا تتعلق به في العمر أصلًا. وأما هذه الهجرة التي هي واجبة على مدى الأنفاس [فإنه] لا يحصل [فيها] علمًا ولا إرادة. وما ذاك إلا للإعراض عما خلق له والاشتغال عما لا ينجيه غيره" (٢٠ - ٢١). وأما الهجرة إلى الرسول ﷺ فكلام المؤلف عليها في الرسالة

стр. 22

المذكورة ينطوي على تألم شديد لما آل إليه أمر المسلمين في عهده من إعراض عن سنة الرسول ﷺ في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم، واشتغال بأفكار ومذاهب وبدع وعادات ما أنزل اللَّه بها من سلطان، فقال: "وأمّا الهجرة إلى الرسول ﷺ ، فمعلم لم يبق منه سوى رسمه، ومنهج لم تترك منه بنيّات الطريق سوى اسمه، ومحجّة سفت عليها السوافي فطمست رسومها، وأغارت عليها الأعادي فغوّرت مناهلها وعيونها. فسالكها غريب بين العباد، فريد بين كل حيّ وناد، بعيد على قرب المكان، وحيد على كثرة الجيران، مستوحش ممّا [به]، يستأنسون، مستأنس ممّا به يستوحشون. . . والمقصود أن هذه الهجرة النبوية شأنها شديد، وطريقها على غير المشتاق وعير بعيد" (٢١ - ٢٢). ثمّ بين حدّ هذه الهجرة بقوله: "فحدّ هذه الهجرة: سفر الفكر في كل مسألة من مسائل الإيمان، ونازلة من نوازل القلب، وحادثة من حوادث الأحكام إلى معدن الهدى، ومنبع النور المتلقى من فم الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾. فكل مسألة طلعت عليها شمس الرسالة وإلا فاقذف بها في بحار الظلمات، وكل شاهد عدّله هذا المزكّي الصادق وإلّا فعدّه من أهل الريب والشبهات. فهذا هو حدّ هذه الهجرة" (٢٣ - ٢٤). فهذه الهجرة شاملة محيطة بحياة المؤمن كلها. فلا تخصّ جانبًا منها دون جانب، ولا يحتاج إليها في وقت دون وقت. وليست أهميتها في أحكام الفقه أكثر منها في مسائل الاعتقاد ومنازل السلوك ومقامات الإحسان. بل لها أهمية خاصة في وادي السلوك، فإن المقرر عند كثير من أصحابه أنّ الشرع فيه معزول، والعقل فيه معقول، والحكم فيه

стр. 23

للذوق والوجدان والكشف والإلهام، لا للشرع والحجة والبرهان. فالشريعة شيء، وأصحابها أصحاب الظاهر. والطريقة شيء، وأصحابها أصحاب الباطن. هذا علم الصدور، وذاك علم السطور. هذا علم اللبّ وذاك علم القشور. بل هذا العلم حجاب دون ذلك العلم. وبهذا التفريق المزعوم قد انفسح مجال الانحراف والضلال في علم السلوك الذي هو أهمّ العلوم، فإن سعادة الإنسان في الدارين منوطة به، وانفتح الباب لكل دخيل غريب، فتشعبت الطرق، وكثرت المزالق، ولا نهاية للترّهات بعد العدول عن قصد السبيل وسواء الصراط. فالهجرة الثانية -وهي الهجرة إلى ما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة واتباعُه في كل منازل السلوك- هي التي توصل العبد إلى اللَّه، وتصونه عن الجور والانحراف، وتضمن له السعادة في الدنيا والآخرة. يقول المؤلف ﵀ في مقدمة هذا الكتاب: "ولما كانت السعادة دائرة نفيًا وإثباتًا مع ما جاء به كان جديرًا بمن نصح نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفًا على معرفته، وإرادته مقصورة على محابّه. وهذه أعلى همة شمّر إليها السابقون، وتنافس فيها المتنافسون. فلا جرم ضمنًا هذا الكتاب قواعد من سلوك طريق الهجرة المحمدية". فهذا هو مقصود الكتاب، ولكن كيف تناوله المؤلف، وما المباحث التي اشتمل عليها الكتاب؟ هذا سنبينه في الصفحات الآتية.

стр. 24

ترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمّة قد رتب المؤلف ﵀ معظم كتبه على المنهج المألوف، فقسمها إلى أبواب أو فصول أو مسائل تقسيمًا محكمًا، وصرّح بعددها، وسرد عناوينها في مقدمة الكتاب؛ كما ترى في شفاء العليل، وإغاثة اللهفان، وروضة المحبين، وعدة الصابرين، وغيرها. وقد أشار إلى اجتهاده في الترتيب والتبويب في مقدمة كتاب حادي الأرواح إذ قال: "وهذا كتاب اجتهدت في جمعه وترتيبه وتفصيله وتبويبه. . . وقد قسمت الكتاب سبعين بابًا". ثم ذكر عناوينها كلها. أمّا كتابنا هذا فلم يرتبه ذلك الترتيب. بل اقتصر في مقدمته على الإشارة إلى مبحثين، وهما المبحث الأول والمبحث الأخير من الكتاب فقال: "وابتدأناه بباب الفقر والعبودية، إذ هو باب السعادة الأعظم وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلا منه، وختمناه بذكر طبقات المكلفين من الجن والإنس في الآخرة ومراتبهم في دار السعادة والشقاء. فجاء الكتاب غريبًا في معناه، عجيبًا في مغزاه. . . ". وهذه نظرة في البناء العام للكتاب: ١ - خطبة الكتاب (٥ - ١١). ٢ - "فصل" في الفقر والغنى (١٢ - ١١٥). ٣ - "قاعدة شريفة عظيمة القدر حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس، بل وإلى الروح التي بين جنبيه" في كون اللَّه سبحانه هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه. (١١٦ - ٣٤٦).

стр. 25

٤ - "قاعدة" في أن كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين (٣٤٧). ٥ - "قاعدة" في الابتلاء (٣٤٨ - ٣٤٩). ٦ - "قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب" (٣٥٠ - ٣٧٢). ٧ - "قاعدة" في الإنابة ودرجاتها (٣٧٣ - ٣٧٦). ٨ - "قاعدة في ذكر طريق قريب موصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال" (٣٧٧ - ٣٨٢). ٩ - "قاعدة شريفة" في أن الطريق إلى اللَّه واحد (٣٨٣ - ٣٩٦). ١٠ - "قاعدة" في أن السير إلى اللَّه لا يتم إلا بقوتين علمية وعملية (٣٩٧ - ٤٠٢). ١١ - "قاعدة نافعة" في أقسام العباد في سفرهم إلى الدار الآخرة، ووصف أحوالهم (٤٠٣ - ٧٦٠). ١٢ - "فصل في مراتب المكلّفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقة" (٧٦١ - ٩٣١). ونلاحظ هنا أن المؤلف لم يذكر موضوع الفصل أو القاعدة إلّا في ثلاثة مواضع (٦، ٨، ١٢). وفي غيرها اكتفى بكلمة "فصل" أو "قاعدة" أو "قاعدة شريفة" أو "قاعدة نافعة". أما حجم هذه القواعد، فالقاعدة الأولى جاءت في ٢٣٠ صفحة، والقاعدة الأخيرة في ٣٥٧ صفحة. وبين هاتين القاعدتين الكبيرتين سبع

стр. 26

قواعد لطيفة تراوح حجمها بين ٦ أسطر و ٢٢ صفحة. والقواعد التسع وقعت بين فصلين استغرق أحدهما ١٠٤ صفحة والآخر ١٧٠ صفحة. وتحت كل فصل وقاعدة -إلّا القواعد القصار- فصول كثيرة تطول أو تقصر حسب مقتضى الكلام. هذا البناء العام للكتاب قد انطوى على عدد كبير من المباحث العظيمة والمطالب الشريفة والمسائل المشكلة، يستحق بعضها أن يفرد بالتأليف، وبعضها إذا استخرج من هذا الكتاب صار رسالة مستقلة في موضوعها. ونشير هنا بصفة خاصة إلى مبحثين عظيمين، قد وردا في الظاهر عرضًا، ثم استتبع الكلام عليهما مسائل أخرى، وسيقف القارئ من خلال عرضهما على بعض طرائق المؤلف ﵀ في التأليف. ١ - مبحث في القضاء والقدر: هذا المبحث الذي جاء استطرادًا استغرق نحو ٢١٠ صفحة (١٣٧ - ٣٤٦)، ومن المعلوم أن للمؤلف كتابًا مفردًا في هذا الموضوع كما سبق، ولكن الظاهر أنّه لم يكن ألفه إلى ذلك الحين، وإلّا لأحال عليه، وأوجز الكلام على المسألة حسب الاقتضاء. فلننظر كيف تطرق الحديث إلى هذا الموضوع؟ ذكر المؤلف في أحد فصول القاعدة الأولى أن الإنسان ليس عالمًا بمصلحته ولا قادرًا عليها، واللَّه تعالى هو الذي يعلم ويقدر، ويحب الجود والبذل، ويعطي من فضله لا لمعاوضة ولا لمنفعة، فإذا حبس فضله عن الإنسان فهناك أمران لا ثالث لهما. وذكر الأمر الأول وهو أن يكون الإنسان نفسه واقفًا في طريق مصالحه ومعوقًا لوصول فضله إليه. فإن نعمة اللَّه لا تنال إلا بطاعته ولا تستدام إلا بشكره، فآفته من نفسه

стр. 27

وبلاؤه منه. ثم قال (١٣٧): "فإن أصررت على اتهام القدر وقلت: فالسبب الذي أُصبتُ به وأُتِيتُ منه ودُهيت منه قد سبق به القدر والحكم، وكان في الكتاب مسطورًا، فلا بدّ منه على الرغم منّي. . . ". وهكذا فتح المؤلف لنفسه بابًا واسعًا للكلام على القدر. فأورد على لسان هذا المحتج بالقدر ما جاء في إثبات القدر من الآيات والأحاديث والآثار. ولما اختلفت الروايات في وقت كتابة المقدور للجنين عقد فصلًا في الجمع بينها، ثم عاد إلى سرد الأحاديث الأخرى في إثبات القدر. وبعدما فرغ من ذلك شرع في الردّ على الذي احتج بالقدر فقال (١٧٨): "فالجواب أن ههنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك. زلّت فيه أقدام فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء. . . ". فهذا الجواب في ص (١٧٨) عن قوله: "فإن أصررت على اتهام القدر. . . " الذي سبق في ص (١٣٧). وقد ذكر في مقام الضلال حكايات وأقوالًا للمحتجين بالقدر من خصماء اللَّه، ثم نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن القدرية المذمومين في السنة وعلى لسان السلف ثلاث فرق: القدرية النفاة، والقدرية الإبليسية، والقدرية المشركية. وذكر أن أربعة مواضع في القرآن بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين، وأن الناس تفرقوا في الكلام على هذه الآيات أربع فرق، وبيّن مذاهبها. ثم ذكر مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة، وأوضح صلة القدر بالقدرة والعلم والحكمة وقال (١٩٩): "فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده، وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدًا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقه وأمره، فمصدر ذلك كله عن الحكمة".

стр. 28

وهنا واجه مسألة كبيرة أخرى من المعضلات، قد أشكلت على الفلاسفة وغيرهم من أصحاب الديانات والمقالات قديمًا وحديثًا، فخبطوا فيها خبط عشواء. هي مصدر الشرّ الموجود في العالم وحكمة خلق الأضداد. فناقش المؤلف هذه المسألة من وجوه مختلفة، وأعاد فيها وأبدأ ذاكرًا مذاهب الناس في دخول الشر في القضاء الإلهي، والأصول التي تفرّعت عنها تلك المذاهب، وفي أثنائها تعرض لمسألة إيلام الأطفال والبهائم. وفي الأخير نقل فصلًا لفخر الدين الرازي في هذه المسألة من كتابه المباحث المشرقية، وعقّب عليه. وقد اتضح من هذا العرض المقتضب لمسألة القضاء والقدر وما يتصل بها كيف تطرق الكلام إليها، ثم اقتضى خطرها وكثرة التنازع فيها أن يتوسع في مناقشتها. ولعلك تذكر قول المؤلف في بداية الفصل أن اللَّه سبحانه لا يحبس فضله عن الانسان إلا لأمرين، وأنه ذكر الأمر الأول الذي قاده إلى هذه المسألة العظيمة الواسعة الأطراف، فذهب عليه مع استطالة الكلام أن يذكر الأمر الثاني. وهذا الموضع ومواضع أخرى تدلّ على أن المؤلف ﵀ لم يتمكن من إعادة النظر في الكتاب بعد تسويده. ٢ - نقد كتاب محاسن المجالس لابن العريف في علل المقامات أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي المعروف بابن العريف من أكابر صوفية الأندلس. ولد في المرية، ومات في مرّاكش. كانت له عناية بالقراءات ومشاركة في عدة علوم. وكان أديبًا شاعرًا، وكانت بينه وبين القاضي عياض مكاتبات حسنة (١). وله كتاب _________ (١) وفيات الأعيان (١/ ١٦٨ - ١٦٩).

стр. 29

في علل المقامات سمّاه "محاسن المجالس". وقد نشره المستشرق الإسباني آسين بلاسيوس في باريس ١٩٣٣ م. وعن هذه النشرة أعاد نشره نهاد خياطة في مجلة المورد العراقية (المجلد ١٩ العدد ٤ سنة ١٩٨٠) وجاء النص فيها في ٢٥ صفحة. فهو كتاب لطيف. وقد ذكر شيخ الإسلام أنه اعتمد فيه على كتاب "علل المقامات" للشيخ الهروي، فقال في كلام له على التوكل: "فقد تبيّن أنّ من ظنّ التوكل من مقامات عامّة أهل الطريق فقد غلط غلطًا شديدًا، وإن كان من أعيان المشايخ كصاحب "علل المقامات"، وهو من أجل المشايخ. وأخذ ذلك عنه صاحب "محاسن المجالس"" (١). ويؤكد ذلك المقارنة بين محاسن المجالس ومنازل السائرين. ونذكر هنا مثالًا واحدًا من فصل الرجاء. قال صاحب المنازل: "الرجاء أضعف منازل المريدين، لأنه معارضة من وجه، واعتراض من وجه. وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة إلا ما فيه من فائدة واحدة نطق بها التنزيل والسنة، ودخل في مسالك المحققين. وتلك الفائدة هي كونه يبرّد حرارة الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى الإياس". ثم ذكر درجاته حسب طريقته (٢). وقال صاحب المجالس: "وأما الرجاء فهو من منازل العوام. وهو انتظار غائب وطلب مفقود، وهو من أضعف منازل القوم في هذا الشأن؟ لأنه معارضة من وجه، واعتراض من وجه آخر. وهو وقوع في الرعونة. ولفائدة واحدة نطق بها التنزيل فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ _________ (١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٥). (٢) مدارج السالكين (٢/ ٥٦).

стр. 30

يريد على العوض من أجر المجاهدة. وقال: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾، ووردت به السنة لفائدة واحدة، وهي تبريد حرارة الخوف لئلا يفضي بصاحبه إلى اليأس والقنوط. فهو دواء لمرض الخوف، ولا يعرض ذلك المرض إلّا لعوام هذه الطائفة. . . ". فالنصان متفقان في الفكر وكثير من الألفاظ والتعبيرات، مع أنه ليس بين أيدينا كتاب علل المقامات للهروي، وإنما نقلنا كلامه من منازل السائرين. وقد ذكر ابن عبد الهادي أنّ لشيخ الإسلام "قاعدة على كلام ابن العريف في التصوف" (١) ولا نعرف خبرًا عن هذه القاعدة، ولا ندري أتكلم فيها على كتابه محاسن المجالس هذا أم على غيره. يشتمل كتاب المحاسن على فاتحة، و ١٣ فصلًا، وخاتمة في أربعين كرامة يكرم اللَّه بها أولياءه في الدنيا والآخرة. والفصل الأول في المعرفة والعلم، ثم عشرة فصول في الإرادة، والزهد، والتوكل، والصبر، والحزن، والخوف، والرجاء، والشكر، والمحبة، والشوق. وجعلها جميعًا من منازل عوام السالكين، وقرّر أنها علل أنِف الخواص منها. ثم عقد الفصل الثاني عشر في منازل الخاصة، وذكر فيه حقيقة زهدهم وتوكلهم وصبرهم. . . " إلى آخر المقامات. والفصل الثالث عشر في النظر إلى اللَّه تعالى. لم يتعرض ابن القيم للفصلين الأول والثالث عشر ولا للخاتمة. _________ (١) العقود الدرية (١/ ٥٧).

стр. 31

وإنما تكلم على الفصول التي بين الفصلين المذكورين. لأن غرضه -وهو الكلام على علل المقامات- كان متعلقًا بها. وقد استغرق الكلام عليها نحو ٢٨٠ صفحة من نشرتنا هذه، أي نحو ثلث الكتاب. فهو بمنزلة رسالة مستقلة في نقد كتاب ابن العريف. وإذا كان المبحث السابق وهو القضاء والقدر وما إليه قد يشعر القارئ باستطالته مع خطره وجلالته، وبأن ابن القيم ﵀ لو كان ألّف كتابه الكبير من قبل لأحال عليه وأوجز القول هنا، كما فعل في حاشيته على السنن = فإن هذا المبحث -وهو علل المقامات- قد وقع في حاقّ موضعه، وهو من صميم موضوع الكتاب. وذلك لأن هذه المقامات هي مقامات السلوك ومنازله، فيجب على السالك أن يعرف عللها وقوادحها، فيتجنبها ويتحاشاها، لينجح مسعاه ويحمد مسراه. ومن المصائب أن جميع المقامات التي ذكرت في الكتاب والسنة، ووصف بها الأنبياء وغيرهم من عباد اللَّه الصالحين قد جعلها أرباب الطرق معلولة ومن مقامات العوامّ من السالكين. ومراتب الخاصة فوقها، ثم مراتب خاصّة الخاصّة. فلم يكن محيص من التعرض لهذه العلل في هذا الكتاب الذي قصد به بيان قواعد السلوك الشرعي. وكان من السهل أن يعقد ابن القيم ﵀ بابًا كاملًا في علل المقامات، ولكنه لم يفعل، بل جاء كلامه عليها عرضًا في الظاهر، كأنه لم يصمد إليها صمدًا، ولم يكن ذلك من همّه ووكده. ولعل هذا رفق منه بقارئ كتابه، وتلطف وإيناس له، لكيلا يستوحش من البداية، فينفر نفورًا. فلننظر كيف دلف ابن القيم إلى هذا البحث النفيس الخطير. عقد ابن القيم فصلًا (٤٠٣) بعنوان "قاعدة نافعة"، وذكر أن الإنسان

стр. 32

من حين استقرت قدمه في الدنيا فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هو عمره الذي كتب له. والناس في سفرهم هذا إما مسافرون إلى دار الشقاء وإما إلى دار السلام. والسائرون إلى دار السلام ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات. والسابقون بالخيرات نوعان: أبرار ومقربون. ثم عقد فصلًا في مسألة أن أصحاب اليمين هل هم الأصناف الثلاثة (المقتصدون والأبرار والمقربون) أو يدخل فيهم الظالمون لأنفسهم أيضًا. وفصّل القول فيها على طريقته من ذكر خلاف العلماء وأدلتهم وردودهم في نحو ٣٢ صفحة، ثم رجع فقال: "والمقصود الكلام على مراحل العالمين وكيفية قطعهم إياها، فلنرجع إليه فنقول. . . " (٤٤١). ثم وصف حال الأصناف المذكورة، وأفضلها وأعلاها: السابقون المقربون. وقد تواضع ابن القيم فاعتذر واستغفر قبل وصف حالهم قائلًا: "وأما السابقون المقربون، فنستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو أولًا من وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شممنا له رائحة، ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها. وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم، ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة" (٤٤٦). وبعد ذكر هذه الفوائد شرع في وصف حالهم من الجهتين: جهة الإرادة والعمل، وجهة العلم والمعرفة. فلما وصف حالهم مع الأقدار التي تصيبهم بغير اختيارهم بأنهم يقابلونها بمقتضاها من العبودية ذكر أنهم فيها على ثلاث مراتب: إحداها الرضا عنه فيها والمزيد من حبه والشوق إليه. والمرتبة الثانية شكره عليها كشكره على النعم. وهذا فوق الرضا عنه بها، ومنه ينتقل إلى هذه المرتبة، والمرتبتان لأهل هذا الشأن.

стр. 33

والثالثة للمقتصدين، وهي مرتبة الصبر التي إذا نزل منها نزل إلى نقصان الإيمان وفواته. ثم قال: "فالصبر أول منازل الإيمان ودرجاته، وأوسطها، وآخرها. فإن صاحب الرضا والشكر لا يعدم الصبر في مرتبته، بل الصبر معه، وبه يتحقق الرضا والشكر، لا تصور ولا تحقق لهما دونه. وهكذا كل مقام مع الذي فوقه، كالتوكل مع الرضا، وكالخوف والرجاء مع الحب. فإن المقام الأول لا ينعدم بالترقي إلى الآخر. . . وإنما يندرج حكمه في المقام الذي هو أعلى منه" (٤٧٧). ولما وصل هنا قال: "فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه يزُل عنك ما يعرض من الغلط في علل المقامات، وتعلم أن دعوى المدعي أنها من منازل العوام ودعوى أنها معلولة غلط من وجهين". وبعد ذكرهما قال: "ولنذكر لذلك أمثلة". وهذا هو المدخل لنقد كتاب ابن العريف، فذكر المثال الأول في الإرادة وقال: إن اللَّه جعلها من منازل صفوة عباده، وقالت طائفة: "الإرادة حلية العوام. . . " (٤٧٩). ونقل كلامًا طويلًا لابن العريف من كتابه محاسن المجالس ولكن لم يسمّه هنا، بل جعله قول "طائفة" لأن المقصود نقد مذهب، لا نقد شخص بعينه. ثم تكلم عليه من اثني عشر وجهًا. وفي الفصل الثاني ذكر المثال الثاني وهو في الزهد وهنا فجأة قال: "قال أبو العباس ﵀" (٤٩٢). ولكن من أبو العباس هذا؟ لا يعرف القارئ شيئًا عنه إلى أن يصل بعد استطرادات مهمة إلى ص (٥٤٥). فيجده يقول: "ولنرجع الآن إلى المقصود، وهو الكلام على ما ذكره أبو العباس ابن العريف في علل المقامات، فقد ذكرنا كلامه في علة مقام الإرادة والكلام عليه، وذكرنا كلامه في مقام الزهد وقوله إنه من مقامات

стр. 34

العامة، وذكرنا أن الكلام على ذلك من وجوه، هذا آخر الوجه الثاني منها. والوجه الثالث: ... ". وهكذا تكلم ابن القيم على فصل فصل من كتاب محاسن المجالس حتى إذا وصل إلى فصل المحبة قال: "والمقصود: الكلام على علل المقامات وبيان ما فيها من خطأ وصواب. ولما كان أبو العباس ابن العريف ﵀ قد تعرض لذلك في كتابه "محاسن المجالس" ذكرنا كلامه فيه وما له وما عليه. ثم ذكر بعدها فصلًا في المحبة وفصلًا في الشوق، فنذكر كلامه في ذلك وما يفتح اللَّه به تتميمًا للفائدة، ورجاء للمنفعة وأن يمنّ اللَّه العزيز الوهاب بفضله ورحمته، فيرقي عبده من العلم إلى الحال، ومن الوصف إلى الاتصاف، إنه قريب مجيب" (٦٣٩). فانظر كيف تدرّج ابن القيم ﵀ بقارئه، فقال له أولًا: إنه سيذكر أمثلة من علل المقامات، وذكر مثال الإرادة، ونقل (٤٧٩) كلام "طائفة" (وهو فصل من كلام ابن العريف). وفي المثال الثاني قال (٤٩٢): "قال أبو العباس". وفي المثال الثالث زاد في تعريفه، فقال (٥٤٥): "أبو العباس بن العريف". وبعد المثال السادس ذكر (٦٣٩) مع اسمه اسم كتابه أيضًا، فجاءت الإحالة إحالة كاملة. فهل هذا اتفاق أو أسلوب من أساليب التأليف عند ابن القيم ﵀؟ أراني أميل إلى الأمر الثاني. ولعلّ تطرّقه في كتاب "مدارج السالكين" إلى شرح "منازل السائرين" للهروي ونقده أيضًا من هذا. وبقي سؤال، وهو أنّ ابن العريف قد اعتمد في كتابه على كتاب علل المقامات للشيخ الهروي كما ذكر شيخ الإسلام. وقد أشار إليه ابن القيم أيضًا في مدارج السالكين حينما نقل كلام ابن العريف -دون تسميته- في

стр. 35

التوكل نموذجًا لكلام هذه الطائفة في علل المقامات، وردّ عليه، ثم قال (٣/ ٤٧١) "وهكذا الكلام في سائر علل المقامات، وإنما ذكرنا هذا مثالا لما يذكر من عللها، وقد أفرد لها صاحب المنازل مصنّفا لطيفا وجعل غالبها معلولًا". فلماذا اختار ابن القيم للنقد والنقض كتاب ابن العريف، وترك كتاب الهروي الذي هو الأصل؟ يبدو أن ابن القيم لم يقف على كتاب الهروي لا سيما عند تأليفه طريق الهجرتين ومدارج السالكين.

стр. 36

أهمية الكتاب تكمن أهمية هذا الكتاب بالدرجة الأولى في أمرين معًا، وهما: موضوعه، ومؤلفه. فالموضوع -كما سبق- بيان قواعد السلوك والسير إلى اللَّه على المنهج الذي شرعه اللَّه ورسوله، لأن سعادة العبد في الدارين منوطة بهذا السير المستقيم. ولكن الموضوع متداول مطروق في كتب الصوفية، وكلهم يزعم أن القواعد التي يذكرها مؤسسة على الكتاب والسنة. وهنا يكتسب الكتاب أهميته من الأمر الثاني وهو أنه من تأليف إمام ربّاني يصدر في كل مسألة عن كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ . وهو مع تمسكه الشديد بالكتاب والسنة مطلع على كتب القوم، عارف بغوامضها، قادر على الخوض في دقائقها، ذائق لأحوال السالكين، مشرف على مقامات العارفين، ومن الزهد والورع والتعبد والتألّه في مكان مكين. هذا إلى العدل والنصفة في النقد والحكم، وعدم التحيز إلى فرقة أو حزب أو مذهب. فكون هذا الكتاب في بيان قواعد السلوك المحمدي، ومن تأليف الإمام ابن القيم ﵀ هو الذي أضفى عليه أهمية بالغة. والحقيقة أن كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما اللَّه في تزكية النفس وطب القلوب لتؤلف "منظومة" لا نظير لها في المكتبة الإسلامية. أمّا المباحث الجليلة التي اشتمل عليها الكتاب فقد سبقت الإشارة إلى أهمية بعضها في الفقرة السابقة. وقد نبّه المؤلف نفسه ﵀ -نصحًا لقارئ كتابه وشفقة عليه- على أهمية بعض المباحث، نحو قوله خلال الكلام على طبقات المكلفين في الدار الآخرة: "ولا يدري قدر الكلام في هذه الطبقات إلا من عرف ما في كتب الناس، ووقف على

стр. 37

أقوال الطوائف في هذا الباب، وانتهى إلى نهاية مرامهم ونهاية إقدامهم" (٩٠٢). هكذا في فصل التوكل ختم بيانه لسرّ الاقتران بين التوكل والهداية والحق في القرآن الكريم بقوله: "فتدبّر هذا السر العظيم في اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى، وارتباط أحدهما بالآخر. ولو لم يكن في هذه الرسالة إلّا هذه الفائدة السَّرِيَّة لكانت حقيقة أن توح في خزانة القلب لشدة الحاجة إليها" (٥٦١). والمباحث التي وردت في غضون الكلام استطرادًا، قد نبّه المؤلف ﵀ على أن أهميتها هي التي اقتضت تناولها، بل كان بعض المباحث المعترضة أهم من المبحث الأصلي. فقال في موضع: "ولولا أن هذه المواضع أهم مما كلامنا بصدده -من ذكر مجرد الطبقات- لم نذكرها، ولكنها من أهم المهم" (٨١١). ولما عاد إلى المقصود بعد بسط الكلام على آيات الإنفاق من سورة البقرة قال: "ولنعد إلى المقصود، فإن هذا من سعي القلم، ولعله أهم مما نحن بصدده" (٨٢٤). ولقد أحسن المصنف ﵀ إذ توقف عند هذه المباحث المهمة وتناولها بالبسط، فهذا الاستطراد ينفع القارئ بعض الأحيان نفعًا عظيمًا. فقد حفظ بفضله كلام شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما في كثير من المسائل العظيمة. ومع ذلك لا يظن القارئ أن المؤلف ﵀ كان زمامه بيد الاستطراد يقوده أنّى شاء. فإذا كانت المسألة تقتضي كلامًا مستفيضًا متشعبًا يكتفي المؤلف بالإشارة إليه ولا يخوض فيه. ومن ذلك أنه لما

стр. 38

ذكر من أصول المعتزلة "النبوة" قال: "مع أنهم لم يوفوها حقّها، بل هضموها غاية الهضم من وجوه كثيرة ليس هذا موضعها" (٨٣٦). وهكذا لما ذكر مذاهب الفرق في الطبقة التي رجحت سيئاتها على حسناتها قال: "ولولا أن المقصود ذكر الطبقات لذكرنا ما لهذه المذاهب وما عليها، وبيّنا تناقض أهلها" (٨٤٥). وفي تفسير آيات الإنفاق لما وصل إلى آية الدين قال: "ولولا أن هذه الآية تستدعي سفرًا وحدها لذكرت بعض تفسيرها". (٨٢٣).

стр. 39

موارد الكتاب بالإضافة إلى نصوص القرآن والأحاديث والآثار، يتضمن الكتاب نقولًا من كتب التفسير والحديث والتصوف، وأقوالًا وأشعارًا ومذاهب واحتجاجات لأصحاب المقالات ورجال الفرق. فلا شك أن المصنف ﵀ كان بين يديه عدد كبير من المصادر التي وقف عليها، منها ما وصل إلينا، ومنها ما لم يصل، وبعض ما وصل ليس بين أيدينا، فليس من السهل أن يكشف عنها جميعًا. ثم لم يكن من منهج العلماء عمومًا التزام الإحالة في كل ما يوردونه في مصنفاتهم من أقوال ومذاهب. ثم المصادر في زمنهم كانت متوافرة، وكثير من تلك الأقوال والمذاهب معروفة لأصحابها، والثقة بالناقل قائمة، فكأنّهم كانوا يرون من التكلف كلّما ذكر مؤلف قولًا من الأقوال أن يصرّح باسم الكتاب الذي نقله منه، بل قد لا يرى داعيًا إلى تسمية القائل نفسه فضلًا عن مصدر قوله، بل قد يتعمد إغفال اسمه لأمر ما. ولنضرب مثالًا من كتابنا هذا، ليتضح القصد. عقد المؤلف ﵀ فصلًا في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى (٩٦ - ١٠٥) أورد فيه أكثر من عشرين كلمة للمشايخ مع التعليق عليها. وهذه كلها مأخوذة من كتاب واحد، وهو الرسالة القشيرية، ولكن لم يشر المؤلف إليها. نعم ذكر في موضع الأستاذ أبا القاسم القشيري، ولكن لا لبيان مصدر الأقوال، بل لأن أبا القاسم علق على كلمة للمظفر القرميسيني، ورأى المؤلف أن في الكلمة شطحًا وفي التعليق غموضًا وخلطًا، مما يستوجب التعقيب، فعقّب عليهما وأبان وجه الصواب. فنلاحظ هنا أن ابن القيم ﵀ لم يشر إلى مصدر الأقوال لأن غرضه

стр. 40

كان متعلقًا بالأقوال نفسها، وقد نقلها من مصدرها بأمانة تامة. أما تعليق أبي القاسم فكان بإمكان ابن القيم أن يحيل هنا على رسالته أيضًا، ولكنه لم يفعل، وذلك فيما يبدو نظرًا لشهرة الرسالة، وثقةً بفطنة القارئ. وبعد، فهما طريقان مألوفان للإشارة إلى المصادر، فيصرح حينًا باسم الكتاب، وحينًا آخر يسمّى صاحب الكتاب دون كتابه، وبعض الأحيان يغفل الإحالة. وقدّمنا هذا التنبيه لكيلا يظن القارئ أن الموارد التي سنشير إليها في هذا المبحث هي كل موارد الكتاب أو جلّها، فإنّ الناظر في الكتاب يكاد يجزم أن ما لم يذكر هنا يبلغ عدده أضعاف ما ذكر. هذا، وربما استفاد المؤلف بعض النقول بواسطة. ونذكر أولًا أسماء الكتب المذكورة في المتن ثم أسماء المؤلفين الذين لم تذكر كتبهم، ثم نقول المؤلف عن شيخه ابن تيمية ﵀. * أولًا: الكتب أثبتنا بجانب اسم الكتاب أرقام الصفحات التي نصّ فيها على اسمه. ولمعرفة المواضع الأخرى التي نقل فيها عن مؤلفه دون تسمية كتابه المذكور، يراجع فهرس الأعلام. - تفسير ابن مردويه (٢٦٢، ٤٢٨، ٤٣٧). - تفسير منذر بن سعيد (٤١٤). - خلق أفعال العباد للبخاري (٢٩٥). - الرد على الجهمية للإمام أحمد (٧٧١).
следующие страницы →