← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

جامعًا (١) لكل صفة كمال، واسم حسن، وثناء جميل، وفعل كريم؛ وأنَّه سبحانه له القدرة التامة، والمشيئة النافذة، والعلم المحيط، والسمع الذي وسمع الأصوات، والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات، والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات، والملك الأعلى الذي لا يخرج (٢) عنه ذرَّة من الذرَّات، والغنى التام المطلق من جميع الجهات، والحكمة البالغة المشهودُ أثرُها (٣) في الكائنات، والعزَّة العالية (٤) بجميع الوجوه والاعتبارات، والكلماتُ التامَّات النافذات التي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجر من جميع البريّات (٥). واحدٌ لا شريك له في ربوبيته، ولا في إلهيته. ولا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وليس له من يَشرَكه في ذرَّة من ذرَّات ملكه، أو يخلُفه في تدبير خلقه، أو يحجبه عن داعيه ومؤمليه (٦) وسائليه (٧)، أو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أو فِرية أو كذب، كما يكون

стр. 352

بين الرعايا وبين الملوك. ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود، وفسد العالم بأسره فَـ (١) ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء/ ٢٢]، فلو كان (٢) معه آلهة أخرى -كما يقوله أعداؤه المبطلون- لوقع من النقص في التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبتُ معه حال، ولا يصلح معه (٣) وجود. ومن أعظم نعمه علينا وما استوجب به (٤) حمدَ عباده له أن جعلنا (٥) عبيدًا له خاصَّةً، ولم يجعلنا نَهْبًا (٦) منقسمين بين شركاء متشاكسين، ولم يجعلنا عبيدًا لإلهٍ نحتَتْه الأفكار، لا يسمع أصواتنا (٧)، ولا يبصر أفعالنا، ولا يعلم أحوالنا، ولا يملك لعابديه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا (٨)، ولا تكلَّم قط ولا يتكلم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا تُرفع إليه الأيدي، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا يصعد إليه (٩) الكلمُ الطيب، ولا يُرفع إليه العمل الصالح. وإنَّه ليسَ داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه، ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا

стр. 353

عنه (١)، ولا مماسًّا (٢) له ولا بائنًا (٣) ولا مستويًا (٤) على عرشه، ولا هو فوق عباده ولا عاليًا عليهم، (٥) وحظ العرش منه حظُّ الحُشوش والأخلية. ولا تنزل الملائكة من عنده، بل لا ينزل من عنده شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يقرب منه شيء، ولا يقرب من شيء (٦). ولا يُحِبُّ ولا يُحَب، ولا يلتذ المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم في دار الثواب، بل ليس له وجه يُرَى، ولا له يدٌ يقبض بها (٧) السماوات وأخرى يقبِض بها الأرض. ولا له (٨) فعل يقوم به، ولا حكمة تقوم به، ولا كلَّم موسى تكليمًا، ولا تجلَّى للجبل فجعله دكًّا هشيمًا. ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول: "لا أسأل (٩) عن عبادي غيري" (١٠)، ولا يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه. ويجوز في حكمته تعذيبُ أنبيائه ورسله وملائكته وأهل طاعته

стр. 354

أجمعين من أهل السماوات والأرضين، وتنعيمُ أعدائه من الكفَّار به والمحاربين له والمكذبين له ولرسله. والكلُّ بالنسبة إليه سواءٌ، ولا فرق البتة إلا أنَّه أخبر أنه لا يفعل ذلك، فامتنع للخبر بأنَّه لا يفعله، لا لأنَّه في نفسه منافٍ لحكمته. ومع ذلك فرضاه عينُ غضبه، وغضبُه عينُ رضاه، ومحبته كراهته، وكراهته محبته، إن هو (١) إلا إرادة محضة ومشيئة صرفة يشاء بها، لا لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة. ومع ذلك يعذِّب عباده على ما لم يعملوه ولا قدرة لهم عليه، بل يعذبهم على نفس فعله الذي فعله هو وينسبه إليهم، ويعذبهم إذ لم يفعلوا فعله ويلومهم عليه. ويجوز في حكمته أن يعذب رجالًا إذ (٢) لم يكونوا نساءً، ونساءً حيث (٣) لم يكونوا رجالًا، وطِوالًا إذ (٤) لم يكونوا قصارًا وبالعكس، وسودًا إذ (٥) لم يكونوا بيضًا وبالعكس. بل تعذيبُه لهم على مخالفته هو من هذا الجنس، إذ لا قدرة لهم البتة على فعل ما أُمروا به، ولا ترك ما نُهوا عنه. فله الحمدُ والمنَّة والثناءُ الحسن الجميل، إذ (٦) لم يجعلنا عبيدًا لمن هذا شأنُه، فنكون مضيعين، ليس لنا ربٌّ نقصده، ولا صمدٌ نتوجه إليه ونعبده (٧)، ولا إله نعول عليه، ولا رب نرجع إليه، بل قلوبنا تنادي في

стр. 355

طرق الحيرة: من دلَّنا وجمع علينا ربًّا ضائعًا، لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث (١) له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا كلَّم أحدًا ولا يكلمه أحد. ولا ينبغي لأحد أن يذكر صفاته، ولا يعرّفه بها، بل يهجرها بلسانه فلا يتكلم بها، وبقلبه فلا يعقلها. وينبغي (٢) له أن يعاقب بالقتل أو الضرب والحبس من ذكرها، أو أخبر عنه بها، أو أثبتها له، أو نسبها إليه، أو عرَّفه بها. بل التوحيد الصرف (٣) جحدُها، وتعطيله عنها، ونفي قيامها به واتصافه بها. وما لم تدركه عقولنا من ذلك فالواجب نفيُه، وجحده، وتكفير من أثبته، واستحلال دمه وماله، أو تبديعه وتضليله وتفسيقه. وكلَّما كان النفيُ أبلغَ كان التوحيدُ أتم، فليس كذا وليس كذا أبلغ في التوحيد من قولنا هو كذا وهو كذا. فللّه العظيم أعظمُ حمدٍ وأتمُّه وأكملُه (٤) على ما منَّ به (٥) من معرفته وتوحيده، والإقرار بصفاته العُلى وأسمائه الحسنى، وإقرار قلوبنا بأنَّه اللَّه الذي لا إله إلا هو، عالمُ الغيب والشهادة، ربِّ العالمين، قيومُ السماوات والأرضين، إلهُ الأولين والآخرين، لم يزل (٦) ولا يزال موصوفًا بصفات الجلال، منعوتًا بنعوت الكمال، منزهًا عن أضدادها من

стр. 356

النقائص والتشبيه والمثال. فهو الحيُّ القيُّوم الذي لكمال حياته، وقيوميته لا تأخذه سنةٌ ولا نوم. مالك السماوات والأرض الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه. والعالمُ بكل شيء، الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم، فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرَّك ذرَّة إلا بإذنه. يعلم دبيبَ الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليها الملَك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليها (١) القلب. البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلقِ الذرَّة الصغيرة وأعضائها ولحمها ودمها ومخها وعروقها، ويرى دبيبَها على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء، ويرى ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق السماوات السبع. السميع الذي قد استوى في سمعه سرُّ القول وجهرُه، وسع سمعُه الأصوات، فلا تختلف عليه أصوات الخلق ولا تشتبه عليه، ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا تغلّطه المسائل، ولا تُبرمه (٢) كثرةُ سؤالِ (٣) السائلين. قالت عائشة: الحمد للَّه الذي وسع سمعُه الأصوات، لقد جاءت المجادلةُ تشكو إلى رسول اللَّه ﷺ ، وإنَّه (٤) لَيَخفى عليَّ بعض كلامها، فأنزل اللَّه : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة/ ١] (٥).

стр. 357

القدير الذي لكمال قدرته يهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا، والبر برًّا والفاجر فاجرًا. وهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمةً يدعون إليه ويهدون بأمره، وجعل فرعون وقومَه أئمةً يدعون إلى النَّارِ. ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء سبحانه أن يُعلِّمه إيَّاه. ولكمال قدرته خلَقَ السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مسَّه من لغوب. ولا يُعجِزه أحدٌ من خلقه، ولا يفوته، بل هو في قبضته أين كان، وإن (١) فرَّ منه فإنَّما يطوي المراحلَ في يديه، كما قيل: وكيف يفِرُّ المرءُ عنك بذنبه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا؟ (٢) ولكمال غناه استحال إضافةُ الولد والصاحبة والشريك والظهير (٣) والشفيع بدون إذنه إليه. ولكمال عظمته وعلوه (٤) وسِع كرسيُّه السمواتِ والأرضِ، ولم تسعه أرضُه ولا سماواته، ولم تُحِطْ به مخلوقاته، بل هو العالي على كلِّ شيء، الظاهر فوق كل شيء (٥)، وهو بكلِّ شيء محيط.

стр. 358

لا تنفد (١) كلماته ولا تبيد، بل (٢) لو أنَّ البحر يمده من بعده سبعةُ أبحر مدادٌ، وأشجارُ الأرض أقلامٌ (٣)، فكتب بذلك المداد وتلك (٤) الأقلام، لَنَفِد المداد (٥)، وفنيت الأقلام؛ ولم تنفد كلماته، إذ هي غير مخلوقة، ويستحيل أن يفنى غيرُ المخلوق بالمخلوق. ولو كان كلامه مخلوقًا -كما قاله (٦) من لم يقدُره حقَّ قدره، ولا أثنى عليه بما هو أهلُه- لكان أحقَّ بالفناءِ (٧) من هذا المداد وهذه الأقلام، لأنَّه إذا كان مخلوقًا فهو نوعٌ من أنواع مخلوقاته، ولا يحتمل المخلوق إفناءَ هذا المداد وهذه الأقلام، وهو باقٍ غيرُ فانٍ. وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين، ويحبونه (٨)، بل لا شيء أحبّ إليهم منه، ولا أشوق إليهم من لقائه، ولا أقرَّ لعيونهم من رؤيته، ولا أحظى عندهم من قربه. وإنَّه سبحانه له الحكمة البالغة في خلقه وأمره، وله النعمة السابغة على خلقه، وكلُّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلُّ نقمةٍ منه عدل. وإنَّه أرحمُ بعباده من الوالدة بولدها، وأفرحُ (٩) بتوبة عبده من واجد

стр. 359

راحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في الأرضِ المهلكة بعد فقدها واليأس منها. وإنَّه سبحانه لم يكلِّف عبادَه إلا وسعهم، وهو دون طاقتهم، فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم، بخلاف وسعهم، فإنَّه (١) ما يسعونه، ويسهل عليهم، وتفضُل (٢) قُدَرُهم عنه، كما هو الواقع. وإنَّه سبحانه لا يعاقب أحدًا بغير فعله، ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدِر على فعله، ولا على فعل (٣) ما لا قدرةَ له على تركه. وإنَّهُ سبحانه حليم (٤) كريم جواد ماجد محسن ودود صبور شكور، يُطاع فيشكر، ويُعصَى فيغفِر. لا أحدَ أصبرُ على أذى سمعه منه، ولا (٥) أحبُّ إليه المدحُ منه، ولا أحب إليه العذرُ منه. ولا أحدَ (٦) أحبُّ إليه الإحسانُ منه، فهو محسن يحب المحسنين، شكورٌ يحب الشاكرين. جميلٌ يحب الجمال، طيِّبٌ يحب كلَّ طيب، نظيفٌ يحب النظافة، عليمٌ يحب العلماء من عباده، كريمٌ يحب الكرماء، قويٌّ والمؤمن القوي

стр. 360

أحب إليه من المؤمن الضعيف، برٌّ يحب الأبرار، عدلٌ يحب أهل العدل، حييٌّ سِتِّيرٌ يحب أهل الحياء والستر، عفوٌّ غفورٌ يحب مَن يعفو عن عباده ويغفر لهم، صادقٌ يحب الصادقين، رفيقٌ يحب الرفق، جوادٌ يحب الجود وأهله، رحيمٌ يحب الرحماء، وترٌ يحب الوتر. يحبُّ (١) أسماءَه وصفاتِه، ويحبُّ المتعبدين له بها، ويحب من يسأله بها (٢) ويدعوه بها، ويحب من يعرفها ويعقلها، ويثني عليه بها، ويحمده ويمدحه بها، كما في الصحيح عن النبي ﷺ : "لا أحد أحبُّ إليه المدحُ من اللَّه، من أجلِ ذلك أثنى على نفسه. ولا أحدَ أغيرُ من اللَّه، من أجلِ ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدَ أحب إليه العذرُ من اللَّهِ، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين" (٣). وفي حديثٍ آخر صحيح: "لا أحدَ أصبرُ على أذى يسمعُه (٤) من اللَّه، يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم" (٥). ولمحبته لأسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها، فأمرهم (٦) بالعدل والإحسان والبر والعفو والجود والصبر والمغفرة

стр. 361

والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت. ولمَّا كان سبحانه يحب أسماءَه وصفاته كان أحب خلقه (١) إليه من اتصف بالصفات التي يحبها، وأبغضهم (٢) إليه من اتصفَ بالصفاتِ التي يكرهها. فإنَّما أبغضَ من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت؛ لأنَّ اتصافه بها ظلم، إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه، لمنافاتها لصفات العبيد، وخروجِ من اتَّصف بها من رِبقة العبودية، ومفارقته لمنصبه ومرتبته، وتعدّيه طورَه وحدّه. وهذا بخلافِ (٣) ما تقدم من الصفات كالعلمِ والعدلِ والرحمة والإحسان والصبر والشكر، فإنَّها لا تنافي العبودية، بل اتصافُ العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد لم يتعدَّ طورَه ولم يخرج بها من دائرة العبودية. والمقصود أنَّه سبحانه لكمال أسمائه وصفاته موصوفٌ بكلِّ صفة كمال، منزَّهٌ عن كلِّ نقص، له كلُّ ثناءٍ حسن، ولا يصدر عنه إلا كلُّ فعلٍ جميل، ولا يُسمَّى إلا بأحسن الأسماءِ، ولا يُثنَى عليه إلا بأكمل الثناءِ. وهو المحمود المحبوب المعظم ذو الجلال والإكرام على كلِّ ما خلقه وقدَّره (٤)، وعلى كلِّ ما أمر به وشرعه. ومن كان له نصيبٌ من معرفة أسمائه الحسنى واستقرى (٥) آثارها في الخلقِ والأمر، رأى الخلق والأمر منتظمَين بها أكمل انتظام، ورأى

стр. 362

سَريان آثارها فيهما، وعلم -بحسب معرفته- ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق، فاستدلَّ بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله، فإنَّه لا يفعل خلافَ موجَب حمده وحكمته. وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه ممَّا لا يليق به. فيعلم أنِّه لا يأمر بخلاف موجَب حمده وحكمته. فإذا رأى في بعض الأحكام جورًا وظلمًا أو سفهًا وعبثًا أو مفسدة (١) أو ما لا يُوجِب حمدًا وثناءً فَلْيعلَمْ أنَّه ليس من أحكامه ولا دينه، وأنَّه بريء منه ورسولُه، فإنَّه إنَّما يأمرُ بالعدل لا بالظلم، وبالمصلحة لا بالمفسدة، وبالحكمة لا بالعبث والسفَه. وإنَّما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنَّه أرحم الرَّاحمين، ورسولُه رحمةٌ مهداةٌ إلى العالمين، ودينُه كلُّه رحمة، وهو نبي الرحمة، وأمتُه الأمة المرحومة. وذلك كله موجَب أسمائه الحسنى وصفاته العلى (٢) وأفعاله الحميدة، فلا يُخبَر عنه إلا بحمده، ولا يثنى عليه إلا بأحسن الثناءِ، كما لا يسمَّى إلا بأحسن الأسماء. وقد نبَّه سبحانه على شمول حمده لخلقِه (٣) وأمرِه بأن حمِد نفسَه في أوَّل الخلق وآخره، وعند الأمر والشرع؛ وحمد نفسَه على ربوبيته للعالمين، وحمد نفسَه على تفرده بالإلهية وعلى حياته. وحمد نفسَه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاةِ أحد من خلقه لحاجة (٤) إليه. وحمد نفسَه على علوه وكبريائه، وحمد

стр. 363

نفسَه في الأولى والآخرة. وأخبر عن سَرَيان حمدِه في العالم العلوي والسفلي. ونبَّه على هذا كلِّه في كتابه، وحمد نفسَه عليه؛ فنوّع (١) حمدَه وأسبابَ حمده، وجمعها تارةً، وفرَّقها أخرى، ليتعرَّف إلى عباده، ويعرِّفهم كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبَّب إليهم بذلك، ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه وحمدوه. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة/ ٢ - ٤]. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) [الأنعام/ ١]. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ [الكهف/ ١ - ٢]. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ/ ١]. وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر/ ١]. وقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص/ ٧٠]. وقال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ

стр. 364

لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر/ ٦٥]. وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم/ ١٧ - ١٨]. وأخبر عن حمدِ خلقِه له بعد فصلِه بينهم، والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته، والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر/ ٧٥]. وأخبر عن حمد أهل الجنَّة له وأنَّهم لم يدخلوها إلا بحمده، كما أنَّ أهل النَّارِ لم يدخلوها إلا بحمده، فقال أهل الجنَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا﴾ [الأعراف/ ٤٣] و ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس/ ١٠]. وقال عن أهل النَّار: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص/ ٧٤ - ٧٥]. وقال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك/ ١١]. وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم، وعلموا أنَّهم كانوا كاذبين في الدنيا، مكذبين بآيات ربهم، مشركين به، جاحدين لإلهيته، مفترين عليه. وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم، وأخذهم ببعض حقه عليهم، وأنَّه غيرُ ظالمٍ لهم، وأنَّهم إنَّما دخلوا النَّارَ بعدله وحمده، وإنَّما عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه، لا كما يقول الجبرية.

стр. 365

وتفصيل هذه الجملة (١) ممَّا لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به، ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكلُّ صفة عليا واسم حسن وثناءٍ جميل وكلُّ حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو للَّه على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميعُ ما يوصف به ويُذكر به ويُخبر عنه به فهو محامدُ له وثناءٌ وتسبيح وتقديس. فسبحانه وبحمده، لا يحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه (٢) خلقُه، فله الحمدُ أوَّلًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، ورفيع مجده، وعلو جده. فهذا تنبيه على أحد نوعَي حمده، وهو حمد الصفات والأسماء. والنوع الثاني: حمد النعم والآلاء ، وهذا مشهود للخليقة: برِّها وفاجرِها، مؤمِنها وكافرها؛ من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته بهم (٣)، وبره ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كُرُبات المكروبين (٤)، وإغاثة (٥) الملهوفين، ورحمة العالمين (٦)، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق، بل ابتداءً منه بمجرد فضله وكرمه

стр. 366

وإحسانه، ودفعِ المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفِها بعد وقوعها، ولطفِه تعالى في ذلك بإيصاله (١) إلى من أراده بأحسن الألطاف، وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهدايته خاصَّته وعبادَه (٢) إلى سُبُل السلام (٣)، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم عن مراتع الآثام. وحبَّبَ إليهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفرَ والفسوق والعصيان، وجعلهم من الرَّاشدين. وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسمَّاهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبَّب إليهم بنعمه، مع غناه عنهم (٤)، وتبغُّضهم إليه بالمعاصي، وفقرهم إليه. ومع هذا كله فاتخذَ لهم دارًا، وأعدَّ لهم فيها من كلِّ ما تشتهيه الأنفس وتلذُّه الأعين (٥)، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النعيم والحَبْرَة والسرور والبهجة ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلب بشر. ثمَّ أرسلَ إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثمَّ يسَّرَ لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضيَ منهم باليسير في هذه المدَّة القصيرة جدًا بالإضافة إلى بقاء دار النعيم، وضَمِنَ لهم إن أحسنوا أن

стр. 367

يُثيبهم بالحسنة عشرًا، وإن أساؤوا واستغفروه (١) أن يغفر لهم، ووعَدهم أن يمحو ما جنَوه من السيئاتِ بما يفعلونه بعدها من الحسنات. وذكّرهم بآلائه، وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمةً منه بهم واحسانًا، لا حاجةً منه إليهم، ونهاهم عمَّا نهاهم عنه حمايةً وصيانةً (٢) لهم، لا بخلًا منه عليهم. وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصَّاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال، وصرَّف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسَّع لهم طرُقَ العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبوابَ الهداية، وعرَّفهم الأسبابَ التي تُدنيهم من رضاه وتُبعِدهم من غضبه (٣). ويخاطبهم بألطف الخطاب، ويسميهم (٤) بأحسن أسمائهم كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور/ ٣١]، ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر/ ٥٣]، ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ﴾ [إبراهيم/ ٣١]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ [البقرة/ ١٨٦]. فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف (٥) كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ

стр. 368

الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة/ ٢٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر/ ٣]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر/ ٥]. ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ [الانفطار/ ٦ - ٧]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣﴾ [آل عمران/ ١٠٢ - ١٠٣]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ [آل عمران/ ١١٨]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة/ ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا

стр. 369

تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال/ ٢٥ - ٢٦]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج/ ٧٣ - ٧٤]. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف/ ٥٠]. فتحتَ هذا الخطاب: إنِّي عاديتُ إبليسَ، وطردتُه من سمائي، وباعدتُه من قربي، إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثمَّ أنتم يابنيه توالونه وذريته من دوني، وهم أعداءٌ لكم (١)! فليتأمَّل اللبيبُ مواقع هذا الخطاب، وشدَّة لصوقه بالقلوب، والتباسه بالأرواح. وأكثرُ القرآن جاءَ على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة. وأعلم عباده -سبحانه- أنَّه لا يرضى لهم إلا أكرمَ الوسائل، وأفضل المنازل، وأجل العلوم والمعارف. قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر/ ٧].

стр. 370

وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة/ ٣]. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥] (١). ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء / ٢٦ - ٢٨] (٢). ويتنضَّل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنّة والتهمة التي ينسبها (٣) إليه مَن لم يعرفه حقَّ معرفته ولا قدَره حقَّ قدره، من تكليفِ عباده ما لا يقدِرون عليه ولا طاقة لهم بفعله البتَّة، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به، وخلقِ السماوات والأرضِ وما بينهما لا لحكمةٍ ولا لغاية؛ وأنَّه (٤) لم يخلق خلقَه لحاجةٍ منه إليهم، ولا ليتكثَر بهم من قلَّة، ولا ليتعززَ بهم من ذلَّة، ولا ليستعينَ بهم (٥)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات/ ٥٦ - ٥٧].

стр. 371

فأخبرَ أنَّهُ لم يخلق الجنَّ والإنسَ لحاجةٍ منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جودًا وإحسانًا ليعبدوه فيربَحوا هم عليه كلّ الأرباح كقوله: ﴿أنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء/ ٧]، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ [الروم/ ٤٤]. ولمَّا أمرهم بالوضوء والغسل (١) من الجنابة الذي يحطّ عنهم أوزارهم، ويدخلون به عليه، ويرفع به درجاتهم، قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة/ ٦]. وقال في الأضاحي والهدايا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج/ ٣٧]. وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة/ ٢٦٧]. يقول سبحانه: إنِّي غني عمَّا تنفقون أن ينالني منه شيء، حميد مستحق للمحامد (٢) كلِّها. فإنفاقكم لا يسدُّ منه حاجةً، ولا يوجب له حمدًا، بل هو الغني بنفسه، الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته، وإنفاقُكم إنَّما نفعُه لكم وعائدته عليكم. ومن المتعين على من لم يباشر قلبَه حلاوةُ هذا الخطاب، وجلالتُه، ولطفُ موقعه، وجذبُه للقلوب والأرواح، ومخالطتُه لها = أن يعالجَ قلبَه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي حالت بينه وبين حظه من

стр. 372

ذلك، ويتعرَّضَ إلى الأسباب التي يناله بها، من صدق الرغبة، واللجأ إلى اللَّه أن يحيى قلبَه، ويزكيَه، ويجعل فيه الإيمان والحكمة. فالقلب المثت لا يذوق طعمَ الإيمان، ولا يجد حلاوته، ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة. ومن أراد مطالعة أصولِ النِّعَم فَلْيُسم سرحَ الفكر (١) في رياض القرآن، ولْيتأمل ما عدَّد اللَّه فيه من نعَمِه، وتعرَّف بها إلى عباده من أوَّل القرآن إلى اخره، حتَّى خلقَ النَّارِ (٢)، وابتلاءَهم بإبليس وحزبِه، وتسليطَ أعدائهم عليهم، وامتحانَهم بالشهوات والإرادات والهوى، لِتعظُمَ النعمةُ عليهم بمخالفتها ومحاربة أعدائه (٣). فللَّه على أوليائه وعباده أتمُّ نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة، وفي كلِّ ما أحدثه في الأرض من وقائعه (٤) بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدَّره. وتفصيلُ ذلك لا تفي به أقلامُ الدنيا وأوراقُها، ولا قوى العباد، وإنَّما هو التنبيه والإشارة. ومن استقرى الأسماء الحسنى وجدها مدائحَ وثناءً تقصر بلاغاتُ الواصفين عن بلوغ كنهها، وتعجز الأوهامُ عن الإحاطة بالواحد منها. ومع ذلك فللَّه سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناءِ لم تتحرَّك بها

стр. 373

الخواطر، ولا هجست في الضمائر، ولا لاحت لمتوسم، ولا سنحت في فكر. ففي دعاء أعرفِ الخلق بربه تعالى وأعلمِهم بأسمائه وصفاته ومحامده: "أسألك بكلِّ اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن (١) ربيع قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حُزني، وذهابَ همِّي وغمِّي" (٢). وفي الصحيح عنه ﷺ في حديث الشفاعة لمَّا يسجدُ (٣) بين يدى ربِّه، قال: "فيفتح عليَّ من محامده بشيء لا أحسنه الآن" (٤). وكان يقول في سجوده: "أعوذ برضاك من سَخَطك، وبعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ

стр. 374

على نفسك" (١). فلا يحصي أحد من خلقه ثناءً عليه البتة، وله أسماء وأوصاف وحمد وثناءٌ (٢) لا يعلمه ملَك مقرَّب، ولا نبي مرسَل. ونسبة ما يعلم العبادُ من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنَقْرَةِ عصفورٍ في بحر. فإن قيل: فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاء والامتحان والآلام للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه؟ وما تقولون في الأسماء الدَّالّة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها؟ قيل: قد تقدَّم من الكلام في ذلك ما يكفي بعضه لذي الفطرة السليمة والعقل المستقيم. وأمَّا من فسدت فطرته، وانتكس قلبه، وضعفت بصيرة عقله، فلو ضُرب له من الأمثال ما ضُرب فإنَّه لا يزيده إلا عمًى وتحيرًا. ونحن نزيد ما تقدم إيضاحًا وبيانًا، إذ بسطُ هذا المقام (٣) أولى من اختصاره، فنقول: قد علمتَ أنَّ جميع أسماءِ الربِّ ﷻ حسنى، وصفاته كمال، وأفعاله حكمة ومصلحة؛ وله كل ثناءٍ وكلُّ حمدٍ ومدحة (٤)، وكلُّ خير فمنه وله وبيده (٥)، والشرُّ ليس إليه بوجه من الوجوه: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه. وإن كان في مفعولاته

стр. 375

فهو خيرٌ بإضافته إليه، وشرٌّ بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به. فتمسَّك بهذا الأصل ولا تُفارِقْه في كلِّ دقيق وجليل، وحكِّمه على كلِّ (١) ما يرد عليك، وحاكِمْ إليه واجعله آخيتك التي ترجع إليها وتعتمد عليها. واعلم أنَّ للَّه خصائصَ في خلقه، ورحمةً وفضلًا يختص به من يشاءُ، وذلك موجَب ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته، فإياك ثمَّ إيَّاكَ أن تُصغي إلى وسوسِة شياطين الإنس والجنّ والنفس الجاهلة الظالمة أنَّه هلَّا سوَّى بين عباده في تلك الخصائص، وقسَّمها بينهم على السواء؟ فإنَّ هذا عين الجهلِ والسفَه من المعترض به. وقد بيّنَّا فيما تقدم أنَّ حكمته تأبى ذلك وتمنع منه (٢). ولكن اعلم أنَّ الأمرَ قسمةٌ بين فضله وعدله، فيختص برحمته من يشاء، ويقصد بعذابه من يشاء، وهو المحمود على هذا وهذا (٣). فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته، والخبيثون مقصودون بعذابه، ولِكلِّ واحدٍ قسطُه من الحكمة والابتلاء والامتحان، وكلٌّ مستعملٌ فيما هو له مهيَّأ وله مخلوق. وكلُّ ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين، فإنَّه تعالى خلقهم للخيرات فهم لها عاملون، واستعملهم فيها فلم يدركوا ذلك إلا به، ولا استحقوه إلا بما سبق لهم من مشيئته وقَسْمه (٤)، فلذلك (٥) لا تضرهم الأدواءُ

стр. 376

ولا السُّموم، بل متى وسوس لهم العدو، أو اغتالهم (١) بشيءٍ من كيده، أو مسَّهم بشيء من طيفه ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ [الأعراف/ ٢٠١ - ٢٠٢]. وإذا واقعوا معصيةً صغيرةً أو كبيرةً عاد (٢) ذلك عليهم رحمةً، وانقلب في حقهم دواءً، وبُدِّلَ حسنةً بالتوبة النصوح والحسنات الماحية؛ لأنَّه سبحانه عرَّفهم بنفسه وبفضله، وبأنَّ قلوبهم بيده وعصمتهم إليه، حيث نقض عزماتهم، وقد عزموا أن لا يعصوه، وأراهم عزَّتَه في قضائه، وبرَّه وإحسانه في عفوه ومغفرته، وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل، وأشهدهم حاجَتهم إليه وافتقارَهم وذلَّهم، وأنَّه إن لم يعفُ عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلى النجاة أبدًا. فإنهم لمَّا أعطوه (٣) من أنفسهم العزمَ أن لا يعصوه، وعقدوا عليه قلوبَهم، ثمَّ عصوه بمشيئته وقدرته، عرفوا بذلك عظيمَ اقتداره، وجميلَ ستره إيَّاهم، وكريم حلمه عنهم، وسعة مغفرته لهم، وبردَ عفوه (٤) وحنانه وعطفه ورأفته، وأنه حليم ذو أناة لا يعجل، ورحيم سبقت رحمتُه غضبَه، وأنهم متى رجعوا بالتوبة إليه (٥) وجدوه غفورًا (٦) رحيمًا

стр. 377

حليمًا كريمًا، يغفر لهم السيئات، ويُقيلهم العثرات، ويودهم بعد التوبة ويحبهم. فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاءِ، وتوسلوا إليه بذلّ العبيد (١) وعزّ الربوبيّة. فتعرّف سبحانه إليهم بحسن إجابته وجميل عطفه وحسن امتنانه في أن ألهمهم دعاءَه، ويسّرهم للتوبة والإنابة، وأقبل بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه. ولم تمنعه معاصيهم وجناياتُهم من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم، فتابَ قبل أن يتوبوا إليه، وأعطاهم قبل أن يسألوه. فلمَّا تابوا إليه واستغفروه وأنابوا إليه تعرَّف إليهم تعرُّفًا آخر: فعرَّفهم رحمتَه، وحسنَ عائدته، وسعةَ مغفرته، وكريمَ عفوه، وجميلَ صفحه، وبرَّه وامتنانَه وكرمَه، وسرعةَ مبادرته (٢) قبولَهم بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرود (٣)، وشدَّة النفور، والإيضاع في طرق معاصيه (٤). وأشهدَهم مع ذلك حمدَه العظيم، وبرَّه العميم، وكرمَه في أن خلَى بينهم وبين المعصية، فنالوها بنعمته واعانته، ثمَّ لم يُخل بينهم وبين ما توجبه من الهلاكِ والفسادِ الذي لا يرجى معه صلاح (٥)، بل تداركهم بالدواءَ الشافي (٦)، فاستخرج منهم داءَ لو استمرَّ معه لأفضى (٧) إلى الهلاك.

стр. 378

ثمَّ تداركهم بروحِ الرجاءِ، فقدفه في قلوبهم، وأخبر أنَّه عند ظنونهم به. ولو أشهدهم عظيمَ الجناية (١)، وقبحَ المعصية، وغضبه ومقته على من عصاه فقط، لأورثهم ذلك المرضَ (٢) القاتل والداءَ العضال من الياس من رَوحه والقنوط من رحمته، وكان ذلك عين هلاكهم. ولكن رحمهم قبل البلاء، وفي حَشْو البلاء، وبعد البلاء (٣). وجعل تلك الآثار التي تُوجبها معصيتُه (٤) من المحن والبلاءِ والشدائد رحمةً لهم وسببًا إلى علوِّ درجاتهم ونيل الزلفى والكرامة عنده. فأشهدهم بالجناية (٥) عزَّةَ الربوبية وذلَّ العبيد (٦)، ورقَّاهم بآثارها إلى منازل قربه ونيل كرامته؛ فهم على كلِّ حال يربحون عليه، ويتقلبون في كرمه وإحسانه، فكلُّ (٧) قضاءٍ يقضيه للمؤمن فهو خير له، يسوقه به (٨) إلى كرامته وثوابه. وكذلك عطاياه الدنيوية نعمٌ منه عليهم، فإذا استرجعها أيضًا منهم وسلبَهم إيَّاها انقلبت من عطايا الآخرة، كما قيل: إنَّ اللَّه يُنعِم على عباده بالعطايا الفاخرة، فإذا استرجعها كانت من (٩) عطايا الآخرة.

стр. 379

والربُّ سبحانه قد تجلَّى لقلوب المؤمنين العارفين، وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه، ومضاء (١) مشيئته، وعظيم سلطانه، وعليّ شأنه (٢)، وكرمه وبره وإحسانه، وسعة مغفرته ورحمته، وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية من ذلك (٣)، ووراءَه -ممَّا لم تحتمله قواهم، ولا يخطر ببال، ولا يدخل في خلَد- ما (٤) لا نسبةَ لما عرفوه إليه. فاعلم أنَّ الذين كان قِسْمُهم أنواع المعاصي والفجور، وفنون الكفر (٥) والشرك، والتقلب في غضبه وسخطه = قلوبُهم (٦) وأرواحهم شاهدةٌ عليهم بالمعاصي والكفر، مُقِرَّةٌ بأنَّ له الحجَّة عليهم وأنَّ حقَّه قِبَلهم. ولا يدخل (٧) النارَ منهم أحدٌ (٨) إلا وهو شاهدٌ بذلك، مقِرٌّ به، معترفٌ اعتراف طائع مختار (٩) لا مُكرَه مضطهد. فهذه شهادتُهم على أنفسهم وشهادةُ أوليائه عليهم. والمؤمنون يشهدون له (١٠) فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه، ولو شهدوا بها وباؤوا بها لكانت رحمتُه أقربَ إليهم من عقوبته.

стр. 380

فيشهدون بأنَّهم (١) عبِيده ومِلكه، وأنَّه أوجدهم ليظهر بهم مجدُه، وينفذَ فيهم حُكمُه، ويمضي فيهم عدلُه، ويحقَّ عليهم كلمتُه، ويصدقَ فيهم وعيدُه، ويبين (٢) فيهم سابقُ علمه، ويعمر بها (٣) ديارهم ومساكنهم التي هي محل عدله وحكمته. وشهد (٤) أولياؤه عظيم ملكه، وعز سلطانه، وصدق رسله، وكمال حكمته، وتمام نعمته عليهم، وقدرَ ما اختصّهم به، ومن أي شيء حماهم وصانهم، وأيَّ شيء صرَف عنهم؛ وأنَّه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجودهم يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليمين. وشهدوا له سبحانه بأنَّ ما كان منه إليهم وفيهم -ممَّا يقتضيه إتمامُ كلماته (٥) الصدق والعدل (٦)، وصدقُ قوله، وتحقيقُ (٧) مقتضى أسمائه- فهو محضُ حقَّه. وكل ذلك منه حسن جميل، له عليه أتمُّ حمدٍ وأكمله وأفضلُه. وهو حُكمٌ عدلٌ، وقضاءٌ فصل. وأنَّه المحمود على ذلك كلَّه فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث، بل ذلك عين الحكمة، ومحض الحمد، وكمالٌ أظهره في حقه، وعزٌّ أبداه، وملكٌ أعلنه، ومرادٌ له أنفذه؛ كما فعل بالبُدن وضروب الأنعام: أتمَّ بها مناسكَ أوليائه

стр. 381

وقرابين عباده، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام إهلاكًا (١) وإتلافًا. فأعداؤه الكفَّار المشركون به الجاحدون به (٢) أولى أن تكون دماؤهم قرابينَ أوليائه وضحايا المجاهدين في سبيله، كما قال حسَّان بن ثابت (٣): يتطهَّرون، يَرونَه قُربانَهم ... بدماءِ مَن عَلِقوا من الكفَّار (٤) وكذلك لمَّا ضحَّى خالد بن عبد اللَّه القَسْري (٥) بشيخ المعطِّلة الفرعونية الجعد بن درهم، فإنَّه خطبهم في يوم أضحى، فلمَّا أكمل خطبته قال: "أيّها النَّاسُ ضَحُّوا، تقبَّل اللَّه ضحاياكم، فإنِّي مُضَحٍّ بالجعد بن درهم، إنَّه زعمَ أنَّ اللَّه لم يكلِّم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيمَ خليلًا، تعالى عمَّا يقول الجعدُ علوًّا كبيرًا. ثمَّ نزل، فذبحه، وكان (٦) ضحيته. ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال (٧). فهذا شهود أوليائه من شان أعدائه، ولكن أعداؤه في غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به، ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانُه

стр. 382

ورحمتُه، ولكن لمَّا حُجِبوا عن معرفته، ومحبته، وتوحيده، وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العلى (١)، ووصفه بما يليق به، وتنزيهه عمَّا يليق به = صاروا أسوأَ حالًا من الأنعام، وضُرِبوا بالحجاب، وأُبعِدوا عنه بأقصى البعد، وأخرجوا من نوره إلى الظلمات، وغُيِّبتْ قلوبُهم من (٢) الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته في غيابات (٣)، ليتمَّ عليهم أمرُه (٤)، وينفذ فيهم حكمُه، واللَّه عليم حكيم (٥). فصل واللَّه سبحانه مع كونه خالقَ كلِّ شيء، فهو موصوف بالرضا والغضب، والعطاء والمنع، والخفض والرفع، والرحمة والانتقام. فاقتضت حكمته تعالى أن خلقَ دارًا لطالبي رضاه العاملين بطاعته، المؤثرين لأمره، القائمين بمحابه، وهي الجنَّة. وجعل فيها كل شيء مرضي، وملأها من كلِّ محبوب ومرغوب ومشتهًى ولذيذ، وجعل الخيرَ بحذافيره فيها، وجعلها محلَّ كلِّ طيبٍ من الذوات والصفات والأقوال. وخلق دارًا أخرى لطالبي أسباب غضبه وسخطه، المؤثرين لأغراضهم (٦) وحظوظهم على مرضاته، العاملين بأنواع مخالفته، القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال، الواصفين له بما لا يليق به،

стр. 383

الجاحدين لما أخبرتْ به رسلُه من صفات كماله ونعوت جلاله، وهي جهنَّم. وأودعها كل شيء مكروه، وشحنَها (١) من كلِّ مؤذٍ (٢) ومؤلم، وجعل الشرَّ بحذافيره فيها، وجعلها محلَّ كلِّ خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال. فهاتان الداران هما دار القرار (٣). وخلق دارًا ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزود المسافرون إليهما، وهي دار الدنيا. ثمَّ أخرج إليها من آثار (٤) الدارين بعضَ ما اقتضته أعمالُ أربابهما وما يُستدل به عليهما، حتَّى كأنَّهما رأيُ عين، ليصير للإيمان (٥) بالدَّارين -وإن كان غيبًا- وجهُ (٦) شهادة تستأنس (٧) به النفوس، وتستدلّ به. فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه، والطيبات، والملابس الفاخرة، والصور الجميلة، وسائر ملاذّ النفوس ومشتهاها ما هو نفحةٌ من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال. فإذا رآه المؤمنون ذكّرهم بما هناك من الحَبْرة (٨) والسرور والعيش الرخي، كما قيل:

стр. 384

فإذا رآك المسلمون تيقَّنوا ... حُورَ الجِنانِ لدى النعيم الخالدِ (١) فشمَّروا إليه وقالوا: "اللهم لا عيش إلا عيشُ الآخرة" (٢). وأحدثت لهم رؤيته عَزمات وهممًا وجدًّا وتشميرًا، لأنَّ النعيم يذكِّر بالنعيم، والشيء يذكِّر بجنسه؛ فإذا رأى أحدُهم ما يُعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال: "موعدك الجنَّة، وإنَّما هي عشية أوضحاها". فوجودُ تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمةٌ من اللَّه، يشوّق (٣) بها عباده المؤمنين إلى تلك (٤) التي هي أكملُ منها، وزاد (٥) لهم من هذه الدار إليها. فهي زاد، وعبرة، ودليل، وأثرٌ من آثار (٦) رحمته التي أودعها تلك الدار. فالمؤمن يهتزُّ برؤيتها إلى ما أمامه، ويثير ساكنَ عزماته إلى تلك، فنفسه ذوَّاقة توَّاقة، إذا ذاقت شيئًا منها تاقت إلى ما هو أكملُ منه حتَّى تتوقَ إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم. وأخرجَ سبحانه إلى هذه الدار أيضًا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يُستدَلُّ بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك، مع أنَّ ذلك من آثار النفَسين الشتائي والصيفي (٧) اللذين أذِنَ اللَّه سبحانه بحكمته لجهنَّم أن تتنفَّسَ

стр. 385

بهما، فاقتضت [بذنيك] النفسين (١) آثارًا ظهرت في هذه الدار كانت دليلًا وعبرة عليها (٢). وقد أشار تعالى إلى هذ المعنى، ونبَّه (٣) عليه بقوله فى نار الدنيا: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ [الواقعة/ ٧٣] تذكرةَ تُذِّكر بنار الآخرة (٤)، ومنفعةً للنازلين بالقَواءِ، وهم المسافرون. يُقال: أقوى الرجلُ، إذا نزل بالقِيِّ والقَوَاءِ، وهي الأرض الخالية. وخص المقوين بالذكر (٥)، وإن كانت منفعتُها عامَّةً للمسافرين والمقيمين، تنبيها لعباده -واللَّه أعلم بمراده من كلامه- على أنَّهم كلهم مسافرون، وأنَّهم في هذه الدار على جناح سفر ليسوا (٦) مقيمين ولا مستوطنين، وأنَّهم عابرو سبيل وأبناء سفر. والمقصود: أنَّهُ سبحانه أشهدَهم (٧) في هذه (٨) ما أعدَّ لأوليائه وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خيرٍ وشرٍ. وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطًا (٩) يسوقُ بها عبادَه المؤمنين، فإذا رأوها حذِروا

стр. 386

كلَّ الحذَر، واستدلُّوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات. وكان وجودُها في هذه الدار وإشهادُهم إياها، وامتحانُهم باليسير منها رحمةً منه بهم، وإحسانًا إليهم، وتذكرةً وتنبيهًا. ولمَّا كانت هذه الدار ممزوجًا خيرُها بشرها، وأذاها براحتها، ونعيمُها بعذابها اقتضت حكمةُ أحكم الحاكمين أن خلَّص خيرَها من شرَّها، وخصَّه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار الشرور (١) المحضة. فكتب على هذه الدار حُكمَ الامتزاج والاختلاط، وخلَطَ فيها بين (٢) الفريقين، وابتلَى بعضهم ببعض، وجعَل بعضَهم لبعض فتنة؛ حكمةٌ بالغةٌ بهرت العقول وعزَّةٌ قاهرة. فقام بهذا الاختلاط سوقُ العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم (٣) عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه، بل العبد الواحد جمَع فيه بين أسباب الخير والشر، وسلَّط بعضَه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك. فلمَّا حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبَه بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكلِّ دارٍ ما يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها وخلَق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته، وأعداءَه الكافرين لنقمته، والمخلِّطين للأمرين معًا (٤): فهؤلاء أهل الرحمة، وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل الرحمة

стр. 387

والنقمة (١)، وقسمٌ آخر لا يستحقون ثوابًا ولا عقابًا. ورتَّب على كلِّ قسم من هذه الأقسام (٢) حُكمَه اللائقَ به، وأظهر (٣) فيه حكمتَه الباهرة (٤)، ليعلمَ العبادُ كمالَ قدرته وحكمته، وأنَّه يخلق ما يشاءُ، ويختار من خلقه من يصلح للاختيار، وأنَّه يضع ثوابه موضعه، وعقابه موضعه، ويجمع بينهما في المحلِّ المقتضي لذلك، ولا يظلم (٥) أحدًا، ولا يبخسه شيئًا من حقِّه، ولا يعاقبه بغير جنايته. هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحِكَم الراجعة إلى العبيد أنفسهم: من استخراجِ صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج (٦) كمالاتهم (٧) الكامنة في نفوسهم (٨) من القوَّة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسرِ كلِّ شيء بمقابله (٩) ومصادمته بضده، ليظهر عليه آثارُ القهر وسماتُ الضعف والعجز، ويستيقنَ (١٠) العبد أنَّ القهَّار لا يكون إلا واحدًا، وأنَّه يستحيل أن يكون له شريك؛ بل القهر والوحدة متلازمان.

стр. 388

فالملك والقدرة والقوَّة والعزَّة كلها للَّه الواحد القهَّار، ومن سواه مربوب مقهور، له ضد ومناوٍ (١) ومشارك. فخلقَ الرياحَ، وسلَّطَ بعضها على بعض تُصادمها، وتكسِر سَورتَها، وتذهب بها. وخلقَ الماء، وسلَطَ عليه الرياحَ تصرّفه وتكسره. وخلق النَّار، وسلَّطَ عليها الماءَ يكسرها ويطفئها. وخلقَ الحديد، وسلَّط عليه النار تذيبه وتكسر قوته. وخلق الحجارة، وسلَّط عليه الحديد يكسرها ويفتَتها. وخلق آدم وذريته، وسلَّطَ عليهم إبليس وذريته. وخلَق إبليس وذريته، وسلَّطَ عليهم (٢) الملائكة يشرّدونهم كلَّ مشرَّد ويطرّدونهم كلَّ مطرَّد. وخلق الحرَّ والبرد والشتاء والصيف، وسلَّطَ كلًّا منها على الآخر يُذهِبه ويقهره. وخلقَ الليل والنهار، وقهرَ كلًّا منهما بالآخر. وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر، لكل منه مضاد ومغالب. فاستبان للعقول والفطَر أنَّ القاهر الغالب لذلك كلِّه واحدٌ، وأنَّه (٣) من تمام ملكه إيجادُ العالم على هذا الوجه، وربطُ بعضه ببعض (٤)، وإحواجُ بعضه إلى بعض، وقهرُ بعضه ببعض، وابتلاءُ بعضه ببعض (٥)، وامتحانُ (٦) خيره بشرّه وجعلُ شره لغيره الفداءَ. ولهذا يُدفع إلى كلِّ مؤمن يوم القيامة كافرٌ فيقال له: "هذا فداؤكَ من النار" (٧). وهكذا

стр. 389

المؤمن (١) في الدنيا يسلَّط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءَه من عذاب اللَّه، وقد تكون تلك الأسباب فداءً له من شرورِ أكبر (٢) منها في العالم أيضًا. فَلْيُعطِ اللبيبُ هذا الموضع حقَّه من التدبر يتبين له حكمةُ اللطيف الخبير. فصل وقد تقرَّر أنَّ اللَّه سبحانه كامل الصفات، له الأسماء الحسنى، ولا يكون عن الكامل في ذاته وصفاته إلا الفعل المحكم. وهو سبحانه خلقَ عبادَه على الفطرة، وكل مولود فإنّما يولد على الفطرة التي فُطِرَ الخلائق عليها، ولكنَّ الآباء والكافلين للمولودين يخرجونهم عن الفطرة (٣)، ويَعدِلون بهم عنها، ولو تركوهم لما اختاروا عليها غيرَها، ولكن أخرجوهم عن سَنَنِ الحنيفية وأفسدوا فِطَرهم وقلوبهم. وهكذا بالأضداد والأغيار يخرُج بعض المخلوقات عن سَنَن الإتقان والحكمة، ولولا تلك الأضداد والأغيار لكانت في مرتبتها كالمولود في فطرته، ولذلك أمثلة: المثال الأوَّل: أنَّ الماءَ خلقه اللَّه في الأصل (٤) طاهرًا مطهِّرًا، فلو تُرِكَ على حالته التي خُلِقَ عليها ولم يخالطه ما يزيلُ طهارته لم يكن إلا

стр. 390

طاهرًا، ولكن بمخالطته (١) أضدادَه من الأنجاس والأقذار تغيرت أوصافه، وخرج عن الخلقة التي خلق عليها. فكانت تلك النجاسات والقاذورات بمنزلة (٢) أبوي الطفل وكافليه الذين يهودونه وينصرونه ويمجسونه ويشرِّكونه (٣). وكما أنَّ الماءَ إذا فسدَ بمخالطته (٤) الأنجاس والقاذورات لم يصلح للطهارة، فكذلك القلوب إذا فسدت فِطَرُها بالأغيار لم تصلح لحظيرة القدس. المثال الثاني: الشرابُ المعتصَرُ من العنب، فإنَّه طيِّب يصلح للدواءِ ولإصلاح الغذاءِ وللمنافع (٥) التي يصلح لها. ولو (٦) خُلِّيَ على حاله لم يكن إلا طاهرًا طيِّبًا، ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكرًا، فخرج بذلك عن خلقته التي خُلِقَ عليها من الطهارة والطيب، فصارَ أخبثَ شيءٍ وأنجسه. فلو انقلبَ خلًّا، أو زالَ تغيُّر الماءِ، كان بمنزلة رجوع الكافر إلى فطرته الأولى، فإنَّ الحكمَ إذا ثبتَ لعلَّة زال بزوالها (٧). المثال الثالث: الأغذية الطيبة النافعة إذا خالطت باطنَ الحيوانِ واستقرَّت هناك خرجت عن حالتها التي خُلِقَتْ عليها، واكتسبَتْ بهذه المخالطة والمجاورةِ خبثًا وفسادًا لم يكن فيها، لسلوكها في غير
следующие страницы →