← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ابن عبد اللطيف ﵀. فرغ من نسخها شريدة بن علي الطيار في جمادى الأولى سنة ١٢٧٦ هـ للأميرة نورة بنت الإمام فيصل بن تركي، التي جعلتها وقفًا على طلبة العلم من المسلمين في ١٩ جمادى الأولى سنة ١٢٧٦ هـ. وهي بخط نسخي جميل في ٤٠٣ ورقة. وتصديرها مثل تصدير النسخة الكويتية. ٨ - نسخة ابن سحمان . فرغ من كتابتها الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ في التاسع من شهر شوال سنة ١٢٨٥ هـ. وقد سجلت في المكتبة السعودية بالرياض برقم ٤٣/ ٨٦ في ٢٤/ ٦/ ١٣٧٢ هـ. وهي في ٤٢١ صفحة، ومحفوظة الآن في مكتبة الملك فهد الوطنية. ٩ - نسخة مكتبة المعهد العلمي بحائل . وهي في ٢٠٤ ورقة نسخها إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن فرحان بن محمد في شهر رجب ١٣٠١ هـ. وصورتها موجودة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية برقم ٢٨٥٠ - ١ - ف. ١٠ - نسخة الضويان . وهي من مخطوطات المكتبة السعودية. وقد سجلت فيها برقم ٣٥٠/ ٨٦ في ١٥/ ٤/ ١٣٩٢ هـ. وعليه قيد وقف الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ المؤرخ في ١٣٩١ هـ. عدد صفحاتها ٤١٥ صفحة. وفرغ من نسخها الشيخ إبراهيم بن محمد الضويان ﵀ في ٥ ربيع الأول سنة ١٣١٤ هـ. وصرّح في خاتمتها أنه كتبها لأخيه عيسى بن حمود المهوس. وعنوان الكتاب في الورقة الأولى: "كتاب سفر الهجرتين

стр. 72

وباب السعادتين" مع أن العنوان المعروف هو الثابت في مقدمة المؤلف (ق ٢/ ب). وهي أيضًا محفوظة في مكتبة الملك فهد الوطنية. ١١ - نسخة محفوظة في مكتبة جامعة بولونيا (إيطاليا) برقم ٢٣٦ . ذكرها بروكلمان في الذيل (٢/ ١٢٧). ١٢ - نسخة في مكتبة جامعة ليدن في ٢٠٥ ورقة بخط حديث. رقمها ٣٠٠٢ شرقيات. والأوراق ٢٠ - ٢٧ ساقطة منها. كتب اسم الكتاب في صفحة العنوان: "سفر الهجرتين وطريق السعادتين أو طريق الهجرتين وباب السعادتين"، كما في فهرس المخطوطات العربية في مكتبة جامعة ليدن (٣٣٦). وذكرها بروكلمان أيضًا في الذيل (٢/ ١٢٧). ١٣ - نسخة في جامعة الإمام برقم ٨٩١/ خ . ١٤ - نسخة في مكتبة الشيخ علي بن يعقوب في حائل في ١٥٠ ورقة. النسختان الأخيرتان ذكرهما الشيخ محمد عزير شمس في فهرس صنعه لمخطوطات كتب ابن القيم (مخطوط). وفي ختام حديثي عن نسخ الكتاب يطيب لي أن أشكر للإخوة القائمين على أقسام المخطوطات في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ومكتبة الملك فهد الوطنية، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، فقد أتاحوا الفرصة للاطلاع على مخطوطات الكتاب المحفوظة عندهم ثم تصوير ما لزم تصويره منها، فجزاهم اللَّه خير الجزاء.

стр. 73

منهج التحقيق اعتمدت في تحقيق النص على نسخة الظاهرية التي تأكد أنها مسودة المؤلف كما سبق. واستظهرت بنسخة الفاتح (ف) التي نقلت من المسودة، في قراءة النص واستكمال نص الوريقة التي ضاعت من الأصل، والنقص الذي أدت إليه عوامل البلى في بعض المواضع. وقد حرصت على إثبات كل خلاف من سقط أو تصحيف أو غلط وقع في نسخة الفاتح نتيجة لسهو أو انتقال نظر أو خطأ في القراءة. ثم اخترت ثلاث نسخ من سائر مخطوطات الكتاب، إذ تبين من دراستها أنها نقلت من أصول مختلفة، ثم تلك الأصول نقلت من مسودة المصنف قبل نسخة الفاتح، فقابلت النص عليها: الأولى نسخة برلين (ب) الناقصة الأول وتحوي أكثر من ثلثي الكتاب، والثانية نسخة برنستون (ن) الناقصة الآخر التي تشتمل على نحو الثلث الأول، فكأنهما تؤلفان نسخة كاملة قديمة. وقد استأنست بهما في ترجيح قراءة على أخرى، وأشرت إلى بعض الفروق، ولم أنبه على كثير من أخطائها وأسقاطها. أما النسخة الثالثة من هذه -وهي نسخة الكويت- فرأيت أنها تشبه المطبوعة والنسخ النجدية، فكأن أصلها واحد. فاخترتها لتنوب عن النسخ المتأخرة. ثم قابلت النص على طبعة السلفية (ط)، والطبعة القطرية التي طبعت عن الأولى بعد تصحيح أخطائها بالرجوع إلى بعض النسخ الخطية فيما يبدو. ولما كانت معظم طبعات الكتاب صادرة عن طبعة السلفية، وقد اعتمد فيها أو في أصلها على نسخة متأخرة، قيدت الخلافات بينها وبين

стр. 74

مسودة المؤلف (غير ألفاظ التسبيح والتمجيد أو ألفاظ الصلاة والسلام)، ليتبين الفرق الشاسع بين هذه النشرة والطبعات السابقة كلها. واخترت من فروق النسخة الكويتية ما شاركت فيه المطبوعة، وصرفت النظر عن غيرها إلا إذا اقتضى الأمر إثباته. وقد رجعت إلى الكتب الأخرى للمؤلف وشيخه، لربط هذا الكتاب بتلك في المسائل المشتركة، والاستفادة منها في خدمة النص من جهة القراءة أو الضبط أو التفسير أو التعزيز أو غير ذلك. ولما كان الأصل مسودة، والنسخ التي وصلت إلينا كلها مع اختلافها راجعة إلى هذه المسودة، وقد وقع فيها شيء كثير من السهو وسبق القلم = كنت مترددًا بين إثبات السهو في النص كما ورد في المسودة وإثبات الصواب في الحاشية، وبين تصحيح النص وإثبات السهو في الحاشية. ثم اخترت الطريقة الأخيرة فيما وقع من ذلك في العبارة والترقيم ونحو ذلك. ولا ضير في ذلك إن شاء اللَّه بعد ما التزمت أن لا أغفل شيئًا مما ورد في نص المسودة وأقيّده في الحواشي. وحاولت أن لا أضع عنوانًا جانبيًّا إلا عند الحاجة، وأحقق هذا الغرض بتحبير الكلمات أو الجمل الواردة في النص. أما تخريج الأحاديث فقد تولّاه -ما عدا أحاديث الصحيحين- الأخ الشيخ زائد بن أحمد النشيري، فجزاه اللَّه خيرًا. وسترى في آخر تخريجاته حرف الزاي بين القوسين إشارة إليه. وقد ترجمت لطائفة من الزهاد والمشايخ الذين نقل المؤلف أقوالهم لأن أسماءهم قد تكون غير مألوفة لكثير من قراء هذا الكتاب. وحرصت

стр. 75

على أن تكون هذه التراجم بألفاظ قليلة مأخوذة من مصدرها ومبينة لمكانة الشخص عند القوم مع الإشارة إلى عهده. وفي آخر الكتاب وضعت فهارس كاشفة متنوعة تعين على الاستفادة من المباحث الجليلة التي انطوى عليها. وبعد، فأرجو أن أكون قد وفقت في أداء هذا النص القيم أداءً مقاربًا، وأن تكون نشرتي هذه أول نشرة علمية وأدناها إلى الصحة. واللَّه ولي التوفيق، وله الحمد في الأولى والآخرة. وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 76

نماذج مصوّرة من النسخ الخطّيّة المعتمدة

стр. 77

صفحة العنوان من الأصل

стр. 78

أول الكتاب في الأصل

стр. 79

ق ١١٤/ أ من الأصل، وفيها إصلاحات وإضافات

стр. 80

ق ١١٦/ أ من الأصل وفيها إضافات

стр. 81

خاتمة الأصل

стр. 82

صفحة العنوان من نسخة الفاتح (ت)

стр. 83

ق ١/ ب من النسخة (ف)

стр. 84

خاتمة النسخة (ف)

стр. 85

بداية النسخة (ب)

стр. 86

خاتمة النسخة (ب)

стр. 87

بداية الكتاب في النسخة (ن)

стр. 88

آخر النسخة (ن)

стр. 89

بداية الكتاب في نسخة الكويت (ك)

стр. 90

خاتمة نسخة الكويت (ك)

стр. 91

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه الذي نَصَبَ الكائناتِ على ربوبيّته ووحدانيّته حُجَجًا، وحَجَبَ العقولَ والأبصارَ أن تجد إلى تكييفه منهجًا، وأوجب الفوزَ بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادةً لم يبغِ لها عوجًا، وجعل لمن لاذ به واتّقاه مِن كلِّ ضائقةٍ مخرجًا، وأعقبَ مِن ضيقِ الشدائدِ وضَنْكِ الأوابدِ لمن توكَّل عليه فرجًا، وجعل قلوبَ أوليائه متنقلةً في منازل عبوديته من الصبر والتوكّل والإنابة والتفويض والمحبّة والخوف والرَّجا. فسبحان من أفاض على خلقه النعمة، وكتَب على نفسه الرحمة، وضمّن الكتابَ الذي كَتَبه أنّ رحمتَه تغلِبُ غضبَه. أسبغ على عباده نِعَمه الفُرادى والتُّؤام. وسخر لهم البرّ والبحر، والشمس والقمر، والليل والنهار، والعيون والأنهار، والضياءَ والظلام. وأرسل إِليهم رُسُله، وأنزل عليهم كُتُبه، يدعوهم إلى جواره في دار السلام. ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام/ ١٢٥]. فسبحان من أنْزَلَ على عَبْدِه الكتابَ ولَمْ يَجْعَلْ له عِوَجًا (١). ورفع لمن ائتمَّ به، فَأحلَّ حلالَهُ، وحرَّمَ حرامَهُ، وعمل بمحكمه، وآمن بمتشابهه، في مراقي السعادة درجًا. ووضع مَن (٢) أعرض عنه، ولم

стр. 92

يرفع به رأسًا (١)، ونبذه وراءَ ظهره، وابتغى الهدى من غيره، وجعله (٢) في دَركاتِ الجحيمِ متولِّجًا. فإنَّه الذكر الحكيم، والصراط المستقيم، والنبأ العظيم، وحبلُ اللَّه المتينُ المديا بينه وبين خلقه، وعهدُه الذي مَن استَمْسَكَ به فاز ونجا. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، ولا سمى له، ولا كفو له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا شبيه له؛ ولا يحصي أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه خلقُه، شهادةَ مَن أصبحَ قلبُه بالإيمان باللَّه وأسمائه وصفاته مبتهِجًا، ولم يزغْ عنه إلى (٣) شُبَهِ الجاحدين المعطّلين مُعَرِّجًا. وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وخيرتُه من خلقه، وأمينُه على وحيه، وسفيُره بينه وبين عباده. أرسله اللَّه (٤) رحمةً للعالمين، وقدوةً للعاملين، ومحجّةً للسالكين، وحجّةً على العباد أجمعين. أرسله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعتَه ومحبتَه وتعزيرَه وتوقيره والقيامَ بحقوقه، وسدَّ إلى جنّته جميعَ الطرق فلم يفتح لأحد إلّا مِن طريقه. فشرح له صدرَه، ورفع له ذكرَه، ووضع عنه وزرَه، وجعل الذلّة والصغارَ على من خالف أمره. فهدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة. وكثَّر به بعدَ القلَّة، وأعزَّ به بعدَ الذلَّة، وأغنى به بعدَ العَيْلة. وبصَّر به من العمى، وأرشد به من

стр. 93

الغيّ، وفتح برسالته أعينًا عُمْيًا وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا. فبلّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأُمّة، وجاهدَ في اللَّه حقَّ جهاده، وعَبَدَ اللَّه حتى أتاه اليقين. فلم يدع خيرًا إلَّا دلَّ أمته عليه، ولا شرًّا إلّا حذّر منه، ونهى عن سلوك الطريق الموصلة إليه. ففتح القلوب بالإيمان والقرآن، وجاهد أعداءَ اللَّه باليد والقلب واللسان. فدعا إلى اللَّه على بصيرة، وسار في الأُمة -بالعدل والإحسان وخلقه العظيم- أحسنَ سيرة، إلى أن أشرقتْ برسالته الأَرضُ بعد ظلماتها، وتألّفتْ به (١) القلوب بعد شتاتها. وسارت دعوتُه مسيرَ (٢) الشمس في الأقطار، وبلغ دينُه القيّم ما بلغ الليل والنهار. واستجابت القلوب لدعوة الحق (٣) طوعًا وإذعانًا، وامتلأَت بعد خوفها وكفرها أمنًا وإيمانًا. فجزاه اللَّه عن أمته أَفضَل الجزاءِ، وصلّى عليه صلاةً تملأُ أقطارَ الأرض والسماءِ، وسلّم تسليمًا كثيرًا. أمّا بعد: فإنّ اللَّه سبحانه غَرَسَ شجرةَ محبتِه ومعرفتِه وتوحيدِه في قلوب مَن اختارهم مِن بريّته (٤)، واختصّهم بنعمته، وفضّلهم على سائر خليقتَه. فهي (٥) ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم/ ٢٤ - ٢٥]. وكَذلِكَ (٦) شَجَرَةُ الإِيمان

стр. 94

أصلُها ثابتٌ في القلب، وفروعُها من (١) الكلام الطيّب والعمل الصالح في السماءِ، فلا تزال هذه الشجرةُ تُخرِجُ ثمرَها كلَّ وقتٍ بإِذن ربِّها من طيّب القول وصالح العمل ممَّا تقرُّ به عينُ (٢) صاحب الأصل وعيونُ حفظته وعيونُ أهله وأصحابه ومَن قرُبَ منه. فإنَّ من قرَّت عينُه باللَّه قرَّت به كلُّ عين، وأَنِسَ به كلُّ مستوحش، وطاب به كلُّ خبيث، وفرِحَ به كلُّ حزين، وأمِنَ به كلُّ خائف، وشهد به كلُّ غائب، وذكَّرتْ رؤيتُه باللَّه، فإذا رُئِيَ ذُكِرَ اللَّه. قد اطمأنَّ (٣) قلبُه باللَّه (٤)، وسكنت نفسُه إلى اللَّه، وخلصتْ محبته للَّه، وقصَرَ خوفَه من اللَّه (٥)، وجعل رجاءَه كلَّه للَّه. فإن سمع سمع باللَّه، وإن أبصرَ أبصرَ باللَّه، وإن بطش بطش باللَّه، وإن مشى مشى باللَّه. فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي. فإذا أحبَّ أحبَّ اللَّه، وإذا أبغضَ أبغض للَّه (٦)، وإذا أعطى فللّه، إذا منع فللّه. قد اتخذ اللَّه وحدَه معبودَه ومرجوَّه ومخوفَه وغايةَ قَصْدِه ومنتهى طلبِه، واتخذ رسولَه وحدَه دليلَه وإمامَه وقائدَه وسائقه (٧). فوحَّد اللَّه

стр. 95

بعبادته ومحبته وخوفه ورجائه، وأفرَدَ (١) رسوله بمتابعته والاقتداء به والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه. فله (٢) في كلِّ وقتٍ هجرتان (٣): هجرةٌ إلى اللَّه بالطلب والمحبة، والعبودية والتوكل والإنابة، والتسليم والتفويض، والخوف والرجاء، والإقبال عليه، وصدق اللَّجأ والافتقار في كلِّ نفس إليه. وهجرةٌ إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة، بحيث تكون موافقةً لشرعه الذي هو تفصيلُ محابِّ اللَّه ومرضاته، ولا يقبل اللَّه من أحد دينًا سواه، وكل عملٍ سواهُ فعيشُ النفس وحظُّها لا زادُ المعاد. وقد قال شيخ الطريقة وإمام الطائفة الجنيد بن محمد قدَّس اللَّه روحه: الطرق كلها مسدودة إلا طريقَ من اقتفى آثارَ النبي ﷺ ، فإنَّ اللَّه يقول: "وعزَّتي وجلالي لو أتوني من كلِّ طريقٍ، واستفتحوا (٤) من كل بابٍ، لما فتحتُ لَهُمْ حتَّى يدخلوا خلفك" (٥). وقال بعض العارفين: "كل عملٍ بلا متابعة فهو عيش النفس" (٦).

стр. 96

ولمَّا كانت السعادة دائرةً -نفيًا وإثباتًا- مع ما جاءَ به كان جديرًا بمن نصح نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفًا على معرفته، وإرادتَه مقصورةً على محابّه، وهذه (١) أعلى همَّة شمَّرَ إليها السابقون، وتنافسَ فيها المتنافسون. فلا جرمَ ضمَّنَّا هذا الكتابَ قواعدَ من سلوك طريق (٢) الهجرة المحمدية. وسمّيناه "طريق الهجرتين، وباب السعادتين". وابتدأناه بباب الفقر والعبودية، إذ هو باب السعادة الأعظم (٣) وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلا منه. وختمناه بذكر طبقات المكلَّفين من الجن والإنس في الآخرة ومراتبهم في دار السعادة والشقاء (٤). فجاء الكتاب غريبًا فرب معناه، عجيبًا في مغزاه، لكلِّ قومٍ منه نصيب، ولكلِّ واردٍ منه شِرْب (٥). وما كان فيه من حق وصوابٍ فمن اللَّه، هو المانُّ به، فإنَّما (٦) التوفيق بيده. وما كان فيه من خطأ وزللٍ (٧) فمنِّي ومن الشيطان، واللَّه ورسوله منه بريء (٨). فيا أيها القارئ له والناظر فيه، هذه بضاعةُ صاحبه (٩) المزجاةُ مسوقةٌ إليك، وهذا فهمه وعقلُه معروضٌ عليك. لك غُنْمُه، وعلى مؤلفه

стр. 97

غُرْمُه؛ ولك (١) ثمرتُه، وعليه عائدته. فإِنْ عدِمَ منك حمدًا وشكرًا، فلا يعدَمْ منك مغفرةً وعذرًا (٢)، وإنْ أبيتَ إلا الملامَ فبابُه مفتوحٌ، وقد: استأثرَ اللَّهُ بالثناء وبالْـ ... ـحَمْدِ وولَّى الملامةَ الرَّجُلا (٣) واللَّه المسؤول أن يجعله لوجهه خالصًا، وأن ينفع (٤) به مؤلفه وقارئه وكاتبه في الدنيا والآخرة. إنَّهُ سميع الدعاء. وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 98

فصل [في أنَّ اللَّه هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه] (١) قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر/ ١٥]. بيَّن سبحانه في هذه الآية أنَّ فقرَ العباد إليه أمرٌ ذاتيٌّ لهم لا ينفك عنهم، كما أنَّ كونَه غنيًّا حميدًا أمرٌ (٢) ذاتيٌّ له. فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمرٍ أوجبه، وفقرُ من سواه إليه أمرٌ (٣) ثابت لذاته لا لأمرٍ أوجبه. فلا يعلَّل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل (٤) هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته، لا لعلَّة أوجبت تلك الحاجة؛ كما أنَّ غنى الرب لذاته، لا لأمرٍ أوجبَ غناه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبدًا ... كما الغنى أبدًا وصفٌ له ذاتي (٥)

стр. 99

فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذَّات لا بعلَّة، وكلُّ ما يذكَرُ ويقدَّر (١) من أسباب الفقر والحاجة فهي أدلَّة على الفقر والحاجة، لا علل لذلك؛ إذ ما بالذات لا يعلَّل. فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته، فما يذكَر من إمكان وحدوث واحتياج فهي أدلَّةٌ على الفقر، لا أسبابٌ له. ولهذا كان الصوابُ في مسألة علَّة احتياج العالم إلى الرب تعالى غيرَ القولين اللذين يذكرهما (٢) الفلاسفة والمتكلمون، فإنَّ الفلاسفة قالوا: علَّة الحاجة الإمكان، والمتكلمون قالوا: علَّة الحاجة الحدوث. والصواب أنَّ الإمكان والحدوث متلازمان، وكلاهما دليل الحاجة والافتقار. وفقرُ العالم إلى اللَّه أمرٌ ذاتي لا يعلَّل، فهو فقيرٌ بذاته إلى ربِّه الغني بذاته. ثمَّ يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلَّة على هذا الفقر. والمقصود أنَّه سبحانه أخبرَ عن حقيقة العباد وذواتهم بأنَّها فقيرة إليه ، كما أخبر عن ذاته المقدَّسة وحقيقتِه أنَّه غنيٌّ حميد. فالفقرُ المطلقُ من كلِّ وجهٍ ثابتٌ لذواتهم وحقائقهم من حيث هي، والغنى المطلق من كل وجهٍ ثابتٌ لذاته تعالى وحقيقته من حيث هي. فيستحيل أن يكون العبدُ إلا فقيرًا، ويستحيل أن يكون الربُّ تعالى إلا غنيًّا، كما أنَّهُ يستحيل أن يكون العبدُ إلا عبدًا والربُّ إلا ربًّا. إذا عُرِف هذا، فالفقرُ فقران: فقرُ اضطرارٍ (٣)، وهو فقرٌ عامٌّ لا خروج لِبَرٍّ ولا فاجر عنه. وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا

стр. 100

ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا. والفقر الثاني فقرٌ اختياريٌ هو نتيجة علمين شريفين: أحدهما معرفة العبد بربه، والثاني معرفته بنفسه؛ فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجا (١) له (٢) فقرًا هو عينُ غناه وعنوانُ فلاحه وسعادته. وتفاوتُ النَّاسِ في هذا الفقرِ بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامَّة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل. فاللَّه تعالى أخرج العبد من بطن أُمه لا يعلم شيئًا، ولا يقدر على شيءٍ، ولا يملك شيئًا، ولا يقدر على عطاءٍ ولا منع، ولا ضر ولا نفع ولا شيء البتة؛ فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كمالُه أمرًا مشهودًا محسوسًا لكلِّ أحد، ومعلوم أنَّ هذا له من لوازم ذاته، وما بالذات دائم بدوامها، وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى، بل لم يزل عبدًا فقيرًا بذاته إلى بارئه وفاطره. فلمَّا أسبغ عليه نعمته، وأفاض عليه رحمته، وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرًا وباطنًا، وخلع عليه ملابس إنعامه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وعلَّمه، وأقدره، وحرَّكه، وصرَّفه (٣)، ومكَّنه من

стр. 101

استخدام بني جنسه، وسخَّر له الخيل والإبل، وسلَّطه على دواب الماءِ، واستنزال الطير من الهواء، وقهرِ الوحوش (١) العادية، وحفر الأنهار، وغرس الأشجارِ، وشقِّ الأرض، وتعلية البناءِ، والتحيّل على جميع مصالحه (٢)، والتحرز والتحفظ ممَّا (٣) يؤذيه = ظن المسكينُ أنَّ له نصيبًا من الملك، وادَّعى لنفسه ملكةً (٤) مع اللَّه، ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة، حتَّى كأنَّه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج المضطر (٥)، بل كان ذلك شخصًا آخر غيرَه؛ كما روى (٦) الإمام أحمد في مسنده من حديث بُسْر (٧) بن جِحَاش القرشي أنَّ رسول اللَّه ﷺ بصق يومًا في كفِّه فوضع عليها إصبعه ثمَّ قال: "قال اللَّه : بُنَيَّ (٨) آدم، أنَّى تعجزني! وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بُردين، وللأرض منك وئيد (٩)، فجمعتَ

стр. 102

ومنعتَ، حتى إذا بلغتِ التراقي قلتَ: أتصدّق، وأنَّى أوانُ الصدقة! " (١). ومن ههنا خُذِلَ مَن خُذِلَ ووُفِّقَ مَنْ وُفِّقَ، فحُجب المخذول عن حقيقته وأُنسيَ (٢) نفسه، فنسي فقره وحاجته وضرورَته إلى ربه، فطغى وبغى (٣) وعتا، فحقّت عليه الشقوة. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق/ ٦ - ٧] وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل/ ٥ - ١٠]. فأكملُ الخلقِ أكملُهم عبودية وأعظمهم شهودًا لفقره وحاجته (٤) وضرورته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين. ولهذا كان من دعائه ﷺ : "أصلحْ لي شأني كلَّه، ولا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين، ولا إلى أحدٍ مِن خَلْقِك" (٥).

стр. 103

وكان يدعو: "يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك" (١). يعلم (٢) ﷺ أن قلبه بيد الرحمن لا يملك هو (٣) منه شيئًا، وأنَّ اللَّه يصرفه كما يشاء، كيف وهو يتلو قوله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسراء/ ٧٤]. فضرورته ﷺ إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به، وبحسب (٤) قربه منه ومنزلته عنده، وهذا أمر إنَّما لمن بعده منه (٥) ما يرشح من ظاهر الوعاءِ. ولهذا كان أقربَ الخلق إلى اللَّه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهًا، وأرفعهم عنده منزلة؛ لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه .

стр. 104

وكان يقولُ لهم: "أيها النَّاس، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي، إنَّما أنا عبد" (١) وكان يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيحَ ابن مريم، إنَّما أنا عبد، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله" (٢). وذكره اللَّه بسمة العبودية في أشر مقاماته: مقام الإسراء، ومقام الدعوة، ومقام التحدى (٣). فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء/ ١]. وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن/ ١٩]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة/ ٢٣]. وفي حديث الشفاعة: "إنَّ المسيح يقول لهم: اذهبوا إلى محمد عبدٍ غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" (٤). فنالَ ذلك المقام بكمال عبوديته للَّه وبكمال مغفرة اللَّه له. وتأمَّل (٥) قوله في الآية: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر/ ١٥] فعلَّق الفقر إليه باسمه "اللَّه" (٦) دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر، فإنَّه

стр. 105

-كما تقدم- نوعان: فقرٌ إلى ربوبيته، وهو فقر المخلوقات بأسرها؛ وفقرٌ إلى إلاهيته (١)، وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده [الصالحين] (٢)، وهذا هو الفقر النافع. والذي يشير إليه القوم، ويتكلمون عليه، ويشمرون إليه، هو الفقر الخاص لا العام. وقد اختلفت عباراتهم عنه ووصفهم له، وكلٌّ أخبرَ عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير. [تعريف الفقر ودرجاته عند الهروي ، وتفسير كلامه] قال شيخ الإسلام الأنصاري: "الفقر اسم للبراءة من رؤية الملَكة، وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: فقر الزهاد، وهو نفضُ اليدين من الدنيا ضبطًا أو طلبًا، وإسكات اللسان عنها ذمًّا أو مدحًا، والسلامةُ منها طلبًا أو تركًا، وهذا هو الفقر الذي تكلَّموا في شرفه. الدرجة الثانية: الرجوعُ إلى السبق بمطالعة الفضل، وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال، ويمحّص من أدناس مطالعات (٣) المقامات. الدرجة الثالثة: صحة الاضطرار، والوقوعُ في يد التقطع الوحداني، والاحتباس في قيد (٤) التجريد، وهو فقر الصوفية" (٥).

стр. 106

فقوله: "الفقرُ اسمٌ للبراءة من رؤية الملكة" يعني أنّ الفقير هو الذي يجرّد رؤية الملك لمالكه الحق، فيرى نفسه مملوكة للَّه، لا يرى نفسه مالكًا بوجه من الوجوه، ويرى أعماله مستحَقّة عليه بمقتضى كونه مملوكًا عبدًا مستعملًا فيما أمره به سيّده. فنفسه مملوكة، وأعماله مستحَقّة بموجب العبودية، فليس مالكًا لنفسه ولا لشيء من ذرّاته ولا لشيء من أعماله، بل كلّ ذلك مملوك عليه مستحقّ عليه؛ كرجل اشترى عبدًا بخالص ماله ثمّ علّمه بعض الصنائع، فلمّا تعلّمها قال له: اعمل وأدِّ إليَّ، فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء. فلو حصل بيد هذا العبد من الأموال والأسباب ما حصل لم ير له فيها شيئًا، بل يراها (١) كالوديعة في يده، وأنّها أموالُ أُستاذه وخزائنُه ونعمُه، بيد عبده مستودعها (٢)، متصرّفًا فيها لسيّده لا لنفسه، كما قال عبد اللَّه ورسوله وخيرته من خلقه: "واللَّه إني لا أعطي أحدًا، ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أُمِرتُ" (٣). فهو متصرّف في تلك الخزائن بالأمر المحض تصرُّفَ العبد المحض الذي وظيفته تنفيذ أوامر سيّده. فاللَّه هو المالك الحق، وكل ما بيد خلقِه هو من أمواله وأملاكه وخزائنه، أفاضها عليهم ليمتحنهم في البذل والإمساك، وهل يكون ذلك منهم على شاهد العبودية للَّه ، فيبذل (٤) أحدهم الشيء رغبةً في ثواب اللَّه، ورهبةً من عقابه، وتقرّبًا

стр. 107

إليه، وطلبًا لمرضاته؟ أم يكون البذل والإمساك منهم صادرًا عن مراد النفس، وغلبة الهوى، وموجب الطبع، فيعطي لهواه ويمنع لهواه؟ فيكون متصرّفًا تصرّف المالك لا المملوك، فيكون مصدرُ تصرّفه الهوى ومرادَ النفس، وغايتُه الرغبةَ فيما عند الخلق من جاه أو رفعة أو منزلة أو مدح أو حظ من الحظوظ، أو الرهبةَ من فوت شيء من هذه الأشياءِ. وإذا كان مصدر تصرّفه وغايته هو هذه الرغبة والرهبة رأى نفسه لا محالة مالكًا، فادعى الملكة (١)، وخرج عن حدّ العبوديّة، ونسي فقره. ولو عرف نفسه حقّ المعرفة لعلم أنما هو مملوك ممتحَن في صورة مالك (٢) متصرّف، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [يونس/ ١٤]. وحقيق بهذا الممتحَن أن يُوكَل إلى ما ادّعته نفسه من الحالات والملكات مع المالك الحقّ سبحانه، فإنّ من ادّعى لنفسه حالةً مع اللَّه وُكِلَ إليها. ومن وُكِل إلى شيء غير اللَّه فقد أتيح (٣) له بابُ الهلاك والعطَب، وأغلق عنه بابُ الفوز والسعادة؛ فإنّ كل شيء ما سوى اللَّه باطل، ومن وُكِلَ إلى الباطل بطل عمله، وضل سعيه، ولم يحصل إلّا على الحرمان. فكلّ من تعلّق بشيء غير اللَّه (٤) انقطع به أحوجَ ما كان إليه، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ

стр. 108

الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة/ ١٦٦]. فالأسباب التي تقطعت بهم هي العلائق التي كانت (١) بغير اللَّه ولغير اللَّه، قُطِعت (٢) بهم أحوجَ ما كانوا إليها، وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلّت وبطلت اضمحلّت أسبابها وبطلت، فإنّ الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها. وكلُّ شيء هالكٌ إلّا وجهه سبحانه، فكل عمل (٣) باطلٌ إلّا ما أريد به وجهه، وكلّ سعي لغيره فباطل (٤) ومضمحل. وهذا كما يشاهده الناس في الدنيا من اضمحلال السعي والعمل والكدّ والخدمة التي يفعلها العبد لمتولٍّ أو أمير أو صاحب منصب أو مال، فإذا زال ذلك الذي عمل له وعُدِمَ ضلّ ذلك (٥) العمل، وبطل ذلك السعي، ولم يبق في يده سوى الحرمان. ولهذا يقول اللَّه تعالى يوم القيامة: "أليس عدلًا منّي أن (٦) أُولِّيَ كلَّ رجلٍ منكم ما كان يتولّى في الدنيا؟ " (٧) فيتولّى عُبّاد الأصنام والأوثان

стр. 109

أصنامَهم وأوثانَهم، فتتساقط بهم في النار. ويتولّى عابدو الشمس والقمر والنجوم آلهتهم، فإذا كوّرت الشمس، وانتثرت النجوم اضمحلّت تلك العبادة، وبطلت، وصارت حسرةً عليهم ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة/ ١٦٧]. ولهذا كان المشرك من أخسر الناس صفقةً وأغبنهم يوم معاده، فإنه يحال على مفلس كلَّ الإفلاس بل على عدم، والموحّد حوالته على المليء الكريم، فيا بُعدَ ما بين الحوالتين! وقوله: "البراءَة من رؤية الملكة". ولم يقل "من الملكة" (١) لأنّ الإنسان قد يكون فقيرًا لا ملكة له في الظاهر، وهو عرفي عن التحقّق (٢) بنعت الفقر الممدوحِ أهلُه الذين لا يرون مَلَكةً إلّا لمالكها الحقّ ذي (٣) الملك والملكوت. وقد يكون العبد قد فُوض إليه من ذلك شيءٌ وجُعِلَ كالخازن فيه، كما كان سليمان بن داود ﷺ أوتي مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وكذلك الخليل وشعيب والأغنياءُ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكذلك أغنياءُ الصحابة. فهؤلاءِ لم يكونوا بريئين من الملكة في الظاهر، وهم بريئون من رؤية الملكة لنفوسهم، فلا يرون لها ملكًا حقيقيًا، بل يرون ما في أيديهم للَّه عاريةً ووديعةً في أيديهم، ابتلاهم به لينظر هل يتصرّفون فيه تصرَّفَ العبيد أو تصرَّفَ الملّاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم.

стр. 110

فوجود المال في يد الفقير لا يقدح في فقره، إنّما يقدح في فقره رؤيته لملكته. فمن عوفي من رؤية الملكة لم يتلوّث باطنه بأوساخ المال وتعبه وتدبيره واختياره (١)، وكان كالخازن لسيّده الذي ينفّذ أوامره في ماله، فهذا لو كان بيده من المال مثل (٢) جبال الدنيا لم يضرّه. ومن لم يُعافَ من ذلك ادّعت نفسه الملكة، فتعلّقت (٣) به النفس تعلّقها بالشيء المحبوب المعشوق، فهو أكبر همّه ومبلغ علمه، إن أعطي رضي، وإن مُنع سخط. فهو عبد الدينار والدرهم، يصبح مهمومًا به (٤)، ويمسي كذلك، فيبيت (٥) مضاجعًا له. تفرح نفسه إذا ازداد، وتحزن وتأسف إذا فات منه شيء، بل يكاد يتلف إذا توهمتْ نفسه الفقر، وقد يؤثر الموت على الفقر. والأول مستغنٍ بمولاه المالك الحيّ (٦) الذي بيده خزائن السموات والأرض، وإذا أصاب المالَ الذي في يده نائبةٌ رأى أنّ المالك الحق هو الذي أصاب مال نفسه، فما للعبد وما للجزع والهلع؟ وإنّما تصرّفَ مالكُ المال في ملكه الذي هو وديعة في يد مملوكه، فله الحكم في ماله: إن شاءَ أبقاه، وإن شاءَ ذهب به وأفناه، فلا يتّهم مولاه في تصرّفه في ملكه، ويرى تدبيره هو موجب الحكمة. فليس لقلبه بالمال تعلّق،
следующие страницы →