← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس/ ٣١ - ٣٢] فمن (١) عبد غيرَ اللَّه فما عبد إلا الضلال المحض والباطل البحت. وأمَّا من عبد اللَّه بأمره، وكان في مقام التمييز بين محابه ومساخطه، مفرِّقًا بينهما، يحبّ هذا ويبغض هذا، ناظرًا بقلبه إلى ربِّه، عاكفًا بهمَّته عليه، منفِّذًا لأوامره = فهو مع الحقِّ المحض (٢). فصل [شوقهم] قال: "وشوقُهم: هربهُم (٣) من رسمهم وسماتهم استعجالًا للوصول الى غاية المنى. ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه/ ٨٤] " (٤). وقد تقدَّم الكلام في الشوق مستوفًى (٥)، وليس الهرب من الغير والضدّ هو الشوق، بل هنا مهروب منه ومهروب إليه. فالشوق هو سفر القلب نحو المحبوب، وهذا لا يتمّ إلا بالهرب من ضدّه، فليس الشوق هو نفس الهرب من الرسوم والسِّمات.

стр. 842

فصل قال: "فالإرادة (١) والزهد والتوكل والصبر والحزن والخوف والرجاء والشكر والمحبة والشوق من منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة، فإذا شاهدوا عين الحقيقة اضمحلَّت فيها أحوال المشاهدين (٢) حتَّى يفنى ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل" (٣). قلت: الحقائق التي يشار (٤) إليها على لسان أهل السلوك ثلاثة (٥): حقيقة إيمانية نبوية: وهي حقيقة العبودية التي هي كمال الحبّ وكمال الذلّ. وسير أهل الاستقامة إنَّما هو إلى هذه الحقيقة، ومنازل السير التي ينزلون فيها هي منازل الإيمان الموصلة إليها. والمنحرفون لا يرضون بهذه الحقيقة، ولا يقفون معها، ويرونها منزلةً من منازل العامَّة! الحقيقة الثانية: حقيقة كونية قدرية. يشاهدون فيها انفرادَ (٦) الربّ سبحانه بالتكوين والإيجاد وحده، وأنَّ العالم كالمَوَات (٧) يقلِّبه ويصرِّفه كيف شاء (٨). وهم يعظِّمون هذا المشهد ويرون الفناءَ فيه غايةً ما بعدها

стр. 843

شيء. وهذا من أغلاطهم في المعرفة والسلوك، فإنَّ هذا المشهد لا يدخل صاحبه في الإيمان فضلًا عن أن يكون أفضلَ مشاهد أولياء اللَّه المقرَّبين، فإنَّ عُبّاد الأصنام شهدوا هذا المشهد، ولم ينفعهم وحده. قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (١) [المؤمنون/ ٨٤ - ٨٩]. وقال تعالى (٢): ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف/ ٨٧]. ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف/ ٢٠]. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (٣) [الأنعام/ ١٤٨]. وهذا كثير من القرآن. فالفناءُ في هذا المشهد لا يُدخِل العبدَ في دائرة الإسلام، فكيف يُجعَل (٤) هو الحقيقةَ التي ينتهي إليها سيرُ السالكين، وتُجعَل حقيقةُ الإيمان ودعوةُ الرسل منزلًا (٥) من منازل العامَّة! وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد (٦) عن الصراط المستقيم، وقلب للحقائق؟ وكم قد

стр. 844

هلك في هذه الحقيقة من أمم لا يُحصيهم إلا اللَّه! وكم عطَّل (١) الواقفون معها من الشرائع، وخرَّبوا من المنازل! وما نجا من معاطبها إلا من شملته العنايةُ الربانيَّةُ، ونفذ ببصره من هذه الحقيقة إلى الحقيقة الإيمانية النبوية: حقيقةِ رسل اللَّه وأنبيائه وأتباعهم. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء. والحقيقة الثالثة: حقيقة اتحادية، بل وَحْدية (٢). لا يفرَّق فيها بين الربّ والعبد، ولا بين القديم والمحدَث، ولا بين صانع ومصنوع، بل الأمر كلّه واحد، والأمر المخلوق هو عين الأمر الخالق. وهذه الحقيقة التي يشير إلى عينها طائفةُ الاتحادية، ويعدّون من لم يكن من أهلها محجوبًا! وهذه حقيقة كفرية إلحادية (٣)، وهي مع ذلك خيال فاسد، وعقل منكوس، وذوق من عين منتنة. وكفرُ أهلها أعظمُ من كفر كل أمة، فإنَّهم جحدوا الصانعَ حقًّا، وإن أثبتوه جعلوا وجودَه وجودَ كل موجود، والذين أثبتوا الصانع سبحانه، وعدلوا به غيرَه، وسوّوا بينه وبين غيره في العبادة = مقالتُهم خيرٌ من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجودَ كلِّ موجود. وعين كل شيء (٤). تعالى اللَّه عمَّا يقول الكاذبون المفترون علوًّا كبيرًا.

стр. 845

فعليك بالفرق بين السائرين إلى عين (١) هذه الحقيقة، والسائرين إلى عين الحقيقة الكونية الحكمية، والسائرين إلى عين الحقيقة المحمَّدية الإبراهيمية الحنيفيّة التي هي حقيقة جميع الأنبياء والمرسلين. وفيها تفاوتت مراتب السالكين ومنازلهم من القرب من ربّ العالمين. قال شيخ هذه الحقيقة (٢) لما تحقَّق فناءَ تلك (٣) الرسوم وأُفولَها (٤) ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام/ ٧٩]. وهذا التوجّه يتضمَّن محبته دون غيره، وعبادته وطاعته دون غيره. فهذه هي الحقيقة حقًّا، وما سواها باطل حقيقةً. قال (٥) تعالى لأكرم خلقه عليه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل/ ١٢٣] فأمره تعالى أن يقتدي بأبيه إبراهيم في هذه الحقيقة. وكان ﷺ يعلِّم أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبيّنا محمد، وملَّة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين" (٦).

стр. 846

فنسأل اللَّه العظيم أن يهبَ لنا هذه الحقيقة، ويثبِّتنا عليها، ويُعيذَنا ممَّا سواها، إنَّه قريب مجيب (١).

стр. 847

فصل في مراتب المكلَّفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمانِ عشرةَ طبقةً (١) الطبقة الأولى وهي العليا على الإطلاق: مرتبة الرسالة. فأكرمُ الخلق على اللَّه وأخصُّهم بالزلفى لديه رسلُه، وهم المصطفون من عباده الذين سلَّم عليهم في العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات/ ١٨١]. وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات/ ٧٩] (٢)، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات/ ١٠٩ - ١١٠]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات/ ١٣٠]. وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل/ ٥٩] وكلمة السلام هنا تحتمل أن تكون داخلةً في حيّز القول، فتكون معطوفة على الجملة الخبرية، وهي "الحمد للَّه"، ويكون الأمر بالقول متناولًا للجملتين معًا، وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة، ويكون محلّها النصب محكيَّةً بالقول. ويحتمل أن تكون جملةً مستأنفةً مستقِلَّةً معطوفةً على جملة الطلب. وعلى هذا فلا محلَّ لها من الإعراب. وهذا التقدير أرجح، وعليه يكون

стр. 848

السلام من اللَّه عليهم، وهو المطابق لما تقدَّم من سلامه سبحانه على رسله. وعلى التقدير الأوَّل يكون أمرًا بالسلام عليهم، ولكن يقال على هذا: كيف يُعطَف الخبرُ على الطلب مع تنافر ما بينهما؟ فلا يحسن أن يقال: "قُمْ وذهَبَ زيد"، ولا: "اخرُجْ وقعدَ عمرو"، ويجاب (١) عن هذا (٢) بأنَّ جملة الطلب قد حكيت بجملة خبرية، ومثل هذا (٣) لا يمتنع العطف فيه بالخبر على الجملة الطلبية لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه. ونظير هذا (٤) قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس/ ١٠١]. فقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾ ليس معطوفًا على المحكي بالقول وهو "انظروا" بل معطوف على الجملة الكبرى. على أنَّ عطف الخبر على الطلب كثير، كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ [الأنبياء/ ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ [المؤمنون/ ١١٨] (٥). والمقصود أنَّه على هذا القول يكون اللَّه سبحانه قد سلَّم على المصطفين من عباده، والرسل أفضلهم. وقد أخبر سبحانه أنَّه أخلصهم بخالصةٍ ذكرى الدار، وأنَّهم عنده من المصطفَين الأخيار (٦). ويكفي في

стр. 849

فضلهم وشرفهم أنَّ اللَّه سبحانه اختصَّهم بوحيه، وجعلهم أُمَناءَ على رسالته، ووسائط (١) بينه وبين عباده، وخصَّهم بأنواع كرامته (٢): فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم من كلَّمه تكليمًا، ومنهم من رفعه (٣) على سائرهم درجات. ولم يجعل لعباده وصولًا إليه إلا من طريقهم، ولا دخولًا إلى جنته إلا من خلفهم، ولم يكرم أحدًا منهم بكرامة إلا على أيديهم؛ فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه. وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنَّما ناله العباد على أيديهم. وبهم عُرِفَ اللَّهُ، وبهم عُبدَ وأُطيع، وبهم حصلت محابّه تعالى في الأرض، وأعلاهم منزلةً أولوَ العزم منهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى/ ١٣]. وفي قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب/ ٧] (٤). وهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق، وعليهم تدور الشفاعة حتى يردّوها إلى خاتمهم وأفضلهم ﷺ . الطبقة الثانية: من عداهم من الرسل على مراتبهم من تفضيلهم بعضهم على بعض.

стр. 850

الطبقة الثالثة: الأنبياء (١) الذين لم يُرسَلوا إلى أُممهم، وإنَّما كانت لهم النبوة دون الرسالة، فاختُصُّوا عن الأمة بإيحاءِ اللَّه إليهم، وإرساله ملائكته إليهم، واختصَّت الرسلُ عنهم بإرسالهم إلى الأمة يدعونهم (٢) إلى اللَّه بشريعته وأمره، واشتركوا في الوحي ونزول الملائكة عليهم. الطبقة الرَّابعة: ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم، وهم القائمون بما بُعثوا به علمًا وعملًا ودعوةً للخلق إلى اللَّه على طريقهم ومنهاجهم. وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة، وهي مرتبة الصدِّيقية. ولهذا قرنهم اللَّه تعالى في كتابه بالأنبياء فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء/ ٦٩]، فجعل درجةَ الصدّيقية تلي (٣) درجةَ النبوة. وهؤلاء هم الربَّانيون، وهم الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول ﷺ وأمته. فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبُه وخاصَّتُه وحَمَلةُ دينه، وهم المضمون لهم أنَّهم لا يزالون على الحقِّ، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم (٤) حتَّى يأتي أمر اللَّه وهم على ذلك. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد/ ١٩]. وقد (٥) قيل: إنَّ الوقف على قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ (٦) ثمَّ يبتدئ ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيكون الكلام

стр. 851

جملتين: أخبر في إحداهما عن المؤمنين باللَّه ورسله أنَّهم هم الصدِّيقون، والإيمان التامّ يستلزم العلمَ والعملَ والدعوةَ إلى اللَّه سبحانه بالتعليم والصبرَ عليه، وأخبر في الثانية أنّ الشهداءَ عند ربّهم، لهم أجرهم ونورهم (١). ومرتبة الصدّيقين فوق مرتبة الشهداءِ، ولهذا قدّمهم عليهم في الآيتين: هنا وفي سورة النساءِ. وهكذا جاءَ ذكرُهم مقدّمًا على الشهداءِ في كلام النبيّ ﷺ في قوله: "اثبُتْ أُحدُ، فإنّما عليك نبي وصدّيق وشهيدان" (٢). ولهذا كان ندت الصدّيقية وصفًا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وهو أبو بكر الصدّيق ﵁ (٣). ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصدّيقية لكانت لقبًا (٤) له ﵁. وقيل (٥): إنّ الكلام كلّه جملة واحدة، وأخبر عن المؤمنين بأنّهم هم الصدّيقون والشهداءُ عند ربّهم، وعلى هذا فالشهداءُ هم الذين يستشهدهم اللَّه على الناس يوم القيامة، وهو قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة/ ١٤٣] وهم المؤمنون. فوصَفَهم بأنَّهم صدِّيقون في الدنيا

стр. 852

شهداءُ (١) على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداءُ وصفًا لجملة المؤمنين الصدِّيقين. وقيل: الشهداءُ هم الذين قُتِلوا في سبيل اللَّه، وعلى هذا القول يترجَّح أن يكون الكلام جملتين، ويكون قولُه "والشهداء" مبتدأً خبره ما بعده؛ لأنَّه ليس كلُّ مؤمن صدِّيقٍ شهيدًا في سبيل اللَّه. ويرجِّحه أيضًا أنَّه لو كان "الشهداء" داخلًا في جملة الخبر عن المؤمنين (٢) لكان قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد/ ١٩] داخلًا أيضًا في جملة الخبر عنهم، ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنَّهم هم الصدِّيقون، والثاني: أنَّهم الشهداء، والثالث: أنَّهم (٣) لهم أجرهم ونورهم. وذلك يتضمَّن عطف الخبر الثاني على الأوَّل، ثمَّ ذِكرَ الخبر الثالث مجرَّدًا عن العطف. وهذا كما تقول: "زيد كريم وعالم له مال". والأحسن في هذا تناسبُ الأخبار بأنَّ تُجرِّدها كلَّها من العطف، أو تعطفها جميعًا، فتقول: "زيد كريم عالم له مال". أو "كريم وعالم وله مال". فتأمَّله. ويرجِّحه أيضًا أنَّ الكلام يصير جملًا مستقلَّة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء، وهم: الصدِّيقون، والشهداءُ، والصالحون وهم المذكورون في أوَّل الآية (٤)، وهم المتصدِّقون الذين أقرضوا اللَّه قرضًا حسنًا، فهؤلاء ثلاثة أصناف. ثمَّ ذكرَ الرسُلَ في قوله تعالى: ﴿لقَدْ أَرْسَلْنَا

стр. 853

رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد/ ٢٥] فتناول (١) ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء، فهؤلاء هم السعداء. ثمَّ ذكر الأشقياء وهم نوعان: كفار، ومنافقون؛ فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾ [الحديد/ ١٩]. وذَكَر المنافقين (٢) في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ (٣) [الحديد/ ١٣]. فهؤلاء أصناف العالم كلّهم. وترك سبحانه ذكرَ المخلِّط صاحب الشائبتين على طريقة القرآن في ذكر السعداء والأشقياء دون المخلِّطين غالبًا لسرٍّ اقتضته حكمته سبحانه وتعالي. فليحذَرْ صاحب التخليط، فإنَّه لا ضمان له على اللَّه، ولا هو من أهل وعده المطلق. ولا ييأس من رَوح اللَّه، فإنَّه ليس من الكفار الذين قد (٤) قطع لهم بالعذاب، ولكنَّه بين الجنَّة والنَّار، واقف بين الوعد والوعيد، كلٌّ منهما يدعوه الي موجبه لأنَّه أتي بسببه. وهذا هو الذي لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن غلطوا في تخليده في النار. ولو نزّلوه منزلةً بين المنزلين، ووكلوه إلى المشيئة، وقالوا بأنَّه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه، لأصابوا. ولكن "منزلةٌ بين منزلتين وصاحبُها (٥) مخلَّدٌ في النَّار" ممَّا لا يقتضيه عقل ولا سمع، بل النصوص الصريحة المعلومة الصحَّة تشهد ببطلان قولهم، واللَّه أعلم.

стр. 854

وأيضًا فصاحب الشائبتين يُعلَم حكمُه من نصوص الوعد والوعيد، فإنَّ اللَّه سبحانه رتَّب على كلِّ عملٍ جزاءً في الخير والشرِّ، فإذا أتى العبد بهما كان فيه سبب الجزائين، واللَّه لا يضيّع مثقال ذرَّة. فإن كان عمل الشرّ ممَّا يوجب سقوط أثر الحسنة كالكفر كان التأثير له (١)، وإن لم يُسقطه كالمعصية ترتَّب في حقه الأثران، ما لم يسقط أحدُهما بسبب من الأسباب التي سنذكرها (٢) إن شاء اللَّه فيما بعد (٣). والمقصود أنَّ درجة الصدِّيقية والرَّبانية، ووراثة النبوة وخلافة الرسالة هي أفضل درجات الأُمة. ولو لم يكن من فضلها وشرفها إلّا أنّ كلّ من علم. بتعليمهم وإرشادهم أو علّم غيرَه شيئًا من ذلك كان لهم (٤) مثل أجره ما دام ذلك جاريًا في الأمة على آباد الدهور. وقد صحّ عن النبيّ ﷺ أنّه قال لعليّ بن أبي طالب: "واللَّهِ لأن يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعم" (٥). وصحّ عنه ﷺ أنّه قال: "من سنّ في الإسلام سنّةً حسنةً فعُمِل بها بعدَه كان له مثلُ أجر مَن عمل بها، لا ينقص ذلك (٦) من أجورهم شيئًا" (٧).

стр. 855

وصحّ عنه أنّه قال: "إذا مات العبد انقطع عملُه إلّا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له" (١). وصحَّ عنه أنَّه قال: "مَن يُردِ اللَّهُ به خيرًا يُفقِّهْه في الدِّين" (٢). وفي السنن عنه أنَّه قال: "إنَّ العالم يَسْتغفِر له مَن في السماوات ومَن في الأرضِ حتَّي النملة في جُحرِها" (٣). وعنه ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّه وملائكته يصلّون على معلِّم الناسِ الخيرَ" (٤). وعنه ﷺ أنَّه قال: "إنَّ العلماء وَرثَة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنَّما ورِّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر" (٥).

стр. 856

وعنه: "العالم والمتعلِّم شريكان في الأجر، ولا خيرَ في سائر الناس بعدُ" (١). وعنه ﷺ أنَّه قال: "نضَّر اللَّه امرأً سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها إلى من سمعها" (٢). والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا (٣)، وقد ذكرنا مائتي دليل على فضل العلم وأهله في كتاب مفرد (٤). فيا لها من مرتبةٍ ما أعلاها، ومنقبةٍ ما أجلّها وأسناها، أن يكون المرءُ في حياته مشغولًا ببعض أشغاله، أو في قبره قد صار أشلاءً متمزِّقة وأوصالًا متفرِّقة، وصحفُ حسناته متزايدةٌ تملى فيها الحسنات كلَّ وقت، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب. تلك -واللَّه- المكارم والغنائم! وفي ذلك فليتنافس

стр. 857

المتنافسون، وعليه يحسد الحاسدون! وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. وحقيق بمرتبةٍ هذا شأنُها أن تُنفَق نفائس الأنفاس عليها، ويستبق (١) السابقون إليها، وتوفَّر (٢) عليها الأوقات، وتتوجَّه نحوها الطلِبات. فنسأل اللَّه الذي بيده مفاتيح كلّ خير أن يفتح علينا خزائن رحمته، ويجعلنا من أهل هذه الصفة بمنِّه وكرمه. وأصحاب هذه المرتبة يُدعَون عظماء في ملكوت السماءِ، كما قال بعض السلف: "مَن عَلِم وعمِل وعلَّم فذلك يُدعي عظيمًا في ملكوت السماء" (٣). وهؤلاء هم العدول حقًّا بتعديل رسول اللَّه ﷺ لهم، إذ يقول فيما رُوي (٤) عنه من وجوه يُسنِد (٥) بعضها بعضًا: "يحمل هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدوله (٦)، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (٧).

стр. 858

وما أحسن ما قال فيهم الإمام أحمد في خطبة كتابه (١) "الردّ على الجهمية": "الحمد للَّه الذي جعل في كلِّ زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصّرون بنور اللَّه أهلَ العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيَوه (٢)، ومن ضالٍّ جاهلٍ قد هدَوه. فما أحسن أثرهم على النَّاس، وأقبح أثر الناس عليهم! ينفُون عن كتاب اللَّه تأويل الجاهلين، وتحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلِين" (٣). وذكر ابن وضَّاح هذا الكلام عن عمر بن الخطاب ﵁ (٤). الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته الذين تأمَنُ (٥) بهم السبُل، ويستقيم بهم العالم، ويستنصر بهم الضعيف، ويذِلّ بهم الظالم، ويأمن بهم الخائف، وتُقام بهم الحدود، ويُدفع بهم الفساد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقام بهم حكمُ الكتاب والسنَّة، وتُطفأ بهم نيران البدع والضلالة. وهؤلاء هم (٦) الذين تُنصَب لهم المنابر من النور عن يمين الرحمن يوم القيامة فيكونون عليها. والولاةُ الظلَمة قد صهرهم حرُّ الشمس، وقد بلغ منهم العرَقُ مبلغه، وهم يحملون أثقال مظالمهم

стр. 859

العظيمة على ظهورهم الضعيفة في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألف سنةٍ، ثمَّ يُرى (١) سبيل أحدهم إمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار. قال النبيّ ﷺ : "المقسطون عند اللَّه (٢) على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن ﵎، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما وَلُوا" (٣). وعنه ﷺ : "إنَّ أحبَّ الخلق إلى اللَّه وأقربَهم منزلةً منه (٤) يوم القيامة إمامٌ عادل، وإنَّ أبغض الخلق إلى اللَّه وأبعدَهم منه منزلةً يوم القيامة إمامٌ جائر" (٥) أو كما قال. وهم أحد السبعة الأصناف الذين يظلّهم اللَّه في ظل عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه. وكما كان الناس في ظلّ عدلهم في الدنيا، كانوا هم (٦) في ظل عرش الرحمن يوم القيامة ظلًّا بظلٍّ جزاءً وِفاقًا. ولو لم يكن من فضلهم وشرفهم إلا أنَّ أهل السماوات والأرض والطيرَ في الهواءِ يصلّون عليهم ويستغفرون لهم ويدعون لهم، وولاة

стр. 860

الظلم يلعنهم مَن بين السماء (١) والأرض حتَّى الدوابّ (٢) والطير. كما أنَّ معلِّم الناسِ الخيرَ يصلّي عليه اللَّه وملائكته، وكاتمُ العلم والهدى الذي أنزله اللَّه وحاملُ أهله على كتمانه يلعنه اللَّه وملائكته ويلعنه اللاعنون. فيا لها من منقبة ومرتبة ما أجلّها وأشرفها: أن يكون الوالي والإمام على فراشه، وغيرُه (٣) يعمل بالخير، وتكتَب الحسناتُ في صحائفه! فهي متزايدة ما دام يعمل بعدله، ولساعة واحدة منه خير من عبادة أعوام من غيره! فأين هذا من صفة (٤) الغاشّ لرعيته، الظالم لهم، الذي (٥) قد حرَّم اللَّه عليه الجنَّة وأوجب له النار! ويكفي في فضله وشرفه أنَّه يكفّ عن اللَّه دعوة المظلوم، كما في الآثار: "أيها الملِك المسلَّط المغرور، إنِّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لتكفّ عنِّي دعوةَ المظلوم، فإنِّي لا أحجبُها ولو كانت من كافر" (٦). فأين من هو نائم، وأعينُ العباد ساهرةٌ تدعو اللَّه له؛ وآخرُ أعينُهم ساهرةٌ تدعو عليه؟

стр. 861

الطبقة السادسة: المجاهدون في سبيل اللَّه، وهم جند اللَّه الذين يقيم بهم دينه (١)، ويدفع بهم بأس أعدائه، ويحفظ بهم بيضة الإسلام، ويحمي بهم حوزة الدين. وهم الذين يقاتلون أعداءَ اللَّه ليكون الدين كله للَّه، وتكون كلمة اللَّه هي العليا، قد بذلوا أنفسهم في محبَّةِ اللَّه ونصرِ دينه وإعلاء كلمته ودفع أعدائه. وهم شركاءُ لكل من يحمونه بسيوفهم، في أعمالهم التي يعلَمونها، وإن تناءتْ ديارهم (٢)، ولهم مثل أجور مَن عَبَد اللَّه (٣) بسبب جهادهم وفتوحهم، فإنَّهم كانوا هم السبب فيه. والشارع قد نزَّل المتسبّبَ منزلةَ الفاعل التامّ في الأجر والوزر، ولهذا كان الداعي إلى الهدى والداعي إلى الضلال لكلّ منهما بتسبّبه مثلُ أجر من اتَّبعه (٤). وقد تظافرت (٥) آيات الكتاب وتواترت نصوص السنَّة على الترغيب في الجهاد، والحضِّ عليه، ومدحِ أهله، والإخبار عمَّا لهم عند ربِّهم من أنواع الكرامات والعطايا الجزيلات. ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَي تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ [الصف/ ١٠] فتشوفت (٦) النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التي الدالُّ عليها ربُّ العالمين العليم الحكيم، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. فكأنَّ النفوس ضنَّت بحياتها وبقائها، فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 862

تَعْلَمُونَ (١١)﴾ يعني أنَّ الجهاد خير لكم من قعودكم طلبًا (١) للحياة والسلامة. فكأنَّها (٢) قالت: فما لنا في هذا (٣) الجهاد من الحظّ؟ فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ مع المغفرة ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. فكأنّها (٤) قالت: هذا في الآخرة فماذا لنا (٥) في الدنيا؟ فقال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فلله ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبًا لها وتسييرًا إلى ربِّها، وما ألطف موقعها من قلب كلّ محبّ! وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشَه (٦) حين تباشره معانيها! فنسأل اللَّه من فضله إنَّه جوادٌ كريم. ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة/ ١٩ - ٢٢]. فأخبر سبحانه أنَّه لا يستوي عنده عُمَّار المسجد الحرام -وهم عُمَّاره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن- وأهلُ سقاية الحاج، لا يستوون

стр. 863

هم وأهل الجهاد في سبيله (١). وأخبر أنَّ المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنَّهم هم الفائزون، وأنَّهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنَّات. فنفي التسوية بين المجاهدين وعمَّار المسجد الحرام بأنواع العبادة (٢)، مع ثنائه على عُمَّاره بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة/ ١٨]. فهؤلاء هم عمَّار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند اللَّه منهم. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء/ ٩٥ - ٩٦]. فنفى سبحانه التسويةَ بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثمَّ أخبر عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة، ثمَّ أخبر عن تفضيلهم عليهم درجات. وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من النَّاس، من جهة أنَّ القاعدين الذين فُضِّل عليهم المجاهدون بدرجة إن كانوا هم أولي الضرر، والقاعدون الذين فُضِّل عليهم المجاهدون (٣) بدرجات هم غير أُولي الضرر؛ فيكون (٤) المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقًا، وعلى

стр. 864

هذا فما وجه استثناء أولي الضرر من القاعدين، وهم لا يستوون هم (١) والمجاهدون أصلًا؟ فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدًا. فهذا وجه الإشكال، ونحن نذكر ما قاله هؤلاء في الآية، ثمَّ نذكر (٢) ما يزيل الإشكال بحمد اللَّه. فاختلف القرَّاء في إعراب "غير"، فقرئ رفعًا ونصبًا، وهما في السبعة (٣). وقرئ بالجرّ في غير السبعة، وهي قراءة أبي حيوة (٤). فأمَّا قراءة النصب فعلى الاستثناء؛ لأنّ "غيرًا" تعرب في الاستثناء إعرابَ الاسم الواقع بعد إلا، وهو النصب هنا (٥)، هذا هو الصحيح. وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال، أي: لا يستوي القاعدون غيرَ مضرورين، أي: لا يستوون في حال صحَّتهم هم والمجاهدون (٦).

стр. 865

والاستثناء أصحّ، فإنَّ "غيرًا" (١) لا تكاد تقع حالًا في كلامهم إلا مضافةً إلى نكرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة/ ١٧٣]، الأنعام/ ١٤٥، النحل/ ١١٥]، وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة/ ١]، وقوله ﷺ : "مرحبًا بالوفد غيرَ خزايا ولا ندامى" (٢). فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعةً لما قبلها، كقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة/ ٧]. ولو قلت: "مرحبًا بالوفد غيرِ الخزايا ولا الندامى". لجررتَ "غيرًا" (٣). هذا هو المعروف من كلامهم. والكلام في عدم تعرّف "غير" بالإضافة وحسنِ وقوعها إذ ذاك حالًا، له مقام آخر. وأمَّا الرفع فعلى النعت للقاعدين، هذا هو الصحيح. وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدأ محذوف، تقديرُه: الذين هم غير أولي الضرر (٤). والذي حمله على هذا ظنُّه أنَّ غيرًا لا تقبل التعريف بالإضافة، فلا تجري صفةً للمعرفة. وليس مع من ادَّعى ذلك حجَّةٌ يعتمد عليها سوى قولهم (٥): إنَّ غيرًا توغَّلت في الإبهام فلا تتعرَّف بما تضاف إليه. وجواب هذا: أنَّها إذا دخلت بين متقابلين لم يكن فيها إبهام

стр. 866

لتعيينها ما تضاف إليه (١). وأمَّا قراءَة الجرّ ففيها وجهان أيضًا، أحدهما -وهو الصحيح- أنَّه نعت للمؤمنين. والثاني -وهو قول المبرّد- أنَّه بدل منه، بناءً على أنَّه نكرة فلا تُنعت به المعرفة (٢). وعلى الأقوال كلّها فهو مُفهِم (٣) معني الاستثناءِ، وأنَّ نفيَ التسوية غيرُ مسلَّط على ما أضيف إليه "غير" (٤). وقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (٥) هو مبيّن لمعني نفي المساواة. قالوا: والمعنى فضَّل اللَّه المجاهدين على القاعدين (٦) من أولي الضرر درجةً واحدةً لامتيازه عنه (٧) بالجهاد بنفسه وماله. ثمَّ أخبر سبحانه أنَّ الفريقين كليهما موعود بالحسنى فقال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: المجاهد والقاعد المضرور، لاشتراكهم (٨) في الإيمان.

стр. 867

قالوا: وفي هذا دليل على تفضيل الغنيّ المنفِق على الفقير، لأنَّ اللَّه سبحانه أخبر أنَّ المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد، وقدَّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس. وأمَّا الفقير فنفى عنه الحرَجَ بقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة/ ٩٢] فأين مقام من حَكمَ له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرَج! قالوا: فهذا حكم القاعد من أولي الضرر والمجاهد. وأمَّا القاعد من غير أولي الضرر فقال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء/ ٩٥ - ٩٦]. وقوله ﴿دَرَجَاتٍ﴾ قيل: هو نصب على البدل من قوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) وقيل: تأكيد له وإن كان بغير لفظه؛ لأنَّه هو في المعنى (٢). قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة (٣). وقال ابن زيد: الدرجات التي فُضِّل بها المجاهدُ على القاعد سبع، وهي التي ذكرها اللَّه تعالى في براءة إذ يقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذه خمس. ثمَّ قال ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة/ ١٢٠ - ١٢١]،

стр. 868

فهاتان اثنتان (١). وقيل: الدرجات سبعون درجة، ما بين الدرجتين حُضْرُ الفرَس الجواد المضمَّر سبعين سنة (٢). والصحيح أنَّ الدرجات هي المذكورة في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري (٣) في صحيحه عنه (٤) عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "من آمن باللَّه ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان فإنَّ حقًّا على اللَّه أن يُدخله الجنَّة، هاجر في سبيل اللَّه أو جلس في أرضه التي ولد فيها" قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نخبر الناس بذلك؟ قال: "إنَّ في الجنة مائة درجة أعدَّها اللَّهُ للمجاهدين في سبيله، كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس فإنَّه أوسط الجنَّة وأعلى الجنَّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة". قالوا: وجعل سبحانه التفضيل الأوَّل بدرجةٍ فقط، وجعله ههنا بدرجاتٍ ومغفرة ورحمة، وهذا يدلّ على أنَّه تفضيل (٥) على غير أولي الضرر. فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه. ولكن يبقى (٦) أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقًا لزم أن لا يستوي مجاهد وقاعد مطلقًا، فلا يبقى في تقييد

стр. 869

القاعدين بكونهم من غير أولي الضرر فائدة، فإنَّه لا يستوي المجاهدون والقاعدن من أولي الضرر أيضًا. وأيضًا فإنَّ القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولي الضرر، لا القاعدون الذين هم أولو الضرر. فإنَّهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم، وبيَّن أنَّ التفضيل على غيرهم. فاللام في "القاعدين" للعهد، والمعهود هم غير أولي الضرر لا المضرورون. وأيضًا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما ثبت (١) عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "إذا مرض العبدُ أو سافر كُتِبَ له من العمل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" (٢)، وقال: "إنَّ بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وهم معكم" قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة، حَبَسهم العذرُ" (٣). وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلَّت على أنَّ القاعدين من غير أولي الضرر عن الجهاد (٤) لا يستوون هم والمجاهدون، وسكتت عن القاعدين من أولي الضرر، فلم تدل على (٥) حكمهم بطريق منطوقها. ولا يدلّ مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى

стр. 870

معذور من أهل الجهاد غلَبَه عذرُه وأقعده عنه، ونيته جازمةٌ لم يتخلّف عنها مقدورُها، وإنَّما أقعده العجزُ، فهذا الذي تقتضيه أدلَّة الشرع أنَّ له مثل أجر المجاهد. وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية، وهذا لأنَّ قاعدة الشريعة: أنَّ العزم التامّ إذا اقترن به ما يمكن من القول (١) أو مقدّمات الفعل نزِّل صاحبُه في الثواب والعقاب منزلةَ الفاعل التامّ، كما دلَّ عليه قوله ﷺ : "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٢). وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبي كبشة الأنماري عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّما الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقه اللَّه مالًا وعلمًا، فهو يتّقي في ماله ربّه، ويصِلُ به رحمه، ويعلم للَّه فيه حقًّا؛ فهذا بأحسن المنازل عند اللَّه (٣). وعبدٌ رزقه اللَّه علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملتُ فيه بعمل فلان؛ فهو بنيّته، وهما في الأجر سواءٌ، وعبدٌ رزقه اللَّه مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو لا يتّقي في ماله ربّه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقًّا؛ فهذا بأسوأ المنازل عند اللَّه. وعبدٌ لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملتُ بعمل فلان، فهو بنيّته، وهما في الوزر سواء" (٤). فأخبر - صلي اللَّه عليه وسلم - أنَّ وزر الفاعل والناوي

стр. 871

الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواءٌ؛ لأنَّه أتي بالنية ومقدوره التامّ. وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته (١). وكذلك المقتول الذي سلَّ السيفَ، وإرادتُه (٢) قتلُ أخيه المسلم، فقُتِل، نُزِّل منزلةَ القاتل لنيّته التامَّة التي اقترن بها مقدورُها من السعي والحركة. ومثل هذا قوله ﷺ : "من دلَّ على خير فله مثلُ أجر فاعله" (٣) فإنَّه بدلالته ونيّته نزل منزلة الفاعل. ومثله من دعا إلى هدًى فله مثلُ أجور من اتَّبعه، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثلُ آثام من اتَّبعه (٤)؛ لأجل نيَّته واقتران مقدورها بها من الدعوة. ومثله إذا جاء المصلِّي إلى المسجد ليصلِّي جماعةً، فأدركهم وقد صلَّوا، فصلَّى وحده، كُتِبَ له مثلُ أجر صلاة الجماعة بنيّته وسعيه، كما قد جاءَ مصرَّحًا به في حديث مروي (٥). ومثل هذا مَن كان له وردٌ يصليه من الليل فنام، ومن نيَّته أن يقوم إليه فغلبه عنه (٦) نومٌ، كُتِبَ له أجرُ وردِه، وكان نومُه عليه صدقةً (٧).

стр. 872

ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله، فشغل عنه بالمرض والسفر، كتب له مثلُ يمله وهو صحيح مقيم (١). ومثله: "من سأل اللَّه الشهادة بصدقٍ بلَّغه اللَّه منازلَ الشهداء، ولو مات على فراشه" (٢). ونظائر ذلك كثيرة. والقسم الثاني معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازمٌ عليه عزمًا تامًّا. فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل اللَّه، بل قد فضّل اللَّه المجاهد (٣) عليه وإن كان معذورًا، لأنَّه (٤) لا نية له تُلحِقه بالفاعل التامّ، كنية أصحاب القسم الأوَّل. وقد قال النبيّ ﷺ في حديث عثمان بن مظعون (٥): "إنَّ اللَّه قد أوقع أجرَه على قدر نيّته" (٦). فلمَّا كان القسم المعذور فيه هذا التفصيل لم يجز أن يساوي بالمجاهد مطلقًا، ولا ينفي عنه المساواة مطلقًا. ودلالةُ المفهوم لا عمومَ لها، فإنَّ العموم إنَّما هو من أحكام الصيغ العامة وعوارض

стр. 873

الألفاظ. والدليلُ الموجِب للقول بالمفهوم لا يدلّ على أنَّ له عمومًا يجب اعتباره، فإنَّ أدلَّة المفهوم ترجع إلى شيئين: أحدهما التخصيص، والآخر التعليل. فأمَّا التخصيص فهو أنَّ تخصيص الحكم بالمذكور يقتضي نفيَ الحكم عمَّا عداه وإلا بطلت فائدة التخصيص. وهذا لا يقتضي العمومَ وسلبَ حكمِ المنطوق عن جميع صور المفهوم، لأنَّ فائدة التخصيص قد تحصل بانقسام صور المفهوم إلى ما يسلب الحكمَ عن بعضها، ويثبته لبعضها، وبثبوت تفصيل (١) فيه فيثبت له حكم المنطوق على وجه دون وجه، إمَّا بشرط لا تجب مراعاته في المنطوق، وإمَّا في وقت دون وقت. بخلاف حكم المنطوق فإنَّه ثابت أبدًا؛ ونحو ذلك من فوائد التخصيص. وإذا كانت فائدة التخصيص حاصلة بالتفصيل والانقسام، فدعوى لزوم العموم من التخصيص دعوى باطلة، فإثباته مجرد التحكم. وأمَّا التعليل فإنَّهم قالوا: ترتيب الحكم على هذا الوصف المناسب له يقتضي نفيَ الحكم عمَّا عداه، وإلا لم يكن الوصف المذكور علَّة. وهذا أيضًا لا يستلزم عموم النفي عن كلِّ ما عداه، وإنَّما غايته اقتضاؤه نفيَ الحكم المترتّب (٢) على ذلك الوصف عن الصور المنتفي (٣) عنها الوصفُ. وأمَّا نفيُ الحكم جملةً فلا، لجواز (٤) ثبوته بوصف آخر وعلَّة

стр. 874

أخرى، فإنَّ الحكم الواحد بالنوع يجوز تعليله بعلل مختلفة. وفي الواحد بالعين كلام ليس هذا موضعه. ومثال هذا ما نحن فيه فإنَّ (١) قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء/ ٩٥] لا يدلّ على مساواة المضرورين للمجاهدين (٢) مطلقًا من حيث الضرورة، بل إن ثبتت المساواة فإنَّها معلَّلة بوصف آخر، وهي النية الجازمة والعزم التامّ؛ والضرر المانع من الجهاد في تلك (٣) الحال لا يكون مانعًا من المساواة في الأجر، واللَّه أعلم. والمقصود الكلام على طبقات الناس في الآخرة. وأمَّا النصوص والأدلّة الدّالّة على فضل الجهاد وأهله، فأكثر من أن تُذكرَ هنا. ولعلَّها (٤) أن تفرد في كتاب على هذا النمط إن شاء اللَّه. فهذه الدرجات الثلاث هي درجات السبق، أعني درجة العلم والعدل والجهاد. وبها سبق الصحابة ﵃، وأدركوا مَن قبلهم، وفاتوا مَن بعدهم، واستولوا على الأمد البعيد، وحازوا قصَبات العلى. وهم (٥) كانوا السبب في بلوغ (٦) الإسلام إلينا وفي تعليم كلّ خير وهدى وسبب تُنال به السعادة والنجاة. وهم أعدل الأمّة فيما وَلُوه، وأعظمُها جهادًا في سبيل اللَّه. والأمة في آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة،

стр. 875

فلا ينال أحد منهم مسألةَ علمٍ نافعٍ إلا على أيديهم ومن طريقهم ينالها، ولا يسكن بقعةً من الأرضِ آمنًا إلا بسبب جهادهم وفتوحهم، ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدًى إلا كانوا هم السبب في وصوله (١) إليه. فهم الذين فتحوا البلاد بالسيف، والقلوب بالإيمان، وعمروا البلاد بالعدل، والقلوب بالعلم والهدي؛ فلهم من الأجر بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة مضافًا إلى أجر أعمالهم التي اختصُّوا بها، فسبحان من يختص بفضله ورحمته من يشاء. وإنَّما نالوا هذا بالعلم، والجهاد، والحكم بالعدل؛ وهذه مراتب السبق التي يهبها اللَّه لمن يشاء من عباده. الطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان إلى النَّاس بأموالهم على اختلاف حاجاتهم ومصالحهم، من تفريج كرباتهم، ودفع ضروراتهم، وكفايتهم في مهمَّاتهم. وهم أحد الصنفين اللذين قال النبيّ ﷺ فيهم: "لا حسد إلا في اثنتين (٢): رجلٌ آتاه اللَّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها الناس، ورجلٌ آتاهُ اللَّه مالًا وسلَّطه على هَلَكتِه في الحقِّ" (٣). يعني أنَّه لا ينبغي لأحد أن يغبط أحدًا على نعمة ويتمنَّى مثلها إلا أحد هذين. وذلك لما فيهما من النفع العام (٤) والإحسان المتعدِّي إلى الخلق: فهذا ينفعهم بعلمه (٥)، وهذا ينفعهم بماله. "والخلق كلّهم

стр. 876

عيال اللَّه، وأحبُّهم إليه أنفعهم لعياله" (١). ولا ريبَ أنَّ هذين الصنفين من أنفع النَّاس لعيال اللَّه، ولا يقوم أمر النَّاسِ إلا بهذين الصنفين، ولا يعمر العالم إلا بهما. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة/ ٢٦٢]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة/ ٢٧٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ [الحديد/ ١٨]. وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة/ ٢٤٥]. وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾ [الحديد/ ١١]. فصدَّر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب، وهو الاستفهام المتضمّن لمعنى الطلب، وهو أبلغ في اللطف (٢) من صيغة الأمر. والمعنى: هل أحد يبذل هذا القرض الحسن، فيجازي عليه أضعافًا مضاعفَة؟

стр. 877

وسمَّى ذلك الإنفاقَ قرضًا (١) حثًّا للنفوس وبعثًا لها على البذل، لأنَّ الباذل متى علم أنَّ عين ماله يعود إليه ولا بدَّ، طوَّعت له نفسُه بذلَه، وسهُل عليه إخراجُه. فإن علم أنَّ المستقرض مليٌّ وفيٌّ محسنٌ كان أبلغ في طيب قلبه وسماحة نفسه. فإن علم أنَّ المستقرض يتَّجر له بما أقرضه (٢)، وينمّيه له، ويثمِّره حتى يصير أضعاف ما بذله، كان بالقرض أسمحَ وأسمحَ. فإن علم أنَّه مع ذلك كلّه يزيده من فضله وعطائه أجرًا آخرَ من غير جنس القرض، وأنَّ ذلك الأجر حظٌّ عظيم وعطاءٌ كريم، فإنَّه لا يتخلَّف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل والشحّ أو عدم الثقة بالضمان، وذلك من ضعف إيمانه؛ ولهذا كانت الصدقة برهانًا لصاحبها. وهذه الأمور كلّها تحت هذه الألفاظ التي تضمّنتها الآية، فإنَّه سبحانه سمَّاه قرضًا، وأخبر أنَّه هو المقترض لا قرضَ حاجةٍ ولكن قرضَ إحسانٍ إلى المقرض، واستدعاءً لمعاملته ليعرف (٣) مقدار الربح، فهو الذي أعطاه ماله، واستدعى منه معاملته به. ثمَّ أخبر عمَّا يرجع إليه بالقرض وهو الأضعاف المضاعفة. ثمَّ أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة، وهو الأجر الكريم. وحيث جاءَ هذا الإقراض (٤) في القرآن قيَّده بكونه حسنًا، وذلك يجمع أمورًا ثلاثة: أحدها: أن يكون من طيِّب ماله، لا من رديئه

стр. 878

وخبيثه. الثاني: أن يخرجه طيبةً به نفسُه، ثابتةً عند بذله، ابتغاءَ مرضاة اللَّه. الثالث: أن لا يمنّ به ولا يؤذي. فالأوَّل يتعلَّق بالمال، والثاني يتعلَّق بالمنفِق بينه وبين اللَّه، والثالث بينه وبين الآخذ. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة/ ٢٦١]. وهذه الآية كأنَّها كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التي يضاعفها للمقرِض، ومثَّله (١) سبحانه بهذا المثل إحضارًا لصورة التضعيف في الأذهان بهذه الحبّة التي غُيِّبت في الأرض، فأنبتت سبع سنابل، في كلِّ سنبلة مائة حبة، حتَّى كأنَّ القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته، كما تنظر العين إلى هذه السنابل التي هي (٢) من الحبّة الواحدة. فينضاف الشاهد العِياني إلى الشاهد الإيماني القرآني، فيقوي إيمانُ المنفِق، وتسخو نفسه بالإنفاق. وتأمَّلْ كيف جمع السنبلة في هذه الآية على سنابل، وهي من جموع الكثرة، إذ المقام مقام تكثير وتضعيف؛ وجمعها على سنبلات في قوله: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف/ ٤٣] فجاءَ بها على جمع القلَّة، لأنَّ السبعة قليلة، ولا مقتضى للتكثير. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قيل: المعنى واللَّه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء، لا لكل منفق، بل يختص برحمته من يشاء.

стр. 879

وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق في نفسه، وفي صفات المنفِق وأحواله، وفي (١) شدَّة الحاجة وعظم النفع (٢) وحسن الموقع. وقيل: واللَّه يضاعف لمن يشاء فوق ذلك، فلا يقتصر به على السبعمائة، بل يجاوز في المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة (٣). واختلف في تقدير (٤) الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل اللَّه كمثل حبَّة. وقيل: مثل الذين ينفقون في سبيل [اللَّه] (٥) كمثل باذر حبَّه، ليطابق الممثَّلُ الممثَّلَ به (٦). فهنا أربعة أمور: منفِق، ونفقة، وباذر، وبَذْر، فذكر سبحانه من كلِّ شقٍّ أهمَّ قسميه، فذكر من شقّ الممثّل المنفِق، إذ المقصود ذكر حاله وشأنه؛ وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها. وذكر من شقّ الممثَّل به البَذْرَ إذ هو المحلّ الذي حصلت فيه المضاعفة، وترك ذكر الباذر لأنَّ الغرض (٧) لا يتعلَّق بذكره. فتأمَّل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمّن لغاية البيان. وهذا كثير في أمثال القرآن، بل عامتها ترد على هذا النمط. ثمَّ ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقَين لسياقها، وهما "الواسع العليم". فلا يستبعدْ العبد هذه المضاعفة، ولا يضِق (٨) عنها

стр. 880

عَطَنُه, فإنَّ المضاعِف سبحانه واسع العطاء، واسع الغني، واسع الفضل. ومع ذلك فلا يظنَّ أنَّ سعة عطائه تقتضي حصولها لكلِّ منفِق، فإنَّه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقّها ولا هو أهل لها؛ فإنَّ كرمه -سبحانه- وفضله لا يناقض حكمتَه، بل يضع فضله مواضعه بسعته (١) ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه. ثمَّ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة/ ٢٦٢]. هذا بيان للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون في سبيله، أي: في مرضاته والطريق الموصلة إليه، ومن أهمّها (٢) سبيل الجهاد. فـ "سبيل اللَّه" (٣) خاصّ وعامّ، والخاصّ جزءٌ من السبيل (٤) العامّ. وأن لا يتبع صدقتَه بمن ولا أذى، فالمنّ نوعان: أحدهما: مَنٌّ بقلبه من غير أن يصرّح به بلسانه. وهذا وإن لم يُبطل الصدقة فهو يمنعه شهودَ (٥) منَّة اللَّه عليه في إعطائه المال وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه؛ فللّه المنَّة عليه من كلِّ وجه، فكيف يشهد قلبُه منَّةً لغيره؟
следующие страницы →