← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وهذه الطرق ضعيفة. فإنَّ يزيد الرقاشي واهٍ، وفضيل بن سليمان متكلَّم فيه (١)، وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف. المذهب السابع: أنَّ حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، فلا يفرَدون عنهم بحكم في الدارين. فكما هم منهم في الدنيا، فهم منهم في الآخرة. والفرق بين هذا المذهب وبين (٢) مذهب من يقول: هم في النَّار، أن صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعًا لهم، حتَّى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنَّار. وصاحب القول الآخر يقول: هم في النَّار لكونهم ليسوا بمسلمين، ولم يدخلوها تبعًا. وهؤلاء يحتجّون بحديث عائشة الذي تقدَّم ذكره، واحتجّوا بما في الصحيحين (٣) عن الصعب بن جثَّامة قال: سئل رسولُ اللَّه ﷺ عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون (٤) فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم" (٥). ومثله من حديث الأسود بن سريع. وقد تقدَّم حديث أبي وائل عن ابن مسعود يرفعه: "الوائدة والموؤودة في النار". وهذا يدلّ على أنَّها إنَّما (٦) كانت في النار تبعًا لها.

стр. 947

قالوا: ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ (١) [الطور/ ٢١]. فهذا يدلّ على أنَّ إتباع الذرية لآبائهم ونجاتَهم إنَّما كان إكرامًا لآبائهم وزيادةً في ثوابهم، وأنَّ الإتباع إنَّما استُحِق (٢) بإيمان الآباء. وإذا (٣) انتفى إيمان الآباء انتفى إتباعُ النجاة، وبقي إتباعُ العذاب. ويفسّره قوله ﷺ : "هم منهم". وأجيب عن حجج هؤلاء: أمَّا حديث عائشة الذي فيه أنَّهم في النار، فقد تقدّم ضعفه. وأمَّا حديثها الآخر: "هم من آبائهم" فمثل حديث الصعب والأسود بن سريع، وليس فيه تعرُّضٌ للعذاب بنفي ولا إثبات. وإنَّما فيه أنهم تَبَعٌ لآبائهم في الحكم، وأنَّهم إذا أصيبوا في الجهاد والبَيات لم يُضمَنوا بدية ولا كفَّارة. وهذا مصرَّح به في حديث الصعب والأسود أنَّه في الجهاد. وأمَّا حديث عائشة الآخر فضعَّفه غيرُ واحد. قالوا: وعبد اللَّه بن أبي قيس مولى غُطَيف راويه عنها ليس بالمعروف فيُقْبلَ حديثُه. وعلى تقدير ثبوته، فليس فيه تصريح بأنَّ السؤال وقع عن الثواب والعقاب. والنبى ﷺ قال: "هم من آبائهم". ولم يقل: "هم معهم"، وفرقٌ بين الحرفين. وكونهم منهم لا يقتضي أن يكونوا معهم في أحكام الآخرة، بخلاف

стр. 948

كونهم منهم (١)، فإنَّه يقتضي أن تثبت لهم أحكام الآباء في الدنيا من التوارث والحضانة والنسب وغير ذلك من أحكام الإيلاد. واللَّه تعالى يُخرج الطيبَ من الخبيث، والمؤمن من الكافر. وأمَّا حديث ابن مسعود فليس فيه أنَّ هذا حكم كلّ واحد من أطفال المشركين. وإنَّما يدلّ على أنَّ بعض أطفالهم في النَّار، وأنَّ من هذا الجنس -وهن الموؤودات- مَن يدخل النَّار، وكونُها موؤودة لا يمنع من دخولها النَّار بسبب آخر، وليس المراد أنَّ كونها موؤودة هو السبب الموجب لدخول النَّار، حتى يكون اللفظ عامًّا في كلِّ موؤودة. وهذا ظاهر، ولكن كونها موؤودة لا يودّ عنها النار إذا استحقَّتها بسبب، كما سيأتي بيانه بعد هذا إن شاء اللَّه. وأحسن من هذا أن يقال: هي في النار ما لم يوجَد سببٌ يمنع من دخولها النَّار، كما سنذكره إن شاء اللَّه. ففرق بين أن تكون جهةُ كونها موؤودةُ هي التي استحقَّت بها دخول النَّار، وبين كونها غيرَ مانعة من دخول النار بسبب آخر. وإذا كان تعالى يسأل الوائدة عن وأد ولدها بغير استحقاق، ويعذِّبها على وأدها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ [التكوير/ ٨]، فكيف يعذّب الموؤودة بغير ذنب، وهو سبحانه (٢) لا يعذَب من وأَدها بغير ذنب؟ وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٣) [الطور/ ٢١] فهذه الآية تدلّ على أنَّ اللَّه سبحانه يُلحِق ذرّيةَ المؤمنين بهم

стр. 949

في الجنَّة، وأنَّهم يكونون معهم في درجتهم. ومع هذا فلا يتوهّم نزول الآباء إلى درجة الذرية، فإنَّ اللَّه لم يَلِتْهُمْ -أي: لم ينقصهم- من أعمالهم شيئًا، بل رفع ذرّيتهم (١) إلى درجاتهم مع توفير أجور الآباء عليهم. لما كان إلحاق الذرّية بالآباء في الدرجة إنَّما هو بحكم التبعية لا بالأعمال، ربما توهَّم متوهّم أنَّ ذرّية الكفار يلحقون بهم في العذاب تبعًا وإن لم يكن لهم أعمال الآباء، فقطع تعالى هذا التوفم بقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾. وتأمَّل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ (٢) [الطور/ ٢١]، كيف أتى بالواو العاطفة في إتباع الذرية، وجَعَلَ الخبر (٣) عن المؤمنين الذين هذا شأنهم، فجعل الخبر مستحَقًّا بأمرين: أحدهما: إيمان الآباء، والثاني: إتباع اللَّه ذريتَهم إيَّاهم. وذلك لا يقتضي أنَّ كل مؤمن يَتبعه كلُّ ذرية له، ولو أريد هذا المعنى لقيل: والذين آمنوا تتبعهم ذرّياتُهم. فعطفُ الإتباع بالواو يقتضي أن يكون المعطوف بها قيدًا وشرطًا في ثبوت الخبر، لا حصوله لكلِّ أفراد المبتدأ. وعلى هذا يخرَّج ما رواه مسلم في صحيحه (٤) عن عائشة قالت: أُتي النبيُّ ﷺ بصبي من الأنصار يصلّي عليه: فقلت: يا رسول اللَّه، طوبى لهذا، لم يعمل شرًّا، ولم يدرِ به (٥). قال: "أوَ غير ذلك يا عائشة، إنَّ اللَّه

стр. 950

خلق الجنَّة، وخلق لها أهلًا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم. وخلق النار، وخلق لها أهلًا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم". فهذا الحديث يدلّ على أنَّه لا يشهد لكلِّ طفل من أطفال المؤمنين بالجنَّة، وإن أُطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنَّهم في الجنَّة، لكنَّ الشهادة للمعيَّن ممتنعة؛ كما يشهد للمؤمنين مطلقًا أنَّهم في الجنَّة، ولا يشهد لمعيَّن بذلك إلا من شهد له النبي ﷺ . فهذا وجه الحديث الذي أشكل (١) على كثيرٍ من النَّاس، وردَّه الإمام أحمد وقال: لا يصحّ، ومن يشكّ أنَّ أولاد المسلمين في الجنَّة؛ (٢) وتأوّله قومٌ تأويلات بعيدة. المذهب الثامن: أنَّهم يمتحنون في عرصة (٣) القيامة، ويرسل إليهم هناك رسول وإلى كلِّ من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنَّة، ومن عصاه أدخله النَّار. وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنَّة وبعضهم في النَّار. وبهذا يتألَّف شمل الأدلّة كلَّها، وتتوافق الأحاديث، ويكون معلومُ اللَّه الذي أحال عليه النبيّ ﷺ حيث يقول: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" يظهر حينئذٍ، ويقع الثواب والعقاب عليه حال كونه معلومًا خارجيًّا (٤) لا علمًا مجرَّدًا، ويكون النبيّ ﷺ قد ردَّ جوابهم إلى علم اللَّه فيهم، واللَّه تعالى يردّ ثوابهم وعقابهم إلى معلومه منهم. فالخبرُ عنهم مردودٌ إلى علمه، ومصيرُهم مردودٌ إلى معلومه.

стр. 951

وقد جاءت بذلك آثار كثيرة يؤيد بعضها بعضًا. فمنها: ما رواه أحمد في مسنده والبزار أيضًا بإسنادٍ صحيح، فقال أحمد (١): حدثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع أنَّ النبيّ ﷺ قال: "أربعة يحتجّون يوم القيامة: رجلٌ أصمّ لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرِم (٢)، ورجل مات في الفترة. أمَّا الأصمّ فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام، وأنا ما أسمع شيئًا. وأمَّا الأحمق فيقول: ربّ لقد جاءَ الإسلام، والصبيان يحذفوني (٣) بالبعر. وأمَّا الهرم فيقول: لقد (٤) جاءَ الإسلام، وما أعِقل. وأمّا الذي مات (٥) في الفترة فيقول: ربِّ ما أتاني رسول. فيأخذ مواثيقهم لَيُطيعُنَّه، فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النَّار. فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" (٦). قال معاذ: وحدثني أبي، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث، وقال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها رُدَّ إليها" (٧).

стр. 952

وهو في مسند إسحاق عن معاذ بن هشام أيضًا (١). ورواه البزَّار، ولفظه: عن الأسود بن سريع عن النبيّ ﷺ قال: "يعرض على اللَّه ﵎ الأصمّ الذي لا يسمع شيئًا، والأحمق، والهرم، ورجل مات في الفترة. فيقول الأصمّ: ربّ جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. ويقول الأحمق (٢): ربّ جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. ويقول الذي مات في الفترة: ربّ ما أتاني لك رسول". وذكر الهرم وما يقول. قال: "فيأخذ مواثيقهم لَيطيعُنّه. فيرسِل إليهم: ادخلوا النار. فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" (٣) قال الحافظ عبد الحقّ في حديث الأسود: قد جاءَ هذا الحديث، وهو صحيح فيما أعلم. والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل، ولكنَّ اللَّه يخصّ من شاء بما شاء (٤)، ويكلِّف من شاء ما شاءَ، وحيثما شاءَ. لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون (٥). قلتُ: وسيأتي الكلام على وقوع التكليف في الدار الآخرة وامتناعه، عن قُربٍ (٦) إن شاء اللَّه.

стр. 953

ورواه على بن المديني عن معاذ بنحوه. قال البيهقي: حدثنا على بن محمد بن بشران، أنبأنا أَبو جعفر الرزَّاز (١)، حدثنا حنبل بن إسحاق (٢)، حدثنا على بن عبد اللَّه. وقال: هذا إسناد صحيح. وأمَّا حديث [. . .] (٣) علي بن زيد بن جدعان عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ نحوه (٤). ورواه معمر عن عبد اللَّه بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قوله (٥). وروى محمد بن المبارك الصوري -ثقة- حدثنا عمرو بن واقد -ضعيف- حدثنا يونس بن ميسرة -ثقة- عن إبي إدريس الخولاني عن معاذ يرفعه: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا. فيقول الممسوخ عقلًا: يا ربّ لو آتيتني عقلًا ما كان مَن آتيته عقلًا بأسعد منِّي. ويقول الهالك في الفترة: يا ربِّ لو أتاني منك

стр. 954

عهدٌ ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهده منِّي. ويقول الهالك صغيرًا: يا ربِّ لو آتيتَني عمرًا ما كان من آتيتَه عمرًا بأسعد منِّي. فيقول الربّ سبحانه: لئن (١) آمرْكم بأمرٍ أفتطيعوني (٢)؟ فيقولون: نعم وعزَّتك، فيقول: اذهبوا فادخلوا النَّار. فلو دخلوها ما ضرَّهم (٣). قال: فيخرج عليهم قوابسُ (٤) [يظنّون أنَّها قد أهلكت ما خلق اللَّه من شيء، فيرجعون سراعًا فيقولون: خرجنا -وعزَّتك- نريد دخولها، فخرجت علينا قوابسُ، (٥) ظننَّا أنَّها قد أهلكت ما خلق اللَّه من شيء. فيأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك، ويقولون مثل قولهم. فيقول اللَّه سبحانه: قبل أن تُخلَقوا علمتُ ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتُكم، وإلى علمي تصيرون. فتأخذهم النار" (٦). فهذا وإن كان فيه (٧) عمرو بن واقد ولا يحتجّ به، فله أصل وشواهد، والأصول تشهد له.

стр. 955

وفي الباب أحاديث غير هذا. (١) وقد رويت أحاديث الامتحان في الآخرة من حديث الأسود بن سريع -وصحَّحه عبد الحق والبيهقي (٢) - و (٣) من حديث أبي هريرة وأنس ومعاذ وأبي سعيد. فأَمَّا حديث الأسود فرواه معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع أنَّ النبيّ ﷺ (٤). قال معاذ: وحدَّثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. رواه (٥) أحمد وإسحاق عن معاذ. ورواه حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. ورواه معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا عليه. وهذا لا يضرّ الحديث، فإنَّه إن سلك طريق ترجيح الزائد لزيادته فواضح، وإن سلك طريق المعارضة فغايتها تحقُّق الوقف، ومثل هذا لا يُقدَم عليه بالرَّأي. إذ لا مجال له فيه، بل يجزم (٦) بأنَّ هذا توقيف لا عن رأي.

стр. 956

وأمَّا حديث أَنس فرواه جرير بن عبد الحميد، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الوارث، عن أَنس، قال: قال رسول اللَّه (١) ﷺ : "يؤتى يوم القيامة بأربعة: بالمولود، وبالمعتوه، وبمن مات في الفترة، وبالشيخ الفاني: كلّهم يتكلَّم بحجّته. فيقول الربّ تعالى لعنُقٍ من جهنَّم: ابرُزي. ويقول لهم: إنِّي كنت أبعث إلى عبادي رسولًا من أنفسهم وإنِّي رسول نفسي إليكم. قال: ويقول لهم: ادخلوا هذه. ويقول من كتب عليه الشقاء: أنَّى ندخلها، ومنها كنَّا نفرّ؟ فيقول اللَّه: فأنتم لرسلي أشدّ تكذيبًا. قال: وأمَّا من كتب عليه السعادة فيمضي فيقتحم فيها. فيدخل هؤلاء إلى الجنَّة، وهؤلاء إلى النَّار" (٢). وهذا وإن لم يعتمد عليه بمجرَّده لمكان ليث بن أبي سليم، وتضعيف الدارقطني لعبد الوارث (٣)، فهو مما يعتضَد به. وقال البيهقي (٤): أنبأنا أَبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأنا أَبو العباس [هو

стр. 957

الأصم قال: نا العباس] (١) بن الوليد، أنبأنا أَبو شعيب (٢)، حدثني شيبان (٣) عن ليث بن أبي سليم (٤)، عن عبد الوارث (٥)، عن أَنس، عن النبيّ ﷺ . وأمَّا حديث معاذ، فقد تقدَّم (٦) الكلام عليه. وأمَّا حديث أبي سعيد، فرواه محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا سعيد ابن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الهالك في الفترة والمعتوه والمولود. يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب. ويقول المعتوه: ربّ لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا. ويقول المولود: ربِّ لم أدرك العقل. فتُرفع لهم نارُ (٧) فيقول: رِدوها. قال: فيرِدها مَن كان في علم اللَّه سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم اللَّه شقيًّا لو أدرك العمل. فيقول: إيَّاي

стр. 958

عصيتم، فكيف لو رُسُلي أتتكم" (١). تابعه الحسن بن موسى عن فضيل. ورواه أَبو نعيم عن فضيل بن مرزوق فوقفه (٢). فهذا وإن كان فيه عطية فهو ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به، وإن لم يكن حجة. وأمَّا الوقف فقد تقدم نظيره في (٣) حديث أبي هريرة. فهذه الأحاديث يشدّ بعضها بعضًا، ويشهد لها أصول الشرع وقواعده. والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنّة، نقله عنهم الأشعري ﵀ في "المقالات" وغيرها (٤). فإن قيل: قد أنكر ابن عبد البرّ هذه الأحاديث وقال: أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأنّ الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء. وكيف يكلَّفون دخولَ النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، واللَّه لا يكلّف نفسًا إلَّا وسعها (٥)؟ فالجواب من وجوه (٦): أحدها: أنّ أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها، بل ولا أكثرهم. وإن

стр. 959

أنكرها بعضهم فقد صحّح غيرُه بعضَها، كما تقدّم. الثاني: أنّ أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث، فدلّ على أنّهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث. الثالث: أنّ إِسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التي يحتجّ بها في الأحكام، ولهذا رواه الأئمّة: أحمد وإسحاق وعليّ بن المديني. الرابع: أنّه قد نصّ جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة، وقالوا: لا ينقطع التكليف إلَّا بدخول دار القرار. ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف. الخامس: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا إليها: أنّ اللَّه تعالى يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غيرَ الذي يعطيه، وأنّه يخالفه ويسأله غيره، فيقول اللَّه له (١): "ما أغدرك! " (٢). وهذا الغدر منه هو لمخالفته العهد (٣) الذي عاهد اللَّه عليه. السادس: قوله: "وليس ذلك في وسع المخلوقين" جوابه من وجهين: أحدهما: أنَّ ذلك ليس تكليفًا بما ليس في الوسع، وإنَّما هو تكليف بما فيه مشقَّة شديدة، وهو كتكليف بني إسرائيل قتلَ أولادِهم وأزواجِهم وآبائهم حين عبدوا العجل، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا

стр. 960

الدجّال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه نارًا (١). الثاني: أنَّهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرّهم، وكانت بردًا وسلامًا، فلم يكلَّفوا بممتنع ولا بما يشقّ (٢). السابع: أنَّه قد ثبت أنَّه سبحانه يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه (٣)، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف ينكر التكليف بدخول النَّار في رأي العين إذا كان سببًا (٤) للنجاة؟ كما (٥) جعل قطع الصراط الذي هو أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف سببًا للنجاة (٦)، كما قال أَبو سعيد الخدري: "بلغني أنَّه أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف" رواه مسلم (٧). فركوب هذا الصراط الذي هو في غاية المشقة كالنّار، ولهذا كلاهما يفضى منه إلى النجاة. واللَّه أعلم (٨).

стр. 961

الثامن: أنَّ هذا استبعاد مجرَّد لا تُرَدّ بمثله الأحاديث. والنَّاس لهم طريقان: فمن سلك طريق المشيئة المجرَّدة (١) لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف، ومن سلك طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجَّة تنفي أن يكون هذا التكليف موافقًا للحكمة (٢)؛ بل الأدلَّة الصحيحة تدلّ على أنَّه مقتضى الحكمة كما ذكرناه. التاسع: أنَّ في أصحّ هذه الأحاديث -وهو حديث الأسود- أنَّهم يعطُون ربّهم المواثيقَ ليُطيعُنَّه فيما يأمرهم به، فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان، فيتركون (٣) الدخول معصيةً لأمره، لا لعجزهم عنه. فكيف يقال إنَّه ليس في الوسع؟ (٤). فإن قيل: فالآخرة دار جزاءٍ، وليست دار تكليف، فكيف يمتحنون في غير دار التكليف؟ فالجواب: أنَّ التكليف إنَّما ينقطع بعد دخول دار القرار، وأمَّا في البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع. وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين في البرزخ، وهي تكليف. وأمَّا في عرصة

стр. 962

القيامة فقد قال (١) تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم/ ٤٢]. فهذا صريح في أنَّ اللَّه تعالى يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأنَّ الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف بما لا يطاق حينئذٍ حسنًا (٢) عقوبةً لهم؛ لأنَّهم كُلِّفوا به في الدنيا وهم يطيقونه، فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم، كُلِّفوا به وهم لا يقدرون عليه (٣) حسرةً عليهم وعقوبةً لهم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ [القلم/ ٤٣] يعني أصحاء، لا آفةَ تمنعهم منه. فلمَّا تركوه وهم سالمون (٤) دُعوا إليه في وقت حيل بينهم وبينه، كما في الصحيح من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد: "إنَّ ناسًا قالوا: يا رسول اللَّه، هل نرى ربّنا". فذكر الحديث بطوله. إلى أن قال: "فيقول: تتبع كلّ أمَّةٍ ما كانت تعبد، فيقول المؤمنون: فارقنا الناس في الدنيا أفقرَ ما كنَّا إليهم، ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: نعوذ باللَّه منك، لا نشرك باللَّه شيئًا -مرَّتين أو ثلاثًا- حتَّى إنَّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آيةٌ تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساقٍ، فلا يبقى من كان يسجد للَّه من تلقاءِ نفسه إلا أذن اللَّه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل اللَّه ظهره طبقةً واحدةً كلَّما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه، ثمَّ يرفعون رؤوسهم". وذكر الحديث (٥).

стр. 963

وهذا التكليف نظير التكليف في البرزخ (١) بالمسألة، فمن أجاب في الدنيا طوعًا واختيارًا أجاب في البرزخ، ومن امتنع من الإجابة في الدنيا مُنِع منها في البرزخ. ولم يكن تكليفه في تلك الحال (٢) -وهو غير قادر- قبيحًا؛ بل هو مقتضى الحكمة الإلهية؛ لأنَّه كُلِّف وقتَ القدرة فأبى (٣)، فإذا كُلِّف وقت العجز وقد حيل بينه وبين الفعل، كان عقوبة له وحسرة. والمقصود أنَّ التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنَّة أو النَّار. وقد تقدَّم أنَّ حديث الأسود بن سريع صحيح، وفيه التكليف في عرصة القيامة. فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة. فعلم أنَّ الذي تدلّ عليه الأدلّة الصحيحة، وتأتلف به النصوص، وهو (٤) مقتضى الحكمة = هو هذا القول، واللَّه أعلم. وقد حكى بعض أهل المقالات عن ثمامة (٥) بن أشرس أنَّه ذهب إلى أنَّ الأطفال يصيرون يوم القيامة (٦) ترابًا. وقد نقل عن ابن عباس ومحمد ابن الحنفية والقاسم بن محمد وغيرهم أنَّهم كرهوا الكلام في هذه المسألة جملةً (٧).

стр. 964

الطبقة الخامسة عشرة (١): طبقة الزنادقة. وهم قومٌ أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة اللَّه ورسله. وهؤلاء هم (٢) المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النَّار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء/ ١٤٥]. فالكفَّار المجاهرون بكفرهم أخفّ (٣)، وهم فوقهم في دركات النَّار؛ لأنَّ الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة اللَّه ورسله، وزادت (٤) المنافقون عليهم بالكذب والنفاق. وبليّة المسلمين بهم أعظم منن بليَّتهم بالكفَّار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقّهم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون/ ٤]. ومثل (٥) هذا اللفظ يقتضي الحصر، أي: لا عدوّ إلا هم. ولكن لم يرد ههنا حصر العداوة فيهم (٦) وأنَّهم لا عدوّ للمسلمين سواهم، بل هذا من باب (٧) إثبات الأولوية والأحقّية لهم في هذا الوصف، وأنَّه لا يتوهّم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم لهم ومخالطتهم إيَّاهم أنَّهم

стр. 965

ليسوا بأعدائهم، بل هم أحقّ بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإنَّ ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين (١) لهم -وهم في الباطن على خلاف دينهم- أشدّ عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأنَّ الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثمَّ ينقضي، ويعقبه النصر والظفر؛ وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلّون العدوَّ على عوراتهم، ويتربَّصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم. فهم أحقّ بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ لا على معنى أنَّه لا عدوّ لكم سواهم، بل على معنى أنَّهم أحقّ بأن يكونوا لكم عدوًّا من الكفَّار المجاهرين. ونظير ذلك قول النبيّ ﷺ "ليس المسكين بهذا (٢) الطوَّاف الذي ترذه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل النَّاس، ولا يُفطَنُ له فيُتصدّق عليه" (٣). فليس هذا نفيًا لاسم المسكين عن الطوَّاف، بل إخبارٌ بأنَّ هذا القانع الذي لا يسمّونه مسكينًا أحقّ بهذا الاسم من الطوَّاف الذي يسمّونه مسكينًا. ونظيره قوله: "ليس الشديد بالصُّرَعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب" (٤). ليس نفيًا للاسم عن الصرعة، ولكن إخبار بأنَّ من يملك

стр. 966

نفسه عند الغضب أحقّ منه بهذا الاسم. ونظيره قوله: "ما تعدّون المفلسَ فيكم؟ " قالوا: من لا درهم له ولا متاع. قال: "المفلس من يأتي يوم القيامة بحسناتٍ أمثال الجبال، ويأتي قد لطَمَ هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا؛ فيقتصّ هذا من حسناته، وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخِذَ من سيئاتهم ثمَّ طُرِحَ عليه فأُلقيَ في النار" (١). ونظيره قوله: "ما تعدّون الرَّقوب فيكم؟ " قالوا: من لا يولد له. قال: "الرقوب من لم يقدّم من ولده شيئًا" (٢). ومنه عندي قوله ﷺ : "الرِّبَا في النسيئة"، وفي لفظ: "إنَّما الرِّبَا في النسيئة" (٣). هو إثبات لأن هذا النوع هو أحقّ باسم الرِّبَا من ربا الفضل، وليس فيه نفي اسم الرِّبَا عن ربا الفضل. فتأمله. والمقصود أنَّ هذه الطبقة أشقى الأشقياء، ولهذا يستهزأ بهم في الآخرة، ويُعطَون (٤) نورَا يتوسَّطون به على الصراط، ثمَّ يطفئ اللَّه نورهم، ويقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد/ ١٣]. ويضرب بينهم وبين المؤمنين ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ [الحديد/ ١٣ - ١٤]. وهذا أشدّ

стр. 967

ما يكون من الحسرة والبلاءِ أن يُفتَح للعبد طريق (١) النجاة والفلاح، حتَّى إذا ظنَّ أنَّه ناجٍ ورأى منازل السعداء اقتطِع عنهم وضُربت عليه الشقوة. ونعوذ باللَّه من غضبه وعقابه. وإنَّما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظ كفرهم، فإنَّهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداءُ، ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة؛ فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرًا، وأخبث قلوبًا، وأشدّ عداوة للَّه ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم، وإن كان البعداء متصدّين لحرب المسلمين. ولهذا قال تعالى في المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ [المنافقون/ ٣]، وقال فيهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة/ ١٨]. وقال في الكفار: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة/ ١٧١]. فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثمَّ عمي، وعرف ثمَّ تجاهل، وأقرَّ ثمَّ أنكر، وآمن ثمَّ كفر. ومن كان هكذا فهو أشدّ (٢) كفرًا، وأخبث قلبًا، وأعتى على اللَّه ورسله؛ فاستحق الدرك الأسفل. وفيه معنى آخر أيضًا. وهو أنَّ الحامل لهم على النفاق طلب العزّ والجاه بين الطائفتين. فيُرضون (٣) المؤمنين ليُعِزوهم (٤)، ويُرضون

стр. 968

الكفار ليُعِزّوهم أيضًا. ومن ههنا دخل عليهم البلاءُ، فإنَّهم أرادوا العزّ بين (١) الطائفتين، ولم يكن لهمِ غرض في إيمان ولا إسلام (٢) ولا طاعةٍ للَّه ورسوله، بل كان ميلهم وصغوهم ووجهتهم (٣) إلى الكفَّار. فقوبلوا على ذلك بأعظم الذلّ، وهو أن جُعِلَ مستقرّهم في أسفل سافلين (٤) تحت الكفار. فما اتصف به المنافقون من مخادعةِ اللَّه ورسوله والذين آمنوا، والاستهزاء باهل الإيمان، والكذب، والتلاعب بالدين، وإظهار أنَّهم من المؤمنين، وانطواءِ (٥) قلوبهم علَى الكفر والشرك وعداوة اللَّه ورسوله = أمرٌ اختصّوا به عن الكفار، فتغلَّظ (٦) كفرُهم به، فاستحقّوا الدرك الأسفل من النار. ولهذا لمَّا ذكر تعالى أقسام الخلق في أوَّل (٧) سورة البقرة، فقسمهم إلى مؤمنٍ ظاهرًا وباطنًا، وكافرٍ ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن في الظاهر كافرٍ في الباطن وهم المنافقون = ذكر في حقِّ المؤمنين ثلاث آيات، وفي حقِّ الكفار آيتين. فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية. ذمَّهم فيها غاية الذمّ، وكشَفَ عوراتهم (٨)، وفضحهم، وأخبر بأنَّهم (٩)

стр. 969

هم السفهاء، المفسدون في الأرض المخادعون، المستهزئون، المغبونون في اشترائهم الضلالة بالهدى؛ وأنَّهم صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون، وأنَّهم مرضى القلوب وأنّ اللَّه يزيدهم مرضًا إلى مرضهم؛ فلم يدع ذمًّا ولا عيبًا إلَّا ذمّهم به. وهذا يدلّ على شدّة مقته سبحانه لهم، وبغضه إيَّاهم، وعداوته لهم، وأنّهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته الباهرة في تخصيص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار. نعوذ باللَّه من مثل حالهم، ونسأله معافاته ورحمته. ومن تأمّل ما وصف اللَّه به المنافقين في القرآن من صفات الذمّ، علم أنّهم أحقّ بالدرك الأسفل. فإنّه وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده. ووصف قلوبهم بالمرض، وهو مرض الشبهات والشكوك. ووصفهم بالإفساد في الأرض وبالاستهزاءِ بدينه وعباده، والطغيان (١)، واشتراءِ الضلالة بالهدى، والصمم والبكم والعمى، والحيرة، والكسل عند عبادته، والرياء (٢)، وقفة ذكره، والتردُّد -وهو التذبذب- بين المؤمنين والكفار، فلا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ، والحلف باسمه تعالى كذبًا وباطلًا، وبالكذب، وبغاية الجبن، وبعدم الفقه في الدين، وبعدم العلم، وبالبخل، وبعدم الإيمان باللَّه وباليوم الآخر، وبالريب (٣)، وبأنهم مضرّة على المؤمنين، لا يحصل لهم بصحبتهم (٤) إلَّا الشرّ من الخبال، والإسراع بينهم بالشرّ وإلقاءِ الفتنة، وكراهتهم لظهور أمر اللَّه

стр. 970

ومجيء الحقّ (١)، وأنّهم يحزنون بما يحصل للمؤمنين من الخير والنصر، ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاءِ، وأنَّهم يتربّصون الدوائر بالمسلمين، وبكراهتهم الإنفاق في مرضاة اللَّه وسبيله، وبعيب المؤمنين ورميهم بما ليس فيهم، فيلمزون المتصدّقين، ويعيبون مُزْهِدَهم (٢)، ويرمون مُكْثِرَهم (٣) بالرياءِ وإرادة الثناءِ (٤) في الناس، وأنّهم عبيد الدنيا، إن أُعطوا منها رضوا، وإن مُنعوها (٥) سخطوا، وبأنهم يؤذون رسول اللَّه وينسبونه إلى ما برّأه اللَّه منه أو يعيبونه (٦) بما هو من كماله وفضله، وبأنّهم (٧) يقصدون إرضاءَ المخلوقين ولا يطلبون إرضاءَ ربّ العالمين، وأنّهم يسخرون من المؤمنين، وأنّهم يفرحون إذا تخلّفوا عن رسول اللَّه، ويكرهون الجهاد في سبيل اللَّه، وأنهم يتحيّلون على تعطيل فرائض اللَّه عليهم بأنواع الحيل، وأنّهم يرضون بالتخلّف عن طاعة اللَّه ورسوله، وأنّهم مطبوع على قلوبهم، وأنهم يتركون ما أوجب اللَّه عليهم مع قدرتهم عليه، وأنّهم أحلفُ الناس باللَّه قد اتخذوا أيمانهم جُنَّةً تقيهم من إنكار المسلمين عليهم. وهذا شأن المنافق أحلف الناس باللَّه كاذبًا، قد اتخذ يمينه جُنَّةً ووقايةً يتّقي بها إنكارَ المسلمين عليه.

стр. 971

ووصفهم بأنّهم رجس -والرجس من كلّ جنس: أخبثُه وأقذرُه، فهم أخبث بني آدم وأقذرهم وأرذلهم- وبأنهم فاسقون، وبأنَّهم مضرّة على أهل الإيمان يقصدون التفريق بينهم، ويؤوون من حاربهم وحارب اللَّه ورسوله، وأنّهم يتشبّهون بهم ويضاهونهم في أعمالهم ليتوصّلوا منها إلى الإضرار بهم وتفريق كلمتهم، وهذا شأن المنافقين أبدًا. وبأنّهم فتَنوا أنفسهم بكفرهم باللَّه ورسوله، وتربّصوا بالمسلمين دوائر السوءِ، وهذا (١) عادتهم في كل زمان. وارتابوا في الدين فلم يصدّقوا به، وغرّتهم الأماني الباطلة وغرّهم الشيطان، وأنهم أحسن الناس أجسامًا تُعجِب الرائيَ أجسامُهم، والسامعَ منطقُهم، فإذا جاوزتَ أجسامهم وقولَهم رأيتَ خُشبًا مسنّدة، لا إيمان ولا فقه، ولا علم ولا صدق، بل خشُب قد كُسِيتْ كسوةً تروق الناظر، وليس وراءَ ذلك شيء (٢). وإذا عرض عليهم التوبة والاستغفار أبَوها وزعموا أنَّهم لا حاجة لهم إليها، إمّا لأنّ ما عندهم من الزندقة والجهل المركّب مغنٍ عنها وعن الطاعات جملةً -كحال كثير من الزنادقة- وإمَّا احتقارًا وازدراء بمن يدعوهم إلى ذلك. ووصفهم تعالى بالاستهزاءِ به وبآياته وبرسوله، وبأنهم مجرمون، وبأنّهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في مرضاته، وبنسيانهم (٣) ذكرَه، وبأنّهم يتولّون الكفار ويدَعون المؤمنين، وبأن الشيطان قد استحوذ عليهم وغلب عليهم حتى أنساهم

стр. 972

ذكر اللَّه فلا يذكرونه إلَّا قليلًا، وأنّهم حزب الشيطان، وأنّهم يوادّون من حادّ اللَّه ورسوله، وبأنّهم يتمنّون ما يُحنِت المؤمنين ويشقّ عليهم، وأن البغضاءَ تبدو لهم من أفواههم وعلى فلتات ألسنتهم، وأَنّهم (١) يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ومن صفاتهم التي وصفهم بها رسول اللَّه ﷺ : الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، والغدر عند العهد، والفجور عند الخصام، والخلف عند الوعد (٢)؛ وتأخير الصلاة إلى آخر وقتها، ونَقْرُها عجلةً وإسراعًا، وترك حضورها جماعةً، وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاءُ (٣). ومن صفاتهم التي وصفهم اللَّه بها: الشحّ على المؤمنين بالخير، والجبن عند الخوف، فإذا ذهب الخوف وجاءَ الأمن سلقوا المؤمنين بألسنة حداد، فهم أحدّ الناس ألسنةً عليهم، كما قيل: جهلًا علينا وجبنًا عن عدوّكمُ ... لبئست الخَلّتان الجهلُ والجبنُ (٤) وأنّهم عند المخاوف تظهر كمائن صدورهم ومُخبّآتها. وأمّا عند

стр. 973

الأمن فيجب ستره، فإذ الحق المسلمين خوفٌ دبّت عقارب قلوبهم، وظهرت المخبّآت، وبدت الأسرار. ومن صفاتهم: أنّهم أعذبُ الناس ألسنةً، وأمرُّهم قلوبًا، وأعظم الناس مخالفةً (١) بين أعمالهم وأقوالهم. ومن صفاتهم أنّه (٢) لا يجتمع فيهم حُسن سمت (٣) وفقه في دين أبدًا. ومن صفاتهم أنّ أعمالهم تكذب أقوالهم، وباطنهم يكذّب ظاهرهم، وسرائرهم تناقض علانيتهم. ومن صفاتهم: أنّ المؤمن لا يثق بهم (٤) في شيء، فإتهم قد أعدّوا لكلّ أمر مخرجًا منه، بحقّ أو بباطل، بصدق أو بكذب، ولهذا سُمِّي "منافقًا" أخذًا من نافقاءِ اليربوع. وهو بيت يحفره، ويجعل له أسرابًا مختلفة، وكلَّما (٥) طُلِبَ من سَرَبٍ خرج من سَرَبٍ آخر، فلا يتمكَّن طالبُه مِن حصره في سرب واحد. قال الشاعر: ويُستخرجَ اليربوعُ من نافقائه ... ومن بيته ذو الشِّيحة اليتقَصَّعُ (٦) فأنت منه كقبضٍ (٧) على الماءِ، ليس معك منه شيء.

стр. 974

ومن صفاتهم: كثرة التلوّن، وسرعة التقلُّب، وعدم الثبات على حال واحد. بينا تراه على حال تعجبك من دين أو عبادة أو هدي صالح أو صدق، إذ انقلب إلى ضدِّ ذلك كأنَّه لم يعرف غيره. فهو أشدّ الناس تلوّنًا وتقلُّبًا وتنفُّلًا، جيفةً بالليل قُطْرُبًا (١) بالنَّهار. ومن صفاتهم: أنَّك إذا دعوتهم عند المنازعة إلى التحاكم (٢) إلى القرآن والسنَّة أَبوا ذلك وأعرضوا عنه، ودعوك إلى التحاكم إلى طواغيتهم. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ [النساء/ ٦٠ - ٦٣]. ومن صفاتهم: معارضة ما جاءَ به الرسول ﷺ بعقول الرجال

стр. 975

وآرائهم، ثمَّ تقديمها على ما جاءَ به. فهم معرضون عنه معارضون له، زاعمون أنَّ الهدى في آراء الرجال وعقولهم، دون ما جاءَ به. فلو أعرضوا عنه وتعوّضوا بغيره لكانوا منافقين، فكيف إذا جمعوا إلى ذلك (١) معارضتَه وزعمَهم (٢) أنَّه لا يستفاد منه هدى! ومن صفاتهم: كتمان الحقِّ، والتلبيس على أهله، ورميهم لهم (٣) بادوائهم هم (٤). فيرمونهم -إذا أمروا بالمعروف، ونهَوا عن المنكر، ودعَوا إلى اللَّه ورسوله- بأنَّهم أهل فتن مفسدون في الأرض. وقد علم اللَّه ورسوله والمؤمنون أهلَ الفتن المفسدين (٥) في الأرض. وإذا دعا (٦) ورثة الرسول إلى كتاب اللَّه وسنَّة رسوله خالصة غيرَ مشوبة، رموهم بالبدع والضلال. وإذا رأوهم زاهدين في الدنيا راغبين في الآخرة متمسّكين بطاعة اللَّه ورسوله، رموهم بالزوكرة (٧) والتلبيس والمِحال. وإذا رأوا معهم حقًّا ألبسوه لباسَ الباطل، وأخرجوه لضعفاءِ العقول في

стр. 976

قالبه (١) لينفروهم عنه، وإذا كان معهم باطل ألبسوه لباس الحقِّ وأخرجوه في قالبه ليقبل منهم. وجملة أمرهم أنَّهم في المسلمين كالزغَل في النقود، يروج على أكثر النَّاس لعدم بصيرتهم بالنقد، ويعرف حاله الناقد البصير من النَّاس، وقليل ما هم! وليس على الأديان أضرّ من هذا الضرب من النَّاس، وإنَّما تفسد الأديان من قِبَلهم. ولهذا جلا اللَّه أمرهم في القرآن، وأوضح أوصافهم، وبيَّن أحوالهم، وكرَّر ذكرهم؛ لشدَّة المؤنة على الأمَّة بهم، وعِظَم البليَّة عليهم بوجودهم بين أظهرهم، وفرط حاجتهم إلى معرفتهم والتحرُّز من مشابهتهم أو الإصغاءِ (٢) إليهم. فكم قطعوا على السالكين إلى اللَّه طريقَ الهدى، وسلكوا بهم سُبل الردى (٣)! ووعدوهم (٤) ومنَّوهم، ولكن وعدوهم الغرور، ومنَّوهم الويل والثبور! فكم لهم من قتيل ولكن في سبيل الشيطان، وسليبٍ ولكن للباس التقوى والإيمان. وأسيرٍ لا يُرجى له الخلاص، وفارٍّ من اللَّه لا إليه، وهيهات، لات (٥) حين مناص! صحبتُهم توجِب العار والشنار، ومودّتهم تُحِلُّ غضب الجبَّار،

стр. 977

وتوجب دخول النَّار. من علِقت به كلاليبُ كلَبِهم ومخاليبُ دائهم (١) مزّقت منه ثياب الدِّين والإيمان، وقُطعت له مقطَّعاتُ البلاءِ (٢) والخذلان. فهو يسحب من الحرمان والشقاوة أذيالًا، ويمشي على عقبيه القهقرى إدبارًا منه، وهو يحسب ذلك إقبالًا! فهم واللَّه قُطَّاع الطريق حقًّا (٣)! فيا أيها الركب المسافرون إلى منازل السعداءِ، حِذارًا منهم (٤) حِذارًا. وهم (٥) الجزَّارون، ألسنتُهم شِفَارُ البلايا، ففرارًا منهم أيَّها الغنم فرارًا! ومن البليَّة أنَّهم الأعداءُ حقًّا، وليس لنا بدّ من مصاحبتهم. وخلطتُهم (٦) أعظم الداءِ، وليس بدّ من مخالطتهم. قد جعلوا على أَبواب جهنَّم دعاةً إليها، فبعدًا للمستجيبين! ونصبوا شباكهم حواليها على ما حفت به من الشهوات، فويل للمغترِّين! نصبوا الشباك، ومدُّوا الأشراك، وأذَّن مؤذّنهم بأشباه الأنعام (٧): حيَّ على الهلاك، حيَّ على التباب! فاستبقوا يُهرَعون إليه (٨)، فأوردهم

стр. 978

حياضَ العذابَ، لا المواردَ العَذاب. وأسامهم (١) من الخسفِ والبلاءِ أعظم خِطَّةٍ (٢)، وقال: ادخلوا باب الهوان صاغرين، ولا تقولوا حِطَّة، فليس بيوم حطَّة. فواعجبا لمن نجا من شِراكهم، لا لمن (٣) علِق! وأنِّى ينجو منها (٤) من غلبت عليه شقاوتُه ولها خُلِقَ! فحقيق بأهل هذه الطبقة أن يحلّوا بالمحلِّ الذي أحلّهم اللَّه من دار الهوان، وأن ينزلوا في أردأ منازل أهل العناد والكفران. وبحسب إيمان العبد ومعرفته، يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة. ولهذا اشتدَّ خوف سادة الأمة وسابقيها (٥) على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر بن الخطاب يقول: يا حذيفة نشدتك (٦) اللَّهَ، هل سمَّاني رسول اللَّه ﷺ مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكّي بعدك أحدًا (٧). يعني لا أفتح عليَّ هذا الباب في تزكية الناس. ليس (٨) معناه أنَّه لم يبرأ

стр. 979

من النفاق غيرك. وقال ابن أبي مليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ كلّهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنَّه على إيمان جبريل وميكائيل (١). الطبقة السادسة عشرة (٢): طبقة (٣) رؤساءِ الكفر وأئمته ودعاته الذين كفروا وصدّوا عباد اللَّه عن الإيمان وعن الدخول في دينه رغبةً ورهبةً. فهؤلاء عذابهم مضاعَف، ولهم عذابان: عذاب الكفر، وعذاب بصدِّ النَّاس عن الدخول في الإيمان. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل/ ٨٨]. فأحد العذابين بكفرهم، والعذاب الآخر بصدّهم عن سبيل اللَّه. وقد استقرَّت حكمة اللَّه وعدله أن يجعل على الداعي إلى الضلال مثل آثام من اتبعه واستجاب له. ولا ريبَ أنَّ عذاب هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتَّبعه وضلَّ به. وهذا النوع في الأشقياء مقابل دعاة الهدى في السعداء، فأولئك يتضاعف ثوابهم وتعلو درجاتهم بحسب من اتَّبعهم واهتدى بهم، وهؤلاء عكسهم. ولهذا كان فرعون وقومه في أشدِّ العذاب، قال تعالى في حقهم: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ

стр. 980

الْعَذَابِ﴾ [غافر/ ٤٦]. وهذا تنبيه على أنَّ فرعون نفسه في الأشدّ من ذلك؛ لأنَّهم إنَّما دخلوا أشدَّ العذاب تبعًا له، فإنَّه هو الذي استخفّهم فأطاعوه، وغرَّهم فاتَّبعوه. ولهذا يكون يوم القيامة إمامهم وفرَطهم في هذا الوِرد. قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود/ ٩٨]. والمقصود: أنَّهم إنَّما (١) استحقُّوا أشدَّ العذاب لتغلُّظ كفرهم (٢)، وصدّهم عن سبيل اللَّه وعقوبتهم من آمن باللَّه. فليس عذاب الرؤساء في النار كعذاب أتباعهم. ولهذا كان في كتاب النبي ﷺ لهرقل: "فإن تولّيتَ فإنَّ عليك إثمَ الأرِيسِيِّين" (٣). والصحيح في اللفظة (٤) أنَّهم الأتباع. ولهذا كان عدو اللَّه إبليس أشدَّ أهل النار عذابًا، وهو أوَّل من يُكسى حُلَّة من النَّار؛ لأنَّه إمام كلّ كفر وشرك وشرّ. فما عصي اللَّه إلا على يديه وبسببه، ثمَّ الأمثل فالأمثل من نوَّابه في الأرض ودعاته. ولا ريب أنَّ الكفر يتفاوت، فكفر أغلظ من كفر. كما أنَّ الإيمان يتفاوت فإيمان أفضل من إيمان. فكما أنَّ المؤمنين ليسوا في درجة واحدة بل هم درجات عند اللَّه، فكذلك الكفار ليسوا في طبقة واحدة ودرك واحد، بل النار دركات كما أنَّ الجنَّة درجات. ولا يظلم اللَّه من خلقه أحدًا. وهو الغني الحميد.

стр. 981

فصل وتغلّظُ (١) الكفر الموجبُ لتغلّظ العذاب يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: من خبث (٢) العقيدة الكافرة في نفسها، كمن جحد ربَّ العالمين بالكلّية، وعطَّل العالم عن الربِّ الخالق المدبّر له، فلم يؤمن باللَّه وملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر. ولهذا لا يُقَرّ أربابُ هذا الكفر بالجزية عند كثيرٍ من العلماء، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم اتّفاقًا، لِتغلّظ كفرهم. وهؤلاء هم المعطّلة والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنَّه لا وجود للربّ تعالى غير وجود هذا العالم. الجهة الثانية: تغلّظه بالعناد والضلال عمدًا على بصيرة، ككفر من شهد قلبُه أنَّ الرسول حقٌّ لما رآه من آيات صدقه، وكفَرَ عنادًا وبغيًا، كقوم ثمود، وقوم فرعون، واليهود الذين (٣) عرفوا الرسول كما عرفوا أبناءهم، وكفر أبي جهل وأمية بن أبي الصلت وأمثال هؤلاء. الجهة الثالثة: السعي في إطفاءِ نور اللَّه وصدّ عباده عن دينه بما تصل إليه قدرتهم. فهؤلاءِ أشدُّ الكفّار عذابًا بحسب تغلّظ كفرهم. ومنهم من يجتمع في حقِّه الجهات الثلاث، ومنهم من يكون فيه ثنتان (٤) منها أو واحدة. فليس عذاب هؤلاءِ كعذاب من هو (٥) دونهم في

стр. 982

الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله، والمؤمنون من أذاه في سلامة لا ينالهم منه أذى، ولم يتغلّظ كفره كتغلّظ كفر (١) هؤلاء، بل هو مقرّ باللَّه ووحدانيته وملائكته وجنس الكتب والرسل واليوم الآخر، وإن شارك أُولئك في كفرهم بالرسول فقد زادوا عليه أنواعًا من الكفر. وهل يستوي فى النار عذاب أبي طالب وأبي لهب وأبي جهل وعُقبة بن أبي مُعَيط وأبيّ بن خلَف وأضرابهم؟ والمقصود أنّ هذه الطبقة -وهي طبقة الرؤساءِ الدعاة الصادّين عن دين اللَّه- ليست كطبقة مَن دونهم. وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "أهونُ أهلِ النار عذابًا أَبو طالب" (٢)، ومعلوم أنّ كفر أبي طالب لى يكن مثل كفر أبي جهل وأمثاله. الطبقة السابعة عشرة (٣): طبقة المقلّدين. وهم (٤) جهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبع (٥)، يقولون: إنا وجدنا آباءَنا على أُمّة، ولنا أُسوة (٦) بهم. ومع هذا فهم متاركون لأهل الإسلام غيرُ محاربين لهم، كنساءِ المحاربين وخدَمهم وتُبّاعهم (٧) الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاءِ نور اللَّه وهدم

стр. 983

دينه وإخماد كلماته، بل هم معهم (١) بمنزلة الدوابّ. وقد اتفقت الأُمّة على أنّ هذه الطبقة كفّار وإن كانوا جهّالًا مقلّدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلَّا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنّه لم يحكم لهؤلاءِ بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة. وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا مَن بعدهم، وإنّما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدَث في الإسلام. وقد صحّ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ما من مولود إلَّا وهو يولد على الفطرة فأَبواه يهوّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه" (٢). فأخبر أن أَبويه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية، ولم يعتبر في ذلك غير المربى والمنشأ على ما عليه الأَبوان. وصحَّ عنه أنه قال: "إنّ الجنّة لا يدخلها إلَّا نفس مسلمة" (٣). وهذا المقلّد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلّف، والعاقل المكلّف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر. وأمّا من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلّف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين، وقد تقدَّم الكلام عليهم (٤). والإسلام هو توحيد اللَّه وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان باللَّه وبرسوله (٥) واتّباعه فيما جاءَ به. فما لم يأت العبد بهذا فليس

стр. 984

بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا، فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنّهم كفّار جهّال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفّارًا. فإنّ الكافر من جحد توحيدَ اللَّه وكذّب رسولَه إمّا عنادًا وإمّا جهلًا (١) وتقليدًا لأهل العناد. فهذا وإن كان غايته أنّه غير معاند، فهو متّبع لأهل العناد. وقد أخبر اللَّه تعالى في القرآن في غير موضع بعذاب المقلّدين لأسلافهم من الكفار، وأنّ الأتباع مع متبوعهم، وأنّهم يتحاجّون في النار، وأنّ الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [الأعراف/ ٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) [غافر/ ٤٧ - ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ/ ٣١ - ٣٣]. فهذا إخبار من اللَّه وتحذير بأنّ المتبوعين والتابعين اشتركوا في

стр. 985

العذاب ولم يُغنِ عنهم تقليدُهم شيئًا. وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة/ ١٦٦ - ١٦٧]. وصحّ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثلُ أوزار مَن اتّبعه. لا ينقص من أوزارهم شيئًا" (١). وهذا يدل على أنَّ كفر من اتبعهم إنّما هو بمجرّد اتباعهم وتقليدهم. نعيم، لا بدَّ في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلّد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلّد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود. فالمتمكن المعرض مفرِّط تارك للواجب عليه، لا عذر له عند اللَّه. وأمّا العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه، فهم قسمان (٢) أيضًا: أحدهما: مريد للهدى مؤثر له محبٌّ له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة. الثاني: معرِض لا إرادة له، ولا يحدِّث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا ربّ لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه لَدِنْتُ به وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف غير (٣) ما أنا عليه ولا أقدر على
следующие страницы →