Полный текст (494 стр.). Показаны 456–494 · переход к 461.
стр. 456
(بَابُ مَا جَاءَ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -)
الْوَفَاةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ الْمَوْتُ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ مِنْ وَفَى بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى تَمَّ، أَيْ: تَمَّ أَجَلُهُ، قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: كَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صُدَاعٍ عَرَضَ لَهُ، وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، ثُمَّ اشْتَدَّ بِهِ، وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ فَأَذِنَّ لَهُ، وَكَانَتْ مُدَّةَ مَرَضِهِ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ضُحًى مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، قِيلَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ، وَقِيلَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ انْتَهَى، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى لِوُرُودِ إِشْكَالٍ سَيَأْتِي عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّرْجِيحِ أَنْ يَكُونَ الشُّهُورُ الثَّلَاثَةُ نَوَاقِصَ، وَهُوَ غَيْرُ مُضِرٍّ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَبُعِثَ نَبِيًّا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَقُبِضَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَهُنَا سُؤَالٌ مَشْهُورٌ عَلَى إِشْكَالٍ مَسْطُورٍ، وَهُوَ أَنَّ جُمْهُورَ أَرْبَابِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ وَفَاتَهُ ﷺ وَقَعَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ، وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ عَلَى أَنَّ عَرَفَةَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَيَكُونُ غُرَّةُ ذِي الْحِجَّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ كَانَتِ الشُّهُورُ الثَّلَاثُ الْمَاضِيَةُ يَعْنِي ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، أَوْ بَعْضٌ مِنْهَا ثَلَاثِينَ وَبَعْضٌ آخَرُ مِنْهَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَحَلُّهُ أَنْ يُقَالَ يَحْتَمِلُ اخْتِلَافُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ بِوَاسِطَةِ مَانِعٍ مِنَ السَّحَابِ وَغَيْرِهِ، أَوْ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، فَيَكُونُ غُرَّةُ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ وُقُوفُ عَرَفَةَ وَاقِعًا بِرُؤْيَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَلَمَّا رُجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ اعْتَبَرُوا التَّارِيخَ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ الشُّهُورُ الثَّلَاثَةُ
كَوَامِلَ، فَيَكُونُ أَوَّلُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْهُ، هَذَا وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ هُوَ ثَانِي الشَّهْرِ أَمْ ثَامِنُهُ أَمْ عَاشِرُهُ بَعْدَ قُدُومِ الْفِيلِ بِشَهْرٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السِّيَرِ فِي أَنَّهُ ﵇ تُوُفِّيَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَا فِي أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ يَوْمٍ كَانَ مِنَ الشَّهْرِ، فَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ كَانَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِ، وَالذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مُسْتَهَلِّ الشَّهْرِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ زُبَيْرٍ فِي الْوَفَيَاتِ، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَارِيخِهِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّمِيمِيُّ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ، وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أَيْضًا، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرِضَ لِاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ صَفَرَ، وَكَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مَرِضَ فِيهِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ أَنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَحْيَى وَيُخَيَّرُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ مَا مِنْ نَبِيٍّ يُقْبَضُ إِلَّا يَرَى الثَّوَابَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا: أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَالْخُلْدَ، ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَبْقَى حَتَّى أَرَى مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِي وَبَيْنَ التَّعْجِيلِ فَاخْتَرْتُ التَّعْجِيلَ، وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا تُقْبَضُ نَفْسُهُ، ثُمَّ يَرَى الثَّوَابَ، ثُمَّ تُرَدُّ إِلَيْهِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ تُرَدَّ إِلَيْهِ وَبَيْنَ أَنْ يَلْحَقَ، فَكُنْتُ قَدْ حَفِظْتُ ذَلِكَ، وَإِنِّي لِمُسْنِدُهُ إِلَى صَدْرِي فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى مَالَتْ عُنُقُهُ، فَقُلْتُ: قَضَى، قَالَتْ: فَعَرَفْتُ الَّذِي قَالَ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى ارْتَفَعَ وَنَظَرَ، فَقَلْتُ إِذًا وَاللَّهِ لَا يَخْتَارُنَا، فَقَالَ مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فِي الْجَنَّةِ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ أَوَّلَ مَا أُعْلِمَهُ ﷺ بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ، نُزُولُ سُورَةِ النَّصْرِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا: إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْبِلَادَ وَدَخَلَ فِي الدِّينِ أَفْوَاجٌ مِنَ الْعِبَادِ فَقَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُكَ وَانْتَهَى عَمَلُكَ فَتَهَيَّأْ لِلِقَاءٍ فِي دَارِ الْقَرَارِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ لِحُصُولِ مَا أُمِرْتُ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ التَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ إِنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَعَرَفَ ﷺ أَنَّهُ الْوَدَاعُ، وَلِلدَّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ دَعَا فَاطِمَةَ، وَقَالَ نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، فَبَكَتْ، قَالَ: لَا تَبْكِي ; فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقًا بِي، فَضَحِكَتِ) . . . الْحَدِيثَ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ﷺ فَأَخَذَ
стр. 457
بِأَشَدِّ مَا كَانَ قَطُّ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَرَضَ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ وَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ قَبْلُ يَعْرِضُ مَرَّةً وَيَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ فَقَطْ، هَذَا وَلَمَّا خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَلَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ
عَامِي هَذَا، وَطَفِقَ يُوَدِّعُ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَجَمَعَ النَّاسَ فِي رُجُوعِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا، بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَمِيمٍ مُشَدَّدَةٍ، بِالْجُحْفَةِ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، ثُمَّ حَضَّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَوَصَّى بِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَمَّا وَصَلَ الْمَدِينَةَ مَكَثَ قَلِيلًا، وَفِي هَذَا الْمَرَضِ خَرَجَ كَمَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَهُوَ مَعْصُوبُ الرَّأْسِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، قَالَ الرَّاوِي فَعَجِبْنَا، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ: يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ فَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا سُدَّتْ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ، زَادَ مُسْلِمٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسِ لَيَالٍ انْتَهَى، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَعَلَى مَرْتَبَتِهِ، وَاسْتِحْقَاقِ خَلَّتِهِ، وَحَقِّيَّةِ خِلَافَتِهِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَارَأْسَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاكَ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ، فَقَالَتْ: وَاثُكْلَيَاهُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تَحْتَ مَوْتِي، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ ﷺ بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ فَأَعْهَدُ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَكَانَتِ الْحُمَّى تُصِيبُ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلَيْنَا الْبَلَاءُ وَيُضَاعَفُ لَنَا الْأَجْرُ، وَفِي الْبُخَارِيِّ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ أَجَلْ ذَلِكَ لِذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْوَعْكُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَوْ فَتْحٍ: الْحُمَّى، وَقِيلَ أَشَدُّهَا، وَقِيلَ إِرْعَادُهَا، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ أَوْ فَتْحٍ أَيْ: فَتْحِ الْعَيْنِ سَهْوُ قَلَمٍ لِمُخَالَفَتِهِ كُتُبَ اللُّغَةِ، وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ عَلَيْهِ سِقَاءٌ يَقْطُرُ مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ قَالَ: أَهْرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْعِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ، فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ، ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ. . . الْحَدِيثَ، وَلِهَذَا الْعَدَدِ خَاصِّيَّةٌ فِي دَفْعِ السِّحْرِ وَالسُّمِّ، وَفِي الْبُخَارِيِّ مَا زِلْتُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَالْأَبْهَرُ: عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ بِالْقَلْبِ إِذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ يَرَوْنَ أَنَّهُ ﷺ
مَاتَ شَهِيدًا مِنَ السُّمِّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ وَأَخْطَأَ مَنْ فَتَحَ إِذْ لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا لُقْمَةً وَاحِدَةً، قُلْتُ: لَا وَجْهَ لِلتَّخْطِئَةِ فَإِنَّهَا أُورِدَتْ بِهَا الرِّوَايَةُ، وَهِيَ مُسْتَقِيمَةٌ بِحَسَبِ الدِّرَايَةِ إِذْ أَكْلُ اللُّقْمَةِ الْوَاحِدَةِ تُسَمَّى مَرَّةً مِنَ الْأَكْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) بِالتَّصْغِيرِ (وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَشَفَ السِّتَارَةَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهَا أَيْ: رَفَعَهَا (يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ فَخَبَرُ الْآخَرِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ (كَشَفَ السِّتَارَةَ) فَهُوَ سَادٌّ مَسَدَّ الْخَبَرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ «آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى وَجْهِهِ حِينَ كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ» عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِـ «آخِرُ» بِاعْتِبَارِ تَقْدِيرِ زَمَانٍ فِي أَوَّلِ الْآخِرِ وَوَجْهُهُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ قَالَ مِيرَكُ: إِنَّهُ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ تَأَمَّلْ، وَلَا تَكْسَلْ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي (نَظَرْتُهَا) لِلنَّظْرَةِ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ أَظُنُّهُ مُنْطَلِقٌ بِرَفْعِ (مُنْطَلِقٌ) ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ الْمَنْصُوبَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَا مَفْعُولٌ بِهِ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الظَّنِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَوْلُهُ كَشَفَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ حَالٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا قَالَهُ مِيرَكُ بِتَقْدِيرِ «قَدْ» كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ بِدُونِهَا كَمَا جَوَّزَهُ آخَرُونَ فَانْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْدِيرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ التَّحْرِيرِ مَا قَالَهُ ابْنُ
стр. 458
حَجَرٍ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ كَشَفَ وَقَعَ لَفْظًا خَبَرًا عَنْ «آخِرُ» مِنْ غَيْرِ رَابِطٍ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ بِمَا يُصَحِّحُهُ كَأَنْ يُقَالَ: أُرِيدَ بِكَشْفِهَا زَمَنُ كَشْفِهَا، وَعَجِبَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَالٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْإِشْكَالِ، وَلَا لِخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ أَصْلًا انْتَهَى، وَوَجْهُ الدَّفْعِ لَا يَخْفَى، ثُمَّ قَالَ: وَالْقِيَاسُ نَصْبُ «آخِرُ» بِـ (نَظَرْتُهَا) ، وَنَظِيرُهُ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ قُلْتُ: وَفِي تَنْظِيرِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إِذْ ضَمِيرُ (نَظَرْتُهَا) لَيْسَ رَاجِعًا إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ الَّذِي هُوَ الْمُضَافُ إِلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا فِي الْآيَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الدِّرَايَةِ مَعَ أَنَّ الْأُصُولَ الْمُصَحَّحَةَ فِي الرِّوَايَةِ مُطْبِقَةٌ عَلَى رَفْعِ لَفْظِ الْآخِرِ فَتَعَيَّنَ رَفْعُ الْآخِرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا زَعْمُ أَنَّ (نَظَرْتُهَا) خَبَرٌ آخَرُ فَهُوَ إِنَّمَا صَدَرَ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ إِلْمَامٌ بِشَيْءٍ مِنَ النَّحْوِ (فَنَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ الْمُصْحَفُ مُثَلَّثَةُ الْمِيمِ مِنْ أُصْحِفُ بِالضَّمِّ أَيْ: جَعَلْتُ فِيهِ الصُّحُفَ، وَقَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: الصَّحِيفَةُ الْكِتَابُ وَالْجَمْعُ صُحُفٌ وَصَحَائِفُ وَقَدِ اسْتَثْقَلَتِ الْعَرَبُ الضَّمَّةَ فِي حُرُوفٍ فَكَسَرُوا مِيمَهَا، مِنْ ذَلِكَ: مِصْحَفٌ وَمِخْدَعٌ وَمِطْرَفٌ وَنَحْوُهَا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُصْحَفُ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ضَمُّ الْمِيمِ وَكَسْرُهَا وَفَتْحُهَا، وَالْأَوَّلَانِ مَشْهُورَانِ، كَذَا فِي التِّبْيَانِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَشْهَرُ ضَمُّهَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَسْرُهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ بَلِ الْكَسْرُ شَاذٌّ كَالْفَتْحِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ كَسْرَهَا الْأَشْهَرُ بَلْ قَالَ إِنَّهُ مَشْهُورٌ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الصِّحَاحِ مَسْطُورٌ.
ثُمَّ وَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ حُسْنُ الْبَشْرَةِ وَصَفَاءُ الْوَجْهِ وَاسْتِنَارَتُهُ وَبَهَاءُ النَّظَرِ وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي قَوْلِهِ: الْوَجْهُ هُوَ الْإِهْدَاءُ وَالْهِدَايَةُ، وَلَا يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مُتَعَلِّقًا بِظَاهِرِ الصُّورَةِ انْتَهَى، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى (وَالنَّاسُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: فِي الصَّلَاةِ وَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوا
الصَّلَاةَ مِنْ كَمَالِ الْفَرَحِ بِطَلْعَتِهِ الْمُشْعِرِ بِعَافِيَتِهِ وَأَرَادُوا أَنْ يُعْطُوهُ الطَّرِيقَ إِلَى الْمِحْرَابِ (فَأَشَارَ إِلَى النَّاسِ أَنِ اثْبُتُوا) بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا أَيْ: كُونُوا ثَابِتِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْقِيَامِ فِي الصَّفِّ (وَأَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّهُمْ) أَيْ: فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِأَمْرِهِ ﷺ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَشْعُرْ بِالْكَشْفِ إِذْ ثَبَتَ عَلَى حَالِهِ وَمَقَامِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَرْبَابِ التَّمْكِينِ فِي الدِّينِ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَرْتَبَتِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْيَقِينِ (وَأَلْقَى) أَيْ: أَرْخَى (السَّجْفَ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا كَذَا ضُبِطَ فِي الْأَصْلِ مَعًا وَاقْتَصَرَ الْحَنَفِيُّ عَلَى الْكَسْرِ فَفِي الْقَامُوسِ: السَّجْفُ وَيُكْسَرُ السَّتْرُ زَادَ فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ إِذَا كَانَ مَشْقُوقَ الْوَسَطِ (وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَيْ:
стр. 459
يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَهَذَا يُنَافِي جَزْمَ أَهْلِ السِّيَرِ بِأَنَّهُ مَاتَ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى كَمَا سَبَقَ عَنْ جَامِعِ الْأُصُولِ بَلْ وَحُكِيَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ لَكِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْآخَرِ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ النَّهَارِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الزَّوَالِ وَاشْتِدَادِ الضُّحَى يَقَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَسْتَمِرُّ فِيهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُ الشَّمْسِ، وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِأَنَّهُ ﷺ مَاتَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ وَكَذَا لِأَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، قُلْتُ: وَأَيْضًا فِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّ تَحَقُّقَ الزَّوَالِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْكَمَالِ كَمَا فِي آيَةِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ إِشَارَةً إِلَيْهِ وَدَلَالَةً عَلَيْهِ قَالَ مِيرَكُ: وَيُمْكِنُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى تَحَقُّقِ وَفَاتِهِ عِنْدَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: يُجْمَعُ بِأَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْجَامِعِ بِاعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَمَا ذَكَرَهُ المص بِاعْتِبَارِ انْقِطَاعِ الْحَيَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ، قُلْتُ: هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا لِعَدَمِ ثُبُوتِ طُولِ نَزْعِهِ بَلْ صَحَّ وُجُودُ شُعُورِهِ إِلَى النَّفَسِ الْأَخِيرِ إِلَى أَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى، هَذَا وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ لَكِنْ بِلَفْظِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَمَا هُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِهِمْ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ بِالصَّفِّ وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ أَنَسٌ وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُفْتَنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فَتُوُفِّيَ فِي يَوْمِهِ، وَفِي أُخْرَى لَهُ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا ثَلَاثًا فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ فَرَفَعَ ﷺ الْحِجَابَ فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا وَجْهُهُ مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا قَطُّ كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْهُ حِينَ وَضَحَ فَأَوْمَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَأَرْخَى الْحِجَابَ. . . الْحَدِيثَ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ
حَتَّى إِذَا كَانُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ كَشَفَ ﷺ سِتْرَ الْحُجْرَةِ فَنَظَرْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ ضَاحِكًا. . . الْحَدِيثَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ يَسَارَ أَبِي بَكْرٍ. . . الْحَدِيثَ، فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُعَارَضَةٌ بَيْنَ ابْنِ حَجَرٍ وَالْعِصَامِ أَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِهَا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ شَيْءٍ مِنْهَا بِالْمَرَامِ.
(حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعَدَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْبَصْرِيُّ (حَدَّثَنِي سُلَيْمٌ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ أَخْضَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ مُسْنِدَةً النَّبِيَّ ﷺ ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِسْنَادِ (إِلَى صَدْرِي أَوْ قَالَتْ: إِلَى حِجْرِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِكَسْرٍ، وَهُوَ مَا دُونَ الْإِبِطِ إِلَى الْكَشْحِ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ (فَدَعَا بِطَسْتٍ) أَيْ: فَطَلَبَهُ، وَهُوَ الطَّسُّ فِي الْأَصْلِ وَالتَّاءُ فِيهِ بَدَلُ السِّينِ، وَلِهَذَا يُجْمَعُ عَلَى طِسَاسٍ وَطُسُوسٍ وَيُصَغَّرُ عَلَى طُسَيْسٍ اعْتِبَارًا لِأَصْلِهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الطَّسْتُ مُؤَنَّثَةٌ، وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ وَالطَّسُّ تَعْرِيبُهَا، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهَا (لِيَبُولَ فِيهِ) بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ قُلْتُ: وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ أَمْرَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ سَهْلٌ يَسِيرٌ بِأَنْ يُقَالَ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ مِنَ الظَّرْفِ الْكَبِيرِ أَوِ الصَّغِيرِ، أَوِ التَّقْدِيرُ لِيَبُولَ فِيمَا ذَكَرَ (ثُمَّ بَالَ) أَيْ: تَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا قَالَ شَارِحٌ: وَفِي نُسْخَةٍ مَالَ أَيْ: بِالْمِيمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ (فَمَاتَ) أَيْ: وَلَحِقَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَوَصَلَ إِلَى لِقَاءِ الْمَوْلَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَاتَ فِي حِجْرِهَا وَيُوَافِقُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْهَا تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي فِي يَوْمِي بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَفِي رِوَايَةٍ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنتِي أَيْ: كَانَ رَأْسُهُ بَيْنَ
стр. 460
حَنَكِهَا وَصَدْرِهَا، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا لِلْحَاكِمِ وَابْنِ سَعْدٍ مِنْ طُرُقٍ أَنَّ رَأْسَهُ الْمُكَرَّمَ كَانَ فِي
حِجْرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ مِنْهَا لَا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ قُبَيْلَ الْوَفَاةِ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ) قَالَ مِيرَكُ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ (عَنْ مُوسَى بْنِ سَرْجَسٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ مُنْصَرِفًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ غَيْرَ مَصْرُوفٍ (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْمَوْتِ) أَيْ: مَشْغُولٌ أَوْ مُلْتَبِسٌ بِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَالْأَحْوَالُ بَعْدَهَا مُتَدَاخِلَةٌ (وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ) مِنَ الْإِدْخَالِ أَيْ: يَغْمِسُ (يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُغْمَى عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ، ثُمَّ يُفِيقُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي فِعْلُ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يُفْعَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا مِنْ كُرَبِ الْحَرَارَةِ كَالتَّجْرِيعِ بَلْ يَجِبُ التَّجْرِيعُ إِذَا اشْتَدَّتْ حَاجَةُ الْمَرِيضِ إِلَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ أُغْمَى عَلَيْهِ ﷺ مَرَّةً فَظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَلَدُّوهُ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ اللَّدُودِ، وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِي جَانِبِ الْفَمِ مِنَ الدَّوَاءِ، وَأَمَّا مَا يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ فَهُوَ الْوَجُورُ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يَلُدُّوهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى كَرَاهَةِ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ أَنْ تَلُدُّونِي فَقَالُوا: حَسِبْنَا أَنَّهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَكَانَ بِقِسْطٍ مُذَابٍ فِي زَيْتٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِتَرْكِهِمِ امْتِثَالَ نَهْيِهِ تَأْدِيبًا لَا انْتِقَامًا خِلَافًا لِمَنْ ظَنَّهُ وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْخَبَرِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ سَبَبَ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ مِمَّا يُتَدَاوَى بِهِ عَدَمُ مُلَاءَمَةِ ذَلِكَ لِدَائِهِ، فَإِنَّهُمْ ظَنُّوهُ ذَاتَ الْجَنْبِ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ؛ لِخَبَرِ ابْنِ سَعْدٍ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ لَهَا أَيْ: لِذَاتِ الْجَنْبِ عَلَيَّ سُلْطَانًا، وَالْخَبَرُ بِأَنَّهُ مَاتَ مِنْهَا ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّهُ جُمِعَ بِأَنَّهَا يُطْلَقُ عَلَى وَرَمٍ حَارٍّ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ، وَهُوَ الْمَنْفِيُّ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ رِوَايَةُ الْحَاكِمِ (ذَاتُ الْجَنْبِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَعَلَى رِيحٍ تَحْتَقِنُ بَيْنَ الْأَضْلَاعِ) ، وَهُوَ الْمُثْبَتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ) أَيْ: شَدَائِدِهِ، وَفِي تِلْكَ الشَّدَائِدِ زِيَادَةُ رَفْعِ دَرَجَاتٍ لِلْأَصْفِيَاءِ وَكَفَّارَةُ سَيِّئَاتٍ لِأَهْلِ الِابْتِلَاءِ (أَوْ قَالَ عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ) وَهِيَ شَدَائِدُهُ أَوْ حَالَاتٌ تَعْرِضُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَعَقْلِهِ مِنَ الْغَشَيَاتِ وَالْغَفَلَاتِ وَ «أَوْ» شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ (وَجَعَلَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمُرَادُ بِمُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ شَدَائِدُهُ وَمَكْرُوهَاتُهُ وَمَا يَحْصُلُ لِلْعَقْلِ مِنَ التَّغْطِيَةِ الْمُشَابِهَةِ لِلْكَسْرِ، وَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْعِشْقِ نَظِيرُ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَعْنَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَالشَّكُّ إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظِ انْتَهَى، وَقَدْ أَتَى الْحَنَفِيُّ بِمُنْكَرٍ فِي هَذَا الْمَحَلِّ حَيْثُ قَالَ: الْمُنْكَرُ ضِدُّ الْمَعْرُوفِ وَكُلُّ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ وَحَرَّمَهُ وَكَرِهَهُ فَهُوَ مُنْكَرٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأُمُورِ الْمُخَالِفَةُ لِلشَّرْعِ الْوَاقِعَةُ حَالَ شِدَّةِ الْمَوْتِ انْتَهَى، وَقَدْ تَوَلَّى الْمَرْحُومُ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ وَلِشَارِحٍ هُنَا مَا لَا يَنْبَغِي، وَهُوَ قَوْلُهُ لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا الْأُمُورُ الْمُخَالِفَةُ لِلشَّرْعِ حُرْمَةً أَوْ كَرَاهَةً الْوَاقِعَةُ حَالَ شِدَّةِ الْمَوْتِ انْتَهَى، فَقَوْلُهُ إِلَى آخِرِهِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لِعِصْمَتِهِ لَا يَخْشَى
شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ (حُرْمَةً أَوْ كِرْهَةً) غَلَطٌ صَرِيحٌ وَتَجَرُّؤٌ قَبِيحٌ انْتَهَى، لَكِنْ أَغْرَبَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ قُلْتَ الشَّيْطَانُ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ قُلْتُ تَغَلُّبُهُ عَلَيْهِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ لَا يَقْتَضِي تَغَلُّبَهُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَالِ وَبِفَرْضِ وُقُوعِهِ هُوَ آمِنٌ مِنْهُ قَطْعًا انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَوْلَوِيَّةُ الِاقْتِصَادِ حَالَةَ الْمَرِيضِ لَكِنَّ كَوْنَ الشَّيْطَانِ سَبَبًا لِلنِّسْيَانِ فِي صَلَاتِهِ لَا يُسَمَّى تَغَلُّبًا لَهُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِنْسَائِهِ حُصُولُ التَّشْرِيعِ وَبَيَانُ الْحُكْمِ لِلْأُمَّةِ بِأَنْبَائِهِ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ أَنَّهُ ﷺ اسْتَعَاذَ مِنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ فِي حَقِّهِ ﷺ كَالْكُفْرِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّهُ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ: أَعِنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِهِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ يُرِيدُ الْإِعَانَةَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا وَالتَّثَبُّتَ بِعَدَمِ الْجَزَعِ وَالْفَزَعِ لِشِدَّتِهَا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُفَسِّرُوا الْمُنْكَرَاتِ بِمَا تُنْكِرُهُ النَّفْسُ وَيَكْرَهُهُ الطَّبْعُ فَمَآلُهَا إِلَى السَّكَرَاتِ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، فَالْمَعْنَى اللَّهُمَّ أَعِنِّي فِي الصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِهِ وَمَشَقَّاتِهِ وَسَكَرَاتِهِ وَغَلَبَاتِهِ حَتَّى لَا أَغْفُلَ لِلِاشْتِغَالِ بِالْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ عَنِ الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ وَالْحَالَةِ الْأُنْسِيَّةِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ فِي خَبَرٍ مُرْسَلٍ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَأْخُذُ الرُّوحَ مِنْ بَيْنِ الْعَصَبِ وَالْأَنَامِلِ فَأَعِنِّي عَلَيْهِ وَهَوِّنْهُ عَلَيَّ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَهِيَ مُسْنِدَةٌ النَّبِيَّ ﷺ لِصَدْرِهَا وَمَعَهُ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَتْبَعَهُ ﷺ بَصَرَهُ
стр. 461
فَأَخَذْتُهُ وَقَضَمْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَيْهِ فَاسْتَنَّ بِهِ، قَالَتْ: فَمَا رَأَيْتُهُ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنْ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَلِلْعُقَيْلِيِّ: ائْتِينِي بِسِوَاكٍ رَطْبٍ فَامْضُغِيهِ، ثُمَّ ائْتِينِي بِهِ أَمْضُغُهُ لِكَيْ يَخْتَلِطَ رِيقِي بِرِيقِكِ لِكَيْ يُهَوِّنَ عَلَيَّ عِنْدَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَفِي الْمُسْنَدِ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَنْهَا: إِنَّهُ لَيُهَوِّنُ عَلَيَّ لِأَنِّي رَأَيْتُ بَيَاضَ كَفِّ عَائِشَةَ فِي الْجَنَّةِ.
(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ (الصَّبَّاحِ) (الْبَزَّارُ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْحَسَنِ (حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا أَغْبِطُ أَحَدًا (بِهَوْنِ مَوْتٍ) أَيْ: بِرِفْقِهِ فَفِي الصِّحَاحِ: الْهَوْنُ مَصْدَرُ هَانَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ أَيْ: خَفَّفَ وَهَوَّنَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَيْ: سَهَّلَهُ وَخَفَّفَهُ انْتَهَى، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ: بِالْمَوْتِ السَّهْلِ الْهَيِّنِ (بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ) أَيْ: أَبْصَرْتُ (مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) مِنْ بَيَانِ الْمَوْصُوفِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْكَرَامَةُ بِتَهْوِينِ الْمَوْتِ لَكَانَ ﷺ أَوْلَى وَأَحَقَّ بِتِلْكَ الْكَرَامَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي وَقْتِ الْمَوْتِ شَيْءٌ مِنَ الشِّدَّةِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ سُهُولَةَ الْمَوْتِ لَيْسَتْ مِمَّا تُغْتَبَطُ بِهِ وَيُتَمَنَّى مِثْلُ حَالِ الْمَغْبُوطِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ زَوَالِهَا عَنْهُ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَوْنِ شِدَّةِ الْمَوْتِ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ أَوْ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، وَإِنَّمَا فُسِّرَتِ الْغِبْطَةُ بِالْحَسَدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا كَمَا فِي حَدِيثِ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ وَعَدَلْتُ عَنْ تَفْسِيرِ (لَا أَغْبِطُ) بِلَا أَتَمَنَّى كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِعَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَعْنَى
، وَقَالَ شَارِحٌ: الْمَعْنَى فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ، وَلَا أَغْبِطُ أَحَدًا يَمُوتُ مِنْ غَيْرِ شِدَّةٍ فَإِنَّ شِدَّةَ الْمَوْتِ لَيْسَتْ مِنَ الْمُنْذِرَاتِ، وَإِنَّ سُهُولَةَ الْمَمَاتِ لَيْسَتْ مِنَ الْكَرَامَاتِ فَانْدَفَعَ قَوْلُ مَنْ قَالَ الْأَنْسَبُ أَنْ تَقُولَ أَغْبِطُ كُلَّ مَنْ مَاتَ بِشِدَّةٍ، ثُمَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ مَوْتِهِ ﷺ كَثْرَةُ غَمَرَاتِهِ وَغَشَيَاتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ غَشَيَانٌ وَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ حَتَّى أَفَاقَ وَسَبَقَ بَيَانُ شِدَّةِ الْحُمَّى عَلَيْهِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الشِّدَّةَ إِنَّمَا كَانَتْ فِي مُقَدِّمَاتِ مَوْتِهِ لَا فِي نَفْسِ سَكَرَاتِهِ كَمَا يُتَوَهَّمُ، فَمُرَادُ عَائِشَةَ أَنِّي لَا أَتَمَنَّى الْمَوْتَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ مَرَضٍ شَدِيدٍ كَمَا يَقَعُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَيَحْسَبُهُ الْعَوَامُّ أَنَّ اللَّهَ هَوَّنَ عَلَيْهِ إِكْرَامًا لَهُ، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ، هَذَا، وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا حَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَصَحَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْعَدِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الرَّفِيقُ جَمَاعَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَقِيلَ هُوَ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ رَفِيقٌ بِعِبَادِهِ، وَقِيلَ حَظِيرَةُ الْقُدْسِ، وَفِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ مِنْ أَجَلِهِ ﷺ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ جَاءَهُ جِبْرِيلُ يَعُودُهُ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ: أَجِدُنِي مَغْمُومًا مَكْرُوبًا، ثُمَّ جَاءَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَفِي الثَّالِثِ، وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ يَسْتَأْذِنُ وَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ عَلَى آدَمِيٍّ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ فَأَذِنَ لَهُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ يُخَيِّرُهُ بَيْنَ قَبْضِ رُوحِهِ وَتَرْكِهِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدِ اشْتَاقَ إِلَى لِقَائِكَ فَأَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ فَلَمَّا قَبَضَهُ وَجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا صَوْتًا مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَذَكَرَ تَعْزِيَةً طَوِيلَةً وَأَنْكَرَ النَّوَوِيُّ وُجُودَ هَذِهِ التَّعْزِيَةِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ لَا تَصِحُّ وَبَيَّنَ أَنَّ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَلِكَ بِطُولِهِ فِيهِ انْقِطَاعٌ وَمُتَكَلَّمٌ فِيهِ وَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دُخُولِ مَلَكِ الْمَوْتِ رَوَى نَحْوَهُ الطَّبَرَانِيُّ، أَقُولُ: فَالْحَدِيثُ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ فَإِمَّا حَسَنٌ أَوْ ضَعِيفٌ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْفَضَائِلِ اتِّفَاقًا وَمَعْنَى اشْتِيَاقِ اللَّهِ لِلِقَائِهِ إِرَادَةُ لِقَائِهِ بِرَدِّهِ مِنْ دُنْيَاهُ إِلَى مَعَادِهِ زِيَادَةً فِي قُرْبِهِ وَكَرَامَتِهِ كَمَا وَرَدَ: مَنْ أَرَادَ لِقَاءَ اللَّهِ أَرَادَ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى وُجُوبِ تَحْصِيلِ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِ سُبْحَانَهُ كَمَا وَرَدَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَيْ: كَامِلُونَ
стр. 462
فِي الْإِسْلَامِ مُنْقَادُونَ لِلْأَحْكَامِ مُخْلِصُونَ فِي مَحَبَّةِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ (قَالَ أَبُو عِيسَى سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ) وَهُوَ مِنْ أُكَابِرِ مَشَايِخِ التِّرْمِذِيِّ وَالْعُمْدَةُ فِي مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ (فَقُلْتُ لَهُ مَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ؟) مَنِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ (هَذَا) أَيِ: الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ الْمَسْطُورِ، وَإِنَّمَا اسْتَفْهَمَ عَنْهُ فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْعَلَاءِ مُتَعَدِّدٌ بَيْنَ الرُّوَاةِ (قَالَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ) بِجِيمَيْنِ وَجَرِّ الِابْنِ الثَّانِي وَيُقَالُ أَنَّهُ أَخُو خَالِدٍ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ.
(حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) بِالتَّصْغِيرِ (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) أَيْ: مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ هُوَ ابْنُ الْمُلَيْكِيِّ)
بِالتَّصْغِيرِ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) مُصَغَّرًا (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ) أَيْ: فِيمَا هِيَ لِمَا سَيَأْتِي أَيُدْفَنُ، وَفِي أَيِّ مَكَانٍ دَفْنُهُ فَقِيلَ فِي مَسْجِدِهِ، وَقِيلَ عِنْدَ جَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَقِيلَ بِمَكَّةَ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) جَوَابًا عَنْ كُلٍّ مِنَ السُّؤَالَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ شَارِحٍ لَا فِي أَصْلِ الدَّفْنِ، وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْهُ (سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ) إِيمَاءً إِلَى كَمَالِ اسْتِحْضَارِهِ وَحِفْظِهِ (قَالَ مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ) أَيِ: اللَّهُ أَوِ النَّبِيُّ (أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ادْفِنُوهُ) بِهَمْزِ وَصْلٍ وَكَسْرِ فَاءٍ (فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ) وَكَأَنَّهُ ﵁ حَمَلَ الْمَوْضِعَ عَلَى أَخَصِّ مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ مِنْ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَلَعَلَّهُ ﷺ لَمْ يُخَوَّلْ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ لِيَكُونَ شَرَفُ الْمَكَانِ بِالْمَكِينِ وَلِيَكُونَ مُسْتَقِلًّا فِي الرِّحْلَةِ إِلَيْهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَالتَّبَرُّكِ بِمَا لَدَيْهِ ﷺ .
وَأَمَّا يُوسُفُ ﵇ فَقُبِرَ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، وَإِنَّمَا نُقِلَ إِلَى آبَائِهِ بَعْدُ بِفِلَسْطِينَ فَلَا يُنَافِيهِ الْحَدِيثُ أَوْ أَنَّ مَحَبَّةَ يُوسُفَ ﵇ لِدَفْنِهِ بِمِصْرَ كَانَتْ مُعَيَّاةً بِنَقْلِ مَنْ يَنْقُلُهُ إِلَى آبَائِهِ، وَأَمَّا مُوسَى ﵇ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَاءَ أَنَّ عِيسَى ﵇ يُدْفَنُ بِجَنْبِ نَبِيِّنَا ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْخَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ بَعْدَهُمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْأَكْرَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَعَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بِوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ (وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ حَدَّثَنَا (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ جَبْهَتِهِ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ (بَعْدَمَا مَاتَ) وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَيْضًا، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ اتِّبَاعًا ﷺ فِي تَقْبِيلِهِ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَيْثُ قَبَّلَهُ، وَهُوَ مَيِّتٌ، وَهُوَ يَبْكِي حَتَّى سَالَ دُمُوعُهُ عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ.
(حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَطَّارُ) بِالرَّفْعِ (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ نِسْبَةً إِلَى بَطْنٍ مِنَ الْأَزْدِ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ) بِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، ثُمَّ نُونٌ مَضْمُومَةٌ، وَوَاوٌ سَاكِنَةٌ وَمُهْمَلَةٌ بَصْرِيٌّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّقْرِيبِ (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَوَضَعَ فَمَهُ) وَفِي نُسْخَةٍ فَاهُ بِأَلِفٍ
стр. 463
بَدَلَ الْمِيمِ (بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى سَاعِدَيْهِ، وَقَالَ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ انْزِعَاجٍ وَقَلَقٍ بَلْ بِخَفْضِ صَوْتٍ (وَانَبِيَّاهُ) بَهَاءٍ سَاكِنَةٍ لِلسَّكْتِ تُزَادُ وَقْفًا لِإِرَادَةِ ظُهُورِ الْأَلِفِ لِخَفَائِهَا وَتُحْذَفُ وَصْلًا، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ آخِرَهُ الْفَاءُ لِيَمْتَدَّ بِهِ الصَّوْتُ وَلِيَتَمَيَّزَ الْمَنْدُوبُ عَنِ الْمُنَادَى (وَاصَفِيَّاهُ وَاخَلِيلَاهُ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَحَدَرَ فَاهُ فَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَانَبِيَّاهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ وَاخَلِيلَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَوَضَعَ فَمَهُ عَلَى جَبِينِهِ فَجَعَلَ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي وَيَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ عَدِّ أَوْصَافِ الْمَيِّتِ بِصِيغَةِ الْمَنْدُوبِ لَكِنَّهُ بِلَا نَوْحٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْدُوبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَفِيهِ حِلُّ نَحْوِ ذَلِكَ بِلَا نَوْحٍ، وَلَا نَدْبٍ، ثُمَّ لَا يُنَافِي هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ ثَبَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَ مِنْ غَيْرِ انْزِعَاجٍ وَقَلَقٍ وَجَزَعٍ وَفَزَعٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرَانِيُّ.
(حَدَّثَنَا بِشْرُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (ابْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُّ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ) أَيِ اسْتَنَارَ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الْمَدِينَةِ (كُلُّ شَيْءٍ) فَمِنْ بَيَانِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ أَيْ: تَنَوَّرَ جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْمَدِينَةِ نُورًا حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا لِمَا فِي دُخُولِهِ مِنْ أَنْوَاعِ أَنْوَارِ الْهِدَايَةِ الْعَامَّةِ وَرَفْعِ أَصْنَافِ أَطْوَارِ الظُّلْمَةِ الطَّامَّةِ مَعَ الْإِشَارَةِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ إِلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ كَأَنَّهُ اقْتَبَسَ النُّورَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوِ الْإِضَاءَةَ كِنَايَةً عَنِ الْفَرَحِ التَّامِّ لِسُكَّانِ الْمَدِينَةِ مَعَ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى أَهْلِ الْعَدَاوَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّجْرِيدِ كَقَوْلِكَ لَتَلْقَيَنَّ مِنْهُ الْأَسَدَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِضَاءَةَ كَانَتْ مَحْسُوسَةً كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَأَغْرَبَ شَارِحٌ بِقَوْلِهِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِضَاءَةَ كَانَتْ مَحْسُوسَةً (فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ) وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْإِضَاءَةِ وَالْإِظْلَامِ مَعْنَوِيَّانِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مَحْسُوسَانِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُعْجِزَةِ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْجِزَةَ لَا تَثْبُتُ بِمِثَالِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِرَاءَةَ الْحِسِّيَّةَ فَلَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهَا عَلَى الْإِرَاءَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا سِيَّمَا فِي أَلْسِنَةِ الْفُصَحَاءِ عِنْدَ مَوْتِ الْعُظَمَاءِ أَنَّهُ أَظْلَمَتِ الدُّنْيَا وَعِنْدَ الْهَنَاءِ أَضَاءَ الْعَالَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَمَا نَقَضْنَا أَيْدِيَنَا عَنِ التُّرَابِ) مَا نَافِيَةٌ وَنَفْضُ الشَّيْءِ تَحْرِيكُهُ لِانْتِفَاضِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ لِلِاسْتِئْنَافِ أَوْ لِلْعَطْفِ عَلَى صَدْرِ الْكَلَامِ السَّابِقِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ جَعَلَ الْوَاوَ لِلْحَالِ فَتَأَمَّلْ فِي كُلٍّ مِنَ الْمَقَالِ، وَالْمَعْنَى وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا عَنْ تُرَابِ الْقَبْرِ (وَإِنَّا) بِالْكَسْرِ أَيْ: وَالْحَالُ إِنَّا (لَفِي دَفْنِهِ) أَيْ: لَفِي مُعَالَجَةِ دَفْنِهِ ( ﷺ حَتَّى أَنْكَرْنَا) أَيْ: نَحْنُ (قُلُوبَنَا) بِالنَّصْبِ أَيْ: تَغَيَّرَتْ حَالُهَا بِوَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ تَبْقَ عَلَى مَا كَانَتْ مِنَ الرِّقَّةِ وَالصَّفَا لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ وَبَرَكَةِ الصُّحْبَةِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَغْيِيرِ حَالِهِمْ وَعَدَمِ بَقَاءِ صَفَاءِ خَاطِرِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ حَتَّى قَيَّدَ لِنَفْيِ النَّفْضِ يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا قُلُوبَهُمْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الصَّفَاءِ وَالرِّقَّةِ لِانْقِطَاعِ مَادَّةِ الْوَحْيِ وَفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدُّهُمْ مِنْ قِبَلِ الرَّسُولِ
ﷺ مِنَ التَّأْيِيدِ وَالتَّعْلِيمِ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ انْتَهَى، وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ إِنْكَارُ الْقُلُوبِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى نَفْضِ
стр. 464
التُّرَابِ عَلَيْهِ ﷺ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا رُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَادَ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَتْ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَوَضَعَتْهُ عَلَى عَيْنِهَا وَأَنْشَدَتْ
(مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدَ ... أَنْ لَا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا)
(صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبُ لَوْ أَنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ صِرْنَ لَيَالِيَا)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ وَفَاطِمَةُ إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَ غَلَبَةِ الْحُزْنِ عَلَيْهَا بِحَيْثُ أَذْهَلَهَا كَغَيْرِهَا، قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّدْمَةُ الْأُولَى فَهِيَ لِغَلَبَةِ الْحُزْنِ أَوْلَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِنَّا الْوَاوُ هُنَا لِلْحَالِ أَيْضًا فَهِيَ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنَ الْمُتَدَاخِلَةِ بَيْنَ بِهِمَا أَنَّ ذَلِكَ الْإِظْلَامَ وَقَعَ عَقِيبَ مَوْتِهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ مُهْمَلَةٍ وَحَتَّى غَايَةٌ لِلْإِظْلَامِ يَعْنِي أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى قُلُوبُنَا فَمُنَاقِضٌ لِمَا اخْتَارَهُ مِنَ الْإِظْلَامِ الْحِسِّيِّ دُونَ الْمَعْنَوِيِّ وَمُعَارَضٌ لِمَا يُفِيدُهُ الْحَالُ الْأُولَى مِنَ التَّقْيِيدِ لِلْإِظْلَامِ بِحَالِ عَدَمِ النَّفْضِ إِذْ هُوَ يُنَافِي حُصُولَهُ عَقِيبَ مَوْتِهِ ﵇ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ النَّبِيُّ ( ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) هَذَا مَعَ إِجْمَالِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَرْبَابِ النَّقْلِ وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مُفَصَّلًا.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ الصَّادِقُ ابْنُ الْبَاقِرِ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ) أَيِ: الْبَاقِرُ، وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ (قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَمَكَثَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا أَيْ: لَبِثَ (ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ) بِالْمَدِّ وَزِيدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَهُ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ (وَدُفِنَ مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ: بَعْضِ أَجْزَائِهِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ دُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ وَسَطَ اللَّيْلِ، وَقِيلَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَقِيلَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ انْتَهَى، (قَالَ سُفْيَانُ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَقَالَ سُفْيَانُ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ (يُسْمَعُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (صَوْتُ الْمَسَاحِي) الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي حَثْيِ التُّرَابِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ مِسْحَاةٍ، وَهِيَ كَالْمِجْرَفَةِ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ حَدِيدٍ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْمِيمَ زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ السَّحْوِ بِمَعْنَى الْكَشْفِ وَالْإِزَالَةِ (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا فِي الْجَامِعِ مِنْ أَنَّهُ وَسَطَ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسَطِ الْجَوْفُ أَوْ كَانَ الِابْتِدَاءُ مِنَ الْوَسَطِ وَانْتَهَى، إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ فَفِي الْجُمْلَةِ بَيَانٌ
لِإِجْمَالِ رِوَايَةِ الْبَاقِرِ، ثُمَّ الْوَجْهُ فِي تَأْخِيرِ تَكْفِينِهِ وَتَدْفِينِهِ مَعَ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ تَعْجِيلَهُ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ فَجْأَةً فَيُتْرَكَ حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ لِأَهْلِ بَيْتٍ أَخَّرُوا دَفْنَ مَيِّتِهِمْ، عَجِّلُوا دَفْنَ مَيِّتِكُمْ، وَلَا تُؤَخِّرُوهُ أَنَّهُ كَانَ النَّاسُ أُمِّيِّينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ.
كَمَا سَيَجِيءُ فِي حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ فَلَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ الْعُظْمَى وَالْبَلِيَّةُ الْكُبْرَى وَقَعَ الِاضْطِرَابُ بَيْنَ الْأَصْحَابِ كَأَنَّهُمْ أَجْسَادٌ بِلَا أَرْوَاحٍ وَأَجْسَامٌ بِلَا عُقُولٍ حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ صَارَ عَاجِزًا عَنِ النُّطْقِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ ضَعِيفًا نَحِيفًا وَبَعْضُهُمْ صَارَ مَدْهُوشًا وَشَكَّ بَعْضُهُمْ فِي مَوْتِهِ وَكَانَ مَحَلَّ الْخَوْفِ عَنْ هُجُومِ الْكُفَّارِ وَتَوَهُّمِ وُقُوعِ الْمُخَالَفَةِ فِي أَمْرِ الْخِلَافَةِ بَيْنَ الْأَبْرَارِ فَاشْتَغَلُوا بِالْأَمْرِ الْأَهَمِّ، وَهُوَ الْبَيْعَةُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيرِهَا مِنَ الْفِتْنَةِ وَلِيَكُونَ لَهُمْ إِمَامٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِيمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ الْقَضِيَّةِ فَنَظَرُوا فِي الْأَمْرِ فَبَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ بَايَعُوهُ بِالْغَدِ بَيْعَةً أُخْرَى وَكَشَفَ اللَّهُ بِهِ الْكُرْبَةَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَغَسَّلُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ بِمُلَاحَظَةِ رَأْيِ الصِّدِّيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بِفَتْحِ نُونٍ وَكَسْرِ مِيمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ) قِيلَ هَذَا سَهْوٌ مِنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ بِاعْتِبَارِ الِانْتِهَاءِ وَالثَّانِيَ بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ يَعْنِي الِابْتِدَاءَ بِتَجْهِيزِهِ فِي يَوْمِ
стр. 465
الثُّلَاثَاءِ وَفَرَاغِ الدَّفْنِ مِنْ آخِرِ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ (قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: وَالْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا، وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى حَدَّثَنَا (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ سَلَمَةُ (ابْنُ نُبَيْطٍ) بِالتَّصْغِيرِ (أُخْبِرْنَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَنْ نُعَيْمِ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الْأَشْجَعِيِّ الْكُوفِيِّ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ يُكْنَى أَبَا سَلَمَةَ، وَفِي التَّقْرِيبِ أَبَا فِرَاسٍ ثِقَةٌ يُقَالُ: اخْتَلَطَ مِنَ الْخَامِسَةِ قَالَ الْجَزَرِيُّ شَرِيطٌ بِفَتْحِ الشِّينِ صَحِيحٌ وَبِالضَّمِّ غَلَطٌ فَاحِشٌ زِيدَ فِي نُسْخَةٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِخَطِّ مِيرَكَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ سَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ أَخْبَرَنَا بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ مِيرَكُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ أَنَّ نُعَيْمَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ هَذَا، وَفِي التَّقْرِيبِ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ النُّعْمَانُ بْنُ أَشَمَّ الْأَشْجَعِيُّ ثِقَةٌ رُمِيَ بِالنَّصْبِ مِنَ الرَّابِعَةِ مَاتَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ انْتَهَى، وَبِخَطِّ مِيرَكَ تَحْتَهُ الرَّجُلُ الْمَرْمِيُّ بِالنَّصْبِ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلَا كَرَامَةَ لَهُ بَلْ هُوَ مَلْعُونٌ كَذَّابٌ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قُلْتُ هَذَا لَيْسَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُجَوِّزُوا لَعْنَ أَحَدٍ بِالْخُصُوصِ لَا مِنَ النَّوَاصِبِ، وَلَا مِنَ الرَّوَافِضِ بَلْ وَلَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَّا مَنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ فَكَيْفَ يُلْعَنُ مَنِ اتُّهِمَ بِكَوْنِهِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَهُمْ مِنَ الْمُبْتَدِعِينَ غَيْرُ خَارِجِينَ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ وَأَيْضًا لَيْسَ مَذْهَبُ الْمُحَدِّثِينَ رَدَّ النَّوَاصِبِ وَالرَّوَافِضِ بِمُجَرَّدِ بِدْعَتِهِمْ وَرُبَّمَا يُصَرِّحُونَ فِي حَقِّ بَعْضٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ بِأَنَّهُ ثِقَةٌ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ خَارِجِيًّا أَوْ
رَافِضِيًّا أَنْ يَكُونَ كَذَّابًا أَوْ فَاسِقًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أَيْ: هُوَ صَحَابِيٌّ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: سَالِمُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيُّ صَحَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ (قَالَ أُغْمِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: غُشِيَ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) فَفِي النِّهَايَةِ أُغْمِيَ عَلَى الْمَرِيضِ إِذَا غُشِيَ عَلَيْهِ كَأَنَّ الْمَرَضَ سَتَرَ عَقْلَهُ وَغَطَّاهُ (فِي مَرَضِهِ) الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ (فَأَفَاقَ فِيهِ) أَيْ: فَرَجَعَ إِلَى مَا كَانَ قَدْ شُغِلَ عَنْهُ فَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدْوَاءِ وَأَنْوَاعِ الِابْتِلَاءِ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ فَإِنَّهُ نَقْصٌ يُنَافِي مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَيَّدَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازَ الْإِغْمَاءِ بِغَيْرِ الطَّوِيلِ وَجَزَمَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ قَالَ السُّبْكِيُّ وَلَيْسَ إِغْمَاؤُهُمْ كَإِغْمَاءِ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَرِحُوا سَهْمَ الظَّاهِرَةِ دُونَ قُلُوبِهِمْ وَقُوَّتِهِمُ الْبَاطِنَةِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا عُصِمَتْ مِنَ النَّوْمِ الْأَخَفِّ فَالْإِغْمَاءُ بِالْأَوْلَى، وَأَمَّا الْجُنُونُ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ قُلْتُ وَلِأَنَّهُ مِمَّا نَفَى اللَّهُ عَنْهُمْ مُطْلَقًا فِي مَوَاضِعَ وَأَلْحَقَ بِهِ السُّبْكِيُّ الْعَمَى، وَقَالَ لَمْ يَعْمَ نَبِيٌّ قَطُّ وَمَا ذُكِرَ عَنْ شُعَيْبٍ أَنَّهُ كَانَ ضَرِيرًا فَلَمْ يَثْبُتْ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَحَصَلَتْ لَهُ غِشَاوَةٌ وَزَالَتْ وَحَكَى الرَّازِيُّ عَنْ جَمْعٍ فِي يَعْقُوبَ مَا يُوَافِقُهُ قُلْتُ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا (فَقَالَ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ؟) بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهِيَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ الْآخِرِ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَالْمَعْنَى أَحَضَرَ وَقْتُهَا؟ (فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: مُرُوا بِلَالًا) أَمْرٌ مُخَفَّفٌ مِنَ الْأَمْرِ نَحْوَ خُذُوا وَكُلُوا (فَلْيُؤَذِّنْ) بِتَشْدِيدِ الذَّالِ مِنَ التَّأْذِينِ أَيْ: فَلْيُنَادِ بِالصَّلَاةِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ وَأَنْسَبُ بِقَوْلِهِ (وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ) أَيْ: إِمَامًا لَهُمْ (أَوْ قَالَ بِالنَّاسِ) أَيْ: جَمَاعَةً أَوِ الْجَارُّ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ، وَالتَّشْدِيدُ هُوَ الْمَضْبُوطُ فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ وَخَالَفَ الذَّالَ، (فَلْيُعْلِمْهُ) وَبِفَتْحٍ وَتَشْدِيدٍ أَيْ: فَلْيَدْعُهُ انْتَهَى، وَلَيْسَ هُنَا مَرْجِعٌ لِلضَّمِيرِ وَالْمُقَدَّرُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ
стр. 466
النَّاسِ عَلَى أَنَّ الْمُشَدَّدَ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ (ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَفَاقَ) قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ وَحِكْمَةُ مَا يَعْتَرِي الْأَنْبِيَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الِابْتِلَاءِ تَكْثِيرُ حَسَنَاتِهِمْ وَتَعْظِيمُ دَرَجَاتِهِمْ وَتَسْلِيَةُ النَّاسِ بِحَالَاتِهِمْ وَلِئَلَّا يَفْتَتِنَ النَّاسُ بِمَقَامَاتِهِمْ وَلِئَلَّا يَعْبُدُوهُمْ لِمَا ظَهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ خَوَارِقِ الْمُعْجِزَاتِ وَظَوَاهِرِ الْبَيِّنَاتِ (فَقَالَ مُرُوا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبِي رَجُلٌ أَسِيفٌ) فَعِيلٌ مِنَ الْأَسَفِ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَلِابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَاصِمٍ أَحَدِ رُوَاتِهِ: الْأَسِيفُ الرَّحِيمُ، وَفِي الصِّحَاحِ: الْأَسَفُ أَشَدُّ الْحُزْنِ وَالْأَسِيفُ وَالْأَسَوفُ السَّرِيعُ الْحُزْنِ الرَّقِيقُ الْقَلْبِ (إِذَا قَامَ ذَلِكَ الْمَقَامَ بَكَى) أَيْ: لِفَقْدِ خَلِيلِهِ الْإِمَامِ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِتَدَبُّرِهِ الْقُرْآنَ، وَفِي نُسْخَةٍ يَبْكِي (فَلَا يَسْتَطِيعُ) أَيِ: الْإِمَامَةَ أَوِ الْقِرَاءَةَ (فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَهُ) أَيْ: بِالْقِيَامِ لِهَذَا الْأَمْرِ لَكَانَ حَسَنًا فَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلشَّرْطِ بَلْ لِلتَّمَنِّي فَلَا يَطْلُبُ جَوَابًا.
وَأَمَّا تَقْدِيرُ بَعْضِهِمْ «لَكَانَ أَحْسَنَ» فَلَيْسَ بِحَسَنٍ مِنْ حَيْثِيَّةٍ حُسْنِ الْأَدَبِ (قَالَ) أَيْ:
سَالِمُ بْنُ عُبَيْدٍ (ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ) أَيْ: حَصَلَ لَهُ الِاسْتِغْرَاقُ (فَأَفَاقَ فَقَالَ مُرُوا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ) جَمْعُ صَاحِبَةٍ (أَوْ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ) ﵇ جَمْعُ صَوَاحِبَ فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ كُلٌّ مِنْهُمَا جَمْعُ صَاحِبَةٍ لَكِنَّ الثَّانِيَ قَلِيلٌ فَسَهْوٌ ظَاهِرٌ.
ثُمَّ لَفْظُ ﵇ لَيْسَ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ بَابِ الزِّيَادَاتِ الْمُلْحَقَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْكَلِمَاتِ الْمُدْرَجَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّكُنَّ مِثْلُ صَوَاحِبِ يُوسُفَ فِي إِظْهَارِ خِلَافِ مَا فِي الْبَاطِنِ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْخِطَابَ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، فَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ عَائِشَةُ فَقَطْ كَمَا أَنَّ صَوَاحِبَ لَفْظُ جَمْعٍ، وَالْمُرَادُ: زُلَيْخَا فَقَطْ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ تَبَعًا لِشَارِحٍ: الْمَعْنَى إِنَّكُنَّ فِي التَّظَاهُرِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى مَا تُرِدْنَهُ وَإِلْحَاحِكُنَّ عَلَى مَا تَمِلْنَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنَاقِضُهُ مَا ذَكَرَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِطَابِ هِيَ عَائِشَةُ وَحْدَهَا.
ثُمَّ وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ عَائِشَةَ وَزُلَيْخَا أَنَّهَا اسْتَدْعَتِ النِّسْوَةَ وَأَظْهَرَتْ لَهُنَّ الْإِكْرَامَ بِالضِّيَافَةِ وَمُرَادُهَا زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَى حُسْنِ يُوسُفَ ﵇ وَيَعْذُرْنَهَا فِي مَحَبَّتِهَا لَهُ وَيَتْرُكْنَهَا عَنِ الْمَلَامِ وَأَنَّ عَائِشَةَ أَظْهَرَتْ أَنَّ سَبَبَ إِرَادَتِهَا صَرْفَ الْإِمَامَةِ عَنْ أَبِيهَا لِكَوْنِهِ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ تَعْنِي الْمَأْمُومِينَ الْقِرَاءَةَ لِبُكَائِهِ وَمُرَادُهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَتْ: لَقَدْ رَاجَعْتُهُ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا وَإِنِّي كُنْتُ أَرَى أَنْ لَا يَقُومَ مَقَامَهُ أَحَدٌ إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ إِنَّ صَوَاحِبَ يُوسُفَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُنَّ إِظْهَارُ خِلَافِ مَا فِي الْبَاطِنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ.
أَقُولُ: وَلَا يَبْعُدُ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ الْأَنْسَبُ مَبْنًى وَالْأَقْرَبُ مَعْنًى أَنَّ الْمُرَادَ بِصَوَاحِبَاتِ يُوسُفَ نِسَاءُ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مَكْرًا؛ لِأَنَّهُنَّ قُلْنَ ذَلِكَ وَأَظْهَرْنَ الْمُعَايَبَةَ هُنَالِكَ تَوَسُّلًا إِلَى إِرَاءَتِهَا يُوسُفَ لَهُنَّ وَكَانَ يُوصَفُ حُسْنُهُ وَجَمَالُهُ عِنْدَهُنَّ، ثُمَّ
стр. 467
قَدْ يُقَالُ: الْخِطَابُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَجُمِعَ إِمَّا تَعْظِيمًا لَهُمَا أَوْ تَغْلِيبًا لِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْحَاضِرَاتِ أَوِ الْحَاضِرِينَ أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ.
وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْ: أُغْمِيَ إِلَى آخِرِهِ رَوَى الشَّيْخَانِ أَيْضًا بَعْضَهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ وَأَنَّ عَائِشَةَ أَجَابَتْهُ، وَإِنْ كَرَّرَ ذَلِكَ فَكَرَّرَتِ الْجَوَابَ وَأَنَّهُ قَالَ (إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ أَوْ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَتْ لَهَا حَفْصَةُ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِصَوَاحِبِ يُوسُفَ مِثْلُهُنَّ مِنْ جِنْسِ النِّسَاءِ الْوَارِدِ فِي حَقِّهِنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
(قَالَ) أَيْ: سَالِمٌ (فَأُمِرَ بِلَالٌ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (فَأَذَّنَ وَأُمِرَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ) أَيْ: تِلْكَ الصَّلَاةَ وَمَجْمُوعُ مَا صَلَّى بِهِمْ سَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً كَامِلَةً عَلَى مَا نَقَلَهُ الدِّمْيَاطِيُّ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَجَعَلَ قَوْلَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ مَفْعُولَ صَلَّى الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ لِمَنْ لَهُ فَهْمٌ قَوِيمٌ (ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ خِفَّةً فَقَالَ انْظُرُوا) أَيْ: لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَيْ: تَفَكَّرُوا وَتَدَبَّرُوا (مَنْ أَتَّكِئُ عَلَيْهِ) أَيْ: لِأَخْرُجَ لِلصَّلَاةِ (فَجَاءَتْ بَرِيرَةُ) هِيَ جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِخُرُوجِهَا مَعَهُ مَعَ أَنَّهَا مَعْتُوقَةٌ لِعَائِشَةَ، وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تُوصِلَهُ إِلَى الْبَابِ، ثُمَّ الْأَصْحَابُ يُوصِلُونَهُ إِلَى الْمِحْرَابِ وَكَذَا لَا يُنَاسِبُهَا قَوْلُهَا (وَرَجُلٌ آخَرُ) قَالَ مِيرَكُ: وَاسْمُهُ نُوبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمُخَفَّفَةِ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ امْرَأَةٌ انْتَهَى، يَعْنِي لِقَوْلِهَا وَرَجُلٌ آخَرُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِبَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ بَرِيرَةَ وَنُوبَةَ وَضَبَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ أَمَةٌ، هَذَا وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فِي سِيَاقٍ آخَرَ رَجُلَانِ عَبَّاسٌ وَعَلِيٌّ لَفْظُ الشَّيْخَيْنِ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْآخَرَ بِعَلِيٍّ، وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ وَيَدُهُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَيَدُهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ وَجَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ «بَيْنَ رَجُلَيْنِ» أَحَدُهُمَا أُسَامَةُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْعَبَّاسُ وَوَلَدُهُ الْفَضْلُ، وَفِي أُخْرَى الْعَبَّاسُ وَأُسَامَةُ وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيُّ أُسَامَةُ وَالْفَضْلُ وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ الْفَضْلُ وَثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وَجَمَعُوا بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ جَمِيعِهَا بِتَعَدُّدِ خُرُوجِهِ أَوْ بِأَنَّ الْعَبَّاسَ لِكِبَرِ سِنِّهِ وَشَرَفِ شَأْنِهِ كَانَ مُلَازِمًا لِلْأَخْذِ بِيَدِهِ، وَلِذَا ذَكَرَتْهُ عَائِشَةُ وَالْبَاقُونَ تَنَاوَبُوا وَتَنَافَسُوا وَخُصُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ خَوَاصِّ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَمَّا لَمْ يُلَازِمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ أَبْهَمَتْ عَائِشَةُ الرَّجُلَ الَّذِي مَعَ الْعَبَّاسِ لَكِنَّ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْعَبَّاسِ فَلَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَفِي الْجُمْلَةِ (فَاتَّكَأَ عَلَيْهِمَا) أَيِ اعْتَمَدَ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَخَرَجَ مِنَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ (فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ) أَيْ: شَرَعَ أَوْ قَصَدَ (لِيَنْكُصَ) بِضَمِّ الْكَافِ كَذَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُضْبَطَ بِكَسْرِ الْكَافِ طِبْقَ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ (عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) بِالْكَسْرِ عَلَى مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ وَالْعَشَرَةُ وَمَا فَوْقَهُمْ نَعَمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ ضَمُّ الْكَافِ وَكَذَا جَوَّزَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ أَيْ: لِيَتَأَخَّرَ وَالنُّكُوصُ الرُّجُوعُ قَهْقَرَى (فَأَوْمَأَ) بِالْهَمْزِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي نُسْخَةٍ
فَأَوْمَى، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ أَيْ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى أَبِي بَكْرٍ (أَنْ يَثْبُتَ مَكَانُهُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ رَجَعَ كَمَا سَبَقَ خِلَافًا
стр. 468
لِابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ ﷺ اقْتَدَى بِهِ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا أَنَّ اقْتِدَاءَهُ بِهِ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَكَوْنِهِ ﷺ إِمَامًا حِينَئِذٍ أَوْ مَأْمُومًا، وَفِيمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا مِنَ الْمَسَائِلِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ (حَتَّى قَضَى أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: أَتَمَّ (صَلَاتَهُ) غَايَةً لِقَوْلِهِ يَثْبُتُ، وَإِنَّمَا أَظْهَرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ ﷺ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الْإِمَامُ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ حَتَّى قَضَى مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ أَيْ: فَثَبَتَ ﷺ حَتَّى فَرَغَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ انْتَهَى، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَثْبُتَ فَثَبَتَ النَّبِيُّ ﵇ حَتَّى فَرَغَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ (ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ) أَيْ: وَأَبُو بَكْرٍ غَائِبٌ بِالْعَالِيَةِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ بِنْتِ خَارِجَةَ لِضَرُورَةِ حَاجَةٍ دَعَتْهُ إِلَى الْخُرُوجِ بَعْدَ إِذْنِهِ لَهُ ﷺ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ إِلَهِيَّةٍ (فَقَالَ عُمَرُ) أَيْ: وَقَدْ سَلَّ سَيْفَهُ (وَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا) أَيْ: ظَهْرًا أَوْ بَطْنًا وَكَانَ يَقُولُ أَيْضًا إِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ ﷺ كَمَا أُرْسِلَ إِلَى مُوسَى ﷺ فَلَبِثَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تُقَطَّعَ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلُهُمْ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَوِ الْمُرْتَدِّينَ أَوِ الْمُرِيدِينَ لِلْخِلَافَةِ قَبْلَ حُضُورِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْحَامِلُ عَلَيْهِ ظَنُّهُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْغَشَيَانِ الْمُعْتَادِ لَهُ ﷺ أَوْ ذُهُولِ حِسِّهِ فَأَحَالَ الْمَوْتَ عَلَيْهِ ﷺ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ) أَيْ: سَالِمٌ (وَكَانَ النَّاسُ) أَيِ: الْعَرَبُ (أُمِّيِّينَ) أَيْ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ الْأُمِّيُّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْأُمِّيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ، وَقِيلَ إِلَى أُمِّ الْقُرَى، وَهِيَ مَكَّةُ وَعَلَى التَّقَادِيرِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْكِتَابَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالدِّرَاسَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأُمُورِ الْحِسَابِ وَالْكِتَابِ كَمَا هُوَ حَقُّهَا فَكَأَنَّهُ شُبِّهَ بِالطِّفْلِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَلَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا أَوْ بِسُكَّانِ أُمِّ الْقُرَى فَإِنَّهُمْ مَشْهُورُونَ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَحِسَابٍ، وَلَا كِتَابَةٍ، وَلَا دِرَاسَةٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا قِيلَ لِمَنْ لَمْ يَكْتُبْ
وَلَمْ يَقْرَأْ أُمِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمَّةِ الْعَرَبِ وَكَانُوا لَا يَكْتُبُونَ، وَلَا يَقْرَءُونَ وَيُقَالُ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُ أُمِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ قِرَاءَةً، وَلَا كِتَابَةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ كَانَتْ فِيهِمْ قَلِيلَةً نَادِرَةً فَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّمُوا الْكُتُبَ وَلَمْ يَقْرَءُوهَا حَتَّى يَعْرِفُوا حَقَائِقَ الْأُمُورِ، وَلَا يُذْهِلَهُمْ عَظَائِمُ الْمِحَنِ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ فَلَا جَرَمَ تَحَيَّرُوا فِي أَمْرِ مَوْتِهِ ﷺ إِذْ سَبَبُ الْعِلْمِ بِجَوَازِ مَوْتِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَيْفِيَّةِ انْتِقَالِهِمْ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ إِنَّمَا هُوَ الْمُمَارَسَةُ بِالْمُدَارَسَةِ أَوِ الْمُشَاهَدَةِ، وَلِذَا قَالَ (لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ فَأَمْسَكَ النَّاسُ) أَيْ:
стр. 469
أَنْفُسَهُمْ عَنِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ ﷺ مَاتَ مَعَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَوْتِهِ فَوَضَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ يَدَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ رُفِعَ الْخَاتَمُ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ وَالْحِكْمَةُ فِي امْتِنَاعِهِمْ عَنْ إِظْهَارِ مَوْتِهِ ﷺ ظُهُورُ جَلَالَةِ الصِّدِّيقِ بِمَا أَظْهَرَ مِنَ الْجَلَادَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ وَالْقِيَامِ فِي الْقَضِيَّةِ بِوُسْعِ الطَّاقَةِ عِنْدَ تَحَيُّرِ أَكَابِرِ الْأُمَّةِ مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ عَظِيمِ الْغُمَّةِ (قَالُوا: يَا سَالِمُ، انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَادْعُهُ) وَفِي الْعُدُولِ عَنِ اسْمِهِ بِوَصْفِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ خَاصٌّ بِهَذَا الْمَعْنَى خُصُوصِيَّةً زَائِدَةً مُسْتَفَادَةً مِنْ مُدَاوَمَةِ مُلَازَمَتِهِ وَحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ وَالْمُشَارُ إِلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا وَكَأَنَّهُ اسْتَمَرَّ نَفْيُ الْحُزْنِ عَنْهُ عِنْدَ كُلِّ مِحَنٍ وَتَقَوَّى قَلْبُهُ عِنْدَ ظُهُورِ كُلِّ فِتَنٍ (فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: مَسْجِدِ مَحِلَّتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَهُوَ بِالْعَوَالِي، الظَّاهِرُ أَنَّهُ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ لِمَا سَبَقَ أَنَّهُ ﷺ مَاتَ ضُحًى (فَأَتَيْتُهُ أَبْكِي دَهِشًا) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ حَالَ كَوْنِي بَاكِيًا مَدْهُوشًا مُتَحَيِّرًا (فَلَمَّا رَآنِي، وَقَالَ لِي أَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ -) كَذَا بِالْوَاوِ قَبْلَ «قَالَ» عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالظَّاهِرُ تَرْكُهَا لِيَكُونَ «قَالَ» جَوَابَ «لَمَّا» ، لَكِنْ قَالَ مِيرَكُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَوِ اعْتِرَاضِيَّةٌ وَجَوَابُ لَمَّا قَوْلُهُ (قُلْتُ إِنَّ عُمَرَ يَقُولُ لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا فَقَالَ لِي اِنْطَلِقْ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ غُلَامَهُ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَاءَهُ الْغُلَامُ فَقَالَ الْغُلَامُ فَقَالَ سَمِعْتُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ فَرَكِبَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْفَوْرِ، وَقَالَ وَامُحَمَّدَاهُ وَانْقِطَاعَ ظَهْرَاهُ وَبَكَى فِي الطَّرِيقِ حَتَّى أَتَى مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَجَاءَ هُوَ) أَيْ: أَبُو بَكْرٍ (وَالنَّاسُ قَدْ دَخَلُوا) وَفِي نُسْخَةٍ حَفُّوا بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ فَاءٍ مَضْمُومَةٍ أَيْ: أَحْدَقُوا (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ) وَفِي نُسْخَةٍ يَا أَيُّهَا النَّاسُ (أَفْرِجُوا إِلَيَّ) مِنَ الْإِفْرَاجِ أَيْ: أَعْطُوا الْفُرْجَةَ لِأَجْلِي (فَأَفْرَجُوا لَهُ) أَيِ: انْكَشَفُوا عَنْ طَرِيقِهِ (فَجَاءَ حَتَّى أَكَبَّ) أَيْ: أَقْبَلَ أَوْ سَقَطَ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَخَرَّ عَلَى سَاعِدِهِ وَمَسَّهُ) أَيْ: قَبَّلَهُ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ، وَهُوَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَوْضِعٌ بِعَوَالِي
الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ أَيْ: كَلَامًا عُرْفِيًّا فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ أَفْرِجُوا لِي.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: فَلَمْ يُكَلِّمْ مَنْ بِالْمَسْجِدِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَتَيَمَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: قَصَدَهُ بِوَضْعِ وَجْهِهِ عَلَيْهِ وَالتَّمَسُّحِ بِهِ تَبَرُّكًا إِلَيْهِ، وَهُوَ مُسَجًّى بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ: مُغَطًّى بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ كَعِنَبَةٍ نَوْعٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، وَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مِتَّهَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَنَفْيُهُ الْمَوْتَتَيْنِ إِمَّا حَقِيقَةً رَدًّا عَلَى عُمَرَ فِي قَوْلِهِ مَا مَرَّ إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُ يَمُوتُ مَوْتَةً أُخْرَى، وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَهُمَا عَلَيْهِ كَمَا جَمَعَهُمَا عَلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ وَكَذَا عَلَى الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، قُلْتُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ عُزَيْرًا وَاخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ لَكِنْ كَانَ لَهُ هَذَا الْأَمْرُ تَقْرِيرًا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمُوتُ مَوْتَةً أُخْرَى فِي الْقَبْرِ كَغَيْرِهِ قُلْتُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي قَبْرِهِ ثَانِيًا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لِلْمَوْتَى عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى غَشَيَانٌ كَالْأُولَى وَأَوَّلُ مَنْ يُفِيقُ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ هُوَ ﷺ وَقِيلَ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْهِ بَيْنَ مَوْتِ نَفْسِهِ وَمَوْتِ شَرِيعَتِهِ، وَقِيلَ الْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ الْكَرْبُ أَيْ: لَا تَلْقَى بَعْدَ كَرْبِ هَذَا الْمَوْتِ كَرْبًا آخَرَ كَمَا قَالَ ﷺ لِفَاطِمَةَ لَمَّا قَالَتْ: وَاكَرْبَاهْ لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ (فَقَالَ) أَيْ: أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ الْمَقَالِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَالَ بِمَعْنَى قَرَأَ (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) يَعْنِي قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْكَ فِي كِتَابِهِ أَنَّكَ سَتَمُوتُ وَأَنَّ أَعْدَاءَكَ أَيْضًا سَيَمُوتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فَقَوْلُهُ حَقٌّ وَوَعْدُهُ صِدْقٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ إِنَّ الْجَائِيَ هُوَ النَّبِيُّ ﵇ وَالْمُصَدِّقَ أَبُو بَكْرٍ،
стр. 470
وَلِذَا سُمِّيَ بِالصَّدِّيقِ (ثُمَّ قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ - قَالَ نَعَمْ فَعَلِمُوا أَنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أَيْ: أَنَّهُ (قَدْ صَدَقَ) لِكَوْنِهِ قَطُّ فِي عُمُرِهِ مَا كَذَبَ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ فِي هَذِهِ الْمُصِيبَةِ وَقَعُوا فِي حَيْرَةٍ مَهِيبَةٍ فَبَعْضُهُمْ خَبَلَ كَعُمَرَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَبَعْضُهُمْ أُقْعِدَ فَلَمْ يُطِقِ الْقِيَامَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ بَلْ أَضْنَى فَمَاتَ كَمَدًا وَبَعْضُهُمْ أُخْرِسَ فَلَمْ يُطِقِ الْكَلَامَ كَعُثْمَانَ وَكَانَ أَثْبَتَهُمْ أَبُو بَكْرٍ جَاءَ وَعَيْنَاهُ تُهْمِلَانِ وَزَفَرَاتُهُ تَتَصَاعَدُ مِنْ حَلْقِهِ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ﵇، وَقَالَ طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَانْقَطَعَ لِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَعَظُمْتَ عِنْدَ الصِّفَةِ وَجَلَلْتَ عَنِ الْبُكَاءِ وَلَوْ أَنَّ مَوْتَكَ كَانَ اخْتِيَارًا لَجُدْنَا لِمَوْتِكَ بِالنُّفُوسِ اذْكُرْنَا يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ رَبِّكَ وَلْنَكُنْ مِنْ بَالِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ أَصَابَهُ حُزْنٌ شَدِيدٌ فَمَا زَالَ يُحْرَى بَدَنُهُ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَيْ: يَذُوبُ وَيَنْقُصُ ذَكَرَهُ الدُّمَيْرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَامَ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ بِأَبِي وَأُمِّي
طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقَنَّكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: عَلَى مَهْلِكَ فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَالَ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الْآيَةَ قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ أَيْ: غُصُّوا بِالْبُكَاءِ مِنْ غَيْرِ انْتِحَابٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَمَّا مَاتَ ﷺ كَانَ أَجْزَعَ النَّاسِ كُلِّهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَفِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا جَاءَ كَشَفَ الْبُرْدَةَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ وَاسْتَنْشَقَ الرِّيحَ أَيْ: شَمَّ رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ سَجَّاهُ وَالْتَفَتَ إِلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ مَا مَرَّ قَالَ عُمَرُ فَوَاللَّهِ لَكَأَنِّي لَمْ أَتْلُ هَذِهِ الْآيَاتِ قَطُّ.
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ سَجَّيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَجَاءَ عُمَرُ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَاسْتَأْذَنَا فَأَذِنْتُ لَهُمَا وَجَذَبْتُ الْحِجَابَ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَيْهِ فَقَالَ وَاغَشْيَتَاهْ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ يَا عُمَرُ مَاتَ؟ فَقَالَ كَذَبْتَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُفْنِيَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَرَفَعْتُ الْحِجَابَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ مِنْهُ كُلُّهُمْ فَمَا سُمِعَ بَشَرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا قَالَ مَا مَرَّ فِي الْمُنَافِقِينَ؛ لِأَنَّهُمْ أَظْهَرُوا الِاسْتِبْشَارَ وَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَمَّ إِلَى تِلْكَ الْآيَاتِ قَوْلَهُ تَعَالَى وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ الْآيَةَ، وَفِي رِوَايَةِ الْوَائِلِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ أَيْ عُمَرَ حِينَ بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقَدْ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قُلْتُ لَكُمْ أَمْسِ مَقَالَةً أَيْ: لَمْ يَمُتْ وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَمَا قُلْتُ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُهَا فِي كِتَابٍ، وَلَا فِي عَهْدٍ عَهِدَهُ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ حَتَّى يَكُونَ آخِرَنَا مَوْتًا فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الَّذِي عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ، وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا لِمَا هَدَى اللَّهُ لَهُ رَسُولَهُ. أَقُولُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِقَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وُجُوهٌ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُصَلَّى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنُّونِ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: وَكَيْفَ؟) أَيْ: يُصَلَّى عَلَيْهِ (قَالَ يَدْخُلُ قَوْمٌ فَيُكَبِّرُونَ) أَيْ: أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ وَهُنَّ الْأَرْكَانُ عِنْدَنَا وَالْبَوَاقِي مُسْتَحَبَّاتٌ (وَيَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ) أَيْ: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ إِذِ الصَّلَاةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدُّعَاءِ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّسْبِيحَ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ وُقُوعِهِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ الْمَخْصُوصَيْنِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ بِمَا بَعْدَ التَّكْبِيرَتَيْنِ
مِنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى عَدَمِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَإِشْعَارٌ بِعَدَمِ فَرْضِيَّةِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ وُجُوبُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَتْ أَرْكَانًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فَهُوَ أَرْبَعٌ، وَيَجُوزُ أَكْثَرُ لَا أَقَلُّ (ثُمَّ يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ قَوْمٌ فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ) وَفِي نُسْخَةٍ بِتَقْدِيمِ يَدْعُونَ (ثُمَّ يَخْرُجُونَ حَتَّى يَدْخُلَ النَّاسُ) أَيْ وَهَكَذَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّاسُ جَمِيعًا.
وَرَوَى
стр. 471
ابْنُ مَاجَهْ أَنَّهُمْ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ جِهَازِهِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ أَرْسَالًا أَيْ: قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا فَرَغُوا دَخَلَتِ النِّسَاءُ حَتَّى إِذَا فَرَغْنَ دَخَلَ الصِّبْيَانُ وَلَمْ يَؤُمَّ النَّاسَ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّهُ قَالَ لَا يَؤُمَّ أَحَدُكُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِمَامُكُمْ حَالَ حَيَاتِهِ وَحَالَ مَمَاتِهِ.
وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ ﷺ أَوْصَى عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَلِذَا وَقَعَ التَّأْخِيرُ فِي دَفْنِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِهِ ﷺ لَا يَجُوزُ كَذَا فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ لِلسَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ الْمُحَدِّثِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أَفْوَاجًا، ثُمَّ أَهْلُ بَيْتِهِ، ثُمَّ النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، ثُمَّ نِسَاؤُهُ آخِرًا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ أَنَّ تَكْرِيرَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا بَأْسَ بِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلُّوا كُلُّهُمْ بِإِمَامِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى خَلِيفَةٍ تَكُونُ الْإِمَامَةُ لَهُ، قُلْتُ: هَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا سَبَقَ عَنْهُ أَنَّ سَبَبَ تَأْخِيرِ دَفْنِهِ هُوَ انْعِقَادُ الْإِمَامَةِ مَعَ أَنَّ الْإِمَامَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً لِأَبِي بَكْرٍ عَلَى طَرِيقِ النِّيَابَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -، وَلَعَلَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ صَاحِبِ الْوَحْيِ وَجْهُهُ.
ثُمَّ الْعُذْرُ فِي التَّكْرِيرِ أَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا دَفْنَهُ فِي مَحَلِّهِ فَلَمْ يُمْكِنْ خُرُوجُهُ إِلَى الْمُصَلَّى، وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهَا بَلْ وَلَمْ تَرِدْ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَمْ تَسَعِ الْحُجْرَةُ جَمِيعَ النَّاسِ جُمْلَةً وَاحِدَةً مَعَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ اجْتِمَاعُهُمْ حَيْثُ لَمْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً وَالْكُلُّ يُرِيدُونَ الْبَرَكَةَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْحَضْرَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ﷺ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُدْفَنُ رَسُولُ اللَّهِ) يَعْنِي أَوْ يُتْرَكُ كَذَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لِسَلَامَتِهِ مِنَ الْعُفُونَةِ وَالتَّغَيُّرِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ أَوْ لِانْتِظَارِ الرَّفْعَةِ إِلَى السَّمَاءِ (قَالَ نَعَمْ) أَيْ: يُدْفَنُ فِي الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى وَلِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ (قَالُوا: أَيْنَ) أَيْ: يُدْفَنُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخِلَافِ (قَالَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَبَضَ اللَّهُ فِيهِ رُوحَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ) أَيْ: رُوحَ حَبِيبِهِ (إِلَّا فِي مَكَانٍ طَيِّبٍ) أَيْ: يَطِيبُ لَهُ الْمَوْتُ بِهِ وَيُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ وَلِمَا وَرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا يُدْفَنُ حَيْثُ يُقْبَضُ رُوحُهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَأَنَا أَيْضًا سَمِعْتُهُ (فَعَلِمُوا أَنَّ) أَيْ: أَنَّهُ كَانَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَدْ صَدَقَ) وَبِهَذَا تَبَيَّنَ كَمَالُ عَمَلِهِ وَفَضْلِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُغَسِّلَهُ بَنُو أَبِيهِ) وَهُمْ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَابْنَاهُ فَضْلٌ وَقُثَمُ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَصَالِحٌ الْحَبَشِيُّ، فَالْمُرَادُ: بِبَنِي أَبِيهِ مُبَاشَرَتُهُمْ لِغَسْلِهِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مُسَاعَدَةَ غَيْرِهِمْ لَهُمْ فِي فِعْلِهِ
فَأَيُّ عَصَبَةٍ مِنَ النَّسَبِ لَهُمُ الْحَقُّ فِي غُسْلِهِ ﷺ لَكِنْ رَوَى الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ: يَا عَلِيُّ لَا يُغَسِّلُنِي إِلَّا أَنْتَ فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ.
وَلِذَا قِيلَ كَانَ الْعَبَّاسُ وَابْنُهُ الْفَضْلُ يُعِينَانِهِ وَقُثَمُ وَأُسَامَةُ وَشُقْرَانُ مَوْلَاهُ ﷺ وَأَعْيُنُهُمْ مَعْصُوبَةٌ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ.
وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ غَسَّلْتُهُ ﷺ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَيِّتِ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَكَانَ طَيِّبًا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ وَسَطَعَتْ رِيحٌ طَيِّبَةٌ لَمْ يَجِدُوا مِثْلَهَا قَطُّ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ كَانَ الْمَاءُ يَسْتَنْقِعُ فِي جُفُونِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ عَلِيٌّ يَحْسُوهُ، قُلْتُ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ عَنْ بَعْضِ الشِّيعَةِ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَقُصَّ شَارِبَهُ فَيَكُونُ تَرْكُ الْقَصِّ سُنَّةً لِقَوْلِهِ ﷺ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ تَرَكَ قَصَّ شَارِبِهِ مَعَ طُولِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ وُقُوعُهُ إِذْ لَا يَسُوغُ مُعَارَضَةُ السُّنَّةِ الْمَنْصُوصَةِ بِالْعِلَّةِ الْمُعَارَضَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مَا طَالَ شَارِبُهُ بَعْدَ شُرْبِ
стр. 472
ذَلِكَ الْمَاءِ صِيَانَةً لِقَطْعِهِ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ ﷺ مَعَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ فَعَلَيْكَ بِتَرْكِ الِابْتِدَاعِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا غَسَّلَهُ اقْتَلَصَ مَاءَ مَحَاجِرِ عَيْنَيْهِ فَشَرِبَهُ وَأَنَّهُ وَرِثَ بِذَلِكَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ عَجِيبِ مَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَهُ ﷺ قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُهُ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَيْ: بِالِاكْتِفَاءِ بِالْإِزَارِ أَوْ بِمَا يَسْتُرُ الْغَلِيظَتَيْنِ أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ أَيْ: مِنَ الْقَمِيصِ وَغَيْرِهِ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا ذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُتَكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَصَحَّ إِذَا أَنَا مُتُّ فَاغْسِلُونِي بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ بِئْرِي بِئْرِ غَرْسٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ فَسُكُونِ رَاءٍ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ بِئْرٌ مَشْهُورَةٌ بِالْمَدِينَةِ، هَذَا وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ بِيضٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَالسَّحُولِيَّةُ بِالْفَتْحِ عَلَى الْأَشْهَرِ الْأَكْثَرِ فِي الرِّوَايَاتِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى السَّحُولِ، وَهُوَ الْقَصَّارُ؛ لِأَنَّهُ يَسْحَلُهَا أَيْ: يُقَصِّرُهَا أَوْ إِلَى سَحُولٍ قَرْيَةٌ بِالْيَمَنِ وَبِالضَّمِّ جَمْعُ سَحْلٍ، وَهُوَ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ قُطْنٍ، وَفِيهِ شُذُوذٌ؛ لِأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى الْجَمْعِ، وَقِيلَ اسْمُ الْقَرْيَةِ بِالضَّمِّ أَيْضًا، وَأَمَّا الْكُرْسُفُ فَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ هُوَ الْقُطْنُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَرُوِيَ فِي كَفَنِهِ ﷺ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ تَوَاتُرَ الْأَخْبَارِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵃ أَجْمَعِينَ فِي تَكْفِينِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ وَخَبَرُ أَحْمَدَ أَنَّهُ كُفِّنَ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابٍ وَهْمٌ رِوَايَةً.
أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ مُتَعَارَفٌ أَوْ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ مِنْ قَمِيصِهِ الَّذِي كَانَ يَلْبَسُهَا إِذِ الصَّوَابُ عَلَى مَا نَصَّ
عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ قَمِيصَهُ الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ نُزِعَ عَنْهُ عِنْدَ تَكْفِينِهِ فَإِنَّهُ لَوْ بَقِيَ مَعَ رُطُوبَتِهِ لَأَفْسَدَ الْأَكْفَانَ وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا سَبَقَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ وَقَمِيصٌ.
وَقِيلَ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الثَّلَاثَةِ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ بَلْ كَانَا زَائِدَيْنِ عَلَيْهَا، وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّهُمَا مَنْدُوبَانِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَمَّا مَذْهَبُنَا فَالْكَفَنُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ إِزَارٌ وَقَمِيصٌ وَرِدَاءٌ وَاسْتَحَبَّ الْعِمَامَةَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا لِلرِّجَالِ.
نَعَمْ يُزَادُ لِلْمَرْأَةِ الْخِمَارُ وَخِرْقَةٌ يُرْبَطُ بِهَا ثَدْيُهَا وَتَفَاصِيلُ الْمَسَائِلِ وَأَدِلَّتُهَا مُحَرَّرَةٌ فِي كُتُبٍ الْفُرُوعِ الْمَبْسُوطَةِ الْمُدَوَّنَةِ وَحَفَرَ أَبُو طَلْحَةَ لَحْدَهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ حَيْثُ قُبِضَ وَقَدِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يُلْحَدُ قَبْرُهُ أَوْ يُشَقُّ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يُرْسِلَ أَحَدٌ إِلَى مَنْ يُلْحِدُ وَآخَرُ إِلَى مَنْ يَشُقُّ وَكُلُّ مَنْ سَبَقَ يَعْمَلُ عَمَلَهُ فَاتَّفَقَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ جَاءَ قَبْلَهُ وَأَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيمَنْ نَزَلَ فِي قَبْرِهِ أَنَّهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَابْنَاهُ الْفَضْلُ وَقُثَمُ وَكَانَ آخِرُ النَّاسِ بِهِ عَهْدًا قُثَمَ وَوَرَدَ أَنَّهُ بُنِيَ فِي قَبْرِهِ تِسْعُ لَبِنَاتٍ وَفُرِشَ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ بَحْرَانِيَّةٌ كَانَ يَتَغَطَّى بِهَا فَرَشَهَا شُقْرَانُ فِي الْقَبْرِ، وَقَالَ وَاللَّهِ لَا يَلْبَسُهَا أَحَدٌ بَعْدَكَ وَأَخَذَ مِنْهُ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِفَرْشِهَا لَكِنَّهُ شَاذٌّ وَالصَّوَابُ كَرَاهَتُهُ وَأَجَابُوا عَنْ فِعْلِ شُقْرَانَ بِأَنَّهُ شَيْءٌ انْفَرَدَ بِهِ وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا عَمِلُوا بِهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ إِنَّهَا أُخْرِجَتْ مِنَ الْقَبْرِ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ وَضْعِ اللَّبِنَاتِ التِّسْعِ قَالَ رَزِينٌ: وَرَشَّ قَبْرَهُ بِلَالٌ بِقِرْبَةٍ بَدَأَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَجَعَلَ عَلَيْهِ مِنْ حَصَا الْعَرْصَةِ حَمْرَاءَ بَيْضَاءَ وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ.
وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا وَرِوَايَةُ الْفَتْحِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الضَّمِّ فَإِنَّهَا تُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ اجْتِهَادٌ مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَعْنَى لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ كُشِفَ وَلَمْ يُتَّخَذْ عَلَيْهِ حَائِلٌ قُلْتُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ دُفِنَ فِي الْبِرَازِ لَا فِي الْحُجْرَةِ قَبْلُ، وَإِنَّمَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ، وَلِهَذَا لَمَّا وُسِّعَ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ مَعَ اسْتِقْبَالِهِ الْقِبْلَةَ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِقْبَالَيْنِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنَ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مُشَاهَدٌ، ثُمَّ الْبُخَارِيُّ رَوَى عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَهُ ﷺ مُسَنَّمًا أَيْ: مُرْتَفِعًا عَلَى هَيْئَةِ السَّنَامِ زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُزَنِيُّ وَكَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ بَلِ ادَّعَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ اتِّفَاقَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ وَأَغْرَبَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رَدِّ قَوْلِ التَّمَّارِ حَيْثُ قَالَ
стр. 473
لَا حُجَّةَ فِيهِ لَاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ مُسَنَّمًا انْتَهَى، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَجْتَرِئْ عَلَى مُخَالَفَةِ فِعْلِ الصَّحَابَةِ نَعَمْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ بِأَنْ كَانَ مُسَنَّمًا أَوَّلًا، ثُمَّ صَارَ مُسَطَّحًا لَهُ وَجْهٌ بِحَسَبِ طُولِ الزَّمَانِ وَتَغَيُّرِ الْمَكَانِ، وَأَمَّا مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ يَا أُمَّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِهِ
ﷺ فَكُشِفَ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ بَلْ مَبْطُوحَةٌ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ.
فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى التَّسْطِيحِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُرْتَفِعَةً جِدًّا، وَلَا مُرْتَخِيَةً بَلْ بَيْنَهُمَا لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ الِارْتِفَاعُ قَدْرَ شِبْرٍ وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْمَبْطُوحَةِ أَنَّهَا مَفْرُوشَةٌ مَكْبُوبٌ عَلَيْهَا بِالْبَطْحَاءِ فَإِنَّ لَهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِ التَّسْطِيحِ وَعَلَى عَدَمِ التَّسْنِيمِ هَذَا، وَقَدْ زَادَ الْحَاكِمُ عَنْهُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقَدَّمًا وَأَبُو بَكْرٍ رَأْسُهُ بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَعُمَرُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَرُوِيَ فِي صِفَاتِ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ لَكِنَّ حَدِيثَ الْقَاسِمِ أَصَحُّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَمَا مَرَّ عَنِ الْقَاضِي مَرْدُودٌ بَلْ قُدَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَمُتَأَخِّرُوهُمْ عَلَى أَنَّ التَّسْطِيحَ أَفْضَلُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرٍ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا قُلْتُ لَا يَرُدُّ قَوْلَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ هُوَ الْمَاضِي، وَكَأَنَّهُ مَا عَدَّ خِلَافَ بَعْضِ الْقُدَمَاءِ مُعْتَبَرًا مَعَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ فِي التَّسْطِيحِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ إِفَادَةِ الْمَقْصُودِ عَلَى وَجْهِ التَّصْرِيحِ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى صُورَةَ قَبْرٍ غَيْرَ مُتَسَاوِيَةٍ بِسَبَبِ تَفَرُّقِ أَحْجَارِهِ وَانْتِشَارِ تُرَابِهِ وَآثَارِهِ فَأَصْلَحَهُ، فَالْمُرَادُ: بِالتَّسْوِيَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَيْضًا إِصْلَاحُ الْقُبُورِ وَإِبْقَاؤُهَا إِذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا غَيَّرَ صُورَةَ الْقَبْرِ الْمُسَنَّمِ وَجَعَلَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُسَطَّحِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ (يَتَشَاوَرُونَ) أَيْ: فِي أَمْرِ الْخِلَافَةِ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَوِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَإِلَّا فَالْقَضِيَّةُ وَاقِعَةٌ قَبْلَ الدَّفْنِ كَذَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ صَاحِبُ الرِّيَاضِ النَّضِرَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نَصْبَ الْإِمَامِ بَعْدَ انْقِرَاضِ زَمَنِ النُّبُوَّةِ مِنْ وَاجِبَاتِ الْأَحْكَامِ بَلْ جَعَلُوهُ أَهَمَّ الْوَاجِبَاتِ حَيْثُ اشْتَغَلُوا بِهِ عَنْ دَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي التَّعْيِينِ لَا يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ وَكَذَا مُخَالَفَةُ الْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ فِي الْوُجُوبِ مِمَّا لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ كَسَائِرِ الْمُبْتَدِعَةِ لَا تَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ وَلِتِلْكَ الْأَهَمِّيَّةِ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ أَبُو بَكْرٍ خَطِيبًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَلَا بُدَّ لِهَذَا الْأَمْرِ مِمَّنْ يَقُومُ بِهِ فَانْظُرُوا وَهَاتُوا رَأْيَكُمْ فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ (فَقَالُوا) أَيْ: بَعْضُهُمْ وَرَضِيَ بِهِ الْبَاقُونَ (انْطَلِقْ بِنَا) وَالْخِطَابُ لِأَبِي بَكْرٍ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَوِ الْمُصَاحَبَةِ (إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْأَنْصَارِ نُدْخِلْهُمْ) بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: نَحْنُ نُدْخِلُهُمْ (مَعَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ) أَيْ: أَمْرِ نَصْبِ الْخِلَافَةِ لَا فِي أَمْرِ الْخِلَافَةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْقَائِلِينَ عُمَرُ حَيْثُ صَرَّحَ بِالْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ لَهُمْ مَعَنَا أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً فَإِمَّا أَنْ نُبَايِعَهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى أَوْ نُخَالِفَهُمْ فَيَكُونَ فَسَادًا (فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَاخْتِصَارٌ وَالتَّقْدِيرُ فَانْطَلَقُوا إِلَيْهِمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِمْ وَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ الْخِلَافَةِ قَالَتِ الْأَنْصَارُ (مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ) وَلَعَلَّ الشَّيْخَيْنِ مَا طَلَبُوا الْأَنْصَارُ إِلَى مَجْلِسِهِمَا خَوْفًا أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنَ
الْإِتْيَانِ إِلَيْهِمَا أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ لَهُمْ بَيْعَةٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ عِنْدَهُمَا فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا ذَلِكَ، احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرَدَ مِنْ طُرُقِ نَحْوِ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدٍ بِلَفْظِ الْخِلَافَةِ لِقُرَيْشٍ، وَكَأَنَّهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ اسْتَغْنَى عَنْ رَدِّهِمْ عَنْ مَقَالَتِهِمْ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ أَنُّ تَعَدُّدَ الْأَمِيرِ يَقْتَضِي التَّعَارُضَ وَالتَّنَاقُضَ فِي الْحُكْمِ لَا سِيَّمَا بِاعْتِبَارِ مَا عَدَا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، وَلَا يَتِمُّ نِظَامُ الْأَمْرِ فِي أُمُورِ الْأَمْصَارِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْأَنْصَارِ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى قَوَاعِدِ الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ تَقَرُّرِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ حَيْثُ كَانَ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ شَيْخٌ يَرْأَسُهُمْ وَمَرْجِعُهُمْ فِي أُمُورِهِمْ وَسِيَاسَتِهِمْ وَبِهَذَا كَانَتِ الْفِتْنَةُ مُسْتَمِرَّةً فِيمَا بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَعَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ.
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَأَبِي يَعْلَى وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَمَّا قَالَتِ الْأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَأَتَاهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ؟ فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا شَكَّ أَنْ هَذَا
стр. 474
الِاسْتِدْلَالَ أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَقَعَتِ الْعِبَارَةُ الْجَلِيَّةُ إِلَى أَوْلَوِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ بِالْإِمَامَةِ وَسَبَبُهُ كَوْنُهُ جَامِعًا بَيْنَ الْأَسْبَقِيَّةِ وَالْأَكْبَرِيَّةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ بِالْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا ظَهَرَتْ مِنْهُ ﵁ فِيمَا يَتَقَدَّمُ مِمَّا تَحَيَّرَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَصْحَابِ وَكَشَفَ الْأَمْرُ عَنِ النِّقَابِ مَعَ الْإِشَارَةِ الْخَفِيَّةِ عَلَى أَحَقِّيَّتِهِ بِالْخِلَافَةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ فَإِنَّهُ ﷺ نَصَّبَهُ لِهَذَا الْأَمْرِ مُدَّةً مَدِيدَةً مَعَ وُجُودِ حُضُورِ الْبَقِيَّةِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَاءِ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ أَكَّدَ الْأَمْرَ عِنْدَ مُعَارَضَةِ صَوَاحِبَاتِ يُوسُفَ بِاسْتِمْرَارِ إِمَامَتِهِ وَكَذَا إِبَاؤُهُ ﷺ عِنْدَ تَقَدُّمِ عُمَرَ مَرَّةً لِغَيْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلِهِ لَا لَا لَا يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ خُرُوجُهُ ﷺ وَأَدَاءُ صَلَاتِهِ خَلْفَ الصِّدِّيقِ تَأْكِيدًا لِلْقَضِيَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأَدِلَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَالتَّقْرِيرِيَّةِ أَيْضًا كَمَا خَرَجَ مَرَّةً وَطَالَعَ فِي صَلَاةِ الْقَوْمِ مُسْتَبْشِرًا، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَدْ قَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ حَتَّى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - رَضِيَهُ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ صُورَةُ التَّخَالُفِ فِي مُدَّةٍ مِنَ التَّخَلُّفِ لِبَعْضِهِمْ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ وُقُوعَ الْبَيْعَةِ فِي غَيْبَتِهِمْ كَانَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِمْ فِي مَرْتَبَتِهِمْ وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ خَافَا مِنَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَعْقِدُوا بَيْعَةً بِالْعَجَلَةِ تَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ مَعَ ظَنٍّ مِنْهُمَا أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَكْرَهْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ ; لِعِلْمِهِمْ بِمَقَامِهِ فِي عُلُوِّ الْأَمْرِ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الثَّلَاثِ؟) اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ عَلَى الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ يَظُنُّ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ، وَالْمَعْنَى هَلْ رَجُلٌ وَرَدَ فِي شَأْنِهِ مِثْلُ هَذِهِ الْفَضَائِلِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ سَائِرِ مَحَاسِنِ الشَّمَائِلِ أَوَّلُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ وَثَانِيهِمَا قَوْلُهُ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ وَثَالِثُهُمَا لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ قَالَ الْحَنَفِيُّ: إِحْدَاهَا ثَانِيَ اثْنَيْنِ وَثَانِيهَا
إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ وَثَالِثُهَا إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا انْتَهَى، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ (مَنْ هُمَا) أَيْ: مَنِ الِاثْنَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لَهُمَا وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّقْرِيرِ، وَقَدْ أَبْعَدَ الْحَنَفِيُّ بِقَوْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى الْأَمِيرَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّحْقِيرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ قَالَ فَإِثْبَاتُ اللَّهِ تَعَالَى تِلْكَ الْفَضَائِلَ الثَّلَاثَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَحَقِّيَّتِهِ بِالْخِلَافَةِ مِنْ غَيْرِهِ.
أَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَبِيَدِهِ أَزِمَّةُ التَّحْقِيقِ: إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِاعْتِبَارِ سَابِقِهَا وَلَاحِقِهَا أَدِلَّةً أُخَرَ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا عُمَرُ ﵁ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَإِنَّ الْخِطَابَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ وَالتَّعْيِيرِ أَوْ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ إِلَّا الصِّدِّيقَ فَإِنَّهُ ﵁ كَانَ مَعَهُ ﷺ نَاصِرًا بِلَا شُبْهَةٍ، وَلَا مِرْيَةٍ.
وَمِنْهَا أَنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ نَبِيَّهُ ﷺ مُتَضَمِّنٌ لِنُصْرَةِ الصِّدِّيقِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ مَعَهُ فَهُوَ نَاصِرٌ وَمَنْصُورٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنَ السَّكِينَةِ وَنِهَايَةٍ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ الصِّدِّيقُ فِي مَقَامِ الْحُزْنِ وَالِاضْطِرَابِ فَاخْتُصَّ بِهَذِهِ السَّكِينَةِ الرَّزِينَةِ مِنْ بَيْنِ الْأَصْحَابِ مَعَ مُشَارَكَتِهِ لَهُمْ فِي السَّكِينَةِ الْعَامَّةِ الْوَارِدَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَعَلَّ هَذَا مَنْشَأُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَلَّى لِلنَّاسِ عَامَّةً وَلِأَبِي بَكْرٍ خَاصَّةً، وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّ تَفْكِيكَ الضَّمِيرِ جَائِزٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي مَقَامِ الْأَمْنِ مِنَ اللَّبْسِ كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ وَقَدْ يُقَالُ: الضَّمِيرُ الْمُفْرَدُ فِي سَكِينَتِهِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالسَّكِينَةُ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ سُكُونُ الْقَلْبِ فِيمَا يَبْدُو مِنْ حُكْمِ الرَّبِّ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِذْ أَخْرَجَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْبَقَاءِ فَهُوَ وَصْفٌ لَهُ ﷺ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ أَحَدَ اثْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا وَاحِدٌ يَصْدُقُ عَلَى الصِّدِّيقِ أَيْضًا أَنَّهُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ أَيِ: الْمَعْهُودُ بِمَكَّةَ وَقْتَ الْهِجْرَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ أَيْ: فِي مَحَلِّ الْقُرْبِ وَكَهْفِ الْأَنْوَارِ، وَقَدْ مَكَثَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي ذَلِكَ الْغَارِ وَلَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُهُ دَيَّارٌ فَانْظُرْ إِلَى خُصُوصِيَّتِهِ ﵁ بِهَذِهِ الْأَسْرَارِ مِنْ مُرَافَقَتِهِ فِي الْغَارِ وَمُرَافَقَتِهِ فِي الْأَسْفَارِ وَمُلَازَمَتِهِ فِي مَوَاضِعِ الْقَرَارِ حَيًّا وَمَيِّتًا وَخُرُوجًا مِنَ الْقَبْرِ وَدُخُولًا فِي الْجَنَّةِ مُقَدَّمًا عَلَى جَمِيعِ الْأَبْرَارِ.
وَفِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِنَ الْإِشَارَةِ الْخَفِيَّةِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّ هِجْرَتَهُ مَقْرُونَةٌ بِهِجْرَتِهِ ﷺ بِخِلَافِ هِجْرَةِ غَيْرِهِ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا فَهُوَ الْقَائِمُ مَعَ الْقَلْبِ بِحُكْمِ الرَّبِّ.
وَمِنَ
стр. 475
الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْصَارِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ الْأَبْرَارُ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصِّدِّيقَ هُوَ الْأَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَصْحَابِ كَمَا فَهِمَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى
(إِذْ يَقُولُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ لِصَاحِبِهِ أَيْ: لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ عَلَى مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ فَسَمَّاهُ اللَّهُ صَاحِبَهُ وَلَمْ يُشَرَّفْ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِتَنْصِيصِهِ عَلَى الصُّحْبَةِ.
وَلِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ قَالُوا: مَنْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ كَفَرَ لِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِإِنْكَارِ الْآيَةِ بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَلَوْ تَوَاتَرَتْ صُحْبَةُ بَعْضِهِمْ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى خُصُوصِ تِلْكَ الصُّحْبَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَإِنَّهَا صُحْبَةٌ خَاصَّةٌ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ الْمُشَرَّفَةَ بِالْكِتَابِ صَارَتْ سَبَبًا لِصُحْبَتِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ لَهُ ﷺ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الْعَرَصَاتِ وَالدُّخُولِ فِي الْجَنَّاتِ وَالْوُصُولِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ فَبِهَذِهِ الصُّحْبَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَاقَ الصِّدِّيقُ سَائِرَ الْأَصْحَابِ كَمَا شَهِدَ بِهِ الْكِتَابُ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ عَدَلَ عَنِ اسْمِهِ الصَّرِيحِ إِلَى هَذَا الْوَصْفِ الْمَلِيحِ خِلَافًا لِمَنْ وَقَعَ بَاسْمِ زَيْدٍ مِنَ التَّصْرِيحِ عَلَى أَنَّهُ مُمْتَازٌ بِذِكْرِهِ فِي الْكَلَامِ الْقَدِيمِ وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا بَوْنٌ عَظِيمٌ وَفَصْلٌ جَسِيمٌ.
ثُمَّ قَوْلُهُ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْحُزْنِ لَا عَلَى نَفْسِهِ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ سَبَقَ النَّبِيَّ ﷺ إِلَى الْغَارِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَحَدٌ مِنَ الْأَغْيَارِ أَوْ مَا يُؤْذِيهِ مِنَ الْحَشَرَاتِ مَعَ اهْتِمَامِهِ بِتَنْظِيفِ الْمَحَلِّ عَنِ الْأَوْسَاخِ وَالْقَاذُورَاتِ.
وَقَدْ نَقَلَ الْبَغَوِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ فَوْقَ رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا انْتَهَى.
فَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ سَنِيَّةٌ لَا يُتَصَوَّرُ فَوْقَهَا مَمْدَحَةٌ بَهِيَّةٌ مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ مَعِيَّةٍ وَإِلَّا فَاللَّهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ كَمَا قَالَ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَفِي الْعُدُولِ عَنْ مَعِي إِلَى مَعَنَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ جَلِيَّةٌ عَلَى اشْتِرَاكِ الصِّدِّيقِ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْمَعِيَّةِ بِخِلَافِ قَوْلِ مُوسَى ﵇ كَمَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ وَقَدْ ذَكَرَتِ الصُّوفِيَّةُ هُنَا مِنَ النُّكْتَةِ الْعَلِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ فِي مَقَامِ التَّفْرِقَةِ وَأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ كَانَ فِي حَالَةِ الْجَمْعِيَّةِ الْجَامِعَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِمَقَامِ جَمْعِ الْجَمْعِ فَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ الْمَقْرُونَةُ بِالْجَمْعِيَّةِ مُخْتَصَّةٌ لِلصِّدِّيقِ دُونَ الْأَصْحَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (ثُمَّ بَسَطَ) أَيْ: مَدَّ عُمَرُ (يَدَهُ فَبَايَعَهُ) أَيْ: فَبَايَعَ أَبَا بَكْرٍ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعُمَرَ تَوَاضُعًا عَنْ طَلَبِ الْجَاهِ لَا تَبَرِّيًا ابْسُطْ يَدَكَ لِأُبَايِعَكَ قَالَ لَهُ عُمَرُ أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ أَنْتَ أَقْوَى مِنِّي ثَمَّ تَكَرَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ فَإِنَّ قُوَّتِي لَكَ مَعَ فَضْلِكَ أَيْ: قُوَّتِي تَابِعَةٌ لَكَ مَعَ زِيَادَةِ فَضْلِكَ إِيمَاءً بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الْأَمِيرُ وَأَنَّ عُمَرَ هُوَ الْوَزِيرُ وَالْمُشِيرُ وَبِهِمَا يَتِمُّ نِظَامُ الْأَمْرِ (وَبَايَعَهُ النَّاسُ) أَيْ: جَمِيعُ الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ جُمْهُورُ النَّاسِ حِينَئِذٍ أَوْ جَمِيعُهُمْ بِاعْتِبَارِ آخِرِ الْأَمْرِ خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ. (بَيْعَةً حَسَنَةً) لَا إِكْرَاهًا، وَلَا إِجْبَارًا، وَلَا تَرْغِيبًا، وَلَا تَرْهِيبًا (جَمِيلَةً) أَيْ: مَلِيحَةً قَالَ شَارِحٌ: جَمِيلَةً تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ حَسَنَةً، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ بِالْمُرَادَفَةِ لَمْ يُثْبِتْهُ النُّحَاةُ إِلَّا فِي
نَحْوِ ضَرَبْتَ أَنْتَ وَبِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ كَوْنُهُ نَعْتًا لِلتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّهُمْ حَصَرُوهُ فِيمَا إِذَا فُهِمَ مِنْ مَتْبُوعِهِ تَضَمُّنًا أَوِ الْتِزَامًا.
وَدُفِعَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْكِيدِ هُنَا تَقْوِيَةُ الْحُكْمِ لَا اللَّفْظُ وَتَقْوِيَتُهُ يَحْصُلُ بِالْمُرَادِفِ أَيْضًا.
وَبِأَنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُهُ هُنَا نَعْتًا قُصِدَ بِهِ التَّأْكِيدُ؛ لِأَنَّ الْجَمَالَ يُفْهَمُ مِنَ الْحُسْنِ تَضَمُّنًا وَالْتِزَامًا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي الثَّانِي مَحَلُّ نَظَرٍ نَعَمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى بِأَنْ يُجْعَلَ حُسْنُهَا دَفْعَهَا لِلْفِتْنَةِ وَتَوَافُقَهَا بِحَدِيثِ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ.
وَجَمَالُهَا مِنْ حَيْثُ رِضَى نُفُوسِهِمْ وَإِقْبَالِهِمْ عَلَيْهَا وَشُهُودِهِمْ لِجَمَالِ الْحَقِّ فِيهَا إِذَا رِضَاهُمْ بِهَا فَالْأُولَى بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا وَالثَّانِيَةُ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقَاتِهَا، هَذَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ فِي السَّقِيفَةِ جَلَسَ مِنَ الْغَدِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَامَ عُمَرُ فَتَكَلَّمَ قَبْلَهُ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ أَمْرَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ فَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ بَعْدَ بَيْعَةِ السَّقِيفَةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي الصِّدْقُ أَمَانَةٌ وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى أُرْجِعَ عَلَيْهِ حَقَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْقَوِيُّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ
стр. 476
إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ.
وَأَخْرَجَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللَّهَ فِي سِرٍّ، وَلَا عَلَانِيَةٍ وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، لَقَدْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ مِنْ طَاقَةٍ وَلَا يَدٍ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللَّهِ.
فَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ: مَا أَغْضَبَنَا إِلَّا أَنْ أُخِّرْنَا عَنِ الْمَشُورَةِ وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا وَإِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَخَيْرَهُ وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَهُوَ حَيٌّ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ رَضِيَهُ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا.
وَفِي هَذَا الْمِقْدَارِ مِنَ الدَّلَالَةِ كِفَايَةٌ لِأَرْبَابِ الْهِدَايَةِ دُونَ أَرْبَابِ الضَّلَالَةِ وَمَنْ يُضْلِلُ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ.
(حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) شَيْخٌ بَاهِلِيٌّ قَدِيمٌ بَصْرِيٌّ (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَرْبِ الْمَوْتِ) أَيْ: حُزْنَهُ وَغَمَّهُ (مَا وَجَدَ) مَا مَوْصُولَةٌ وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ (قَالَتْ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَتْ (فَاطِمَةُ وَاكَرْبَاهْ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهَاءٍ سَاكِنَةٍ فِي آخِرِهِ غَمٌّ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ) يَعْنِي أَنَّ الْكَرْبَ كَانَ بِسَبَبِ شِدَّةِ الْأَلَمِ وَصُعُوبَةِ الْوَجَعِ وَبَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَرْبَ كَانَ بِسَبَبِ الْعَلَائِقِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَبَعْدَ الْيَوْمِ تَنْقَطِعُ تِلْكَ الْعَوَائِقُ الْحِسِّيَّةُ لِلِانْتِقَالِ
حِينَئِذٍ إِلَى الْحَضْرَةِ الْقُدُسِيَّةِ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ لَمَّا رَأَتْ شِدَّةَ كَرْبِهِ قَالَتْ: وَاكَرْبَاهْ مُسْنِدَةً إِلَى نَفْسِهَا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُلَاءَمَةِ الْبَاطِنَةِ فَسَلَّاهَا ﷺ بِهَذَا الْقَوْلِ وَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ كَرْبَ أَبِيهَا سَرِيعُ الزَّوَالِ مُنْتَقِلٌ إِلَى حُسْنِ الْحَالِ فَأَنْتِ أَيْضًا لَا تَكْرَبِي فَإِنَّ مِحَنَ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمِنَحِ الْبَاقِيَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ أَيْضًا إِلَى هُنَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْكَرْبِ أَنَّ كَرْبَهُ كَانَ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ وَالْفِتَنِ بَعْدَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَنْقَطِعَ شَفَقَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ بِمَوْتِهِ وَالْوَاقِعُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَأَعْمَالُهُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرْبِ مَا يَجِدُهُ ﷺ مِنْ شِدَّةِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّا يُصِيبُ جَسَدَهُ مِنَ الْآلَامِ كَالْبَشَرِ لِيَتَضَاعَفَ لَهُ الْأَجْرُ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ سَبَبِ الْكَرْبِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا.
(أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (قَدْ حَضَرَ) أَيْ: قَرُبَ مِنْ أَبِيكِ أَيْ: مِنْ أَمْرِهِ (مَا) أَيْ: أَمْرٌ عَظِيمٌ (لَيْسَ) أَيِ: اللَّهُ (بِتَارِكٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ (أَحَدًا) وَقَوْلُهُ (الْوَفَاةُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ الْمَمَاتُ ضِدُّ الْحَيَاةِ بَيَانٌ لِمَا، وَقَوْلُهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَهُوَ كَلِمَةُ إِلَى وَجَوَّزَ أَنَّهُ يَكُونُ مَفْعُولًا فِيهِ وَيُرَادُ بِهِ يَوْمُ الْوَفَاةِ؛ لِأَنَّ يَوْمَ مَوْتِ كُلِّ أَحَدٍ يَوْمُ قِيَامَتِهِ كَمَا وَرَدَ (مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ) .
وَالْجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ وَتَقْرِيرٌ لِمَا فِي ذِهْنِ الزَّهْرَاءِ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ عَامٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ الْمُوَافَاةُ بَدَلَ الْوَفَاةِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِتْيَانِ وَالْمُلَاقَاةِ، وَفِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُوَافَاةَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْوَفَاةِ، قِيلَ: وَقَدْ يُفَسَّرُ الْمُوَافَاةُ هُنَا بِالْوَفَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَحْسَنُ يُقَالُ: مِنْ أَبِيكِ أَيْ: مِنْ جِسْمِهِ مَا أَيْ: شَيْءٌ عَظِيمٌ لَيْسَ اللَّهُ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا وَذَلِكَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ هُوَ الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيِ: الْحُضُورُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الْمُسْتَلْزِمَ لِلْمَوْتِ.
وَقَالَ مِيرَكُ: مَا مَوْصُولَةٌ فَاعِلُ حَضَرَ، وَفِي لَيْسَ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَيْهِ أَيْضًا، وَالْوَفَاةُ بَدَلٌ مِنْ فَاعِلِ حَضَرَ وَبَيَانٌ لَهُ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ فَاعِلٌ بِتَارِكٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعَالَى وَضَمِيرُ مِنْهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا وَأَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ مَا،
стр. 477
وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَتْرُكُ أَحَدًا إِلَّا يُصِيبُهُ الْمَوْتُ، وَعَلَى الثَّانِي أَنَّهُ حَضَرَ عَلَى أَبِيكِ مَا لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا لَا يُصِيبُهُ ذَلِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ مِيرَكُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ مَكْسُورَةً وَيَكُونَ خَبَرٌ مُقَدَّرٌ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِلَيْسَ بِتَارِكٍ عَلَى إِرَادَةِ أَنَّ وُرُودَ الْمَوْتِ عَلَى الْكُلِّ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ إِتْيَانُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَوْمِ جَزَائِهِمْ. انْتَهَى، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ مَفْتُوحَةً وَحِينَئِذٍ تَكُونُ اللَّامُ الِابْتِدَائِيَّةُ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: حُكْمٌ مُقَرَّرٌ وَأَمْرٌ مُقَدَّرٌ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِمَّا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا هُوَ الْكَرْبُ الَّذِي يَكُونُ لِلْمَوْتِ لَا الْمَوْتُ.
(حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ) بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ (زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (حَدَّثَنَا
عَبْدُ رَبِّهِ) بِمَعْنَى عَبْدِ اللَّهِ (ابْنُ بَارِقٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ سَمِعْتُ جَدِّي أَبَا أُمِّي سِمَاكَ بْنَ الْوَلِيدِ) بِكَسْرِ السِّينِ (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ (مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا الْجَنَّةَ) الْفَرَطُ وَالْفَارِطُ الْمُتَقَدِّمُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ فَيُهَيِّئُ لَهُمُ الْإِرْشَاءَ وَالدِّلَاءَ وَيَمْدُرُ الْحِيَاضَ وَيَسْقِي لَهُمْ، وَهُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَتَبَعٍ بِمَعْنَى تَابِعٍ يُقَالُ: رَجُلٌ فَرَطٌ وَقَوْمٌ فَرَطٌ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ.
أَيْ سَابِقُكُمْ لِأَرْتَادَ لَكُمُ الْمَاءَ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا أَيْ: أَجْرًا مُتَقَدِّمًا كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْفَرَطِ الْوَلَدُ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يُهَيِّئُ لَهُمَا نُزُلًا وَمَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ كَمَا يَتَقَدَّمُ فَرَطُ الْقَافِلَةِ إِلَى الْمَنَازِلِ فَيُعِدُّ لَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَقْيِ الْمَاءِ وَضَرْبِ الْخَيْمَةِ وَنَحْوِهِمَا.
(فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ) أَيْ: فَمَا حُكْمُهُ (قَالَ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ) أَيْ: كَذَلِكَ (يَا مُوَفَّقَةُ) أَيْ: لِتَعَلُّمِ شَرَائِعِ الدِّينِ أَوْ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ الْوَاقِعَةِ مَوْقِعَهَا (قَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ قَالَ فَأَنَا فَرَطٌ لِأُمَّتِي) أَيْ: أُمَّةُ الْإِجَابَةِ فَإِنَّهُ قَائِمٌ لَهُمْ فِي مَقَامِ الشَّفَاعَةِ (لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي) أَيْ: بِمِثْلِ مُصِيبَتِي فَإِنِّي عِنْدَهُمْ أَحَبُّ مِنْ كُلِّ وَالِدٍ وَوَلَدٍ فَمُصِيبَتِي عَلَيْهِمْ أَشَدُّ مِنْ جَمِيعِ الْمَصَائِبِ فَأَكُونُ أَنَا فَرَطُهُمْ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْبِيرُهُ بِأُمَّتِي بَلِ الْمُصِيبَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَرَهُ أَعْظَمُ مِنْ وَجْهٍ وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ لِقَوْلِهِ فَأَنَا فَرَطٌ لِأُمَّتِي، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، قُلْتُ: لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأُمَّةٍ خَيْرًا قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَهَا، وَهُوَ يَنْظُرُ فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ.
وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ عَظِيمَةٌ لِأُمَّتِهِ الْمَرْحُومَةِ.
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَةٍ فِيَّ عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشُدُّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزَاءِ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ جَاءَ أَخُوهُ فَصَافَحَهُ وَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -)
أَيْ فِي حُكْمِ مِيرَاثِهِ وَبَيَانِ وُرَّاثِهِ، وَالْمِيرَاثُ أَصْلُهُ مِوْرَاثٌ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا وَالتُّرَاثُ أَصْلُ التَّاءِ فِيهِ وَاوٌ يُقَالُ: وَرِثْتُ شَيْءَ أَبِي وَوَرِثْتُهُ مِنْ أَبِي أَرِثُهُ بِالْكَسْرِ وِرْثًا وَوِرَاثَةً بِالْكَسْرِ فِيهِمَا وَكَذَا إِرْثًا بِالْهَمْزَةِ الْمُنْقَلِبَةِ عَنِ الْوَاوِ وَرِثَةً بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْهَاءِ عِوَضًا عَنِ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ كَعِدَةٍ وَسَقَطَ الْوَاوُ أَيْضًا مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرَةٍ لَازِمَةٍ فَإِنَّهُمَا مُتَجَانِسَتَانِ وَالْوَاوُ مُضَادَّتُهُمَا فَحُذِفَتْ لِاكْتِنَافِهِمَا إِيَّاهَا، ثُمَّ جُعِلَ حُكْمُهَا مَعَ الْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ وَالنُّونِ كَذَلِكَ لِلِاطِّرَادِ أَوْ لِأَنَّهُنَّ مُبْدَلَاتٌ مِنْهَا وَالْيَاءُ هِيَ الْأَصْلُ كَذَا ذَكَرُهُ
стр. 478
مِيرَكُ وَنَقَلَهُ الْحَنَفِيُّ عَنِ الْجَوْهَرِيِّ
، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمِيرَاثِهِ هُنَا مَتْرُوكَاتُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمِيرَاثُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَوْرُوثِ أَيِ: الْمُخَلَّفُ مِنَ الْمَالِ أَيْ: بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ زَعْمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْعُنْوَانِ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ نَحْوَ مَا جَاءَ فِي نَفْيِ مِيرَاثٍ، قُلْتُ: كَلَامُهُ صَحِيحٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِمُقَدَّرٍ آخَرَ مَعَ أَنَّ مَآلَ التَّقْدِيرَيْنِ وَاحِدٌ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَشَذَّ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِالْمَوْرُوثِ هُنَا الْعِلْمُ وَالْمَالُ، وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ أَنَّ الْعِلْمَ يُورَثُ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَيَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَالْمَالُ لَا يُورَثُ وَيَلْزَمُهُ فِي نَحْوِ حَدِيثِ، نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ; أَيْ: فِي الْعِلْمِ وَالْمَالِ، وَهُوَ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَالْإِجْمَاعِ، قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُصَحِّحُ كَلَامَ هَذَا الْقَائِلِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا نُورَثُ فِي الْمَالِ بَلْ نُورَثُ فِي الْعِلْمِ لِمَا صَحَّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمُرَادُهُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مَوْضُوعٌ لِحُكْمِ مَوْرُوثِهِ ﷺ مِنَ الْمَالِ وَالْعِلْمِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فَإِنَّ إِرْثَ الْمَالِ مَنْفِيٌّ وَإِرْثَ الْعِلْمِ مُتَحَقِّقٌ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ) بِالتَّصْغِيرِ، وَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (لَهُ) أَيْ: لِعَمْرٍو (صُحْبَةٌ قَالَ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا سِلَاحَهُ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: مِمَّا كَانَ يَخْتَصُّ بِلُبْسِهِ مِنْ نَحْوِ سَيْفٍ وَرُمْحٍ وَدِرْعٍ وَمِغْفَرٍ وَحَرْبَةٍ (وَبَغْلَتَهُ) أَيِ: الْبَيْضَاءَ الَّتِي يَخْتَصُّ بِرُكُوبِهَا (وَأَرْضًا) وَهِيَ نِصْفُ أَرْضِ فَدَكٍ وَثُلُثُ أَرْضِ وَادِي الْقُرَى وَسَهْمٌ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَحِصَّةٌ مِنْ أَرْضِ بَنِي النَّضِيرِ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْكِرْمَانِيِّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يُضِفْهَا إِلَيْهِ كَالْأَوَّلَيْنِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِهِ دُونَهَا إِذْ نَفْعُهَا كَانَ عَامًّا لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ عِيَالِهِ وَفُقَرَاءِ الْمَسَاكِينِ.
(جَعَلَهَا صَدَقَةً) قِيلَ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الثَّلَاثَةِ لِقَوْلِهِ ﵇: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ جَعَلَهَا صَدَقَةً بَيْنَ كَوْنِهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ حَالَ حَيَاتِهِ لَا أَنَّهَا صَارَتْ صَدَقَةً بَعْدَ مَمَاتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ خَتْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخِي الْجُوَيْرِيَةِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً.
قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَيْ تَصَدَّقَ بِمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ فَصَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْوَقْفِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً أَيْ: فِي الرِّقِّ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ رَقِيقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَمِيعِ الْأَخْبَارِ كَانَ إِمَّا مَاتَ وَإِمَّا أَعْتَقَهُ.
قِيلَ: وَلَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِلْأَرْضِ وَحْدَهَا لَزِمَ كَوْنُ السِّلَاحِ وَالْبَغْلَةِ مِيرَاثًا وَدُفِعَ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَا خَلَّفَهُ يَصِيرُ صَدَقَةً بِنَفْسِ الْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ، نَعَمْ ظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ فِي عُنْوَانِ الْبَابِ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْكُلِّ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْكِرْمَانِيِّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: الْأَرْضُ هِيَ فَدَكٌ سَبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَجَعَلَهَا صَدَقَةً لِلْمُسْلِمِينَ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَابْنُ
حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ الْحَصْرُ إِضَافِيٌّ أَوِ ادِّعَائِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِثْلَ الْأَثْوَابِ وَأَمْتِعَةِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا بَيَّنْتُ فِي مَوْضِعِهَا، وَلَعَلَّ أَمْتِعَةَ الْبَيْتِ كَانَتْ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ابْتِدَاءً أَوْ بِالتَّمْلِيكِ انْتِهَاءً، وَأَمَّا تَعَدُّدُ الثِّيَابِ فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ أَصْلٌ وَالْقَلِيلُ مِنْهَا لَمْ يُذْكَرْ لِحَقَارَتِهَا أَوْ لِغَايَةِ وُضُوحِهَا إِذْ لَا يَخْلُو إِنْسَانٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا عُلِمَ حُكْمُ الْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ تَبِعَهَا غَيْرُهَا بِالْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ أَرْبَابِ السِّيَرِ أَنَّهُ ﷺ خَلَّفَ إِبِلًا كَثِيرَةً وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ نَاقَةً يَرْعَوْنَهَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَأْتُونَ بِأَلْبَانِهَا إِلَيْهِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَكَانَ لَهُ سَبْعُ مَعْزٍ يَشْرَبُونَ لَبَنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِبِلَ الْكَثِيرَةَ هِيَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَنَّ النَّاقَةَ وَالْمَعْزَ كَانَتْ مَنِ الْمَنَائِحِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّرَايِحُ، وَسَيَجِيءُ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَا تَرَكَ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا فَيَتَعَيَّنُ التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ،
стр. 479
وَالْعَجَبُ مِنِ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ ذَكَرَ مَا نُقِلَ عَنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَسَكَتَ عَنْهُ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄) أَيْ: حِينَ بَلَغَهَا عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ (فَقَالَتْ) أَيْ: فَاطِمَةُ لِأَبِي بَكْرٍ (مَنْ يَرِثُكَ) أَيْ: بِحُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَقَالَ: أَهْلِي) أَيْ: زَوْجَتِي (وَوَلَدِي) أَيْ: أَوْلَادِي مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ (فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَرِثُ أَبِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا نُورَثُ) أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَفِي الْمُغْرِبِ كَسْرُ الرَّاءِ خَطَأُ رِوَايَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رِوَايَةً؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ دِرَايَةً إِذِ الْمَعْنَى لَا نَتْرُكُ مِيرَاثًا لِأَحَدٍ لِمَصِيرِهِ صَدَقَةً حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى فَفِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ، يُقَالُ: أَوْرَثَهُ مَالًا تَرَكَهُ مِيرَاثًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: أَصْلُ الْمَجْهُولِ لَا يُورَثُ مِنَّا فَحُذِفَ مِنْ وَاسْتَتَرَ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْفِعْلِ فَانْقَلَبَ الْفِعْلُ مِنَ الْغَائِبِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ أَيْ: تَرْتَعُ إِبِلُنَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى لَا أَبْرَحُ أَيْ: لَا يَبْرَحُ مَسِيرِي عَلَى وَجْهٍ فَلَمَّا حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ انْقَلَبَ الْفِعْلُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: وَهُوَ وَجْهٌ لَطِيفٌ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا جَعَلَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ مُتَعَدِّيًا إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَلَا حَذْفَ، وَلَا تَحْوِيلَ، فَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ وَبِمِنْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَيُقَالُ: وَرَّثَ أَبَاهُ مَالًا فَالْأَبُ وَالْمَالُ كِلَاهُمَا مَوْرُوثٌ وَقَوْلُ فَاطِمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرِثُكَ وَمَا لِيَ لَا أَرِثُ أَبِي مُوَافِقٌ لَهُ وَكَذَا قَوْلُهُ (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) وَلِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى الْقَوْلِ بِالْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ.
وَأَمَّا مَا حُكِيَ فِي تَفْسِيرِ يَرِثُنِي وَيَرِثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ يَرِثُ مَالِي.
فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ لَا نُورَثُ خَاصٌّ بِنَبِيِّنَا ﷺ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ لِقَوْلِهِ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ
لَا نُورَثُ، فَالْمُرَادُ بِالْإِرْثِ الثَّابِتِ وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ وَبِالنَّفْيِ إِرْثُ الْمَالِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ يَرِثُنِي الْمَالُ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِأَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ أَخْذُ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ كَمَا ارْتُكِبَ الْمَجَازُ فِي حَدِيثِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا يُوَرِّثُونَ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْعِلْمِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالَاتِ، وَحَاصِلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّا لَا نُورَثُ وَأَنَّ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَامَّةٌ لَا يَخْتَصُّ بِالْوَرَثَةِ (وَلَكِنِّي أَعُولُ) أَيْ: أُنْفِقُ (عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُولُهُ وَأُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَيْهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ كَمَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ لِمَا فِي الصِّحَاحِ عَالَ الرَّجُلُ عِيَالَهُ يَعُولُهُمْ قَاتَهُمْ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَخُصَّ قَوْلَهُ أَعُولُ بِأَهْلِ دَاخِلِ بَيْتِهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ لَفْظُ الْعِيَالِ وَيُرَادُ بِقَوْلِهِ أُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَيْتِهِ فَانْدَفَعَ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ أَرَادَ دُخُولَ فَاطِمَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ أَوْلَادِهِ ﷺ وَأَحَبُّهُنَّ إِلَيْهِ انْتَهَى.، وَفِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ إِذِ الْمَدَارُ هُنَا لَيْسَ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ بَلْ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ ﷺ يُنْفِقُهُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَفَقَةَ فَاطِمَةَ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى عَلِيٍّ ﵄ لَا عَلَيْهِ ﵇ انْتَهَى، وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ بَلْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي عَدَمِ الْإِرْثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنْ لَا يَتَمَنَّى بَعْضُ الْوَرَثَةِ مَوْتَهُ فَيَهْلِكَ وَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِمْ أَنَّهُمْ رَاغِبُونَ فِي
стр. 480
الدُّنْيَا وَيَجْمَعُونَ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِمْ وَأَنْ لَا يَرْغَبَ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا وَجَمْعِهَا بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا كَذَلِكَ وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمُوا أَنَّ فَقْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُنِ اخْتِيَارِيًّا، وَأَمَّا مَا قِيلَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مِلْكَ لَهُمْ فَضَعِيفٌ، هُوَ بِإِشَارَاتِ الْقَوْمِ أَشْبَهُ، وَلِذَا قِيلَ الصُّوفِيُّ لَا يَمْلِكُ، وَلَا يَمْلِكُ هَذَا وَكَأَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ اعْتَقَدَتْ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ لَا نُورَثُ وَرَأَتْ أَنَّ مَنَافِعَ مَا خَلَّفَهُ مِنْ أَرْضٍ وَغَيْرِهَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يُورَثَ عَنْهُ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِهَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بَلْ أَرَادَتْ أَنَّ حُكْمَ الْأَنْبِيَاءِ كَحُكْمِ غَيْرِهِمْ فِي عُمُومِ الْإِرْثِ لِإِطْلَاقِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فَأَجَابَ الصِّدِّيقُ بِأَنَّ حُكْمَ الْأَنْبِيَاءِ خُصَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ مَقْطُوعٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصِّدِّيقِ وَكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ فَهُوَ مَشْهُورٌ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْكِتَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَسَيَأْتِي أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَةِ، وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا مِنْ جُمْلَةِ الْآحَادِ الْمُفِيدَةِ لِلظَّنِّ وَأَيْضًا قَرَّرَ الصِّدِّيقُ رُجُوعَ الْمَنَافِعِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الْمُخَلَّفَاتِ إِلَى وَرَثَتِهِ لَكِنْ لَا بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بَعْدَ مَمَاتِهِ عَلَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ فَالِاسْتِدْرَاكُ لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ النَّاشِئِ مِنَ النَّفْيِ الْمُطْلَقِ فِي قَوْلِهِ ﷺ لَا نُورَثُ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَهَلْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُخَلَّفَاتِ أَمْ لَا، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ التَّحْقِيقِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ أَبُو غَسَّانَ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مُهْمَلَةٍ مَمْنُوعًا (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بِضَمِّ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ (عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمُغْنِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ عِمْرَانَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ ابْنُ فَيْرُوزَ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٍ إِلَى الْبَحْتَرِ، وَهُوَ حُسْنُ الْمَشْيِ وَقَعَ سَهْوًا مَعَ أَنَّ ضَبْطَهُ مُنَاقِضٌ لِآخِرِ كَلَامِهِ فَإِنَّ الْبَخْتَرَةَ وَالتَّبَخْتُرَ بِالْمُعْجَمَةِ مِشْيَةٌ حَسَنَةٌ وَالْبَخْتَرِيُّ الْمُخْتَالُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (أَنَّ الْعَبَّاسَ وَعَلِيًّا جَاءَا إِلَى عُمَرَ) أَيْ: أَيَّامَ خِلَافَتِهِ (يَخْتَصِمَانِ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْتَ كَذَا أَنْتَ كَذَا) أَيْ: أَنْتَ لَا تَسْتَحِقُّ الْوِلَايَةَ عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ أَوْ أَنَا أَوْلَى مِنْكَ بِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَخْطَأَ شَارِحٌ فِي حَمْلِ كَلَامِهِمَا عَلَى السَّبِّ وَالشَّتْمِ (فَقَالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدٍ) أَيْ: مِمَّنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ) يُقَالُ: نَشَدْتُ فُلَانًا أَنْشُدُهُ نَشْدًا إِذَا قُلْتَ لَهُ نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَيْ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ كَأَنَّكَ ذَكَّرْتَهُ إِيَّاهُ فَنَشَدَ أَيْ: تَذَكَّرَ - كَذَا فِي الصِّحَاحِ -، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: يُقَالُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ وَبِاللَّهِ أَيْ: سَأَلْتُكَ وَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ وَتَعْدِيَتُهُ إِلَى الْمَفْعُولَيْنِ إِمَّا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ دَعَوْتُ كَمَا يُقَالُ: دَعَوْتُ زَيْدًا وَبِزَيْدٍ أَوْ لِأَنَّهُمْ ضَمَّنُوهُ مَعْنَى ذَكَرْتُ، وَقِيلَ الْمَعْنَى سَأَلْتُكُمْ بِاللَّهِ رَافِعًا نَشِيدَتِي أَيْ: صَوْتِي (أَسَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كُلُّ مَالِ نَبِيٍّ صَدَقَةٌ) أَيْ: وَقْفٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَامَّةً (إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَوِ النَّبِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ أَيْ: أَنَا لِكَوْنِي الْمُتَصَرِّفَ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ (إِنَّا لَا نُورَثُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّعْلِيلِ، وَقَدْ أَفَادَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا أُطْعِمُهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمِ فَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ وَالصَّوَابُ أَطْعَمَهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْعَيْنِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَيُبَيِّنُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ كُلُّ مَالِ نَبِيٍّ صَدَقَةٌ إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ وَكَسَاهُمْ إِنَّا لَا نُورَثُ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَالَ كُلِّ نَبِيٍّ صَدَقَةٌ فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَيْضًا إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ وَكَسَاهُمْ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا مَا نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ كَعَامِلِهِ وَزَوْجَاتِهِ فَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ وَفَاتِهِ (
стр. 481
وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ) أَيْ: طَوِيلَةٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ بَسْطِهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا جَوَابُهُمْ لِعُمَرَ بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ ذَكَرَ مِيرَكُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَجُلٍ فَأَعْجَبَنِي فَقُلْتُ لَهُ: اكْتُبْ لِي، فَأَتَى بِهِ مَكْتُوبًا مُزَبَّرًا: دَخَلَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ عَلَى عُمَرَ وَعِنْدَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٌ وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فَقَالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ
وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُلُّ مَالِ نَبِيٍّ صَدَقَةٌ إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ وَكَسَاهُمْ إِنَّا لَا نُورَثُ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ فَكَانَ يَصْنَعُ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ.
، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: كَانَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ أَنْ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُ صَفَايَا بَنُو النَّضِيرِ وَخَيْبَرُ وَفَدَكٌ، فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ، وَأَمَّا فَدَكٌ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ جُزْأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَجُزْءًا نَفَقَةً فَمَا فَضَلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَلَعَلَّ تَنْكِيرَ نَبِيٍّ أَشَارَ إِلَيْهِ وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: كُلُّ هُنَا إِنَّمَا يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي أَفْرَادِ مَالِ النَّبِيِّ الْوَاحِدِ لَا فِي أَفْرَادِ الْأَنْبِيَاءِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةَ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ، يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ الْعُمُومُ فِي الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ) أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ (مَا تَرَكْنَا) مَا مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ: كُلُّ مَا تَرَكْنَاهُ (فَهُوَ صَدَقَةٌ) فَهُوَ خَبَرُ مَا وَالْفَاءُ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَا نُورَثُ فَقِيلَ مَا يُفْعَلُ بِتَرِكَتِكُمْ فَأُجِيبَ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَهُوَ صَدَقَةٌ خَبَرُ مَا، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَوَهْمٌ فَإِنَّ الْجُمْلَةَ هِيَ الْجَوَابُ لَا مُجَرَّدُ الْخَبَرِ فَتَدَبَّرْ يَظْهَرْ لَكَ الصَّوَابُ.
وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ مَا مِيرَاثُنَا إِلَّا وَاقِعٌ وَمُنْحَصِرٌ فِي صَرْفِ أَحْوَالِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ لَا يُورَثُ إِنَّمَا مِيرَاثُهُ فِي فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَسَاكِينِ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَانْتِقَالِ ذَاتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، قَالَ الْمَالِكِيُّ: مَا فِي تَرَكْنَا مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَتَرَكْنَا صِلَتُهُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَصَدَقَةٌ خَبَرٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى رَفْعِ صَدَقَةٍ اتِّفَاقًا وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ فَبَطَلَ قَوْلُ الشِّيعَةِ أَنَّ مَا نَافِيَةٌ وَصَدَقَةً مَفْعُولُ تَرَكْنَا فَإِنَّهُ زُورٌ وَبُهْتَانٌ وَمُنَاقَضَةٌ لِصَدْرِ الْكَلَامِ عِيَانٌ، فَلَوْ صَحَّتْ رِوَايَةُ النَّصْبِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى مَعْنًى يُطَابِقُ الرِّوَايَاتِ الصَّرِيحَةَ وَيُوَافِقُ الْمَعَانِيَ الصَّحِيحَةَ بِأَنْ يُقَالَ هِيَ مَفْعُولٌ لِلْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ أَيِ: الَّذِي تَرَكْنَاهُ مَبْذُولٌ صَدَقَةً، وَنَظِيرُهُ مَا جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) بِالنَّصْبِ فِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا يَقْسِمُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَوْقِيَّةِ مَرْفُوعًا، وَفِي نُسْخَةٍ مَجْزُومًا
، وَفِي أُخْرَى لَا يَقْتَسِمُ مِنَ الِافْتِعَالِ بِالْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ وَمَآلُ الْكُلِّ إِلَى وَاحِدٍ وَالنَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ (وَرَثَتِي) أَيْ: مَنْ هُمُ الْوَرَثَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ لَكِنْ مَنَعَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ (دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا) وَالتَّقْيِيدُ بِهِمَا بِنَاءً عَلَى الْأَغْلَبِ
стр. 482
مِنَ الْمُخَلَّفَاتِ الْكَثِيرَةِ أَوْ لِأَنَّ مَرْجِعَ الْكُلِّ فِي الْقِسْمَةِ إِلَيْهِمَا أَوِ الْمَعْنَى مَا يُسَاوِي قِيمَةَ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِمَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا فَوْقَهُمَا بِذَلِكَ أَوْلَى فَإِنَّهُ يَبْقَى مَفْهُومُ مَا دُونَهُمَا، وَهُوَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ (مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ) وَالْمَئُونَةُ الثِّقَلُ فَعُولَةٌ مِنْ مَأَنْتُ الْقَوْمَ أَيِ احْتَمَلْتُ مَئُونَتَهُمْ، وَفِي الصِّحَاحِ الْمَئُونَةُ تُهْمَزُ، وَلَا تُهْمَزُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ مَفْعُلَةٌ مِنَ الْأَيْنِ، وَهُوَ التَّعَبُ وَالشِّدَّةُ، وَقِيلَ هِيَ مَفْعُلَةٌ مِنَ الْأَوْنِ، وَهِيَ الْخُرْجُ وَالْعِدْلُ؛ لِأَنَّهَا تَثْقُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي فَقَالَ الطِّيبِيُّ خَبَرٌ وَلَيْسَ بِنَهْيٍ وَمَعْنَاهُ لَيْسَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي بَعْدَ مَوْتِي دِينَارًا أَيْ: لَسْتُ أُخَلِّفُ بَعْدِي دِينَارًا أَمْلِكُهُ فَيَقْتَسِمُونَ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى النَّهْيِ فَهُوَ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِ:
عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ
أَيْ لَا دِينَارَ هُنَاكَ يُقْتَسَمُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ النَّهْيَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ وَإِرْثُهُ ﷺ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَمَعْنَاهُ لَا يَقْتَسِمُونَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لِي وَلَيْسَ مَعْنَى نَفَقَةِ نِسَائِي إِرْثَهُنَّ مِنْهُ بَلْ لِكَوْنِهِنَّ مَحْبُوسَاتٍ عَنِ الْأَزْوَاجِ بِسَبَبِهِ فَهُنَّ فِي حُكْمِ الْمُعْتَدَّاتِ مَا دَامَ حَيَاتَهُنَّ أَوْ لِعِظَمِ حُقُوقِهِنَّ وَقِدَمِ هِجْرَتِهِنَّ وَكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِذَلِكَ اخْتَصَصْنَ بِمَسَاكِنِهِنَّ وَلَمْ يَرِثْهَا وَرَثَتُهُنَّ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَا يَقْتَسِمْ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ عَلَى النَّهْيِ وَبِضَمِّهَا عَلَى النَّفْيِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يُعَارِضَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا يُورَثُ عَنْهُ وَتَوْجِيهُ رِوَايَةِ النَّهْيِ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَةِ مَا يُخَلِّفُ إِنِ اتَّفَقَ انْتَهَى، وَقِيلَ لَا عِدَّةَ عَلَى أَزْوَاجِهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ ﷺ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّاتِ إِذْ كُنَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْكَحْنَ أَبَدًا فَجَرَتْ لَهُنَّ النَّفَقَةُ وَأَرَادَ بِالْعَامِلِ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ مِنَ الصَّفَايَا الَّتِي كَانَتْ لَهُ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَفَدَكٍ وَيَصْرِفُ الْبَاقِيَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ كَذَلِكَ فَلَمَّا صَارَتْ إِلَى عُثْمَانَ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِمَالِهِ فَأَقْطَعَهَا مَرْوَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ فَلَمْ تَزَلْ فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى رَدَّهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ عَامِلِي فَقِيلَ الْخِلَافَةُ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَامِلَ عَلَى النَّخْلِ وَالْقَيِّمَ عَلَى الْأَرْضِ وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ بَطَّالٍ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِعَامِلِهِ حَافِرُ قَبْرِهِ ﵇، وَقَالَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي الْخَصَائِصِ: الْمُرَادُ بِعَامِلِهِ خَادِمُهُ الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَقِيلَ الْعَامِلُ فِيهَا كَالْأَجِيرِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أُجْرَةِ الْقَسَّامِ انْتَهَى، وَقِيلَ كُلُّ عَامِلٍ لِلْمُسْلِمِينَ إِذْ هُوَ عَامِلٌ
لَهُ وَنَائِبٌ فِي أُمَّتِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ وَلَا يُتَصَوَّرُ فَتَدَبَّرْ.
(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْأُولَى (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) بِفَتْحَتَيْنِ (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ وَسَعْدٌ وَجَاءَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَخْتَصِمَانِ فَقَالَ لَهُمْ) أَيْ: لِلثَّلَاثَةِ (عُمَرُ أَنْشُدُكُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: أَسْأَلُكُمْ أَوْ أُقْسِمُ عَلَيْكُمْ (
стр. 483
بِالَّذِي بِإِذْنِهِ) أَيْ: بِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ، وَقَدَرِهِ (تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) أَيْ: تَثْبُتُ، وَلَا تَزُولُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: تَدُومُ (أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بِالرَّفْعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَبِهِ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ، وَهُوَ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: نَعَمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَذَا، وَتَصْدِيرُهُ بِاللَّهُمَّ إِمَّا لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ أَوْ لِلِاحْتِيَاطِ وَالتَّحَرُّزِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْغَلَطِ وَالْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمِيمَ فِيهِ بَدَلٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ أَوِ الْمَقْصُودُ مِنَ النِّدَاءِ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ التَّضَرُّعُ وَالتَّذَلُّلُ لَا حَقِيقَةَ النِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ حَتَّى يُنَادَى، وَلَا بِغَائِبٍ حُضُورُهُ يُرْتَجَى
بَلْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَبِيدِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ) بَسَطَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَقَدْ أَتَيْنَا بِبَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ) عَلَى زِنَةِ فَعْلَلَةَ وَعَاصِمٌ هُوَ الْإِمَامُ الْمُقْرِئُ الْمَشْهُورُ الَّذِي رَاوِيَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَحَفْصٌ (عَنْ زِرٍّ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (ابْنِ حُبَيْشٍ) تَصْغِيرُ حَبَشٍ (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلّى
стр. 484
الله عليه وسلم - دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا) أَيْ: مَمْلُوكَيْنِ زَادَ مُسْلِمٌ، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي أَوْ زِرٌّ الرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَ بِهِ مِيرَكُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِلُ مِنْ دُونِهِ (وَأَشُكُّ) وَفِي نُسْخَةٍ وَالشَّكُّ (فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ) أَيْ: فِي أَنَّ عَائِشَةَ هَلْ ذَكَرَتْهُمَا أَمْ لَا وَإِلَّا فَقَدَ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ جُوَيْرِيَةَ، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَالْمُرَادُ بِهِمَا مَمْلُوكَانِ إِذْ بَقِيَ بَعْدَهُ ﷺ كَثِيرٌ مِنْ مَوَالِيهِ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ)
وَفِي نُسْخَةٍ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَنَامِ النَّوْمُ وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ
الرُّؤْيَةَ وَالرُّؤْيَا مُتَّحِدَتَانِ أَوْ مُخْتَلِفَتَانِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأُولَى أَعَمُّ، وَلِهَذَا قَيَّدَهَا بِالْمَنَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: الرُّؤْيَا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ إِلَّا أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَامِ دُونَ الْيَقَظَةِ فَلَا جَرَمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ التَّأْنِيثِ كَمَا قِيلَ فِي الْقُرْبَى وَالْقُرْبَةِ وَجُعِلَ أَلِفُ التَّأْنِيثِ فِيهَا مَكَانَ تَاءِ التَّأْنِيثِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: الرُّؤْيَا مَصْدَرٌ كَالْبُشْرَى وَالسُّقْيَا وَالشُّورَى إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا صَارَ اسْمًا لِهَذَا الْمُتَخَيَّلِ فِي الْمَنَامِ جَرَى مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الرُّؤْيَا مَقْصُورَةٌ مَهْمُوزَةٌ، وَيَجُوزُ تَرْكُ هَمْزِهَا تَخْفِيفًا.
قُلْتُ: وَكَذَا الرُّؤْيَةُ وَالْقِرَاءَتَانِ فِي السَّبْعَةِ.
ثُمَّ الرُّؤْيَا عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهَا انْطِبَاعُ الصُّورَةِ الْمُنْحَدِرَةِ مِنْ أُفُقِ الْمُتَخَيَّلَةِ إِلَى الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ، وَالصَّادِقَةُ مِنْهَا إِنَّمَا تَكُونُ بِاتِّصَالِ النَّفْسِ بِالْمَلَكُوتِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ عِنْدَ فَرَاغِهَا عَنْ تَدْبِيرِ الْبَدَنِ أَدْنَى فَرَاغٍ فَتَتَصَوَّرُ بِمَا فِيهَا مِمَّا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الْمَعَانِي الْحَاصِلَةِ هُنَاكَ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُتَخَيَّلَةَ تُحَاكِيهِ بِصُورَةٍ تُنَاسِبُهُ فَتُرْسِلُهَا إِلَى الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ فَتَصِيرُ مُشَاهَدَةً، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ شَدِيدَةَ الْمُنَاسَبَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَكُونُ التَّفَاوُتُ إِلَّا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ اسْتَغْنَتِ الرُّؤْيَا عَنِ التَّعْبِيرِ وَإِلَّا احْتَاجَتْ إِلَيْهِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ حَقِيقَةَ الرُّؤْيَا خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَلْبِ النَّائِمِ اعْتِقَادَاتٍ خَلَقَهَا فِي قَلْبِ الْيَقْظَانِ، وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا يَمْنَعُهُ نَوْمٌ وَلَا يَقَظَةٌ، وَخَلْقُ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ فِي النَّائِمِ عَلَمٌ عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ يَلْحَقُهَا فِي ثَانِي الْحَالِ كَالْغَيْمِ عَلَمًا عَلَى الْمَطَرِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الرُّؤْيَا عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ مَا يُرِيهِ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ عَلَى الرُّؤْيَا فَذَلِكَ حَقٌّ وَمَا يُرِيهِ وَيُمَثِّلُهُ الشَّيْطَانُ وَمَا يُحَدِّثُ بِهِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، وَقَدْ وُكِّلَ بِالرُّؤْيَا مَلَكٌ يَضْرِبُ مِنَ الْحِكْمَةِ الْأَمْثَالَ وَقَدِ اطَّلَعَ عَلَى قِصَصِ بَنِي آدَمَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَإِذَا نَامَ يُمَثِّلُ لَهُ الْمَلَكُ الْأَشْيَاءَ عَلَى طَرِيقِ الْحِكْمَةِ مَا يَكُونُ لَهُ بِشَارَةً وَنِذَارَةً وَمُعَاتَبَةً كَذَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ أَمَّا الرُّؤْيَا فَخَيَالٌ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَمَّا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فَلِفَقْدِ شَرَائِطِ الْإِدْرَاكِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْأَصْحَابِ إِذْ لَمْ يَشْتَرِطُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ قَالَ مِيرَكُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الْحَدِيثِ بَلْ وَمَا فِي الْقُرْآنِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ أَوْ كَرَامَةٌ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ أَوْ أَنَّ الرُّؤْيَا الْحِسِّيَّةَ خَيَالٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
стр. 485
قُلْتُ: وَقَدْ حَكَى الْمَازِرِيُّ عَنِ الْبَاقِلَّانِيِّ أَنَّ حَدِيثَ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمُرَادُ: أَنَّ مَنْ رَآهُ فَقَدْ أَدْرَكَهُ، وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَالْعَقْلُ لَا يُخَيِّلُهُ حَتَّى يُضْطَرَّ إِلَى صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَأَمَّا أَنَّهُ قَدْ يُرَى عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ أَوْ فِي مَكَانَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي صِفَاتِهِ ﷺ وَيُخَيَّلُ لَهُمَا عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَرَى الظَّانُّ بَعْضَ الْخَيَالَاتِ مَرْئِيًّا لِكَوْنِ مَا يَتَخَيَّلُ مُرْتَبِطًا بِمَا يَرَى فِي مَنَامِهِ فَيَكُونُ ذَاتُهُ ﷺ مَرْئِيَّةً وَصِفَاتُهُ ﷺ مُتَخَيَّلَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ وَالْإِدْرَاكُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحْدِيقُ الْأَبْصَارِ، وَلَا قُرْبُ الْمَسَافَةِ، وَلَا كَوْنُ الْمَرْئِيِّ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ، وَلَا ظَاهِرًا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى فَنَاءِ جِسْمِهِ ﷺ بَلْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي بَقَاءَهُ ﷺ
وَسَيَجِيءُ زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ إِيرَادَ بَابِ الرُّؤْيَةِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ بَعْدَ إِتْمَامِ صِفَاتِهِ الظَّاهِرِيَّةِ وَأَخْلَاقِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَوَّلًا مُلَاحَظَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَوْصَافِهِ الشَّرِيفَةِ الْخَاصَّةِ بِهِ لِيَسْهُلَ تَطْبِيقُهُ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ فِي الْمَنَامِ عَلَيْهَا.
قُلْتُ أَوْ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى طَلَائِعِ صِفَاتِهِ الصُّورِيَّةِ وَعَلَى بَدَائِعِ نُعُوتِهِ السَّرِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ رُؤْيَتِهِ حَيًّا فِي الْيَقَظَةِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ تِلْكَ الْحَالَةِ الْجَلِيَّةِ بَيَّنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةِ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أَيْ: ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) أَيْ: حَقًّا أَوْ حَقِيقَةً أَوْ يَقَظَةً وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ كُلِّهِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ
стр. 486
عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَرَاءَى بِي.
وَاسْتُشْكِلَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ مُتَّحِدَانِ فَمَا الْفَائِدَةُ فِيهِ؟ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ اتِّحَادَهُمَا دَالٌّ عَلَى التَّنَاهِي فِي الْمُبَالَغَةِ كَمَا يُقَالُ: مَنْ أَدْرَكَ الضَّمَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْمَرْعَى أَيْ: أَدْرَكَ مَرْعًى مُتَنَاهِيًا فِي بَابِهِ أَيْ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى حَقِيقَتِي عَلَى كَمَالِهَا لَا شُبْهَةَ وَلَا ارْتِيَابَ فِيمَا رَأَى، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَزَادَ الْحَنَفِيُّ بِقَوْلِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ وَالْحَقُّ هُنَا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أَيْ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَةَ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَالتَّتْمِيمِ لِلْمَعْنَى وَالتَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ، وَالتَّمَثُّلُ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَبِنَفْسِهِ وَبِاللَّامِ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ خُلَاصَةَ الْجَوَابِ وَالتَّحْقِيقِ فِي تَقْرِيرِ الصَّوَابِ أَنَّ الْإِشْكَالَ إِنَّمَا يَزُولُ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى حَقِيقَةَ صُورَتِي الظَّاهِرَةِ وَسِيرَتِي الْبَاهِرَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي أَيْ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَوَّرَ بِشَكْلِي الصُّورِيِّ وَإِلَّا فَهُوَ بَعِيدٌ عَنِ التَّمَثُّلِ الْمَعْنَوِيِّ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ كَمَا حَفِظَ نَبِيَّهُ ﷺ حَالَ الْيَقَظَةِ مِنْ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ وَإِيصَالِ الْوَسْوَسَةِ فَكَذَلِكَ حَفِظَهُ اللَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ دَارِ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِصُورَتِهِ وَأَنْ يَتَخَيَّلَ لِلرَّائِي بِمَا لَيْسَ هُوَ فَرُؤْيَةُ الشَّخْصِ فِي الْمَنَامِ إِيَّاهُ ﷺ بِمَنْزِلَةِ رُؤْيَتِهِ فِي الْيَقَظَةِ فِي أَنَّهُ رُؤْيَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا رُؤْيَةُ شَخْصٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِصُورَتِهِ ﷺ وَيَتَشَكَّلَ بِهَا، وَلَا أَنْ يَتَشَكَّلَ بِصُورَتِهِ وَيَتَخَيَّلَ إِلَى الرَّائِي أَنَّهَا صُورَتُهُ ﷺ فَلَا احْتِيَاجَ لِمَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ بِأَيِّ صُورَةٍ كَانَتْ أَنْ يُعَبِّرَ هَذَا وَيَظُنَّ أَنَّهُ شَيْئٌ آخَرُ، وَإِنْ رَآهُ بِغَيْرِ صُورَتِهِ فِي حَيَاتِهِ ﷺ عَلَى مَا ذَكَرَ مِيرَكُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ قُلْنَا هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتُ تَرْجِعُ إِلَى اخْتِلَافِ حَالِ الرَّائِينَ لَا إِلَى الْمَرْئِيِّ كَمَا فِي الْمِرْآةِ فَمَنْ رَآهُ مُتَبَسِّمًا مَثَلًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ ﷺ وَرُؤْيَتُهُ غَضْبَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَمَنْ رَآهُ نَاقِصًا يَدُلُّ
عَلَى نُقْصَانِ سُنَّتِهِ فَإِنَّهُ يَرَى النَّاظِرُ الطَّائِرَ مِنْ وَرَاءِ الزُّجَاجِ الْأَخْضَرِ ذَا خُضْرَةٍ وَقِسْ عَلَى هَذَا انْتَهَى.
وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ وَنِهَايَةِ التَّدْقِيقِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تَرْجِعُ إِلَى مَحَلِّ الْمَرْئِيِّ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ رُئِيَ فِي قِطْعَةٍ مِنْ مَسْجِدٍ كَأَنَّهُ مَيِّتٌ فَعَبَّرَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ بِأَنَّ دُخُولَ تِلْكَ الْبُقْعَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ السُّنَّةِ فَفُتِّشَ عَنْهَا فَوُجِدَتْ أَنَّهَا كَانَتْ مَغْصُوبَةً.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ حَصِينٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) أَيْ: حَقِيقَةً أَوْ حَقًّا أَوْ فَقَدْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ رَآنِي أَوْ فَقَدْ رَآنِي وَلَمْ يَرَ غَيْرِي (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَصَوَّرُ) أَيْ: لَا يَقْدِرُ أَنْ يَظْهَرَ أَوْ يَظْهَرَ بِصُورَتِي (أَوْ قَالَ لَا يَتَشَبَّهُ بِي) وَالشَّكُّ فِي غَيْرِ الْجَارِّ وَالتَّصَوُّرُ وَالتَّشَبُّهُ وَالتَّمَثُّلُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى وَإِنْ
كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْمَبْنَى هَذَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ فَقَدْ رَآنِي فَسَيَرَانِي وَأَنَّهُ أَتَى بِالصِّيغَةِ الْمَاضَوِيَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ بِقَدِ التَّحْقِيقِيَّةِ إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ تَحَقُّقِهِ مَعَ أَنَّ الشَّرْطَ يُحَوِّلُ الْمَاضِيَ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ فَيُوَافِقُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.
مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ.
فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى بِشَارَةِ الرَّائِي لَهُ ﵇ بِحُصُولِ مَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَوُصُولِهِ إِلَى رُؤْيَتِهِ فِي دَارِ الْمَقَامِ وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ فَقَدْ رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَقِيلَ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأَهْلِ زَمَانِهِ - صلّى الله عليه
стр. 487
وسلم - أَيْ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِرُؤْيَتِي فِي الْيَقَظَةِ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِعُمُومِ مَنْ فِي الْمَبْنَى عَلَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى قُيُودٍ مِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعُمُومِ وَمِنْهَا تَقْيِيدُ رُؤْيَةِ الْيَقَظَةِ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّ رُؤْيَتَهُ بِغَيْرِهِ كَلَا رُؤْيَةٍ، سَوَاءٌ فِيهِ الرُّؤْيَا وَالرُّؤْيَةُ، هَذَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَوْلُهُ سَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ يُرِيدُ تَصْدِيقَ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ وَصِحَّتَهَا وَخُرُوجَهَا عَلَى الْحَقِّ لَا أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أُمَّتِهِ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إِنْ كَانَ الْمَحْفُوظُ فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ فَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ أَوْ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ احْتَمَلَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ رَآهُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ نَوْمًا وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ سَيُهَاجِرُ إِلَيْهِ انْتَهَى، وَتَقَدَّمَ وَجْهُ بُعْدِهِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ يَحْتَمِلُ أَنَّ رُؤْيَاهُ نَوْمًا بِصِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ مُوجِبَةٌ لِتَكْرِمَةِ الرَّائِي بِرُؤْيَةٍ خَاصَّةٍ فِي الْآخِرَةِ إِمَّا بِقُرْبٍ أَوْ شَفَاعَةٍ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعَاقَبَ بَعْضُ الْمُذْنِبِينَ بِالْحَجْبِ عَنْهُ ﷺ فِي الْقِيَامَةِ مُدَّةً انْتَهَى.
وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَسَيَرَانِي فِي الْمِرْآةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ ﷺ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ كَمَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا رَآهُ نَوْمًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْرَجَتْ لَهُ مِرْآتَهُ ﷺ فَرَأَى صُورَتَهُ ﵇ وَلَمْ يَرَ صُورَةَ نَفْسِهِ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَهُوَ مِنْ أَبْعَدِ الْمَحَامِلِ أَقُولُ لَوْ صَحَّ فَهُوَ إِمَّا مُعْجِزَةً لَهُ ﷺ أَوْ كَرَامَةً لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أَيْ: ابْنُ سَعِيدٍ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (حَدَّثَنَا خَلَفٌ) بِفَتْحَتَيْنِ (ابْنُ خَلِيفَةَ) أَيْ: ابْنُ صَاعِدٍ الْأَشْجَعِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ وَاسِطٍ، ثُمَّ بَغْدَادَ صَدُوقٌ اخْتَلَطَ فِي الْآخِرِ وَادَّعَى أَنَّهُ رَأَى عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ الصَّحَابِيَّ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَحْمَدُ، مِنَ الثَّالِثَةِ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّقْرِيبِ (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) قَالَ الْغَزَالِيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَةَ الْجِسْمِ بَلْ رُؤْيَةُ الْمِثَالِ الَّذِي صَارَ آلَةً يَتَأَدَّى بِهَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَكَذَا قَوْلُهُ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى جِسْمِي وَبَدَنِي قَالَ وَالْآلَةُ إِمَّا حَقِيقِيَّةٌ وَإِمَّا خَيَالِيَّةٌ وَالنَّفْسُ غَيْرُ الْمِثَالِ الْمُتَخَيَّلِ فَالشَّكْلُ الْمَرْئِيُّ لَيْسَ رُوحَهُ ﷺ ، وَلَا شَخْصَهُ بَلْ مِثَالَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ
وَكَذَا رُؤْيَتُهُ تَعَالَى نَوْمًا فَإِنَّ ذَاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ وَلَكِنْ يَنْتَهِي تَعْرِيفَاتُهُ تَعَالَى إِلَى الْعَبْدِ بِوَاسِطَةِ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ آلَةٌ حَقًّا فِي كَوْنِهِ وَاسِطَةَ مِثَالٍ فِي التَّعْرِيفِ فَقَوْلُ الرَّائِي رَأَيْتُ اللَّهَ نَوْمًا لَا يَعْنِي أَنِّي رَأَيْتُ ذَاتَهُ تَعَالَى كَمَا يَقُولُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَقَالَ أَيْضًا مَنْ رَآهُ ﷺ نَوْمًا لَمْ يُرِدْ رُؤْيَةَ حَقِيقَةِ شَخْصِهِ الْمُودَعِ رَوْضَةَ الْمَدِينَةِ بَلْ مِثَالَهُ، وَهُوَ مِثَالُ رُوحِهِ الْمُقَدَّسَةِ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي شَرْحِي الْمِرْقَاةَ لِلْمِشْكَاةِ بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْمَنَامِ وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ بِهِ الْقَائِلُ خِلَافًا لِبَعْضِ أَكَابِرِ عُلَمَائِنَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأُمُورِ الْجَلِيَّةِ وَالْخَفِيَّةِ (قَالَ أَبُو عِيسَى) أَيِ الْمُصَنِّفُ (وَأَبُو مَالِكٍ هَذَا) أَيِ: الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ (هُوَ سَعْدُ بْنُ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَطَارِقُ بْنُ أَشْيَمَ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ) أَيْ: غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ فَثَبَتَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً وَرِوَايَةً وَأَنَّ أَبَا مَالِكٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ بَيْنَ التِّرْمِذِيِّ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ فَكَأَنَّهُ تَبِعَ كَلَامَ الْحَنَفِيِّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ حُجْرٍ يَقُولُ قَالَ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا غُلَامٌ صَغِيرٌ) حَيْثُ قَالَ: فَعَلَى هَذَا كُلٌّ مِنْ قُتَيْبَةَ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ تَبَعُ تَابِعِيٍّ وَهُمَا شَيْخَا الْمُصَنِّفِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَأَكْثَرَ مِنْهُمَا انْتَهَى، وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَيْنَ الْمُصَنِّفِ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةً، وَهُوَ نَتِيجَةُ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ، وَأَمَّا قَوْلُ شَارِحٍ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ صَحَابِيٌّ عَلَى قَوْلِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ فَخَطَأٌ إِذْ لَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ صَحَابِيًّا بَلِ الْخِلَافُ فِي رُؤْيَةِ خَلَفٍ إِيَّاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ
стр. 488
عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ) بِالتَّصْغِيرِ (حَدَّثَنِي أَبِي) أَيْ: كُلَيْبٌ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُنِي) هَذَا مِنْ قَبِيلِ تَعْدِيَةِ التَّمْثِيلِ بِنَفْسِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يَتَمَثَّلُ بِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِي صُورَتِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَكَوَّنُنِي أَيْ: لَا يَتَكَوَّنُ كَوْنِي فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَوُصِلَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَلَبَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ وَوُصِلَ الْمُضَافُ بِالْفِعْلِ، وَفِي أُخْرَى لَهُ لَا يَتَرَاءَى بِي بِوَزْنِ يَتَرَامَى أَيْ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِي؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ أَمْكَنَهُ فِي التَّصَوُّرِ بِأَيِّ صُورَةٍ أَرَادَ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ التَّصَوُّرِ بِصُورَتِهِ ﷺ قَالَ جَمَاعَةٌ: وَمَحَلُّ هَذَا أَنَّ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا حَتَّى عَدَدَ شَيْبِهِ الشَّرِيفِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ ابْنُ سِيرِينَ فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قُصَّتْ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ قَالَ لِلرَّائِي صِفْ لِي الَّذِي رَأَيْتَهُ فَإِنْ وَصَفَ لَهُ صِفَةً لَمْ يَعْرِفْهَا قَالَ لَمْ تَرَهُ. وَيُؤَيِّدُ هَؤُلَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ نَقْلًا عَنْ عَاصِمٍ (قَالَ أَبِي) أَيْ: كُلَيْبٌ (فَحَدَّثْتُ بِهِ) أَيْ: بِهَذَا الْحَدِيثِ (ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ قَدْ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَدْ (رَأَيْتَهُ) أَيِ: النَّبِيَّ
ﷺ فِي الْمَنَامِ (فَذَكَرْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ) أَيْ: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُهُ يَقَظَةً (فَقُلْتُ شَبَّهْتُهُ) أَيِ: الْمَرْئِيَّ (بِهِ) أَيْ: بِالْحَسَنِ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ) أَيِ: الْحَسَنُ (كَانَ يُشْبِهُهُ) أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ أَيْ شَبَهُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ فِي الْمَقَامِ انْتَهَى.
وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى عَلَى الْأَعْلَامِ فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ أَقْوَى فِي الْكَلَامِ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ ضَمِيرَ إِنَّهُ رَاجِعًا إِلَى الْمَرْئِيِّ الَّذِي رُئِيَ فِي عَالَمِ الْمِثَالِ لَكِنْ يَرُدُّ هَذَا الْخَيَالَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ صَاحِبُ الْمَقَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
وَمِمَّا يُبْطِلُهُ أَيْضًا أَنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ صِفْهُ لِي قَالَ فَذَكَرْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَشَبَّهْتُهُ بِهِ فَقَالَ قَدْ رَأَيْتَهُ.
وَقَدْ وَرَدَ مُشَابَهَةُ الْحَسَنِ لَهُ ﷺ فِي أَحَادِيثَ فَيَكُونُ رُؤْيَا الرَّائِي صَحِيحَةً عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ وَعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّ الْحَسَنَ أَشْبَهَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ وَالْحُسَيْنَ أَشْبَهَ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا، وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِخَبَرِ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَإِنِّي أُرَى فِي كُلِّ صُورَةٍ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ مَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ يُوَفِّقُهُ عُمُومُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْإِطْلَاقُ، وَالتَّقْيِيدُ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصِّصٍ بِالِاتِّفَاقِ، فَمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْمَلُ عَلَى الْكَمَالِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا رُئِيَ بِوَصْفِهِ الْمَعْرُوفِ فَقَدْ رَأَى رُؤْيَةً مُحِقَّةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَآهُ عَلَى خِلَافِ نَعْتِهِ مِنْ كَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَخْضَرَ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرِ رُؤْيَاهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إِدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَبِغَيْرِهَا إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ لَا تُغَيِّرُهُمُ الْأَرْضُ فَإِدْرَاكُ الذَّاتِ الْكَرِيمَةِ حَقِيقَةٌ وَإِدْرَاكُ الصِّفَاتِ إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ وَشَذَّ مَنْ قَالَ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ لَا حَقِيقَةَ لِلرُّؤْيَا أَصْلًا وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَسَيَرَانِي سَيَرَى تَفْسِيرَ مَا رَأَى؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَغَيْبٌ، وَقَوْلُهُ فَكَأَنَّمَا رَآنِي أَنَّهُ لَوْ رَآنِي يَقَظَةً لَطَابَقَ مَا رَآهُ نَوْمًا فَيَكُونُ الْأَوَّلُ حَقًّا وَحَقِيقَةً وَالثَّانِي حَقًّا وَتَمْثِيلًا هَذَا كُلُّهُ إِنْ رَآهُ بِصِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ وَإِلَّا فَهِيَ أَمْثَالٌ فَإِنْ رَآهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ مَثَلًا فَهُوَ خَيْرٌ لِلرَّائِي وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ رُؤْيَاهُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ حُسْنٌ فِي دِينِ الرَّائِي وَمَعَ شَيْنٍ أَوْ نَقْصٍ فِي بَعْضِ بَدَنِهِ خَلَلٌ فِي دِينِ الرَّائِي؛ لِأَنَّهُ كَالْمِرْآةِ الصَّيْقَلَةِ يَنْطَبِعُ فِيهَا مَا قَابَلَهُ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتُهُ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ وَأَكْمَلِهِ وَهَذِهِ هِيَ الْفَائِدَةُ الْكُبْرَى فِي رُؤْيَتِهِ إِذْ بِهَا يُعْرَفُ حَالُ الرَّائِي، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَحْوَالُ الرَّائِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مُخْتَلِفَةٌ إِذْ هِيَ رُؤْيَا بَصِيرَةٍ، وَهِيَ لَا تَسْتَدْعِي حَصْرَ الْمَرْئِيِّ بَلْ يَرَى شَرْقًا وَغَرْبًا وَأَرْضًا وَسَمَاءً كَمَا تَرَى الصُّورَةَ فِي مِرْآةٍ قَابَلْتَهَا، وَلَيْسَ جِرْمُهَا مُنْتَقِلًا لِجِرْمِ الْمِرْآةِ فَاخْتِلَافُ رُؤْيَتِهِ كَأَنْ يَرَاهُ إِنْسَانٌ شَيْخًا وَآخَرُ شَابًّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَاخْتِلَافُ الصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فِي مَرَايَا مُخْتَلِفَةِ الْأَشْكَالِ وَالْمَقَادِيرِ فَيَكْبُرُ وَيَصْغُرُ وَيَعْوَجُّ وَيَطُولُ فِي الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْمُعْوَجَّةِ
وَالطَّوِيلَةِ وَبِهَذَا عُلِمَ جَوَازُ رُؤْيَةِ جَمَاعَةٍ لَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ مِنْ أَقْطَارٍ مُتَبَاعِدَةٍ وَبِأَوْصَافٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَجَابَ عَنْ هَذَا أَيْضًا الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ ﷺ سِرَاجٌ وَنُورُ الشَّمْسِ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِثَالُ نُورِهِ فِي الْعَوَالِمِ كُلِّهَا فَكَمَا أَنَّ الشَّمْسَ يَرَاهَا كُلٌّ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ
стр. 489
وَبِصِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَذَلِكَ هُوَ ﷺ ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَنَّ الرُّؤْيَا بِعَيْنِ الرَّأْسِ وَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَنَّهَا مُدْرَكَةٌ بِعَيْنٍ فِي الْقَلْبِ وَأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْمَجَازِ فَبَاطِلٌ عَلَى خِلَافِ الْحَقِيقَةِ وَصَادِرٌ عَنِ الْغُلُوِّ وَالْحَمَاقَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (وَكَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ) إِشَارَةً إِلَى بَرَكَةِ عِلْمِهِ وَثُبُوتِ حِلْمِهِ فَلِهَذَا رَأَى تِلْكَ الرُّؤْيَةَ الْعَظِيمَةَ (قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ زَمَنَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أَيْ: فِي زَمَانِ وُجُودِهِ (فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي فَمَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي الْمَنَامِ (فَقَدْ رَآنِي) أَيْ: حَقِيقَةً أَوْ كَأَنَّهُ رَآنِي يَقَظَةً (هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّوْمِ) النَّعْتُ وَصْفُ الشَّيْءِ بِمَا فِيهِ مِنْ حُسْنٍ، وَلَا يُقَالُ فِي الْقَبِيحِ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ مُتَكَلِّفٌ فَيَقُولُ نَعْتُ سُوءٍ، وَالْوَصْفُ يُقَالُ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (قَالَ) أَيِ: الرَّائِي (نَعَمْ أَنْعَتُ لَكَ رَجُلًا) وَفِي نُسْخَةٍ رَجُلٌ أَيْ: هُوَ رَجُلٌ (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) أَيْ: كَثِيرُ اللَّحْمِ وَقَلِيلُهُ أَوِ الْبَائِنُ وَالْقَصِيرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُمَا، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنَّهُ مَائِلٌ إِلَى الطُّولِ وَالظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ (جِسْمُهُ وَلَحْمُهُ) أَوْ هُوَ فَاعِلُ الظَّرْفِ كَذَا حَرَّرَهُ مِيرَكُ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَرَّرَهُ وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ رَجُلًا وَكَذَا قَوْلُهُ (أَسْمَرَ إِلَى الْبَيَاضِ) أَيْ: مَائِلٌ إِلَيْهِ فَيَكُونُ بَيْنَ الْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ كَمَا سَبَقَ أَنَّ بَيَاضَهُ مُشْرَبٌ بِهَا فَقَطْ وَضُبِطَ أَسْمَرُ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ نَعْتُ رَجُلٍ أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ تَابِعٌ لِرَجُلٍ أَوْ لِكَانَ مُقَدَّرًا وَكَذَا قَوْلُهُ (أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ) أَيْ: خِلْقَةً (حَسَنَ الضَّحِكِ) أَيْ: تَبَسُّمًا (جَمِيلَ دَوَائِرِ الْوَجْهِ) أَيِ: الْحَسَنُ أَطْرَافِهِ وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ دَائِرَةٌ مُبَالَغَةً (قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مَا بَيْنَ هَذِهِ) أَيِ: الْأُذُنِ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ: الْأُذُنِ الْأُخْرَى إِشَارَةً إِلَى عَرْضِهَا (قَدْ مَلَأَتْ) أَيْ: لِحْيَتُهُ (نَحْرَهُ) أَيْ: عُنُقَهُ إِشَارَةً إِلَى طُولِهَا (قَالَ عَوْفٌ) أَيَّ الرَّاوِي عَنِ الرَّائِي (وَلَا أَدْرِي مَا كَانَ) أَيِ: النَّعْتُ الَّذِي كَانَ (مَعَ هَذَا النَّعْتِ) أَيِ: النَّعْتِ الْمَذْكُورِ مِمَّا ذَكَرَهُ يَزِيدُ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ ذَكَرَ نُعُوتًا أُخَرَ وَأَنَّهُ نَسِيَهَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى غَيْرِ الْمُعَانِدِ وَالْمُكَابِرِ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْأَكَابِرِ، ثُمَّ رَأَيْتُ شَارِحًا صَرَّحَ بِهِ حَيْثُ قَالَ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ بِأَنْ قَالَ الرَّاوِي شَيْئًا آخَرَ فَنَسِيَهُ عَوْفٌ فَقَالَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلَا أَدْرِي مَا كَانَ إِلَخْ لَكِنْ أَبْعَدَ بِنَقْلِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَا بِمَعْنَى مَنْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: لَا أَعْلَمُ الَّذِي وَجَدَ
مِنْ صِفَاتِهِ فِي الْخَارِجِ مَعَ هَذَا النَّعْتِ هَلْ هُوَ مُطَابِقٌ لَهُ أَوْ لَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهِ مَنْ أَبْدَى فِيهِ تَرْدِيدَاتٍ لِغَيْرِهِ كُلُّهَا مُتَكَلَّفَةٌ بَلْ أَكْثَرُهَا تَهَافُتٌ انْتَهَى.
وَهُوَ يَعْنِي بِهِ كَلَامَ الْعِصَامِ وَأَنَا مَا رَأَيْتُ شَرْحَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَإِنَّمَا رَأَيْتُ قَوْلَ مِيرَكَ فِي تَحْقِيقِ الْمَرَامِ، وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ النِّظَامِ حَيْثُ قَالَ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ لَا مَزِيدَ عَلَى هَذَا النَّعْتِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولَةً أَيْ: لَا أَدْرِي الزِّيَادَةَ عَلَى هَذَا النَّعْتِ هَلْ هُوَ تَامٌّ، وَقِيلَ الْمَعْنَى لَا أَسْمَعُ مِنْ يَزِيدَ مَا كَانَ زَائِدًا عَلَى هَذَا النَّعْتِ انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عَوْفًا هُوَ الرَّائِي، وَهُوَ وَهْمٌ فَإِنَّهُ الرَّاوِي (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أَيْ: لِلرَّائِي (لَوْ رَأَيْتَهُ فِي الْيَقَظَةِ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْعَتَهُ فَوْقَ هَذَا قَالَ أَبُو عِيسَى ﵀ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُلْحَقٌ (وَيَزِيدُ الْفَارِسِيُّ هُوَ يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَالْمِيمِ مَمْنُوعًا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ بَعْضٌ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَالصَّحِيحُ
стр. 490
أَنَّهُ غَيْرُهُ، فَإِنَّ يَزِيدَ بْنَ هُرْمُزَ مَدَنِيٌّ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ، وَيَزِيدَ الْفَارِسِيَّ بَصْرِيٌّ مَقْبُولٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ كَمَا يُعْلَمُ مِنَ التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ الْكَمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّقْرِيبِ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ هُرْمُزَ الْمَدَنِيَّ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ، وَهُوَ غَيْرُ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ الْبَصْرِيِّ ; فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (وَهُوَ) أَيْ: ابْنُ هُرْمُزَ (أَقْدَمُ مِنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ) بِتَخْفِيفِ الْقَافِ، ثُمَّ مُعْجَمَةٍ (وَرَوَى يَزِيدُ الْفَارِسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحَادِيثَ) أَيْ: عَدِيدَةً (وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ لَمْ يُدْرِكِ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ أَبَانٍ) بِالصَّرْفِ، وَيَجُوزُ مَنْعُهُ (الرَّقَاشِيُّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ هُوَ أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ الْقَاصُّ بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ، زَاهِدٌ ضَعِيفٌ مِنَ الْخَامِسَةِ، مَاتَ قَبْلَ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، (وَهُوَ) أَيِ: الرَّقَاشِيُّ (يَرْوِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَيَزِيدُ الْفَارِسِيُّ، وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ كِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) أَيْ: فَمَنْ قَالَ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ اسْمِهِمَا وَبَلَدِهِمَا فَقَدْ تَوَهَّمَ (وَعَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ) أَيِ: الرَّاوِي عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ (هُوَ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ حَدَّثَنَا، وَهُوَ مُوهَمٌ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِعَوْفٍ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَلَوْ صَحَّ وُجُودُهُ فَالضَّمِيرُ إِلَى الْمُصَنِّفِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ، فَالْمُشَارُ إِلَيْهِ كَوْنُ عَوْفٍ هُوَ الْأَعْرَابِيَّ (سُلَيْمَانُ) بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (ابْنُ مُسْلِمٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (الْبَلْخِيُّ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ) أَيِ: النَّضْرُ (قَالَ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ أَنَا أَكْبَرُ مِنْ قَتَادَةَ) أَيْ: سِنًّا، وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ عَوْفًا هُوَ الْأَعْرَابِيُّ بِدَلِيلِ تَعْبِيرِ النَّضْرِ عَنْهُ بِعَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِشَارِحٍ: عَرَفَهُ مِنْ أَنَّ قَتَادَةَ يَرْوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِذَا كَانَ رَاوِي يَزِيدَ الَّذِي هُوَ عَوْفٌ أَكْبَرَ مِنْ رَاوِي ابْنِ عَبَّاسٍ، لَزِمَ أَنَّ يَزِيدَ أَدْرَكَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَصَحَّ مَا قَدَّمَهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ يَزِيدَ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَدْرَكَهُ، وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ رُؤْيَتُهُ إِلَّا أَنَّهُ يَسْتَأْنِسُ بِهِ لِذَلِكَ انْتَهَى، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ جَزَمَ بِأَنَّ يَزِيدَ الْفَارِسِيَّ رَوَى عَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ أَحَادِيثَ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمِثَالِ هَذَا الْمَقَالِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالرِّوَايَةِ لَا تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ، فَإِنَّ إِمْكَانَ رُؤْيَةِ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُ بِالْفِعْلِ، مَعَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ ذَلِكَ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ) ابْنُ شِهَابٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَابْنُ أَخِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ (عَنْ عَمِّهِ) أَيِ: الزُّهْرِيِّ (قَالَ) أَيْ: عَمُّهُ (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَآنِي يَعْنِي فِي النَّوْمِ) تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ (فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ) أَيِ: الرُّؤْيَةَ الْمُتَحَقِّقَةَ الصَّحِيحَةَ، أَيِ: الثَّابِتَةَ، لَا أَضْغَاثَ فِيهَا، وَلَا أَحْلَامَ، ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَقُّ هُنَا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أَيْ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَةَ الْحَقِّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ هَكَذَا فِي رِوَايَةٍ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْحَقُّ ضِدُّ الْبَاطِلِ فَيَصِيرُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا تَقْدِيرُهُ فَقَدْ رَأَى الرُّؤْيَةَ الْحَقَّ، وَقَالَ مِيرَكُ: قِيلَ الْحَقُّ مَفْعُولٌ بِهِ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، انْتَهَى.
وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّأَمُّلِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ ضِدَّ الْبَاطِلِ، فَلَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، نَعَمْ يَصِحُّ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ: رَأَى مَظْهَرَ الْحَقِّ أَوْ مَظْهَرَهُ أَوْ مَنْ رَآنِي فَسَيَرَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ ; لِأَنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَاهُ يَقَظَةً فِي دَارِ السَّلَامِ، فَلْيَزُمْ مِنْهُ أَنَّهُ يَرَى اللَّهَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: مَنْ رَآنِي
стр. 491
فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَى اللَّهَ فِي الْمَنَامِ; فَإِنَّ رُؤْيَتِي لَهُ مُقَدِّمَةٌ أَوْ مُبَشِّرَةٌ لِذَلِكَ الْمَرَامِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: الْحَقُّ مَفْعُولٌ بِهِ، أَيِ: الْأَمْرُ الثَّابِتُ الَّذِي هُوَ أَنَا، فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَدْ رَآنِي، انْتَهَى.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مَنْ رَآهُ بِصُورَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِي حَيَاتِهِ كَانَتْ رُؤْيَاهُ حَقًّا، وَمَنْ رَآهُ بِغَيْرِ صُورَتِهِ كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيلٍ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى صُورَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ بِأَنَّ كَلَامَ الْقَاضِي لَا يُنَافِي ذَلِكَ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً فِي الْحَالَيْنِ، لَكِنْ فِي الْأُولَى لَا يَحْتَاجُ تِلْكَ الرُّؤْيَا إِلَى تَعْبِيرٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ كَالْبَاقِلَّانِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّهُمْ أَلْزَمُوا مَنْ قَالَ: مَحَلُّ هَذَا أَنَّ الرُّؤْيَا تُوجَدُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ رَآهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ يَكُونُ رُؤْيَاهُ أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَرَى نَوْمًا عَلَى حَالَتِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ مُخَالَفَةً لِحَالَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَوْ تَمَكَّنَ الشَّيْطَانُ مِنَ التَّمْثِيلِ لِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ لِعَارِضِ عُمُومِ قَوْلِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي عَلَى مَا سَبَقَ، فَالْأَوْلَى تَنْزِيهُ رُؤْيَاهُ مُطْلَقًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ أَوْفَقُ فِي الْحُرْمَةِ، وَأَلْيَقُ بِالْعِصْمَةِ كَمَا عُصِمَ مِنَ الشَّيْطَانِ فِي الْيَقَظَةِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ فِي كُلِّ حَالٍ لَيْسَتْ بَاطِلَةً، وَلَا أَضْغَاثًا، بَلْ هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا، وَإِنْ رُؤِيَ بِغَيْرِ صِفَتِهِ ; إِذْ تَصْوِيرُ تِلْكَ الصُّورَةِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (مُعَلَّى) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَمُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ (ابْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ
حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) أَيْ: فِي حَقِيقَةِ الْمَرَامِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ بِي) أَيْ: فَلَا تَكُونُ رُؤْيَايَ عَنْ أَضْغَاثِ أَحْلَامٍ، حُكِيَ أَنَّ أَبَا جَمْرَةَ وَالْمَازِرِيَّ وَالْيَافِعِيَّ وَغَيْرَهُمْ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّالِحِينَ أَنَّهُمْ رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ يَقَظَةً، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ عَنْ جَمْعٍ أَنَّهُمْ حَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةَ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَأَنَّهُمْ رَأَوْهُ نَوْمًا فَرَأَوْهُ يَقَظَةً بَعْدَ ذَلِكَ وَسَأَلُوهُ عَنْ تَشْوِيشِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوُجُوهِ تَفْرِيجِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ بِلَا زِيَادَةٍ، وَلَا نُقْصَانٍ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ سَابِقًا قَالَ: وَمُنْكِرُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فَلَا بَحْثَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ بِمَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ، وَإِلَّا فَهَذِهِ مِنْهَا إِذْ يُكْشَفُ لَهُمْ بِخَرْقِ الْعَادَةِ عَنْ أَشْيَاءَ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَحُكِيَتْ رُؤْيَتُهُ ﷺ كَذَلِكَ عَنِ الْأَمَاثِلِ كَالْإِمَامِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيِّ، كَمَا هُوَ فِي عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ، وَالْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ التَّاجُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ، وَكَصَاحِبِهِ الْإِمَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ، وَالْإِمَامِ عَلِيٍّ الْوَفَائِيِّ، وَالْقُطْبِ الْقَسْطَلَانِيِّ، وَالسَّيِّدِ نُورِ الدِّينِ الْإِيجِيِّ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُنْقِذِ مِنَ الضَّلَالِ: وَهُمْ يَعْنِي أَرْبَابَ الْقُلُوبِ فِي يَقَظَتِهِمْ يُشَاهِدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَسْمَعُونَ مِنْهُمْ أَصْوَاتًا وَيَقْتَبِسُونَ مِنْهُمْ فَوَائِدَ انْتَهَى.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْأَهْدَلُ الْيَمَنِيُّ حَيْثُ قَالَ: الْقَوْلُ بِذَلِكَ يُدْرَكُ فَسَادُهُ بِأَوَائِلِ الْعُقُولِ ; لِاسْتِلْزَامِهِ خُرُوجَهُ مِنْ قَبْرِهِ، وَمَشْيَهُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَمُخَاطَبَتَهُ لِلنَّاسِ، وَمُخَاطَبَتَهُمْ لَهُ، وَخُلُوَّ قَبْرِهِ عَنْ جَسَدِهِ الْمُقَدَّسِ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ فِيهِ شَيْءٌ بِحَيْثُ يُزَارُ مُجَرَّدُ الْقَبْرِ، وَيُسَلَّمُ عَلَى غَائِبٍ، وَأَشَارَ كَذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّ الرَّائِيَ لَهُ فِي الْمَنَامِ رَأَى حَقِيقَةً، ثُمَّ يَرَاهُ كَذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ جَهَالَاتٌ، وَلَا يَقُولُ بِشَيْءٍ مِنْهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى مَسْكَةٍ مِنَ الْمَعْقُولِ، وَمُلْتَزِمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُخْبِلٌ مَخْبُولٌ. انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْإِلْزَامَاتُ كُلُّهَا لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِلَازِمٍ لِذَلِكَ، وَدَعْوَى اسْتِلْزَامِهِ لِذَلِكَ عَيْنُ الْجَهْلِ أَوِ الْعِنَادِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ ﷺ يَقَظَةً لَا تَسْتَلْزِمُ خُرُوجَهُ مِنْ قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ كَمَا مَرَّ أَنَّ اللَّهَ يَخْرِقُ لَهُمُ الْحُجُبَ فَلَا مَانِعَ عَقْلًا، وَلَا شَرْعًا، وَلَا عَادَةً أَنَّ الْوَلِيَّ وَهُوَ بِأَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ يُكْرِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ لَا يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذَّاتِ الشَّرِيفَةِ، وَهِيَ فِي مَحَلِّهَا مِنَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ سَاتِرًا وَلَا حَاجِبًا بِأَنْ يَجْعَلَ تِلْكَ الْحُجُبَ كَالزُّجَاجِ الَّذِي يَحْكِي مَا وَرَاءَهُ وَحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ يَقَعُ نَظَرُهُ عَلَيْهِ ﵇ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ ﷺ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ يُصَلِّي، وَإِذَا أُكْرِمَ إِنْسَانٌ بِوُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَيْهِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُكَرَّمَ بِمُحَادَثَتِهِ وَمُكَالَمَتِهِ وَسُؤَالِهِ عَنِ الْأَشْيَاءِ وَأَنَّهُ يُجِيبُهُ عَنْهَا، وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ شَرْعًا، وَلَا عَقْلًا، وَإِذَا كَانَتِ الْمُقَدِّمَاتُ وَالنَّتِيجَاتُ غَيْرَ مُنْكَرَيْنِ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، فَإِنْكَارُهُمَا أَوْ إِنْكَارُ أَحَدِهِمَا غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهِ، وَلَا مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ غَيْرُ لَازِمٍ أَيْضًا، كَيْفَ، وَقَدْ مَرَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الرُّؤْيَا فِي النَّوْمِ رُؤْيَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَمِنْهُمْ أَيْضًا صَاحِبُ فَتْحِ الْبَارِي فَقَالَ بَعْدَ مَا مَرَّ عَنِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ، وَهَذَا مُشْكِلٌ جِدًّا، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الظَّاهِرِ لَكَانَ
هَؤُلَاءِ صَحَابَةً، وَلَأَمْكَنَ بَقَاءُ الصُّحْبَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،
стр. 492
وَيُرَدُّ بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الصَّحَابِيِّ أَنْ يَكُونَ رَآهُ فِي حَيَاتِهِ حَتَّى اخْتَلَفُوا فِي مَنْ رَآهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ دَفْنِهِ هَلْ يُسَمَّى صَحَابِيًّا أَمْ لَا؟ عَلَى أَنَّ هَذَا أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، وَالْأُمُورُ الَّتِي كَذَلِكَ لَا يُغَيَّرُ لِأَجْلِهَا الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ، وَنُوزِعُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَمْ يُحْكَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِأَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَدَّ حُزْنُهَا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَتْ كَمَدًا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَبَيْتُهَا مُجَاوِرٌ لِضَرِيحِهِ الشَّرِيفِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهَا رُؤْيَتُهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ انْتَهَى.
وَيُرَدُّ أَيْضًا بِأَنَّ عَدَمَ نَقْلِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ، بَلْ، وَلَا عَدَمَ وُقُوعِهِ عَلَى جَوَازِ تَحَقُّقِهِ فَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَتَأْوِيلُ الْأَهْدَلِ وَغَيْرِهِ مَا وَقَعَ لِلْأَوْلِيَاءِ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ فَيَظُنُّونَهَا يَقَظَةً، فِيهِ إِسَاءَةُ ظَنٍّ بِهِمْ، حَيْثُ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ رُؤْيَةُ الْغَيْبَةِ بِرُؤْيَةِ الْيَقَظَةِ، وَهَذَا لَا يُظَنُّ بِأَدْوَنِ الْعُقَلَاءِ، فَكَيْفَ بِأَكَابِرِ الْأَوْلِيَاءِ.
قُلْتُ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ إِسَاءَةِ الظَّنِّ، بَلْ مِنْ بَابِ التَّأْوِيلِ الْحَسَنِ جَمْعًا بَيْنَ الْمَنْقُولِ وَالْمُشَاهَدِ وَالْمَعْقُولِ، فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَكَانَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا سَمِعُوا مِنْهُ ﷺ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَإِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا كَمَا لَا يَجُوزُ بِمَا وَقَعَ فِي حَالِ الْمَنَامِ، وَلَوْ كَانَ الرَّائِي مِنْ أَكَابِرِ الْأَنَامِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ مَنْ رَآهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَانَ هَذَا مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَخَيَّلَةِ لَا الْمَرْئِيَّةِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَحْمِلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أَيْضًا عَلَى رُؤْيَةِ عَالَمِ الْمِثَالِ أَوْ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ عَنِ الْإِمَامِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَبَعْدَ حَمْلِنَا عَلَى عَالَمِ الْمِثَالِ فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا مَعَ ضِيقِهَا، قَدْ يَحْصُلُ لَهُمْ أَبْدَانٌ مُكْتَسَبَةٌ وَأَجْسَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ، تَتَعَلَّقُ حَقِيقَةُ أَرْوَاحِهِمْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبْدَانِ، فَيَظْهَرُ كُلٌّ فِي خِلَافِ آخَرَ مِنَ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ، وَحِينَئِذٍ لَا نَقُولُ بِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ فِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ بِكَوْنِهِ مَحْصُورًا فِي قَبْرِهِ، بَلْ نَقُولُ إِنَّهُ يَجُولُ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَالْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، فَإِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ مَعَ أَنَّ مَرْتَبَتَهُمْ دُونَ مَرْتَبَةِ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا كَانَتْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى قِنْدِيلٍ مُعَلَّقَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَفِي مَحَلِّهِ مُحَرَّرٌ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ قُبُورَهُمْ خَالِيَةٌ عَنْ أَجْسَادِهِمْ، وَأَرْوَاحَهُمْ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَجْسَامِهِمْ ; لِئَلَّا يَسْمَعُوا سَلَامَ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَا وَرَدَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُلَبُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَنَبِيُّنَا ﷺ أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَاتِ، وَأُمَّتُهُ مُكْرَمَةٌ بِحُصُولِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ الْأَهْدَلِ وَغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ.
وَمِنْ جُمْلَةِ تَأْوِيلَاتِهِ فَقَوْلُهُ فِي قَوْلِ الْعَارِفِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ لَوْ حُجِبَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا عَدَدْتُ نَفْسِي مُسْلِمًا بِأَنَّ هَذَا فِيهِ تَجَوُّزٌ، أَيْ: لَوْ حُجِبَ عَنِّي حِجَابَ غَفْلَةٍ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يُحْجَبُ عَنِ الرُّوحِ الشَّخْصِيَّةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ أَيْ: عُرْفًا وَعَادَةً، إِذْ لَا يُعْرَفُ اسْتِمْرَارُ خَارِقِ الْعَادَةِ أَصْلًا لَا شَرْعًا، وَلَا عَقْلًا، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ لَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ أَصْلًا (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِلَّا لَقَالَ: وَقَالَ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ ﷺ اسْتِغْنَاءً عَنِ التَّصْرِيحِ بِمُقْتَضَى التَّوْضِيحِ (وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ)
أَيِ: الْكَامِلِ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) وَالْمُرَادُ: غَالِبُ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ، وَإِلَّا فَقَدَ يَرَى الصَّالِحُ الْأَضْغَاثَ نَادِرًا لِقِلَّةِ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَرَى غَيْرُ الصَّالِحِ أَيْضًا الرُّؤْيَةَ الْحَسَنَةَ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْأَصْلِ مَوْقُوفٌ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعٌ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ السُّيُوطِيَّ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ، وَهُمْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَفْظُهُ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَرَوَاهُ الْحَكِيمُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ، وَلَفْظُهُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ بِلَفْظِ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْدَادِ إِنَّمَا هُوَ الْكَثْرَةُ لَا التَّحْدِيدُ بِالْأَجْزَاءِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الرَّائِي أَوِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، وَعَلَى كُلٍّ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ كَلَامٌ يُكَلِّمُ بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ، وَالظَّاهِرُ رَفْعُ الْعَبْدِ، وَلَا يَبْعُدُ نَصْبُهُ، بَلْ هُوَ الْمُلَائِمُ لِمَقَامِ الْمَرَامِ، ثُمَّ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ، وَالنُّبُوَّةُ غَيْرُ بَاقِيَةٍ، وَعَمَلُهَا بَاقٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ -
стр. 493
ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ ; الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَمِنَ الرُّؤْيَا مَا يَكُونُ مِنَ الْمُنْذِرَاتِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ أَيْ: مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ النُّبُوَّةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لَا أَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنْهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ، أَيْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ خَصْلَةً، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْهَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّوْجِيهَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَوْلُهُ مِنَ الرَّجُلِ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ اتِّفَاقًا، فَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ، فَقِيلَ كَانَ زَمَانُ نُزُولِ الْوَحْيِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَ ﷺ فِي أَوَّلِ الْبِعْثَةِ مُؤَيَّدًا بِالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ الصَّادِقَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَحِينَئِذٍ كَانَتِ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ زَيَّفَ الْمُحَقِّقُونَ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: مَا حَصَرَ سِنِيِ الْوَحْيِ فَإِنَّهُ مِمَّا وَرَدَ بِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُعْتَدُّ بِهَا عَلَى اخْتِلَافِ ذَلِكَ، وَأَمَّا كَوْنُ زَمَانِ الرُّؤْيَا فِيهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَشَيْءٌ قَدَّرَهُ هَذَا الْقَائِلُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُسَاعِدْهُ النَّقْلُ قَالَ التُّورِبِشَتِيُّ: وَأَرَى الذَّاهِبِينَ إِلَى التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَدْ هَالَهُمُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ، وَلَا حَرَجَ عَلَى أَحَدٍ فِي الْأَخْذِ بِظَاهِرِ هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّ جُزْءَ النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ نُبُوَّةً كَمَا أَنَّ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الِانْفِرَادِ، لَا يَكُونُ صَلَاةً، وَكَذَلِكَ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَشُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا وَجْهُ تَحْدِيدِ الْأَجْزَاءِ
بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ، فَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ أَنْ يُجْتَنَبَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَيُتَلَقَّى بِالتَّسْلِيمِ ; لِكَوْنِهِ مِنْ عُلُومِ النُّبُوَّةِ الَّتِي لَا تُقَابَلُ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا قَالَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجَسٍ فِي السَّمْتِ الْحَسَنِ وَالتُّؤَدَةِ وَالِاقْتِصَادِ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقَلَّمَا يُصِيبُ مُئَوِّلٌ فِي حَصْرِ الْأَجْزَاءِ، وَلَئِنْ قُيِّضَ لَهُ الْإِصَابَةُ فِي بَعْضِهَا لِمَا يَشْهَدُ بِهِ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهَا لَمْ يُسَلَّمْ لَكَ فِي الْبَقِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ لَمَّا سُئِلَ أَيُعَبِّرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ أَبِالنُّبُوَّةِ تَلْعَبُ، ثُمَّ قَالَ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ بَاقِيَةٌ، بَلْ أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتْهَا مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغُيُوبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَلِذَلِكَ الشَّبَهِ سُمِّيَتْ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الْجُزْءِ لِشَيْءٍ إِثْبَاتُ الْكُلِّ لَهُ، كَمَا مَرَّ تَحْقِيقُهُ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ إِذَا ابْتُلِيتَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْخِطَابُ عَامٌّ أَيِ امْتُحِنْتَ (بِالْقَضَاءِ) أَوْ تَعَيَّنْتَ لَهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحُكُومَةَ وَالْقَضَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، وَلِهَذَا اجْتَنَبَ عَنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْأَتْقِيَاءِ (فَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: بِاتِّبَاعِ أَثَرِهِ، وَاقْتِفَاءِ أَخْبَارِهِ ﷺ وَكَذَا بِاقْتِدَاءِ الْأَخْبَارِ مِنَ الصَّحَابَةِ لِقَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَعَلَيْكَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْزَمْهُ وَيُزَادُ الْبَاءُ فِي مَعْمُولِهِ كَثِيرًا لِضَعْفِهِ فِي الْعَمَلِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْأَثَرُ بِالتَّحْرِيكِ مِنْ رَسْمِ الشَّيْءِ، وَسُنَنُ النَّبِيِّ ﷺ آثَارُهُ انْتَهَى.
وَلَمَّا كَانَ الْقَضَاءُ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ نَاسَبَ وَصِيَّةَ الْقَاضِي بِاتِّبَاعِ الْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ الِابْتِلَاءِ بِالْقَضَاءِ، ثُمَّ إِيرَادَ هَذَا الْأَثَرِ، وَمَا فِي أَثَرِهِ مِنَ الْخَبَرِ الْآتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِعُنْوَانِ الْبَابِ لِلِاهْتِمَامِ لِشَأْنِ عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَالْأَخْذِ مِنَ الثِّقَاتِ فِي بَابِ الرِّوَايَاتِ، وَلِلنَّصِيحَةِ فِي التَّوْصِيَةِ كَابْتِدَاءِ أَكْثَرِ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِخَبَرِ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِلْحَدِيثِ الْآتِي مُنَاسَبَةٌ خَفِيَّةٌ لِلرُّؤْيَةِ ; وَهِيَ أَنَّهُ وَرَدَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي أَعْتَبِرُ الْحَدِيثَ، وَمُرَادُهُ كَمَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا عَلَى الْحَدِيثِ وَيَجْعَلُ لَهُ اعْتِبَارًا كَمَا يُعْتَبَرُ الْقُرْآنُ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا مِثْلَ أَنْ يُعَبِّرَ الْغُرَابَ بِالرَّجُلِ الْفَاسِقِ وَالضِّلْعَ بِالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ سَمَّى الْغُرَابَ فَاسِقًا، وَجَعَلَ الْمَرْأَةَ كَالضِّلْعِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِمَا سَبَقَ (قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ) أَيْ: هَذَا التَّحْدِيثُ، أَوْ عِلْمُ الْحَدِيثِ، أَوْ جِنْسُ الْحَدِيثِ (دِينٌ) أَيْ: مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُتَدَيَّنَ بِهِ، وَيُعْتَقَدَ، أَوْ يُعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ (فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ) قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ
стр. 494
إِلَخْ.
كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، قُلْتُ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَلَفْظُهُ الْعِلْمُ دِينٌ وَالصَّلَاةُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ هَذَا الْعِلْمَ، وَكَيْفَ تُصَلُّونَ هَذِهِ الصَّلَاةَ، فَإِنَّكُمْ تُسْأَلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ لِتَعْلِيمِ الْخَلْقِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمَا أُصُولُ الدِّينِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْعُدُولُ الثِّقَاتُ الْمُتْقِنُونَ، وَعَنْ صِلَةٍ تَأْخُذُونَ عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى تَرْوُونَ، وَدُخُولُ الْجَارِّ
عَلَى الِاسْتِفْهَامِ كَدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ وَتَقْدِيرُهُ تَأْخُذُونَ عَمَّنْ، وَضُمِّنَ انْظُرُوا مَعْنَى الْعِلْمِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ تَعْلِيقًا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ تَحْقِيقًا، وَبِعَوْنِهِ يُوجِدُ الْعِلْمَ لِغَيْرِهِ تَوْفِيقًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى صَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَقَدْ فَرَغَ مُؤَلِّفُهُ عَنْ تَسْوِيدِهِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ مُنْتَصَفَ شَعْبَانَ الْمُعَظَّمِ فِي الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ الْمُكَرَّمِ، عَامَ ثَمَانٍ بَعْدَ الْأَلْفِ الْمُفَخَّمِ، وَأَنَا أَفْقَرُ عِبَادِ اللَّهِ الْغَنِيِّ، خَادِمُ الْكِتَابِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، عَلِيُّ بْنُ سُلْطَانٍ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، عَامَلَهُمَا اللَّهُ بِلُطْفِهِ الْخَفِيِّ، وَكَرَمِهِ الْوَفِيِّ آمِينَ.