Полный текст (521 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذِه دَعْوَى لِأَنَّهُ يجوز مَعَ وجود هَذِه الْمعَانِي أَن يخرج الْحق من أَهلهَا
وعَلى أَن هَذَا يبطل بِمَكَّة فَإِنَّهَا مَوضِع الْمَنَاسِك ومولد رَسُول الله ﷺ ومبعثه ومولد إِسْمَاعِيل ومنزل إِبْرَاهِيم ﵇ وَلَا يدل ذَلِك على أَن قَول أَهلهَا حجَّة
وَاحْتَجُّوا بِأَن رِوَايَة أهل الْمَدِينَة تقدم على رِوَايَة غَيرهم فَكَذَلِك قَوْلهم يقدم على قَول غَيرهم
قُلْنَا هَذَا أَيْضا دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَلَا عِلّة تجمع بَينهمَا
ثمَّ التَّرْجِيح فِي الْأَخْبَار لَا يُوجب التَّرْجِيح فِي أَقْوَال الْمُجْتَهدين
أَلا ترى أَن رِوَايَة الْجَمَاعَة تقدم على رِوَايَة الْوَاحِد والجميع فِي الِاجْتِهَاد سَوَاء
وَلِأَن الْأَخْبَار تدْرك بحاسة السّمع فَمن قرب مِنْهُم وَشَاهده كَانَ أضبط وَأهل الْمَدِينَة أقرب مِنْهُم لما سَمِعُوهُ وشاهدوه وأضبط وَالِاجْتِهَاد نظر الْقلب فَلَا يقدم فِيهِ الْأَقْرَب وَلِهَذَا قَالَ ﵇ فَرب حَامِل فقه الى من هُوَ أفقه مِنْهُ فَلَا يقدم فِيهِ قَول الْأَقْرَب
стр. 352
مَسْأَلَة ٥
اتِّفَاق أهل بَيت رَسُول الله ﷺ لَيْسَ بِحجَّة
وَقَالَت الرافضة هُوَ حجَّة
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ فعلق الْوَعيد على ترك سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَدلَّ على أَنه لَا يتَعَلَّق ذَلِك بترك سَبِيل بَعضهم
وَأَيْضًا قَوْله ﵇ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَهَذَا يدل على أَنه إِذا ترك عليا ﵇ وقلد غَيره يكون مهتديا
فَإِن قيل هَذَا خبر وَاحِد وَنحن لَا نقُول بِهِ
قُلْنَا نَحن نَبْنِي على أصلنَا فَإِن خبر الْوَاحِد حجَّة وَإِذا ثَبت ذَلِك صَحَّ استدلالنا بِهِ
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن عليا خالفته الصَّحَابَة فِي مسَائِل مَشْهُورَة لَا تحصى كَثِيرَة وَلم يقل لأحد مِنْهُم إِن قولي عَلَيْكُم حجَّة فَدلَّ على مَا ذَكرْنَاهُ
стр. 353
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ وَالْخَطَأ من الرجس فَيجب أَن يَكُونُوا مطهرين مِنْهُ
وَالْجَوَاب وَهُوَ أَن أهل الْبَيْت يتناولون كل من فِي الْبَيْت من الْأزْوَاج وَلَا يَقُول أحد أَن اتِّفَاق الْأزْوَاج حجَّة فَثَبت أَنه أَرَادَ نفي الْعَار والقباحة عَنْهُم دون الْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد
فَإِن قيل المُرَاد بِأَهْل الْبَيْت عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا روى أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة أدَار النَّبِي ﷺ كسَاء على هَؤُلَاءِ وَقَالَ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا من أَخْبَار الْآحَاد وَعِنْدهم لَا يقبل كَيفَ وَهُوَ مُخَالف لظَاهِر الْقُرْآن وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي أول الْآيَة ﴿يَا نسَاء النَّبِي﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ من تقدم ذكره من الْأزْوَاج
وَلِأَنَّهُ لَو صَحَّ مَا ذَكرُوهُ لَكَانَ تَأْوِيل الْآيَة مَا قدمْنَاهُ من نفي الْقبْح عَنْهُم
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقوله ﵇ إِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن فَإِن تمسكتم بهما لم تضلوا كتاب الله وعترتي
стр. 354
وَالْجَوَاب مَا بَيناهُ أَن هَذَا من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يحْتَج بِهِ فِي مسَائِل الْأُصُول
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن أهل الْبَيْت اختصهم بِأَنَّهُم من أهل بَيت الرسَالَة ومعدن النُّبُوَّة فاختصوا بالعصمة
قُلْنَا لَيْسَ فِيمَا ذكرْتُمْ مَا يُوجب لَهُم الْعِصْمَة فبكم حَاجَة إِلَى إِقَامَة الدَّلِيل على ذَلِك
ثمَّ يبطل هَذَا بِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُنَّ اختصصن بِمَا ذَكرُوهُ واختصصن بِتَضْعِيف الثَّوَاب على الطَّاعَة وتضعيف الْعقُوبَة على الْمعاصِي وسمعن من الْعلم مَا لم يسمع غَيْرهنَّ وَلَا يُوجب ذَلِك عصمتهن فِي الْأَحْكَام فَبَطل مَا قَالُوهُ
стр. 355
مَسْأَلَة ٦
لَا يعْتَبر فِي صِحَة الْإِجْمَاع اتِّفَاق الْعَامَّة
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين اتِّفَاق الْعَامَّة مَعَ الْعلمَاء شَرط فِي صِحَة الْإِجْمَاع وَهُوَ قَول أبي بكر الْأَشْعَرِيّ
وَقَالَ بَعضهم يعْتَبر اتِّفَاق الْأُصُولِيِّينَ
لنا هُوَ أَنه لَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد فَلَا يعْتَبر رِضَاهُ فِي صِحَة الْإِجْمَاع كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُون
وَلِأَنَّهُ لَا يجوز تَقْلِيده فِي الْحَوَادِث فَلَا يعْتد بِخِلَافِهِ دَلِيله الصَّبِي وَالْمَجْنُون
وَمن قَالَ إِنَّه يعْتَبر اتِّفَاق الْأُصُولِيِّينَ فالدليل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْأُصُولِيِّينَ لَيْسَ هم من أهل الِاجْتِهَاد لأَنهم لَا يعْرفُونَ أَحْكَام الْفِقْه ومعانيها فهم كالعامة
وَاحْتَجُّوا بقوله ﵇ لَا تَجْتَمِع أمتِي على خطأ عَن جَمِيع الْأمة والعامة من الْأَئِمَّة
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه عَام فنخصه بِمَا خصصنا بِهِ الصَّبِي وَالْمَجْنُون
стр. 356
مَسْأَلَة ٧
يَصح انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن الْقيَاس
وَقَالَ ابْن جرير وَدَاوُد لَا يجوز
فَأَما دَاوُد فقد بنى ذَلِك على أَصله وَأَن الْقيَاس لَيْسَ بِدَلِيل وَالْكَلَام مَعَه يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما ابْن جرير فالدليل على فَسَاد قَوْله هُوَ أَن الْقيَاس علم على الْأَحْكَام فَجَاز أَن ينْعَقد الْإِجْمَاع من جِهَته كالكتاب وَالسّنة
فَإِن قيل الْكتاب وَالسّنة طريقهما السّمع فَجَاز اتِّفَاق الْجَمِيع عَلَيْهِ وَالْقِيَاس طَرِيقه الرَّأْي ورأي الْجَمَاعَة لَا يتَّفق على معنى وَاحِد فَلم ينْعَقد الْإِجْمَاع من جِهَته
قيل الْقيَاس وَإِن كَانَ طَرِيقه الرَّأْي إِلَّا أَن على مَعَانِيه أَمَارَات تدل عَلَيْهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَمَارَات يجوز اتِّفَاق الْكل عَلَيْهِ وَإِن كَانَ طَرِيقه الرَّأْي
أَلا ترى أَن طلب الْقبْلَة طَرِيقه الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد ثمَّ يجوز اتِّفَاق الْجَمِيع عَلَيْهَا لما كَانَت عَلَيْهَا أَمَارَات تدل عَلَيْهَا كَذَلِك هَاهُنَا
стр. 357
وَيدل عَلَيْهِ أَن النَّاس اجْمَعُوا على مسَائِل من جِهَة الْقيَاس فِيمَن ذَلِك أَن الصَّحَابَة ﵃ أَجمعُوا على قتال مانعي الزَّكَاة قِيَاسا على الصَّلَاة ومثلا أَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ وَالله لَا فرقت بَين مَا جمع الله قَالَ تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾
وَأَجْمعُوا على إِمَامَة أبي بكر قِيَاسا على تَقْدِيم النَّبِي ﵇ إِيَّاه فِي الصَّلَاة أَلا ترى أَن عمر قَالَ إِن النَّبِي ﷺ قدمه فِي الصَّلَاة الَّتِي هِيَ عماد الدَّين فارضوه لدنياكم مَا رضيه رَسُول الله ﷺ لدينكم
وأجمعت الْأمة على تَحْرِيم شَحم الْخِنْزِير قِيَاسا على لَحْمه
وَأَجْمعُوا على تَقْوِيم الْأمة فِي الْعتْق قِيَاسا على العَبْد
وَأَجْمعُوا أَيْضا على إِرَاقَة الشيرج إِذا وَقعت فِيهِ الْفَأْرَة وَكَانَ مَائِعا وإلقائها وَمَا حولهَا إِذا كَانَ جَامِدا قِيَاسا على السّمن وَغير ذَلِك مِمَّا لَا تحصى كثرته
فَإِن قيل يجوز أَن يَكُونُوا وجدوا فِيهِ نصا
قُلْنَا فِيمَا روينَاهُ عَن الصَّحَابَة لم يحيلوا بالحكم إِلَّا على الْقيَاس وَقد بَيناهُ وَلَو كَانَ فِيهِ نَص لظهر وَعرف وَلما لم يظْهر دلّ على أَنه لَا نَص فِيهِ
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ مَا من عصر إِلَّا وَفِيه قوم من نفاة الْقيَاس فَلَا يتَصَوَّر إِجْمَاعهم من جِهَة الْقيَاس
قُلْنَا نَحن لَا نسلم ذَلِك فَإِنَّهُ لم يكن فِي عصر الصَّحَابَة من يَنْفِي الْقيَاس وَإِنَّمَا حدث هَذَا الْخلاف بعد ذَلِك
وَلِأَن هَذَا يبطل بأخبار الْآحَاد فَإِن الْخلاف فِي ردهَا ظَاهر والمخالف فِيهَا يرجع إِلَى شُبْهَة يَرْوِيهَا عَن السّلف ثمَّ ينْعَقد الْإِجْمَاع من جِهَتهَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن مَا طَرِيقه الظَّن لَا يجوز أَن تتفق الخواطر الْمُخْتَلفَة والآراء المشتبهة عَلَيْهِ كَمَا لَا يجوز أَن يتَّفق الْجَمِيع على شَهْوَة وَاحِدَة وغرض وَاحِد
стр. 358
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا يبطل بِخَبَر الْوَاحِد فَإِن تَعْدِيل الرَّاوِي وتزكيته طَرِيقه الظَّن ثمَّ يجوز اتِّفَاق الْجَمِيع عَلَيْهِ
وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ اتِّفَاق الجم الْغَفِير وَالْعدَد الْكثير من جِهَة شُبْهَة وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى على كثرتهم على دين استحسنوه فَلِأَن يجوز اتِّفَاق الْجَمَاعَة من جِهَة الأمارة أولى
وَيُفَارق هَذَا مَا قَالُوهُ من الْأَغْرَاض والشهوة لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَا يجمعهُمْ على وَاحِد لِأَن طباع النَّاس مُخْتَلفَة وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِن على الحكم أَمارَة تجمعهم عَلَيْهِ وَدلَالَة تدلهم إِلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَة جَوَاز اتِّفَاقهم على حُضُور الأعياد وَالْجمع وتجهيز الجيوش فِي وَقت بِعَيْنِه إِلَى جِهَة بِعَينهَا
قَالُوا الْقيَاس تغمض طَرِيقه وتدق فَلَا يجوز أَن يتَّفق الْكل على إِدْرَاكه
قيل إِدْرَاك الحكم من جِهَة الْقيَاس أسهل من إِدْرَاكه من جِهَة النَّص لِأَن الْمعول فِيهِ على مَا يَقْتَضِيهِ الْفَهم أقرب إِلَى الْإِدْرَاك مِمَّا يَقْتَضِيهِ النَّص
ثمَّ هَذَا يبطل بالأخبار واستعمالها وترتيب بَعْضهَا على بعض فَإِنَّهَا تغمض وتدق ثمَّ يجوز اتِّفَاق الْإِجْمَاع من جِهَتهَا وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
стр. 359
مَسْأَلَة ٨
انْقِرَاض الْعَصْر لَيْسَ بِشَرْط فِي صِحَة الْإِجْمَاع فِي أصح الْوُجُوه
وَمن اصحابنا من قَالَ هُوَ شَرط
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِن كَانَ قولا من الْجَمِيع لم يشْتَرط فِيهِ انْقِرَاض الْعَصْر وَإِن كَانَ قولا من بَعضهم وسكوتا من البَاقِينَ اشْترط فِيهِ انْقِرَاض الْعَصْر
فَوجه الأول قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم﴾ وَلم يفرق بَين أَن ينقرض الْعَصْر عَلَيْهِ وَبَين أَن لَا ينقرض
стр. 360
وَأَيْضًا قَوْله ﵇ أمتِي لَا تَجْتَمِع على الْخَطَأ وَلم يفصل
وَلِأَنَّهُ حصل اتِّفَاق عُلَمَاء الْعَصْر على حكم الْحَادِثَة وَكَانَ ذَلِك جِهَة دَلِيله إِذا انقرض الْعَصْر عَلَيْهِ
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن اعْتِبَار انْقِرَاض الْعَصْر عَلَيْهِ يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال الْإِجْمَاع لِأَن الْعَصْر الأول لَا ينقرض حَتَّى يلْحق بِهِ قوم من أهل الْعَصْر الثَّانِي وهم من أهل الِاجْتِهَاد فَيعْتَبر رضاهم فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ ثمَّ لَا ينقرض هَؤُلَاءِ حَتَّى يلْحق بهم آخَرُونَ من الْعَصْر الثَّالِث وعَلى هَذَا أبدا يتسلسل وَلَا يسْتَقرّ الْإِجْمَاع فِي مَسْأَلَتنَا
وَلِأَن كل من جعل قَوْله حجَّة لم يشْتَرط مَوته فِي كَونه حجَّة دَلِيله النَّبِي ﵇
وَاحْتج من قَالَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي بقوله تَعَالَى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ فَلَو لم يشْتَرط فِيهِ انْقِرَاض الْعَصْر لكانوا شُهَدَاء على أنفسهم وَهَذَا خلاف الظَّاهِر
وَالْجَوَاب أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن يَكُونُوا شُهَدَاء على أنفسهم وعَلى غَيرهم لأَنهم من النَّاس كَمَا أَن غَيرهم من النَّاس
وَلِأَنَّهُ قد قيل إِن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة شَهَادَة هَذِه الْأمة على سَائِر الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة فَلَا تكون فِيهَا حجَّة
وَاحْتج أَيْضا بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ قَالَ لَا يَخْلُو عصر من قَائِم لله بِحجَّة فَدلَّ على أَن بعض الْعَصْر يَخْلُو عَن ذَلِك
وَالْجَوَاب هُوَ أَن لَا نَعْرِف هَذَا الحَدِيث فَيجب أَن يثبتوه ليعْمَل بِهِ
وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَنا نقُول بنطقه وَأَن الْعَصْر لَا يَخْلُو من قَائِم لله تَعَالَى بِحجَّة وَيتْرك دَلِيله بِبَعْض مَا ذَكرْنَاهُ فَإِنَّهُ أقوى مِنْهُ
стр. 361
وَاحْتج أَيْضا بِأَن الصَّحَابَة ﵃ رجعت عَن أقاويلها بعد اتِّفَاقهم
أَلا ترى أَن عليا ﵇ قَالَ اجْتمع رأبي ورأيي الْجَمَاعَة أَن أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن ثمَّ إِنِّي رَأَيْت أَن يبعن فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك
وَالْجَوَاب أَن الصَّحِيح من هَذَا الْخَبَر أَنه قَالَ كَانَ رَأْيِي ورأي أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر ﵄ أَن لَا يبعن أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَهَذَا لَيْسَ بِإِجْمَاع
قَالُوا وَلِأَن من جعل فِي قَوْله حجَّة لم يسْتَقرّ إِلَّا بِمَوْتِهِ كالنبي ﵇
قُلْنَا جعلنَا قَول النَّبِي ﵇ حجَّة لنا على مَا بَيناهُ وَإِنَّمَا لم يسْتَقرّ إِلَّا بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ إِذا نسخ مَا قَالَه لم يؤد إِلَى الْخَطَأ فِيمَا قَالَه وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِن رُجُوع المجمعين عَمَّا قَالُوهُ يُؤَدِّي إِلَى الْخَطَأ فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يجوز
وَمن قَالَ بِالْوَجْهِ الثَّالِث احْتج بِأَن الْمُجْتَهد قد سكت لِأَنَّهُ فِي رِوَايَة النّظر والفكر وَإِذا أظهر الْخلاف علمنَا أَنه لم يكن إِجْمَاعًا وَإِذا مَاتَ قبل إِظْهَار الْخلاف علمنَا أَنه رَاض بقَوْلهمْ فانعقد الْإِجْمَاع
قُلْنَا فَيجب على هَذَا إِذا مَاتَ فِي الْحَال أَن يجوز لغيره الرُّجُوع عَمَّا أفتى بِهِ مَعَ الْجَهَالَة لأَنا لَا نعلم حُصُول الْإِجْمَاع وَلما ثَبت أَنه لَا يجوز لأحد الرُّجُوع عَمَّا أفتى بِهِ مَعَ الْجَمَاعَة دلّ على أَن الْإِجْمَاع قد حصل بسكوته فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَو أفتى مَعَه
стр. 362
مَسْأَلَة ٩
إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة فِي الْحَادِثَة على قَوْلَيْنِ ثمَّ أجمع التابعون على أَحدهمَا لم تصر الْمَسْأَلَة إِجْمَاعًا فِي قَول عَامَّة أَصْحَابنَا
وَقَالَ أَبُو عَليّ بن خيران وَأَبُو بكر الْقفال يصير إِجْمَاعًا وَيسْقط القَوْل الآخر وَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة وَأَصْحَاب أبي حنيفَة
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَلم يفرق بَين أَن يجمع التابعون بعد ذَلِك أَو لم يجمعوا
وَقَوله ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَلم يفرق
стр. 363
وَلِأَن اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ إِجْمَاع مِنْهُم على تسويغ الِاجْتِهَاد وَجَوَاز تَقْلِيد كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ وَإِقْرَاره عَلَيْهِ فَلم يجز للتابعين إبِْطَال هَذَا الْإِجْمَاع كَمَا لَو أَجمعُوا فِي الْحَادِثَة على قَول وَاحِد وَلَا يلْزم على هَذَا إِذا اخْتلف الصَّحَابَة فِي الْحَادِثَة على قَوْلَيْنِ ثمَّ أَجمعُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ
فَأَما إِذا قُلْنَا إِن انْقِرَاض الْعَصْر شَرط فِي صِحَة الْإِجْمَاع لم نسلم أَن هُنَاكَ إِجْمَاعًا
وَإِن قُلْنَا انْقِرَاض الْعَصْر لَيْسَ بِشَرْط لم نسلم جَوَاز الِاتِّفَاق على أحد الْقَوْلَيْنِ بعد الِاخْتِلَاف
فَإِن قيل لَا يمْتَنع أَن يتفقوا على تسويغ الِاجْتِهَاد بِشَرْط أَن لَا يظْهر إِجْمَاع فَإِذا ظهر إِجْمَاع سقط ذَلِك الِاتِّفَاق كَمَا أَنهم اتَّفقُوا على أَن فرض العادم للْمَاء التَّيَمُّم مَا لم يجد المَاء فَإِذا وجد المَاء زَالَ ذَلِك الِاتِّفَاق
قُلْنَا هَذَا لَا يشبه مَا ذَكرْنَاهُ وَذَلِكَ أَن إِجْمَاعهم فِيمَا ذَكرُوهُ مَشْرُوط بِعَدَمِ المَاء فَلهَذَا زَالَ بِوُجُودِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُم أَجمعُوا على تسويغ النّظر على الْإِطْلَاق من غير شَرط فَهُوَ بِمَنْزِلَة إِجْمَاعهم على قَول وَاحِد فَلَا يجوز أَن يَزُول ذَلِك بإجماعهم بعده وَلَا بِخِلَاف بعده
وَلِأَن زَوَال الْإِجْمَاع بِرُؤْيَة المَاء لَا يُوجب بطلَان مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَالْخَطَأ فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَفِي مَسْأَلَتنَا إِجْمَاعهم على أحد الْقَوْلَيْنِ يُوجب بطلَان مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَالْخَطَأ على أهل الْإِجْمَاع لَا يجوز فَافْتَرقَا
وَأَيْضًا هُوَ أَنه لَا خلاف أَن الْإِجْمَاع إِذا حصل وَاسْتقر لم يتَغَيَّر باخْتلَاف كَذَلِك إِذا حصل الْخلاف وَاسْتقر وَجب أَن لَا يتَغَيَّر بِالْإِجْمَاع
فَإِن قيل إِنَّمَا لم يجز أَن يتَغَيَّر الْإِجْمَاع باخْتلَاف لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال الْإِجْمَاع
стр. 364
قُلْنَا وَفِي مَسْأَلَتنَا مَتى جَوَّزنَا أَن يتَغَيَّر مَا اخْتلفُوا فِيهِ بِالْإِجْمَاع أدّى إِلَى إبِْطَال الْإِجْمَاع فَإِنَّهُم أَجمعُوا على تسويغ الِاجْتِهَاد وَجَوَاز تَقْلِيد الْفَرِيقَيْنِ وَهَذَا الْإِجْمَاع يبطل مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يجوز
وَلِأَن كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ كالأحياء البَاقِينَ فِي كل عصر وَلِهَذَا تحفظ أَقْوَالهم وتنقل ويحتج لَهُم وَعَلَيْهِم فَإِذا كَانُوا بِمَنْزِلَة الْأَحْيَاء وَجب أَن لَا ينْعَقد الْإِجْمَاع مَعَ اخْتلَافهمْ
فَإِن قيل لَو كَانُوا كالأحياء لوَجَبَ أَن لَا ينْعَقد الْإِجْمَاع بعد مَوْتهمْ فِي شَيْء من الْحَوَادِث لِأَنَّهُ لَا تعرف فِيهِ أَقْوَالهم ولوجب أَن يجوز تقليدهم كَمَا يجوز تَقْلِيد الْأَحْيَاء
قيل هم كالأحياء فِيمَا أفتوا بِهِ فَأَما فِيمَا لم يفتوا بِهِ وَحدث بعدهمْ فَلَا وَهَذَا كَمَا نقُول أَنهم أَجمعُوا على قَول وَاحِد ثمَّ مَاتُوا عمل بأقوالهم بعد الْمَوْت وَوَجَب الْمصير إِلَيْهِ كَمَا لَو كَانُوا أَحيَاء فأفتوا بذلك لم يجْعَلُوا كالأحياء فِيمَا يحدث بعدهمْ من الْحَوَادِث فَكَذَلِك فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ مثله
وَلِأَن هَذَا الحكم كَانَ يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد وَلَا يجوز نقض الحكم على من حكم بِهِ من الْعَصْر الأول فَإِذا صَحَّ الْإِجْمَاع بعد ذَلِك صَار مِمَّا لَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد وَوَجَب نقض الحكم على من حكم بِهِ بِخِلَاف الْإِجْمَاع وَهَذَا نقض بعد انْقِطَاع الْوَحْي فَذَلِك لَا يجوز
وَلِأَنَّهُ اخْتِلَاف حصل من الصَّحَابَة ﵃ فَلَا يَزُول ذَلِك بِإِجْمَاع التَّابِعين كَمَا لَو اخْتلفت الصَّحَابَة على قَوْلَيْنِ وَأجْمع التابعون على قَول ثَالِث
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ إِجْمَاع التَّابِعين على أحد الْقَوْلَيْنِ يسْقط مَا تقدم من الْخلاف
стр. 365
لوَجَبَ أَن ينْتَقض كل حكم حكم بِهِ فِي عهد الصَّحَابَة ﵃ بِخِلَافِهِ لأَنهم مَقْطُوع بِبُطْلَانِهِ فَإِن ارتكبوا هَذَا وَقَالُوا إِنَّه ينْتَقض فقد أبطلوا وَذَلِكَ أَن الصَّحَابَة أَجمعت على صِحَة ذَلِك ونفوذه وكل حكم أَجمعت الصَّحَابَة عَلَيْهِ لم يجز للتابعين الْإِجْمَاع على خِلَافه كَسَائِر الْأَحْكَام الَّتِي أَجمعُوا عَلَيْهَا
وَأَيْضًا فَإِن هَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون قد ذهب أهل الْعَصْر الأول إِلَى مَا نوجب فِي هَذَا الحكم من الْقطع وَهَذَا لَا يجوز
وَاحْتَجُّوا بقوله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ وَلم يفصل بَين أَن يتَقَدَّم إِجْمَاعهم خلاف أَو لَا يتَقَدَّم
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا مُشْتَرك الدّلَالَة وَذَلِكَ أَن الصَّحَابَة ﵃ أَجمعُوا على جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْحَادِثَة وَجَوَاز تَقْلِيد كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فَمن قطع الِاجْتِهَاد فِيهِ فقد ترك سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَكَانَ الْوَعيد لاحقا بِهِ
ثمَّ هِيَ عَامَّة فنخصها بِمَا ذَكرْنَاهُ
وَاحْتَجُّوا بقوله ﵇ لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضَّلَالَة
وَالْجَوَاب عَنهُ مَا مضى على الْآيَة
قَالُوا وَلِأَنَّهُ اتِّفَاق من عُلَمَاء الْعَصْر على حكم الْحَادِثَة فَوَجَبَ أَن يكون حجَّة مَقْطُوعًا بهَا
دَلِيله إِذا لم يتَقَدَّم خلاف
قُلْنَا لَا نجوز اعْتِبَار مَا يتقدمه الْخلاف بِمَا لَا يتقدمه الْخلاف
أَلا ترى أَن الِاخْتِلَاف فِيمَا لم يتقدمه إِجْمَاع جَائِز وَلَا يجوز ذَلِك فِيمَا يتقدمه
стр. 366
إِجْمَاع فَكَذَلِك لَا يمْتَنع أَن يجوز الْإِجْمَاع فِيمَا لم يتقدمه خلاف وَلَا يجوز ذَلِك فِيمَا تقدمه خلاف
وَلِأَن الْمَعْنى فِي الْإِجْمَاع الَّذِي لم يتقدمه خلاف أَنه اتِّفَاق لَا يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال إِجْمَاع قبله وَفِي مَسْأَلَتنَا اتِّفَاق الْعَصْر الثَّانِي يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال الْإِجْمَاع قبله فَصَارَ كَمَا لَو أجمع الصَّحَابَة على قَول ثمَّ أجمع التابعون على غَيره
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِجْمَاع تعقب خلافًا فأسقط حكم الْخلاف كَمَا لَو اخْتلفت الصَّحَابَة ثمَّ أَجمعُوا وَذَلِكَ مثل اخْتلَافهمْ فِي قتال مانعي الزَّكَاة ثمَّ إِجْمَاعهم عَلَيْهِ
وَالْجَوَاب أَن على قَول من لم يعْتَبر انْقِرَاض الْعَصْر فِي صِحَة الْإِجْمَاع لَا نسلم الأَصْل فَإِنَّهُم إِذا اخْتلفُوا لم يجز أَن يجمعوا على أحد الْقَوْلَيْنِ
وَأما قصَّة مانعي الزَّكَاة فَلم يحصل فِيهِ اخْتِلَاف فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا كَانُوا فِي طلب الدَّلِيل ومهلة النّظر وَلم ينْقل بَينهم فِيهِ خلاف
وَمن قَالَ إِن انْقِرَاض الْعَصْر مُعْتَبر فِي صِحَة الْإِجْمَاع أسقط الِاخْتِلَاف بِالْإِجْمَاع وَفرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ فَإِنَّهُم إِذا أَجمعُوا بعد الْخلاف صَارَت الْمَسْأَلَة على قَول وَاحِد فَيسْقط القَوْل الآخر لِأَن الْقَائِل بِهِ قد رَجَعَ عَنهُ وَأقر بِبُطْلَانِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا لأَنهم إِذا مَاتُوا على اخْتِلَاف كَانَ قَول الْمُخَالف مِنْهُم بَاقِيا وَهُوَ كالحي الْقَائِم فَلم يجز إِسْقَاطه بِالْإِجْمَاع بعده
وَلِأَن الصَّحَابَة لَو أَجمعت على أَمر جَازَ أَن يَخْتَلِفُوا فِيهِ كَمَا قَالَ عَليّ ﵇ كَانَ رَأْيِي ورأي أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر ورأي الْجَمَاعَة أَن لَا تبَاع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَأرى الْآن أَن يبعن وَلَو أَجمعت الصَّحَابَة على قَول ثمَّ أَرَادَ التابعون الِاتِّفَاق على خِلَافه لم يجز فَافْتَرقَا
قَالُوا وَلِأَن الْإِجْمَاع حجَّة وَالِاخْتِلَاف لَيْسَ بِحجَّة فَلم يتْرك ماهو حجَّة بِمَا لَيْسَ بِحجَّة كالكتاب وَالسّنة
стр. 367
قُلْنَا لَا نسلم أَن الْإِجْمَاع بعد الْخلاف حجَّة وَإِنَّمَا يكون حجَّة إِذا لم يتَقَدَّم خلاف وَهَذَا كَمَا نقُول فِي الْقيَاس أَنه حجَّة إِذا لم يُعَارضهُ نَص فَأَما إِذا عَارضه نَص لم يكن حجَّة كَذَلِك هَاهُنَا
على أَنه إِن كَانَ مَا حصل من الْإِجْمَاع حجَّة فَمَا تقدم من الِاخْتِلَاف حجَّة فِي جَوَاز الِاجْتِهَاد وَالْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَلَيْسَ لَهُم مُرَاعَاة أحد الإجماعين إِلَّا وَلنَا مُرَاعَاة الآخر وَمَا قُلْنَا أولى لِأَن إِجْمَاع الْعَصْر الأول حجَّة على الْعَصْر الثَّانِي وَالثَّانِي لَا يكون حجَّة على الْعَصْر الأول
قَالُوا وَلِأَن كل حكم لَا يجوز لعامة عصر التَّابِعين الْعَمَل بِهِ لم يجز لمن بعدهمْ الْعَمَل بِهِ كالمنسوخ من أَحْكَام الشَّرْع
قُلْنَا لَا نسلم الْوَصْف فَإِن من استفتى مِنْهُم الصَّحَابَة يجوز لَهُ الْعَمَل بِهِ فِي عصر التَّابِعين ثمَّ نعارضهم بِمثلِهِ فَنَقُول كل حكم جَازَ لعامة عصر الصَّحَابَة الْعَمَل بِهِ جَازَ لعامة عصر التَّابِعين الْعَمَل بِهِ دَلِيله إِذا لم يجمع التابعون على أحد الْقَوْلَيْنِ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا تعَارض خبران ثمَّ اتّفق أهل عصر على ترك أَحدهمَا وَالْقَوْل بِالْآخرِ سقط الْمَتْرُوك مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ هَاهُنَا إِذا اتّفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على ترك أحد الْقَوْلَيْنِ وَالْعَمَل بِالْآخرِ وَجب أَن يسْقط الْمَتْرُوك مِنْهُمَا
قُلْنَا إِنَّمَا يسْقط الْمَتْرُوك من الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّهُ لم يذهب إِلَيْهِ أحد من أهل الْعَصْر قبله وَلَيْسَ كَذَلِك الْمَتْرُوك من الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ قد صَار إِلَيْهِ أحد فريقي الصَّحَابَة فَجَاز الْأَخْذ بِهِ فوزانه من الْخَبَر أَن يذهب إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا فريق من النَّاس فَلَا يجوز إِسْقَاطه بِالْإِجْمَاع بعده
وَلِأَن الْخَبَرَيْنِ وردا مِمَّن يَصح مِنْهُ نسخ أَحدهمَا بِالْآخرِ فَإِذا اجْتمع النَّاس على ترك أَحدهمَا علمنَا بِأَنَّهُم علمُوا نسخه من جِهَته وَلَيْسَ كَذَلِك الْقَوْلَانِ لِأَنَّهُمَا وردا من طائفتين لَا يَصح نسخ قَول أَحدهمَا بِالْآخرِ فَلَا يَصح إِسْقَاط أَحدهمَا بِالْآخرِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 368
مَسْأَلَة ١٠
إِذا أدْرك التَّابِعِيّ عصر الصَّحَابَة وَهُوَ من أهل الِاجْتِهَاد اعْتبر رِضَاهُ فِي صِحَة الْإِجْمَاع
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا اعْتِبَار بِهِ وَلَا يعْتد بِخِلَافِهِ مَعَهم
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَلم يَأْمُرنَا بِالرُّجُوعِ إِلَى أقاويل الصَّحَابَة
وَلِأَنَّهُ من أهل الِاجْتِهَاد وَقت الْحَادِثَة فَاعْتبر رِضَاهُ فِي صِحَة الْإِجْمَاع كأصاغر الصَّحَابَة ﵃
وَلِأَن الِاعْتِبَار بِالْعلمِ لَا بالصحبة بِدَلِيل أَن من لَيْسَ من أهل الْعلم لم يعْتَبر قَوْله فِي صِحَة الْإِجْمَاع وَلِهَذَا قَالَ ﵇ نضر الله أمرا سمع مَقَالَتي فوعاها ثمَّ أَدَّاهَا كَمَا سمع فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه
стр. 369
مِنْهُ وَإِن كَانَ الِاعْتِبَار بِالْعلمِ وَجب أَن يعْتد بِخِلَاف التَّابِعِيّ ووفاته لِأَنَّهُ عَالم
وَاحْتَجُّوا بِأَن عليا ﵇ نقض الحكم على شُرَيْح حِين قضى بَين ابْني عَم أَحدهمَا أَخ لأم وَجعل المَال كُله لِابْنِ الْعم الَّذِي هُوَ أَخ لأم
وَلِأَن عَائِشَة ﵂ أنْكرت على أبي سَلمَة حِين خَالف ابْن عَبَّاس فِي عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وَقَالَت مثلك مثل الْفروج يسمع الديكة تصيح فصاح لصياحها
وَالْجَوَاب أَن حَدِيث عَليّ ﵇ حجَّة عَلَيْهِم فَإِنَّهُ ولاه الْقَضَاء وَرَضي بِهِ فِي الِاجْتِهَاد فَدلَّ على أَنه من أَهله
وَأما نقض الحكم عَلَيْهِ فَيجوز أَن يكون لِأَنَّهُ انْعَقَد عَلَيْهِ إِجْمَاع قبل أَن يصير شُرَيْح من أهل الِاجْتِهَاد فَلَا يعْتد بقوله فِيهِ وَلِهَذَا لَا يخرج عَن كَونه مُسَاوِيا لَهُم فِي الِاجْتِهَاد فِيمَا يحدث من الْحَوَادِث
стр. 370
وَأما عَائِشَة فقد خالفها أَبُو هُرَيْرَة فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنه قَالَ فِي هَذِه الْقَضِيَّة قولي فِيهَا مثل قَول ابْن أخي ابي سَلمَة فأقره على الْخلاف
وعَلى أَنه لَيْسَ فِي قَوْلهَا مَا يدل على أَنه لَا يعْتد بِخِلَافِهِ وَيجوز أَن يكون قد رفع صَوته على ابْن عَبَّاس وَادّعى مَنْزِلَته وَطلب مساواته فأنكرت عَائِشَة عَلَيْهِ ذَلِك
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الصَّحَابَة أعلم بِالْأَحْكَامِ من التَّابِعين فَإِنَّهُم شاهدوا الْوَحْي والتنزيل وَعرفُوا الْمَقَاصِد والأغراض فَكَانُوا مَعَ التَّابِعين بِمَنْزِلَة الْعلمَاء مَعَ الْعَامَّة
وَالْجَوَاب هُوَ أَنا لَا نسلم أَنهم أعلم بِالْأَحْكَامِ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أنسا كَانَ يحِيل بالمسائل على الْحسن الْبَصْرِيّ
وَابْن عمر كَانَ يحِيل بالمسائل على ابْن الْمسيب
وَرُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ فِي سعيد هُوَ وَالله أحد الْمُفْتِينَ
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﵇ رحم الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها ثمَّ أَدَّاهَا كَمَا سمع فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه الْخَبَر
وَمَا ذَكرُوهُ من التَّرْجِيح لَا يمْنَع من مُسَاوَاة التَّابِعين لَهُم فِي الِاجْتِهَاد
أَلا ترى أَن من طَالَتْ صحبته من أكَابِر الصَّحَابَة وعلمائها لَهُم من المزية بطول الصُّحْبَة وَقُوَّة الآنسة بكرم النَّبِي ﵇ مَا لَيْسَ لصغارها ومتأخريها ثمَّ الْجَمِيع فِي الِاجْتِهَاد وَاحِد فَبَطل مَا قَالُوهُ
وَلِأَن هَذَا التَّرْجِيح إِنَّمَا كَانَ يَصح أَن لَو كَانَت الْأَحْكَام كلهَا مَأْخُوذَة من المسموع من رَسُول الله ﵇ فَأَما إِذا كَانَ فِيهَا مَا يُؤْخَذ من الْكتاب وَمَا يُؤْخَذ من الْأُصُول وَمَا يُؤْخَذ من رَسُول الله ﷺ لم يكن لمن شهد النَّبِي ﷺ مزية على غَيره
стр. 371
مَسْأَلَة ١١
إِذا اخْتلف الصَّحَابَة على قَوْلَيْنِ لم يجز للتابعين إِحْدَاث قَول ثَالِث
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة يجوز ذَلِك
لنا هُوَ أَن اخْتلَافهمْ على قَوْلَيْنِ إِجْمَاع على أَن كل قَول سواهُمَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يفوتهُمْ الْحق فَلَو جَوَّزنَا إِحْدَاث قَول ثَالِث لجوزنا الْخَطَأ عَلَيْهِم فِي الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا لَا يجوز
стр. 372
وَأَيْضًا فَإِن التَّابِعين أَجمعُوا على حصر الْأَقَاوِيل وَضبط الْمذَاهب وَلَو جَازَ إِحْدَاث مَذْهَب آخر لم يكن لضبط الْأَقَاوِيل وَلَا حصر الْمذَاهب معنى
وَاحْتَجُّوا بِأَن اخْتلَافهمْ فِيهَا على قَوْلَيْنِ يُوجب جَوَاز الِاجْتِهَاد فَجَاز إِحْدَاث قَول ثَالِث كَمَا لَو لم يسْتَقرّ الْخلاف
وَالْجَوَاب هُوَ أَن اخْتلَافهمْ فِي ذَلِك يُوجب جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي طلب الْحق من الْقَوْلَيْنِ فَأَما إِحْدَاث قَول ثَالِث فَلَا وَهَذَا كَمَا لَو أَجمعُوا فِي حَادِثَة على إبِْطَال حكم فِيهَا فَيَنْقَطِع الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك الحكم ثمَّ لَا يمْنَع ذَلِك من الِاجْتِهَاد فِيهَا على غير مَا أَجمعُوا على بُطْلَانه كَذَلِك هَاهُنَا
وَيُخَالف هَذَا إِذا لم يسْتَقرّ الْخلاف لِأَن الْإِجْمَاع قبل الِاسْتِقْرَار لَا يمْنَع من الْخلاف وَبعد الِاسْتِقْرَار يمْنَع فَكَذَلِك الِاخْتِلَاف مثله
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَنَّهُ يجوز إِحْدَاث دَلِيل آخر لم يذكرهُ الصَّحَابَة فَكَذَلِك يجوز إِحْدَاث قَول آخر لم يقلهُ الصَّحَابَة
قُلْنَا لَيْسَ إِذا جَازَ إِحْدَاث دَلِيل آخر جَازَ إِحْدَاث قَول آخر
أَلا ترى أَنهم لَو أَجمعُوا على دَلِيل وَاحِد جَازَ إِحْدَاث دَلِيل ثَان وَلَا يجوز إِحْدَاث قَول ثَان
وَلِأَن إِحْدَاث دَلِيل ثَالِث يُؤَيّد مَا اسْتدلَّ بِهِ الصَّحَابَة وإحداث قَول ثَالِث يُخَالف مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فَافْتَرقَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن الصَّحَابَة ﵃ اخْتلفُوا فِي زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين على قَوْلَيْنِ فجَاء ابْن سِيرِين فأحدث قولا ثَالِثا فَقَالَ فِي امْرَأَة وأبوين يَقُول ابْن عَبَّاس وَفِي زوج وأبوين بقول سَائِر الصَّحَابَة وَأقرهُ النَّاس على هَذَا الْخلاف
стр. 373
وَالْجَوَاب هُوَ أَنا لَا نقره على ذَلِك بل نجعله محجوجا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فَلَا يقبل مِنْهُ هَذَا القَوْل
وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن ابْن سِيرِين عاصر الصَّحَابَة وَهُوَ من أهل الِاجْتِهَاد وَخلاف التَّابِعين فِي قَول بعض أَصْحَابنَا يعْتد بِهِ مَعَ الصَّحَابَة إِذا عاصرهم وَهُوَ من أهل الِاجْتِهَاد وعَلى الْوَجْه الَّذِي يعْتَبر انْقِرَاض الْعَصْر فِي صِحَة الْإِجْمَاع
стр. 374
مَسْأَلَة ١٢
إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة فِي مَسْأَلَتَيْنِ على قَوْلَيْنِ فَذَهَبت طَائِفَة مِنْهُمَا إِلَى حكم وَاحِد وصرحت بالتسوية بَينهمَا وَذَهَبت الطَّائِفَة الْأُخْرَى إِلَى حكم آخر وصرحت بالتسوية بَينهمَا فَهَل يجوز لمن بعدهمَا أَن يَأْخُذ بقول أَحدهمَا فِي مَسْأَلَة وَبقول الآخر فِي الْمَسْأَلَة الْأُخْرَى فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا يجوز
وَالثَّانِي يجوز
وَوجه الأول هُوَ أَن هَذَا إِحْدَاث قَول ثَالِث لِأَن الْجَمِيع أَجمعُوا على التَّسْوِيَة بَينهمَا وَهَذَا التَّفْصِيل يمْنَع من التَّسْوِيَة فَكَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة مَا لَو أَجمعُوا على قَول وَاحِد فَلَا يجوز إِحْدَاث قَول ثَان
وَوجه الآخر أَنهم لم يجمعوا على التَّسْوِيَة بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي حكم وَاحِد وَإِنَّمَا سووا بَينهمَا فِي حكمين مُخْتَلفين فَجَاز لمن بعدهمَا الْأَخْذ بالتفصيل
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه وَإِن كَانَ ذَلِك فِي حكمين إِلَّا أَن الْإِجْمَاع قد حصل على التَّسْوِيَة بَينهمَا فَكَانَ التَّفْرِيق بَينهمَا مُخَالفا للْإِجْمَاع
стр. 375
مَسْأَلَة ١٣
إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قولا وَظهر ذَلِك فِي عُلَمَاء الصَّحَابَة وانتشر وَلم يعرف لَهُ مُخَالف كَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا مَقْطُوعًا بِهِ
стр. 376
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هُوَ حجَّة وَلَيْسَ بِإِجْمَاع
وَقَالَ أَبُو عَليّ بن أبي هُرَيْرَة إِن كَانَ ذَلِك حكما من حَاكم مِنْهُم وَلم يكن ذَلِك إِجْمَاعًا
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ لَيْسَ بِحجَّة أصلا وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد
لنا هُوَ أَن سكوتهم دَلِيل على الرِّضَا بِمَا قَالَه وَالدَّلِيل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْعَادة أَن النَّازِلَة إِذا نزلت فزع أهل الْعلم إِلَى الِاجْتِهَاد وَطلب الحكم وَإِظْهَار مَا عِنْدهم فِيهَا فَلَمَّا لم يظْهر خلاف ذَلِك مَعَ طول الزَّمَان وارتفاع الْمَوَانِع دلّ على أَنهم راضون بذلك فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَو أظهرُوا الرِّضَا بالْقَوْل وَالْفِعْل
стр. 377
وَأما الدَّلِيل على بطلَان قَول من قَالَ إِنَّه حجَّة وَلَيْسَ بِإِجْمَاع فَهُوَ أَن سكوتهم لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون دَلِيلا على الرِّضَا فَيجب أَن يصير إِجْمَاعًا أَو لَا يكون ذَلِك دَلِيلا على الرِّضَا فَيجب أَن لَا يكون حجَّة وَإِمَّا أَن يكون حجَّة وَلَا يكون إِجْمَاعًا فَلَا معنى لَهُ
وَاحْتَجُّوا بِأَن سكوتهم لَا يدل على الرِّضَا لِأَنَّهُ يجوز أَن يَكُونُوا لم يجتهدوا أَو اجتهدوا وَلم ينْتَه نظرهم أَو لم يظْهر الْخلاف لهيبة الْقَائِل كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس فِي خلاف عمر فِي الْعَوْل هِبته وَكَانَ أمرا مهيبا أَو لاعتقادهم بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَإِذا احْتمل هَذِه الْوُجُوه لم يجز أَن يحمل سكوتهم على الرِّضَا والموافقة
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَا يجوز ترك الِاجْتِهَاد لِأَن الْعَادة نظر النَّاس فِي الْحَادِثَة عِنْد حدوثها إِذْ لَا مَانع لَهُم من ذَلِك فَلَا يجوز دَعْوَى خلاف الْعَادة وَلَا ترك الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى محَال وَذَلِكَ أَنه إِذا أَخطَأ الْمُجْتَهد مِنْهُم وَترك الْبَاقُونَ الِاجْتِهَاد فقد أَخطَأ الْجَمِيع وخلا الْعَصْر عَن الْحق وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَخْلُو عصر من الْأَعْصَار من قَائِم لله تَعَالَى بِحَق
وَلَا يجوز أَن لَا يظهروا الْخلاف لِأَن ذَلِك أَيْضا خلاف الْعَادة
وَلَا يجوز أَن يَكُونُوا فِي مهلة النّظر لِأَن ذَلِك لَا يَمْتَد إِلَى أَن ينقرض الْعَصْر
وَلَا يجوز أَن لَا يظهروا الْخلاف للهيبة لِأَن الهيبة لَا تمنع إِظْهَار الْخلاف فِي الْأَحْكَام وَلِهَذَا ردَّتْ امْرَأَة على عمر ﵁ فِي المغالاة فِي الصَدَاق فَقَالَت أيعطينا الله وتمنعنا يَا ابْن الْخطاب وَرُوِيَ انها قَالَت يَا عمر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾ فَقَالَ عمر ﵁ امْرَأَة خَاصَمت عمر فَخَصمته
стр. 378
وَقَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي لعَلي ﵇ رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك وَغير ذَلِك من الْمَوَاضِع الَّتِي أظهرُوا فِيهَا الْخلاف وَلم يحتشموا الْقَائِل
وَأما ابْن عَبَّاس فقد أغْلظ فِي الْإِنْكَار وشدد فِي القَوْل فَروِيَ أَنه قَالَ أول من أعال الفرائص عمر ﵁ وأيم الله لَو قدم من قدمه الله وَأخر من أَخّرهُ الله لما عالت فَرِيضَة قطّ قَالَ لَهُ زفر بن قيس مَا مَنعك أَن تُشِير بِهَذَا على عمر فَقَالَ هِبته وَكَانَ أمرا مهيبا وَمثل هَذَا الْإِنْكَار إِنَّمَا هابه أَن يواجهه بِهِ لَا سِيمَا وَابْن عَبَّاس كَانَ صَغِير السن وَهُوَ أَيْضا من أَصْحَابه
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ لَا يظهره للهيبة لأظهره بعد ذَلِك كَمَا أظهر ابْن عَبَّاس ﵁
وَلَا يجوز أَن يكون لاعْتِقَاده أَن كل مُجْتَهد مُصِيب لِأَنَّهُ لم يكن فِي الصَّحَابَة من يذهب إِلَى هَذَا بل كَانَ مَذْهَبهم أَن الْحق فِي وَاحِد وَلِهَذَا خطأ بَعضهم بَعْضًا
وَلِأَن الْعَادة مَعَ هَذَا الِاعْتِقَاد إِظْهَار الْخلاف فَدلَّ على بطلَان مَا قَالُوهُ
وَاحْتج أَبُو عَليّ بن أبي هُرَيْرَة بِأَنَّهُ إِذا كَانَ ذَلِك قَضَاء من حَاكم لم يدل السُّكُوت على الرِّضَا لِأَن فِي الْإِنْكَار افتياتا عَلَيْهِ
ولأنا نحضر مجَالِس الْحُكَّام فنراهم يقضون بِخِلَاف مذاهبنا فَلَا ننكره وَلَا يدل ذَلِك على الرِّضَا
وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْعَادة قد جرت عِنْد الْحُكَّام إِظْهَار الْخلاف وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ أَن الصَّحَابَة قد كَانَ يحضر بَعضهم بَعْضًا عِنْد الحكم فينكر مَا يحكم إِذا كَانَ مُخَالفا لما يَعْتَقِدهُ
وَأما سكوتنا عَن إِظْهَار الْخلاف عِنْد الْحَاكِم فَلِأَن الْخلاف قد ظهر وَعرف فَلَا يُعَاد اكْتِفَاء بِمَا تقدم وَلِهَذَا نحضر مجَالِس الْفُقَهَاء أَيْضا فنراهم يفتون بمذاهبهم فَلَا ننكر وَلَا يدل ذَلِك على أَن السُّكُوت عِنْد الْفتيا يدل على الرِّضَا وَلَكنَّا نسكت عَن الْخلاف اكْتِفَاء بِمَا عرف من الْخلاف الْمُتَقَدّم وَأما عِنْد نزُول النَّوَازِل فَلَا بُد من إِظْهَار الْخلاف من طَرِيق الْعَادة فَبَطل مَا قَالُوهُ
стр. 379
مَسْأَلَة ١٤
إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قولا وَلم ينتشر لم يكن ذَلِك حجَّة وَيقدم الْقيَاس عَلَيْهِ فِي قَوْله الْجَدِيد
وَقَالَ فِي الْقَدِيم هُوَ حجَّة يقدم على الْقيَاس ويخص الْعُمُوم بِهِ وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَإِسْحَق وَهُوَ مَذْهَب أبي عَليّ الجبائي
لنا أَنه قَول مِمَّن يقر على الْخَطَأ فَلَا يجوز ترك الْقيَاس لَهُ
دَلِيله قَوْله التَّابِعِيّ
وَلِأَن التَّابِعِيّ والصحابي متساويان فِي آلَة الِاجْتِهَاد وَجَوَاز الْخَطَأ على كل وَاحِد مِنْهُمَا فَلَا يجوز لأَحَدهمَا ترك اجْتِهَاده لقَوْل الآخر كالصحابيين والتابعيين
стр. 380
وَلِأَن الْقيَاس دَلِيل على الحكم من جِهَة الشَّرْع فَكَانَ مقدما على قَول الصَّحَابِيّ دَلِيله الْكتاب وَالسّنة
وَلِأَن مَا قضى بِهِ على عُمُوم الْقُرْآن كَانَ مقدما على قَول الصَّحَابِيّ
دَلِيله خبر الْوَاحِد
وَلِأَنَّهُ قِيَاس فَقدم على قَول الصَّحَابِيّ كالقياس الْجَلِيّ
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ قَوْله يقدم على الْقيَاس لوَجَبَ إِذا عَارضه خبر أَن يتعارضا أَو ينْسَخ أَحدهمَا بِالْآخرِ كَمَا يفعل فِي نصين متعارضين
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ فَإِذا كَانَ مَا يأمرون بِهِ مَعْرُوفا وَجب الْمصير إِلَيْهِ
قُلْنَا هَذَا أَخْبَار عَن جَمَاعَتهمْ وَمَا تَأمر بِهِ الْجَمَاعَة عندنَا يجب قبُوله وَإِنَّمَا الْخلاف فِيمَا انْفَرد بِهِ الْوَاحِد مِنْهُم
وَاحْتَجُّوا بقوله ﵇ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَقَوله ﵇ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر
وَالْجَوَاب أَنا نشاركهم فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا لِأَن الِاقْتِدَاء بهم أَن نعمل بِمُقْتَضى الِاجْتِهَاد ونفزع فِي الْحَوَادِث إِلَى الْقيَاس كَمَا فعلوا وَهَذَا يمْنَع من التَّقْلِيد
وَلِأَن هَذَا خطاب للعامة لِأَن الْعلمَاء فِي زمن النَّبِي ﵇ أَصْحَابه وَلَا يجوز أَن يَأْمر أَصْحَابه بتقليد غَيرهم فَيجب أَن يكون ذَلِك أمرا للعامة بتقليدهم
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الصَّحَابِيّ إِن كَانَ قد أفتى عَن تَوْقِيف كَانَ حجَّة
стр. 381
وَإِن كَانَ عَن اجْتِهَاد فاجتهاده أولى لِأَنَّهُ شَاهد رَسُول الله ﷺ وَسمع كَلَامه فَكَانَ أعرف بمعانيه وَمَا قَصده فَكَانَ بِمَنْزِلَة الْعَالم مَعَ الْعَاميّ
قُلْنَا أما دَعْوَى التَّوْقِيف فَلَا تجوز من غير دَلِيل بل الظَّاهِر أَنه أفتى من غير تَوْقِيف لِأَنَّهُ لَو كَانَ عَن تَوْقِيف لرواه فِي هَذِه الْحَالة أَو فِي غَيرهَا من الْأَحْوَال
وَأما دَعْوَى قُوَّة الِاجْتِهَاد فَلَا تصح لِأَنَّهُ يجوز أَن يسمع من النَّبِي ﵇ وَيكون غَيره أعلم بمعانيه وقصده وَلِهَذَا قَالَ ﵇ نضر الله أمرأ سمع مَقَالَتي فوعاها وأداها كَمَا سمع فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ
وَلِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون أَخذ حكم الْحَادِثَة من الْقُرْآن أَو سَمعه من غير رَسُول الله ﷺ فَيكون هُوَ والتابعي فِيهِ وَاحِد فَلَا يكون من هُوَ أقوى فِيهِ من غَيره
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لوَجَبَ أَن يجب على من لم تطل صحبته أَن يُقَلّد من طَالَتْ صحبته لقُوَّة الْأنس بِكَلَام النَّبِي ﵇ وَمَعْرِفَة قَصده وَلما لم يجب ذَلِك دلّ على بطلَان مَا اعتمدوه
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ صَحَابِيّ فَجَاز تَقْلِيده دَلِيله إِذا كَانَ مَعَ قَوْله قِيَاس ضَعِيف
وَالْجَوَاب هُوَ أَنا لَا نسلم هَذَا الأَصْل فَإِن الْقيَاس مقدم عَلَيْهِ وَإِن عاضد قَوْله قِيَاس ضَعِيف
قَالُوا وَلِأَن قَوْله لَو انْتَشَر لوَجَبَ الْعَمَل بِهِ فَقدم على الْقيَاس كَخَبَر الْوَاحِد
قُلْنَا هَذَا يبطل بقول التَّابِعِيّ فَإِنَّهُ لَو انْتَشَر لوَجَبَ الْعَمَل بِهِ ثمَّ لَا يقدم من غير انتشار على الْقيَاس
وعَلى أَنه لَو كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَة الْخَبَر لوَجَبَ إِذا عَارضه خبر أَن يتعارضا أَو ينْسَخ أَحدهمَا بِالْآخرِ كالخبر إِذا عَارضه خبر
стр. 382
وَلِأَن الْخَبَر إِذا قابله الْقيَاس الْجَلِيّ قدم الْخَبَر عَلَيْهِ وَلَو قَابل قَول الصَّحَابِيّ قِيَاس جلي قدم الْقيَاس عَلَيْهِ فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
قَالُوا وَلِأَن قَول الصَّحَابِيّ وَالْقِيَاس جِنْسَانِ يتْرك أقواهما لأقوى الآخر فَيتْرك أضعفهما لأضعف الآخر كالسنة وَالْقِيَاس
قُلْنَا يبطل هَذَا بقول التَّابِعِيّ مَعَ الْقيَاس فَإِن أقواهما يتْرك لأقوى الآخر وأضعفهما لَا يتْرك لأضعف الآخر
ثمَّ الْخَبَر لَو عَارضه أقوى القياسين لأسقطه وَلَو عَارض قَول الصَّحَابِيّ أقوى القياسين قدم الْقيَاس عَلَيْهِ فَإِذا عَارضه أضعفهما قدم عَلَيْهِ
стр. 383
مَسْأَلَة ١٥
إِذا قَالَ وَاحِد من الصَّحَابَة قولا يُخَالف الْقيَاس لم يَجْعَل ذَلِك توقيفا وَيقدم الْقيَاس عَلَيْهِ
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة هُوَ حجَّة يصير كالسنة المستندة إِلَى النَّبِي ﵇ وَيقدم على الْقيَاس
لنا هُوَ أَن الصَّحَابِيّ غير مَعْصُوم فَيجوز أَن يكون قد قَالَه عَن تَوْقِيف وَيجوز أَن يكون قد ذهب فِيهِ إِلَى اجْتِهَاد بعيد فَلَا يجوز إِثْبَات السّنة بِالشَّكِّ
وَلِأَنَّهُ لَو ثَبت بقوله سنة لثبت ذَلِك بقول التَّابِعِيّ وَلما لم يثبت بقول التَّابِعِيّ لم يثبت أَيْضا بقول الصَّحَابِيّ
وَلِأَن الظَّاهِر أَنه لم يقل ذَلِك عَن سنة لِأَنَّهُ لَو كَانَ قد قَالَه عَن سنة لأظهر ذَلِك عِنْد الْفتيا أَو فِي وَقت من الْأَوْقَات وَلَو فعل ذَلِك لعرف وَلما لم يعرف ذَلِك بِحَال دلّ على أَنه لَيْسَ عِنْده فِيهِ سنة
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ عَن سنة لوَجَبَ إِذا عَارضه خبر أَن يتعارضا وَيصير كالخبرين المتعارضين وَلما قدم الْخَبَر عَلَيْهِ دلّ على بطلَان مَا ذَكرُوهُ
وَاحْتَجُّوا بِأَن الظَّاهِر أَنه لم يعدل عَن الْقيَاس مَعَ الثِّقَة بِهِ فِي معرفَة الْقيَاس وطرقه إِلَّا إِلَى سنة فَوَجَبَ أَن يَجْعَل ذَلِك توقيفا عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 384
قُلْنَا إِنَّمَا يَصح هَذَا لَو كَانَ لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ فَأَما إِذا جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأ احْتمل أَن يكون قد ذهب إِلَى سنة لَا تدل على الحكم أَو أَخطَأ فِيهِ فَلَا يجوز أَن يَجْعَل قَوْله حجَّة
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ هَذَا فِي حق الصَّحَابِيّ لجَاز فِي حق التَّابِعين وَسَائِر الْفُقَهَاء إِذا رَأينَا الْوَاحِد مِنْهُم قد ذهب إِلَى خلاف الْقيَاس لجَاز أَن يحمل أمره فِي ذَلِك على أَنه ذهب إِلَى سنة عَن النَّبِي ﵇ صحت عِنْده
وَلِأَنَّهُ يبطل بِهِ إِذا عَارضه نَص فَإِن قَوْله يسْقط وَإِن كَانَ الظَّاهِر مَا ذَكرُوهُ وَالله أعلم
стр. 385
مسَائِل التَّقْلِيد
مَسْأَلَة ١
التَّقْلِيد فِي أصُول الديانَات لَا يجوز
وَقَالَ بعض النَّاس يجوز ذَلِك وَحكي ذَلِك عَن عبد الله بن الْحسن الْعَنْبَري
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون﴾ فذم قوما قلدوا آبَاءَهُم فِي أديانهم فَدلَّ على أَن ذَلِك لَا يجوز
وَلِأَن طَرِيق معرفَة الْأُصُول الْعقل والعقلاء كلهم يشتركون فِي الْعقل فَلَا يجوز لبَعْضهِم تَقْلِيد الْبَعْض
وَلِأَنَّهُ فرض على كل أحد أَن يعلم هَذِه الْأُصُول وَيقطع بهَا وَالْعلم وَالْقطع لَا يحصل بقول الْمُقَلّد فَوَجَبَ أَن لَا يجوز فِيهِ التَّقْلِيد
стр. 386
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ إِذا جَازَ التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع جَازَ فِي الْأُصُول
وَرُبمَا قَالُوا إِن التَّقْلِيد إِنَّمَا جَازَ فِي الْفُرُوع لِأَن فِي معرفَة أدلتها وطرقها مشقة وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي معرفَة أَدِلَّة الْأُصُول وَلَعَلَّ فِي أَدِلَّة الْأُصُول مَا هُوَ أغمض وأخفى من أَدِلَّة الْفُرُوع فَيجب أَن يجوز فِيهَا التَّقْلِيد
وَالْجَوَاب هُوَ أَن مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الْفُرُوع هُوَ الْعلم بطرق الْمسَائِل من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس فَلَو ألزمنا النَّاس معرفَة ذَلِك لَأَدَّى إِلَى الِانْقِطَاع عَن المعاش وَإِلَى أَن يَنْقَطِع الْحَرْث والنسل فجوز فِيهَا التَّقْلِيد وَمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الْأُصُول هُوَ الْعقل وَالنَّاس كلهم يشتركون فِي ذَلِك فَلم يجز لَهُم التَّقْلِيد فِيهِ
وَلِأَن الْفُرُوع طريقها الظَّن وَالظَّن يحصل بقول من يقلده وَالْأُصُول طريقها الْعلم وَالْقطع وَذَلِكَ لَا يحصل لَهُ بقول من يقلده فَافْتَرقَا
стр. 387
مَسْأَلَة ٢
لَا يجوز للْعَالم تَقْلِيد الْعَالم
وَمن النَّاس من قَالَ يجوز ذَلِك وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَق
وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن يجوز لَهُ تَقْلِيد من هُوَ أعلم مِنْهُ وَلَا يجوز لَهُ تَقْلِيد مثله
стр. 388
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَالرَّدّ إِلَيْهِمَا لَا يُمكن فَثَبت أَنه أَرَادَ بِهِ حكم الله وَرَسُوله
فَإِن قيل تَقْلِيد الْعَالم حكم الله لِأَنَّهُ أعلم بطرِيق الظَّن
قُلْنَا إِذا ترك مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر الْكتاب وَظَاهر السّنة وقلد غَيره فقد ترك حكم الله تَعَالَى وَلم يعْمل بِهِ فَيجب أَن لَا يجوز
وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَلَا علم للمقلد بِمَا أفتى بِهِ الْعَالم فَيجب أَن لَا يقفه
وَأَيْضًا قَوْله ﵇ اجتهدوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَلم يفصل
وَلِأَن مَعَه آلَة يتَوَصَّل بهَا إِلَى حكم الْحَادِثَة فَلَا يجوز لَهُ التَّقْلِيد فِيهِ
دَلِيله العقليات
وَلَا يلْزم قبُول قَول النَّبِي ﵇ لِأَن ذَلِك لَيْسَ بتقليد لِأَن التَّقْلِيد
стр. 389
قبُول قَول الْغَيْر حجَّة وَقَول رَسُول الله ﷺ حجَّة
وَلَا يلْزم عَلَيْهِ إِذا حكم عَلَيْهِ الْحَاكِم بِشَيْء فَإِن ذَلِك أَيْضا لَيْسَ بتقليد لِأَنَّهُ لَا يلْزم أَن يقبله ويعتقده وَإِنَّمَا يلْزمه طَاعَته فِيمَا لزمَه وَلَيْسَ ذَلِك بتقليد
فَإِن قيل لَا يمْتَنع أَن يكون مَعَه مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَطْلُوب ثمَّ يجوز لَهُ تَركه إِلَى غَيره
أَلا ترى أَن من قدر على سَماع الحكم من رَسُول الله ﷺ يجوز لَهُ تَركه وَالسَّمَاع مِمَّن يُخبرهُ عَنهُ
قُلْنَا لَيْسَ هَذَا تركا لقَوْل رَسُول ﷺ وَإِنَّمَا ترك طَرِيقا إِلَى غَيره فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجْتَهد يلوح لَهُ دَلِيل فِي الْمَسْأَلَة يَقْتَضِي حكما شَرْعِيًّا فيتركه إِلَى دَلِيل آخر يَقْتَضِي ذَلِك الحكم فَيجوز وَفِي مَسْأَلَتنَا يتْرك اجْتِهَاده الْمُقْتَضِي لحكم إِلَى اجْتِهَاد يَقْتَضِي حكما غَيره فوزانه مِمَّا ذَكرُوهُ أَن يقدر على نَص عَن النَّبِي ﵇ فيتركه إِلَى حكم يُخَالِفهُ فَلَا يجوز ذَلِك
وَلِأَن الحكم بالتقليد يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَاله لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يُقَلّد من يمْنَع من ذَلِك وَيحكم بإبطاله وَمَا أدّى إثْبَاته إِلَى نَفْيه كَانَ بَاطِلا
وَأما الدَّلِيل على أَصْحَاب أبي حنيفَة خَاصَّة وَأَن مَا لَا يجوز لَهُ أَن يُقَلّد فِيهِ مثله لم يجز لَهُ أَن يُقَلّد فِيهِ من هُوَ أعلم مِنْهُ كالعقليات
وَلَا يلْزم عَلَيْهِ الْعَاميّ حَيْثُ لم يُقَلّد مثله وقلد من هُوَ أعلم مِنْهُ لِأَن قَوْلنَا
стр. 390
من هُوَ أعلم مِنْهُ يَقْتَضِي أَن يكون هُوَ عَالما وَهَذَا لَا يُوجد فِي حق الْعَاميّ
فَإِن قيل لَو كَانَ هَذَا كالعقليات لما جَازَ تَقْلِيد الْعَاميّ فِيهَا كَمَا لَا يجوز فِي العقليات
قُلْنَا إِنَّمَا اسْتَوَى الْعَاميّ والعالم فِي العقليات لِأَنَّهُمَا متساويان فِي آلَة الِاجْتِهَاد فِيهَا وَطلب الدَّلِيل عَلَيْهَا وَفِي الشرعيات الْعَالم مَعَه آلَة الِاجْتِهَاد والعامي لَيْسَ مَعَه ذَلِك فَافْتَرقَا
فَإِن قيل طَرِيق العقليات الْقطع وَالْيَقِين فَلَا يجوز الرُّجُوع فِيهَا إِلَى اجْتِهَاد الْغَيْر وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِن الشرعيات طريقها الظَّن وَظن الأعلم أقوى فَجَاز الرُّجُوع إِلَيْهِ يدلك عَلَيْهِ أَنه يجوز أَن يُقَلّد فِي الشرعيات مَا يَقْتَضِي الظَّن من خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَلَا يجوز مثل ذَلِك فِي العقليات
قُلْنَا لَا نسلم أَن ظن الأعلم أقوى بل ظن نَفسه أقوى لِأَنَّهُ على علم وإحاطة من ظَنّه وَلَيْسَ على إحاطة من ظن الأعلم فَلَا يجوز أَن يكون مَا لم يحط بِهِ علمه أقوى مِمَّا أحَاط بِهِ علمه ووقف عَلَيْهِ
وَلِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه يجوز لَهُ ترك قَول الأعلم بِاجْتِهَادِهِ وَمن جَازَ لَهُ ترك قَوْله بِاجْتِهَادِهِ لم يجز لَهُ ترك اجْتِهَاده لقَوْله كالمجتهد فِي الْقبْلَة وَعَكسه قَول الله تَعَالَى وَقَول الرَّسُول
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَهَذَا قبل أَن يجْتَهد لَا يعلم حكم الْحَادِثَة فَجَاز لَهُ أَن يسْأَل
قُلْنَا المُرَاد بِالْآيَةِ الْعَامَّة يدل عَلَيْهِ أَنه أوجب السُّؤَال وَالَّذِي يجب عَلَيْهِ السُّؤَال هُوَ الْعَاميّ وَأما الْعَالم فَلَا يجب عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع أَن يسْأَل لِأَن لَهُ أَن يجْتَهد لنَفسِهِ فَيعْمل بِاجْتِهَادِهِ وَلَا يسْأَل أهل الذّكر
وَلِأَنَّهُ أَمر بسؤال أهل الذّكر وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون الْمُخَاطب بالسؤال غير أهل الذّكر فَيجب أَن تكون الْآيَة خَاصَّة فِي الْعَامَّة فَلم يكن فِيهَا حجَّة
следующие страницы →