← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 25787

التبصرة في أصول الفقه

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (521 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَقَالَ الصَّيْرَفِي لَا يَقْتَضِي التّكْرَار لنا أَن كل وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ يَقْتَضِي إِيجَاد الْفِعْل عِنْد الِانْفِرَاد فَإِذا اجْتمعَا وَجب أَن يقتضيا التّكْرَار كَمَا لَو كَانَا بفعلين مُخْتَلفين وَأَيْضًا أَن الْمُقْتَضِي للْفِعْل هُوَ الْأَمر وَالثَّانِي كَالْأولِ فِي الإفادة فَوَجَبَ أَن يكون كَالْأولِ فِي الْإِيجَاب وَاحْتج بِأَن أوَامِر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن قد تَكَرَّرت وَلم تقتض تكْرَار الْفِعْل وَالْجَوَاب أَنا تركنَا الظَّاهِر فِي تِلْكَ الْأَوَامِر للدلالة قَالُوا وَلِأَن الْأَمر الثَّانِي يحْتَمل الِاسْتِئْنَاف وَيحْتَمل التَّأْكِيد فَلَا نوجب فعلا مستأنفا بِالشَّكِّ وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَن ذَلِك شكّ بل هُوَ ظَاهر فَإِن الظَّاهِر أَنه مَا كرر إِلَّا للاستئناف فَيجب أَن يحمل عَلَيْهِ وَاحْتج أَيْضا بِأَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ اسْقِنِي مَاء ثمَّ كرر ذَلِك لم يقتض التّكْرَار فَكَذَلِك هَهُنَا قُلْنَا لَا نسلم هَذَا إِلَّا أَن يكون فِي الْحَال مَا يدل على أَنه قصد التَّأْكِيد فَيحمل عَلَيْهِ لدلَالَة الْحَال وَإِن سلمنَا فَلِأَن الْأَمر منا لَا غَرَض لَهُ فِي تَفْرِيق الْأَمر فَلَو كَانَ أَرَادَ شَيْئَيْنِ لجعلهما فِي لفظ وَاحِد وَصَاحب الشَّرْع قد يرى الْمصلحَة فِي تَفْرِيق الْأَمر فَحمل ذَلِك على شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين

стр. 37

مَسْأَلَة ٩ الْأَمر الْمُطلق لَا يَقْتَضِي الْفِعْل على الْفَوْر فِي قَول أَكثر أَصْحَابنَا وَقَالَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي وَالْقَاضِي أَبُو حَامِد

стр. 38

إِنَّه يَقْتَضِي الْفَوْر وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَاب أبي حنيفَة وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين يتَوَقَّف فِيهِ إِلَى أَن يقوم الدَّلِيل على مَا أُرِيد بِهِ من الْفَوْر أَو التَّرَاخِي لنا أَن الْأَمر يَقْتَضِي استدعاء الْفِعْل وَلَيْسَ للزمان فِيهِ ذكر فَفِي أَي وَقت فعله وَجب أَن يصير ممتثلا يدل عَلَيْهِ أَنه لما اقْتضى الْفِعْل وَلم يكن لحَال الدُّخُول فِيهِ ذكر جَازَ فعله فِي كل حَال من أَحْوَاله فَيصير ممتثلا كَذَلِك فِي الزَّمَان مثله وَيدل عَلَيْهِ أَن الْأَمر لَا يَقْتَضِي زَمَانا وَلَا مَكَانا وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى زمَان وَمَكَان لِأَن أَفعَال المخلوقين لَا تقع إِلَّا فِي زمَان وَمَكَان ثمَّ ثَبت أَنه فِي أَي مَكَان فعل صَار ممتثلا وَكَذَلِكَ فِي أَي زمَان فعل وَجب أَن يصير ممتثلا وَيدل عَلَيْهِ أَن الِامْتِثَال فِي الْأَمر كالبر فِي الْيَمين ثمَّ لَو قَالَ وَالله

стр. 39

لَأَفْعَلَنَّ كَذَا صَار بارا فِي الْيَمين وَإِن أخر الْفِعْل عَن حَال الْيَمين فَكَذَلِك يجب أَن يصير ممتثلا فِي الْأَمر وَإِن أَخّرهُ عَن حَال الْأَمر وَيدل عَلَيْهِ أَن قَوْله اقْتُل مُطلق فِي الْأَزْمَان كَمَا أَنه مُطلق فِي الْأَعْيَان ثمَّ إِنَّه لَا خلاف أَنه يصير ممتثلا بقتل من شَاءَ فَوَجَبَ أَن يصير متمثلا بِالْقَتْلِ فِي أَي وَقت شَاءَ وَلِهَذَا قَالَ عمر بن الْخطاب لأبي بكر الصّديق ﵄ وَقد صدوا عَن الْبَيْت يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَلَيْسَ قد وعدنا الله بِالدُّخُولِ فَكيف صدونا فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر الصّديق إِن الله تَعَالَى وعد بذلك وَلَكِن لم يقل فِي أَي وَقت فَدلَّ على أَن اللَّفْظ لَا يَقْتَضِي الْوَقْت الأول وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم﴾ وَفِي فعل الطَّاعَة مغْفرَة فَوَجَبت المسارعة إِلَيْهَا الْجَواب أَن المُرَاد بِالْآيَةِ التَّوْبَة من الذُّنُوب والإنابة إِلَى الله تَعَالَى وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ هُوَ أَن التَّوْبَة هِيَ الَّتِي تتَعَلَّق بهَا الْمَغْفِرَة فِي الْحَقِيقَة فَوَجَبَ حمل الْآيَة عَلَيْهَا وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ أحد نَوْعي خطاب التَّكْلِيف فَكَانَ على الْفَوْر كالنهي قُلْنَا النَّهْي يتَنَاوَل الِانْتِهَاء فِي جَمِيع الْأَوْقَات على الدَّوَام والاتصال فيعلق

стр. 40

بِالْوَقْتِ الأول كَمَا يعلق بِجَمِيعِ الْأَوْقَات وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَمر فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي أَكثر من وَقت وَاحِد وَلَيْسَ الْوَقْت الأول بِأولى من الْوَقْت الثَّانِي فَكَانَ جَمِيع الْأَوْقَات فِيهِ وَاحِدًا وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه وَلَا يصير منتهيا عَن ضِدّه إِلَّا بِفعل الْمَأْمُور بِهِ على الْفَوْر وَالْجَوَاب أَنه يبطل بِهِ إِذا قَالَ لَهُ افْعَل فِي أَي وَقت شِئْت فَإِنَّهُ يجوز لَهُ التَّأْخِير وَإِن أدّى إِلَى مَا ذَكرُوهُ وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَنه لَو كَانَ هَذَا صَحِيحا لوَجَبَ أَن يحمل الْأَمر على التّكْرَار لِأَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه فَيجب أَن يداوم على الْفِعْل ليصير منتهيا على الدَّوَام وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن الْأَمر بالشَّيْء لَيْسَ بنهي عَن ضِدّه من طَرِيق اللَّفْظ فيراعى فِيهِ مُوجب لفظ النَّهْي وَإِنَّمَا هُوَ نهي من طَرِيق الْمَعْنى فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بالشَّيْء إِلَّا وضده محرم عَلَيْهِ فَلم يتَعَلَّق ذَلِك إِلَّا بِمَا يفوت بِهِ الْمَأْمُور فَإِذا كَانَ الْأَمر بِفعل وَاحِد اقْتضى ذَلِك تَحْرِيم مَا يفوت بِهِ الْفِعْل وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي المسارعة إِلَى الْمَأْمُور بِهِ وَاحْتَجُّوا بِأَن الْأَمر يَقْتَضِي ثَلَاثَة أَشْيَاء الْفِعْل والعزم عَلَيْهِ واعتقاد الْوُجُوب ثمَّ الْعَزْم والاعتقاد على الْفَوْر فَكَذَلِك الْفِعْل وَالْجَوَاب عَن الِاعْتِقَاد مَا قضي فِي مَسْأَلَة الْأَمر هَل يَقْتَضِي التّكْرَار وَأما الْعَزْم فَلم يكن على الْفَوْر بِمُوجب اللَّفْظ بل كَانَ على الْفَوْر لِأَن الْمُكَلف لَا يَنْفَكّ من الْعَزْم على الْفِعْل وَالتّرْك فالعزم على التّرْك مَعْصِيّة وعناد لصَاحب

стр. 41

الشَّرْع فَتعين الْعَزْم على الْفِعْل وَأما الْفِعْل فَهُوَ مُوجب اللَّفْظ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يُوجب التَّعْجِيل فَافْتَرقَا وَلِأَنَّهُ لَو قيد الْأَمر بالتراخي لوَجَبَ الْعَزْم على الْفَوْر وَالْفِعْل على التَّرَاخِي فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا وَاحْتَجُّوا بِأَن قَوْله افْعَل يَقْتَضِي إِيجَاد الْفِعْل فَلَو قُلْنَا أَنه على التَّرَاخِي لأثبتنا تخييرا لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ وَالْجَوَاب أَنه يبطل بِهِ إِذا قَالَ اقْتُل فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظ تَخْيِير ثمَّ يتَخَيَّر فِي أَعْيَان المقتولين وَلِأَن هَذَا يُعَارضهُ أَن اللَّفْظ يَقْتَضِي إِيجَاد الْفِعْل فَمن جعله على الْفَوْر فقد زَاد فِي اللَّفْظ زِيَادَة وَأثبت تَخْصِيصًا لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ وَهَذَا لَا يجوز وَاحْتَجُّوا بِأَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ اسْقِنِي مَاء فَلم يسقه على الْفَوْر اسْتحق التوبيخ فَدلَّ على أَن مُقْتَضَاهُ الْفَوْر وَالْجَوَاب أَنه إِن لم تكن هُنَاكَ قرينَة تَقْتَضِي الْفَوْر لم يسْتَحق التوبيخ وَإِنَّمَا يسْتَحق ذَلِك إِذا اقْترن بِالْأَمر قرينَة يعلم بهَا الْفَوْر فَيسْتَحق التوبيخ على ذَلِك لمَكَان الدّلَالَة وَاحْتَجُّوا بِأَنا أجمعنا على كَون الْفِعْل قربَة فِي أول الْوَقْت فَمن أثبت الْقرْبَة فِي الْوَقْت الثَّانِي احْتَاجَ إِلَى دَلِيل وَالْجَوَاب أَن الَّذِي اقْتضى كَون الْفِعْل قربَة فِي الْوَقْت الأول تنَاول الْأَمر وَقد بَينا أَن تنَاوله للْوَقْت الثَّانِي وَالْأول وَاحِد فَوَجَبَ أَن يكون قربَة فِي الْجَمِيع

стр. 42

وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو قَالَ لَهُ افْعَل وَعجل صَحَّ وَكَانَ ذَلِك حَقِيقَة فِيهِ وَلَو لم يكن ذَلِك حَقِيقَة فِي الْأَمر لوَجَبَ أَن يكون مجَازًا وَالْجَوَاب أَن هَذَا حجَّة عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر يفوت بترك التَّعْجِيل لما حسن أَن يَقُول لَهُ افْعَل وَعجل أَلا ترى أَن الصَّوْم لما فَاتَ بِفَوَات الْوَقْت لم يحسن أَن يَقُول صم وَعجل وَلما حسن أَن يَقُول لَهُ افْعَل كَذَا وَعجل دلّ على أَنه لَا يفوت بِالتَّأْخِيرِ ثمَّ هَذَا يبطل بِهِ إِذا قَالَ اقْتُل زيدا فَإِنَّهُ يَصح وَيكون حَقِيقَة ثمَّ لَا يُقَال إِن مُقْتَضى اللَّفْظ الْمُطلق مِنْهُ قتل زيد خَاصَّة لِأَنَّهُ لَو لم يكن ذَلِك مُقْتَضَاهُ لوَجَبَ أَن يصير مجَازًا وعَلى أَن اللَّفْظ إِنَّمَا يصير مجَازًا إِذا وضع لشَيْء بِعَيْنِه ثمَّ اسْتعْمل فِي غَيره كالحمار مَوْضُوع للبهيمة الْمَخْصُوصَة فَإِذا اسْتعْمل فِي الرجل البليد كَانَ مجَازًا وَأما لفظ الْأَمر فَإِنَّهُ غير مَوْضُوع لزمان وَلَا متناولا لَهُ من حَيْثُ اللَّفْظ وَإِنَّمَا يتَنَاوَل الْفِعْل فَحسب وَالزَّمَان إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لضَرُورَة فعل الْمُكَلف فَفِي أَي وَقت اسْتعْمل لم يصر مجَازًا قَالُوا وَلِأَنَّهُ استدعاء فعل بقول مُطلق فَاقْتضى التَّعْجِيل كالإيجاب فِي البيع قُلْنَا الْإِيجَاب لم يقتض الْقبُول على الْفَوْر من جِهَة اللُّغَة وَإِنَّمَا اقْتضى ذَلِك من جِهَة الشَّرْع وَلِهَذَا لَو رَضِي البَائِع أَن يقبل على التَّرَاخِي لم يجز وكلامنا فِي مُقْتَضى اللَّفْظ فِي اللُّغَة فَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ عَلَيْهِ بالشرعيات وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ إِذا لم يفعل الْمَأْمُور بِهِ حَتَّى مَاتَ لم يخل إِمَّا أَن لَا يَعْصِي بذلك فَيخرج الْفِعْل عَن أَن يكون وَاجِبا وَيلْحق بالنوافل أَو يَعْصِي فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَعْصِي بعد الْمَوْت وَهَذَا لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا طَرِيق لَهُ إِلَى فعل

стр. 43

الْمَأْمُور بِهِ بعد الْمَوْت فَلَا يجوز أَن يلْحقهُ الْعِصْيَان أَو يَعْصِي إِذا غلب على ظَنّه أَنه إِذا أَخّرهُ فَاتَهُ الْأَمر وَهَذَا لَا يجوز لِأَنَّهُ قد يَمُوت بَغْتَة ويخترم فَجْأَة وَلَا يجوز أَن يكون عَاصِيا فَثَبت أَنه عصى من أول حَال الْإِمْكَان وَهَذَا يدل على أَنه وَجب على الْفَوْر وَالْجَوَاب أَن هَذَا يبطل بِقَضَاء رَمَضَان وَالْكَفَّارَات وَمَا أخبرنَا خَبره من الْعِبَادَات فَإِن هَذَا التَّقْسِيم مَوْجُود فِيهِ ثمَّ وُجُوبهَا على التَّرَاخِي وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن أَبَا عَليّ بن أبي هُرَيْرَة قَالَ لَا يَعْصِي إِذا مَاتَ وَلَا يلْحق بالنوافل لأَنا نوجب عَلَيْهِ الْعَزْم على الْفِعْل فِي الْفَرَائِض وَفِي النَّوَافِل لَا يجب ذَلِك وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِنَّه يَعْصِي إِذا غلب على ظَنّه فَوَاته فَإِن اخترم بَغْتَة لم يعْص وَهَذَا لَا يمْنَع أَلا ترى أَن الْوَصِيَّة كَانَت وَاجِبَة قبل النّسخ وَكَانَ وُجُوبهَا مُتَعَلقا بِهَذَا الْمَعْنى فَلَو اخترم فَجْأَة لم يعْص بِتَرْكِهَا وَلم يدل ذَلِك أَنَّهَا غير وَاجِبَة وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو لم يتَعَلَّق الْأَمر بِالْوَقْتِ الأول لتَعلق بِوَقْت مَجْهُول وَذَلِكَ لَا يجوز كَمَا لَا يجوز تَعْلِيقه بِوَقْت معِين مَجْهُول وَالْجَوَاب هُوَ أَن فِيمَا ذَكرُوهُ لَا يُمكن امْتِثَال الْأَمر فَلم يجز وَهَهُنَا يُمكن امْتِثَال الْأَمر لِأَنَّهُ مُخَيّر فِي الْأَوْقَات كلهَا فَجَاز يدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَا يجوز أَن يعلق الْأَمر على قتل رجل بِعَيْنِه غير مَعْلُوم وَإِن علقه على رجل من الْمُشْركين غير معِين جَازَ فَافْتَرقَا

стр. 44

وَمن قَالَ بِالْوَقْفِ اسْتدلَّ بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يجوز أَرَادَ بِهِ الْإِيجَاب فِي الْوَقْت الأول وَيحْتَمل الْوَقْت الآخر وَيحْتَمل مَا بَينهمَا وَلَا مزية لبعضهما على بعض فَوَجَبَ الْوَقْف كَمَا وَجب فِي أَلْفَاظ الْعُمُوم وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْوَقْف لَا ذكر لَهُ فِي اللَّفْظ وَمَا لَيْسَ لَهُ ذكر وَجب إِسْقَاطه وَلَا يجوز الْوَقْف بِسَبَبِهِ أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ صل لم يجز أَن يقف على معرفَة أَحْوَال الْمُكَلف من كَونه صَائِما أَو مُفطرا حَاضرا أَو مُسَافِرًا وَإِن لم يكن لبَعض هَذِه الْأَحْوَال مزية على بعض وَاحْتمل الْأَمر الْجَمِيع احْتِمَالا وَاحِدًا وَأما الْعُمُوم فعندنا لَا يتَوَقَّف فِيهِ ثمَّ الْوَقْف فِي الْعُمُوم أقرب من الْوَقْف فِي الْأَمر وَذَلِكَ أَن هُنَالك لفظ يحْتَمل الْعُمُوم وَالْخُصُوص فَجَاز أَن يتَوَقَّف فِيهِ إِلَى أَن نعلم المُرَاد وَلَيْسَ للزمان لفظ يَقْتَضِيهِ وَالْأَصْل عَدمه فَسقط الْوَقْف لأَجله كَمَا سقط الْوَقْف لأجل الْمَكَان

стр. 45

مَسْأَلَة ١٠ إِذا أَمر بِعبَادة فِي وَقت أوسع من قدر الْعِبَادَة كَالصَّلَاةِ تعلق الْوُجُوب بِأول الْوَقْت

стр. 46

وَقَالَ أَكثر أَصْحَاب أبي حنيفَة يتَعَلَّق بآخر الْوَقْت وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْكَرْخِي يتَعَلَّق بِوَقْت غير معِين وَيتَعَيَّن بِالْفِعْلِ لنا هُوَ أَن الْمُقْتَضِي للْوُجُوب الْأَمر وَهُوَ قَوْله ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ وَهَذَا تنَاول أول الْوَقْت فَاقْتضى الْوُجُوب فِيهِ وَأَيْضًا فَإِن تنَاول الْأَمر لأوّل الْوَقْت كتناوله لآخره وَلِهَذَا يجوز فعل الْعِبَادَة فيهمَا بِحكم الْأَمر فَإِذا اقْتضى الْوُجُوب فِي آخِره وَجب أَن يَقْتَضِي الْوُجُوب فِي أَوله فَإِن قيل لَا يمْنَع أَن يتَنَاوَل الْأَمر الْوَقْتَيْنِ ثمَّ يخْتَلف حكمهمَا فِي الْوُجُوب

стр. 47

أَلا ترى أَن الْأَمر قد تناولهما ثمَّ اخْتلفَا فَتعلق الْإِثْم بِالتَّأْخِيرِ عَن آخر الْوَقْت وَلم يتَعَلَّق بأوله قيل تساويهما فِي الْأَمر يَقْتَضِي التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي الْإِيجَاب لِأَن مُقْتَضى الْأَمر الْوُجُوب فَأَما جَوَاز التَّأْخِير وَعدم جَوَازه فَمن صِفَات الْوُجُوب وَيجوز أَن تخْتَلف صفة الْوُجُوب فَتكون فِي أَحدهمَا على الْفَوْر وَفِي الآخر على التَّرَاخِي ويستويان فِي الْوُجُوب كَمَا أَن الْأَمر بِالصَّوْمِ وَالْأَمر بِالْحَجِّ يستويان فِي الْإِيجَاب وَإِن كَانَ فِي أحد الوصفين على التَّرَاخِي وَفِي الآخر على الْفَوْر وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا فِي أول الْوَقْت لأثم بِتَأْخِيرِهِ أَلا ترى أَن فِي آخر الْوَقْت لما كَانَ وَاجِبا أَثم بِالتَّأْخِيرِ وَلما لم يَأْثَم بِالتَّأْخِيرِ دلّ على أَنه غير وَاجِب كالنفل وَالْجَوَاب أَن هَذَا يبطل بِقَضَاء رَمَضَان وَالْكَفَّارَة لِأَنَّهُ لَا يَأْثَم بتأخيرهما ثمَّ هما واجبان وعَلى أَن جَوَاز التَّأْخِير إِنَّمَا يدل على نفي الْوُجُوب إِذا لم يكن عذر وَأما إِذا جَوَّزنَا تَركه بِعُذْر لم يدل على أَنه غير وَاجِب أَلا ترى أَن ترك غسل الرجل إِلَى مسح الْخُف لما كَانَ لعذر لم يدل على أَنه غير وَاجِب وَفِي مَسْأَلَتنَا إِنَّمَا يتْرك الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت لعذر ظَاهر وَهُوَ أَنا لَو ألزمناه فعلهَا فِي أول الْوَقْت على الْفَوْر لَكَانَ فِي ذَلِك مشقة شَدِيدَة لِأَنَّهُ يلْزم لناس أَن ينقطعوا عَن أشغالهم بمراعاة أول الْوَقْت ليصادفوه بِالْعبَادَة وَفِي ذَلِك ضَرَر فسمح لَهُم بِالتَّأْخِيرِ لذَلِك وَهَذَا الْمَعْنى لَا يُوجد فِي آخر الْوَقْت وَلِهَذَا يُخَالف النَّفْل فَإِنَّهُ يجوز تَركه من غير عذر فَلم يكن وَاجِبا وَلِأَن جَوَاز التَّأْخِير إِنَّمَا يدل على نفي الْوُجُوب إِذا لم يجب الْعَزْم عَلَيْهِ فَأَما مَعَ وجوب الْعَزْم فَلَا يدل وَهَهُنَا يجوز لَهُ التَّأْخِير بِشَرْط أَن يعزم على فعله فِي

стр. 48

الثَّانِي فَلم يدل على نفي الْوُجُوب وَلِهَذَا يُخَالف النَّفْل فَإِنَّهُ يجوز تَركه من غير عذر وَمن غير عزم على فعله فَلم يكن وَاجِبا وَلِأَن جَوَاز التَّأْخِير إِنَّمَا يدل على نفي الْوُجُوب إِذا كَانَ ذَلِك عَن جَمِيع الْوَقْت كالنفل الَّذِي ذَكرُوهُ فَأَما إِذا جَوَّزنَا التَّأْخِير عَن بعض الْوَقْت دون بعض فَلَا وَهَهُنَا يجوز لَهُ التَّأْخِير عَن بعض الْوَقْت فَلم يدل على نفي الْوُجُوب وَاحْتج من قَالَ إِنَّه يتَعَلَّق بِوَقْت غير معِين بِأَنَّهُ مُخَيّر فِي الْأَوْقَات كلهَا فَتعلق الْوُجُوب فِيهَا بِغَيْر معِين كَمَا نقُول فِي كَفَّارَة الْيَمين وَالْجَوَاب أَن كَفَّارَة الْيَمين حجَّة عَلَيْهِم فَإِن الْكَفَّارَة وَاجِبَة عَلَيْهِ عِنْد الْحِنْث وَإِن خيرناه فِي أعيانها فَيجب أَن تكون الصَّلَاة وَاجِبَة عِنْد دُخُول الْوَقْت وَإِن خيرناه فِي أَوْقَاتهَا

стр. 49

مَسْأَلَة ١١ إِذا فَاتَ وَقت الْعِبَادَة سَقَطت وَلَا يجب قَضَاؤُهَا إِلَّا بِأَمْر ثَان وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا تسْقط لنا هُوَ أَن مَا بعد الْوَقْت لم يتَنَاوَلهُ الْأَمر فَلم يجب فِيهِ الْفِعْل كَمَا قبل الْوَقْت وَلِأَن تَخْصِيص الْأَمر بِالْوَقْتِ كتخصيصه بِالشّرطِ وَلَو علق الْأَمر بِالشّرطِ لم يجب مَعَ عَدمه كَذَلِك إِذا علق بِوَقْت

стр. 50

وَأَيْضًا هُوَ أَن النَّهْي الْمُؤَقت يسْقط بِفَوَات الْوَقْت وَإِذا ترك الِانْتِهَاء فِي الْوَقْت لم يجب قَضَاؤُهُ فِي وَقت آخر فَكَذَلِك الْأَمر وَلِأَنَّهُ لَو علق الْأَمر بمَكَان بِعَيْنِه لم يجب فعله بمَكَان آخر فَكَذَلِك إِذا علقه بِزَمَان بِعَيْنِه فَإِن قيل الْمَكَان لَا يفوت فَأمكن اتِّخَاذ الْفِعْل فِيهِ فَلَا يجب فِي غَيره وَالزَّمَان يفوت فَوَجَبَ الْقَضَاء فِي غَيره قُلْنَا الْمَكَان أَيْضا رُبمَا تعذر إِيقَاع الْفِعْل فِيهِ كَمَا يتَعَذَّر بِالزَّمَانِ بِأَن يسبع أَو يعلوه المَاء ثمَّ إِذا تعذر فِي الْمَكَان الْمعِين لم يجب الْفِعْل فِي غَيره فَكَذَلِك إِذا تعذر فِي الزَّمَان وَاحْتَجُّوا بقوله ﵇ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا وَهَذِه الْهَاء كِنَايَة عَن الصَّلَاة المنسية فَدلَّ على أَنه يجب قَضَاؤُهَا قُلْنَا هُوَ حجَّة لنا لِأَنَّهُ لَو وَجب الْقَضَاء بذلك الْأَمر لما احْتَاجَ إِلَى الْأَمر بقضائها وَاحْتَجُّوا بِأَن أوَامِر الشَّرْع كلهَا يجب قَضَاؤُهَا فَدلَّ على أَن ذَلِك بِمُقْتَضى الْأَمر وَالْجَوَاب هُوَ أَن كثيرا مِنْهَا لَا يدخلهَا الْقَضَاء فَلَيْسَ تعلقهم بِمَا يقْضى بِأولى من تعلقنا بِمَا لَا يقْضى وعَلى أَن الْقَضَاء فِيمَا يجب قَضَاؤُهُ إِنَّمَا يجب بالأدلة الَّتِي هِيَ قَامَت عَلَيْهِ لَا بِمُوجب الْأَمر

стр. 51

قَالُوا وَلِأَن الْأَمر مَوْضُوع لإِيجَاب الْفِعْل وَإِسْقَاط الْقَضَاء يسْقط إِيجَاب الْفِعْل وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْأَمر يَقْتَضِي إِيجَاب الْفِعْل فِي وَقت مَخْصُوص لَا فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَلِأَن هَذَا يبطل بِهِ إِذا علقه على الشَّرْط فَإِنَّهُ لَا يجب فعله مَعَ عدم الشَّرْط وَإِن كَانَ مُقْتَضى الْأَمر الْإِيجَاب وَاحْتَجُّوا بِأَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الْفِعْل وَأما الْوَقْت فَإِنَّمَا يُرَاد لإيقاع الْفِعْل فَلم يسْقط بفواته وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الْفِعْل فِي وَقت مَخْصُوص لَا فعلا على الْإِطْلَاق أَلا ترى أَن لَفظه لَا يتَنَاوَل مَا بعد الْوَقْت فَمن ادّعى الْوُجُوب فِيهِ احْتَاجَ إِلَى دَلِيل وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا خلاف أَن ذَلِك يُسمى قَضَاء وَلَو كَانَ ذَلِك فرضا آخر يجب بِأَمْر ثَان لما سمي قَضَاء لما تَركه قُلْنَا إِنَّمَا سمي قَضَاء لما تَركه لِأَنَّهُ قَامَ مقَام الْمَتْرُوك لَا أَنه يجب بأَمْره

стр. 52

مَسْأَلَة ١٢ الصَّوْم وَاجِب على الْمَرِيض وَالْمُسَافر وَالْحَائِض فِي حَال الْمَرَض وَالسّفر وَالْحيض وَمَا يأْتونَ بِهِ عِنْد زَوَال الْعذر فَهُوَ قَضَاء لما وَجب عَلَيْهِم فِي حَال الْعذر وَقَالَ أهل الْعرَاق لَا يجب على الْحَائِض وَالْمَرِيض وَيجب على الْمُسَافِر وَقَالَت الأشعرية لَا يجب على الْمَرِيض وَالْحَائِض وَأما الْمُسَافِر فَعَلَيهِ صَوْم أحد الشَّهْرَيْنِ إِمَّا شهر الْأَدَاء وَإِمَّا شهر الْقَضَاء وَأيهمَا صَامَ كَانَ أصلا كالأنواع الثَّلَاثَة فِي كَفَّارَة الْيَمين

стр. 53

لنا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ وَمَعْنَاهُ فَأفْطر فَعدَّة من أَيَّام أخر فَدلَّ على أَن الْفطر أوجب عَلَيْهِ ذَلِك وَلِأَنَّهُ لَو لم يجب عَلَيْهِ ذَلِك لما وَجَبت عَلَيْهِ إِلَّا إِذا تكَرر وَقت مثله كَالصَّلَاةِ فِي حَال الْحيض وَلما ثَبت أَنَّهَا تخاطب بِالْقضَاءِ عِنْد زَوَال الْعذر دلّ على أَن الْوُجُوب ثَابت فِي حَال الْفطر وَأَيْضًا هُوَ أَن مَا يَأْتِي بِهِ يُسمى قَضَاء وَهَذَا يدل على أَنه بدل عَنهُ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَنْوِي فِي الْقَضَاء أَنه يقْضِي صَوْم رَمَضَان فَدلَّ على أَنه قَضَاء لما فَاتَهُ وَلِأَنَّهُ مُقَدّر بِمَا تَركه لَا يزِيد عَلَيْهِ وَلَا ينقص مِنْهُ وَلَو لم يكن قَضَاء لما تَركه لما تقدر بِهِ كَمَا أَن الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة فِي كَفَّارَة الْيَمين لما لم يكن كل وَاحِد

стр. 54

مِنْهَا قَضَاء لما تَركه لم يقدر بِهِ وَلما نقدرها هَا هُنَا بالمتروك دلّ على أَنه قَضَاء لَهُ وَيدل عَنهُ كغرامات الْمُتْلفَات وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لما جَازَ تَركه كَالصَّوْمِ فِي حق غير الْمَعْذُور وَلما ثَبت جَوَاز تَركه دلّ على أَنه غير وَاجِب كَصَوْم النَّفْل قُلْنَا قد بَينا الْجَواب فِي إِيجَاب الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت قَالُوا الْحَائِض لَا يَصح مِنْهَا فعل الصَّوْم وَلَا التَّوَصُّل إِلَى فعله فَلم يجز أَن تكون من أهل الْوُجُوب قُلْنَا ينكسر بالمحدث فَإِنَّهُ لَا يُمكنهُ فعل الصَّلَاة قبل الطَّهَارَة ثمَّ هُوَ من أهل وُجُوبهَا فَبَطل مَا قَالُوهُ

стр. 55

مَسْأَلَة ١٣ إِذا أَمر بشيئين أَو بِثَلَاثَة أَشْيَاء وَخير فِيهَا كَانَ الْوَاجِب مِنْهَا وَاحِدًا غير معِين وَقَالَت الْمُعْتَزلَة الْجَمِيع وَاجِب

стр. 56

لنا أَنه لَو ترك الْجَمِيع لم يُعَاقب إِلَّا على وَاحِد مِنْهَا وَلَو كَانَ الْجَمِيع وَاجِبا لعوقب على الْكل أَلا ترى أَن الصَّلَوَات الْخمس لما كَانَت وَاجِبَة عُوقِبَ على ترك الْجَمِيع فَإِن قيل إِنَّمَا عُوقِبَ على الْجَمِيع فِيمَا ذكرْتُمْ لِأَن الْجَمِيع وَاجِب على طَرِيق الْجمع وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِن الْجَمِيع وَاجِب على طَرِيق التَّخْيِير فَلم يسْتَحق الْعقُوبَة على الْجَمِيع قُلْنَا لَو كَانَ الْجَمِيع وَاجِبا لَاسْتَحَقَّ الْعقُوبَة على الْجَمِيع وَإِن لم يكن على سَبِيل الْجمع أَلا ترى أَن فرض الْكِفَايَة لما كَانَ وَاجِبا على الكافة اسْتحق الْكل الْعقُوبَة على تَركه وَإِن لم يلْزمهُم ذَلِك على سَبِيل الْجمع وَأَيْضًا فَإِن التَّخْيِير ثَبت بِمرَّة بِعُمُوم اللَّفْظ وَمرَّة بِخُصُوصِهِ وَالنَّص عَلَيْهِ ثمَّ ثَبت أَن الثَّابِت بِالْعُمُومِ لَا يُوجب جَمِيع مَا هُوَ مُخَيّر فِيهِ وَهُوَ إِذا قَالَ اقْتُل رجلا من الْمُشْركين وَأعْتق رَقَبَة وَهُوَ يقدر على رجال كثير ورقاب كَثِيرَة كَذَلِك الثَّابِت بِالصَّرِيحِ وَالنَّص لَا يُوجب مَا هُوَ مُخَيّر فِيهِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا مزية لبعضها على بعض فَوَجَبَ أَن يَسْتَوِي الْجَمِيع فِي الْوُجُوب كَمَا لَو أَمر بِفعل الْجَمِيع من غير تَخْيِير وَالْجَوَاب هُوَ أَن اسْتِوَاء الْجَمِيع لَا يُوجب اسْتِوَاء الْوُجُوب أَلا ترى أَنه لم يُوجب استواءه فِي الْعقَاب فَكَذَلِك لَا يُوجب استواءه فِي الْوُجُوب وَيُخَالف هَذَا مَا أَمر بِفِعْلِهِ من غير تَخْيِير فَإِن هُنَاكَ لما وَجب الْجَمِيع عُوقِبَ على ترك الْجَمِيع وَفِي مَسْأَلَتنَا لما لم يُعَاقب على ترك الْجَمِيع لم يجب الْجَمِيع وَلِأَن اسْتِوَاء الْجَمِيع على وَجه التَّخْيِير مُخَالف لاستوائه على وَجه الْجمع أَلا ترى أَنه مَا وَجب الْجمع فِيهِ بِلَفْظ الْعُمُوم يجب الْجمع وَهُوَ إِذا قَالَ

стр. 57

اقْتُلُوا الْمُشْركين وَمَا يجب على وَجه التَّخْيِير فِيهِ بِلَفْظ الْعُمُوم لَا يجب الْجمع وَهُوَ إِذا قَالَ اقْتُل رجلا من الْمُشْركين فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْوَاجِب وَاحِد مِنْهَا لعين وَبَين ولنصب عَلَيْهِ دَلِيلا وَجعل إِلَيْهِ سَبِيلا وميزه من بَين الْجَمِيع فَلم يَجْعَل ذَلِك إِلَى اخْتِيَار الْمُكَلف إِذْ الْمُكَلف لَا يعرف مَا فِيهِ الْمصلحَة مِمَّا فِيهِ الْمفْسدَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا يبطل بِمَا خَيره فِيهِ بِلَفْظ الْعُمُوم فَإِنَّهُ لم ينصب عَلَيْهِ دَلِيلا وَلم يميزه بل جعله إِلَى اخْتِيَار الْمُكَلف ثمَّ لم يكن الْجَمِيع وَاجِبا ثمَّ هَذَا يبطل بالعقاب فَإِنَّهُ لَا يسْتَحق إِلَّا على وَاحِد غير معِين وَلم يميزه وَلم يَجْعَل إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَا اسْتحق عَلَيْهِ الْعقُوبَة يجب أَن يكون مَعْلُوما معينا وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يجب الْبَيَان إِذا كَانَ الْوُجُوب مُتَعَلقا بِمعين غير مُبين وَأما إِذا كَانَ مُتَعَلقا بِغَيْر معِين لم يجب الْبَيَان لِأَن الْمصلحَة فِي الْجَمِيع مَوْجُودَة فَترك الْبَيَان فِيهِ لَا يُؤَدِّي إِلَى أَن يتخطى الْمصلحَة ويتعداها وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن فروض الكفايات تجب على الكافة ثمَّ بِفعل بَعضهم تسْقط عَن البَاقِينَ فَكَذَلِك الْكَفَّارَات الثَّلَاث يجب الْجَمِيع وبفعل بَعْضهَا يسْقط الْجَمِيع وَالْجَوَاب أَن فرض الكفايات حجَّة عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لما وَجب على الكافة خُوطِبَ الْجَمِيع بِفِعْلِهَا وعوقب الْجَمِيع على تَركهَا فَلَو كَانَ فِي مَسْأَلَتنَا يجب الْجَمِيع لخوطب بِفعل الْجَمِيع وعوقب على ترك الْجَمِيع وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَنه إِنَّمَا وَجب فرض الكفايات على الْجَمِيع لِأَنَّهُ لَو لم يجب عَلَيْهِم لعول بَعضهم على بعض فَكَانَ يُؤَدِّي إِلَى ترك الْفِعْل وَفِي مَسْأَلَتنَا إِيجَاب وَاحِد مِنْهَا لَا يُؤَدِّي إِلَى ترك الْوَاجِب لِأَنَّهُ يعلم أَن فَرْضه لَا يسْقط بِفعل غَيره فَلَا معنى لإِيجَاب الْجَمِيع

стр. 58

مَسْأَلَة ١٤ لَا يدْخل الْآمِر فِي الْأَمر وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يدْخل النَّبِي ﷺ فِيمَا أَمر بِهِ أمته لنا أَنه استدعاء للْفِعْل فَلَا يدْخل المستدعي فِيهِ كالسؤال والطلب وَلِأَن الْأَمر فِي اللُّغَة استدعاء للْفِعْل بالْقَوْل مِمَّن هُوَ دونه وَهَذِه الْحَقِيقَة لَا تُوجد فِي حق الْآمِر لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون دون نَفسه وَأَيْضًا فَإنَّا لَا نعلم خلافًا بَين عُلَمَاء أهل اللِّسَان أَن السَّيِّد إِذا أَمر عَبده فَقَالَ اسْقِنِي مَاء لَا يدْخل هُوَ فِي هَذَا الْأَمر فَكَذَلِك النَّبِي ﷺ مثله

стр. 59

وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ دُخُوله مَعَ غَيره لجَاز أَن يدْخل فِي أمره لنَفسِهِ وَحده وَهُوَ أَن يَقُول افْعَل كَذَا وَلما ثَبت أَنه لَا يجوز أَن يخص نَفسه بِالْأَمر فَيكون أمرا ومأمورا كَذَلِك لَا يجوز أَن يدْخل فِي عُمُوم الْأَمر وَلِأَن الْمَأْمُور لَا يجوز أَن يكون آمرا فَكَذَلِك الْآمِر لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا وَاحْتَجُّوا بِأَن أَمر النَّبِي ﷺ يتَضَمَّن الْإِخْبَار عَن وُجُوبه فِي الشَّرْع فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ هَذِه الْعِبَادَة وَاجِبَة وَالْجَوَاب أَنه يتَضَمَّن الْإِخْبَار عَن وُجُوبه على غَيره وَأما الْوُجُوب على الْإِطْلَاق فَلَا وَأما الأَصْل فَلَا يسلم وَإِن سلمنَا كَانَ الْمَعْنى فِيهِ أَن قَوْله هَذِه الْعِبَادَة وَاجِبَة إِيجَابا مُطلقًا فَاقْتضى الْعُمُوم وَفِي مَسْأَلَتنَا إِيجَاب خَاص للمخاطبين فوزانه من مَسْأَلَتنَا أَن يَقُول فرضت عَلَيْكُم وأوجبت عَلَيْكُم فَلَا يدْخل هُوَ فِيهِ وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن نقُول إِن الْإِخْبَار عَن نَفسه وَحده يجوز كَمَا لَو قَالَ كتب عَليّ وَلم يكْتب عَلَيْكُم وَفِي مَسْأَلَتنَا لَا يجوز أَن يَأْمر نَفسه وَحدهَا كَذَلِك لَا يجوز أَن يأمرها مَعَ غَيرهَا وَلِأَن فِي الْخَبَر لَا تعْتَبر الرُّتْبَة وَفِي الْأَمر تعْتَبر الرُّتْبَة وَذَلِكَ لَا يُوجب فِي نَفسه

стр. 60

مَسْأَلَة ١٥ يدْخل العبيد فِي مُطلق أَمر صَاحب الشَّرْع وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا لَا يدْخلُونَ فِيهِ إِلَّا بِدَلِيل لنا صَلَاح الْخطاب لَهُم كصلاحيته للأحرار فَإِذا دخل الْأَحْرَار فِيهِ دخل العبيد فِيهِ وَلِأَنَّهُ مُكَلّف فَجَاز أَن يدْخل فِي الْأَمر الْمُطلق كَالْحرِّ وَلِأَنَّهُ يدْخل فِي الْخطاب الْخَاص لَهُ فَدخل فِي الْأَمر الْعَام كَالْحرِّ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُم لَا يدْخلُونَ فِي أَكثر الْأَوَامِر فِي الشَّرْع كَالْجُمُعَةِ وَالْحج وَالْجهَاد فَدلَّ على أَن إِطْلَاق الْخطاب لَا يتناولهم وَالْجَوَاب أَن مَا دخلُوا فِيهِ من الْخطاب أَكثر

стр. 61

أَلا ترى أَنهم دخلُوا فِي الْأَمر بِسَائِر الصَّلَوَات ودخلوا فِي الْأَمر بِالصَّوْمِ وَغير ذَلِك وَلِأَن مَا لم يدخلُوا فِيهِ إِنَّمَا لم يدخلُوا فِيهِ لأدلة دلّت على تخصيصهم وكلامنا فِي الْأَمر الْمُجَرّد وَاحْتَجُّوا بِأَن منافعهم مُسْتَحقَّة للموالي فَلَا يجوز أَن يَكُونُوا داخلين فِي الْأَمر وَالْجَوَاب أَنه يبطل بِهِ إِذا خصهم بِالْأَمر فَإِنَّهُم يدْخلُونَ فِيهِ مَعَ وجود هَذَا الْمَعْنى فَبَطل مَا قَالُوهُ وَلِأَن أَوْقَات الْعِبَادَات تقع مُسْتَثْنَاة فَلَا تكون منافعهم فِيهَا مُسْتَحقَّة

стр. 62

مَسْأَلَة ١٦ لَا يدْخل النِّسَاء فِي خطاب الرِّجَال وَقَالَ ابْن دَاوُد يدخلن فِي جمع الرِّجَال وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَاب أبي حنيفَة لنا مَا رُوِيَ عَن أم سَلمَة أَن النِّسَاء قُلْنَ يَا رَسُول الله مَا نرى الله تَعَالَى يذكر إِلَّا الرِّجَال فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات﴾ الْآيَة

стр. 63

وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ويل للَّذين يمسون فروجهم ثمَّ يصلونَ وَلَا يتوضؤون فَقَالَت عَائِشَة ﵂ هَذَا للرِّجَال أَرَأَيْت النِّسَاء وَهَذَا يدل على أَن إِطْلَاق خطاب الرِّجَال لَا يدْخل فِيهِ النِّسَاء فَإِن قيل المُرَاد بِهِ أَنه لم يذكر النِّسَاء بِلَفْظ يخصهن قُلْنَا هَذَا خلاف الظَّاهِر فَإِن الْخَبَر يَقْتَضِي أَنَّهُنَّ لم يذكرن لَا بِلَفْظ الْخُصُوص وَلَا بِلَفْظ الْعُمُوم وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد بِهِ مَا ذكره لم يخْتَص النِّسَاء بذلك فَإِن الرِّجَال مَا ذكرُوا بِلَفْظ الْخُصُوص فَإِن لفظ الذُّكُور مُشْتَرك عِنْدهم بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء وَلِأَن حَدِيث عَائِشَة ﵂ لَا يحْتَمل مَا ذَكرُوهُ فَإِنَّهُ لَو كَانَ النِّسَاء يدخلن فِي خطاب الرِّجَال على سَبِيل الْعُمُوم لما استفهمت مِنْهُ حكم النِّسَاء بعد ذَلِك وَأَيْضًا هُوَ أَنه مَوْضُوع للذكور فَلَا يدْخل فِيهِ الْإِنَاث كَلَفْظِ الْوَاحِد وَلِأَن أهل اللِّسَان فرقوا بَينهمَا فِي اسْم الْجمع كَمَا فرقوا بَينهمَا فِي اسْم الْوَاحِد وَإِذا لم يدخلن فِي اسْم الْوَاحِد لم يدخلن فِي اسْم الْجمع وَلِأَن الرِّجَال لَا يدْخلُونَ فِي جمع النِّسَاء وَكَذَلِكَ النِّسَاء يجب أَن لَا يدخلن فِي جمع الرِّجَال وَاحْتَجُّوا بأنهن يدخلن فِي أوَامِر الشَّرْع كلهَا فَدلَّ على أَن إِطْلَاق الْخطاب يتناولهن وَالْجَوَاب هُوَ أَنا لَا نقُول إنَّهُنَّ يدخلن فِي لفظ الْأَمر وَإِنَّمَا نقُول شاركن الرِّجَال فِي الحكم بِدَلِيل قَامَ عَلَيْهِ

стр. 64

قَالُوا وَأَيْضًا هُوَ أَن من أَرَادَ الْجمع بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء عبر عَنْهُن بِعِبَارَة الرِّجَال فَدلَّ على أَن لفظ الْجمع مَوْضُوع للْجَمِيع قُلْنَا نَحن إِنَّمَا نحمل اللَّفْظ على النِّسَاء إِذا علم من قصد الْمُتَكَلّم أَنه أَرَادَ الجنسين وَأما إِذا لم يعلم هَذَا من قَصده حملنَا اللَّفْظ على الرِّجَال كَمَا تَقول فِي الْحمار إِنَّه يحمل على الرجل البليد إِذا علم هَذَا المُرَاد من قصد الْمُتَكَلّم فَأَما إِذا لم يعلم من قَصده حملنَا اللَّفْظ على الْبَهِيمَة الْمَخْصُوصَة فَإِن قيل لَو لم يكن هَذَا اللَّفْظ متناولا للجنسين لَكَانَ لَا يجوز تَغْلِيب الذُّكُور عِنْد إِرَادَة الجنسين قُلْنَا هَذَا يبطل بِمَا ذَكرْنَاهُ من قَوْلهم فِي البليد حمَار فَإِنَّهُ يعبر بِهِ عَن البليد مَعَ الْقَصْد ثمَّ إِطْلَاق اللَّفْظ لَا يَقْتَضِيهِ

стр. 65

مَسْأَلَة ١٧ الْكفَّار مخاطبون بالشرعيات فِي قَول أَكثر أَصْحَابنَا وَقَالَ بَعضهم لَا يدْخلُونَ فِي الْخطاب بالشرعيات وَهُوَ اخْتِيَار الشَّيْخ أبي حَامِد رَحمَه الله

стр. 66

وَقَالَ بعض النَّاس هم مخاطبون بالمنهيات دون المأمورات لنا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا سلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين﴾ وَهَذَا يدل على أَنهم مخاطبون بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة إِذْ لَو لم يَكُونُوا مخاطبين بهَا لما حسن عقوبتهم على ذَلِك فَإِن قيل المُرَاد بذلك لم نَكُنْ من معتقدي الصَّلَاة وَالزَّكَاة قيل هَذَا خلاف الظَّاهِر فَإِن اللَّفْظ حَقِيقَة فِي فعل الصَّلَاة وَفعل الْإِطْعَام وَلَا يحمل على الِاعْتِقَاد من غير دَلِيل وَلِأَن الْعقُوبَة على ترك الِاعْتِقَاد قد علم من قَوْله ﴿وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدَّين﴾ فَيجب أَن يحمل الأول على غَيره فَإِن قيل الظَّاهِر يَقْتَضِي اسْتِحْقَاق الْعقُوبَة بِمَجْمُوع هَذِه الْأَشْيَاء وَهِي ترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة والتكذيب بِيَوْم الدَّين قُلْنَا لَو لم يكن كل وَاحِد مِنْهَا يسْتَحق الْعقُوبَة على تَركهَا لما جمع بَينهم فِي اسْتِحْقَاق الْعقُوبَة وَلِأَن بالتكذيب بِيَوْم الدَّين يسْتَحق الْعقُوبَة من غير أَن يضم إِلَيْهِ معنى آخر

стр. 67

وَكَذَلِكَ بترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة يجب أَن يسْتَحق الْعقُوبَة من غير أَن يَنْضَم إِلَيْهِ معنى آخر وَيدل عَلَيْهِ أَنه لفظ مُطلق فَدخل الْكفَّار فِيهِ كالأمر بِالْإِيمَان وَلِأَن من تنَاوله الْأَمر بِالْإِيمَان تنَاوله الْأَمر بالعبادات كَالْمُسلمِ وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْمُسلم إِنَّمَا دخل فِي الْأَمر لصلاح اللَّفْظ لَهُ فِي اللُّغَة وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي الْكَافِر فَيجب أَن يكون دَاخِلا فِي الْأَمر وَيدل عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ فِيهِ أَكثر من الْكفْر وَهُوَ يقدر على إِزَالَته وَمن قدر على شَرط الْفَرْض كَانَ مُخَاطبا بِالْفَرْضِ كالمحدث إِذا دخل عَلَيْهِ وَقت الصَّلَاة فَإِن قيل الْحَدث لَا يُنَافِي صِحَة الصَّلَاة أَلا ترى صَحَّ أَن الْمُتَيَمم يُصَلِّي وَهُوَ مُحدث وَلَيْسَ كَذَلِك الْكفْر فَإِنَّهُ يُنَافِي صِحَة الصَّلَاة أَلا ترى أَنَّهَا لَا تصح مَعَ الْكفْر بِحَال قُلْنَا الْحَدث أَيْضا يُنَافِي صِحَة الصَّلَاة مَعَ الْقُدْرَة على المَاء ثمَّ هَذَا الْمَعْنى لَا يمْنَع من توجه الْخطاب بِفَرْض الصَّلَاة فَبَطل مَا قَالُوهُ وَأما مَا يدل على فَسَاد قَول الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَنَقُول النَّهْي أَمر بِالتّرْكِ وَالْأَمر أَمر بِالْفِعْلِ فَإِذا دخل الْكَافِر فِي أحد الْأَمريْنِ دخل فِي الْأَمر الآخر فَإِن قيل الْأَمر بِالتّرْكِ لما دخل فِيهِ تعلق عَلَيْهِ أَحْكَامه من الْحُدُود وَغَيرهَا وَلما لم يتَعَلَّق عَلَيْهِ أَحْكَام الْأَمر بِالْفَرْضِ من صِحَة الْفِعْل وَوُجُوب الْقَتْل على تَركهَا وَالْقَضَاء بفواتها دلّ على أَنه لم يدْخل فِي الْأَمر قيل الْعقُوبَة على الْمُخَالفَة وَوُجُوب الْقَضَاء بالفوات لَيْسَ يتَعَلَّق بِالْأَمر

стр. 68

بل يفْتَقر إِلَى أَمر ثَان وَذَلِكَ لم يُوجد فَسقط وَهَذَا لَا يَنْفِي الْوُجُوب فِي الِابْتِدَاء كقضاء صَلَاة الْجُمُعَة يسْقط عَن الْمُسَافِر لعدم الدَّلِيل على وُجُوبه ثمَّ لم يدل على أَن الْأَمر بهَا لم يتَوَجَّه فِي الِابْتِدَاء فَإِن قيل النَّهْي يَصح مِنْهُ امتثاله وَهُوَ التّرْك فَدخل فِيهِ الْأَمر وَالْأَمر لَا يَصح مِنْهُ امتثاله فَلم يدْخل فِي خطابه قيل هَذَا يبطل بِالْأَمر بِالصَّلَاةِ فِي حق الْمُحدث فَإِنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ امتثاله ثمَّ هُوَ دَاخل فِيهِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْكَافِر مُخَاطبا بالشرعيات لوَجَبَ أَن يَصح ذَلِك مِنْهُ فِي حَال الْكفْر ولوجب عَلَيْهِ الْقَضَاء فِي حَال الْإِسْلَام وَلما لم يَصح فِي الْحَال وَلم يجب الْقَضَاء فِي ثَانِي الْحَال دلّ على أَنه غير مُخَاطب بهَا كالحائض فِي الصَّلَاة وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا لم يَصح مِنْهُ لعدم الشَّرْط وَهُوَ الْإِسْلَام وَهَذَا لَا يَنْفِي توجه الْخطاب كالمحدث لَا يَصح مِنْهُ فعل الصَّلَاة وَلَا يدل على أَنه غير مُخَاطب بهَا وَأما الْقَضَاء فَإِنَّمَا يجب بِدَلِيل غير الْأَمر وَذَلِكَ لم يُوجد فَسقط وَهَذَا لَا يَنْفِي الْخطاب فِي الِابْتِدَاء كَمَا قُلْنَا فِي قَضَاء الْجُمُعَة تسْقط عَن الْمُسَافِر لعدم الدَّلِيل ثمَّ لَا يدل على أَن الْأَمر بهَا لم يتَوَجَّه عَلَيْهِ وَأما الْحَائِض فَالْمَعْنى فِيهَا أَنَّهَا لَا تقدر على إِزَالَة الْمَانِع وَتَحْصِيل الشَّرْط وَلَيْسَ كَذَلِك الْكَافِر فَإِنَّهُ يقدر على إِزَالَة الْكفْر فَهُوَ كالمحدث فِي الصَّلَاة وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن خطابه بالعبادات خطاب بِمَا لَا مَنْفَعَة لَهُ فِيهِ والتكليف لَا يتَوَجَّه بِمَا لَا ينْتَفع بِهِ الْمُكَلف

стр. 69

وَالْجَوَاب هُوَ أَنا نخاطبه على وَجه ينْتَفع بِهِ وَهُوَ أَن يقدم الْإِيمَان وَمَتى دخل على هَذَا الْوَجْه انْتفع بِهِ فَوَجَبَ أَن يتَوَجَّه إِلَيْهِ الْخطاب قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مُخَاطبا بِفعل الصَّلَاة معاقبا على تَركهَا لعوقب على تَركهَا بالدنيا فِي الْقَتْل وَالضَّرْب كَسَائِر الْمُسلمين قُلْنَا إِنَّمَا لم يقتل وَلم يضْرب لِأَنَّهُ مُجْتَهد فِي وجوب ذَلِك عَلَيْهِ وَمَعَ الِاجْتِهَاد لَا تجب الْعقُوبَة وَلَيْسَ كَذَلِك الْمُسلم فَإِن وجوب ذَلِك عَلَيْهِ غير مُجْتَهد فِيهِ فَاسْتحقَّ الْعقُوبَة على التّرْك فِي الدَّاريْنِ ثمَّ هَذَا يبطل بِأَهْل الذِّمَّة فَإِنَّهُم مخاطبون بِالْإِيمَان معاقبون على تَركه فِي الْآخِرَة ثمَّ لَا يعاقبون عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَيبْطل بشربه الْخمر فَإِن الذِّمِّيّ لَا ينْهَى عَنهُ ثمَّ لَا يحد

стр. 70

مَسْأَلَة ١٨ الْأَمر بالشَّيْء يدل على إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ وَقَالَ بعض الْمُعْتَزلَة لَا يدل بل يفْتَقر إجزاؤه إِلَى دَلِيل آخر

стр. 71

لنا هُوَ أَن الْفِعْل إِنَّمَا لزمَه بِالْأَمر فَإِذا فعل ذَلِك على حسب مَا يتَنَاوَلهُ الْأَمر زَالَ الْأَمر وَعَاد كَمَا كَانَ قبل الْأَمر وَيدل عَلَيْهِ أَنه لَو نهي عَن فعل شَيْء فَتَركه وَلم يتَعَرَّض لَهُ عَاد كَمَا كَانَ قبل النَّهْي فَكَذَلِك إِذا أَمر بِفعل شَيْء فَفعله وَاحْتَجُّوا بِأَن كثيرا من الْعِبَادَات أَمر الْإِنْسَان بِفِعْلِهَا ثمَّ لم تُجزئه كالمضي فِي الْحَج الْفَاسِد والإمساك فِي يَوْم ظن أَنه فِي يَوْم من شعْبَان فَبَان أَنه من رَمَضَان وَالصَّلَاة بِغَيْر طَهَارَة عِنْد عدم المَاء وَالتُّرَاب فَدلَّ على أَن الْإِجْزَاء يقف على دَلِيل آخر وَالْجَوَاب هُوَ أَن الَّذِي أَتَى بِهِ الْمُفْسد لِلْحَجِّ والممسك فِي رَمَضَان والعادم للْمَاء وَالتُّرَاب بِالْأَمر يُجزئهُ عَن ذَلِك الْأَمر وَإِنَّمَا لزمَه الْقَضَاء بِأَمْر ثَان إِذْ لَا يجوز أَن يُؤمر بِفعل شَيْء على صفة ثمَّ لَا يُجزئهُ وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَنه فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع لم يَأْتِ بالمأمور على حسب مَا تنَاوله الْأَمر فَبَقيَ الْفَرْض عَلَيْهِ وَفِي مَسْأَلَتنَا أَتَى بالمأمور على حسب مَا اقْتَضَاهُ الْأَمر وتناوله فَعَاد كَمَا كَانَ قبل الْأَمر قَالُوا وَأَيْضًا هُوَ أَن الْأَمر لَا يدل على أَكثر من الْإِيجَاب وَإِرَادَة الْمَأْمُور بِهِ وَأما الْإِجْزَاء وَسُقُوط الْفَرْض فَلَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ فافتقر ذَلِك إِلَى دَلِيل آخر وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْأَمر لَا يدل على مَا ذَكرُوهُ وَلكنه يدل على أَنه أَرَادَ فعل الْمَأْمُور بِهِ على الْوَجْه الَّذِي أَمر بِهِ فَدلَّ على أَن الْأَمر قد زَالَ عَنهُ وَزَوَال الْأَمر يُوجب سُقُوط الْفَرْض وَأَنه لَا يجب عَلَيْهِ غَيره إِلَّا بِدَلِيل

стр. 72

مَسْأَلَة ١٩ إِذا فعل زِيَادَة على مَا تنَاوله الِاسْم من الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ مثل أَن يزِيد على مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الرُّكُوع أَو يزِيد على مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْقِرَاءَة فَالْوَاجِب مِنْهُ مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم وَمَا زَاد عَلَيْهِ فَهُوَ نفل وَقَالَ بعض النَّاس كل ذَلِك وَاجِب وَحكى ذَلِك عَن أبي الْحسن الْكَرْخِي لنا أَن لفظ الْأَمر بِالرُّكُوعِ لَا يَقْتَضِي أَكثر مِمَّا يُسمى رُكُوعًا فَإِذا فعل ذَلِك فقد فعل مَا اقْتَضَاهُ الْأَمر فَوَجَبَ أَن تكون الزِّيَادَة نفلا يدلك عَلَيْهِ هُوَ أَنه لما لم يقتض أَكثر من مرّة وَاحِدَة كَانَ مَا زَاد على ذَلِك نفلا فَكَذَلِك مَا زَاد على قدر الْفَرْض وَلِأَنَّهُ إِذا فعل من ذَلِك مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم حسن أَن يخبر عَن نَفسه فَيَقُول فعل كَذَا وَكَذَا وَلَو كَانَ اللَّفْظ يَقْتَضِي أَكثر من ذَلِك لما حسن الْإِخْبَار عَن نَفسه بِالْفِعْلِ كَمَا لَا يحسن إِذا فعل مَا لَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم وَلِأَن الزِّيَادَة على مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم يجوز للمكلف تَركهَا من غير بدل وَمن غير أَن يفعل مثها فِي وَقت آخر وَمَا هَذَا سَبيله لم يكن وَاجِبا كَسَائِر النَّوَافِل

стр. 73

وَاحْتَجُّوا بِأَن الِاسْم يتَنَاوَل أَوَاخِر الْفِعْل كَمَا يتَنَاوَل أَوَائِله فَإِذا كَانَت الْأَوَائِل وَاجِبَة كَانَت الْأَوَاخِر مثلهَا قُلْنَا لَو كَانَت الْأَوَاخِر كالأوائل لأثم بِتَرْكِهَا كَمَا أَثم بترك الْأَوَائِل قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو قَالَ لوَكِيله تصدق من مَالِي جَازَ لَهُ أَن يتَصَدَّق بِالْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكثير فَدلَّ على أَن الْأَمر قد تعلق بِالْجَمِيعِ قُلْنَا لَا نسلم هَذَا بل لَا يجوز أَن يتَصَدَّق إِلَّا بِأَدْنَى مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم وَإِن سلمنَا فَالْفرق بَينهمَا أَن الْأَمر منا إِذا أَرَادَ التَّصَدُّق بِقدر مَعْلُوم بَين ذَلِك وَقدره فَلَمَّا لم يبين علمنَا أَنه أَرَادَ مَا شَاءَ الْمَأْمُور وَلَيْسَ كَذَلِك أوَامِر صَاحب الشَّرْع لِأَنَّهُ لَا عَادَة فِي أوَامِر الشَّرْع فيراعى حكمهَا فَلم تقتض إِلَّا مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم

стр. 74

مَسْأَلَة ٢٠ الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه من طَرِيق الْمَعْنى

стр. 75

وَقَالَت الْمُعْتَزلَة لَيْسَ هُوَ بنهي عَن ضِدّه وَهُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا لنا هُوَ أَنه لَا يُمكنهُ فعل الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا بترك الضِّدّ فَوَجَبَ أَن يكون الْأَمر يتَضَمَّن النَّهْي عَن ضِدّه أَلا ترى أَنه لما لم يُمكنهُ فعل الصَّلَاة إِلَّا بِمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَيْهَا كالطهارة واستقبال الْقبْلَة واستقاء المَاء وَغير ذَلِك كَانَ الْأَمر بِالصَّلَاةِ متضمنا لِلْأَمْرِ بِكُل مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَيْهَا كَذَلِك هَهُنَا وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْأَمر بالشَّيْء عِنْدهم يَقْتَضِي إِرَادَة الْمَأْمُور بِهِ وَحسنه وَإِرَادَة الشَّيْء وَحسنه يَقْتَضِي كَرَاهِيَة ضِدّه وقبحه وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيمه فَيجب أَن يكون الْأَمر بالشَّيْء تَحْرِيمًا لضده فَإِن قيل يبطل بالنوافل فَإِن الْأَمر بهَا يَقْتَضِي إرادتها وحسنها ثمَّ لَا يَقْتَضِي ذَلِك كَرَاهِيَة الضِّدّ وقبحه
следующие страницы →