Полный текст (1 066 стр.). Показаны 1051–1066 · переход к 1056.
стр. 1051
تَوَارَى» فَهَذَا أَيْضًا شَخْصٌ لَا عُمُومَ فِيهِ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَمَنْ نَحَا نَحْوَ قَوْلِهِ.
وَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ أَنَّ تَبْدِيلَ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِظَاهِرِ آيَةِ الْفُرْقَانِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي الرَّجُلِ الَّذِي تُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: التَّائِبُ عَمَلُهُ أَعْظَمُ عَنْ عَمَلِ غَيْرِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ فَإِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ مَكَانَ سَيِّئَاتِ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ فَهَذَا دَرَجَتُهُ بِحَسْبِ حَسَنَاتِهِ، فَقَدْ يَكُونُ أَرْفَعَ مِنْ التَّائِبِ إنْ كَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَرْفَعَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ سَيِّئَاتٍ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَهَذَا نَاقِصٌ، وَإِنْ كَانَ مَشْغُولًا بِمَا لَا ثَوَابَ فِيهِ وَلَا عِقَابَ فَهَذَا التَّائِبُ الَّذِي اجْتَهَدَ فِي التَّوْبَةِ وَالتَّبْدِيلِ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ وَالْمُجَاهَدَةِ مَا لَيْسَ لِذَلِكَ الْبَطَّالِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ تَقْدِيمَ السَّيِّئَاتِ وَلَوْ كُفْرًا إذَا تَعَقَّبَهَا التَّوْبَةُ الَّتِي يُبَدِّلُ اللَّهُ فِيهَا السَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ السَّيِّئَاتُ نَقْصًا بَلْ كَمَالًا. اهـ.
وَلَا يَخْفَى عَلَيْك مَا يَرُدُّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ لُزُومِ أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ سَيِّئَاتُهُ جِدًّا ثُمَّ تَابَ مِنْهَا وَقُلْنَا إنَّهَا تُبَدَّلُ حَسَنَاتٍ أَنَّهُ يَكُونُ أَرْفَعَ مَنْزِلَةً مِنْ الَّذِي لَمْ يُسِئْ قَطُّ، وَحَسَنَاتُهُ أَكْثَرُ مِنْ حَسَنَاتِ هَذَا التَّائِبِ حَيْثُ لَا تَبْدِيلَ، وَالتَّائِبُ أَكْثَرُ حَسَنَاتٍ بَعْدَ التَّبْدِيلِ. وَقَدْ عَلِمْت الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ﵁، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
مَطْلَبٌ: فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِ التَّوْبَةِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا
(الْخَامِسُ) : فِي ذِكْرِ بَعْضِ أَخْبَارٍ نَبَوِيَّةٍ وَأَحَادِيثَ مُحَمَّدِيَّةٍ وَآثَارٍ سَلَفِيَّةٍ فِي فَضْلِ التَّوْبَةِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا وَالْحَثِّ عَلَيْهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
قَدْ عَلِمْت أَنَّ التَّوْبَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا، وَأَنَّ الذُّنُوبَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: تَرْكُ وَاجِبٍ فَعَلَيْك أَنْ تَقْضِيَهُ أَوْ مَا أَمْكَنَك مِنْهُ، أَوْ ذَنْبٌ بَيْنَك وَبَيْنَهُ تَعَالَى كَشُرْبِ الْخَمْرِ فَتَنْدَمُ عَلَيْهِ وَتُوَطِّنُ الْقَلْبَ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إلَيْهِ أَبَدًا، أَوْ ذَنْبٌ بَيْنَك وَبَيْنَ الْعِبَادِ، وَهَذَا أَشْكَلُهَا وَأَصْعَبُهَا، وَهَذَا يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا لِأَنَّهُ إمَّا فِي الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ أَوْ الْعِرْضِ أَوْ فِي الْحُرْمَةِ أَوْ الدِّينِ بِأَنْ كَفَّرَهُ أَوْ بَدَّعَهُ. فَمَا كَانَ فِي الْمَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهِ إنْ
стр. 1052
أَمْكَنَ أَوْ الِاسْتِحْلَالِ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِغَيْبَةِ الرَّجُلِ أَوْ مَوْتِهِ فَوَارِثُهُ مَقَامَهُ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُكْثِرْ مِنْ الْحَسَنَاتِ، وَمَرَّ مَا يُفْهَمُ عَنْهُ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ الْجَمِيعِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ اهْتِمَامًا.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ أَنَّهُ قَالَ: دَعَوْت اللَّهَ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَنْ يَرْزُقَنِي تَوْبَةً نَصُوحًا ثُمَّ تَعَجَّبْت فِي نَفْسِي وَقُلْت سُبْحَانَ اللَّهِ حَاجَةٌ دَعَوْت اللَّهَ فِيهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً فَمَا قُضِيَتْ إلَى الْآنَ فَرَأَيْت فِيمَا يَرَى النَّائِمُ قَائِلًا يَقُولُ لِي أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؟ أَتَدْرِي مَاذَا تَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى؟ إنَّمَا تَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُحِبَّك، أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
إذَا عَلِمْت هَذَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْكَلِمَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ فَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَنَذْكُرُ مِنْهَا هُنَا طَرْفًا فَنَقُولُ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَابَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ لَبَابًا مَسِيرَةُ عَرْضِهِ أَرْبَعُونَ عَامًا أَوْ سَبْعُونَ سَنَةً فَتَحَهُ اللَّهُ لِلتَّوْبَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَلَا يُغْلِقُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ»
" وَرَوَى أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، سَبْعَةٌ مُغْلَقَةٌ وَبَابٌ مَفْتُوحٌ لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ» .
стр. 1053
وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ السَّمَاءَ ثُمَّ تُبْتُمْ لَتَابَ عَلَيْكُمْ» . وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُهُ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» .
مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى «غَفَرْت لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ يَا رَبُّ إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ وَرُبَّمَا قَالَ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ يَا رَبُّ إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، قَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ وَرُبَّمَا قَالَ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ يَا رَبُّ إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَقَالَ رَبُّهُ: غَفَرْت لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَا دَامَ كُلَّمَا أَذْنَبَ ذَنْبًا اسْتَغْفَرَ وَتَابَ مِنْهُ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ» فَلْيَفْعَلْ إذَا كَانَ هَذَا دَأْبَهُ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا أَذْنَبَ كَانَتْ تَوْبَتُهُ وَاسْتِغْفَارُهُ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ فَلَا يَضُرُّهُ " لَا أَنَّهُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ بِلِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ إقْلَاعٍ ثُمَّ يُعَاوِدُهُ فَإِنَّ هَذِهِ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ. انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِي مَفْهُومِ كَلَامِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ وَأَقْلَعَ عَنْهُ وَعَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ أَبَدًا ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ، وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ، بَلْ حُكْمُهُ فِي الْقَبُولِ وَالْغُفْرَانِ كَمَا لَوْ عَاوَدَ ذَنْبًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي تَابَ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَابَ وَأَقْلَعَ وَعَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ قَالَ فِي إحْدَاهُمَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
عَنْ
стр. 1054
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ مِنْهَا، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يُغْلَقَ بِهَا قَلْبُهُ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] » .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» أَيْ بِغَيْنَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ وَبِرَاءٍ مُكَرَّرَةٍ مَعْنَاهُ مَا لَمْ تَبْلُغْ رُوحُهُ الْحُلْقُومَ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يَتَغَرْغَرُ بِهِ الْمَرِيضُ. وَالْغَرْغَرَةُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَشْرُوبُ فِي الْفَمِ وَيُرَدَّدُ إلَى أَصْلِ الْحَلْقِ وَلَا يُبْلَعَ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ غَيْرَ أَنَّ عَطَاءً لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذًا وَالْبَيْهَقِيُّ فَأَدْخَلَ بَيْنَهُمَا رَجُلًا لَمْ يُسَمَّ عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا «عَلَيْك بِتَقْوَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْت، وَاذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ، وَمَا عَمِلْت مِنْ سُوءٍ فَأَحْدِثْ لَهُ تَوْبَةً، السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ» .
وَرَوَى الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إذَا تَابَ الْعَبْدُ عَنْ ذُنُوبِهِ أَنْسَى اللَّهُ حَفَظَتَهُ ذُنُوبَهُ، وَأَنْسَى ذَلِكَ جَوَارِحَهُ وَمَعَالِمَهُ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ مِنْ اللَّهِ بِذَنْبٍ» . وَرَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ أَيْضًا. وَصَنِيعُ الْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ يُشْعِرُ بِضَعْفِهِ؛ لِأَنَّهُ أُورِدَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ «وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنْ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ» . وَقَدْ رُوِيَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مَوْقُوفًا وَلَعَلَّهُ أَشْبَهُ. وَرِجَالُ الطَّبَرَانِيِّ رِجَالُ الصَّحِيحِ لَوْلَا الِانْقِطَاعُ. وَقَدْ حَسَّنَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ بِشَوَاهِدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.
وَرَوَى الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ سَاقِطٌ وَقَالَ صَحِيحُ
стр. 1055
الْإِسْنَادِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا «مَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً عَلَى ذَنْبٍ إلَّا غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ مِنْهُ» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ الْمِائَةَ. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ ، انْطَلِقْ إلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إلَى أَرْضِك فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إذَا نَصَّفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَنَا تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ فَكَانَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي وَقَالَ قِيسُوا بَيْنَهُمَا فَوَجَدُوهُ إلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ قَتَادَةُ قَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَا أَتَى مَلَكُ الْمَوْتِ نَأَى بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا جَيِّدٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَرْفُوعًا: «فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى دَيْرِ التَّوَّابِينَ بِأُنْمُلَةٍ فَغُفِرَ لَهُ» .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَذَكَرَ إلَى أَنْ قَالَ «ثُمَّ أَتَى رَاهِبًا آخَرَ فَقَالَ إنِّي قَتَلْت مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ أَسْرَفْت وَمَا أَدْرِي وَلَكِنْ هَاهُنَا قَرْيَتَانِ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَصْرَةُ، وَالْأُخْرَى يُقَالُ لَهَا كَفْرَةُ، فَأَمَّا أَهْلُ نَصْرَةَ فَيَعْمَلُونَ عَمَلَ
стр. 1056
أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يَثْبُتُ فِيهَا غَيْرُهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ كَفْرَةَ فَيَعْمَلُونَ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ لَا يَثْبُتُ فِيهَا غَيْرُهُمْ، فَانْطَلِقْ إلَى أَهْلِ نَصْرَةَ فَإِنْ ثَبَتَّ فِيهَا وَعَمِلْت عَمَلَ أَهْلِهَا فَلَا شَكَّ فِي تَوْبَتِك، فَانْطَلَقَ يُرِيدُهَا حَتَّى إذَا كَانَ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَسَأَلَتْ الْمَلَائِكَةُ رَبَّهَا عَنْهُ فَقَالَ اُنْظُرُوا إلَى أَيِّ الْقَرْيَتَيْنِ كَانَ أَقْرَبَ فَاكْتُبُوهُ مِنْ أَهْلِهَا. فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى نَصْرَةَ بِقَيْدِ أُنْمُلَةٍ فَكُتِبَ مِنْ أَهْلِهَا» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي وَاَللَّهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ إلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْت إلَيْهِ أُهَرْوِلُ» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ شِبْرًا تَقَرَّبَ إلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ ذِرَاعًا تَقَرَّبَ إلَيْهِ بَاعًا. وَمَنْ أَقْبَلَ إلَى اللَّهِ مَاشِيًا أَقْبَلَ إلَيْهِ مُهَرْوِلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضِ فَلَاةٍ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ عَنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى، شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ فَطَلَبَهَا حَتَّى إذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ أَرْجِعُ إلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْت فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ
стр. 1057
رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ، فَاَللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ» . قَوْلُهُ «فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ» الدَّوِّيَّةُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ جَمِيعًا هِيَ الْفَلَاةُ الْقَفْرُ وَالْمَفَازَةُ. قَالَ الْمُحَقِّقُ بْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ: وَلَيْسَ فِي أَنْوَاعِ الْفَرَحِ أَكْمَلُ وَلَا أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الْفَرَحِ، وَلَوْلَا الْمَحَبَّةُ التَّامَّةُ لِلتَّوْبَةِ وَلِأَهْلِهَا لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْفَرَحُ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ وُجُودَ الْمُسَبَّبِ بِدُونِ سَبَبِهِ مُمْتَنِعٌ، وَهَلْ يُوجَدُ مَلْزُومٌ بِدُونِ لَازِمِهِ أَوْ غَايَةٌ بِدُونِ وَسِيلَتِهَا. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ: لَوْ لَمْ تَكُنْ التَّوْبَةُ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ لَمَا ابْتَلَى بِالذَّنْبِ أَكْرَمَ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَيْهِ.
فَالتَّوْبَةُ هِيَ غَايَةُ كَمَالِ كُلِّ آدَمِيٍّ. وَإِنَّمَا كَانَ كَمَالُ أَبِيهِمْ بِهَا، فَكَمْ بَيْنَ حَالِهِ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢] فَالْحَالُ الْأُولَى حَالُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَتَمَتُّعٍ، وَالْحَالُ الْأُخْرَى حَالُ اجْتِبَاءٍ وَاصْطِفَاءٍ وَهِدَايَةٍ، فَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ التَّائِبَ وَيَفْرَحُ بِتَوْبَتِهِ أَعْظَمَ فَرَحٍ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَلَا تَنْسَ الْفَرْحَةَ الَّتِي تَظْفَرُ بِهَا عِنْدَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ تَجِدُ الْقَلْبَ يَرْقُصُ فَرَحًا وَأَنْتَ لَا تَدْرِي سَبَبَ ذَلِكَ الْفَرَحِ مَا هُوَ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحُسُّ بِهِ إلَّا حَيُّ الْقَلْبِ، وَأَمَّا مَيِّتُ الْقَلْبِ فَإِنَّمَا يَجِدُ الْفَرَحَ عِنْدَ ظَفَرِهِ بِالذَّنْبِ وَلَا يَعْرِفُ فَرَحًا غَيْرَهُ.
فَوَازِنْ إذًا بَيْنَ هَذَيْنِ الْفَرْحَيْنِ، وَانْظُرْ مَا يَعْقُبُ فَرَحَ الظَّفَرِ بِالذَّنْبِ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَحْزَانِ وَالْهُمُومِ وَالْمَصَائِبِ. فَمَنْ يَشْتَرِي فَرْحَةَ سَاعَةٍ بِغَمِّ الْأَبَدِ، وَانْظُرْ مَا يَعْقُبُ فَرَحَ الظَّفَرِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ مِنْ الِانْشِرَاحِ الدَّائِمِ وَالنَّعِيمِ وَطِيبِ الْعَيْشِ، وَوَازِنْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ثُمَّ اخْتَرْ مَا يَلِيقُ بِك وَيُنَاسِبُك، وَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، وَكُلُّ امْرِئٍ يَصْبُو إلَى مَا يُنَاسِبُهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي أَمَالِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ الْعَقِيمِ الْوَالِدِ، مِنْ الضَّالِّ الْوَاجِدِ، وَمِنْ الظَّمْآنِ الْوَارِدِ» .
رَوَى أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَرْكَانَ الْهَمْدَانِيُّ فِي كِتَابِ التَّائِبِينَ عَنْ أَبِي الْجَوْنِ
стр. 1058
مُرْسَلًا «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ مِنْ الظَّمْآنِ الْوَارِدِ، وَمِنْ الْعَقِيمِ الْوَالِدِ، وَمِنْ الضَّالِّ الْوَاجِدِ. فَمَنْ تَابَ إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا أَنْسَى اللَّهُ حَافِظَيْهِ وَجَوَارِحَهُ وَبِقَاعَ الْأَرْضِ كُلَّهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبَهُ» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَقِيَ غُفِرَ لَهُ مَا مَضَى، وَمَنْ أَسَاءَ فِيمَا بَقِيَ أُخِذَ بِمَا مَضَى وَمَا بَقِيَ» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «إذَا عَمِلْت سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا. قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ الْحَسَنَاتِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ مَا كُنْت، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: فِي تَعْرِيفِ بَعْضِهِمْ التَّوْبَةَ بِتَرْكِ اخْتِيَارِ ذَنْبٍ سَبَقَ مِثْلُهُ مِنْهُ مَنْزِلَةً لَا صُورَةً.
(السَّادِسُ) : عَرَّفَ بَعْضُهُمْ التَّوْبَةَ بِتَرْكِ اخْتِيَارِ ذَنْبٍ سَبَقَ مِثْلُهُ مِنْهُ مَنْزِلَةً لَا صُورَةً تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى وَحَذَرًا مِنْ سَخَطِهِ، فَشَمِلَ هَذَا التَّعْرِيفُ أَرْبَعَ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: تَرْكُ الِاخْتِيَارِ لِلْمُذْنِبِ بِأَنْ يُوَطِّنَ قَلْبَهُ وَيُجَرِّدَ عَزْمَهُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إلَى الذَّنْبِ أَلْبَتَّةَ. فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الذَّنْبَ وَفِي نَفْسِهِ الْعَوْدُ إلَيْهِ أَوْ يَتَرَدَّدُ فِي الْعَوْدِ فَهَذَا لَيْسَ بِتَائِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَتُوبَ عَنْ ذَنْبٍ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ مِثْلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ ذَنْبٌ فَهُوَ مُتَّقٍ غَيْرُ تَائِبٍ.
(الثَّالِثُ) : إنَّ الَّذِي سَبَقَ يَكُونُ مِثْلَ مَا يَتْرُكُ اخْتِيَارَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالدَّرَجَةِ لَا فِي الصُّورَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْخَ الْفَانِي الْهَرِمَ الَّذِي قَدْ كَانَ سَبَقَ مِنْهُ الزِّنَا وَقَطْعٌ لِلطَّرِيقِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتُوبَ عَنْ ذَلِكَ تُمْكِنُهُ التَّوْبَةُ وَتُقْبَلُ مِنْهُ تَوْبَتُهُ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُغْلَقْ عَنْهُ بَابُهَا، مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ اخْتِيَارِ الزِّنَا وَقَطْعِ الطَّرِيقِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهُ مُمْتَنِعٌ عَنْهُ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ فِعْلِهِ لَكِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى مَا هُوَ مِثْلُ الزِّنَا وَقَطْعِ الطَّرِيقِ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالدَّرَجَةِ كَالْقَذْفِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعَاصٍ
стр. 1059
وَإِنْ تَفَاوَتَ الْإِثْمُ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ وَمَعْصِيَةٍ بِقَدْرِهَا وَلَكِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَعَاصِي الْفَرْعِيَّةِ كُلِّهَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ دُونَ مَنْزِلَةِ الْبِدْعَةِ، وَمَنْزِلَةُ الْبِدْعَةِ دُونَ مَنْزِلَةِ الْكُفْرِ، فَإِنْ كَانَتْ الْبِدْعَةُ مُكَفِّرَةً اتَّحَدَتْ مَنْزِلَتُهَا مَعَ الْكُفْرِ.
فَظَهَرَ أَنَّ الْمَنَازِلَ ثَلَاثَةٌ: مَنْزِلَةُ الْكُفْرِ، وَمَنْزِلَةُ الْبِدَعِ، وَمَنْزِلَةُ الْمَعَاصِي. ثُمَّ إنَّ الْمَعَاصِيَ تُقَسَّمُ إلَى صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ. وَلِلْكَبَائِرِ مِنْهَا الْمُوبِقَاتُ السَّبْعُ، وَهِيَ قَتْلُ النَّفْسِ وَالزِّنَا وَأَكْلُ الرِّبَا وَالسِّحْرُ وَالْقَذْفُ وَأَكْلُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَتَصِحُّ تَوْبَةُ مَنْ عَجَزَ عَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ كَتَوْبَةِ الْأَقْطَعِ عَنْ السَّرِقَةِ. وَالزَّمِنِ عَنْ السَّعْيِ إلَى حَرَامٍ، وَالْمَجْبُوبِ عَنْ الزِّنَا. وَمَقْطُوعِ اللِّسَانِ عَنْ الْقَذْفِ، وَالْمُرَادُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا تَابَ مِنْهُ كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ عَنْ عَزْمِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهَا. انْتَهَى.
الرَّابِعُ: كَوْنُ التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ تَعْظِيمًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِتَائِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُرَاءٍ أَوْ خَائِفٌ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا تَوْبَةً نَصُوحًا تُمْحَى بِهَا الْأَوْزَارُ، وَنَرْتَقِي مِنْهَا إلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ، مَعَ السَّادَةِ الْأَخْيَارِ. إنَّهُ التَّوَّابُ الْغَفَّارُ.
لَا رَبَّ لَنَا سِوَاهُ. وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ
[خَاتِمَة الْكتاب]
ثُمَّ إنَّ النَّاظِمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ بَذَلَ جُهْدَهُ فِي النُّصْحِ إيفَاءً بِمَا وَعَدَ فِي أَوَّلِ مَنْظُومَتِهِ حَيْثُ قَالَ هُنَاكَ سَأَبْذُلُهَا جُهْدِي الْبَيْتَ، فَقَالَ:
وَهَا قَدْ بَذَلْت النُّصْحَ جَهْدِي وَإِنَّنِي ... مُقِرٌّ بِتَقْصِيرِي وَبِاَللَّهِ أَهْتَدِي
(وَهَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ، وَتَدْخُلُ فِي ذَا وَذِي، تَقُولُ هَذَا وَهَذِي، وَهَا تَكُونُ اسْمًا لِفِعْلٍ وَهُوَ " خُذْ " وَيُمَدُّ، وَيُسْتَعْمَلَانِ بِكَافِ الْخِطَابِ، وَيَجُوزُ فِي الْمَمْدُودَةِ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ الْكَافِ بِتَصْرِيفِ هَمْزَتِهَا تَصَارِيفَ الْكَافِ، هَاءَ لِلْمُذَكَّرِ، وَهَاءِ لِلْمُؤَنَّثِ، وَهَاؤُمَا وَهَاؤُمْ وَهَاؤُنْ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] وَفِي كَلَامِ النَّاظِمِ كَذَلِكَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذْ، وَتَقْدِيرُهَا وَهَاكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ لِنِظَامِي، الْمُتَهَيِّئُ لِحِفْظِ كَلَامِي (قَدْ بَذَلْت) لَك
стр. 1060
(النُّصْحَ) مِنْ نَفْسِي بِحَسْبِ (جَهْدِي) .
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْجَهْدُ الطَّاقَةُ وَيُضَمُّ (وَ) مَعَ بَذْلِ جَهْدِي وَطَاقَتِي فِي النُّصْحِ (إنَّنِي مُقِرٌّ) وَمُعْتَرِفٌ (بِتَقْصِيرِي) فَإِنِّي لَمْ أَسْتَقْصِ جَمِيعَ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ وَالزَّمَانُ لِلْإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ، سِيَّمَا وَبَابُ النَّظْمِ أَضْيَقُ مِنْ النَّثْرِ، مَعَ مَلَلِ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ، وَعَدَمِ مَيْلِهِمْ لِلْإِطَالَةِ، وَالْفَهْمِ الْكَسِلِ وَالْمَلَالَةِ (وَبِاَللَّهِ) سُبْحَانَهُ لَا بِغَيْرِهِ (أَهْتَدِي) لِاقْتِنَاصِ الْمَعَانِي الشَّارِدَةِ، وَالنَّوَادِرِ النَّادِرَةِ فَإِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، لَا يَخِيبُ مَنْ تَرَجَّاهُ، وَلَا يَضِلُّ مَنْ اسْتَهْدَاهُ.
ثُمَّ أَخَذَ يُثْنِي عَلَى مَنْظُومَتِهِ بِبَعْضِ مَا هِيَ أَهْلُهُ وَجَمِيلِ بَعْضِ أَوْصَافِهَا فَقَالَ:
تَقَضَّتْ بِحَمْدِ اللَّهِ لَيْسَتْ ذَمِيمَةً ... وَلَكِنَّهَا كَالدُّرِّ فِي عِقْدِ خُرَّدِ
(تَقَضَّتْ) هَذِهِ الْمَنْظُومَةُ الْفَائِقَةُ بِالْمَعَانِي الرَّائِقَةِ (بِحَمْدِ اللَّهِ) (لَيْسَتْ) هِيَ (ذَمِيمَةً) الذَّمُّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ضِدُّ الْمَدْحِ، يُقَالُ ذَمَّهُ ذَمًّا وَمَذَمَّةً فَهُوَ مَذْمُومٌ وَذَمِيمٌ، وَبِئْرٌ ذَمِيمَةٌ قَلِيلَةُ الْمَاءِ وَغَزِيرَةٌ مِنْ بَابِ الْأَضْدَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ لَيْسَتْ حَقِيرَةً (لَكِنَّهَا) مَمْدُوحَةُ الْمَعَانِي، فَائِقَةُ الْمَبَانِي كُلُّ مَنْ تَحَلَّى بِحِفْظِهَا وَإِدْرَاكِ مَعَانِيهَا زَانَتْهُ وَأَكْسَبَتْهُ بَهْجَةً وَرَوْنَقًا (كَالدُّرِّ) النَّفِيسِ (فِي عِقْدِ) نِسَاءٍ غِيدٍ حِسَانٍ (خُرَّدٍ) جَمْعُ خَرِيدَةٍ وَهِيَ الْبِكْرُ الَّتِي لَمْ تُمْسَسْ، أَوْ الْخَفْرَةُ الطَّوِيلَةُ السُّكُوتِ، الْخَافِضَةُ الصَّوْتِ، فَكَمَا تَزْدَادُ الْخُرَّدُ بِالدُّرِّ جَمَالًا عَلَى جَمَالِهَا.
وَكَمَالًا عَلَى كَمَالِهَا، فَمَنْ تَحَلَّى بِهَذِهِ الْمَنْظُومَةِ يَزْدَادُ بِهَا كَمَالًا. أَوْ أَنَّ نَظْمَهَا فِي الْحُسْنِ وَالِاتِّسَاقِ وَالْجَوْدَةِ وَالِاتِّفَاقِ كَنَظْمِ الدُّرِّ الَّذِي أَحْكَمَتْ الْخُرَّدُ نَظْمَهُ وَتَأْلِيفَهُ وَأَجَادَتْ تَنْفِيذَهُ وَتَرْصِيفَهُ. وَالْعِقْدُ بِالْكَسْرِ: الْقِلَادَةُ وَالْجَمْعُ: عُقُودٌ.
يُحَيَّرُ لَهَا قَلْبُ اللَّبِيبِ وَعَارِفِ ... كَرِيمَانِ إنْ جَالَا بِفِكْرِ مُنَضَّدِ
(يَحِيرُ لَهَا) أَيْ لِهَذِهِ الْمَنْظُومَةِ. يُقَالُ تَحَيَّرَ وَاسْتَحَارَ إذَا نَظَرَ إلَى الشَّيْءِ فَغَشِيَ وَلَمْ يَهْتَدِ لِسَبِيلِهِ فَهُوَ حَيْرَانُ وَحَائِرٌ وَهِيَ حَيْرَى وَهُمْ حَيَارَى وَيُضَمُّ، وَحَارَ الْمَاءُ تَرَدَّدَ، وَالْحَائِرُ مُجْتَمَعُ الْمَاءِ وَحَوْضٌ يُنْسَبُ إلَيْهِ مَسِيلُ مَاءِ الْأَمْطَارِ.
стр. 1061
يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَنْظُومَةَ لَا تَنْسَاقُ مَبَانِيهَا، وَبَلَاغَةُ مَعَانِيهَا، إذَا نَظَرَ إلَيْهَا الْإِنْسَانُ دُهِشَ وَحَارَ، وَإِنَّمَا يُدْرِكُ ذَلِكَ فَيَحِيرُ لَهَا (قَلْبُ اللَّبِيبِ) الْعَاقِلِ (وَ) يَحِيرُ لَهَا أَيْضًا قَلْبُ رَجُلٍ (عَارِفٍ) بِالنَّظْمِ وَلِلْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، وَمَعَانِي الْكَلَامِ، وَمَفْهُومِ النِّظَامِ، وَالْمَعْرِفَةُ تُرَادِفُ الْعِلْمَ إلَّا أَنَّهَا مَسْبُوقَةٌ بِجَهْلٍ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ وَيَخُصُّهَا بَعْضُ النَّاسِ بِالْبَسَائِطِ أَوْ الْجُزْئِيَّاتِ، وَلِهَذَا لَا تُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِخِلَافِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ وَلَا يُقَالُ لَهُ عَارِفٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمَعْرِفَةُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هِيَ الْعِلْمُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مَعَ الصِّدْقِ لِلَّهِ فِي مُعَامَلَاتِهِ. وَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ التَّحْرِيرِ: يُطْلَقُ الْعِلْمُ وَيُرَادُ بِهِ مَعْنَى الْمَعْرِفَةِ وَيُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ، وَهِيَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ أَوْ انْكِشَافٌ بَعْدَ لَبْسٍ أَخَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُسْتَحْدَثِ وَهُوَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَشْمَلُ الْمُسْتَحْدَثَ وَهُوَ عِلْمُ الْعِبَادِ. وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا يَقِينٌ وَظَنٌّ أَعَمُّ مِنْ الْعِلْمِ لِاخْتِصَاصِهِ حَقِيقَةً بِالْيَقِينِ. قَالَ وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَارِفٌ . حَكَاهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هُمَا يَعْنِي اللَّبِيبَ وَالْعَارِفَ (كَرِيمَانِ) لَا لَئِيمَانِ فَإِنَّ الْكَرِيمَ وَاسِعُ الْخُلُقِ صَفُوحٌ عَنْ الزَّلَلِ، غَيْرُ مُتَتَبِّعٍ لِلْخَلَلِ، وَاللَّئِيمُ بِضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ (إنْ جَالَا) مِنْ جَالَ فِي الْحَرْبِ جَوْلَةً وَفِي الطَّوَافِ. وَالْمُرَادُ هُنَا إنْ أَمْعَنَا (بِفِكْرٍ) بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ هُوَ إعْمَالُ النَّظَرِ فِي الشَّيْءِ كَالْفِكْرَةِ وَالْفِكْرَى، وَالْجَمْعُ أَفْكَارٌ وَتَقَدَّمَ (مُنَضِّدِ) مُتَتَابِعٍ يُقَالُ نَضَّدَ مَتَاعَهُ يُنَضِّدُهُ جَعَلَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَنَضَدَهُ فَهُوَ مَنْضُودٌ وَنَضِيدٌ وَمُنَضَّدٌ، أَوْ أَرَادَ بِفِكْرٍ مُقِيمٍ مُحْكَمٍ، يُقَالُ انْتَضَدَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، وَهَذَا أَنْسَبُ، أَوْ بِفِكْرٍ غَزِيرٍ مُتَرَاكِمٍ، فَإِنَّ النَّضَدَ مِنْ السَّحَابِ مَا تَرَاكَمَ وَتَرَاكَبَ.
وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ أَنَّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا اللَّبِيبُ وَالْعَارِفُ يَحِيرَانِ وَيَدْهَشَانِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَنْظُومَةُ مِنْ الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ. وَالْمَسَائِلِ الْأَنِيقَةِ، وَالْأَحْكَامِ الْوَثِيقَةِ، وَالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَالْآثَارِ الصَّرِيحَةِ، وَالْكَلِمَاتِ الْفَصِيحَةِ، مَعَ وَجَازَةِ لَفْظِهَا، وَانْسِجَامِ نَظْمِهَا، وَعُذُوبَةِ كَلِمَاتِهَا، وَسُهُولَةِ أَبْيَاتِهَا. وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَنْظُومَةُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَلَنْ تُعْدَمَ مِنْ هَذَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحًا بِإِحْسَانٍ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْكُرَمَاءِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1062
فَمَا رَوْضَةٌ حُفَّتْ بِنَوْرِ رَبِيعِهَا ... بِسَلْسَالِهَا الْعَذْبِ الزُّلَالِ الْمُبَرَّدِ
(فَمَا) نَافِيَةٌ حِجَازِيَّةٌ وَ (رَوْضَةٌ) اسْمُهَا وَبِأَحْسَنَ خَبَرُهَا. وَالرَّوْضَةُ وَالرِّيضَةُ بِالْكَسْرِ مِنْ الرَّمْلِ وَالْقُشُبِ مُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ فِيهِمَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
وَقَالَ فِي الْمَطَالِعِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» كُلُّ مَكَان فِيهِ نَبَاتٌ مُجْتَمِعٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي ارْتِفَاعٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مَاءٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ النَّاظِمِ (حُفَّتْ) هِيَ (بِنَوْرِ) بِالْفَتْحِ وَكَرُمَّانٍ هُوَ الزَّهْرُ مُطْلَقًا أَوْ الْأَبْيَضُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْأَصْفَرُ فَزَهْرٌ وَالْجَمْعُ أَنْوَارٌ، يُقَالُ نَوَّرَ الشَّجَرُ تَنْوِيرًا خَرَجَ نَوْرُهُ. أَيْ فَمَا رَوْضَةٌ يَانِعَةٌ حُفَّتْ بِمَعْنَى مُطْبِقٍ وَمُحِيطِ نَوْرٍ (رَبِيعِهَا) أَيْ الرَّوْضَةِ بِأَحِفَّتِهَا.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ [الكهف: ٣٢] أَيْ جَعَلْنَا النَّخْلَ مُطْبِقَةً بِأَحِفَّتِهَا ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] مُحْدِقِينَ بِأَحِفَّتِهِ أَيْ جَوَانِبِهِ «وَحَفَّتْ بِهِمْ الْمَلَائِكَةُ» ، أَيْ أَحْدَقُوا بِهِمْ وَصَارُوا أَحِفَّتَهُمْ أَيْ جَوَانِبَهُمْ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «، حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» أَيْ أُحْدِقَتْ بِهَا (بِسَلْسَالِهَا) أَيْ مَائِهَا الْعَذْبِ الْبَارِدِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: سَلْسَلٌ كَجَعْفَرٍ وَخَلْخَالٍ الْمَاءُ الْبَارِدُ أَوْ الْعَذْبُ كَالسُّلَاسِلِ بِالضَّمِّ، وَسَلْسَلَ الْمَاءَ جَرَى فِي حُدُورٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ (الْعَذْبِ) أَيْ الْمُسْتَسَاغِ وَاسْتَعْذَبَ أَيْ اسْتَسْقَى عَذْبًا (الزُّلَالِ) كَغُرَابِ (الْمُبَرَّدِ) أَيْ الْبَارِدِ ضِدَّ الْحَارِّ، وَالزُّلَالُ وَالزَّلِيلُ كَأَمِيرٍ، وَالزَّلُولُ كَصَبُورٍ هُوَ السَّرِيعُ الْمَرُّ فِي الْحَلْقِ أَيْ الْبَارِدُ وَالْعَذْبُ الصَّافِي السَّهْلُ السَّلِسُ، وَيُقَالُ زُلَائِلٌ كَعُلَابِطٍ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ: الزُّلَالُ بِضَمِّ الزَّايِ دُودٌ يَتَرَبَّى فِي الثَّلْجِ وَهُوَ مُنَقَّطٌ بِصُفْرَةٍ يَقْرُبُ مِنْ الْأُصْبُعِ يَأْخُذُهُ النَّاسُ مِنْ أَمَاكِنِهِ لِيَشْرَبُوا مَا فِي جَوْفِهِ لِشِدَّةِ بَرْدِهِ وَلِذَلِكَ يُشَبِّهُ النَّاسُ الْمَاءَ الْبَارِدَ بِالزُّلَالِ، لَكِنْ فِي الصِّحَاحِ مَاءٌ زُلَالٌ أَيْ عَذْبٌ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْعِجْلِيُّ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ: الْمَاءُ الَّذِي فِي دُودِ الثَّلْجِ طَهُورٌ. وَهَذَا وَيُوَافِقُ أَنَّهُ الدُّودُ. نَعَمْ الْمَشْهُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ أَنَّ الزُّلَالَ هُوَ الْمَاءُ الْبَارِدُ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيْلِ بْنُ سَعِيدِ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ:
стр. 1063
وَأَسْلَمْت وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَبِي الْفِرَاسِ بْنِ حَمْدَانَ:
قَدْ كُنْت عُدَّتِي الَّتِي أَسْطُو بِهَا ... وَيَدِي إذَا اشْتَدَّ الزَّمَانُ وَسَاعِدِي
فَرَمَيْت مِنْك بِضِدِّ مَا أَمَّلْته ... وَالْمَرْءُ يَشْرَقُ بِالزُّلَالِ الْبَارِدِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مَرِيضٍ ... يَجِدْ مُرًّا بِهِ الْمَاءَ الزُّلَالَا
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ وَجِيهِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْمُطَاعِ بْنِ حَمْدَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
قَالَتْ لِطَيْفِ خَيَالٍ زَارَنِي وَمَضَى ... بِاَللَّهِ صِفْهُ وَلَا تُنْقِصْ وَلَا تَزِدْ
فَقُلْت أَبْصَرْته لَوْ مَاتَ مِنْ ظَمَأٍ ... وَقُلْت قِفْ عَنْ وُرُودِ الْمَاءِ لَمْ يَرِدْ
قَالَتْ صَدَقْت الْوَفَا فِي الْحُبِّ عَادَتُهُ ... يَا بَرْدَ ذَاكَ الَّذِي قَالَتْ عَلَى كَبِدِي
فَهَذَا وَأَضْعَافُ أَضْعَافِهِ يَشْهَدُ أَنَّهُ الْمَاءُ، وَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَامُوسِ كَمَا عَلِمْت، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَمَا هَذِهِ الرَّوْضَةُ بِهَذِهِ الْأَزْهَارِ وَالنَّوَارِ وَالْمِيَاهِ الْعَذْبَةِ الزُّلَالِ:
بِأَحْسَنَ مِنْ أَبْيَاتِهَا وَمَسَائِلُ ... أَحَاطَتْ بِهَا يَوْمًا بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ
(بِأَحْسَنَ) مَنْظَرًا، وَأَبْهَجَ مَرْأًى، وَأَتَمَّ رَوْنَقًا (مِنْ أَبْيَاتِهَا) أَيْ أَبْيَاتِ هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ الَّتِي هِيَ مُشَبَّهَةٌ بِالرَّوْضَةِ الْمَعْلُومَةِ.
(وَ) لَا زَهْرُهَا وَنَوْرُهَا وَمَاؤُهَا الْعَذْبُ الزُّلَالُ وَسَلْسَالُهَا الَّذِي أَرْبَى عَلَى الْجِرْيَالِ بِأَحْسَنَ لَوْنًا وَأَعْذَبَ مَسَاغًا وَأَلَذَّ طَعْمًا وَأَسْهَلَ وُصُولًا وَأَسْلَسَ انْحِدَارًا فِي الْحَلْقِ مِنْ (مَسَائِلَ) جَمْعُ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا يُبَرْهَنُ عَنْهُ لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ (أَحَاطَتْ) هَذِهِ الْمَنْظُومَةُ (بِهَا) أَيْ بِالْمَسَائِلِ الْمَخْدُومَةِ، وَالْأَحْكَامِ الْمَعْلُومَةِ، وَالْآثَارِ الْمَأْثُورَةِ، وَالْأَخْبَارِ الْمَشْهُورَةِ، وَالْآدَابِ الْمَطْلُوبَةِ، وَالْمَعَانِي الْمَجْلُوبَةِ، وَالْمُخَدَّرَاتِ الْمَخْطُوبَةِ، وَالْخَرَائِدِ الْمَحْبُوبَةِ (يَوْمًا) أَيْ لَمْ تَكُنْ الرَّوْضَةُ بِأَزْهَارِهَا وَنُوَّارِهَا وَمَائِهَا يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ أَحْسَنَ وَلَا أَبْهَجَ وَلَا أَلْطَفَ مِنْ هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ بِمَسَائِلِهَا وَآدَابِهَا وَأَخْبَارِهَا وَأَسْرَارِهَا (بِغَيْرِ تَرَدُّدِ) فِي ذَلِكَ.
بَلْ الْمَنْظُومَةُ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي وَالْأَسْرَارِ، وَالْأَحْكَامِ وَالْآثَارِ، أَتَمُّ حُسْنًا وَأَبْهَجُ مَنْظَرًا مِنْ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَةِ. عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ الْمَخْبُورَةِ، وَالْعُقُولِ الْمَشْهُورَةِ
стр. 1064
وَالْآرَاءِ الْمَنْصُورَةِ. كَيْفَ لَا وَتِلْكَ عَنْ قَرِيبٍ يُصَوَّعُ نَوْرُهَا، وَيَذْهَبُ حُبُورُهَا، وَتَنْطَمِسُ أَنْهَارُهَا، وَتَنْدَرِسُ آثَارُهَا.
وَهَذِهِ كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهَا زَمَانٌ ازْدَادَ جَمَالُهَا وَعَذُبَ سَلْسَالُهَا، وَرَاقَتْ مَعَانِيهَا، وَزَهَتْ مَبَانِيهَا. وَبَهْجَةُ تِلْكَ مَدِيدَةٌ وَتَنْقَضِي، وَالسَّعَادَةُ بِهَذِهِ لَا تَزُولُ وَلَا تَمْضِي. فَإِنَّ مَعْنَى تِلْكَ فَرْحَةُ سَاعَةٍ وَتَزُولُ، وَمَعْنَى هَذِهِ فِي الدُّنْيَا مَعْرِفَةُ آدَابِ الرَّسُولِ، وَفِي الْآخِرَةِ الْمَقَامُ فِي دَارِ الْخُلْدِ فِي سُرُورٍ وَحُبُورٍ لَا يَحُولُ، إذَا عَلِمْت هَذَا:
فَخُذْهَا بِدَرْسٍ لَيْسَ بِالنَّوْمِ تُدْرِكْنَ ... لِأَهْلِ النُّهَى وَالْفَضْلِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ
(فَخُذْهَا) أَيُّهَا الطَّالِبُ الَّذِي فِي عِلْمِ الْآدَابِ رَاغِبٌ (بِدَرْسٍ) أَيْ بِقِرَاءَةٍ وَرِيَاضَةِ نَفْسٍ وَتَمْرِينٍ. يُقَالُ دَرَسَ الْكِتَابَ يَدْرُسُهُ دَرْسًا وَدِرَاسَةً قَرَأَهُ (لَيْسَ) أَنْتَ (بِالنَّوْمِ تُدْرِكَنْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ (لِ) مَقَامِ (أَهْلِ النُّهَى) بِالضَّمِّ أَيْ أَهْلِ الْعُقُولِ وَالْعِلْمِ جَمْعُ نُهْيَةٍ بِالضَّمِّ أَيْضًا، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْهَى عَنْ الْقَبَائِحِ (وَالْفَضْلِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ) أَيْ مَحْضَرِ النَّاسِ وَمَجْمَعِهِمْ.
ثُمَّ إنَّ النَّاظِمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خَتَمَ مَنْظُومَتَهُ بِمَا بَدَأَهَا بِهِ وَهُوَ حَمْدُ اللَّهِ فَقَالَ:
وَقَدْ كَمُلَتْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ ... عَلَى كُلِّ حَالٍ دَائِمًا لَمْ يَصْدُدْ
(وَقَدْ كَمُلَتْ) هَذِهِ الْمَنْظُومَةُ، الَّتِي بِمَنْظُومَةِ الْآدَابِ مَوْسُومَةٌ (وَالْحَمْدُ) أَيْ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ (لِلَّهِ) (وَحْدَهُ) لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ (عَلَى كُلِّ حَالٍ) مِنْ الْأَحْوَالِ مِنْ يُسْرٍ وَعُسْرٍ، وَسَعَةٍ وَضِيقٍ، وَرَخَاءٍ وَشِدَّةٍ، وَسَرَّاءَ وَضَرَّاءَ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، حَالَ كَوْنِ الْحَمْدِ لَهُ سُبْحَانَهُ (دَائِمًا) مُسْتَمِرًّا فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالشُّؤُونِ (لَمْ يُصَدِّدْ) أَيْ لَمْ يَمْنَعْ وَلَمْ يَصْرِفْ.
يُقَالُ صَدَّ زَيْدٌ فُلَانًا عَنْ كَذَا مَنَعَهُ وَصَرَفَهُ كَأَصَدَّهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ حِينَ بَسَطَ بِسَاطَ الْوُجُودِ عَلَى مُمْكِنَاتٍ لَا تُحْصَى، وَوَضَعَ عَلَيْهَا مَوَائِدَ كَرَمِهِ الَّتِي لَا تَتَنَاهَى، وَأَفَاضَ عَلَى
стр. 1065
الْمَوْجُودَاتِ مِنْ عَظِيمِ كَرَمِهِ. وَبَاهِي فَضْلِهِ وَنِعَمِهِ، مَا أَذْعَنَتْ الْأَلْبَابُ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَالْقُلُوبُ السَّلِيمَةُ، وَالنُّفُوسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، بِالْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ بِالثَّنَاءِ وَالْحَمْدِ اللَّائِقِ بِعَظِيمِ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ، أَطْلَقَ الْحَمْدَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصْطَفَى وَهُوَ خُلَاصَةُ الْعَالَمِ وَصَفْوَةُ بَنِي آدَمَ ﷺ ، مُعْتَرِفًا وَمُذْعِنًا «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» فَالْعَبْدُ وَإِنْ أَنْفَقَ جَمِيعَ عُمْرِهِ، وَرُزِقَ أَعْمَارًا مُتَتَابِعَةً، فَصَرَفَهَا جَمِيعًا فِي الثَّنَاءِ عَلَى رَبِّهِ لَا يُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
(وَقَدْ آنَ) أَوَانُ قَطِّ عِنَانِ الْقَلَمِ عَنْ الِانْبِسَاطِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ الْبَدِيعَةِ، وَالْقَصِيدَةِ الرَّفِيعَةِ، وَلَقَدْ بَذَلْت جُهْدِي فِي تَنْقِيحِ مَسَائِلهَا، وَتَوْضِيحِ دَلَائِلهَا، وَاسْتِخْرَاجِ مَعَانِيهَا، وَاسْتِدْمَاجِ مَبَانِيهَا، وَحُسْنِ إدْرَاجِهَا، وَلُطْفِ إنْتَاجِهَا.
وَتَشْقِيقِ أَحْكَامِهَا، وَتَرْصِيفِ انْتِظَامِهَا، وَعَزْوِ أَخْبَارِهَا، وَكَشْفِ أَسْرَارِهَا، فَجَاءَ هَذَا الشَّرْحُ كَمَا أَمَّلْته. وَأَعْظَمَ مِمَّا تَخَيَّلْته، وَقَدْ سَهِرْت اللَّيَالِيَ فِي جَمْعِ مَسَائِلِهِ، وَبَذَلْت مَجْهُودِي فِي تَهْذِيبِ دَلَائِلِهِ، وَلَمْ آلُ جُهْدًا فِي زِيَادَةِ تَبْيِينِهِ، وَتَوْضِيحِهِ وَتَمْكِينِهِ، وَجَمْعِهِ وَتَأْلِيفِهِ، وَتَحْرِيرِهِ وَتَصْنِيفِهِ، وَعَزَوْت غَالِبًا كُلَّ قَوْلٍ لِقَائِلِهِ، لِأَخْرُجَ مِنْ مَعَرَّةِ تَبِعَةِ مَسَائِلِهِ.
وَإِذَا لَمْ يُسْتَغْرَبْ الْحُكْمُ لَمْ أَعْزُهُ اعْتِمَادًا عَلَى شُهْرَتِهِ. وَمَنْ تَأَمَّلَهُ بِالْإِنْصَافِ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ نَسِيجٌ وَحْدَهُ فِي مَعْنَاهُ. وَفَرِيدُ عِقْدِهِ فِي مَعْنَاهُ. فَهُنَاكَ كِتَابًا جَمَعَ فَأَوْعَى، وَسِفْرًا حَوَى مِنْ الْعُلُومِ فَصْلًا وَنَوْعًا. لَوْ سَافَرْت إلَى صَنْعَاءَ الْيَمَنِ فِي تَحْصِيلِهِ لَمَا خَابَتْ سَفْرَتُك، وَلَوْ تَاجَرْت فِيهِ بِأَعْلَى بِضَاعَتِك لَمَا خَسِرْت تِجَارَتُك.
وَقَدْ جَلَبْت إلَيْك فِيهِ نَفَائِسَ فِي مِثْلِهَا يَتَنَافَسُ الْمُتَنَافِسُونَ، وَجَلَيْت عَلَيْك فِيهِ عَرَائِسَ إلَى مِثْلِهَا يُبَادِرُ الْخَاطِبُونَ. فَإِنْ شِئْت اقْتَبَسْت مِنْهُ آدَابًا شَرْعِيَّةً، وَإِنْ أَحْبَبْت تَنَاوَلْت مِنْهُ آثَارًا نَبَوِيَّةً، وَإِنْ شِئْت وَجَدْت فِيهِ نِكَاتٍ أَدَبِيَّةً، وَإِنْ رُمْت مَعْرِفَةَ تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَجَدْت أَدِلَّةَ ذَلِكَ فِيهِ وَفِيَّةً، أَوْ مَعْرِفَةَ أَخْبَارِ النَّاسِ ظَفِرْت فِيهِ بِشَذْرَةٍ عَلِيَّةٍ.
فَيَا أَيُّهَا النَّاظِرُ فِيهِ، وَالْمُقْتَبِسُ مِنْ مَعَانِيهِ، أَحْسِنْ بِجَامِعِهِ الظَّنَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ، فَإِنَّهُ قَدْ زَفَّ بَنَاتِ أَفْكَارِهِ إلَيْك، وَعَرَضَ بِضَاعَتَهُ عَلَيْك، فَلَكَ مِنْ تَأْلِيفِهِ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ وَلَك صَفْوُهُ، وَعَلَيْهِ
стр. 1066
عُهْدَتُهُ وَهَفْوُهُ. فَلَا يَعْدَمْ عَنْك أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إمَّا إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحًا بِإِحْسَانٍ. فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَالْبُنْيَانِ، وَالْكَرِيمُ فِي نَظَرِهِ مُنْصِفٌ، وَاللَّئِيمُ مُتَبَجِّحٌ وَمُتَعَسِّفٌ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَأْبَى الْعِصْمَةَ لِغَيْرِ كِتَابِهِ. وَالسَّعِيدُ مَنْ عُدَّتْ هَفَوَاتُهُ فِي جَنْبِ صَوَابِهِ، وَالْمُنْصِفُ الْكَرِيمُ يُعَادِلُ بِالسَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ، وَيَقْضِي عَلَى كُلٍّ بِحَسْبِهِ مِنْ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ. وَقَدْ نَبَّهَ الْمُصْطَفَى عَلَى أَنَّ كُفْرَانَ الْإِحْسَانِ لُؤْمٌ، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ لِكُفْرِهِنَّ النِّعَمَ. فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَحْفَظُ السَّيِّئَاتِ، وَتَنْسَى الْحَسَنَاتِ. وَلِهَذَا مَثَّلَ حَالَهُنَّ بِحَامِلٍ خَرَجَ عَلَى كَتِفِهِ أَحَدُ شُقَّتَيْهِ صَحِيحَةٌ جَعَلَهَا أَمَامَهُ، وَالْأُخْرَى مُخَرَّقَةٌ جَعَلَهَا خَلْفَهُ. فَإِذَا عَمِلَ الزَّوْجُ مَعَهَا حَسَنَةً جَعَلَتْهَا فِي الشُّقَّةِ الَّتِي إلَى خَلْفٍ، وَهِيَ مَخْرُوقَةٌ فَتَسْقُطُ مِنْهَا فَلَا تَرَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً جَعَلَتْهَا بِاَلَّتِي أَمَامَهَا وَهِيَ مَحْرُوزَةٌ مَضْبُوطَةٌ، كُلَّمَا نَظَرَتْ رَأَتْهَا. وَهَذِهِ حَالُ جَمِيعِ اللُّؤَمَاءِ، يَحْفَظُونَ السَّيِّئَاتِ، وَلَا يَذْكُرُونَ الْحَسَنَاتِ.
فَنَبْتَهِلُ إلَى اللَّهِ أَنْ يَصُونَ كِتَابَنَا هَذَا عَمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَهَذَا النَّعْتُ نَعْتُهُ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسَبَبًا لِلْفَوْزِ بِدَارِ الْخُلْدِ وَالنَّعِيمِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ قَرَأَهُ أَوْ كَتَبَهُ وَنَظَرَ فِيهِ، وَدَعَا إلَيَّ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَفِيهِ: إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
(وَكَانَ الْخَلَاصُ) مِنْ تَسْوِيدِهِ ضُحَى نَهَارِ السَّبْتِ لِسِتٍّ بَقِيَتْ مِنْ رَبِيعٍ الثَّانِي سَنَةَ ١١٥٤ هِجْرِيَّةً عَلَى يَدِ مُؤَلِّفِهِ ﵀، وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبَهُ وَمَثْوَاهُ، إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ آمِينَ.