← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25791

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني

Полный текст (1 066 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّاظِمَ أَرَادَ اقْبَلْ كَرَاهَةَ الْقِيَامِ لِغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ اُبْسُطْ كَرَاهَةَ ذَلِكَ وَوَطِّئْهَا وَانْشُرْهَا وَهَيِّئْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَيُكْرَهُ الْقِيَامُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ. وَاَلَّذِي يُقَامُ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَا يَطْلُبَهُ؛ لِمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا فَقُمْنَا إلَيْهِ، فَقَالَ لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: النَّهْيُ قَدْ وَقَعَ عَلَى السُّرُورِ بِتِلْكَ الْحَالِ، فَإِذَا لَمْ يُسَرَّ بِالْقِيَامِ لَهُ وَقَامُوا إلَيْهِ فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُمَا: فَرَّقُوا بَيْنَ الْقِيَامِ لِأَهْلِ الدِّينِ وَغَيْرِهِمْ، فَاسْتَحَبُّوهُ لِطَائِفَةٍ، وَكَرِهُوهُ لِأُخْرَى. وَالتَّفْرِيقُ فِي مِثْلِ هَذَا بِالصِّفَاتِ فِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَغَيْرُهُمْ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ تَحْذِيرٌ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْعُجْبِ وَالْخُيَلَاءِ. مَعَ أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ قَالَ: إنَّمَا مَعْنَاهُ مَا تَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ وَالْأُمَرَاءُ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَنْ يَجْلِسَ، وَالنَّاسُ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ تَكَبُّرًا وَعُجْبًا. وَلِذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مَنْ يَمْشِي النَّاسُ خَلْفَهُ إكْرَامًا: إنَّهَا ذِلَّةٌ لِلتَّابِعِ وَفِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ. وَرَدَّ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي حَاشِيَةِ السُّنَنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ سِيَاقَ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ الْقِيَامَ لَهُ لَمَّا خَرَجَ تَعْظِيمًا وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُقَالُ لَهُ الْقِيَامُ لِلرَّجُلِ وَإِنَّمَا هُوَ الْقِيَامُ عَلَى رَأْسِ الرَّجُلِ أَوْ عِنْدَ الرَّجُلِ. قَالَ: وَالْقِيَامُ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ، قِيَامٌ عَلَى رَأْسِ الرَّجُلِ، وَهُوَ فِعْلُ الْجَبَابِرَةِ، وَقِيَامٌ إلَيْهِ عِنْدَ قُدُومِهِ وَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقِيَامٌ لَهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وَهُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ فِي خُصُوصِ الْقِيَامِ عَلَى رَأْسِ الْكَبِيرِ الْجَالِسِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُمْ عَظَّمُوا مُلُوكَهُمْ بِأَنْ قَامُوا وَهُمْ قُعُودٌ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ إنَّ الْقِيَامُ يَقَعُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:

стр. 317

الْأَوَّلُ: مَحْظُورٌ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُقَامَ لَهُ تَكَبُّرًا وَتَعَاظُمًا عَلَى الْقَائِمِينَ إلَيْهِ. وَالثَّانِي: مَكْرُوهٌ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ لِمَنْ لَا يَتَكَبَّرُ وَلَا يَتَعَاظَمُ عَلَى الْقَائِمِينَ، وَلَكِنْ يَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ نَفْسَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا يَحْذَرُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْجَبَابِرَةِ. وَالثَّالِثُ: جَائِزٌ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَامِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ وَيُؤْمَنُ مَعَهُ التَّشَبُّهُ بِالْجَبَابِرَةِ. وَالرَّابِعُ: مَنْدُوبٌ، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَرَحًا بِقُدُومِهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ، أَوْ إلَى مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ فَيُهَنِّيهِ أَوْ مُصِيبَةٌ فَيُعَزِّيهِ انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْقِيَامَ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مَكْرُوهٌ. وَالْقَاعِدَةُ زَوَالُ الْكَرَاهَةِ بِأَدْنَى حَاجَةٍ فَكَيْفَ بِالْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ. وَقَدْ «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِ فَاطِمَةُ بُضْعَتُهُ الشَّرِيفَةُ ﵍» . قَالَتْ سَيِّدَتُنَا وَأُمُّنَا عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا: «مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ كَانَتْ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. «وَمِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَقَّاهُ لَمَّا قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ فَالْتَزَمَهُ، وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ صَحَابِيٌّ سَكَنَ دِمَشْقَ قَالَ «دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فَتَحَرَّكَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ فِي الْمَكَانِ سَعَةً، فَقَالَ لِلْمُؤْمِنِ أَوْ لِلْمُسْلِمِ حَقٌّ» . وَمِنْهُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ مُسْلِمًا مُهَاجِرًا قَامَ إلَيْهِ فَرَحًا بِقُدُومِهِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ بِسَنَدِهِ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا. وَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ﵁. رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «دَخَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ -

стр. 318

فِي بَيْتِي فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ وَاَللَّهِ مَا رَأَيْته عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» . وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي بَاب الضَّرِيرِ يُوَلَّى مِنْ كِتَابِ الْإِمَارَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ كُلَّمَا أَقْبَلَ وَيَقُولُ مَرْحَبًا بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي » وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ غَيْرُ الْخَطَّابِيِّ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْقِيَامِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ مَعَنَا فِي الْمَجْلِسِ يُحَدِّثُنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ» . وَعَنْ جَرِيرٍ ﵁ «أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَلْقَى لَهُ كِسَاءَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ إذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ عِنْدَهُمْ. وَرَوَى مُرْسَلًا عَنْ الشَّعْبِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ أَبُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَأَجْلَسَهُ عَلَى بَعْضِ ثَوْبِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ» . مُرْسَلٌ جَيِّدٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ. وَلِذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي مِنْ أَئِمَّتِنَا: وَإِكْرَامُ الْعُلَمَاءِ وَأَشْرَافِ الْقَوْمِ بِالْقِيَامِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ. وَكُرِهَ أَنْ يَطْمَعَ فِي الْقِيَامِ لَهُ لِلْحَدِيثِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إذَا اعْتَادَ النَّاسُ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَقِيَامُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أَحَقُّ. (تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْإِمَامُ مَجْدُ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مُنْتَقَى الْأَحْكَامِ «عَنْ قِيَامِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ بِالسَّيْفِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي ذَمِّهِ لِمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا» . وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الرَّئِيسِ الرِّجَالَ عَلَى رَأْسِهِ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ وَمَوَاطِنِ الْحُرُوبِ جَائِزٌ، وَأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ

стр. 319

أَرَادَ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ صُفُوفًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ قَصَدَ بِهِ الْكِبْرَ، وَذَهَبَ مَذْهَبَ النَّخْوَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَقْصُودٍ شَرْعِيٍّ لَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ فِي السِّيرَةِ الشَّامِيَّةِ فِي «قِيَامِ الْمُغِيرَةِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ» : فِيهِ جَوَازُ الْقِيَامِ عَلَى رَأْسِ الْأَمِيرِ بِهِ بِقَصْدِ الْحِرَاسَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ تَرْهِيبِ الْعَدُوِّ، وَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنْ الْقِيَامِ عَلَى رَأْسِ الْجَالِسِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِ انْتَهَى. وَلَمَّا ذَكَرَ الْقِيَامَ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ وَهُمَا مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ السَّلَامِ، ذَكَرَ الْمُصَافَحَةَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مُتَعَلَّقَاتِهِ أَيْضًا فَقَالَ: مَطْلَبٌ: فِي الْمُصَافَحَةِ وَصَافِحْ لِمَنْ تَلْقَاهُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمِ ... تَنَاثَرْ خَطَايَاكُمْ كَمَا فِي الْمُسْنَدِ (وَصَافِحْ) أَيُّهَا الْأَخُ الْحَرِيصُ عَلَى اقْتِفَاءِ الْمَأْثُورِ، وَامْتِثَالِ الْوَارِدِ الْمَسْطُورِ، عَنْ النَّبِيِّ الْأَوَّابِ، الْمَبْعُوثِ بِالسُّنَّةِ وَالْكِتَابِ. وَالْمُصَافَحَةُ مُفَاعَلَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنْ إلْصَاقِ صَفْحِ الْكَفِّ بِالْكَفِّ، وَإِقْبَالِ الْوَجْهِ عَلَى الْوَجْهِ. يُقَالُ صَافَحْته أَفْضَيْت بِيَدِي إلَى يَدِهِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمُصَافَحَةُ الْأَخْذُ بِالْيَدِ كَالتَّصَافُحِ (لِمَنْ) أَيْ رَجُلًا مُسْلِمًا وَكَذَا صَبِيًّا حَيْثُ وَثِقْت مِنْ نَفْسِك وَأَمِنْت مِنْ الْفِتْنَةِ بِهِ لِقَصْدِ تَعْلِيمِهِ حُسْنَ الْخُلُقِ، وَكَذَا عَجُوزٌ إلَّا الشَّابَّةَ الْأَجْنَبِيَّةَ فَتَحْرُمُ مُصَافَحَتُهَا لِلرَّجُلِ كَمَا فِي الْفُصُولِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُصَافَحَةَ مِنْ النَّظَرِ. وَأَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ كَرَاهَةَ مُصَافَحَةِ النِّسَاءِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قُلْت فَيُصَافِحُهَا بِثَوْبِهِ؟ قَالَ: لَا. وَالتَّحْرِيمُ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ. وَعُلِّلَ بِأَنَّ الْمُلَامَسَةَ أَبْلَغُ مِنْ النَّظَرِ. (تَلْقَاهُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ) مَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الشَّابَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَمَنْ يَخَافُ بِهِ فِتْنَةً. وَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَا يُصَافِحُ غَيْرَ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنْ مُصَافَحَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي، وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ مُصَافَحَةَ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ. وَكَذَا الْأَمْرَدُ الْأَمْرَدَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ

стр. 320

كَذَلِكَ. فَإِنْ تَفْعَلْ مِنْ مُصَافَحَةِ مَنْ تَلْقَاهُ (تُنَاثَرْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَوْ لِلْفَاعِلِ بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا وَالْأَصْلُ تَتَنَاثَرُ وَهُوَ مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ. وَالتَّنَاثُرُ مِنْ النَّثْرِ يُقَالُ نَثَرَ الشَّيْءَ يَنْثُرُهُ وَنَثَرَهُ نَثْرًا وَنِثَارًا رَمَاهُ مُتَفَرِّقًا كَنَثَرَهُ فَتَنَاثَرَ وَالْمَعْنَى تَتَسَاقَطُ (خَطَايَاكُمْ) جَمْعُ خَطِيئَةٍ. وَهِيَ الذَّنْبُ أَوْ مَا يُتَعَمَّدُ مِنْهُ كَالْخِطْءِ بِالْكَسْرِ وَالْخَطَأِ مَا لَمْ يُتَعَمَّدْ، وَالْمُرَادُ هُنَا: مُطْلَقُ الذُّنُوبِ الْعَمْدِ وَغَيْرِهَا، وَأَرَادَ خَطَايَا الْمُتَصَافِحَيْنِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَرَى الْجَمْعَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى (فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) يَعْنِي أَخَوَيْنِ فَصَاعِدًا (كَمَا فِي) الْحَدِيثِ (الْمُسَنَّدِ) مُخَفَّفًا وَشَدَّدَهُ ضَرُورَةً لِلْوَزْنِ. وَفِي ذَلِكَ عِدَّةُ أَخْبَارٍ، عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا اللَّهَ - تَعَالَى - وَاسْتَغْفَرَاهُ غُفِرَ لَهُمَا» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ الْتَقَيَا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَحْضُرَ دُعَاءَهُمَا وَلَا يُفَرِّقَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى يَغْفِرَ لَهُمَا» . وَقَالَ أَنَسٌ ﵁: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، وَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا لَقِيَ الْمُؤْمِنَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» وَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ النَّاظِمُ ﵀. وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ حُذَيْفَةَ فَأَرَادَ أَنْ يُصَافِحَهُ فَتَنَحَّى حُذَيْفَةُ فَقَالَ: إنِّي كُنْت جُنُبًا فَقَالَ: إنَّ الْمُسْلِمَ إذَا صَافَحَ أَخَاهُ تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَحَاتَّ وَرَقُ الشَّجَرِ» .

стр. 321

وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَلْمَانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الْمُسْلِمَ إذَا لَقِيَ أَخَاهُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُمَا ذُنُوبُهُمَا كَمَا يَتَحَاتَّ الْوَرَقُ عَنْ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ، وَإِلَّا غُفِرَ لَهُمَا وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُمَا مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «مِنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ الْأَخْذُ بِالْيَدِ» . وَفِي الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ قَتَادَةَ: قُلْت لِأَنَسٍ ﵁ أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ نَعَمْ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ الْعَدَوِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عِتْرَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ وَهُوَ مَجْهُولٌ قَالَ قُلْت لِأَبِي ذَرٍّ حَيْثُ سُيِّرَ إلَى الشَّامِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَك عَنْ حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ إذَنْ أُخْبِرَكَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سِرًّا، قُلْت إنَّهُ لَيْسَ بِسِرٍّ، «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَافِحُكُمْ إذَا لَقِيتُمُوهُ؟ قَالَ مَا لَقِيته قَطُّ إلَّا صَافَحَنِي وَبَعَثَ إلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي فَجِئْت فَأُخْبِرْت أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَيَّ فَأَتَيْته وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ فَالْتَزَمَنِي فَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ» . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ هَكَذَا مُعْضَلًا، وَقَدْ أَسْنَدَهُ مِنْ طُرُقٍ فِيهَا مَقَالٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ نَظَرٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ الْمُسْلِمَيْنِ إذَا الْتَقَيَا فَتَصَافَحَا وَتَسَاءَلَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ لِأَبَشِّهِمَا وَأَطْلَقِهِمَا وَأَبَرِّهِمَا وَأَحْسَنِهِمَا مَسْأَلَةً بِأَخِيهِ» وَمَعْنَى لِأَبَشِّهِمَا أَكْثَرُهُمَا بَشَاشَةً وَهِيَ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ مَعَ التَّبَسُّمِ وَحَسَنِ الْإِقْبَالِ وَاللُّطْفِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَمَعْنَى أَطْلَقَهُمَا أَكْثَرُهُمَا وَأَبْلَغُهُمَا طَلَاقَةً وَهِيَ بِمَعْنَى الْبَشَاشَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا الْتَقَى الرَّجُلَانِ الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أَحْسَنُهُمَا بِشْرًا لِصَاحِبِهِ، فَإِذَا تَصَافَحَا نَزَلَتْ عَلَيْهِمَا مِائَةُ رَحْمَةٍ لِلْبَادِئِ مِنْهُمَا تِسْعُونَ وَلِلْمُصَافِحِ عَشْرَةٌ» . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ لَمَّا جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَدْ جَاءَكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالْمُصَافَحَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

стр. 322

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي دَاوُد الْأَعْمَى وَهُوَ مَتْرُوكٌ قَالَ لَقِيَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁ فَأَخَذَ بِيَدِي وَصَافَحَنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي ثُمَّ قَالَ: تَدْرِي لِمَ أَخَذْتُ بِيَدِكَ؟ قُلْت لَا إلَّا إنَّنِي ظَنَنْت أَنَّك لَمْ تَفْعَلْهُ إلَّا لِخَيْرٍ، فَقَالَ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَنِي فَفَعَلَ بِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ أَتَدْرِي لِمَ فَعَلْت بِك ذَلِكَ؟ قُلْت لَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّ الْمُسْلِمَيْنِ إذَا الْتَقَيَا وَتَصَافَحَا وَضَحِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وَجْهِ صَاحِبِهِ لَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ إلَّا لِلَّهِ، لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُمَا» . إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ، وَاَللَّهُ الْحَلِيمُ السَّتَّارُ. مَطْلَبٌ: أَوَّلُ مَنْ صَافَحَ وَعَانَقَ سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ ﵇ - (تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : مِنْهَا أَوَّلُ مَنْ صَافَحَ وَعَانَقَ سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كَمَا فِي مُثِيرِ الْغَرَامِ وَالْأُنْسِ الْجَلِيلِ وَالْأَوَائِلِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْإِسْكَنْدَرُ الْأَكْبَرُ، فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ الْمُفَضَّلِ الْمُوَقَّرِ، صَافَحَهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَعَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ وَعَمَّمَهُ، وَأَهْدَاهُ لِلْخَيْرِ وَعَمَّمَهُ، وَتَشَرَّعَ الْإِسْكَنْدَرُ بِشَرِيعَتِهِ، وَدَخَلَ مَعَهُ فِي مِلَّتِهِ. وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي كِتَابِي الْجَوَابِ الْمُحَرَّرِ، فِي الْخَضِرِ وَالْإِسْكَنْدَرِ. وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا فِي خَبَرِ أَنَسٍ. كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي حَدْسٍ. (الثَّانِي) سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - أَغْدَقَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ عَلَى رُوحِهِ الزَّكِيَّةِ - عَنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ هَلْ هِيَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَمْ لَا؟ أَجَابَ ﵁ بِقَوْلِهِ: أَمَّا الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصَّلَاةِ فَبِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى. قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ مُبَاحَةٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّهَا سُنَّةٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيُّ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَصْلُ الْمُصَافَحَةِ سَنَةٌ، وَكَوْنُهُمْ حَافَظُوا عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لَا يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْ أَصْلِ السُّنَّةِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَلِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ، وَبَعْضُهُمْ أَطْلَقَ تَحْرِيمَهَا. انْتَهَى. قُلْت: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ عَقِبَ الدُّرُوسِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَنْوَاعِ مَجَامِعِ الْخَيْرَاتِ.

стр. 323

الثَّالِثُ) : الْحَدِيثُ الْمُسَلْسَلُ بِالْمُصَافَحَةِ رَوَيْنَاهُ عَنْ عِدَّةِ أَشْيَاخٍ، مِنْهُمْ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ الْوَرِعُ خَاتِمَةُ مَنْ رَأَيْنَا مُتَخَلِّقًا بِأَخْلَاقِ السَّلَفِ الصَّالِحِ شَيْخُنَا قَالَ شَيْخُنَا التَّغْلِبِيُّ: صَافَحَنِي الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّاوِيُّ الْمُجَلَّلُ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ، وَالشَّيْخُ الْعَارِفُ شَيْخُنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ وَجَمَاعَةٌ. قَالَ شَيْخُنَا التَّغْلِبِيُّ: صَافَحَنِي الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ الشَّاوِيُّ الْمَغْرِبِيُّ وَذَكَرَ سَنَدَهُ فِي ثَبْتِهِ إلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «صَافَحْت بِكَفِّي هَذِهِ كَفَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أَرَ خَزًّا وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّهِ ﷺ » . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمِ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الرَّابِعُ) : صَرَّحَ فِي الْفُصُولِ أَنَّ لِلرَّجُلِ مُصَافَحَةَ الْعَجُوزِ وَالْبَرْزَةِ. وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ بَلْ صَرِيحُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْبَرْزَةُ شَابَّةً أَجْنَبِيَّةً، وَذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْآدَابِ وَظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ وَالْغَايَةِ يُخَالِفُهُ، وَعِبَارَةُ الْغَايَةِ: وَحَرُمَ مُصَافَحَةُ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ شَابَّةٍ. انْتَهَى. فَلَمْ يَسْتَثْنِ سِوَى مَا أَفْهَمَهُ مِنْ قَوْلِهِ: أَجْنَبِيَّةٍ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ يَعْنِي وَزَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ. وَبِقَوْلِهِ شَابَّةٍ الْعَجُوزَ وَلَمْ يَقُلْ خَفِرَةً حَتَّى تَخْرُجَ الْبَرْزَةُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ السَّلَامِ. مَطْلَبٌ: السُّجُودُ يَرِدُ لِمَعَانٍ وَلَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حَلَّ سُجُودُنَا ... وَيُكْرَهُ تَقْبِيلُ الثَّرَى بِتَشَدُّدِ (وَلَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ) (حَلَّ) أَيْ شُرِعَ (سُجُودُنَا) مَعْشَرَ الْعِبَادِ، وَأَمَّا لِلْمَلِكِ الْجَوَّادِ، فَقَدْ شَرَعَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، فَتَارَةً يَكُونُ فَرْضًا، وَأُخْرَى طَاعَةً وَنَفْلًا. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِنَا: السُّجُودُ يَرِدُ لِمَعَانٍ، مِنْهَا الِانْحِنَاءُ وَالْمَيْلُ مِنْ قَوْلِهِمْ سَجَدَتْ الدَّابَّةُ وَأَسْجَدَتْ إذَا خَفَضَتْ رَأْسَهَا لِتُرْكَبَ. وَمِنْهَا الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ. وَمِنْهَا التَّحِيَّةُ، وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] أَنَّهُمْ سَجَدُوا لِيُوسُفَ إكْرَامًا وَتَحِيَّةً، وَأَنَّهُ كَانَ يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِذَلِكَ وَبِالِانْحِنَاءِ فَحَظَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَذَكَرَ كَلَامَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَلَمْ يُخَالِفْهُ، فَدَلَّ عَلَى مُوَافَقَتِهِ. وَأَمَّا الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ فَجَزَمَ بِتَحْرِيمِ السُّجُودِ وَالِانْحِنَاءِ وَالْقِيَامِ عَلَى الرَّأْسِ وَهُوَ

стр. 324

جَالِسٌ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ: سَجَدَ الرَّجُلُ إذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ، وَسَجَدَ إذَا وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالْأَرْضِ انْتَهَى. فَإِذَا كَانَ السُّجُودُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا خُضُوعَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَرَأَيْنَا مِنْهُ عَجَبًا، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَانَ لِي حَائِطٌ فِيهِ عَيْشُ عِيَالِي وَلِي فِيهِ نَاضِحَانِ فَحْلَانِ قَدْ مَنَعَانِي أَنْفُسَهُمَا وَحَائِطِي وَمَا فِيهِ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُمَا، فَنَهَضَ نَبِيُّ ﷺ حَتَّى أَتَى الْحَائِطَ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: افْتَحْ، فَقَالَ أَمْرُهُمَا عَظِيمٌ، فَقَالَ افْتَحْ، فَلَمَّا حُرِّكَ الْبَابُ أَقْبَلَا وَلَهُمَا جَلَبَةٌ أَيْ صَوْتٌ وَرُغَاءٌ فَلَمَّا انْفَرَجَ الْبَابُ وَنَظَرَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَرَكَا ثُمَّ سَجَدَا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِرُءُوسِهِمَا ثُمَّ دَفَعَهُمَا لِصَاحِبِهِمَا وَقَالَ اسْتَعْمِلْهُمَا وَأَحْسِنْ عَلَفَهُمَا، فَقَالَ الْقَوْمُ تَسْجُدُ لَك الْبَهَائِمُ أَفَلَا تَأْذَنُ لَنَا فِي السُّجُودِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ أَمَرْت أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا؟» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْهُمَا وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ الْأَنْصَارِ لَهُمْ جَمَلٌ يَسْتَنُّونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْجَمَلَ اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِمْ فَمَنَعَهُمْ ظَهْرَهُ، فَجَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَكَوْا إلَيْهِ اسْتِصْعَابَهُ وَقَالُوا: قَدْ عَطِشَ الزَّرْعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ قُومُوا فَقَامُوا، فَدَخَلَ الْحَائِطَ، وَالْجَمَلُ فِي نَاحِيَتِهِ، فَمَشَى النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَهُ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ صَارَ مِثْلَ الْكَلْبِ وَإِنَّا نَخَافُ عَلَيْك صَوْلَتَهُ، فَقَالَ لَيْسَ عَلَيَّ مِنْهُ بَأْسٌ، فَلَمَّا نَظَرَ الْجَمَلُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ أَقْبَلَ نَحْوَهُ حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -

стр. 325

بِنَاصِيَتِهِ أَذَلَّ مَا كَانَتْ حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي الْعَمَلِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ بَهِيمَةٌ لَا تَعْقِلُ تَسْجُدُ لَك، وَنَحْنُ نَعْقِلُ فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَك قَالَ لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا» . وَأَخْرَجَ أَيْضًا نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁. وَقَالَ الْإِمَام الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ الذُّلُّ وَالِانْكِسَارُ لِلْعَزِيزِ الْجَبَّارِ: السُّجُودُ أَعْظَمُ مَا يَظْهَرُ فِيهِ ذُلُّ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ ، حَيْثُ جَعَلَ الْعَبْدُ أَشْرَفَ مَا لَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ وَأَعَزَّهَا عَلَيْهِ وَأَعْلَاهَا حَقِيقَةً أَوْضَعَ مَا يُمْكِنُهُ فَيَضَعُهُ فِي التُّرَابِ مُعَفَّرًا، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ انْكِسَارُ الْقَلْبِ وَتَوَاضُعُهُ وَخُشُوعُهُ، وَلِذَا كَانَ جَزَاءُ الْعَبْدِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ يُقَرِّبَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، فَإِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ كَمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] وَهُوَ مِمَّا كَانَ يَأْنَفُ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ الْمُتَكَبِّرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَكْرَهُ أَنْ أَسْجُدَ فَتَعْلُونِي اسْتِي. وَإِنَّمَا طَرَدَ اللَّهُ إبْلِيسَ لَمَّا اسْتَكْبَرَ عَنْ السُّجُودِ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلِذَا يَبْكِي إذَا سَجَدَ الْمُؤْمِنُ، وَيَقُولُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَفَعَلَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْت فَعَصَيْت فَلِيَ النَّارُ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَيْلَةً فِي سُجُودِهِ «أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي دَاوُد ﵇ أُعَفِّرُ وَجْهِي فِي التُّرَابِ لِسَيِّدِي وَحُقَّ لِوَجْهِ سَيِّدِي أَنْ تُعَفَّرَ الْوُجُوهُ لِوَجْهِهِ» . قَالَ وَمَرَّ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ بِحَاتِمٍ الْأَصَمِّ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ يَا حَاتِمُ تُحْسِنُ تُصَلِّي؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ: كَيْفَ تُصَلِّي؟ قَالَ حَاتِمٌ أَقُومُ بِالْأَمْرِ، وَأَمْشِي بِالْخَشْيَةِ وَأَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ، وَأُكَبِّرُ بِالْعَظَمَةِ، وَأَقْرَأُ بِالتَّرَسُّلِ وَالتَّفَكُّرِ، وَأَرْكَعُ بِالْخُشُوعِ، وَأَسْجُدُ بِالتَّوَاضُعِ، وَأَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ بِالتَّمَامِ، وَأُسَلَّمُ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، وَأُسَلِّمُهَا إلَى اللَّهِ ، وَأَرْجِعُ عَلَى نَفْسِي بِالْخَوْفِ فَأَخَافُ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنِّي، وَأَحْفَظُهُ بِالْجَهْدِ إلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ: تَكَلَّمْ فَأَنْتَ تُحْسِنُ تُصَلِّي. فَالسُّجُودُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَظْهَرُ بِهِ التَّوَاضُعُ وَالذُّلُّ لِلْمَعْبُودِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ إلَّا لِلَّهِ فَيَحْرُمُ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ.

стр. 326

وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةً شَدِيدَةً كَمَا فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى (تَقْبِيلُ) مِنْ الْقُبْلَةِ، وَهِيَ عَرَبِيَّةٌ وَالْبُوسُ فَارِسِيٌّ (الثَّرَى) أَصْلُهُ النَّدَى وَالتُّرَابُ النَّدِيُّ أَوْ الَّذِي إذَا بُلَّ لَمْ يَصِرْ طِينًا لَازِبًا. وَالْمُرَادُ هُنَا تَقْبِيلُ الْأَرْضِ فَيُكْرَهُ (بِتَشَدُّدٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ السُّجُودَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِسُجُودٍ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ الشَّرْعِيَّ وَضْعُ الْجَبْهَةِ بِالْأَرْضِ عَلَى طَهَارَةٍ لِلَّهِ وَحْدَهُ إلَى جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهَذَا إنَّمَا يُصِيبُ الْأَرْضَ مِنْهُ فَمُهُ، وَذَلِكَ لَا يَجْزِي فِي السُّجُودِ قَالَهُ النَّاظِمُ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَهَذَا يَعْنِي تَقْبِيلَ الْأَرْضِ لَا يُفْعَلُ غَالِبًا إلَّا لِلدُّنْيَا، وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الِانْحِنَاءِ، وَمِنْ تَقْبِيلِ الْيَدِ لِلدُّنْيَا. مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ الِانْحِنَاءِ وَجَوَازِ تَقْبِيلِ الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَيُكْرَهُ مِنْك الِانْحِنَاءُ مُسَلِّمًا ... وَتَقْبِيلُ رَأْسِ الْمَرْءِ حَلَّ وَفِي الْيَدِ (وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (مِنْك الِانْحِنَاءُ) أَيْ الِالْتِوَاءُ وَالِانْعِطَافُ (مُسَلِّمًا) مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَيْ يُكْرَهُ مِنْك الِانْحِنَاءُ لِأَجْلِ السَّلَامِ أَوْ فِي السَّلَامِ فَيَكُونُ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ وَصَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: لَا قَالَ أَفَيُلْزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَيَأْخُذُهُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَدَّمَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ أَبِي الْمَعَالِي أَنَّ التَّحِيَّةَ بِانْحِنَاءِ الظَّهْرِ جَائِزٌ، وَقِيلَ: هُوَ سُجُودُ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ. قَالَ: وَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ عُمَرَ الشَّامَ حَيَّاهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ فَلَمْ يَنْهَهُمْ وَقَالَ: هَذَا تَعْظِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِالْجَوَازِ عَدَمُ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنَافِي الْكَرَاهِيَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا تَقْبِيلُ رَأْسِ الْإِنْسَانِ وَيَدِهِ وَنَحْوِهِمَا فَحَلَالٌ، وَلِذَا قَالَ ﵀ (وَتَقْبِيلُ رَأْسِ الْمَرْءِ) أَيْ الْإِنْسَانِ تَدَيُّنًا (حَلَّ) فِي الشَّرْعِ (وَ) كَذَا تَقْبِيلُهُ (فِي الْيَدِ) بِلَا كَرَاهَةٍ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ. مَطْلَبٌ: يُبَاحُ تَقْبِيلُ الْيَدِ وَالْمُعَانَقَةُ تَدَيُّنًا قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَتُبَاحُ الْمُعَانَقَةُ وَتَقْبِيلُ الْيَدِ وَالرَّأْسِ تَدَيُّنًا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا عَدَمُ إبَاحَتِهِ لِأَمْرِ الدُّنْيَا. وَاخْتَارَهُ

стр. 327

بَعْضُ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْكَرَاهَةُ أَوْلَى. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قُبْلَةِ الْيَدِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ التَّدَيُّنِ فَلَا بَأْسَ، قَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄. وَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الدُّنْيَا فَلَا إلَّا رَجُلًا تَخَافُ سَيْفَهُ أَوْ سَوْطَهُ. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ أَيْضًا: وَكَرِهَهَا عَلَى طَرِيقِ الدُّنْيَا. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ التَّابِعِيُّ: الْقُبْلَةُ سُنَّةٌ. وَقَالَ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَثِيرًا يُقَبِّلُ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ وَخَدَّهُ وَلَا يَقُولُ شَيْئًا. وَرَأَيْته لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَأَيْت سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد الْهَاشِمِيَّ يُقَبِّلُ جَبْهَتَهُ وَرَأْسَهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ: رَأَيْت كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَبَنِي هَاشِمٍ وَقُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ يُقَبِّلُونَهُ يَعْنِي أَبَاهُ بَعْضُهُمْ يَدَهُ وَبَعْضُهُمْ رَأْسَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ غَيْرَهُ، وَلَمْ أَرَهُ يَشْتَهِي أَنْ يُفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ. وَقَالَ لَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ: تَرَى أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ رَأْسَ الرَّجُلِ أَوْ يَدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَقْبِيلُ الْيَدِ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَادُونَهُ إلَّا قَلِيلًا. وَذَكَرَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُمْ «لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَامَ مُؤْتَةَ وَقَالُوا نَحْنُ الْفَرَّارُونَ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ أَنَا فَيْئَةُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَبَّلُوا يَدَهُ» . وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْحَافِظِ بْنِ حَجَرٍ «أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ وَكَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَهُ قَبَّلُوا يَدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ. وَقَبَّلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ أَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: صَلَّى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جِنَازَةِ أُمِّهِ فَقُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَتُهُ لِيَرْكَبَ فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ فَقَالَ خَلِّ عَنْهَا يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَكَذَا نَفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنْهُ الْعِلْمَ، فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا ﷺ .

стр. 328

قَالَ: وَرَخَّصَ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّدَيُّنِ، وَكَرِهَهُ آخَرُونَ كَمَالِكٍ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: هِيَ السَّجْدَةُ الصُّغْرَى. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُقَالُ تَقْبِيلُ الْيَدِ إحْدَى السَّجْدَتَيْنِ. قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: وَأَمَّا ابْتِدَاءُ الْإِنْسَانِ بِمَدِّ يَدِهِ لِلنَّاسِ لِيُقَبِّلُوهَا، وَقَصْدُهُ لِذَلِكَ فَهَذَا يُنْهَى عَنْهُ بِلَا نِزَاعٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُقَبِّلُ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَلَمَّا تَنَاوَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ يَدَ عُمَرَ ﵄ لِيُقَبِّلَهَا قَبَضَهَا، فَتَنَاوَلَ رِجْلَهُ فَقَالَ مَا رَضِيت مِنْك بِتِلْكَ فَكَيْفَ هَذِهِ. وَقَبَضَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَدَهُ مِنْ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُقَبِّلَهَا، وَقَالَ: مَهْ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا مِنْ الْعَرَبِ إلَّا هَلُوعٌ، وَمِنْ الْعَجَمِ إلَّا خَضُوعٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: قُبْلَةُ يَدِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ طَاعَةٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: قُبْلَةُ الْوَالِدِ عِبَادَةٌ، وَقُبْلَةُ الْوَلَدِ رَحْمَةٌ، وَقُبْلَةُ الْمَرْأَةِ شَهْوَةٌ، وَقُبْلَةُ الرَّجُلِ أَخَاهُ دَيْنٌ. وَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ تَقْبِيلَ يَدِ الظَّالِمِ مَعْصِيَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ خَوْفٍ. وَقَالَ فِي مَنَاقِبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: يَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يُبَالِغَ فِي التَّوَاضُعِ لِلْعَالِمِ وَيُذَلُّ لَهُ. قَالَ: وَمِنْ التَّوَاضُعِ تَقْبِيلُ يَدِهِ. وَقَبَّلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ أَحَدُهُمَا يَدَ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ وَالْآخَرُ رِجْلَهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَمَّا تَقْبِيلُ يَدِ الْعَالِمِ وَالْكَرِيمِ لِرِفْدِهِ وَالسَّيِّدِ لِسُلْطَانِهِ فَجَائِزٌ، وَأَمَّا إنْ قَبَّلَ يَدَهُ لِغِنَاهُ فَقَدْ رُوِيَ «مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِغِنَاهُ فَقَدْ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ» انْتَهَى. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الصَّحَابَةَ قَبَّلُوا يَدَ الْمُصْطَفَى كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَارِّ عِنْدَ قُدُومِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَا عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى قَوْلِهِ فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَالَا نَشْهَدُ أَنَّك نَبِيٌّ اللَّهِ» .

стр. 329

وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أُمِّ أَبَانَ بِنْتِ الْوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ عَنْ جَدِّهَا زَارِعٍ وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ «فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَهُ» وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ كَمَا فِي السِّيرَةِ الشَّامِيَّةِ، وَفِيهَا «ثُمَّ جَاءَ مُنْذِرٌ الْأَشَجُّ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهَا وَهُوَ سَيِّدُ الْوَفْدِ وَكَانَ دَمِيمًا فَلَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى دَمَامَتِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ لَا يُسْقَى فِي مُسُوكِ أَيْ جُلُودِ الرِّجَالِ إنَّمَا يُحْتَاجُ مِنْ الرَّجُلِ إلَى أَصْغَرَيْهِ: لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ فِيك خُلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ» الْحَدِيثَ. وَرُوِيَ أَيْضًا قِصَّةُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لَمَّا طَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ فَقَالَ «اصْبِرْنِي، فَقَالَ: اصْطَبِرْ، أَيْ قُدْنِي، فَقَالَ اتَّقِدْ، قَالَ إنَّ عَلَيْك قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، قَالَ إنَّمَا أَرَدْت هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. قُلْت وَفِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ «لَمَّا انْكَشَفَ أَوَّلُ عَسْكَرِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ عَمِّهِ ﷺ وَأَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ لَمَّا لَقِينَا الْقَوْمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ اقْتَحَمْت عَنْ فَرَسِي وَبِيَدِي السَّيْفُ مُصْلِتًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنِّي أُرِيدُ الْمَوْتَ دُونَهُ ﷺ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيَّ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخُوك وَابْنُ عَمِّك أَبُو سُفْيَانَ فَارْضَ عَنْهُ، قَالَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا، ثُمَّ الْتَفَتَ وَقَالَ يَا أَخِي، فَقَبَّلْت رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ وَقَالَ ﷺ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ سَيِّدُ فَتَيَانِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» . وَقَوْلُهُ ﵊ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ وَهَجَاهُ، وَهُوَ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ حَسَّانُ فِي قَوْلِهِ: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي ... مُغَلْغِلَةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ بِأَنَّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْك عَبْدًا ... وَعَبْدُ الدَّارِ سَادَتُهَا الْإِمَاءُ

стр. 330

فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ «لَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْأَبْوَاءِ وَابْنٌ لَهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ ابْنُ عَمَّتِهِ وَصِهْرُهُ، وَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فِيهِمَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ وَصِهْرُكَ لَا يَكُونَا أَشْقَى النَّاسِ بِك قَالَ لَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الْأَذِيَّةِ لِرَسُولِ اللَّهِ كَثِيرَ الْهَجْوِ لَهُ مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ آلَفَ النَّاسِ إلَيْهِ، قَالَ: وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الَّذِي قَالَ بِمَكَّةَ مَا قَالَ أَيْ لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى تَعْرُجَ إلَى السَّمَاءِ فِي سُلَّمٍ وَنَحْنُ نَنْظُرُ وَتَأْتِي بِصَكٍّ وَأَرْبَعَةِ مَلَائِكَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّك حَتَّى تَنْزِلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ فَلَمَّا خَرَجَ الْخَبَرُ إلَيْهِمَا بِذَلِكَ وَمَعَ أَبِي سُفْيَانَ بَنِيَّ لَهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَيَأْذَنَنَّ لِي أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ بَنِيَّ هَذَا ثُمَّ نَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهُمَا رِقًّا شَدِيدًا ثُمَّ أَذِنَ لَهُمَا فَدَخَلَا عَلَيْهِ، وَأَسْلَمَا» . وَفِي الْهَدْيِ لِلْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْقَيِّمِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ «أَنَّ عَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ ﵁ ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقُلْ لَهُ مَا قَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ ﵈ ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] فَإِنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْهُ قَوْلًا فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ ﵁ مُعْتَذِرًا: لَعَمْرُكَ إنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً ... لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ لَك الْمُدْلِجُ الْحَيْرَانُ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ... فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أَهْدِي وَأَهْتَدِي هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَدَلَّنِي ... عَلَى اللَّهِ مَنْ طَرَدْته كُلَّ مُطْرَدِ أَصُدُّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدِ ... وَأَدَّعِي كَأَنْ لَمْ أَنْتَسِبْ مِنْ مُحَمَّدِ هُمُو مَا هُمُو مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمُو ... وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلِمُّ وَيُفْسِدُ أُرِيدُ لِأُرْضِيهِمْ وَلَسْت بِلَائِطٍ ... مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدِ فِي كُلِّ مَقْعَدِ

стр. 331

فَقُلْ لِثَقِيفٍ لَا أُرِيدُ قِتَالَهَا ... وَقُلْ لِثَقِيفٍ تِلْكَ عِيرِي أَوْعِدْ فَمَا كُنْت فِي الْجَيْشِ الَّذِي نَالَ عَامِرًا ... وَمَا كَانَ عَنْ جَرْيِ لِسَانِي وَلَا يَدِي قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ ... تُرَايِعُ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُوْدُدِ » قَالَ فِي الْهَدْيِ، كَابْنِ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ: «إنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمَّا قَالَ: وَدَلَّنِي عَلَى اللَّهِ مَنْ طَرَدْته كُلَّ مُطْرَدِ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ وَقَالَ أَنْتَ طَرَدَتْنِي كُلَّ مُطْرَدِ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ ﵁» . قَالَ فِي الْهَدْيِ: وَيُقَالُ إنَّهُ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمَ حَيَاءً مِنْهُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّهُ وَشَهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ. كَمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونَ خَلَفًا مِنْ حَمْزَةَ» . وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ﵁ بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَيَّ فَمَا نَطَقْت بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْت. انْتَهَى. وَحَلَّ عِنَاقٌ لِلْمُلَاقِي تَدَيُّنَا ... وَيُكْرَهُ تَقْبِيلُ الْفَمِ افْهَمْ أَوْ قَيِّدِ (وَحَلَّ) لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَلَاقِينَ مِنْ سَفَرٍ (عِنَاقٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الِالْتِزَامُ. يُقَالُ: عَانَقَهُ إذَا جَعَلَ يَدَيْهِ عَلَى عُنُقِهِ وَضَمَّهُ إلَى نَفْسِهِ (لِ) لِشَخْصِ الْمُسْلِمِ (الْمُلَاقِي) غَيْرَهُ مِنْ سَفَرٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْعِنَاقِ الْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ أَوْ الْمُقِيمِ لِلْقَادِمِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا لِغَيْرِ الْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ فَظَاهِرُ النَّظْمِ كَالْإِرْشَادِ لَا يُطْلَبُ. قَالَ فِي الْإِرْشَادِ الْمُعَانَقَةُ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ حَسَنَةٌ. قَالَ الشَّيْخُ فَقَيَّدَهَا بِالْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ. وَأَطْلَقَ الْقَاضِي، وَالْمَنْصُوصُ فِي السَّفَرِ انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقَادِمِ وَمُعَانَقَتُهُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ. قَالَ الْإِمَامُ ﵁ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمُعَانَقَةِ وَالْقِيَامِ: أَمَّا إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَلَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا إذَا كَانَ عَلَى التَّدَيُّنِ يُحِبُّهُ لِلَّهِ أَرْجُو لِحَدِيثِ جَعْفَرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذَا الْتَقَوْا صَافَحُوا بَعْضَهُمْ، فَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ عَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ «أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَانَقَهُ» ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «خَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ حَتَّى جَاءَ سُوقَ

стр. 332

بَنِي قَيْنُقَاعِ ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ ﵂ فَقَالَ: أَثِمٌ لُكَعٌ أَثِمٌ لُكَعٌ يَعْنِي حَسَنًا فَظَنَنَّا أَنَّهُ إنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لَأَنْ تَغْسِلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» . قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فِي طَائِفَةٍ أَيْ قِطْعَةٍ مِنْهُ، وَقَيْنُقَاعُ بِتَثْلِيثِ النُّونِ. وَلُكَعٌ هُنَا الصَّغِيرُ. وَالْخِبَاءُ بِكَسْرِ الْخَاء وَالْمَدِّ بَيْنَهُمَا بَاءٌ مُوَحَّدٌ. وَالسِّخَابُ بِكَسْرِ السِّينِ جَمْعُهُ سُخُبٌ: الْقِلَادَةُ مِنْ الْقَرَنْفُلِ وَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَخْلَاطِ الطِّيبِ يُعْمَلُ عَلَى هَيْئَةِ السُّبْحَةِ وَيُجْعَلُ قِلَادَةً لِلصِّبْيَانِ وَالْجَوَارِي. وَقِيلَ هُوَ خَيْطٌ سُمِّيَ سَخَّانًا لِصَوْتِ خِرَرَةٌ عِنْدَ حَرَكَتِهِ مِنْ السَّخَبِ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُقَالُ: الصَّخَبُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَتِهِ ﷺ «وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ» وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ لِخَدِيجَةَ «وَبَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا وَصَبَ» وَفِيهِ لِبَاسُ الصِّبْيَانِ الْقَلَائِدَ وَالسَّخَبَ مِنْ الزِّينَةِ وَتَنْظِيفِهِمْ لَا سِيَّمَا عِنْدَ لِقَاءِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَمُلَاطَفَةِ الصَّبِيِّ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ. مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ الْعِنَاقِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَكَرِهَ مَالِكٌ مُعَانَقَةَ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ وَقَالَ بِدْعَةٌ، وَاعْتَذَرَ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ بِجَعْفَرٍ حِينَ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ بِأَنَّهُ خَاصٌّ لَهُ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ مَا تَخُصُّهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَسَكَتَ مَالِكٌ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَسُكُوتُهُ دَلِيلٌ لِتَسْلِيمِ قَوْلِ سُفْيَانَ وَمُوَافَقَتِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ. انْتَهَى. وَقَالَ النَّاظِمُ تَدَيُّنًا أَيْ لِأَجْلِ الدِّينِ وَالِاحْتِرَامِ، وَالْمَوَدَّةِ وَالْإِكْرَامِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ ﵁ الْمَلِكُ السَّلَامُ، وَظَاهِرُ النَّظْمِ عَدَمُ حِلِّهِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا، وَالْكَرَاهَةُ أَوْلَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْآدَابِ الْكُبْرَى. . (وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ وَمَعَهَا يَحْرُمُ اتِّفَاقًا (تَقْبِيلُ) الرَّجُلِ (الْفَمَ) مِنْ الْإِنْسَانِ مَعْرُوفٌ، وَفِيهِ تِسْعُ لُغَاتٍ تَثْلِيثُ الْفَاءِ مَعَ تَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَفَتْحُهَا وَضَمُّهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَتَثْلِيثُهَا مَقْصُورًا مُخَفَّفَ الْمِيمِ وَالتَّاسِعَةُ فَمٌ بِالنَّقْصِ وَإِتْبَاعُ الْفَاءِ الْمِيمَ فِي الْحَرَكَاتِ الْإِعْرَابِيَّةِ، تَقُولُ هَذَا فَمُهُ، وَقَبَّلْت فَمَهُ، وَنَظَرْت إلَى فَمِهِ مِنْ مَحْرَمِهِ، قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: يُقَبِّلُ

стр. 333

الرَّجُلُ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ؟ قَالَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مِنْ الْغَزْوِ قَبَّلَ فَاطِمَةَ ﵂» ، وَكَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَبَّلَ أُخْتَهُ. وَتَقَدَّمَ تَقْبِيلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَرَى مِنْ عَازِبٍ رَحْلًا فَحَمَلَهُ مَعَهُ ابْنُهُ الْبَرَاءُ ﵃ قَالَ الْبَرَاءُ فَدَخَلْت مَعَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى أَهْلِهِ فَإِذَا عَائِشَةُ بِنْتُهُ مُضْطَجِعَةً قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى فَرَأَيْت أَبَاهَا يُقَبِّلُ خَدَّهَا وَقَالَ كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَقَوْلُ النَّاظِمِ ﵀ (افْهَمْ) وَالْمُرَادُ افْهَمْ الْحُكْمَ الْمُرَادَ مِنْ النَّظْمِ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ (وَقَيِّدْ) الْحِلَّ بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ يَعْنِي مَنْ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ، وَإِيَّاكَ مِنْ حَمْلِ كَلَامِي عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِالِاتِّفَاقِ هَذَا سِرُّ قَوْلِ النَّظْمِ افْهَمْ وَقَيِّدْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَأَمَّا اخْتِصَاصُ الْكَرَاهَةِ بِالتَّقْبِيلِ عَلَى الْفَمِ فَنَصُّوا عَلَيْهَا قَالُوا وَلَكِنْ لَا يَفْعَلُهُ عَلَى الْفَمِ أَبَدًا بَلْ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالرَّأْسِ وَذَلِكَ قَلَّ أَنْ يَقَعَ كَرَامَةً بَلْ شَهْوَةً كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَالْمُرَادُ أَيْضًا غَيْرُ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ الْمُبَاحَةِ فَلَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُهُمَا عَلَى الْفَمِ، وَهُوَ مَفْهُومٌ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ افْهَمْ وَقَيِّدْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَنَزْعُ يَدِ مَنْ يُصَافِحُ عَاجِلًا ... وَأَنْ يَتَنَاجَى الْجَمْعُ مَا دُونَ مُفْرَدِ (وَ) وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِلْمُصَافِحِ (نَزْعُ يَدِهِ) (مِنْ) يَدِ (مَنْ) أَيْ الَّذِي (يُصَافِحُهُ عَاجِلًا) أَيْ سَرِيعًا حَتَّى يَنْزِعَ الْأَجْنَبِيُّ يَدَهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُصُولِ: يُكْرَهُ نَزْعُ يَدِهِ مِنْ يَدِ مَنْ يُصَافِحُهُ قَبْلَ نَزْعِهِ هُوَ إلَّا مَعَ حَيَاءٍ أَوْ مَضَرَّةِ التَّأْخِيرِ، وَقَالَ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: وَلَا يَنْزِعُ يَدَهُ حَتَّى يَنْزِعَ الْآخَرُ يَدَهُ إذَا كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ: الضَّابِطُ أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْآخَرَ سَيَنْزِعُ أَمْسَكَ وَإِلَّا فَلَوْ اُسْتُحِبَّ الْإِمْسَاكُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَفْضَى إلَى دَوَامِ الْمُعَاقَدَةِ لَكِنَّ تَقْيِيدَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ حَسَنٌ أَنَّ النَّازِعَ هُوَ الْمُبْتَدِئُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

стр. 334

وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ ﵁. «مَا رَأَيْت رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأْسَهُ. وَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ» . . مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ مُنَاجَاةِ الِاثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ حَالَ الرُّفْقَةِ . (وَ) يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ إذَا كَانَ هُنَاكَ جَمْعٌ (أَنْ يَتَنَاجَى) مِنْ الْمُنَاجَاةِ وَهِيَ الْمُسَارَّةُ، يُقَالُ نَاجَاهُ مُنَاجَاةً سَارَّهُ وَانْتَجَاهُ خَصَّهُ بِمُنَاجَاتِهِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمُنَاجِي هُوَ الْمُخَاطِبُ لِلْإِنْسَانِ وَالْمُحَدِّثُ لَهُ يُقَالُ نَاجَاهُ يُنَاجِيهِ مُنَاجَاةً فَهُوَ مُنَاجٍ، وَالنَّجِيُّ فَعِيلٌ مِنْهُ، وَقَدْ تَنَاجَيْنَا مُنَاجَاةً وَانْتِجَاءً، وَمِنْهُ حَدِيثُ «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ» وَفِي رِوَايَةٍ «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا» أَيْ لَا يَتَسَارَّانِ مُنْفَرِدَيْنِ عَنْهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَسُوءُهُ. (الْجَمْعُ) فَاعِلُ يَتَنَاجَى وَالْمُرَادُ بِهِ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ (مَا) زَائِدَةٌ (دُونَ) إنْسَانٍ وَاحِدٍ (مُفْرَدٍ) لِمَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «أَجَلْ إنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» بِإِسْقَاطِ مِنْ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ. وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لَهُ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ بِزِيَادَةِ مِنْ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: نَطَقُوا بِهَا اللَّفْظَ بِإِسْقَاطِ مِنْ ذَكَرَ لَهُ شَاهِدًا وَيَجُوزُ كَسْرُ هَمْزَةِ أَنَّ وَالْمَشْهُورُ فَتْحُهَا. انْتَهَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ إنَّمَا يُحْزِنُهُ لِأَجْلِ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّ نَجْوَاهُمَا لِتَبْيِيتِ رَأْيٍ أَوْ تَدْسِيسِ غَائِلَةٍ لَهُ، وَالثَّانِي مِنْ أَجْلِ الِاخْتِصَاصِ بِالْكَرَامَةِ وَهُوَ يُحْزِنُ صَاحِبَهُ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ» . قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَالنَّهْيُ عَامٌّ وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَخَصَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالسَّفَرِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 335

(تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) : ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْحُرْمَةُ لَا الْكَرَاهَةُ، فَإِنَّهُ مَتَى انْتَفَى الْحِلُّ خَلَفَهُ الْحَظْرُ، وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ نَسَخَهُ. وَالْمُعْتَمَدُ فِقْهًا يُكْرَهُ ذَلِكَ تَنْزِيهًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) : مَفْهُومُ كَلَامِ النَّاظِمِ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ الرَّابِعِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ ثَالِثِهِمَا. وَفِي الْمُجَرَّدِ: وَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَمُرَادُهُمْ جَمَاعَةٌ دُونَ وَاحِدٍ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ: وَلَا يُكْرَهُ إلَّا إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لَا أَرْبَعَةً فَأَكْثَرَ. فَقَوْلُ النَّاظِمِ الْجَمْعُ يُحْمَلُ عَلَى الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ عَلَى قَوْلٍ. وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْجَمْعِ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْكَرَاهَةِ إذَا كَانُوا أَرْبَعَةً وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ» أَخْرَجَاهُ وَزَادَ أَبُو صَالِحٍ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ فَأَرْبَعَةٌ؟ قَالَ لَا يَضُرُّك رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَقَالَ كُنْت أَنَا وَابْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتِي فِي السُّوقِ فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ وَلَيْسَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي، فَدَعَا ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الثَّالِثِ الَّذِي دَعَا اسْتَأْخِرَا شَيْئًا فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَيَتَنَاجَى اثْنَانِ» لَمْ يُكْرَهْ لِقِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ وَأَمَّا أَنْ يَتَنَاجَى مِنْ الْأَرْبَعَةِ ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ فَالْأَظْهَرُ الْكَرَاهَةُ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ فِي كَلَامِ الْحَجَّاوِيِّ ﵀ مُسَامَحَةً فِي حَمْلِ كَلَامِ النَّاظِمِ عَلَى مَا حَمَلَهُ، وَهَلْ أَحَدٌ قَالَ: إنَّ الْجَمْعَ اثْنَانِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا قَالُوا أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ عَلَى مَذْهَبٍ وَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَقَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَابَلَهُ مِنْ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِذَلِكَ. وَأَمَّا كَوْنُ أَقَلِّ الْجَمْعِ اثْنَيْنِ إنَّمَا وَرَدَ فِي حَجْبِ الْأُمِّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ. وَهَذَا الْجَمْعُ قَلِيلٌ جِدًّا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، لَكِنْ مَا أَحَدٌ قَالَ إنَّ الْجَمْعَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَأَكْثَرَ. وَصَاحِبُ الْآدَابِ الْكُبْرَى قَالَ مُرَادُهُمْ جَمَاعَةٌ دُونَ وَاحِدٍ، وَاسْتَشْهَدَ بِكَلَامِ النَّاظِمِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْحَجَّاوِيِّ بِقَصِّهِ ابْنِ دِينَارٍ مَعَ ابْنِ عُمَرَ وَمُنَادَاتُهُ

стр. 336

لِلرَّجُلِ الرَّابِعِ فَلَا دَلِيلَ لَهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ النَّاظِمِ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ حَيْثُ قَيَّدَ انْفِرَادَ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمَا أَوْ مَعَهُمْ فِي الْمُنَاجَاةِ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ مَتَى كَانَ مَعَهُ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ لَمْ يُكْرَهْ اخْتِصَاصُ بَعْضِ الْجَمْعِ بِالْمُنَاجَاةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ انْفِرَادُ الْجَمْعِ بِالْمُنَاجَاةِ دُونَ وَاحِدٍ مُنْفَرِدٍ لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يُنَاجِيهِ وَلَا يَسْتَأْنِسُ بِهِ. وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانُوا فِي سَفَرٍ أَوْ مَوْضِعٍ مُخِيفٍ وَالْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي الِاثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ مَوْجُودَةٌ فِي الثَّلَاثِ فَأَكْثَرَ دُونَ وَاحِدٍ فَالْأَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إبْقَاءُ كَلَامِ النَّاظِمِ عَلَى عُمُومِهِ. وَأَمَّا لَفْظُ الْحَدِيثِ فَهَذَا مَفْهُومُ عَدَدٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ هَلْ يَكُونُ مَفْهُومُهُ حُجَّةً أَوْ لَا الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْعَدَدِ. وَأَيْضًا مُرَادُ النَّبِيِّ ﷺ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ انْفِرَادُ اثْنَيْنِ دُونَ وَاحِدٍ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي الْآنَ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ صَرَّحَ بِمَا قُلْنَا. قَالَ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ وَلَا عَشْرَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ يُتْرَكَ وَاحِدٌ. قَالَ وَهَذَا مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. قَالَ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِلْوَاحِدِ كَتَرْكِ الِاثْنَيْنِ لِلْوَاحِدِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْوَاحِدِ، زَادَ الْقُرْطُبِيُّ: بَلْ وُجُودُهُ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَمْكَنُ وَأَشَدُّ فَلْيَكُنْ الْمَنْعُ أَوْلَى. قَالَ وَإِنَّمَا خُصَّ الثَّلَاثَةُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. فَهُمَا وَجَدَا الْمَعْنَى فِيهِ أُلْحِقَ بِهِ فِي الْحُكْمِ. انْتَهَى. (الثَّالِثُ) : مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَأْذَنْ الْوَاحِدُ الْمُنْفَرِدُ لِلْجَمْعِ فِي الْمُنَاجَاةِ، فَإِنْ أَذِنَ فَلَا كَرَاهَةَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ. قَالَهُ فِي الْآدَابِ عَنْ بَعْضِهِمْ. وَذُكِرَ النَّهْيُ عَنْ الْإِصْغَاءِ إلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ سِرًّا بِدُونِ إذْنِهِ. قَالَ وَإِنْ كَانَ إذْنُهُ اسْتِحْيَاءً فَذَكَرَ صَاحِبُ النَّظْمِ يُكْرَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ مَنْ أَعْطَى مَالًا حَيَاءً لَمْ يَجُزْ الْأَخْذُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ. انْتَهَى. وَيُتَّجَهُ مِثْلُهُ هُنَا أَنْ لَوْ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْمُنَاجَاةِ حَيَاءً مِنْهُمْ بِأَنْ اسْتَأْذَنُوهُ فَأَذِنَ لَهُمْ عَلَى جِهَةِ الْحَيَاءِ كُرِهَ انْفِرَادُهُمْ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الْإِذْنُ مُنَافِيًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 337

مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ الْجُلُوسِ وَالْإِصْغَاءِ إلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ سِرًّا بِغَيْرِ إذْنِهِ: وَأَنْ يَجْلِسَ الْإِنْسَانُ عِنْدَ مُحَدِّثٍ ... بِسِرٍّ وَقِيلَ احْظَرْ وَإِنْ يَأْذَنْ اُقْعُدْ (وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَجْلِسَ الْإِنْسَانُ) أَيْ جُلُوسُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ مِنْ الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ نَوْعُ الْعَالَمِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ تَقْدِيرُ الْإِنْسَانِ فِعْلَانِ وَإِنَّمَا زِيدَ فِي تَصْغِيرِهِ يَاءٌ كَمَا زِيدَ فِي تَصْغِيرِ رَجُلٍ وَاوٌ فَقِيلَ رُوَيْجِلٌ وَقَالَ قَوْمٌ أَصْلُهُ إنْسَيَانٌ فَحُذِفَتْ الْيَاءُ اسْتِخْفَافًا لِكَثْرَةِ مَا يَجْرِي عَلَى الْأَلْسِنَةِ فَإِذَا صَغَّرُوهُ رَدُّوهَا، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إنْسَانًا لِأَنَّهُ عُهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ وَالْأُنَاسُ لُغَةٌ فِي النَّاسِ وَهُوَ الْأَصْلُ فَخُفِّفَ. قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وَهُوَ اعْتِدَالُهُ وَتَسْوِيَةُ أَعْضَائِهِ لِأَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ، وَخَلَقَهُ سَوِيًّا أَوْ لَهُ لِسَانٌ زَلِقٌ، وَأَصَابِعُ يَقْبِضُ بِهَا؛ مُزَيَّنًا بِالْعَقْلِ مُؤَدَّبًا بِالْأَمْرِ، مُهَذَّبًا بِالتَّمْيِيزِ، يَتَنَاوَلُ مَأْكُولَهُ وَمَشْرُوبَهُ بِيَدِهِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَ لِلَّهِ خَلْقٌ أَحْسَنُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا. وَيُرْوَى أَنَّ مُوسَى بْنَ عِيسَى الْهَاشِمِيَّ كَانَ يُحِبُّ زَوْجَتَهُ حُبًّا شَدِيدًا؛ فَقَالَ لَهَا يَوْمًا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ تَكُونِي أَحْسَنَ مِنْ الْقَمَرِ، فَاحْتَجَبَتْ عَنْهُ وَقَالَتْ طَلُقْتُ، وَبَاتَ بِلَيْلَةٍ عَظِيمَةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى الْمَنْصُورُ فَاسْتَحْضَرَ الْفُقَهَاءَ وَسَأَلَهُمْ فَأَجَابَ كُلُّهُمْ بِالطَّلَاقِ إلَّا وَاحِدًا فَقَالَ لَا تَطْلُقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] فَقَالَ الْمَنْصُورُ: الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى زَوْجَتِهِ بِذَلِكَ. (عِنْدَ مُحَدِّثٍ) لِغَيْرِهِ (بِحَدِيثِ) (سِرٍّ) لَمْ يُدْخِلَاهُ أَوْ يُدْخِلُوهُ إنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فِي حَدِيثِهِمَا أَوْ حَدِيثِهِمْ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَأَنْ لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ فِي سِرِّ قَوْمٍ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِيهِ، وَالْجُلُوسُ وَالْإِصْغَاءُ إلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ سِرًّا بِدُونِ إذْنِهِ (وَقِيلَ احْظَرْ) أَيْ امْنَعْ مَنْعَ تَحْرِيمٍ لَا كَرَاهَةٍ، لِقَوْلِهِ ﵊ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنْ اسْتَمَعَ إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ وَلَيْسَ

стр. 338

بِنَافِخٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالْآنُكُ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ النُّونِ هُوَ الرَّصَاصُ الْمُذَابُ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يُنَاجِي رَجُلًا فَدَخَلَ رَجُلٌ بَيْنَهُمَا فَضَرَبَ صَدْرَهُ وَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا تَنَاجَى اثْنَانِ فَلَا يَدْخُلُ بَيْنَهُمَا الثَّالِثُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا» . وَبِالْكَرَاهَةِ جَزَمَ صَاحِبُ الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ. وَعِبَارَةُ الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِمَاعُ إلَى كَلَامِ قَوْمٍ يَتَشَاوَرُونَ وَيَجِبُ حِفْظُ سِرِّ مَنْ يَلْتَفِتُ فِي حَدِيثِهِ حَذَرًا مِنْ إشَاعَتِهِ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَوْدَعِ لِحَدِيثِهِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى إفْشَاءِ السِّرِّ وَكِتْمَانِهِ فَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ الْحُرْمَةُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمُسْتَمِعُ لِحَدِيثِ مَنْ يَتَنَاجَوْنَ أَحَدُ الثَّمَانِيَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ لِلصَّفْعِ وَقَدْ جَمَعَهُمْ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ: مَطْلَبٌ: فِي النَّظْمِ الْجَامِعِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّونَ الصَّفْعَ: قَدْ خُصَّ بِالصَّفْعِ فِي الدُّنْيَا ثَمَانِيَةٌ ... لَا لَوْمَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا صُفِعَا الْمُسْتَخِفُّ بِسُلْطَانٍ لَهُ خَطَرٌ ... وَدَاخِلٌ فِي حَدِيثِ اثْنَيْنِ قَدْ جُمِعَا وَآمِرٌ غَيْرَهُ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهِ ... وَجَالِسٌ مَجْلِسًا عَنْ قَدْرِهِ ارْتَفَعَا وَمُتْحِفٌ بِحَدِيثٍ غَيْرِ حَافِظِهِ ... وَدَاخِلٌ بَيْتَ تَطْفِيلٍ بِغَيْرِ دُعَا وَقَارِئُ الْعِلْمِ مَعَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ ... وَطَالِبُ النَّصْرِ مِنْ أَعْدَائِهِ طَمَعَا (وَأَنْ يَأْذَنَ) الْمُحَدِّثُ لِغَيْرِهِ أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ (اُقْعُدْ) أَمْرُ إبَاحَةٍ مِنْ الْقُعُودِ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَّةِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ أَوْ لَهُمْ، وَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ «لَا يَدْخُلُ بَيْنَهُمَا الثَّالِثُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا» وَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «وَمَنْ اسْتَمَعَ حَدِيثَ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» نَعَمْ إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ إنَّمَا أُذِنَ لَهُ حَيَاءً لَمْ يَقْعُدْ عَمَلًا بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَرْأَى عَجُوزٍ لَمْ تُرَدْ وَصِفَاحُهَا ... وَخَلْوَتُهَا اكْرَهْ لَا تَحِيَّتَهَا اشْهَدْ (وَمَرْأَى عَجُوزٍ) الْمُرَادُ رُؤْيَتُهَا وَالنَّظَرُ فِيهَا بِلَا شَهْوَةٍ، وَالْعَجُوزُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْكَبِيرَةُ مِنْ النِّسَاءِ وَلَا تَقُلْ عَجُوزَةٌ أَوْ هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَجَمْعُهَا عَجَائِزُ وَعُجُزٌ (لَمْ تُرَدْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ

стр. 339

ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى الْعَجُوزِ أَيْ لَمْ تُرِدْهَا النَّفْسُ وَلَمْ تَطْلُبْهَا لِكِبَرِهَا (وَصِفَاحُهَا) أَيْ الْعَجُوزُ الَّتِي لَمْ تُرَدْ لِلْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ يَعْنِي مُصَافَحَتُهَا (وَخَلْوَتُهَا) أَيْ الْخَلْوَةُ بِهَا (اكْرَهْ) ذَلِكَ أَيْ اعْتَقِدْهُ مَكْرُوهًا لَا حَرَامًا، لِأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ جَوَّزَ أَخْذَ يَدِ عَجُوزٍ وَفِي الرِّعَايَةِ وَشَوْهَاءَ. وَإِنَّمَا كُرِهَتْ الْخَلْوَةُ بِهَا مَعَ كَوْنِهَا غَيْرَ مَطْلُوبَةٍ لِلنَّفْسِ وَلَا مُرَادَةٍ لَهَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَالْعَجُوزُ وَإِنْ كَبِرَتْ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا امْرَأَةً وَمَفْهُومُ نَظْمِهِ أَنَّ رُؤْيَةَ الشَّابَّةِ يَعْنِي غَيْرَ الْفَجْأَةِ وَمُصَافَحَتَهَا وَالْخَلْوَةَ بِهَا حَرَامٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي مُصَافَحَتِهَا هَلْ تُكْرَهُ أَوْ تَحْرُمُ، وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الشَّيْخِ، حَمْلَ رِوَايَةِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْعَجُوزِ وَرِوَايَةَ التَّحْرِيمِ عَلَى الشَّابَّةِ. . (لَا) تُكْرَهُ (تَحِيَّتُهَا) أَيْ الْعَجُوزِ يَعْنِي سَلَامَهَا وَلَا السَّلَامَ عَلَيْهَا (اشْهَدْ) بِذَلِكَ أَوْ اعْلَمْ وَاعْتَقِدْ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْعَجُوزِ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ كَمَا قَدَّمْنَا مَطْلَبٌ: فِيمَا يَجُوزُ تَشْمِيتُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ وَتَشْمِيتُهَا وَاكْرَهْ كِلَا الْخَصْلَتَيْنِ ... لِلشَّبَابِ مِنْ الصِّنْفَيْنِ بُعْدَى وَأَبْعَدِ (وَ) كَذَا لَا يُكْرَهُ (تَشْمِيتُهَا) أَيْ الْعَجُوزِ إذَا عَطَسَتْ وَحَمِدَتْ اللَّهَ قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَحَيْثُ انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ خَلَفَتْهَا الْإِبَاحَةُ فَلَا يَجِبُ تَشْمِيتُهَا وَيَأْتِي (وَاكْرَهْ) أَيْ اعْتَقِدْ الْكَرَاهَةَ وَكُرِهَ (كِلَا الْخَصْلَتَيْنِ) يَعْنِي السَّلَامَ وَالتَّشْمِيتَ، وَكَلِمَةُ كِلَا وَكِلْتَا إذَا أُضِيفَتَا إلَى ظَاهِرٍ لَزِمَتْهُ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، تَقُولُ جَاءَنِي كِلَا الرَّجُلَيْنِ، وَرَأَيْت كِلَا الرَّجُلَيْنِ. وَنَظَرْت إلَى كِلَا الرَّجُلَيْنِ وَأَمَّا إذَا أُضِيفَتَا إلَى ضَمِيرٍ أُعْرِبَتَا إعْرَابَ الْمُثَنَّى بِالْأَلِفِ رَفْعًا وَبِالْيَاءِ نَصْبًا وَخَفْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (لِلشَّبَابِ) جَمْعُ شَابٍّ وَهُوَ الْفَتَى، وَالْمُرَادُ هُنَا مَنْ لَيْسَ بِشَيْخٍ (مِنْ) كِلَا (الصِّنْفَيْنِ) أَيْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ امْرَأَةٍ (بُعْدَى وَ) رَجُلٍ (أَبْعَدِ) أَيْ كَوْنُهُمَا أَجْنَبِيَّيْنِ. فَظَاهِرُ نِظَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الشَّابَّ لَا يُسَلِّمُ وَلَا يُشَمِّتُ الْمَرْأَةَ وَإِنْ عَجُوزًا، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ فِي الْعَجُوزِ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَتَشْمِيتُ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَالرَّجُلِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ الْعَجُوزَ الْبَرْزَةَ وَلَا يُشَمِّتُ الْأَجْنَبِيَّةَ الشَّابَّةَ وَلَا تُشَمِّتْهُ. وَقَالَ فِي مَكَان آخَرَ: وَيُكْرَهُ

стр. 340

أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ عَجُوزًا أَوْ بَرْزَةً. انْتَهَى. فَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ فِي التَّشْمِيتِ اعْتِبَارُ كَوْنِهَا عَجُوزًا بَرْزَةً وَفِي السَّلَامِ الِاكْتِفَاءُ بِأَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الشَّارِحُ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ. نَعَمْ قَالَ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ عَجُوزًا أَيْ غَيْرَ حَسْنَاءَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي حُضُورِهَا الْجَمَاعَةَ. وَفِي قَوْلِهِ أَوْ إلَّا أَنْ تَكُونَ بَرْزَةً أَيْ فَلَا يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهَا وَالْمُرَادُ لَا تُشْتَهَى لِأَمْنِ الْفِتْنَةِ انْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْغَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يُشَمِّتُ الرَّجُلُ الشَّابَّةَ وَلَا تُشَمِّتُهُ. وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لِلرَّجُلِ أَنْ يُشَمِّتَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً، وَقِيلَ عَجُوزًا أَوْ شَابَّةً بَرْزَةً وَلَا تُشَمِّتُهُ هِيَ. وَقِيلَ وَلَا يُشَمِّتُهَا. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: رَوَيْنَا عَنْ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ الْعُبَّادِ فَعَطَسَتْ امْرَأَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ، فَقَالَ لَهَا الْعَابِدُ يَرْحَمُكِ اللَّهُ، فَقَالَ أَحْمَدُ ﵁ عَابِدٌ جَاهِلٌ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ لَا يُشَمِّتُ الرَّجُلُ امْرَأَةً مُطْلَقًا. وَظَاهِرُ النَّظْمِ أَنَّ الشَّابَّةَ لَا تُسَلِّمُ عَلَى الرَّجُلِ وَلَا تُشَمِّتُهُ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا. وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يُوَافِقُهُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ أَجْنَبِيَّةٍ لَمْ يُكْرَهْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. مَطْلَبٌ: فِي النَّظَرِ إلَى الْأَمْرَدِ: وَيَحْرُمُ رَأْيُ الْمُرْدِ مَعَ شَهْوَةٍ فَقَطْ ... وَقِيلَ وَمَعْ خَوْفٍ وَلِلْكُرْهِ جَوِّدْ (وَيَحْرُمُ رَأْيُ) أَيْ النَّظَرُ فِي الْأَحْدَاثِ (الْمُرْدُ) جَمْعُ أَمْرَدَ وَهُوَ مَنْ لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ لِصِغَرِهِ بِأَنْ لَمْ يَأْتِ أَوَانُ نَبَاتِهَا لَا مَنْ فَاتَ أَوَانُ نَبَاتِهَا وَأَيِسَ مِنْهُ فَيُسَمَّى ثُظَا بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ لَا أَمْرَدَ. وَإِنَّمَا تَحْرُمُ رُؤْيَتُهُمْ (مَعَ شَهْوَةٍ) إلَيْهِمْ كَمَا فِي غَيْرِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَدِ وَذِي اللِّحْيَةِ وَالْبَهِيمَةِ وَإِنَّمَا قَصَدَ النَّاظِمُ التَّنْبِيهَ عَلَى عَدَمِ حُرْمَةِ النَّظَرِ إلَى الْأَمْرَدِ بِلَا شَهْوَةٍ كَمَا هُوَ رَأْيُ النَّوَوِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: مَنْ كَرَّرَ النَّظَرَ إلَى الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَشْتَهِي فَقَدْ كَذَبَ. فَلِذَا قَالَ (فَقَطْ) أَيْ لَا بِدُونِ شَهْوَةٍ (وَقِيلَ) يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِمْ بِشَهْوَةٍ (وَمَعَ خَوْفٍ) لِلشَّهْوَةِ وَالْفِتْنَةِ بِهِ لِأَنَّ مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ. نَعَمْ يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلِلْكُرْهِ) أَيْ الْكَرَاهَةِ (جَوِّدْ) أَيْ قُلْ هُوَ

стр. 341

فِقْهٌ جَيِّدٌ لِخَوْفِ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ، وَلَا تَقُلْ حَرَامٌ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ، فَهُوَ كَدُخُولِ الْحَمَّامِ مَعَ خَوْفِ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، فَإِنْ عَلِمَ حَرُمَ فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى السَّلَامِ وَلَوَاحِقِهِ الَّتِي آخِرُهَا مُصَافَحَةُ الْأَجْنَبِيَّةِ وَتَشْمِيتُهَا أَعْقَبَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَمُتَعَلِّقَاتِ ذَلِكَ فَقَالَ مَطْلَبٌ: فِي صِلَةِ الرَّحِمِ وَكُنْ وَاصِلَ الْأَرْحَامِ حَتَّى لِكَاشِحٍ ... تُوَفَّرْ فِي عُمْرٍ وَرِزْقٍ وَتَسْعَدْ (وَكُنْ) أَنْتَ وَهُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ الْخِطَابُ، مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، الَّذِينَ لَهُمْ تَمَامُ الِاقْتِدَاءِ بِنَبِيِّ الْهُدَى وَالْأَصْحَابِ (وَاصِلَ الْأَرْحَامِ) جَمْعُ رَحِمٍ وَهُوَ الْقَرَابَةُ وَالصِّلَةُ ضِدُّ الْقَطِيعَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] أَيْ وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١] يَعْنِي مِنْ الرَّحِمِ وَغَيْرِهَا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ؛ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ خَثْعَمَ قَالَ «أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ؟ ﷺ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقُلْت أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ، قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ. قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ ثُمَّ صِلَةُ الرَّحِمِ. قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ. قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَهْ؟ قُلْ ثُمَّ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ. قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ» . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ أَوْ بِذِمَامِهَا ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ، قَالَ فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ

стр. 342

ثُمَّ قَالَ لَقَدْ وُفِّقَ أَوْ لَقَدْ هُدِيَ. قَالَ كَيْفَ قُلْت؟ قَالَ فَأَعَادَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. دَعْ النَّاقَةَ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَتَصِلُ ذَا رَحِمِك فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنْ تَمَسَّكَ بِمَا أَمَرْتُهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» . وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ» ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ «فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيْ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ مَهْ، فَقَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك مِنْ الْقَطِيعَةِ. قَالَ نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَك؟ قَالَتْ بَلَى، فَقَالَ فَذَلِكَ لَك. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] » قَوْلُهُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيْ الرَّحْمَنِ، قِيلَ مَعْنَاهُ الِاسْتِجَارَةُ وَالِاعْتِصَامُ بِاَللَّهِ ، يُقَالُ عُذْتُ بِحَقْوِ فُلَانٍ إذَا اسْتَجَرْت بِهِ، وَقِيلَ الْحَقْوُ الْإِزَارُ وَإِزَارُهُ عِزُّهُ، فَلَاذَتْ الرَّحِمُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْقَطِيعَةِ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِي فِي أَقَاوِيلِ الثِّقَاتِ: الْحَقْوُ هُوَ مَا تَحْتَ الْخَاصِرَةِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِزَارِ. قَالَ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ حَمَلَ الْحَقْوَ عَلَى ظَاهِرِ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اللِّيَاذُ وَالِاعْتِصَامُ، وَتَمْثِيلًا لَهُ بِفِعْلِ مَنْ اعْتَصَمَ بِحَبْلِ ذِي عِزَّةٍ وَاسْتَجَارَ بِذِي مَلَكَةٍ وَقُدْرَةٍ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّهَا اسْتَجَارَتْ وَاعْتَصَمَتْ بِاَللَّهِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ تَعَلَّقْت بِظِلِّ جَنَاحِهِ أَيْ اعْتَصَمْت بِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيْ الرَّحْمَنِ مَعْنَاهُ فَاسْتَجَارَتْ بِكَنَفَيْ رَحْمَتِهِ. وَالْأَصْلُ فِي الْحَقْوِ مَعْقِدُ الْإِزَارِ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُسْتَجِيرِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِحَقْوَيْ الْمُسْتَجَارِ بِهِ وَهُمَا جَانِبَاهُ الْأَيْمَنُ وَالْأَيْسَرُ اُسْتُعِيرَ الْأَخْذُ بِالْحَقْوِ فِي اللِّيَاذِ بِالشَّيْءِ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الرَّحِمُ

стр. 343

شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ تَقُولُ يَا رَبِّ إنِّي قُطِعْت، يَا رَبِّ إنِّي أُسِيءَ إلَيَّ، يَا رَبِّ إنِّي ظُلِمْتُ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ، فَيُجِيبُهَا أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَالْبَزَّارُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنَّ هَذِهِ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ ، فَمَنْ قَطَعَهَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» قَوْلُهُ «شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي قَرَابَةٌ مُشْتَبِكَةٌ كَاشْتِبَاكِ الْعُرُوقِ، وَمِنْهَا لُغَتَانِ كَسْرُ الشِّينِ وَضَمُّهَا وَإِسْكَانُ الْجِيمِ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّازُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الرَّحِمُ حَجَنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالْعَرْشِ تَكَلَّمُ بِلِسَانٍ ذَلِقٍ اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَإِنِّي شَقَقْت الرَّحِمَ مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ بَتَكَهَا بَتَكْتُهُ» قَوْلُهُ حَجَنَةٌ هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ صِنَّارَةُ الْمِغْزَلِ، وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الْعَقْفَاءُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِهَا الْخَيْطُ ثُمَّ يُفْتَلُ الْغَزْلُ. وَقَوْلُهُ بِلِسَانٍ ذَلِقٍ. الذَّلِقُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ كَفَرِحَ وَنَصَرَ وَكَرُمَ أَيْ حَدِيدٌ بَلِيغٌ بَيْنَ الذَّلَاقَةِ، وَلِسَانٌ ذَلِقٌ: طَلْقٌ. وَقَوْلُهُ «مَنْ بَتَكَهَا بَتَكْتُهُ» أَيْ مَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ. قَوْلُ النَّاظِمِ (حَتَّى لِكَاشِحٍ) حَتَّى حَرْفٌ لِلْغَايَةِ وَالتَّدْرِيجِ أَمَّا الْغَايَةُ فَبِأَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا غَايَةٌ لِمَا قَبْلَهَا فِي زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ يَنْقَطِعُ الْحُكْمُ عِنْدَهَا، وَأَمَّا التَّدْرِيجُ فَبِأَنْ يَنْقَضِيَ مَا قَبْلَهَا شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ، وَلِذَا اُعْتُبِرَ فِي الْمَعْطُوفِ أَنْ يَكُونَ بَعْضًا مِمَّا قَبْلَهَا كَمَا فِي قَوْلِ النَّاظِمِ حَتَّى لِكَاشِحٍ، فَإِنَّ ذَا الرَّحِمِ الْكَاشِحِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ، إذْ عَدَاوَتُهُ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ أَوْ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ الْبَعْضِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَيْ يُخَفِّفَ رَحْلَهُ ... وَالزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ أَلْقَى مَا يُثْقِلُهُ حَتَّى انْتَهَى الْإِلْقَاءُ إلَى نَعْلِهِ. فَالْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ حَتَّى عَلَى الْكَاشِحِ وَهُوَ الَّذِي يُضْمِرُ عَدَاوَتَهُ فِي كَشْحِهِ وَهُوَ خَصْرُهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَفْضَلُ

стр. 344

الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» يَعْنِي أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْمُضْمِرِ الْعَدَاوَةَ فِي بَاطِنِهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَك» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ «لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذْت بِيَدِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ، فَقَالَ يَا عُقْبَةُ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَك، وَأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمَكَ. وَفِي لَفْظٍ وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَلَا أَدُلُّك عَنْ أَكْرَمِ أَخْلَاقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك، وَأَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك» . وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «أَنَّ أَفْضَلَ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك، وَتَصْفَحَ عَمَّنْ شَتَمَك» . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا بِلَفْظٍ «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ تَحْلُمُ عَلَى مَنْ جَهِلَ عَلَيْك، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَك، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَك» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا بِلَفْظِ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُشَرِّفُ اللَّهُ بِهِ الْبُنْيَانَ وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» فَذَكَرَهُ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ. فَإِنْ عَلِمْتَهَا وَعَمِلْت بِمُوجِبِهَا (تُوَفَّرُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يُوَفِّرُك اللَّهُ تَعَالَى. وَالتَّوْفِيرُ بِالْفَاءِ التَّكْثِيرُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَفَّرَهُ تَوْفِيرًا أَكْثَرَهُ كَوَفَرَ لَهُ وَفْرًا وَوَفَّرَهُ تَوْفِيرًا أَكْمَلَهُ وَجَعَلَهُ وَافِرًا وَالْوَفْرُ الْغَنِيُّ وَمِنْ الْمَالِ وَالْمَتَاعِ الْكَثِيرُ الْوَاسِعُ وَالْعَامُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَلِذَا قَالَ (فِي عُمْرٍ) يَعْنِي يَبْسُطُ لَك فِي عُمُرِكَ وَيُنَسَّأُ لَك فِي أَجَلِك (وَرِزْقٍ) وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْحَيَوَانِ فَيَأْكُلُهُ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْحَرَامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ طُولَ عُمْرُهُ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ رَازِقَهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا رَازِقَ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ عَلَى أَكْلِ الْحَرَامِ لِسُوءِ مُبَاشَرَةِ أَسْبَابِهِ بِاخْتِيَارِهِ (وَتَسْعَدْ) مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ، يُقَالُ سَعِدَ كَعَلِمَ فَهُوَ سَعِيدٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ مُسْعَدٌ، وَأَسْعَدَهُ أَعَانَهُ، وَلَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ أَيْ إسْعَادًا بَعْدَ إسْعَادٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي لُغَةٍ إقْنَاعُهُ: سَعِدَ فُلَانٌ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا يَسْعَدُ سَعْدًا مِنْ بَابِ تَعِبَ، وَالْفَاعِلُ سَعِيدٌ وَالْجَمْعُ سُعَدَاءُ

стр. 345

وَالسَّعَادَةُ اسْمٌ مِنْهُ. انْتَهَى. وَالسَّعَادَةُ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةِ لِلْخَيْرَاتِ، الْمُشْعِرَةِ فِي الدُّنْيَا بِالسَّعَةِ وَفِي الْآخِرَةِ بِعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ. وَإِنَّمَا وَصَفَ النَّاظِمُ وَاصِلَ الرَّحِمِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَخَصَّهُ بِهَذِهِ الْمَزَايَا، لِعِدَّةِ أَخْبَارٍ نَبَوِيَّةٍ صَحَّتْ عَنْ خَيْرِ الْبَرَايَا. فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنَسَّأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . قَوْلُهُ «يُنَسَّأَ» بِضَمِّ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتٍ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مَهْمُوزًا أَيْ يُؤَخَّرُ لَهُ فِي أَجَلِهِ. وَالْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنَسَّأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ» وَمَعْنَى مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ يَعْنِي بِهِ الزِّيَادَةَ فِي الْعُمْرِ. وَمَعْنَى مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ يَعْنِي بِهِ الزِّيَادَةَ فِي الْمَالِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِهِ وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ، وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَادَ فِي عُمْرِهِ وَيُزَادَ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَيُعَمِّرُ بِالْقَوْمِ الدِّيَارَ، وَيُثْمِرُ لَهُمْ الْأَمْوَالَ وَمَا نَظَرَ إلَيْهِمْ مُنْذُ خَلَقَهُمْ بُغْضًا لَهُمْ. قِيلَ وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ بِصِلَتِهِمْ أَرْحَامَهُمْ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الرَّجُلَ

стр. 346

لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إلَّا الْبِرُّ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «صِلَةُ الرَّحِمِ، وَحُسْنُ الْجِوَارِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِخِصَالٍ مِنْ الْخَيْرِ، أَوْصَانِي أَنْ لَا أَنْظُرَ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَنْ أَنْظُرَ إلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَأَوْصَانِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي، وَإِنْ أَدْبَرْت، وَأَوْصَانِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا. وَأَوْصَانِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ، الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ مَا كَرَّ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. (تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) : صِلَةُ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَجَّاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآدَابِ وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ، وَعَلَيْهِ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ وَالنَّصِيحَةُ. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَلَيْهِ صِلَةُ رَحِمِهِ. قَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ: يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ صِلَةُ رَحِمِهِ لِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَالْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ تُنَادِي أَلَا مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» . قَالَ الْحَجَّاوِيُّ: وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ مِنْ الْكَبَائِرِ. انْتَهَى. وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْبَلْبَانِيُّ فِي آدَابِهِ: اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ تَصِلَ بَقِيَّةَ رَحِمِكَ وَهُمْ كُلُّ قَرَابَةٍ لَك مِنْ النَّسَبِ، فَصِلَتُهُمْ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْك، وَقَطِيعَتُهُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْك تَحْرِيمًا مُؤَكَّدًا، فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى: وَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَرْحَامَ بِاسْمِهِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]

стр. 347

وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلَى أَنَّ صِلَتَهَا بِمَكَانٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَمُقَرِّبٌ إلَيْهِ، وَقَطْعُهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ عِنْدَهُ، وَمُبْعِدٌ عَنْهُ سُبْحَانَهُ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: أَدْخَلْت عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ الثَّغْرِ، فَقَالَ لِي قَرَابَةٌ بِالْمَرَاغَةِ فَتَرَى لِي أَنْ أَرْجِعَ إلَى الثَّغْرِ أَوْ تَرَى أَنْ أَذْهَبَ فَأُسَلِّمَ عَلَى قَرَابَتِي وَإِنَّمَا جِئْت قَاصِدًا لِأَسْأَلَك، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَدْ رُوِيَ: «بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» اسْتَخِرْ اللَّهَ وَاذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ قَدْ تَوَاعَدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَطْعِ الْأَرْحَامِ بِاللَّعْنِ وَإِحْبَاطِ الْعَمَلِ. مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ ذَوِي الرَّحِمِ الَّذِينَ يَجِبُ صِلَتُهُمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُرِدْ صِلَةَ كُلِّ رَحِمٍ وَقَرَابَةٍ، إذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَوَجَبَ صِلَةُ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ضَبْطِ ذَلِكَ بِقَرَابَةٍ تَجِبُ صِلَتُهَا وَإِكْرَامُهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا، وَتِلْكَ قَرَابَةُ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَلَا عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا وَأُخْتِهَا فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ» قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ الْكُبْرَى: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَنَّهُ لَا تَجِبُ إلَّا صِلَةُ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: تَجِبُ صِلَةُ الرَّحِمِ مَحْرَمًا كَانَ أَوْ لَا. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَكْفِي فِي صِلَةِ الرَّحِمِ مُجَرَّدُ السَّلَامِ. وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ. قَالَ مُثَنَّى: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْقَرَابَةُ مِنْ النِّسَاءِ فَلَا يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَيُّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ بِرِّهِمْ وَفِي كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَهُمْ؟ قَالَ اللُّطْفُ وَالسَّلَامُ. وَفِي الْحَدِيثِ «بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵃. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ لَهُ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ بِأَرْضِ غَصْبٍ تَرَى أَنْ يَزُورَهُمْ؟ قَالَ نَعَمْ يَزُورُهُمْ وَيُرَاوِدُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا، فَإِنْ أَجَابُوا إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يُقِمْ مَعَهُمْ وَلَا يَدَعُ زِيَارَتَهُمْ.

стр. 348

الثَّانِي) : الرَّحِمُ بِوَزْنِ كَتِفٍ وَفِيهِ اللُّغَاتُ الْأَرْبَعُ فِي الْفَخِذِ، وَهِيَ فَتْحُ الرَّاءِ وَكَسْرُ الْحَاءِ وَكَسْرُ الرَّاءِ بِوَزْنِ إبِلٍ وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْحَاءِ مَعَ فَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا قَالَ ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَهَذِهِ اللُّغَاتُ الْأَرْبَعَةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ اسْمٍ أَوْ فِعْلٍ ثُلَاثِيٍّ عَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ مَكْسُورٍ كَشَهِدَ لَا فِيمَا لَامُهُ حَرْفُ حَلْقٍ كَبَلَغَ أَوْ كَانَ حَرْفَ الْحَلْقِ فَاؤُهُ كَحَرَفَ. قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: وَهُوَ بَيْتُ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَاؤُهُ فِي الْبَطْنِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ رَحِمُ الْأُنْثَى وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَالرَّحِمُ الْقَرَابَةُ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: يُقَالُ رَحِمَ وَرَحُمَ وَهِيَ مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي وَهِيَ النَّسَبُ وَالِاتِّصَالُ الَّذِي يَجْمَعُ رَحِمَ وَالِدِهِ فَسُمِّيَ الْمَعْنَى بِاسْمِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ تَقْرِيبًا لِلْأَفْهَامِ، وَاسْتِعَارَةً جَارِيَةً فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، لِيَفْهَمَ الْخَلْقُ عَظِيمَ حَقِّهَا، وَوُجُوبَ صِلَةِ الْمُتَّصِفِينَ بِهَا، وَعَظِيمَ الْإِثْمِ فِي قَطْعِهَا، وَبِذَلِكَ سُمِّيَ قَطِيعًا لِأَنَّهُ قَطَعَ تِلْكَ الصِّلَةَ. انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ: الرَّحِمُ بِالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ بَيْتِ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَاؤُهُ وَالْقَرَابَةُ أَوْ أَصْلُهَا وَأَسْبَابُهَا جَمْعُهَا أَرْحَامٌ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْمَطْلَعِ يُطْلَقُ ذُو الرَّحِمِ عَلَى كُلِّ قَرَابَةٍ وَعَلَى مَنْ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: قَطِيعَةُ الرَّحِمِ مِنْ الْكَبَائِرِ (الثَّالِثُ) : قَطِيعَةُ الرَّحِمِ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَقَدْ ذَكَرَهَا الْحَجَّاوِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْكَبَائِرِ الْوَاقِعَةِ فِي إقْنَاعِهِ، وَقَدْ شَرَحْتُهَا شَرْحًا لَطِيفَ الْحَجْمِ، غَزِيرَ الْفَوَائِدِ وَالْعِلْمِ. قَالَ فِيهَا: وَأَمْنٌ لِمَكْرِ اللَّهِ ثُمَّ قَطِيعَةٌ ... لِذِي رَحِمٍ وَالْكِبْرَ وَالْخُيَلَا اُعْدُدْ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْبَلْبَانِيِّ فِي ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ» .

стр. 349

وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ» . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَالِسًا بَعْدَ الصُّبْحِ فِي حَلْقَةٍ فَقَالَ " أَنْشُدُ اللَّهَ قَاطِعَ رَحِمٍ لَمَّا قَامَ عَنَّا فَإِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَدْعُوَ رَبَّنَا وَإِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ مُرْتَجَةٌ دُونَ قَاطِعِ رَحِمٍ. وَالْمُرْتَجَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ الْمُغْلَقَةِ. وَوَرَدَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يُسَاعِدُونَهُ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّحْمَةِ الْمَطَرُ، وَأَنَّهُ يُحْبَسُ عَنْ النَّاسِ عُمُومًا بِشُؤْمِ التَّقَاطُعِ. انْتَهَى. قُلْت: وَظَاهِرُ صَنِيعِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُلُّ عَلَى رَحْمَةٍ أَخَصَّ مِنْ الْمَطَرِ، وَعَلَى عُمُومِ مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ الَّذِي فِيهِ قَاطِعُ رَحِمٍ كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ. (الرَّابِعُ) : تَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ وَنَصَّ الْإِمَامُ فِي الِاكْتِفَاءِ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ بِالسَّلَامِ وَعَدَمِهِ. وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْبَلْبَانِيُّ فِي آدَابِهِ مَا نَصُّهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ مُوَالَاتُهُمْ وَمَحَبَّتُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَجْلِ قَرَابَتِهِمْ، وَتَأْكِيدُ الْمُبَادَرَةِ إلَى صُلْحِهِمْ عِنْدَ عَدَاوَتِهِمْ، وَالِاجْتِهَادُ فِي إيصَالِهِمْ كِفَايَتَهُمْ بِطِيبِ نَفْسٍ عِنْدَ فَقْرِهِمْ، وَالْإِسْرَاعُ إلَى مُسَاعَدَتِهِمْ وَمُعَاوَنَتِهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ، وَمُرَاعَاةُ جَبْرِ خَاطِرِهِمْ مَعَ التَّعَطُّفِ وَالتَّلَطُّفِ بِهِمْ، وَتَقْدِيمُهُمْ فِي إجَابَةِ دَعَوَاتِهِمْ، وَالتَّوَاضُعُ مَعَهُمْ فِي غِنَاهُ وَفَقْرِهِمْ وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِمْ، وَمُدَاوَمَةُ مَوَدَّتِهِمْ وَنُصْحُهُمْ فِي كُلِّ شُؤُونِهِمْ، وَالْبُدَاءَةُ بِهِمْ فِي الدَّعْوَةِ وَالضِّيَافَةِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، وَإِيثَارُهُمْ فِي الْإِحْسَانِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ وَفِي مَعْنَاهَا الْهَدِيَّةُ وَنَحْوُهَا. وَيَتَأَكَّدُ فِعْلُ ذَلِكَ مَعَ الرَّحِمِ الْكَاشِحِ الْمُبْغِضِ عَسَاهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ بُغْضِهِ إلَى مَوَدَّةِ

стр. 350

قَرِيبِهِ وَمَحَبَّتِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» . انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ أَكْثَرُهُ مَنْدُوبٌ كَمَا يُعْلَمُ. وَفِي النِّهَايَةِ قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ صِلَةُ الرَّحِمِ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْأَقْرَبِينَ مِنْ ذَوِي النَّسَبِ وَالْأَصْهَارِ، وَالتَّعَطُّفُ عَلَيْهِمْ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ، وَالرِّعَايَةُ لِأَحْوَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ بَعُدُوا وَأَسَاءُوا. وَقَطْعُ الرَّحِمِ ضِدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ. يُقَالُ وَصَلَ رَحِمَهُ يَصِلُهَا وَصْلًا وَصِلَةً، وَالْهَاءُ فِيهَا عِوَضٌ مِنْ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ، فَكَأَنَّهُ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ قَدْ وَصَلَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ عَلَاقَةِ الْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ. انْتَهَى. وَفِي الْفَتْحِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرَّحِمُ الَّتِي تُوصَلُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ رَحِمُ الدِّينِ وَتَجِبُ مُوَاصَلَتُهَا بِالتَّوَادِّ وَالتَّنَاصُحِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ. وَأَمَّا الرَّحِمُ الْخَاصَّةُ فَتَزَيُّدُ النَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ، وَتَفَقُّدُ أَحْوَالِهِمْ، وَالتَّغَافُلُ عَنْ زَلَّاتِهِمْ، وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُ اسْتِحْقَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ: تَكُونُ صِلَةُ الرَّحِمِ بِالْمَالِ، وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَةِ، وَبِدَفْعِ الضَّرَرِ وَبِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ، وَبِالدُّعَاءِ. وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ إيصَالُ مَا أَمْكَنَ مِنْ الْخَيْرِ، وَدَفْعُ مَا أَمْكَنَ مِنْ الشَّرِّ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَمِرُّ إذَا كَانَ أَهْلُ الرَّحِمِ أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ، فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتُهُمْ فِي اللَّهِ هِيَ صِلَتُهُمْ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي وَعْظِهِمْ ثُمَّ إعْلَامُهُمْ إذَا أَصَرُّوا بِأَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ الْحَقِّ، وَلَا يَسْقُطُ مَعَ ذَلِكَ صِلَتُهُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْبِ أَنْ يَعُودُوا إلَى الطَّرِيقِ الْمُثْلَى. انْتَهَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (الْخَامِسُ) : الْمُرَادُ بِمَا ذَكَرْنَا مَعَ الرَّحِمِ الْمُوَافِقِ فِي الدِّينِ. أَمَّا إذَا كَانَ الشَّخْصُ مُسْلِمًا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَا يُوَالِهِمْ وَلَا يُوَادُّهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] الْآيَةَ. ذَكَرَهُ الْبَلْبَانِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ حُمِلَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَيَأْتِي فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ «جَاءَتْنِي أُمِّي مُشْرِكَةً فَسَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ أَصِلُهَا قَالَ نَعَمْ» .

стр. 351

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] إلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا وَأَنْ تُدْخِلَهَا بَيْتَهَا» . قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ طَيَّبَ اللَّهُ مَثْوَاهُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةٌ فِي صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يَنْصِبُوا الْحَرْبَ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَوَازُ بِرِّهِمْ وَإِنْ كَانَتْ الْمُوَالَاةُ مُنْقَطِعَةً. وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ نَسْخُهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا بِآيَةِ السَّيْفِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِ الْمُحَارِبِينَ قَرَابَةً كَانُوا أَوْ غَيْرَ قَرَابَةٍ لَا يَحْرُمُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعُونَةٌ وَتَقْوِيَةٌ عَلَى الْحَرْبِ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى عَوْرَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ، وَلِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَهْدَى حُلَّةَ الْحَرِيرِ لِأَخِيهِ الْمُشْرِكِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ: وَفِيهِ جَوَازُ صِلَةِ الْقَرِيبِ الْمُشْرِكِ. فَفِي كَلَامِ الْبَلْبَانِيِّ إجْمَالٌ ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ مُوَالَاتِهِمْ مِمَّا فِيهِ تَقْوِيَةٌ عَلَى حَرْبِنَا دُونَ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ. مَطْلَبٌ: فِي جَوَابِ الْعُلَمَاءِ عَنْ كَيْفِيَّةِ بَسْطِ الرِّزْقِ وَتَأْخِيرِ الْأَجَلِ (فَوَائِدُ) : (الْأُولَى) : تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَبْسُطُ الرِّزْقَ وَتَنْسَأُ فِي الْأَجَلِ، قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: بَسْطُ الرِّزْقِ بِتَوْسِيعِهِ وَكَثْرَتِهِ وَقِيلَ بِالْبَرَكَةِ فِيهِ، وَأَمَّا التَّأْخِيرُ فِي الْأَجَلِ فَفِيهِ سُؤَالٌ مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَنَّ الْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ مُقَدَّرَةٌ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١] وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَجْوِبَةٍ، مِنْهَا وَهُوَ أَصَحُّهَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْرِهِ وَالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَةِ أَوْقَاتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ وَصِيَانَتِهَا عَنْ الضَّيَاعِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَنَحْوِهِ، فَيَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّ عُمْرَهُ سِتُّونَ سَنَةً مَثَلًا إلَى أَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ، فَإِنْ وَصَلَهَا يُزَادُ لَهُ أَرْبَعُونَ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ﵎ مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَرُهُ فَلَا زِيَادَةَ بَلْ هِيَ مُسْتَحِيلَةٌ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ فَتَنْعَقِدُ الزِّيَادَةُ وَهُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ. انْتَهَى. . (الثَّانِيَةُ) : يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُبَادِرَ إلَى صِلَةِ ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ وَأَنْ يَدْفَعَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الضِّغْنِ وَالْبَغْضَاءِ. بِالْإِحْسَانِ وَالْإِعْطَاءِ، وَأَنْ يَقْتُلَ شَيْطَانَ حِقْدِهِ

стр. 352

وَحَسَدِهِ، بِسِهَامِ بِرِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَتَفَقُّدِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] فَكَيْفَ بِالْحَمِيمِ الَّذِي هُوَ الْقَرِيبُ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ: «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ إنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ وَيُسِيئُونَ، وَأَغْفِرُ وَيَظْلِمُونَ أَفَأُكَافِئُهُمْ؟ فَقَالَ لَا إذَنْ تَكُونُوا جَمِيعًا وَلَكِنْ خُذْ الْفَضْلَ وَصِلْهُمْ فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ مَعَكَ ظَهِيرٌ مِنْ اللَّهِ مَا كُنْت عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَلَيْهِمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ إنْ كُنْت كَمَا قُلْت فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْت عَلَى ذَلِكَ» . قَوْلُهُ الْمَلَّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْمَلَّةُ هُوَ الرَّمَادُ الْحَارُّ، يَعْنِي كَأَنَّك تُسْفِي فِي وُجُوهِهِمْ الرَّمَادَ الْحَارَّ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْمَلَّةُ التُّرْبَةُ الْمُحْمَاةُ تُدْفَنُ فِيهَا الْخُبْزَةُ. وَقَالَ الْقَبْتِيُّ: الْمَلُّ الْجَمْرُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَرَادَ إنَّمَا تَجْعَلُ الْمَلَّ لَهُمْ سَفُوفًا يَسْتَفُّونَهُ يَعْنِي أَنَّ إعْطَاءَك إيَّاهُمْ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ وَنَارٌ فِي بُطُونِهِمْ. انْتَهَى. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْإِحْسَانُ وَالْمَوَدَّةُ يَقْلِبَانِ الْعَدَاوَةَ صَدَقَةً بِلَا مُحَالٍ. وَمَا أَحْسَنُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ الْعَبَّاسِيِّ فِي تَائِيَّتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا: أَلَا عَلِّلَانِي قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْتُ ... وَيُبْنَى لِجُسْمَانِي بِدَارِ الْبِلَى بَيْتُ أَلَا عَلِّلَانِي كَمْ حَبِيبٍ تَعَذَّرَتْ ... مَوَدَّتُهُ عَنْ وَصْلِهِ قَدْ تَسَلَّيْت أَلَا رُبَّ دَسَّاسٍ لِي الْكَيْدَ حَامِلٍ ... ضَبَابَ الْحَقُودِ قَدْ عَرَفْت وَدَاوَيْت فَعَادَ صَدِيقًا بَعْدَ مَا كَانَ شَانِيًا ... بَعِيدَ الرِّضَى عَنِّي فَصَافَى وَصَافَيْت أَلَا عَلِّلَانِي لَيْسَ سَعْيٌ بِمُدْرَكٍ ... وَلَا بِوُقُوفِي بِاَلَّذِي حَظَّنِي فَوْتُ فَأَهْلَكَنِي مَا أَهْلَكَ النَّاسَ كُلَّهُمْ ... صُرُوفُ الْمُنَى وَالْحِرْصُ وَاللَّوُّ وَاللَّيْتُ وَعَرَّفَنِي رَبِّي طَرِيقَ سَلَامَتِي ... وَبَصَّرَنِي لَكِنَّنِي قَدْ تَعَامَيْت إلَى أَنْ قَالَ: وَمِنْ عَجَبِ الْأَيَّامِ بَغْيُ مَعَاشِرَ ... غِضَابٍ عَلَى سَبْقِي إذَا أَنَا جَارَيْت لَهُمْ رَحِمٌ دُنْيَا وَهُمْ يُبْعِدُونَهَا ... إذَا أَنْهَكُوهَا بِالْقَطِيعَةِ أَبْقَيْت يَصُدُّونَ عَنْ شُكْرِي وَتُهْجَرُ سُنَّتِي ... عَلَى قُرْبِ عَهْدٍ مِثْلِ مَا يُهْجَرُ الْمَيْتُ فَذَلِكَ دَأْبُ الْبِرِّ مِنِّي وَدَأْبُهُمْ ... إذَا قَتَلُوا نُعْمَايَ بِالْكُفْرِ أَحْيَيْت

стр. 353

وَأَعِي احْتِيَالِي مَا بِهِمْ فَرَمَيْتُهُمْ ... وَرَائِي وَمَا أُنْسِيتُهُمْ بَلْ تَنَاسَيْت يَغِيظُهُمْ فَضْلِي عَلَيْهِمْ وَجَهْلُهُمْ ... كَأَنِّي قَسَمْت الْحُظُوظَ فَحَابَيْت وَكَمْ كُرْبَةٍ أَخَّاذَةٍ بِحُلُوقِهِمْ ... مُعَمَّمَةِ الْبَلْوَى كَشَفْت وَجَلَّيْت وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ غَزِيرَةُ الْفَوَائِدِ فَرِيدَةُ الْعَوَائِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثَةُ) حَكَى صَاحِبُ الزَّوَاجِرِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ أَنَّ رَجُلًا حَجَّ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَطْلُعَ إلَى الْجَبَلِ أَوْدَعَ رَجُلًا مَوْسُومًا بِالْأَمَانَةِ مَالًا لَهُ خَطَرٌ، فَلَمَّا رَجَعَ لَقِيَ الرَّجُلَ انْتَقَلَ بِالْوَفَاةِ فَسَأَلَ وَرَثَتَهُ عَنْ مَالِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، فَسَأَلَ الْعُلَمَاءَ عَنْ قَضِيَّتِهِ فَدَلَّهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ بِأَنَّهُ يَأْتِي زَمْزَمَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَيُنَادِي الرَّجُلَ بِاسْمِهِ فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَسَيُجِيبُهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ لَيَالِي فَلَمْ يُجِبْهُ فَرَجَعَ إلَى الْعَارِفِ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. فَقَالَ لَعَلَّ الرَّجُلَ ذَهَبَ بِهِ ذَاتَ الشِّمَالِ فَاذْهَبْ إلَى الْيَمَنِ فَأْتِ بِئْرًا فِي وَادِي بَرَهُوتَ فَنَادِ صَاحِبَك، فَذَهَبَ الرَّجُلُ إلَى الْيَمَنِ وَقَصَدَ الْبِئْرَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَنَادَى يَا فُلَانُ فَأَجَابَهُ، فَقَالَ لَهُ أَيْنَ الْأَمَانَةُ فَوَصَفَهَا لَهُ فِي دَارِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ مَا الَّذِي صَيَّرَك إلَى هُنَا مَعَ اشْتِهَارِك بِالْأَمَانَةِ وَالْخَيْرِ؟ فَقَالَ لَهُ أُخْتٌ كَانَ قَاطِعًا لَهَا وَتَوَسَّلَ إلَيْهِ فِي مُصَالَحَتِهَا، فَلَمَّا رَجَعَ دَعَا أَوْلَادَ الرَّجُلِ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَحْفِرُوا الْمَوْضِعَ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ فَوَجَدَ مَالَهُ بِخَتْمِهِ ثُمَّ أَخْبَرَ أَوْلَادَهُ بِمَا صَارَ إلَيْهِ وَالِدُهُمْ وَبِمَا قَالَ لَهُ. فَقَالُوا أَنْتَ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ، فَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُدِلُّوهُ عَلَى عَمَّتِهِمْ فَوَجَدَهَا تَتَكَفَّفُ النَّاسَ، فَذَهَبَ إلَيْهَا وَرَجَعَ أَوْلَادُ أَخِيهَا فَسَأَلَهَا عَنْ حَالِ أَخِيهَا فَنَالَتْ مِنْهُ وَقَالَتْ لَا تَذْكُرُهُ لِي، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا إلَى أَنْ سَامَحَتْهُ وَدَفَعَ إلَيْهَا مَالًا لَهُ خَطَرٌ، فَطَابَتْ نَفْسُهَا، فَذَكَرَ لَهَا الْقِصَّةَ فَرَّقَتْ لِأَخِيهَا وَبَكَتْ وَسَامَحَتْهُ مِنْ جَمِيعِ حُقُوقِهَا وَدَعَتْ لَهُ بِخَيْرٍ. فَلَمَّا كَانَ وَسَطَ اللَّيْلِ ذَهَبَ الرَّجُلُ إلَى زَمْزَمَ وَنَادَى يَا فُلَانُ فَأَجَابَهُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ جَزَاك اللَّهُ عَنِّي أَحْسَنَ الْجَزَاءِ مَا أَيْمَنَ طَلْعَتَك عَلَيَّ وَأَبْرَكَهَا، قَدْ نُقِلْت مِنْ الْعَذَابِ وَالْجَحِيمِ إلَى الرَّاحَةِ وَالنَّعِيمِ بِبَرَكَةِ طَلْعَتِك عَلَيَّ وَمُسَامَحَةِ أُخْتِي لِي. فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى هَذِهِ الْحِكَايَةِ الَّتِي يَكَادُ الصَّلْدُ لَهَا أَنْ يَلِينَ وَإِيَّاكَ وَالْقَطِيعَةَ فَإِنَّ فِيهَا الْعَذَابَ الْمُهِينَ. فَصِلْ رَحِمَك رَحِمَك مَوْلَاك، وَخَالِفْ بِذَلِكَ نَفْسَك وَهَوَاك، وَاصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ فَإِنَّ بِذَلِكَ نَبِيَّك أَوْصَاك، وَبَالِغْ فِي الْإِحْسَانِ إلَى مَنْ أَسَاءَ إلَيْك مِنْهُمْ تُحْمَدُ بِذَلِكَ عُقْبَاك، وَحَسِّنْ أَخْلَاقَك مَعَهُمْ تُرْضَ خَلَاقُك، وَتَنَلْ رَاحَتَك، وَيُطَيَّبُ مَثْوَاك. وَاَللَّهُ

стр. 354

الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ لِمَا فِيهِ السَّعَادَةُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْحُسْنَى وَزِيَادَةً، بِبَرَكَةِ يَنْبُوعِ الْحِكَمِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَمَعْدِنِ الْأَسْرَارِ الرُّوحَانِيَّةِ، النَّبِيِّ الْأَوَّابِ، مَنْ جَاءَ بِالسُّنَّةِ وَالْكِتَابِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ مَا دَجَتْ الْأَحْلَاكُ، وَدَارَتْ الْأَفْلَاكُ. ثُمَّ إنَّ النَّاظِمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَثَّ عَلَى عُمُومِ تَحْسِينِ الْأَخْلَاقِ، وَخَصَّ الْوَالِدَيْنِ بِالْمَزِيَّةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الِاتِّفَاقُ، فَقَالَ: مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ حُسْنِ الْخُلُقِ وَيَحْسُنُ تَحْسِينٌ لِخُلْقٍ وَصُحْبَةٍ ... وَلَا سِيَّمَا لِلْوَلَدِ الْمُتَأَكِّدِ (وَيَحْسُنُ) أَيْ يَجْمُلُ وَيُلَائِمُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا يَشْرَعُ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا وَأُخْرَى مَنْدُوبًا. وَأَصْلُ الْحُسْنِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْجَمَالُ وَضِدُّهُ الْقُبْحُ وَهُمَا لِلشَّيْءِ بِمَعْنَى مُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ كَحُسْنِ الْحُلْوِ وَقُبْحِ الْمُرِّ، فَالْحُسْنُ صِفَةُ الْكَمَالِ وَالْقُبْحُ صِفَةُ النَّقْصِ، كَحُسْنِ الْعِلْمِ وَقُبْحِ الْجَهْلِ وَذَلِكَ عَقْلِيٌّ. وَأَمَّا تَرَتُّبُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ عَاجِلًا وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ آجِلًا كَحُسْنِ الطَّاعَةِ وَقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ فَشَرْعِيٌّ فَلَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا الشَّرْعُ الْمَبْعُوثُ بِهِ الرُّسُلُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (تَحْسِينٌ لِخُلْقٍ) حُسْنُ الْخُلُقِ هُوَ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْخُلُقُ صُورَةُ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْخُلُقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ السَّجِيَّةُ وَالطَّبْعُ وَالْمُرُوءَةُ وَالدِّينُ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَطَالِعِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُلُقُ وَالْخُلْقُ السَّجِيَّةُ، وَفُلَانٌ يَتَخَلَّقُ بِغَيْرِ خُلُقِهِ أَيْ يَتَكَلَّفُ. قَالَ الشَّاعِرُ: يَا أَيُّهَا الْمُتَحَلِّي غَيْرَ شِيمَتِهِ ... إنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الْخُلُقُ وَفِي النِّهَايَةِ: الْخُلُقُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهَا الدِّينُ وَالطَّبْعُ وَالسَّجِيَّةُ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ صُورَةُ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ نَفْسُهُ، وَأَوْصَافُهَا وَمَعَانِيهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْخُلُقِ لِصُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ وَأَوْصَافِهَا وَمَعَانِيهَا، وَلَهَا أَوْصَافٌ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ. وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكْثَرَ مَا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلِذَا تَكَرَّرَتْ الْأَحَادِيثُ فِي مَدْحِ حُسْنِ الْخُلُقِ وَذَمِّ سُوئِهِ.

стр. 355

وَ) يَحْسُنُ تَحْسِينٌ (لِصُحْبَةٍ) مَنْ يَصْحَبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ. فَإِنَّ مَعْنَى الدِّينِ سَفَرٌ إلَى اللَّهِ . وَمِنْ أَرْكَانِ السَّفَرِ حُسْنُ الصُّحْبَةِ فِي مَنَازِلِ السَّفَرِ مَعَ الْمُسَافِرِينَ. وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ مُسَافِرُونَ يَسِيرُ بِهِمْ الْعُمْرُ سَيْرَ السَّفِينَةِ بِرَاكِبِهَا فِي الْبَحْرِ. وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ حُسْنِ الصُّحْبَةِ كَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ، وَهَذَا وَاجِبٌ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَبْدٌ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يُعْلَى وَالْبَزَّارُ وَإِسْنَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ جَيِّدٌ. وَفَوْقَ ذَلِكَ أَنْ يَنْفَعَهُمْ وَيُحْسِنَ إلَيْهِمْ. وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْتَمِلَ الْأَذَى مِنْهُمْ، وَيُحْسِنَ مَعَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وَهَذِهِ دَرَجَةُ الصِّدِّيقِينَ. وَمِنْ كَلَامِ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَحْسَنَ إلَى مَنْ أَسَاءَ إلَيْهِ فَقَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ شُكْرًا، وَمَنْ أَسَاءَ إلَى مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِ فَقَدْ اسْتَبْدَلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا. وَقَدْ سُئِلَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حُسْنِ الْخُلُقِ فَقَالَ أَنْ لَا تَغْضَبَ وَلَا تَحْقِدَ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: حُسْنُ الْخُلُقِ أَنْ تَحْتَمِلَ مَا يَكُونُ مِنْ النَّاسِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: حُسْنُ الْخُلُقِ الْكَرَمُ وَالْبِذْلَةُ وَالِاحْتِمَالُ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: الْبِذْلَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَالْبِشْرُ الْحُسْنُ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ كَذَلِكَ. وَعَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ: بَسْطُ الْوَجْهِ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَكَفُّ الْأَذَى. وَسُئِلَ سَلَّامُ بْنُ مُطِيعٍ عَنْ حُسْنِ الْخُلُقِ فَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ: تَرَاهُ إذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا ... كَأَنَّك تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ رُوحِهِ ... لَجَادَ بِهَا فَلْيَتَّقِ اللَّهَ سَائِلُهُ هُوَ الْبَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ ... فَلُجَّتُهُ الْمَعْرُوفُ وَالْبَحْرُ سَاحِلُهُ مَطْلَبٌ: فِي الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي مَدْحِ حُسْنِ الْخُلُقِ وَذَمِّ سُوءِ الْخُلُقِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ سَنَذْكُرُ مِنْهَا طَرَفًا صَالِحًا. وَكَانَ نِهَايَةُ هَذَا الْعَالَمِ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ نَبِيَّهُ الْمُصْطَفَى ﷺ . وَلِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فَمَا بَالُكَ بِمَا يَسْتَعْظِمُهُ الْحَقُّ جَلَّ شَأْنُهُ.
следующие страницы →