← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25791

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني

Полный текст (1 066 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أَنَّ حُرْمَتَهُمَا وَاجِبَةٌ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ حُرْمَتَهُمَا وَيَقْضِيَ حَقَّهُمَا. فَكَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ، وَقَدْ أَمَرَ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ وَأَوْحَى إلَى جَمِيعِ رُسُلِهِ وَأَوْصَاهُمْ بِحُرْمَةِ الْوَالِدَيْنِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِمَا، وَجَعَلَ رِضَاهُ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطَهُ فِي سَخَطِهِمَا. وَذَكَرَ بِسَنَدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَوْ عَلِمَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ الْعُقُوقِ أَدْنَى مِنْ أُفٍّ لَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَلْيَعْمَلْ الْعَاقُّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلْيَعْمَلْ الْبَارُّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ النَّارَ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلَاثِ آيَاتٍ لَا يُقْبَلُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا، أَوَّلُهَا ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ، فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الصَّلَاةُ. وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] ، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ وَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعْ الرَّسُولَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْث أَيْضًا أَنَّ «رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي خَرِفَتْ عِنْدِي وَأَنَا أُطْعِمُهَا بِيَدَيْ وَأُسْقِيهَا بِيَدَيْ وَأُوَضِّيهَا وَأَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِي فَهَلْ جَزَيْتهَا؟ قَالَ لَا وَلَا وَاحِدًا مِنْ مِائَةٍ وَلَكِنَّك قَدْ أَحْسَنْت وَاَللَّهُ يُثِيبُك عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا» قُلْت: وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ الْمَقُولَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵁ وَأَنَّهُ قَالَ لِلسَّائِلِ وَلَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَكِنَّك أَحْسَنْت. .. إلَخْ. وَلَمَّا ذَكَرَ النَّاظِمُ وُجُوبَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَحَذَّرَ مِنْ عُقُوقِهِمَا أَعْقَبَ ذَلِكَ بِالتَّوْصِيَةِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ إلَى أَصْحَابِهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بِرِّهِمَا فَقَالَ: مَطْلَبٌ: فِي بِرِّ الرَّجُلِ أَبَوَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا: وَأَحْسِنْ إلَى أَصْحَابِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ... فَهَذَا بَقَايَا بِرِّهِ الْمُتَعَوَّدِ (وَأَحْسِنْ) بِالْمَوَدَّةِ وَتَحْسِينِ الْأَخْلَاقِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَلِينِ الْجَانِبِ وَإِطْلَاقِ الْوَجْهِ وَحُسْنِ الْبَشَاشَةِ (إلَى أَصْحَابِهِ) أَيْ الْوَالِدِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ بِأَنْ يُكْرِمَ صُوَيْحِبَاتِهَا (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ وَالِدِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا الْقَيْدَ أَغْلَى فَيُحْسِنُ إلَى أَصْحَابِهِ وَلَوْ حَيًّا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَغْلَبُ إنَّمَا يَحْتَاجُونَهُ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ قَيَّدُوهُ بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ (فَهَذَا) أَيْ إحْسَانُك إلَى أَصْحَابِ وَالِدِك (بَقَايَا) أَيْ كَمَالُ

стр. 387

بِرِّهِ) مِنْك، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَيْسَ بِرُّك لَهُ كَامِلًا بَلْ عَلَيْك الْإِحْسَانُ لِأَصْحَابِ وَالِدِك لِكَمَالِ بِرِّهِ (الْمُتَعَوَّدِ) مِنْك يَعْنِي الْمُعْتَادَ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " الْمُتَزَوَّدِ " يَعْنِي الْمُتَّخَذَ زَادًا لِكَوْنِ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْك وَوَالِدُك فِي دَارِ الْبَرْزَخِ، فَكَأَنَّك أَرْسَلْته زَادًا لَهُ أَحْوَجَ مَا هُوَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ «بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ «قَالَ الرَّجُلُ مَا أَكْثَرَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَطْيَبَهُ، قَالَ فَاعْمَلْ بِهِ» وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «هَلْ لَك مِنْ خَالَةٍ» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا أَصْلَحَك اللَّهُ إنَّهُمْ الْأَعْرَابُ وَهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «وَإِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: «قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَأَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ أَتَدْرِي لِمَ أَتَيْتُك؟ قَالَ قُلْت لَا. قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ فَلْيَصِلْ إخْوَانَ أَبِيهِ» . وَأَنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي عُمَرَ وَبَيْنَ أَبِيكَ إخَاءٌ وَوُدٌّ فَأَحْبَبْت أَنْ أَصِلَ ذَاكَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ عِدَّةُ أَخْبَارٍ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «الْوُدُّ يُتَوَارَثُ وَالْبُغْضُ يُتَوَارَثُ» وَقَوْلُهُ «ثَلَاثٌ يُطْفِينَ نُورَ الْعَبْدِ: أَنْ يَقْطَعَ وُدَّ أَبِيهِ، وَيُبْدِلَ سُنَّةً صَالِحَةً، وَيَزْنِي بِبَصَرِهِ فِي الْحُجُرَاتِ» وَذُكِرَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ لَا تَقْطَعُ مَنْ كَانَ أَبُوك يَصِلُهُ فَيُطْفَى نُورُك. انْتَهَى.

стр. 388

وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي الرَّوَّادِ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ بَارًّا بِأَبَوَيْهِ فِي حَيَّاتِهِمَا ثُمَّ لَمْ يَفِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا بِنُذُورِهِمَا وَلَمْ يَقْضِ دُيُونَهُمَا كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ ﵎ عَاقًّا. وَإِذَا كَانَ لَمْ يَبَرَّهُمَا وَأَوْفَى بِنُذُورِهِمَا وَقَضَى دُيُونَهُمَا كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَارًّا. ذَكَرَهُ الْحَجَّاوِيُّ ﵀. وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ فِي تَنْبِيهِهِ: فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ أَنَّ الْوَالِدَيْنِ إذَا مَاتَا سَاخِطَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ هَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرْضِيَهُمَا بَعْدَ وَفَاتِهِمَا، قِيلَ لَهُ بَلْ يُرْضِيهِمَا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، أَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ صَالِحًا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِمَا مِنْ صَلَاحِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَصِلَ قَرَابَتَهُمَا وَأَصْدِقَاءَهُمَا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمَا وَيَدْعُوَ لَهُمَا وَيَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا. وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّ مَنْ دَعَا لِأَبَوَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَقَدْ أَدَّى حَقَّهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] فَشُكْرُ اللَّهِ أَنْ تُصَلِّيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَكَذَا شُكْرُ الْوَالِدَيْنِ أَنْ تَدْعُوَ لَهُمَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى حُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ ذَكَرَ شَذْرَةً مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَقَالَ: وَيُكْرَهُ فِي الْحَمَّامِ كُلُّ قِرَاءَةٍ ... وَذِكْرُ لِسَانٍ وَالسَّلَامُ لِمُبْتَدِي (وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (فِي) دَاخِلِ (الْحَمَّامِ) وَمَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ مِنْ الْمَسْلَخِ وَالسَّطْحِ وَالْقَمِيمِ (كُلُّ قِرَاءَةٍ) لِقُرْآنٍ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَى الْأَصَحِّ صِيَانَةً لَهُ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ وَحَكَاهُ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ فِي شَرْحِ الْكَبِيرِ وَلَمْ يَكْرَهْهُ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ كُلُّ قِرَاءَةٍ يَعْنِي كَثِيرَهَا وَقَلِيلَهَا وَمِثْلُ الْحَمَّامِ جَمِيعُ الْمَحَالِّ الْقَذِرَةِ. . مَطْلَبٌ: فِي الْحَمَّامِ وَكَيْفِيَّةِ الدُّخُولِ فِيهَا وَالِاسْتِحْمَامِ (نَادِرَةٌ) ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ فِي أَوَائِلِهِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ النَّبِيُّ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَصُنِعَتْ لَهُ النُّورَةُ مِنْ أَجْلِ بِلْقِيسَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ بِلْقِيسَ، قَالَتْ لَمْ يَمَسّنِي حَدِيدٌ قَطُّ، فَكَرِهَ سُلَيْمَانُ الْمُوسَى فَسَأَلَ الْجِنَّ فَقَالُوا لَا نَدْرِي، فَسَأَلَ الشَّيَاطِينَ فَقَالُوا إنَّا نَحْتَالُ لَك حَتَّى تَبْقَى كَالْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ

стр. 389

فَاتَّخَذُوا النُّورَةَ وَالْحَمَّامَ، فَلَمَّا دَخَلَهُ وَجَدَ حَرَّهُ وَغَمَّهُ، فَقَالَ أَوَّاهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَوَّاهُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا. قُلْت وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَهُ الْأُسْتَاذُ كالبيمارستان. قَالَهُ ابْنُ جِبْرِيلَ، اسْتَفَادَهُ مِنْ شَخْصٍ دَخَلَ غَارًا وَسَقَطَ فِي مَاءٍ حَارٍّ مِنْ الْكِبْرِيتِ وَبِهِ تَعْقِيدٌ مِنْ الْعَصَبِ فَزَالَ، فَحَدَّثَ الْحَكِيمُ أَنَّ إسْخَانَ الْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ يُسَخَّنُ فِيهِ الْهَوَاءُ جَيِّدٌ فَأَحْدَثَهُ. قَالَ هَذَا الطَّبِيبُ: وَأَفْضَلُ الْحَمَّامِ مُطْلَقًا حَمَّامٌ عَالٍ مُرْتَفِعٍ فِي الْبِنَاءِ لِئَلَّا يُحْضِرَ الْأَنْفَاسَ الْمُخْتَلِفَةِ فَيَفْسُدَ بِهَا وَيَنْحَلَّ الْهَوَاءُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ بَعْدَ تَحَلْحُلٍ وَانْبِسَاطٍ، وَيُلَطَّفُ الْبُخَارُ الصَّاعِدُ إلَى الْأَعْلَى كَمَا تُشَاهِدُهُ مِنْ قُبَّةِ الْأَنْبِيقِ، فَإِنْ اتَّسَعَ مَعَ ذَلِكَ كَانَ أَقْوَى فِي تَفْرِيقِ الْهَوَاءِ وَتَلْطِيفِهِ وَقَبُولِهِ التَّكَيُّفَ فِيمَا ذُكِرَ لَا سِيَّمَا إنْ طَالَ عَهْدُهُ وَقَدُمَ بِنَاؤُهُ لِفَسَادِ الْجَدِيدِ بِأَبْخِرَةِ الْأَحْجَارِ وَالطِّينِ وَعُفُونَةِ مَا يُشْرَبُ مِنْ الْمَاءِ فِي أَجْزَائِهِ وَبَرْدِهِ. قَالَ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْحَمَّامِ الْقِدَمُ إلَّا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ غَايَةً خُصُوصًا إنْ عَذُبَ مَاؤُهُ وَلَطُفَ هَوَاؤُهُ وَأَحْكَمَ صَانِعُهُ مِزَاجَهُ. وَيَنْبَغِي مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَسْلَخُهُ لَطِيفَ الصَّنْعَةِ وَاسِعَ الْفَضَاءِ وَأَنْ يَشْتَمِلَ دَاخِلُهُ عَلَى الْبُيُوتِ الْكَثِيرَةِ الرُّطُوبَةِ اللَّطِيفَةِ أَوَّلًا وَلْيَكُنْ دُخُولُهُ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَنْ يَمْكُثَ أَوَّلًا فِي الْأَوَّلِ حَتَّى يَأْلَفَ الْهَوَاءَ الْحَارَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الَّذِي كَانَ فِيهِ، ثُمَّ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَوَّلَ مِنْ وَجْهٍ، وَلَا يَدْخُلُ الثَّالِثَ إلَّا عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ، فَإِنَّهُ مُجَفِّفٌ قَوِيُّ التَّحْلِيلِ وَيُقَدِّمُ يَسَارَهُ فِي الْحَمَّامِ وَالْمُغْتَسَلِ دُخُولًا. وَالْأَوْلَى أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ وَإِبْطَيْهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ عِنْدَ دُخُولِهِ وَيَلْزَمُ الْحَائِطَ، وَيَقْصِدُ مَوْضِعًا خَالِيًا وَيُقَلِّلُ الِالْتِفَاتَ وَلَا يُطِيلُ الْمُقَامَ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الصُّدَاعَ كَمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ: يُكْرَهُ دُخُولُ الْحَمَّامِ قَرِيبًا مِنْ الْغُرُوبِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِانْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ. انْتَهَى. وَفِي الْإِقْنَاعِ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَكَرِهَ الْإِمَامُ ﵁ بِنَاءَ الْحَمَّامِ وَبَيْعَهُ وَإِجَارَتِهِ وَشِرَاءَهُ وَقَالَ: الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ لَيْسَ بِعَدْلٍ. وَعُمْدَةُ الْحَمَّامِ الدَّلْكُ وَالدَّهْنُ وَالِانْتِقَاعُ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِاعْتِدَالٍ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ. وَأَفْضَلُ الِانْتِقَاعِ مَا كَانَ فِي الْأَبَازِينِ يَعْنِي الْمَغَاطِسَ.

стр. 390

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ وَلَمْ يَتَغَمَّرْ وَلَمْ يَنْتَقِعْ فَقَدْ جَلَبَ الضَّرَرَ إلَى نَفْسِهِ. أَرَادَ بِالْغَمْرِ الدَّلْكَ، وَقِيلَ التَّكَيُّسُ، وَلَا مُنَافَاةَ فَإِنَّ الْغَمْرَ وَالدَّلْكَ وَالتَّكَيُّسَ الْمُرَادُ بِهَا وَاحِدٌ. وَيَنْبَغِي التَّدْرِيجُ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ فَإِنْ خَرَجَ دَفْعَةً وَاحِدَةً حَصَلَ لَهُ بَعْضُ ضَرَرٍ خُصُوصًا فِي الشِّتَاءِ. وَيَنْبَغِي الرَّاحَةُ بَعْدَهُ كَالنَّوْمِ. قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: نَوْمَةٌ بَعْدَ الْحَمَّامِ خَيْرٌ مِنْ شَرْبَةٍ. وَلْيَتَدَثَّرْ، فَإِنَّ نِكَايَةَ الْبَرْدِ عَقَبَةٌ شَدِيدَةٌ. وَهَذِهِ فَوَائِدُ أَجْنَبِيَّةٌ. وَدُخُولُ الْحَمَّامِ مُبَاحٌ لِلرِّجَالِ فَإِنْ خِيفَ مُحَرَّمٌ كُرِهَ وَإِنْ عُلِمَ حَرُمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) يُكْرَهُ فِي الْحَمَّامِ أَيْضًا كُلُّ (ذِكْرِ لِسَانٍ) أَيْ كُلُّ ذِكْرٍ مِنْ أَذْكَارِ اللَّهِ حَيْثُ كَانَ اللِّسَانُ، بِخِلَافِ ذِكْرِ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَحُجَّةُ كَرَاهَةِ الذِّكْرِ فِي الْحَمَّامِ مَا رَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ، وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَان حَسَنٌ مَا لَمْ يَرِدْ الْمَنْعُ مِنْهُ. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ دَخَلَ حَمَّامًا فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» . (وَ) يُكْرَهُ فِي الْحَمَّامِ أَيْضًا (السَّلَامُ) حَيْثُ كَانَ (لِمُبْتَدِئٍ) يَعْنِي يُكْرَهُ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ فِي الْحَمَّامِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمُغْنِي. وَأَمَّا الرَّدُّ فَمُبَاحٌ هُنَا. قَالَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: الْأَوْلَى جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ. وَفِي الْآدَابِ: لَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسْلِمٍ. وَتَوَسَّطَ الْحَجَّاوِيُّ كَالنَّاظِمِ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ فَكَرِهَ الِابْتِدَاءَ دُونَ الرَّدِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ الشَّيْخُ م ص، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَوَائِدُ فِي أَشْيَاءَ مِنْ آدَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (الْأُولَى) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ حَالَ خُرُوجِ الرِّيحِ، وَمَعَ الْجِنَازَةِ جَهْرًا، وَحَال لَمْسِ الذَّكَرِ أَوْ الزَّوْجَةِ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَلَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ حَالٍ قَائِمًا وَجَالِسًا وَمُضْطَجِعًا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَلَا تُكْرَهُ فِي الطَّرِيقِ نَصًّا، وَلَا مَعَ حَدَثٍ أَصْغَرَ وَنَجَاسَةِ بَدَنٍ وَثَوْبٍ، وَلَا حَالَ مَسِّ الذَّكَرِ وَالزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ. وَتُكْرَهُ

стр. 391

فِي الْمَوَاضِعِ الْقَذِرَةِ، وَاسْتِدَامَتُهَا حَالَ خُرُوجِ الرِّيحِ، وَجَهْرُهُ بِهَا مَعَ الْجِنَازَةِ، وَلَا تَمْنَعُ نَجَاسَةَ الْفَمِ الْقِرَاءَةَ. انْتَهَى. قَالَ فِي شَرْحِهِ: ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَوْلَى الْمَنْعُ. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهَا نَجَسُ الْفَمِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا تَمْنَعُ نَجَاسَةُ الْفَمِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْأَوْلَى الْمَنْعُ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَزَادَ الْقَاضِي فِيمَا لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ حَالَ أَكْلِهِ لِلَحْمِ الْجَزُورِ وَغَسْلِهِ لِلْمَيِّتِ عَلَى احْتِمَالٍ فِيهِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ تِلْكَ الْحَالِ. انْتَهَى. . وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْقُرْآنِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَكَرِهَ الْإِمَامُ السُّرْعَةَ فِي الْقِرَاءَةِ. وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ وَتَرْكُ السُّرْعَةِ أَكْمَلُ. وَكَرِهَ أَصْحَابُنَا قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ تَبَعًا لِلْآدَابِ الْكُبْرَى. وَقَالَ حَرْبٌ: هِيَ حَسَنَةٌ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: قِرَاءَةُ الْإِدَارَةِ وَتَقْطِيعُ حُرُوفِ الْقُرْآنِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ. وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ قَارِئٌ ثُمَّ يَقْطَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ غَيْرُهُ قَالَ م. ص أَيْ بِمَا بَعْدَ قِرَاءَتِهِ. أَمَّا لَوْ أَعَادَ مَا قَرَأَهُ الْأَوَّلُ وَهَكَذَا فَلَا يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُدَارِسُ النَّبِيَّ ﷺ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ. وَحَكَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵁ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا حَسَنَةٌ كَالْقِرَاءَةِ مُجْتَمِعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ. مَطْلَبٌ: فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ قِرَاءَةَ الْأَلْحَانِ وَقَالَ هِيَ بِدْعَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ «أَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلَا أَفْضَلِهِمْ إلَّا لِيُغَنِّيَهُمْ غِنَاءً» . وَقَالَ ﵁ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ: لَا يُعْجِبنِي أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْأَلْحَانَ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَزْمُهُ مِثْلَ حَزْمِ أَبِي مُوسَى. وَفِي لَفْظٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَزْمُهُ فَيَقْرَأُ بِحُزْنٍ مِثْلَ صَوْتِ أَبِي مُوسَى. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي مَوْضِعٍ: أَكْرَهُ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ، وَفِي مَوْضِعٍ: لَا أَكْرَهُهَا.

стр. 392

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ فَكَرِهَهَا مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ لِخُرُوجِهَا عَمَّا جَاءَ الْقُرْآنُ لَهُ مِنْ الْخُشُوعِ وَالتَّفَهُّمِ. وَأَبَاحَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ لِلْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلرِّقَّةِ وَإِثَارَةِ الْخَشْيَةِ وَإِقْبَالِ النُّفُوسِ عَلَى اسْتِمَاعِهِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِصِفَةِ التَّلَحُّنِ الَّذِي يُشْبِهُ تَلَحُّنَ الْغِنَاءِ مَكْرُوهٌ مُبْتَدَعٌ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ ﵃. وَفِي الْإِقْنَاعِ: فَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا أَيْ الْأَلْحَانِ تَغَيُّرُ نَظْمِ الْقُرْآنِ وَجَعْلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا حُرِّمَ. وَلَا يُكْرَهُ التَّرْجِيعُ وَتَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ بَلْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ ﷺ «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَقَالَ «لَيْسَ مِنَّا مِنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ تَحْسِينُ قِرَاءَتِهِ وَتَرَنُّمِهِ بِهِ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا. وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمَاعَةٌ يَتَغَنَّى بِهِ. . وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَسْوَاقِ يَصِيحُ فِيهَا أَهْلُهَا بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ. وَرَفْعَ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةٍ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهَا يُغَلِّطُ أَصْحَابَهُ وَهُمْ يُصَلُّونَ» . وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: مَنْ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ تَطَوَّعَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْهَرَ جَهْرًا يَشْغَلُهُمْ بِهِ، «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يُصَلُّونَ مِنْ السَّحَرِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّكُمْ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ» وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى وَغَيْرُهُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْآدَابِ أَنْ لَا يَجْهَرَ بَيْنَ مُصَلِّينَ أَوْ نِيَامٍ أَوْ تَالِينَ جَهْرًا يُؤْذِيهِمْ. (الثَّانِيَةُ) : يُسْتَحَبُّ تَرْتِيلُ الْقِرَاءَةِ وَإِعْرَابُهَا وَتَمْكِينُ حُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: تُعْجِبُنِي الْقِرَاءَةَ السَّهْلَةَ. وَسُئِلَ ﵁ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ إذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ اللَّيْلِ أَحَبُّ إلَيْك التَّرَسُّلُ أَوْ السُّرْعَةُ؟ فَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ جَاءَ بِكُلِّ حَرْفٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، قَالُوا لَهُ فِي السُّرْعَةِ قَالَ إذَا صَوَّرَ الْحَرْفَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ مِنْ الْهِجَاءِ. قَالَ

стр. 393

الْقَاضِي وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ اخْتَارَ السُّرْعَةَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ كَرِهَ السُّرْعَةَ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ فَلَا مُنَافَاةَ. قَالَ الْقَاضِي: أَقَلُّ التَّرْتِيلِ تَرْكُ الْعَجَلَةِ فِي الْقُرْآنِ عَنْ الْإِبَانَةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا بَيَّنَ مَا يَقْرَأُ بِهِ فَقَدْ أَتَى بِالتَّرْتِيلِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْجِلًا فِي قِرَاءَتِهِ، وَأَكْمَلُهُ أَنْ يُرَتِّلَ الْقِرَاءَةَ وَيَتَوَقَّفَ فِيهَا مَا لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ إلَى التَّمْدِيدِ وَالتَّمْطِيطِ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى التَّمْطِيطِ كَانَ مَمْنُوعًا. قَالَ وَقَدْ أَوْمَأَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَى مَعْنَى هَذَا، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: تُعْجِبُنِي قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ السَّهْلَةُ وَلَا تُعْجِبُنِي هَذِهِ الْأَلْحَانُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ طَيَّبَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ: التَّفَهُّمُ فِيهِ يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالِاعْتِبَارُ مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ إدْرَاجه بِغَيْرِ تَفَهُّمٍ. وَقَالَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوَّلَ النَّهَارِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهِ آخِرَهُ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: يُحَسِّنُ الْقَارِئُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ وَيَقْرَأُ بِحُزْنِ وَتَدَبُّرٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: قَوْلُهُ أَذِنَ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ الِاسْتِمَاعُ. وَقَوْلُهُ كَأَذَنِهِ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ وَهُوَ مَصْدَرُ أَذِنَ يَأْذَنُ أَذَنًا كَفَرِحِ يَفْرَحُ فَرَحًا. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ كَإِذْنِهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هُوَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَعْنِي الْحَثَّ عَلَى ذَلِكَ وَالْأَمْرَ بِهِ. انْتَهَى. قُلْت: وَاَلَّذِي فِي مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ تَهْذِيبُ الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ قُرْقُولٍ قَوْلُهُ مَا أَذِنَ اللَّهُ كَأَذَنِهِ بِفَتْحِ الذَّالِ فِي الْمَصْدَرِ وَكَسْرِهَا فِي الْمَاضِي، وَمَعْنَاهُ اسْتَمَعَ اسْتِمَاعَهُ. قَالَ وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ كَإِذْنِهِ مِنْ الْإِذْنِ يَعْنِي بِالْكَسْرِ وَسُكُونِ الذَّالِ. قَالَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِمَعْنَى الْحَدِيثِ وَأَشْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ. وَقَدْ غَلَّطَ الْخَطَّابِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؛ لِأَنَّ مَقْصِدَ الْحَدِيثِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ الْإِذْنَ وَالْفِعْلَ، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ قِيلَ فِيهِ أَذِنَ إيذَانًا. انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» وَمَعْنَى أَذِنَ اسْتَمَعَ.

стр. 394

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا لِلرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إلَى قَيْنَتِهِ» وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَالْقَيْنَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ بَعْدَهُمَا نُونٌ هِيَ الْأَمَةُ الْمُغَنِّيَةُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (الثَّالِثُ) : ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْهُمْ الْآجُرِّيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو مُوسَى وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ وَالْحَجَّاوِيُّ فِي إقْنَاعِهِ وَشَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ وَغَيْرِهِمْ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ آدَابًا، مِنْهَا إدْمَانُ تِلَاوَتِهِ، وَالْبُكَاءُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالتَّبَاكِي، وَحَمْدُ اللَّهِ عِنْدَ قَطْعِ الْقِرَاءَةِ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَنِعْمَتِهِ، وَسُؤَالُ الثَّبَاتِ وَالْإِخْلَاصِ، وَالسِّوَاكُ ابْتِدَاءً، وَسُؤَالُ الرَّحْمَةِ عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ، وَأَنْ يَتَعَوَّذَ عِنْدَ آيَةِ عَذَابٍ، وَالْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ لَيْلًا لَا نَهَارًا، وَأَنْ يُوَالِيَ قِرَاءَتَهُ وَلَا يَقْطَعُهَا بِحَدِيثِ النَّاسِ مَا لَمْ تَعْرِضْ حَاجَةٌ، وَأَنْ يَقْرَأَ بِالْقِرَاءَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ لَا الشَّاذَّةِ الْغَرِيبَةِ، وَأَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ يَعْنِي ابْتِدَاءَهَا عَلَى الصَّالِحِينَ الْعُدُولِ الْعَارِفِينَ بِمَعَانِيهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ مَا أَمْكَنَهُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ أَحْوَالِ الْعَبْدِ. وَفِي الْحَدِيثِ إنَّ «الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ تُضَاعَفُ عَلَى الْقِرَاءَةِ خَارِجًا عَنْهَا» ، وَأَنْ يَتَحَرَّى قِرَاءَتَهُ مُتَطَهِّرًا، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إنْ كَانَ قَاعِدًا، وَأَنْ يُكْثِرَ التِّلَاوَةَ فِي رَمَضَانَ، وَأَنْ يَتَحَرَّى أَنْ يَعْرِضَهُ كُلَّ عَامٍ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ، وَأَنْ يَقْرَأَهُ بِالْإِعْرَابِ وَتَقَدَّمَ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْمَعْنَى الِاجْتِهَادُ عَلَى حِفْظِ إعْرَابِهِ لَا إنَّهُ يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ عَمْدًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ لِتَغْيِيرِهِ الْقُرْآنَ، وَأَنْ يُفَخِّمَهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ﵇ «نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ» قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى مَعْنَاهُ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى قِرَاءَةِ الرِّجَالِ، وَلَا يُخْضِعُ الصَّوْتَ بِهِ كَكَلَامِ النِّسَاءِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كَرَاهَةَ الْإِمَالَةِ وَيَحْتَمِلُ إرَادَتَهَا ثُمَّ رَخَّصَ فِيهَا، وَأَنْ يَفْصِلَ كُلَّ سُورَةٍ مِمَّا قَبْلَهَا بِالْوَقْفِ أَوْ التَّسْمِيَةِ، وَلَا يَقْرَأُ مِنْ أُخْرَى قَبْلَ فَرَاغِ الْأُولَى، وَأَنْ يَقِفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْكَلَامُ. وَقَالَهُ أَبُو مُوسَى، وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ كَوَقْفِهِ ﵇ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى كُلِّ آيَةٍ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْكَلَامُ. قَالَ أَبُو مُوسَى: وَلِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى آخِرِ السُّوَرِ لَا شَكَّ فِي اسْتِحْبَابِهِ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِبَعْضِ كَسُورَةِ الْفِيلِ مَعَ قُرَيْشٍ. وَأَنْ يَعْتَقِدَ جَزِيلَ

стр. 395

مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ إذْ أَهَّلَهُ لِحِفْظِ كِتَابِهِ، وَيَسْتَصْغِرَ عَرَضَ الدُّنْيَا أَجْمَعَ فِي جَنْبِ مَا خَوَّلَهُ تَعَالَى، وَيَجْتَهِدَ فِي شُكْرِهِ، وَأَنْ يَتْرُكَ الْمُبَاهَاةَ، وَأَنْ لَا يَطْلُبَ بِهِ الدُّنْيَا بَلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنْ لَا يَقْرَأَ فِي الْمَوَاضِعِ الْقَذِرَةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَا سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَقَنَاعَةٍ وَرِضًا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى، مُجَانِبًا لِلدُّنْيَا، مُحَاسِبًا لِنَفْسِهِ، يُعْرَفُ الْقُرْآنُ فِي خُلُقِهِ وَسَمْتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ كِتَابِ الْمَلِكِ، وَالْمُطَّلِعُ عَلَى مَا وَعَدَ فِيهِ وَأَوْعَدَ، وَحَثَّ عَلَيْهِ وَهَدَّدَ، فَإِذَا بَدَرَتْ مِنْهُ سَيِّئَةٌ بَادَرَ مَحَوْهَا بِالْحَسَنَةِ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إذَا النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إذَا النَّاسُ مُفْطِرُونَ، وَبِحُزْنِهِ إذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِصَمْتِهِ إذَا النَّاسُ يَخْلِطُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَاكِيًا مَحْزُونًا حَكِيمًا عَلِيمًا سَكِينًا، وَلَا يَكُونُ جَافِيًا وَلَا غَافِلًا وَلَا صَخِبًا وَلَا صَيَّاحًا وَلَا حَدِيدًا. (الرَّابِعَةُ) اسْتَحَبَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ «التَّكْبِيرَ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الضُّحَى إلَى أَنْ يَخْتِمَ» . ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ عَنْ ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ. قَالَ وَهُوَ قِرَاءَةُ أَهْلِ مَكَّةَ أَخَذَهَا الْبَزِّيُّ عَنْ ابْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخَذَهَا مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخَذَهَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَخَذَهَا أُبَيٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ. رَوَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ انْقِطَاعُ الْوَحْيِ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَاوِيهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ وَهُوَ ثَبْتٌ فِي الْقِرَاءَةِ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵁ عَنْ جَمَاعَةِ قَرَءُوا يَعْنِي خَتَمُوا بِغَيْرِ تَهْلِيلٍ وَلَا تَكْبِيرٍ، قَالَ إذَا قَرَءُوا بِغَيْرِ حَرْفِ ابْنِ كَثِيرٍ كَانَ تَرْكُهُمْ لِذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلُ بَلْ الْمَشْرُوعُ الْمَسْنُونُ. (الْخَامِسَةُ) يُسَنُّ التَّعَوُّذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، فَإِنْ قَطَعَهَا قَطْعَ تَرْكٍ وَإِهْمَالٍ أَعَادَ التَّعَوُّذَ إذْ رَجَعَ وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ عَازِمًا عَلَى إتْمَامِهَا إذَا زَالَ الْعُذْرُ كَفَاهُ التَّعَوُّذُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ تَرَكَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فَاسْتَوْجَهَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا ثُمَّ يَقْرَأُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِهَا، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى

стр. 396

يَقْتَضِي ذَلِكَ أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا حَتَّى فَرَغَ سَقَطَتْ لِعَدَمِ الْقِرَاءَةِ، وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا نَصًّا، وَالْمُرَادُ سِوَى بَرَاءَةٍ فَيُكْرَهُ، وَإِنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ قُرْبَةً مُنِعَ مِنْهُ، فَإِنْ قَرَأَ مِنْ بَعْضِ السُّورَةِ فَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَتِهَا نَصًّا، وَإِنْ قَرَأَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاتِ نَصًّا. قَالَ الْقَاضِي: مَحْصُولُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ كَمَا كَانَ مُخَيَّرًا فِي أَصْلِ الْقِرَاءَةِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ وَالِاسْتِعَاذَةِ. وَعَنْهُ يَجْهَرُ بِهَا مَعَ الْقِرَاءَةِ. وَعَنْهُ لَا. (السَّادِسَةُ) قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ. قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا اخْتَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قِرَاءَةَ الْمُصْحَفِ لِلْأَخْبَارِ أَيْ وَلِيَجْمَعَ بَيْنَ فَضِيلَتِي الذِّكْرِ وَالنَّظَرِ، فَإِنَّ النَّظَرَ فِي الْقُرْآنِ عِبَادَةٌ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُوَيْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قِرَاءَةُ الرَّجُلِ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ أَلْفَ دَرَجَةٍ، وَقِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ تُضَاعَفُ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَلْفَيْ دَرَجَةٍ» قَالَ صَاحِبُ الْآدَابِ الْكُبْرَى: كَذَا نَقَلْته مِنْ خَطِّ ضِيَاءِ الدِّينِ. قَالَ وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى فِي الْوَظَائِفِ فِي ذَلِكَ آثَارًا قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ «النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ» . وَرُوِيَ أَنَّ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ قَرَأَ مِائَتَيْ آيَةٍ كُلَّ يَوْمٍ نَظَرًا شَفَعَ فِي سَبْعَةِ قُبُورٍ حَوْلَ قَبْرِهِ وَخَفَّفَ الْعَذَابَ عَنْ وَالِدَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ» وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ غَيْرُ ثَابِتٍ. وَمِنْ ثَمَّ حَذَفَهُ الْيُونِينِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ لِلْآدَابِ الْكُبْرَى. وَمِنْ ثَمَّ عَقَدَ صَاحِبُ الْآدَابِ الْكُبْرَى بَعْدَ ذِكْرِهِ لِهَذَا الْأَثَرِ وَأَمْثَالِهِ فَصْلًا تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، فَهَذَا الْخَبَرُ كَاَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ أَقَلُّ مَرَاتِبِهَا الضَّعْفُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مُصْحَفٌ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ آيَاتٍ يَسِيرَةٍ لِئَلَّا يَكُونَ مَهْجُورًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (السَّابِعَةُ) يُسْتَحَبُّ خَتْمُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ نَصًّا «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَإِنْ قَرَأَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَحَسَنٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي قُوَّةً، قَالَ اقْرَأْهُ فِي

стр. 397

ثَلَاثٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا. وَلَا بَأْسَ بِالْخَتْمِ فِيمَا دُونَهَا أَحْيَانَا، وَفِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ كَرَمَضَانَ خُصُوصًا فِي اللَّيَالِي الَّتِي تَطْلُبُ فِيهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ كَأَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، وَفِي الْأَمَاكِنِ الْفَاضِلَةِ كَمَكَّةَ لِمَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ اغْتِنَامًا لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَتَجُوزُ قِرَاءَتُهُ كُلُّهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَعَنْهُ تُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ وَعَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بَلْ هُوَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ مِنْ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي لَيْلَةٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ. وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ خَتْمِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا بِلَا عُذْرٍ نَصًّا، وَحَرُمَ إنْ خَافَ نِسْيَانَهُ. وَيَكُونُ الْخَتْمُ فِي الشِّتَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَفِي الصَّيْفِ أَوَّلَ النَّهَارِ، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ. وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ: أَدْرَكْت أَهْلَ الْخَيْرِ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَسْتَحِبُّونَ الْخَتْمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ، يَقُولُونَ إذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِذَا خَتَمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ. وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَيَجْمَعُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عِنْدَ الْخَتْمِ نَدْبًا رَجَاءَ عَوْدِ الْبَرَكَةِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ ﵁. قَالَ: كَانَ أَنَسٌ ﵁ إذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، فَإِذَا خَتَمَ شَرَعَ فِي أُخْرَى لِحَدِيثِ أَنَسٍ «خَيْرُ الْأَعْمَالِ الْحِلُّ وَالرَّاحِلَةُ، قِيلَ وَمَا هُمَا؟ قَالَ افْتِتَاحُ الْقُرْآنِ وَخَتْمُهُ» وَيَدْعُو وَلَا يُكَرِّرُ سُورَةَ الصَّمَدِ وَلَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَخَمْسًا مِنْ الْبَقَرَةِ عَقِبَ الْخَتْمِ نَصًّا. قَالَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَثَرٌ صَحِيحٌ. وَقِيلَ يَجُوزُ بَعْدَ الدُّعَاءِ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ، ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. مَطْلَبٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْقُرْآنُ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ (الثَّامِنَةُ) : قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْقُرْآنُ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ مِثْلَ أَنْ يَرَى رَجُلًا جَاءَ فِي وَقْتِهِ فَيَقُولُ ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٠] قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ الْكَبِيرِ: لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ، أَشْبَهَ اسْتِعْمَالَ الْمُصْحَفِ فِي التَّوَسُّدِ. فِي الرِّعَايَةِ فِي الِاعْتِكَافِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ الَّذِي

стр. 398

ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى سُئِلَ ابْنُ عَقِيلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ وَضْعِ كَلِمَاتٍ وَآيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِي أَوَاخِرِ فُصُولِ خُطْبَةٍ وَعْظِيَّةٍ فَقَالَ تَضْمِينُ الْقُرْآنِ لِمَقَاصِدَ تُضَاهِي مَقْصُودَ الْقُرْآنِ لَا بَأْسَ بِهِ تَحْصِينًا لِلْكَلَامِ كَمَا يُضَمَّنُ فِي الرَّسَائِلِ إلَى الْمُشْرِكِينَ آيَاتٌ مُقْتَضِيَةٌ الدِّعَايَةَ لِلْإِسْلَامِ، فَأَمَّا تَضْمِينُ كَلَامٍ فَاسِدٍ فَلَا، كَكُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ. وَقَدْ أَنْشَدُوا فِي الشِّعْرِ: وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ... وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنَيْنَا وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَى الشَّاعِرِ ذَلِكَ لِمَا قَصَدَ مِدْحَةَ الشَّرْعِ وَتَعْظِيمَ شَأْنِ أَهْلِهِ، كَمَا أَنَّ تَضْمِينَ الْقُرْآنِ فِي الشَّرْعِ شَائِعٌ لِصِحَّةِ الْقَصْدِ وَسَلَامَةِ الْوَضْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (التَّاسِعَةُ) يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ وَلَا نَقْلٍ، فَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ وَأَخْطَأَ وَلَوْ أَصَابَ. لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَمَعْنَى قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ أَيْ فَسَّرَهُ بِحَدْسِهِ وَفَهْمِهِ وَعَقْلِهِ. وَمَعْنَى فَلْيَتَبَوَّأْ أَيْ فَلْيَتَّخِذْ وَيَتَهَيَّأْ وَيَنْزِلْ مَنْزِلَهُ مِنْ النَّارِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ عَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ» قَالَ فِي الْآدَابِ: وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ وَيَلْزَمُ قَبُولُهُ إنْ قُلْنَا قَوْلُهُ حُجَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ لِلْقُرْآنِ. قَالَ وَقَالَ تَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ كَقَوْلِهِ، فَإِنْ قُلْنَا هُوَ حُجَّةٌ لَزِمَ الْمَصِيرُ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَنَقْلُ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ صِيرَ إلَيْهِ، وَإِنْ فَسَّرَهُ اجْتِهَادًا وَقِيَاسًا عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ لَمْ يَلْزَمْ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ مَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ يُعَارَضْ بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَقْوَى مِنْهُ فَيُرْجَعُ إلَى تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ ﵃؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَحَضَرُوا التَّأْوِيلَ، فَهُوَ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ لَا التَّابِعِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: إلَّا أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ. وَلَا يُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ

стр. 399

الْإِمَامِ: نَنْظُرُ مَا كَانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ التَّابِعِينَ لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى إجْمَاعِهِمْ لَا عَلَى مَا انْفَرَدَ فِيهِ أَحَدُهُمْ. قَالَهُ الْقَاضِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي الِاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ وَالْخُشُوعِ (الْعَاشِرَةُ) : يُسْتَحَبُّ اسْتِمَاعُ الْقِرَاءَةِ لِلْآيَةِ الشَّرِيفَةِ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵁ عَلَى الْخُشُوعِ وَفَضْلِهِ، وَذَمِّ قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَالْغَفْلَةِ، فَقَالَ إنْ قِيلَ فَخُشُوعُ الْقَلْبِ لِمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَاجِبٌ، قِيلَ نَعَمْ لَكِنَّ النَّاسَ فِيهِ عَلَى قِسْمَيْنِ مُقْتَصِدٌ وَسَابِقٌ، وَالسَّابِقُونَ يَخْتَصُّونَ بِالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَالْمُقْتَصِدُونَ الْأَبْرَارُ هُمْ عُمُومُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْجَنَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ ﵊ وَعَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ عَنْ اسْتِمَاعِهِ إنَّمَا هُوَ فَيْضُ الدُّمُوعِ، وَاقْشِعْرَارُ الْجُلُودِ، وَلِينُ الْقُلُوبِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر: ٢٣] الْآيَةَ. «وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَيْهِ ﷺ النِّسَاءَ فَلَمَّا بَلَغَ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قَالَ حَسْبُك، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ وَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الصَّعْقُ الْغَشْيُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَحَدَثَ فِي التَّابِعِينَ لِقُوَّةِ الْوَارِدِ وَضَعْفِ الْمَوْرُودِ عَلَيْهِ. وَالصَّحَابَةُ ﵃ لِقُوَّتِهِمْ وَكَمَالِهِمْ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِمْ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: فَأَقْدَمُ مَنْ عَلِمْت هَذَا عَنْهُ الْإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ مِنْ أَعْيَانِ التَّابِعِينَ الْكِبَارِ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ ﵀ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ يَقْرَأُ ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] فَصَعِقَ، وَكَانَ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَلَمْ يُفِقْ إلَى اللَّيْلِ، وَكَذَا الْإِمَامُ الْقَاضِي التَّابِعِيُّ الْمُتَوَسِّطُ زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا بَلَغَ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] شَهِقَ فَمَاتَ، وَكَانَ هَذَا الْحَالُ يَحْصُلُ كَثِيرًا لِلْإِمَامِ عِلْمًا وَعَمَلًا الشَّيْخِ الْإِمَامِ شَيْخِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَقُولُ لَوْ قَدَرَ أَحَدٌ أَنْ يَدْفَعَ هَذَا عَنْ نَفْسِهِ دَفَعَهُ يَحْيَى. وَحَدَثَ ذَلِكَ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ، فَمِنْهُمْ الصَّادِقُ فِي حَالِهِ وَمِنْهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَلِعَمْرِي أَنَّ الصَّادِقَ مِنْهُمْ عَظِيمُ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى

стр. 400

حُضُورِ قَلْبٍ حَيٍّ، وَعِلْمِ مَعْنَى الْمَسْمُوعِ وَقَدْرِهِ، وَاسْتِشْعَارِ مَعْنَى الْمَطْلُوبِ وَفَخَامَةِ أَمْرِهِ، لَكِنَّ الْحَالَ الْأَوَّلَ أَكْمَلُ، وَالْمُتَّصِفُ بِهِ أَرْقَى وَأَفْضَلُ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ مَا يَحْصُلُ لِهَؤُلَاءِ وَأَعْظَمُ، مَعَ ثَبَاتِ قُوَّةِ جَنَانِهِ وَرُسُوخِ بُنْيَانِهِ. نَعَمْ كَثُرَ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ التَّزْوِيرُ وَالتَّلْبِيسُ، وَأَكْثَرُ مَنْ تَرَى مِمَّنْ يَدَّعِي ذَلِكَ فِي عَصْرِنَا إذَا حَقَقْت فِي الْإِمَّعَانِ عَنْ حَالِهِ تُلْفِيه مِنْ حِزْبِ أَبِي مُرَّةَ إبْلِيسَ، مَعَ الدَّعْوَى الْعَرِيضَةِ، وَالْقُلُوبِ الْمَيِّتَةِ أَوْ الْمَرِيضَةِ، وَالْجَهْلِ بِالْأَوَامِرِ، وَعَدَمِ مَعْرِفَةِ النَّاهِي الْآمِرِ، مَعَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَالْجَهْلِ وَالْبِدْعَةِ، وَالتَّهَافُتِ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا وَقَاذُورَاتِهَا وَلَا تَهَافُتَ الذُّبَابِ، وَالْحِرْصِ عَلَى الْعُكُوفِ عَلَى لَذَّاتِهَا وَالِاخْتِلَاسِ لَهَا وَلَا اخْتِلَاسَ الذِّئَابِ، وَإِطْرَاقِ الرُّءُوسِ عِنْدَ سَمَاعِ رُقَى الشَّيْطَانِ، وَغَفْلَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ حُضُورِ مَجَالِسِ الذَّكَرِ وَالْقُرْآنِ. فَاَللَّهُ يُعَامِلُنَا بِالصَّفْحِ وَالْغُفْرَانِ، وَيُثَبِّتُنَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، إنَّهُ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ. وَقَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: رَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ لَمَّا حَدَّثَ بِحَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ زَفَرَ زَفْرَةً وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ثُمَّ ثَانِيَةً ثُمَّ ثَالِثَةً ثُمَّ حَدَّثَ بِهِ. وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَلِمْت حَدَثَ لَهُ ذَلِكَ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ الْأَحْصَرِ فِيمَنْ رَوَى عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي تَرْجَمَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَلَانِسِيِّ قَالَ قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الصُّوفِيَّةُ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ بِلَا عِلْمٍ عَلَى سَبِيلِ التَّوَكُّلِ، قَالَ الْعِلْمُ أَجْلَسَهُمْ، فَقِيلَ لَيْسَ مُرَادُهُمْ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا كِسْرَةُ خُبْزٍ وَخِرْقَةٍ، قَالَ لَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَقْوَامًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ، قِيلَ إنَّهُمْ يَسْمَعُونَ وَيَتَوَاجَدُونَ عِنْدَ الْقُرْآنِ فَيَحْصُلُ لِبَعْضِهِمْ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْغَشْيِ وَالْمَوْتِ كَمَا كَانَ يَحْصُلُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَذَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵃، فَلَا مُخَالَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. فَإِنْ قُلْت أَلَيْسَ قَدْ ذَكَرَ أَبُو طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَصَاحِبِ الْعَوَارِفِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْشَدَ بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ: قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الْهَوَى قَلْبِي ... فَلَا طَبِيبَ لَهَا وَلَا رَاقِي إلَّا الْحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْتُ بِهِ ... فَإِنَّهُ عِلَّتِي وَتِرْيَاقِي قَالَ فَتَوَاجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَتَوَاجَدَ أَصْحَابُهُ ﵃ -

стр. 401

حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، فَلَمَّا فَرَغُوا آوَى كُلُّ وَاحِدٍ إلَى مَكَانِهِ، ثُمَّ قَالَ ﵊ لَيْسَ بِكَرِيمٍ مَنْ يَهْتَزُّ عِنْدَ السَّمَاعِ، ثُمَّ قَسَمَ رِدَاءَهُ عَلَى مَنْ حَضَرَ أَرْبَعَمِائَةِ قِطْعَةٍ، فَيَكُونُ أَوَّلُ مَنْ تَوَاجَدَ إمَامُ الْمُرْسَلِينَ، وَرَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَلَا خَالِدٌ وَبَكْرٌ» . قُلْت هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وَخَبَرٌ بَاطِلٌ مَصْنُوعٌ، وَكَانَ وَاضِعُهُ عَمَّارُ بْنُ إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ بَاقِي رِجَالِهِ لَا يَتَّصِفُونَ بِالْكَذِبِ وَالِاخْتِلَافِ. وَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ: هُوَ مِمَّا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ. وَقَالَ فِي تَسْهِيلِ السَّبِيلِ: مَا اُشْتُهِرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُنْشِدَ بَيْنَ يَدَيْهِ: قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الْهَوَى كَبِدِي، وَفِي آخِرِهِ فَتَوَاجَدَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى سَقَطَتْ الْبُرْدَةُ عَنْ كَتِفِهِ فَتَقَاسَمَهَا أَهْلُ الصُّفَّةِ وَجَعَلُوهَا رُقَعًا فِي ثِيَابِهِمْ» ، فَكَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ وَهُمْ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ أَنَّ الَّذِي أَنْشَدَ أَبُو مَحْذُورَةَ. قَالَ صَاحِبُ تَسْهِيلِ السَّبِيلِ: مَا قِيلَ أَبُو مَحْذُورَةَ قَدْ أَنْشَدَا ... بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّنَا مُهْدِي الْهُدَى قَدْ لَسَعَتْ يَا قَوْمُ حَيَّةُ الْهَوَى ... كَبِدِي فَلَا رَاقٍ لَهَا وَلَا دُوا حَتَّى تَوَاجَدَ النَّبِيُّ ذُو الْعُلَا ... وَسَقَطَتْ بُرْدَتُهُ بَيْنَ الْمَلَا فَقُسِّمَتْ قَالُوا عَلَى الْأَصْحَابِ ... وَرُسِمَتْ لِلرُّقَعِ فِي الثِّيَابِ فَكُلُّ هَذَا كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ ... فَقَاتَلَ اللَّهُ الَّذِي قَدْ أَصَّلَهُ أَبْدَاهُ لِلْجُهَّالِ مَنْ لَا يَرْعَوِي ... وَإِنْ رُوِيَ يَوْمًا فَبِالْوَضْعِ رُوِيَ فَإِنْ تَكُنْ مُقَلِّدًا فَقَلِّدْ ... أَهْلَ الْحَدِيثِ مِنْ الْحَدِيثِ تَهْتَدِي فَكَمْ وَكَمْ لِجَاهِلِ الصُّوفِيَّةِ ... مِنْ بِدَعٍ تُشْبِهُ ذِي الْقَضِيَّةِ يَرْوُونَهَا لِجَاهِلٍ عَنْ جَاهِلٍ ... بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ التَّغَافُلِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ ... هُدَاةُ هَدْيٍ لِهَوَادِي الْأُمَّةِ لَا سِيَّمَا أَرْبَابَ ذِي الزَّوَايَا ... فَمَا مَزَايَاهُمْ سِوَى الرَّزَايَا إلَى آخِرِ الْأَبْيَاتِ. وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْإِثْبَاتِ. وَرَفْعُك صَوْتًا بِالدُّعَاءِ أَوْ مَعَ الْجِنَازَةِ أَوْ فِي الْحَرْبِ حِينَ التَّشَدُّدِ (وَ) يُكْرَهُ تَنْزِيهًا (رَفْعُك) أَيُّهَا الدَّاعِي (صَوْتًا) وَهُوَ الْهَوَاءُ الْمُنْضَغِطُ.

стр. 402

قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمَوَاقِفِ: فِي تَعْرِيفِ الصَّوْتِ أَقْوَالٌ، الْأَوَّلُ أَنَّهُ تَمَوُّجُ الْهَوَاءِ، وَالثَّانِي قَرْعٌ، وَالثَّالِثُ قَلْعٌ، وَالْكُلُّ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ التَّمَوُّجَ حَرَكَةٌ، وَالْقَرْعُ مُمَاسَّةٌ، وَالْقَلْعُ تَفْرِيقٌ، وَكُلٌّ مِنْ الْحَرَكَةِ وَالْمُمَاسَّةِ وَالتَّفْرِيقِ مُبَصَّرٌ بِخِلَافِ الصَّوْتِ. قَالَ فَالْحَقُّ أَنَّهُ بَدِيهِيُّ التَّصَوُّرِ لَا احْتِيَاجَ إلَى تَعْرِيفِهِ، وَالتَّمَوُّجُ وَالْقَرْعُ وَالْقَلْعُ أَسْبَابٌ لَهُ وَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَى مَنْ عَرَّفَهُ بِهَا السَّبَبُ بِالْمُسَبَّبِ. ثُمَّ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ السَّبَبَ الْقَرِيبَ لِلصَّوْتِ أَنَّ الْهَوَاءَ يَتَمَوَّجُ بِوَاسِطَةِ الْقَرْعِ الْعَنِيفِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْقَارِعِ وَالْمَقْرُوعِ، أَوْ الْقَلْعِ الْعَنِيفِ بَيْنَ الْقَالِعِ وَالْمَقْلُوعِ، وَيَقَعُ عَلَى الْجِلْدِ الْمَمْدُودِ عَلَى الْعَصَبَةِ الَّتِي هِيَ مُقَعَّرُ الصِّمَاخِ مَدُّ الْجِلْدِ عَلَى الطَّبْلِ فَيَحْصُلُ طَنِينٌ فَتُدْرِكُهُ الْقُوَّةُ السَّامِعَةُ الْحَالَّةُ فِي تِلْكَ الْعَصَبَةِ. (بِالدُّعَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِرَفْعِك مُطْلَقًا. نَعَمْ يَجْهَرُ إمَامٌ بِالدُّعَاءِ بِالْقُنُوتِ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ يَجْهَرُ مُنْفَرِدًا نَصًّا، وَقِيلَ وَمَأْمُومٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ الْإِمَامُ فَقَطْ. وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ الْجَهْرُ لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. ثُمَّ قَالَ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ الْمُنْفَرِدُ فِي الْجَهْرِ وَعَدَمِهِ كَالْقِرَاءَةِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُسِرَّ دُعَاءَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ هَذَا فِي الدُّعَاءِ (أَوْ) أَيْ وَيُكْرَهُ رَفْعُك الصَّوْتَ (مَعَ الْجِنَازَةِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا اسْمٌ لِلْمَيِّتِ وَالسَّرِيرِ، وَقِيلَ لِلْمَيِّتِ بِالْفَتْحِ وَلِلسَّرِيرِ بِالْكَسْرِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ كَمَا فِي الْمَطَالِعِ. قَالَ فِي الْمُطْلِعِ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ عَلَى السَّرِيرِ فَلَا يُقَالُ لَهُ جِنَازَةٌ وَلَا نَعْشٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ سَرِيرٌ. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: لَا يُسَمَّى جِنَازَةً حَتَّى يُشَدَّ الْمَيِّتُ مُكَفَّنًا عَلَيْهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ: جَنَزْت الشَّيْءَ إذَا سَتَرْته وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الْجِنَازَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْجِنَازَةُ الْمَيِّتُ وَيُفْتَحُ أَوْ بِالْكَسْرِ الْمَيِّتُ وَبِالْفَتْحِ السَّرِيرُ أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ بِالْكَسْرِ السَّرِيرُ مَعَ الْمَيِّتِ (أَوْ) أَيْ وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ (فِي الْحَرْبِ) لِلْعَدُوِّ (حِينَ) أَيْ وَقْتَ (التَّشَدُّدِ) أَيْ اشْتِدَادِ الْقِتَالِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ﵁ يَقُولُ: وَكَانَ يُكْرَهُ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ شِدَّةِ الْحَرْبِ، وَحَمْلِ الْجِنَازَةِ وَالْمَشْيِ بِهَا.

стр. 403

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ مَعَ الْجِنَازَةِ وَلَوْ بِالْقُرْآنِ اتِّفَاقًا. انْتَهَى. وَحَرَّمَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ: الْقَائِلُ مَعَ الْجِنَازَةِ اسْتَغْفِرُوا لَهُ وَنَحْوُهُ بِدْعَةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ ﵁. وَقِيلَ يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسْمِعَ الْمَأْمُومَ الدُّعَاءَ. قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ مَعَ قَصْدِ تَعْلِيمِهِ، وَلَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ. وَلَا يُكْرَهُ الْإِلْحَاحُ بِالدُّعَاءِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْأَثَرِ. وَدُعَاءُ الرَّغْبَةِ بِبَطْنِ الْكَفِّ وَالرَّهْبَةِ بِظَهْرِهِ مَعَ قِيَامِ السَّبَّابَةِ لِفِعْلِهِ ﵊. قَالَ الْقَاضِي: تُسْتَحَبُّ الْإِشَارَةُ إلَى نَحْوِ السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ: الذِّكْرُ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِجَمِيلِ أَوْصَافِهِ وَآلَائِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَالدُّعَاءَ سُؤَالُ الْعَبْدِ حَاجَتَهُ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا، وَلِهَذَا فِي الْحَدِيثِ «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» وَلِذَا كَانَ الْمُسْتَحَبُّ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَبْدَأَ الدُّعَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ حَاجَتِهِ ثُمَّ يَسْأَلُ حَاجَتَهُ كَمَا جَاءَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَذَكَرَ مِنْهَا طَرَفًا. مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدْ اللَّهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَجِلَ هَذَا. ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» . وَقَوْلُهُ ﷺ فِي دُعَاءِ الْكَرْبِ «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ. لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» . وَيَنْبَغِي تَحَرِّي الْمَأْثُورِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَيَمُدُّ يَدَيْهِ فِي حَالِ الدُّعَاءِ مَعَ الِانْكِسَارِ وَالْخُضُوعِ، وَالْمَسْكَنَةِ وَالْخُشُوعِ، وَإِظْهَارِ الذُّلِّ وَسَفْكِ الدُّمُوعِ، وَلَا يَتَكَلَّفُ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ يُشْغِلُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ الْخُشُوعَ، وَإِنْ دَعَا بِدَعَوَاتٍ مَحْفُوظَةٍ مَعَهُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ سَجْعٍ فَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ، وَيُخْفِضُ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّلَفُّظِ بِالتَّوْبَةِ وَالتَّوَسُّلِ بِعَظِيمِ

стр. 404

كَرَمِهِ جَلَّ شَأْنه، وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ، وَلْيَجْتَنِبْ الِاعْتِدَاءَ فِيهِ، وَلْيُكْثِرْ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ. وَنَقْطٌ وَشَكْلٌ فِي مَقَالٍ لِمُصْحَفٍ ... وَلَا تَكْتُبَنْ فِيهِ سِوَاهُ وَحَدِّدْ (وَ) يُكْرَهُ فِي رِوَايَةٍ مَرْجُوحَةٍ (نَقْطُ) الْمُصْحَفِ. يُقَالُ: نَقَطَهُ وَنَقَّطَهُ أَعْجَمَهُ، وَالِاسْمُ النُّقْطَةُ بِالضَّمِّ، وَالْجَمْعُ نُقَطٌ كَصُرَدٍ وَنِقَاطٍ كَكِتَابٍ، (وَ) كَذَا يُكْرَهُ (شَكْلٌ) جَمْعُ شَكْلَةٍ يُقَالُ شَكَلَ الْكِتَابَ أَيْ أَعْجَمَهُ كَأَشْكَلَهُ كَأَنَّهُ أَزَالَ عَنْهُ الْإِشْكَالَ. (فِي مَقَالٍ) أَيْ قَوْلٍ (لِمُصْحَفٍ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، وَالضَّمُّ أَشْهَرُ مَأْخُوذٌ مِنْ أُصْحِفَ بِالضَّمِّ أَيْ جُعِلَتْ فِيهِ الصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ الْكِتَابُ. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: الصَّحِيفَةُ الْكِتَابُ، وَالْجَمْعُ صُحُفٌ وَصَحَائِفُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقِيلَ مُصْحَفٌ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْوَرَقِ الَّذِي يُصْفَحُ فِيهِ مِنْ مُصْحَفٍ كَمُكْرَمٍ وَمَنْ قَالَ: مُصْحَفٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ جَعَلَهُ مِنْ صَحَفْتُ مُصْحَفًا مِثْلُ جَلَسْت مَجْلِسًا، وَمَنْ كَسَرَ الْمِيمَ شَبَّهَهُ بِمِنْقَلٍ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: فِي كَرَاهَةِ نَقْطِ الْمُصْحَفِ وَشَكْلِهِ وَكِتَابَةِ الْأَخْمَاسِ وَالْأَعْشَارِ وَأَسْمَاءِ السُّوَرِ وَعَدَدِ الْآيَاتِ رِوَايَتَانِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ كِتَابَةُ الْأَجْزَاءِ وَالْأَحْزَابِ وَالْأَرْبَاعِ وَالْأَثْمَانِ وَمَكِّيَّةٍ وَمَدَنِيَّةٍ فَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ النَّاظِمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ وَلِأَنَّهُ إذَا جُرِّدَ لَا يَكُونُ فِيهِ إلَّا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي نَزَّلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ. وَعَنْهُ مُسْتَحَبٌّ نَقْطُهُ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَمِثْلُهُ شَكْلُهُ، وَيُكْرَهُ التَّعْشِيرُ يَعْنِي وَنَحْوَهُ. وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صِيَانَةٌ لَهُ عَنْ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ، وَأُجِيبَ عَنْ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَوْفًا مِنْ التَّغْيِيرِ وَقَدْ أُمِنَ الْآنَ، وَلَا يُمْنَعُ لِكَوْنِهِ مُحْدَثًا فَإِنَّ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ مَا هُوَ حَسَنٌ بَلْ وَوَاجِبٌ كَتَصْنِيفِ كُتُبِ الْعِلْمِ. فَعُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَمِنْ قَوْلِهِ (وَلَا تَكْتُبَنْ) نَهْيُ كَرَاهَةٍ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ (فِيهِ) أَيْ الْمُصْحَفِ أَيْ (سِوَاهُ) أَيْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَجْزَاءِ وَالْأَحْزَابِ وَالْأَنْصَافِ وَالْأَرْبَاعِ وَالْأَثْمَانِ مَرْجُوحٌ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ كَتْبُ السَّجْدَةِ فِي هَامِشِ الْمُصْحَفِ وَرُمُوزِ الْقُرَّاءِ وَأَسْمَائِهِمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُمَيَّزَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْخَطِّ بِأَنْ

стр. 405

يَكْتُبَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ بِالْحِبْرِ الْأَحْمَرِ وَنَحْوِهِ. (وَحَدِّدْ) عَلَى ذَلِكَ فَلَا تُبِحْ الْكِتَابَةَ فِي الْمُصْحَفِ الْكَرِيمِ سِوَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بَلْ كُرِهَ ذَلِكَ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مَرْجُوحٌ. نَعَمْ يَحْرُمُ مُخَالَفَةُ خَطِّ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ فِي وَاوٍ وَيَاءٍ وَأَلِفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَازَ تَقْبِيلُ الْمُصْحَفِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ ﵁ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الدَّارِمِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. قَالَ: كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ: كِتَابُ رَبِّي كِتَابُ رَبِّي. . وَلَا يُكْرَهُ تَطْيِيبُ الْمُصْحَفِ وَلَا جَعْلُهُ عَلَى كُرْسِيٍّ أَوْ كِيسٍ حَرِيرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ بَلْ يُبَاحُ ذَلِكَ، وَتَرْكُهُ بِالْأَرْضِ، وَتُكْرَهُ تَحْلِيَتُهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ وَمَرَّ كَلَامُ سَيِّدِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ النَّاس إذَا اعْتَادُوا الْقِيَامَ لِبَعْضِهِمْ أَوْ لِتَوْقِيعَاتِ الْإِمَامِ فَقِيَامُهُمْ لِكَلَامِ رَبِّ الْأَنَامِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْرَى بِالتَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ. وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْإِنْعَامِ. مَطْلَبٌ: فِي أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَسَمَّاهُ مُصْحَفًا (تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : قَالَ السُّيُوطِيّ فِي مَجْمَعِ اللُّغَاتِ: أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَسَمَّاهُ مُصْحَفًا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁. وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ اللُّغَاتِ فِي الْقُرْآنِ الشَّرِيفِ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ عِنْدَ ظُهُورِ الِاخْتِلَافِ فِي اللُّغَاتِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ كَمَا فِي أَوَائِلِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي كِتَابِهِ قَلَائِدِ الْمَرْجَانِ: قَدْ اشْتَهَرَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْمَصَاحِفَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهَا فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁. قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَانَ الْقُرْآنُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُفَرَّقًا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ وَلَمْ يَحْفَظْهُ إلَّا ثَلَاثَةٌ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، زَادَ بَعْضُهُمْ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ﵃. وَقَدْ كَتَبَ النَّاسُ مِنْهُ فِي صُحُفٍ وَفِي جَرِيدٍ وَخَزَفٍ وَأَقْتَابٍ وَأَكْتَافٍ وَأَحْجَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَقَعَ الْقَتْلُ فِي أَهْلِ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ قُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ، فَجَاءَ عُمَرُ ﵁ إلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ قَدْ عَلِمْت مَنْ قُتِلَ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَقَعَ

стр. 406

الْقَتْلُ فِي الْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ لَا يُوعَى، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاَللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُ أَبَا بَكْرٍ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدَرَ أَبِي بَكْرٍ لِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَقَالَا: يَا زَيْدُ أَنْتَ رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنْتَ كُنْت تَكْتُبُ الْوَحْيَ، فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. قَالَ زَيْدٌ: وَاَللَّهِ لَوْ كَلَّفَانِي نَقْلَ جَبَلٍ لَنَقَلْته وَلَكَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَانِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، فَقُلْت لَهُمَا: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَا: هُوَ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَالَا يُرَاجِعَانِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُمَا. وَإِنَّمَا اخْتَارَا زَيْدًا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرِيلَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً. فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، فَقَرَأَهُ زَيْدٌ آخِرَ الْعَرْضِ، فَلِذَلِكَ اخْتَارَاهُ. قَالَ: فَتَتَبَّعْت الْقُرْآنَ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْأَقْتَابِ وَالْجَرِيدِ وَالصُّدُورِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ فَقَدْ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلَى آخِرِهَا فَوَجَدَهَا مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ يَجِدْهَا مَعَ غَيْرِهِ فَأَلْحَقَهَا فِي سُورَتِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ فُقِدَتْ آيَةٌ مِنْ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الصُّحُفَ قَدْ كُنْت أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا فَلَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إلَّا خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا» . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَرَنَ مَعَ زَيْدٍ ثَلَاثَةً مِنْ قُرَيْشٍ سَعِيدَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي الصُّحُفِ أَخَذَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَانَتْ عِنْدَهُ إلَى أَنْ مَاتَ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ إلَى أَنْ مَاتَ، فَجُعِلَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ ﵁ اخْتَلَفَتْ النَّاسُ فِي الْقِرَاءَةِ. قَالَ أَنَسٌ ﵁: اجْتَمَعَ الْقُرَّاءُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَةَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَاخْتَلَفُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ حِفْظُ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ مَصَاحِفَ انْتَشَرَتْ فِي خِلَالِ ذَلِكَ فِي الْآفَاقِ كُتِبَتْ عَنْ الصَّحَابَةِ، كَمُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُصْحَفِ أُبَيٍّ، وَمُصْحَفِ

стр. 407

عَائِشَةَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ ﵃ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ: أَدْرِك هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إلَيْنَا الصُّحُفَ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إلَيْك، فَأَرْسَلَتْ بِهَا إلَيْهِ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ وَقَالَ لِلثَّلَاثَةِ إذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إلَى حَفْصَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ - وَأَرْسَلَ فِي كُلِّ أُفُقٍ مُصْحَفًا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ صَحِيفَةٍ وَمُصْحَفٍ فَحُرِقَ. وَرُوِيَ أَنَّ عِدَّةَ الْمَصَاحِفِ الَّتِي كَتَبَهَا عُثْمَانُ ﵁ أَرْبَعَةٌ، وَقِيلَ سِتَّةٌ، وَقِيلَ سَبْعَةٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (الثَّانِي) أَوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمُصْحَفَ الْكَرِيمَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ نَقَطَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَقِيلَ نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ ﵏ كَمَا فِي أَوَائِلِ السُّيُوطِيِّ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ فِي قَلَائِدِ الْمَرْجَانِ: ذِكْرُ شَكْلِ الْمُصْحَفِ وَنَقْطِهِ. رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ اقْتَرَبَهُ وَعَمِلَهُ وَجَرَّدَ لَهُ الْحَجَّاجَ بِوَاسِطَ وَجَدَّ فِيهِ وَزَادَ تَحْزِيبَهُ، وَأَمَرَ وَالِيَ الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ بِذَلِكَ، وَأَلَّفَ إثْرَ ذَلِكَ كِتَابًا فِي الْقِرَاءَاتِ جَمَعَ فِيهِ مَا رُوِيَ مِنْ اخْتِلَافِ النَّاسِ إلَى أَنْ أَلَّفَ مُجَاهِدٌ كِتَابَهُ فِي الْقِرَاءَاتِ وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمُصْحَفَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ. انْتَهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ: أَوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمُصْحَفَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) : ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي تَرْتِيبِ سُوَرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ خِلَافًا هَلْ كَانَ تَوْفِيقًا أَوْ اجْتِهَادًا. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: تَرْتِيبُ السُّوَرِ بِالِاجْتِهَادِ لَا بِالنَّصِّ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، فَيَجُوزُ قِرَاءَةُ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ، وَكَذَا فِي الْكِتَابَةِ، وَلِذَا تَنَوَّعَتْ مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ فِي كِتَابَتِهَا، لَكِنْ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى الْمُصْحَفِ زَمَنَ عُثْمَانَ صَارَ

стр. 408

هَذَا مِمَّا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ سُنَّةً يَجِبُ اتِّبَاعُهَا. وَأَمَّا تَرْتِيبُ الْآيَاتِ فَثَبَتَ بِالنَّصِّ إجْمَاعًا. (الرَّابِعُ) : قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ وَغَيْرُهُمَا: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ تَعْظِيمِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَتَنْزِيهِهِ وَصِيَانَتِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ حَرْفًا مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، أَوْ زَادَ حَرْفًا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ وَهُوَ عَالَمٌ بِذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ أَوْ الْمُصْحَفِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ جَحَدَ حَرْفًا مِنْهُ، أَوْ كَذَّبَ بِشَيْءٍ مِمَّا صَرَّحَ بِهِ فِيهِ مِنْ حُكْمٍ أَوْ خَبَرٍ، أَوْ أَثْبَتَ مَا نَفَاهُ أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، أَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ إنْ جَحَدَ التَّوْرَاةَ أَوْ الْإِنْجِيلَ أَوْ كُتُبَ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلَةَ، أَوْ كَفَرَ بِهَا أَوْ سَبَّهَا أَوْ اسْتَخَفَّ بِهَا فَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ الْمَكْتُوبِ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِمَّا جَمَعَهُ الدَّفَّتَانِ مِنْ أَوَّلِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] إلَى آخِرِ قُلْ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ حَقٌّ، وَأَنَّ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ حَرْفًا قَاصِدًا لِذَلِكَ، أَوْ بَدَّلَهُ بِحَرْفٍ آخَرَ مَكَانَهُ، أَوْ زَادَ فِيهِ حَرْفًا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ الْمُصْحَفُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ عَامِدًا لِكُلِّ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الْحَذَّاءِ: جَمِيعُ مَنْ يَنْتَحِلُ التَّوْحِيدَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْجَحْدَ بِحَرْفٍ مِنْ الْقُرْآنِ كُفْرٌ. وَقَالَ هُوَ وَابْنُ مُفْلِحٍ: وَقَدْ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ عَلَى اسْتِتَابَةِ ابْنِ شَنَبُوذَ الْمُقْرِي أَحَدِ أَئِمَّةِ الْمُقْرِئِينَ الْمُتَصَدِّرِينَ بِهَا مَعَ ابْنِ مُجَاهِدٍ لِقِرَاءَتِهِ وَإِقْرَائِهِ بِشَوَاذٍّ مِنْ الْحُرُوفِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْمُصْحَفِ، وَعَقَدُوا عَلَيْهِ لِلرُّجُوعِ عَنْهُ وَالتَّبَرِّي مِنْهُ سِجِلًّا أَشْهَدَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَجْلِسِ الْوَزِيرِ ابْنِ مُقْلَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةِ، وَكَذَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ مِقْسَمٍ أَبُو بَكْرٍ الْمُقْرِي النَّحْوِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ اُسْتُتِيبَ مِنْ قِرَاءَتِهِ بِمَا لَا يَصِحُّ نَقْلُهُ وَكَانَ يَقْرَأُ بِذَلِكَ فِي الْمِحْرَابِ وَيَعْتَمِدُ عَلَى مَا يَسُوغُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَارِئٌ. تُوُفِّيَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 409

[مَطْلَبٌ: فِي عَدَدِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَكَلِمَاتِهِ وَآيَاتِهِ وجلالاته وَسُوَرِهِ] مَطْلَبٌ: فِي عَدَدِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَكَلِمَاتِهِ وَآيَاتِهِ وَنُقَطِهِ وَجَلَالَاتِهِ وَسُوَرِهِ (فَائِدَةٌ) : جُمْلَةُ عَدَدِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ كَمَا فِي قَلَائِدِ الْمَرْجَانِ لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مَرْعِيٍّ قَالَ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهَا ثَلَثُمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةُ آلَافِ وَسَبْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ، وَقِيلَ ثَلَثُمِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَمِائَتَانِ وَأَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ وَعَدَدُ كَلِمَاتِهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَتِسْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ، وَقِيلَ سَبْعُونَ أَلْفًا وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَسِتٌّ وَثَلَاثُونَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ: وَعَدَدُ نُقَطِهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا وَأَحَدٌ وَثَمَانُونَ. وَعَدَدُ آيَاتِهِ سِتَّةُ آلَافِ وَسِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَعَدَدُ جَلَالَتِهِ أَلْفَانِ وَسِتُّمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَعَدَدُ سُوَرِهِ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ. وَيُقَالُ نِصْفُ الْقُرْآنِ بِالْحُرُوفِ حَرْفُ الْفَاءِ مِنْ قَوْله تَعَالَى فِي الْكَهْفِ ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف: ١٩] أَوْ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] . وَنِصْفُهُ بِالْآيَاتِ قَوْلُهُ فِي الشُّعَرَاءِ ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٦] . وَنِصْفُهُ بِالسُّوَرِ قَدْ سَمِعَ. وَفِي كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا جَلَالَةٌ. وَأَطْوَلُ آيَةٍ فِيهِ آيَةُ الدَّيْنِ. وَأَقْصُرُ آيَةٍ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] . وَأَطْوَلُ كَلِمَةٍ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ [النور: ٥٥] . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَطْلَبٌ: فِي الْخِضَابِ وَفَوَائِدِ الْحِنَّاءِ] وَغَيِّرْ بِغَيْرِ الْأَسْوَدِ الشَّيْبَ وَابْقِهِ ... وَلِلْقَزَعِ اكْرَهْ ثُمَّ تَدْلِيسَ نَهْدِ (وَغَيِّرْ) أَنْتَ اسْتِحْبَابًا (بِغَيْرِ) الْخِضَابِ (الْأَسْوَدِ الشَّيْبَ) مَفْعُولُ غَيِّرْ، فَيُسَنُّ خِضَابُ الشَّيْبِ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ بِفَتْحِ الْكَافِّ وَالتَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْمَشْهُورُ التَّخْفِيفُ كَمَا فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ، هُوَ نَبْتٌ يُخْلَطُ مَعَ الْوَسْمَةِ وَيُصْبَغُ بِهِ الشَّعْرُ. وَقِيلَ هُوَ الْوَسْمَةُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ يَصْبُغُ بِالْكَتَمِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ اسْتِعْمَالُ الْكَتَمِ مُفْرَدًا عَنْ الْحِنَّاءِ، فَإِنَّ الْحِنَّاءَ إذَا خُضِّبَ بِهِ مَعَ الْكَتَمِ جَاءَ أَسْوَدَ وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ السَّوَادِ. قَالَ وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ بِالْحِنَّاءِ أَوْ الْكَتَمِ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. انْتَهَى. وَفِي لُغَةِ الْإِقْنَاعِ: الْكَتَمُ بِفَتْحَتَيْنِ نَبْتٌ فِيهِ حُمْرَةٌ يُخْلَطُ بِالْوَسْمَةِ وَيُخْتَضَبُ بِهِ لِلسَّوَادِ وَقَدْ قِيلَ هُوَ الْوَسْمَةُ. وَفِي كُتُبِ الطِّبِّ: الْكَتَمُ مِنْ نَبَاتِ الْجِبَالِ وَرَقُهُ كَوَرَقِ الْآسِ يُخْضَبُ بِهِ مَدْقُوقًا وَلَهُ ثَمَرٌ قَدْرُ الْفِلْفِلِ، وَيَسْوَدُّ إذَا

стр. 410

نُضِحَ، وَقَدْ يُعْتَصَرُ مِنْهُ دُهْنٌ يُسْتَصْبَحُ بِهِ فِي الْبَوَادِي. انْتَهَى. وَالْحِنَّاءُ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ وَهُوَ جَمْعٌ وَاحِدُهُ حِنَّاءَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: جَمْعُ الْحِنَّاءِ حِنَاتٌ بِالْكَسْرِ، يُقَالُ حَنَّأْتُ رَأْسِي مَهْمُوزًا وَحَنَّاهُ تَحَنِّيًا وَتَحْنِيَةً. وَالْيُرَنَّاءُ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَمْدُودَةً، يُقَالُ يَرْنَأَ أَيْ صَبَغَ بِالْيُرَنَّاءِ وَهُوَ نَبْتٌ كَالسِّدْرِ بِبِلَادِ الْعَرَبِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ كَثِيرٌ مَعْرُوفٌ بِبِلَادِ مِصْرَ وَوَرَقُهُ شَبِيهٌ بِوَرَقِ الْآسِ، يُؤْخَذُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ، وَأَصْلُهُ يُسَمَّى الْبَلَنْدَ كَسَمَنْدٍ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ الْغَنَّاءِ فِي مَنَافِعِ الْحِنَّاءِ لِسِبْطٍ الْمَرْصَفِيِّ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: الْحِنَّاءُ نَبْتٌ يُزْرَعُ وَلَا يُوجَدُ بِدُونِ الْمَاءِ وَيَعْظُمُ حَتَّى يُقَارِبَ الشَّجَرَ الْكِبَارَ بِجَزَائِرِ السُّوَيْسِ وَمَا يَلِيهَا، وَرَقُهُ كَوَرَقِ الزَّيْتُونِ لَكِنَّهُ أَعْرَضُ يَسِيرًا وَنَوْرُهُ أَبْيَضُ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ الْفَاغِيَةُ فَالْمُرَادُ زَهْرُهُ وَالْحِنَّاءُ فَوَرَقُهُ، وَلَيْسَ لِعِيدَانِهِ نَفْعٌ، وَأَجْوَدُهُ الْخَالِصُ الْحَدِيثُ، وَتَبْطُلُ قُوَّتُهُ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَلَا يَكُونُ سَحْقُهُ بِدُونِ الرَّمَلِ فَيَنْبَغِي تَرْوِيقُهُ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ وَلَيْسَ فِي الْمُخَضَّبَاتِ أَكْثَرُ سَرَيَانًا مِنْهُ إذَا خُضِبَتْ بِهِ الرِّجْلُ أَوْ الْيَدُ اشْتَدَّتْ حُمْرَةُ الْبَوْلِ بَعْد عَشْرِ دَرَجٍ، فَبِذَلِكَ يَطْرُدُ الْحَرَارَةَ وَيَفْتَحُ السُّدَدَ وَهُوَ يُصْلِحُ الشَّعْرَ خُصُوصًا بِمَاءِ الْكُسْفُرَةِ وَالزِّفْتِ. مَطْلَبٌ: فِي الْخِضَابِ وَفَوَائِدِ الْحِنَّاءِ (فَائِدَةٌ) : نَقَلَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ، وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى، وَسِبْطُ بْنُ الْمَرْصَفِيِّ، وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ أُحْصِي مَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ عَدًّا أَنَّ الْحِنَّاءَ إذَا طُلِيَ بِهِ أَسْفَلُ الرِّجْلَيْنِ أَوَّلَ خُرُوجِ الْجُدَرِيِّ أُمِنَ عَلَى الْعَيْنَيْنِ مِنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: إنَّ الْحِنَّاءَ إذَا جُعِلَ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَيَسِيرِ الْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ وَلُطِّخَ بِهِ أَسْفَلُ الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ مَبَادِئِ الْجُدَرِيِّ حَفِظَ الْعَيْنَ مِنْهُ، فَزَادَنَا هَذَا الطَّبِيبُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. إذَا عَلِمْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ تَغْيِيرَ الشَّيْبِ بِغَيْرِ السَّوَادِ مَنْدُوبٌ، وَفِعْلُهُ مَسْنُونٌ مَطْلُوبٌ، نَصَّ عَلَيْهِ إمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَمُجْلِي دُجَى الظُّلُمَاتِ الْمُدْلَهِمَّةِ، سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ مَا نَسْتَحِي نَخْضِبُ، فَقَالَ

стр. 411

سُبْحَانَ اللَّهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنِّي لَأَرَى الشَّيْخَ الْمَخْضُوبَ فَأَفْرَحُ بِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُسْتَحَبُّ بِحِنَّاءٍ وَكَتَمٍ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. وَلِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَا بَأْسَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ. وَفِي التَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّ خِضَابَهُ بِغَيْرِ السَّوَادِ سُنَّةٌ وَقَالَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ النَّاظِمِ ﵀ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السَّبْتِيَّةِ وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُ ذَلِكَ» قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ «كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَأَمَّا بِالسَّوَادِ فَمَكْرُوهٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: قِيلَ لَهُ: تَكْرَهُ السَّوَادَ؟ قَالَ إيْ وَاَللَّهِ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. قَالَ فِي الْآدَابِ: إسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَكَذَا قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ إشَارَةً. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ «مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» سَنَدُهُ لَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَالْكَرَاهَةُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُكْرَهُ بِالسَّوَادِ اتِّفَاقًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي

стр. 412

الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْغُنْيَةِ فِي غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا يَحْرُمُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي يَحْرُمُ وَهُوَ مُتَّجَهٌ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ: فَإِنْ حَصَلَ بِهِ تَدْلِيسٌ فِي بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ حَرُمَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِلشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ، وَاسْتَحَبَّهُ فِي الْفُنُونِ بِالسَّوَادِ فِي الْحَرْبِ، وَأَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّهِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ فَإِنَّهُ فِي بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ كَسَائِرِ التَّدْلِيسِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنَّهُ لَا يُكْرَهُ يَعْنِي الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ فِي الْحَرْبِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «اخْضِبُوا بِالسَّوَادِ فَإِنَّهُ أُنْسٌ لِلزَّوْجَةِ وَمَكِيدَةٌ لِلْعَدُوِّ» قَالَ فِي الْآدَابِ: وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ. وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ يَمْنَعُ مَنْ يُخَضِّبُ بِالسَّوَادِ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيْبِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِصُفْرَةٍ أَوْ حُمْرَةٍ وَيَحْرُمُ بِالسَّوَادِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: تَرْكُ الْخِضَابِ أَفْضَلُ مَعَ أَنَّهُ كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَآخَرُونَ يَخْضِبُونَ بِالصُّفْرَةِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَخَضَّبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَبَعْضُهُمْ بِالزَّعْفَرَانِ، وَبَعْضُهُمْ بِالسَّوَادِ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ابْنَيْ عَلِيٍّ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵃ أَجْمَعِينَ -، وَكَذَا ابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي بُرْدَةَ وَآخَرِينَ. يُقَالُ: صَبَغَ يَصْبُغُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا. كَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ وَيَتَمَثَّلُ: نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولُهَا ... وَلَا خَيْرَ فِي أَعْلَى إذَا فَسَدَ الْأَصْلُ وَكَانَ سَيِّدُنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - يُخَضِّبُ بِالسَّوَادِ وَيَتَمَثَّلُ: نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولَهَا ... فَيَا لَيْتَ مَا يُسَوَّدُ مِنْهَا هُوَ الْأَصْلُ وَقَالَ آخَرُ: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُسَوِّدُ شَيْبَهُ ... كَيْمَا يُعَدَّ بِهِ مِنْ الشُّبَّانِ أَقْصِرْ فَلَوْ سَوَّدْتَ كُلَّ حَمَامَةٍ ... بَيْضَاءَ مَا عُدَّتْ مِنْ الْغِرْبَانِ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ جَعْفَرٍ السَّرَّاجِ الْحَنْبَلِيِّ صَاحِبِ كِتَابِ مَصَارِعِ الْعُشَّاقِ: وَمُدَّعٍ شَرْخَ شَبَابٍ وَقَدْ ... عَمَّمَهُ الشَّيْبُ عَلَى وَفْرَتِهِ يَخْضِبُ بِالْوَسْمَةِ عُثْنُونَهُ ... يَكْفِيه أَنْ يَكْذِبَ فِي لِحْيَتِهِ

стр. 413

وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعُثْنُونُ اللِّحْيَةُ أَوْ مَا فَضَلَ مِنْهَا بَعْدَ الْعَارِضَيْنِ وَنَبَتَ عَلَى الذَّقَنِ وَتَحْتِهِ سُفْلًا، أَوْ هُوَ طُولُهَا وَشَعَرَاتٌ طِوَالٌ تَحْتَ حَنَكِ الْبَعِيرِ. انْتَهَى. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «رَأَيْتُك تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُك تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، فَقَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي فِيهَا شَعْرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ عَامَ الْفَتْحِ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ مِثْلُ الثَّغَامَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَحْمِلُهُ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ يَعْنِيَ النَّبِيَّ ﷺ : لَوْ أَقْرَرْت الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ لَأَتَيْنَاهُ تَكْرِمَةً لِأَبِي بَكْرٍ فَأَسْلَمَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ، فَقَالَ: غَيِّرُوهُمَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَوَّلُ مَخْضُوبٍ فِي الْإِسْلَامِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ عَنْ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵄ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَخَذَ بِيَدِ أَبِي قُحَافَةَ فَأَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا وَقَفَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ غَيِّرُوهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ سَوَادًا» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَتْ «لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ وَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ ﵄ يَقُودُهُ، وَكَانَ رَأْسُ أَبِي قُحَافَةَ ثَغَامَةً، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيه فِيهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ أَحَقُّ

стр. 414

أَنْ يَمْشِيَ إلَيْك مِنْ أَنْ تَمْشِيَ أَنْتَ إلَيْهِ، فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ وَقَالَ: أَسْلِمْ لِتَسْلَمَ فَأَسْلَمَ» الْحَدِيثَ. قَالَ فِي السِّيرَةِ الشَّامِيَّةِ كَغَيْرِهِ: الثَّغَامَةُ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ: شَجَرَةٌ إذَا يَبِسَتْ ابْيَضَّتْ أَغْصَانُهَا يُشَبَّهُ بِهَا الشَّيْبُ. . مَطْلَبٌ: فِي الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ رَأَوْا النَّبِيَّ ﷺ نَسَقًا (نَادِرَةٌ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ: إنْ قَالَ قَائِلٌ هَلْ تَعْرِفُونَ أَرْبَعَةً رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسَقًا؟ فَالْجَوَابُ أَبُو قُحَافَةَ، وَابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَيُكْنَى أَبَا عَتِيقٍ، لَا يُعْرَفُ سِوَاهُمْ. انْتَهَى وَمُرَادُهُ مِنْ الرِّجَالِ، وَإِلَّا فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ، وَأَبُوهَا الصِّدِّيقُ، وَأَبُوهُ أَبُو قُحَافَةَ وَاسْمُهُ عُثْمَانُ. قُلْت: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَنْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ لَهُ ابْنٌ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ أَعْرِفْ اسْمَهُ وَلَعَلَّ اسْمَهُ مُحَمَّدٌ، وَأَبُوهُ أُسَامَةُ، وَأَبُوهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَلَى الْقَوْلِ بِإِسْلَامِهِ. فَهَذِهِ النَّادِرَةُ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهَا فَلَا يُوجَدُ فِي الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَنْ ذَكَرْنَا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ أَحَدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) : ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ رَجَبٌ فِي طَبَقَاتِ الْأَصْحَابِ ﵃ أَنَّهُ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْإِمَامَ الْحَافِظَ أَبَا الْفَرَجِ بْنَ الْجَوْزِيِّ شَرِبَ حَبَّ الْبَلَادِرِ فَسَقَطَتْ لِحْيَتُهُ فَكَانَتْ قَصِيرَةً جِدًّا وَكَانَ يُخَضِّبُهَا بِالسَّوَادِ إلَى أَنْ مَاتَ، وَصَنَّفَ فِي جَوَازِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ مُجَلَّدًا. قُلْت وَغَايَةُ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُعْتَمَدِ الْكَرَاهَةُ وَهِيَ تَزُولُ بِأَدْنَى حَاجَةٍ مَعَ أَنَّ لَهُ ﵁ بِسَيِّدِنَا عُثْمَانَ وَالْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ أُسْوَةً - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ. . مَطْلَبٌ: فِي ذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ فَضَائِلِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ . وَابْنُ الْجَوْزِيِّ كَانَ عَلَى أَتَمِّ غَايَةٍ مِنْ سَعَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمَنْقُولِ، وَالْعِلْمِ بِالْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ، وَجَوْدَةِ الْخَاطِرِ وَإِدْرَاكِ الْمَعْقُولِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: كَانَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ لَطِيفَ الصَّوْتِ، حُلْوَ الشَّمَائِلِ، رَخِيمَ النَّغْمَةِ، مَوْزُونَ الْحَرَكَاتِ وَالنَّغَمَاتِ، لَذِيذَ الْمُفَاكَهَةِ، يَحْضُرُ

стр. 415

مَجْلِسَهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، لَا يُضَيِّعُ مِنْ زَمَانِهِ شَيْئًا، يَكْتُبُ فِي الْيَوْمِ أَرْبَعَ كَرَارِيسَ، يَرْتَفِعُ لَهُ كُلَّ سَنَةٍ مِنْ كِتَابَتِهِ مَا بَيْنَ خَمْسِينَ مُجَلَّدًا إلَى سِتِّينَ، وَلَهُ فِي كُلِّ عِلْمٍ مُشَارَكَةٌ، لَكِنَّهُ كَانَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ الْأَعْيَانِ، وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ الْحُفَّاظِ، وَفِي التَّوَارِيخِ مِنْ الْمُتَوَسِّعِينَ، وَمَنَاقِبُهُ وَمَآثِرُهُ ﵁ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا مِثْلُ كِتَابِي هَذَا، وَهُوَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَيْهِ وَعَلَى فَضَائِلِهِ مِثْلِي، نَادِرَةُ الزَّمَانِ، وَإِنْسَانُ سَوَادِ عَيْنِ الْإِنْسَانِ، وَمَنْ اطَّلَعَ عَلَى مُصَنَّفَاتِهِ أَوْ بَعْضِهَا، عَلِمَ بُعْدَ غَوْرِهِ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى السُّنَّةِ وَنَقْلِهَا. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ نَتْفِ الشَّيْبِ وَقَوْلُ النَّاظِمِ ﵀ (وَابِقِهِ) أَيْ الشَّيْبَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ نَتْفَ الشَّيْبِ مَكْرُوهٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ اتِّفَاقًا. وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَحْرُمُ لِلنَّهْيِ لَكِنَّهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. انْتَهَى. وَقَطَعَ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى بِالْكَرَاهَةِ فَقَطْ. وَلَفْظُ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْفُرُوعِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ وَقَالَ: إنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَبَقِيَّةُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ عِنْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ رِجَالًا يَنْتِفُونَ الشَّيْبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ شَاءَ فَلْيَنْتِفْ نُورَهُ» . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبَسَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ

стр. 416

كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ الْإِمَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ شَابَ شَيْبَةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً» . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ «أَيُّمَا مُسْلِمٍ نَتَفَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ مُتَعَمِّدًا صَارَتْ رُمْحًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُطْعَنُ بِهِ» فَغَيْرُ ثَابِتٍ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ الْكَاتِبِ فِي نَتْفِ الشَّيْبِ: أَمُدُّ كَفِّي إلَى الْبَيْضَاءِ أَقْلَعُهَا ... مِنْ لِحْيَتِي فَتَفْدِيهَا بِسَوْدَاءَ هَذِي يَدِي وَهِيَ مِنِّي لَا تُطَاوِعُنِي ... عَلَى مُرَادِي فَمَا ظَنِّي بِأَعْدَائِي مَطْلَبٌ: فِي أَوَّلِ مَنْ شَابَ وَاخْتَتَنَ . (فَوَائِدُ) : (الْأُولَى) : أَوَّلُ مَنْ شَابَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا؟ فَقَالَ تَعَالَى: هَذَا وَقَارُك، فَقَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا، فَمَا بَرِحَ حَتَّى ابْيَضَّتْ لِحْيَتُهُ الشَّرِيفَةُ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَبْلُغُ الْهَرَمَ وَلَمْ يَشِبْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ وَالِدٌ وَوَلَدٌ فَلَا يُعْرَفُ الِابْنُ مِنْ الْأَبِ، فَقَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇: يَا رَبِّ اجْعَلْ لِي شَيْئًا أُعْرَفُ بِهِ، فَأَصْبَحَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ أَبْيَضَيْنِ أَزْهَرَيْنِ أَنْوَرَيْنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ مَا نَصُّهُ: وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّات أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ لَمَّا رَجَعَ مِنْ تَقْرِيبِ وَلَدِهِ إلَى رَبِّهِ رَأَتْ سَارَةُ فِي لِحْيَتِهِ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، وَكَانَ ﵊ أَوَّلَ مَنْ شَابَ، فَأَنْكَرَتْهَا وَأَرَتْهُ إيَّاهَا فَجَعَلَ يَتَأَمَّلُهَا فَأَعْجَبَتْهُ، وَكَرِهَتْهَا سَارَةُ وَطَالَبَتْهُ بِإِزَالَتِهَا فَأَبَى

стр. 417

وَأَتَاهُ مَلَكٌ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا إبْرَاهِيمُ، وَكَانَ اسْمُهُ إبْرَامَ فَزَادَهُ فِي اسْمِهِ هَاءً. وَالْهَاءُ فِي السُّرْيَانِيَّةِ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ: فَفَرِحَ بِذَلِكَ فَقَالَ أَشْكُرُ إلَهِي وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ صَيَّرَك مُعَظَّمًا فِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ وَسَمَكَ بِسِمَةِ الْوَقَارِ فِي اسْمِك وَفِي خَلْقِك أَمَّا اسْمُك فَلِأَنَّك تُدْعَى فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ إبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا خَلْقُك فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ نُورًا وَوَقَارًا عَلَى شَعْرِك. فَأَخْبَرَ سَارَةَ بِمَا قَالَ لَهُ الْمَلَكُ وَقَالَ: هَذَا الَّذِي كَرِهْتِيهِ نُورٌ وَوَقَارٌ. قَالَتْ: فَإِنِّي كَارِهَةٌ لَهُ، قَالَ لَكِنِّي أُحِبُّهُ اللَّهُمَّ زِدْنِي وَقَارًا وَنُورًا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ ابْيَضَّتْ لِحْيَتُهُ كُلُّهَا. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ أُمَامَةَ قَالَ: بَيْنَمَا إبْرَاهِيمُ ﵇ ذَاتَ يَوْمٍ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى إذْ نَظَرَ إلَى كَفٍّ خَارِجَةٍ مِنْ السَّمَاءِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهَا شَعْرَةٌ بَيْضَاءُ فَلَمْ تَزَلْ تَدْنُو حَتَّى دَنَتْ مِنْ رَأْسِ إبْرَاهِيمَ ﵊. فَأَلْقَتْ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَتْ أَشْعِلْ وَقَارًا. وَفِي رِوَايَةٍ أَشْعِلْ خَدَّهُ فَأُشْعِلَ رَأْسُهُ مِنْهَا شَيْبًا فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ أَنْ يَتَطَهَّرَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَوْحَى إلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَوْحَى إلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ فَاخْتَتَنَ فَكَانَ إبْرَاهِيمُ ﵇ أَوَّلَ مَنْ شَابَ وَاخْتَتَنَ. وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ النِّسَاءِ وَعَادَتُهُنَّ عَلَى كَرَاهِيَةِ الشَّيْبِ وَهَذَا مُشَاهَدٌ فِي الْعِيَانِ. وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ الْفَحْلُ الْجَاهِلِيُّ مِنْ قَصِيدَةٍ لَهُ طَوِيلَةٍ مِنْ الطَّوِيلِ مَطْلَعُهَا: طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوبٌ ... بَعِيدُ الشَّبَابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبٌ إلَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا: فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي ... خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ إذَا شَابَ رَأْسُ الْمَرْءِ أَوْ قَلَّ مَالُهُ ... فَلَيْسَ لَهُ فِي وُدِّهِنَّ نَصِيبُ يُرِدْنَ ثَرَاءَ الْمَالِ حَيْثُ عَلِمْنَهُ ... وَشَرْخُ الشَّبَابِ عِنْدَهُنَّ عَجِيبُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْمَخْزُومِيُّ فِي ذَلِكَ: قَالَتْ أُحِبُّك قُلْت كَاذِبَةً ... غُرِّي بِذَا مَنْ لَيْسَ يَنْتَقِدُ لَوْ قُلْت لِي أَشْنَاكَ قُلْت نَعَمْ ... الشَّيْبُ لَيْسَ يُحِبُّهُ أَحَدٌ

стр. 418

وَقَدْ تَلَطَّفَ مَنْ قَالَ وَأَفَادَ اسْتِجْلَابَ وُدِّهِنَّ بِالْمَالِ: وَخُودٌ دَعَتْنِي إلَى وَصْلِهَا ... وَعَصْرُ الشَّبِيبَةِ مِنِّي ذَهَبَ فَقُلْت مَشِيبِي لَا يَنْطَلِي ... فَقَالَتْ بَلَى يَنْطَلِي بِالذَّهَبِ وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الْبَصْرِيُّ وَأَنْشَدَهُمَا الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ الْخَبِيثَ: فَمَا مِنْك الشَّبَابُ وَلَسْت مِنْهُ ... إذَا سَأَلَتْك لِحْيَتُك الْخِضَابَا وَمَا يَرْجُو الْكَبِيرُ مِنْ الْغَوَانِي ... إذَا ذَهَبَتْ شَبِيبَتُهُ وَشَابَا فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ الْخَبِيثُ فَضَحْتَنَا عِنْدَ النِّسَاءِ وَقَالُوا: وَخَيَّرَهَا أَبُوهَا بَيْنَ شَيْخٍ ... كَثِيرِ الْمَالِ أَوْ حَدَثٍ صَغِيرِ فَقَالَتْ إنْ عَزَمْت فَكُلُّ شَيْءٍ ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ وَجْهِ الْكَبِيرِ وَقَالَ غَيْرُهُ: وَلَمَّا رَأَيْت شَيْبَ رَأْسِي بَدَا ... فَقَالَتْ عَسَى غَيْرَ هَذَا عَسَى فَقُلْت الْبَيَاضُ لِبَاسُ السُّرُورِ ... وَأَمَّا السَّوَادُ لِبَاسُ الْأَسَى فَقَالَتْ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ ... قَلِيلُ النَّفَاقِ بِسُوقِ النَّسَا وَقَالَ آخَرُ: لَكَلْبٌ عَقُورٌ أَسْوَدُ اللَّوْنِ حَالِكٌ ... عَلَى صَدْرِ سَوْدَاءِ الذَّوَائِبِ كَاعِبِ أَحَبُّ إلَيْهَا مِنْ مُعَانَقَةِ الَّذِي ... لَهُ لِحْيَةٌ بَيْضَاءُ بَيْنَ التَّرَائِبِ (الثَّانِيَةُ) قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ دَدَهْ فِي أَوَائِلِهِ: أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵊. وَفِي أَوَائِلِهِ كَالسُّيُوطِيِّ: أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فِرْعَوْنُ. وَأَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فِي الْإِسْلَامِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ﵁، خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَكَانَ عَهْدُهُمْ أَنَّهُ أَبْيَضُ الشَّعْرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهُ. قَالَ السُّيُوطِيّ: وَأَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالْوَسْمَةِ بِمَكَّةَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، قِيلَ لَهُ لَمَّا نَزَلَ الْيَمَنَ هَلْ لَك أَنْ تُغَيِّرَ هَذَا الْبَيَاضَ فَتَعُودُ شَابًّا، فَخَضَّبَ فَدَخَلَ مَكَّةَ كَأَنَّ شَعْرَهُ حَلْكُ غُرَابٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ النِّسَاءِ يَا شَيْبَةَ الْحَمْدِ لَوْ دَامَ لَك هَذَا لَكَانَ حَسَنًا، فَأَنْشَدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ:

стр. 419

فَلَوْ دَامَ لِي هَذَا السَّوَادُ حَمِدْته ... فَكَانَ بَدِيلًا مِنْ شَبَابٍ قَدْ انْصَرَمْ تَمَتَّعْت مِنْهُ وَالْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ ... وَلَا بُدَّ مِنْ مَوْتٍ تَبْكِيه أَوْ هَرَمْ وَمَاذَا الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمَرْءِ حِفْظُهُ ... وَنِعْمَتُهُ دَوْمًا إذَا عَرْشُهُ انْهَدَمْ وَمِنْ شِعْرِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَبَّاسِيِّ، عَلَى مَا نَقَلَهُ صَلَاحُ الدِّينِ الصَّفَدِيُّ فِي الْوَافِي بِالْوَفِيَّاتِ قَوْلُهُ: عَيَّرَتْنِي بِالشَّيْبِ وَهْوَ وَقَارُ ... لَيْتَهَا عَيَّرَتْ بِمَا هُوَ عَارُ إنْ تَكُنْ شَابَتْ الذَّوَائِبُ مِنِّي ... فَاللَّيَالِي تُنِيرُهَا الْأَقْمَارُ قُلْت: وَقَدْ نَسَبَ الْأَبْيَاتَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ لِيَحْيَى بْنِ نَصْرٍ السَّعْدِيِّ الْبَغْدَادِيِّ فِي تَرْجَمَتِهِ وَذَكَرَ لَهُ قَبْلَهُمَا قَوْلَهُ: لَوْ كُنْت ذَا مَالٍ وَذَا ثَرْوَةٍ ... وَالشَّيْبُ مَا آنَ وَلَا قِيلَ كَادَ لَجَامَلَتْ جَمَلٌ بِمِيعَادِهَا ... وَسَاعَدَتْ بِالْوَصْلِ مِنْهَا سُعَادُ وَيُعْجِبنِي مِنْ شِعْرِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُهُ: إذَا مَرِضْنَا نَوَيْنَا كُلَّ صَالِحَةٍ ... وَإِنْ شُفِينَا فَمِنَّا الزَّيْغُ وَالزَّلَلُ نُرْضِي الْإِلَهَ إذَا خِفْنَا وَنَعْصِيهِ ... إذَا أَمِنَّا فَمَا يَزْكُو لَنَا عَمَلُ وَمِنْ شِعْرِهِ فِي الشَّمْعَةِ: وَصَفْرَاءُ مِثْلِي فِي الْقِيَاسِ وَدَمْعُهَا ... سِجَامٌ عَلَى الْخَدَّيْنِ مِثْلُ دُمُوعِي تَذُوبُ كَمَا فِي الْحُبِّ ذَابَتْ صَبَابَةً ... وَتَحْوِي حَشَاهَا مَا حَوَتْهُ ضُلُوعِي وَهَذَا الْخَلِيفَةُ هُوَ الَّذِي كَانَ الْإِمَامُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَزِيرَهُ وَوَزِيرَ وَالِدِهِ مِنْ قَبْلِهِ الْمُقْتَفِي رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. (الثَّالِثَةُ) ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ مِنْهُمْ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّذِيرَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] قِيلَ هُوَ الشَّيْبُ. وَإِلَى هَذَا أَشَرْت فِي قَصِيدَةٍ لِي: فَوَا أَسَفَى ذَهَبَ الشَّبَابُ وَحَلَّ بِي ... نَذِيرٌ أَتَانِي أَنَّنِي سَوْفَ أَذْهَبُ وَلِي فِي أُخْرَى: إلَيْك أَشْكُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْ وَجَلِي ... نَأَى شَبَابِي سُدًى وَاحْتَاطَ بِي أَجَلِي نَأَى الشَّبَابُ وَجَاءَ الشَّيْبُ يُنْذِرُنِي ... بِأَنَّنِي رَاحِلٌ لِلْقَبْرِ وَاخْجَلِي

стр. 420

وَأَخْجَلَنِي مِنْ مَقَامٍ لَسْت أُنْكِرُهُ ... إذَا بَدَا لِي عَلَى رُوسِ الْمَلَا زَلَلِي يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ بِيَدِي ... إنِّي أَتَيْت بِلَا عِلْمٍ وَلَا عَمَلِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٤٨٨ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ: وَمَا شَنَآنُ الشَّيْبِ مِنْ أَجْلِ لَوْنِهِ ... وَلَكِنَّهُ حَادٍ إلَى الْبَيْنِ مُسْرِعُ إذَا مَا بَدَتْ مِنْهُ الطَّلِيعَةُ آذَنَتْ ... بِأَنَّ الْمَنَايَا خَلْفَهَا تَتَطَلَّعُ فَإِنْ قَصَّهَا الْمِقْرَاضُ صَاحَتْ بِأُخْتِهَا ... فَتَظْهَرُ تَتْلُوهَا ثَلَاثٌ وَأَرْبَعُ وَإِنْ خُضِّبَتْ حَالَ الْخِضَابِ لِأَنَّهُ ... يُغَالِبُ صُنْعَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَصْنَعُ فَيُضْحِي كَرِيشِ الدِّيكِ فِيهِ تَلَمُّعٌ ... وَأَفْظَعُ مَا يُكْسَاهُ ثَوْبٌ مُلَمَّعُ إذَا مَا بَلَغْت الْأَرْبَعِينَ فَقُلْ لِمَنْ ... يَوَدُّك فِيمَا تَشْتَهِيه وَيُسْرِعُ هَلُمُّوا لِنَبْكِيَ قَبْلَ فُرْقَةِ بَيْنِنَا ... فَمَا بَعْدَهَا عَيْشٌ لَذِيذٌ وَمَجْمَعُ وَخَلِّ التَّصَابِيَ وَالْخَلَاعَةَ وَالْهَوَى ... وَأُمَّ طَرِيقَ الْحَقِّ فَالْحَقُّ أَنْفَعُ وَخُذْ جُنَّةً تُنْجِي وَزَادًا مِنْ التُّقَى ... وَصُحْبَةَ مَأْمُونٍ فَقَصْدُك مُفْزِعُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبَ مَا بَكَتْ عَلَى شَيْءٍ مَا بَكَتْ عَلَى الشَّبَابِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: شَيْئَانِ لَوْ بَكَتْ الدُّمُوعَ عَلَيْهِمَا ... عَيْنَايَ حَتَّى يُؤْذِنَا بِذَهَابِ لَمْ يَبْلُغَا الْمِعْشَارَ مِنْ حَقَّيْهِمَا ... فَقْدُ الشَّبَابِ وَفُرْقَةُ الْأَحْبَابِ وَمِنْ الْبُكَاءِ عَلَى الشَّبَابِ قَوْلُ أَبِي الْغُصْنِ الْأَسَدِيِّ وَهُوَ أَبْكَى بَيْتٍ قِيلَ فِيهِ: تَأَمَّلْ رَجْعَةَ الدُّنْيَا سِفَاهًا ... وَقَدْ صَارَ الشَّبَابُ إلَى الذَّهَابِ فَلَيْتَ الْبَاكِيَاتِ بِكُلِّ أَرْضٍ ... جُمِعْنَ لَنَا فَنُحْنَ عَلَى الشَّبَابِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمُرْتَضَى: ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ ... فَبَكَى بِأَعْيُنِ كَأْسِهِ رَجُلٌ تَخَوَّنَهُ الزَّمَا ... نُ بِبُؤْسِهِ وَبِبَأْسِهِ فَجَرَى عَلَى غُلَوَائِهِ ... طَلْقَ الْجُمُوحِ بِفَأْسِهِ وَمِنْ كَلَامِ دِعْبِلٍ فِي الشَّيْبِ:

стр. 421

أَيْنَ الشَّبَابُ وَأَيَّةُ سَلَكَا ... لَا أَيْنَ يُطْلَبُ ضَلَّ بَلْ هَلَكَا لَا تَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ... ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَى يَا سَلْمُ مَا بِالْمَشِيبِ مَنْقَصَةٌ ... لَا سُوقَةً يُبْقِي وَلَا مَلِكَا قَصَرَ الْغِوَايَةَ عَنْ هَوَى قَمَرٍ ... وَجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ مُشْتَرَكَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَقَدْ أَحْسَنَ: إذَا كَانَ الْبَيَاضُ لِبَاسَ حُزْنٍ ... بِأَنْدَلُسَ فَذَاكَ مِنْ الصَّوَابِ أَلَمْ تَرَنِي لَبِسْت ثِيَابَ شَيْبِي ... لِأَنِّي قَدْ حَزِنْت عَلَى الشَّبَابِ مَطْلَبٌ: فِي عَدَدِ مَا شَابَ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -. (الرَّابِعَةُ) : كَانَ الشَّيْبُ الَّذِي فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ شَعْرَةٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ، مَعَ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا كَالصِّدِّيقِ قَدْ شَابُوا. قَالُوا وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ لُطْفُ الْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ بِنِسَائِهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ النِّسَاءِ أَنْ تَنْفِرَ طِبَاعُهُنَّ مِنْ الشَّيْبِ، وَمَنْ نَفَرَ طَبْعُهُ مِنْ الرَّسُولِ خُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَطَفَ اللَّهُ بِهِنَّ فَلَمْ يَشِبْ شَيْبًا تَعَافُهُ النِّسَاءُ. مَعَ أَنَّ الشَّيْبَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ غَيْرُ مُنَفِّرٍ وَلَكِنْ جَلَّتْ حِكْمَةُ الْبَارِي. وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: «إنَّ اللَّهَ لِيَسْتَحْيِ أَنْ يُعَذِّبَ ذَا شَيْبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ بَكَى الرَّسُولُ ﵊، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أَبْكِي مِمَّنْ يَسْتَحْيِ اللَّهُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ اللَّهِ» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظٍ «يَقُولُ اللَّهُ إنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ عَبْدِي وَأَمَتِي يَشِيبَانِ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ أُعَذِّبُهُمَا» الْحَدِيثَ. وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَتُعُقِّبَ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا. وَذَكَرَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ بِلَا سَنَدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَرْعَوِ عِنْدَ الشَّيْبِ، وَيَسْتَحْيِ مِنْ الْعَيْبِ، وَلَمْ يَخْشَ اللَّهَ فِي الْغَيْبِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ» . فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكْرَهَ الشَّيْبَ؛ لِأَنَّهُ نُورُ الْإِسْلَامِ، وَوَقَارٌ مِنْ الْمَلِكِ

стр. 422

السَّلَامِ. وَلَا تَغْتَرَّ بِفَسَقَةِ الشُّعَّارِ وَمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَشْعَارِ، مِثْلُ قَوْلِ يَعْقُوبَ بْنِ صَابِرٍ الْمَنْجَنِيقِيِّ كَمَا فِي الْوَافِي بِالْوَفِيَّاتِ: قَالُوا بَيَاضُ الشَّيْبِ نُورٌ سَاطِعٌ ... يَكْسُو الْوُجُوهَ مَهَابَةً وَضِيَاءَ حَتَّى سَرَتْ وَخَطَاتُهُ فِي مَفْرِقِي ... فَوَدِدْت أَنْ لَا أَفْقِدَ الظَّلْمَاءَ وَعَدَلْت أَسْتَبْقِي الشَّبَابَ تَعَلُّلًا ... بِخِضَابِهَا فَصَبَغْتهَا سَوْدَاءَ لَوْ أَنَّ لِحْيَةَ مَنْ يَشِيبُ صَحِيفَةٌ ... لِمَعَادِهِ مَا اخْتَارَهَا بَيْضَاءَ وَقَوْلُ شِهَابِ الدِّينِ التَّلَعْفَرِيِّ فِي ذَلِكَ: لَا تَعْجَلَنَّ فَوَاَلَّذِي جَعَلَ الدُّجَى ... مِنْ لَيْلِ طُرَّتِي الْبَهِيمِ ضِيَاءَ لَوْ أَنَّهَا يَوْمَ الْمَعَادِ صَحِيفَتِي ... مَا سَرَّ قَلْبِي كَوْنَهَا بَيْضَاءَ وَلَكِنْ اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ مِصْبَاحِ الْهُدَى وَمَاحِي الضَّلَالَةِ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ «أَنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ إكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ» وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَتَعَقَّبَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي أَوَّلِ مَنْ اخْتَرَعَ عِلْمَ الْبَدِيعِ . وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ اخْتَرَعَ عِلْمَ الْبَدِيعِ حَيْثُ يَقُولُ فِي تَائِيَّتِهِ: وَكُنْت امْرَأً مِنِّي التَّصَابِي الَّذِي يُرَى ... وَقَدْ بَلَغَتْ سِنِّي النُّهَى فَتَنَاهَيْتُ وَقُلْت أَيَا نَفْسِي وَهَلْ بَعْدَ شَيْبَةٍ ... نَذِيرٌ فَمَا عُذْرِي إذَا مَا تَمَادَيْتُ وَقَدْ أَبْصَرَتْ عَيْنِي الْمَنِيَّةَ تَنْتَضِي ... سُيُوفَ مَشِيبِي فَوْقَ رَأْسِي فَأَشْفَيْتُ فَخَلَّيْت شَيْطَانَ التَّصَابِي لِأَهْلِهِ ... وَأَدْبَرْت عَنْ شَأْنِ الْغَوِيِّ وَوَلَّيْتُ وَقَالُوا مَشِيبُ الرَّأْسِ يَحْدُو إلَى الرَّدَى ... فَقُلْت أَرَانِي قَدْ قَرُبْت وَدَانَيْتُ تَبَدَّلَ قَلْبِي مَا تَبَدَّلَ مَفْرِقِي ... بَيَاضُ النَّقَا فَقَدْ نَزَعْت وَأَبْقَيْتُ وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيّ فِي جُزْئِهِ تَنْبِيهُ النَّائِمِ الْغَمْرُ عَلَى مَوْسِمِ الْعُمْرِ لِنَفْسِهِ:

стр. 423

قَدْ رَأَيْت الْمَشِيبَ نُورًا تَبَدَّى ... نَوَّرَ الطُّرُقَ ثُمَّ مَا إنْ تَعَدَّى إنَّ ثَوْبَ الشَّبَابِ عَارِيَّةٌ عِنْدِي ... فَجَاءَ الْمُعِيرُ حَتَّى اسْتَرَدَّا جَاءَنِي نَاصِحٌ أَتَانِي نَذِيرُ ... بَيَاضٍ أَرَانِي الْأَمْرَ جَدًّا دَعْ حَدِيثَ الصِّبَا وَرَامَةَ وَالْغَوْرَ ... وَنَجْدَ يَا سَعْدُ وَاهْجُرْ سَعْدًا ثُمَّ خَلِّي حَدِيثَ لَيْلَى وَنِعْمَ ... وَسُعَادَ وَدِّعْ فَدَيْتُكِ دَعْدَا وَتَزَوَّدْ زَادَ الشِّتَاءِ فَقَدْ فَاتَ ... رَبِيعٌ ضَيَّعْت فِيهِ الْوَرْدَا قِفْ عَلَى الْبَابِ سَائِلًا عَفْوَ مَوْلَاك ... فَمَا إنْ يَرَاك يَرْحَمُ عَبْدًا وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ: أَفِقْ يَا قَلْبُ مِنْ خَمْرِ التَّصَابِي ... فَقَدْ آنَ الرَّحِيلُ وَأَنْتَ صَابِي وَبَادَ الْعُمْرُ فِي حُبِّ الْغَوَانِي ... وَرَبَّاتِ الْبَرَاقِعِ وَالنِّقَابِ فَمِنْ سِنِّ الصِّبَا فِي اللَّهْوِ حَتَّى ... بَدَا وَازَفْرَتِي هَذَا التَّغَابِي وَأَخْبَارُ الشَّيْبِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَأَشْهُرُ مِنْ أَنْ تُشْهَرَ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ لِمَنْ أَدْرَكَتْهُ الْعِنَايَةُ. [حَلْقُ الشعر] (وَلِلْقَزَعِ) وَهُوَ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَتَرْكُ بَعْضِهِ (أَكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَقَالَ احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْقَزَعُ أَنْ تَحْلِقَ رَأْسَ الصَّبِيِّ وَتَتْرُكَ مَوَاضِعَ مِنْهُ مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مَحْلُوقَةٍ تَشْبِيهًا بِقَزَعِ السَّحَابِ، وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ. وَعُلِمَ مِنْهُ عَدَمُ كَرَاهَةِ حَلْقِ كُلِّ الرَّأْسِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَثَمَّ رِوَايَةٌ يُكْرَهُ حَلْقُهُ، لَكِنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَكِنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَى إبَاحَةِ الْحَلْقِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَأَمَّا أَخْذُهُ بِالْمِقْرَاضِ وَاسْتِيصَالُهُ فَلَا يُكْرَهُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. نَعَمْ يُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ حَاجَةٍ نَحْوُ حِجَامَةٍ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَهَذَا يَعْنِي كَلَامَ الْإِمَامِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لَكِنْ جَزَمَ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا بِالْكَرَاهَةِ فَقَطْ.

стр. 424

ثُمَّ) أَكْرَهُ أَيْضًا (تَدْلِيسَ) أَيْ كِتْمَانَ عَيْبٍ (نُهَّدِ) جَمْعُ نَاهِدٍ، مِنْ نَهَدَ الثَّدْيُ كَمَنَعَ وَنَصَرَ نُهُودًا كَعَبَ، وَالْمَرْأَةُ كَعَبَ ثَدْيُهَا كَنَهَدَتْ فَهِيَ مُنْهِدٌ وَنَاهِدٌ وَنَاهِدَةٌ. وَظَاهِرُ نِظَامِهِ ﵀ أَنَّ تَدْلِيسَ الْمَرْأَةِ بِنَحْوِ وَشْمٍ وَوَشْرٍ وَوَصْلٍ مَكْرُوهٌ، وَالْمَذْهَبُ الْحُرْمَةُ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا: يَحْرُمُ نَمْصٌ وَوَشْرٌ وَشْمٌ وَوَصْلُ شَعْرٍ بِشَعْرٍ وَلَوْ بِشَعْرِ بَهِيمَةٍ أَوْ إذْنِ زَوْجٍ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إنْ كَانَ نَجِسًا، وَلَا بَأْسَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ شَدُّ الشَّعْرِ كَالْقَرْمَلِ. وَأَبَاحَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ النَّمْصَ وَحْدَهُ وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّدْلِيسِ أَوْ أَنَّهُ شِعَارُ الْفَاجِرَاتِ. فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنَتِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ فَتَمَزَّقَ شَعْرُهَا وَإِنِّي زَوَّجْتهَا أَفَأَصِلُ فِيهِ؟ فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ «لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» . وَأَخْرَجَا وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: وَمَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] » . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ، وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ» . فَالْمُتَفَلِّجَةُ هِيَ الَّتِي تَفْلُجُ أَسْنَانَهَا بِالْبَرْدِ وَنَحْوِهِ لِلتَّحْسِينِ. وَالْوَاصِلَةُ الَّتِي تَصِلُ الشَّعْرَ بِشَعْرِ نِسَاءٍ أَوْ دَوَابَّ. وَالْمُسْتَوْصِلَةُ الْمَعْمُولُ بِهَا ذَلِكَ. وَالنَّامِصَةُ الَّتِي تَنْقُشُ الْحَاجِبَ حَتَّى تُرِقَّهُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَرَّحَ بِهِ فُقَهَاؤُنَا هُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ. وَالْمُتَنَمِّصَةُ

стр. 425

الْمَعْمُولُ بِهَا ذَلِكَ. وَالْوَاشِمَةُ الَّتِي تَغْرِزُ الْيَدَ أَوْ الْوَجْهَ وَنَحْوَهُمَا بِالْإِبَرِ ثُمَّ يُحْشَى ذَلِكَ الْمَكَانُ بِكُحْلٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ مِدَادٍ. وَالْمُسْتَوْشِمَةُ الْمَعْمُولُ بِهَا ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ «سَمِعَ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ فَقَالَ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ، سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا وَيَقُولُ إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ «قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَنَا وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعْرٍ فَقَالَ مَا كُنْت أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إلَّا الْيَهُودَ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ فَسَمَّاهُ الزُّورَ» . وَفِي أُخْرَى لَهُمَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ «إنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سُوءٍ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الزُّورِ» قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مَا يُكْثِرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنْ الْخِرَقِ. قَالَ وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ أَلَا هَذَا الزُّورُ. وَفِي كِتَابِ أَدَبِ النِّسَاءِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ إيَّاكُنَّ وَقَشْرَ الْوَجْهِ. قَالَ فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ عَنْ الْخِضَابِ، قَالَتْ لَا بَأْسَ بِالْخِضَابِ. وَقَالَتْ ﵂: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الصَّالِقَةَ وَالْحَالِقَةَ وَالْخَارِقَةَ وَالْقَاشِرَةَ» . وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْعَنُ الْقَاشِرَةَ وَالْمَقْشُورَةَ، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَالْوَاصِلَةَ، وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» فَالْقَاشِرَةُ هِيَ الَّتِي تَقْشُرُ وَجْهَهَا بِالدَّوَاءِ لِيَصْفُوَ لَوْنُهَا. وَالصَّالِقَةُ هِيَ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالصُّرَاخِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ. وَالْحَالِقَةُ هِيَ الَّتِي تَحْلِقُ شَعْرَهَا عِنْدَ النَّوَائِبِ. وَالْخَارِقَةُ الَّتِي تَخْرِقُ ثَوْبَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: فَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي قَدْ نُهِيَ عَنْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَدْ أَخَذَ بِإِطْلَاقِ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ
следующие страницы →