← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25791

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني

Полный текст (1 066 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مَطْلَبٌ: فِيمَا يُكْتَبُ لِلْحُمَّى، وَالْوَحْشَةِ (تَتِمَّةٌ) فِي أَشْيَاءَ تُكْتَبُ لِأَشْيَاءَ مِنْهَا مَا كَتَبَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ لِلْحُمَّى قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كَتَبَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الْحُمَّى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ اشْفِ صَاحِبَ هَذَا الْكِتَابِ بِحَوْلِك وَقُوَّتِك وَجَبَرُوتِك إلَهَ الْحَقِّ آمِينَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ أَنَّ يُونُسَ بْنَ حِبَّانَ كَانَ يَكْتُبُ هَذَا مِنْ حُمَّى الرِّبْعِ. وَمِمَّا يُكْتَبُ لِلْوَحْشَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً شَكَتْ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا

стр. 492

مُسْتَوْحِشَةٌ فِي بَيْتٍ وَحْدَهَا فَكَتَبَ لَهَا رُقْعَةً بِخَطِّهِ بِسْمِ اللَّهِ وَفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي الرَّجُلِ يَكْتُبُ الْقُرْآنَ فِي إنَاءٍ، ثُمَّ يَسْقِيه لِلْمَرِيضِ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَقَالَ صَالِحُ بْنُ الْإِمَامِ ﵄: رُبَّمَا اعْتَلَلْت، فَيَأْخُذُ أَبِي قَدَحًا فِيهِ مَاءٌ فَيَقْرَأُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ لِي: اشْرَبْ مِنْهُ، وَاغْسِلْ وَجْهَك وَيَدَيْك. . مَطْلَبٌ: فِيمَا يُرْقَى بِهِ الْمَلْدُوغُ مِنْ الْعَقْرَبِ وَغَيْرِهَا وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إذْ سَجَدَ فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فِي إصْبَعِهِ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا يَدَعُ نَبِيًّا وَلَا غَيْرَهُ قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَمِلْحٌ فَجَعَلَ يَضَعُ مَوْضِعَ اللَّدْغَةِ مِنْ الْمَاءِ، وَالْمِلْحِ وَيَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «لَدَغَتْ رَجُلًا عَقْرَبٌ وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْقِيه قَالَ: مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» . وَفِي رِوَايَةٍ «جَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنْ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّك نَهَيْت عَنْ الرُّقَى فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقْيَاكُمْ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ» . وَمِنْ الرُّقَى الْمُجَرَّبَةِ النَّافِعَةِ أَنْ يَسْأَلَ الرَّاقِي الْمَلْدُوغَ عَنْ مَكَانِ اللَّدْغَةِ مِنْ الْعُضْوِ فَيَضَعُ عَلَى أَعْلَاهُ حَدِيدَةً وَيَقْرَأُ الْعَزِيمَةَ وَيُكَرِّرُهَا، وَهُوَ يُجَرِّدُ مَوْضِعَ الْأَلَمِ بِالْحَدِيدَةِ حَتَّى يُنْهَى وَيُكَرَّ السُّمَّ إلَى أَسْفَلِ الْوَجَعِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي أَسْفَلِهِ جَعَلَ يَمُصُّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ حَتَّى يَذْهَبَ جَمِيعُ ذَلِكَ الْأَلَمِ وَلَا اعْتِبَارَ بِفُتُورِ الْعُضْوِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْعَزِيمَةُ (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ، وَعَلَى مُحَمَّدٍ فِي الْمُرْسَلِينَ مِنْ حَامِلَاتِ السُّمِّ أَجْمَعِينَ لَا دَابَّةٌ بَيْنَ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضِ إلَّا رَبِّي آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا أَجْمَعِينَ، كَذَلِكَ يَجْزِي عِبَادَهُ الْمُحْسِنِينَ. إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ نُوحٌ نُوحٌ قَالَ لَكُمْ نُوحٌ مَنْ ذَكَرَنِي لَا تَأْكُلُوهُ إنَّ رَبِّي بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ) . وَفِي رِحْلَةِ الْإِمَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ رُقْيَةُ الْعَقْرَبِ قَالَ: ذَكَرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُرْقَى بِهَا فَلَا تَلْدَغُهُ عَقْرَبٌ، وَإِنْ أَخَذَهَا بِيَدِهِ لَا تَلْدَغُهُ، وَإِنْ لَدَغَتْهُ لَا تَضُرُّهُ، وَهِيَ هَذِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ

стр. 493

بِاسْمِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ كازم كازم زين آدَم فنيزا إلَى مزن يشامر يشامر اهودا اهودا هِيَ ولمظا أَنَا الرَّاقِي وَاَللَّهُ الشَّافِي. . مَطْلَبٌ: فِيمَا يُقَالُ لِلْحِفْظِ مِنْ الْعَقْرَبِ، وَالْحَيَّةِ وَيَدِ السَّارِقِ وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، مَنْ قَالَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوَّلِ النَّهَارِ: عَقَدْت زُبَانَى الْعَقْرَبِ وَلِسَانَ الْحَيَّةِ وَيَدَ السَّارِقِ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَمِنَ مِنْ الْعَقْرَبِ، وَالْحَيَّةِ وَالسَّارِقِ. وَرَوَى الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيت مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ فَقَالَ: أَمَا إنَّك لَوْ قُلْت حِينَ أَمْسَيْت: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» . وَفِي كَامِلِ ابْنِ عَدِيٍّ فِي تَرْجَمَةِ وَهْبِ بْنِ رَاشِدٍ الرَّاقِي أَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ بِلَالٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِيَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تَضُرَّهُ حَيَّةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ» . قَالَ شُمَيْلٌ فَكَانَ أَهْلُنَا يَقُولُونَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ، فَلُدِغَتْ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ، فَلَمْ تَجِدْ لَهَا وَجَعًا، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَكَلِمَاتُ اللَّهِ الْقُرْآنُ، وَمَعْنَى تَمَامِهَا أَنْ لَا يَدْخُلَهَا نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ كَمَا يَدْخُلُ كَلَامَ النَّاسِ وَقِيلَ: هِيَ النَّافِعَاتُ الْكَافِيَاتُ الشَّافِيَاتُ مِنْ كُلِّ مَا يُتَعَوَّذُ بِهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِهِ عَيْبٌ وَلَا نَقْصٌ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَبَلَغَنِي عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي: سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ، لَمْ تَلْدَغْهُ عَقْرَبٌ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إنَّ مِمَّا أُخِذَ عَلَى الْعَقْرَبِ أَنْ لَا تَضُرَّ أَحَدًا قَالَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ: سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ أَتَيَا نُوحًا فَقَالَا: احْمِلْنَا فَقَالَ نُوحٌ: لَا أَحْمِلُكُمَا فَأَنْتُمَا سَبَبُ الضَّرَرِ وَالْبَلَاءِ فَقَالَا: احْمِلْنَا وَنَحْنُ نَضْمَنُ لَك أَنْ لَا نَضُرَّ أَحَدًا ذَكَرَك، فَمَنْ قَرَأَ حِينَ يَخَافُ مَضَرَّتَهُمَا: سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ مَا ضَرَّتَاهُ.

стр. 494

فَائِدَةٌ فِيمَا يُكْتَبُ لِلْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: مَنْ كَانَ هَارِبًا مِنْ عَدُوِّهِ فَلْيَكْتُبْ بِسَوْطِهِ بَيْنَ أُذُنَيْ دَابَّتِهِ ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] آمَنَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْخَوْفِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] : الْمَعْنَى اُضْمُمْ يَدَك إلَى صَدْرِك لِيَذْهَبَ عَنْك الْخَوْفُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ مَنْ فَزِعَ فَضَمَّ جَنَاحَهُ إلَيْهِ ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، وَالْخَوَاصُّ كَثِيرَةٌ، وَالْفَوَائِدُ غَزِيرَةٌ وَكُلُّهَا، أَوْ غَالِبُهَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ الْحَبْلُ بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ؛ وَلِذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: الْأَدْوِيَةُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ وَالرُّقَى أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْأَدْوِيَةِ حَتَّى قَالَ بُقْرَاطُ: نِسْبَةُ طِبِّنَا إلَى طِبِّ أَصْحَابِ الْهَيَاكِلِ كَنِسْبَةِ طِبِّ الْعَجَائِزِ إلَى طِبِّنَا قَالَ بَعْضُهُمْ: طِبُّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى طِبِّ الْأَنْبِيَاءِ كَطِبِّ الطَّرْقِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى طِبِّهِمْ، وَإِنَّ نِسْبَةَ طِبِّهِمْ إلَى طِبِّ الْأَنْبِيَاءِ كَنِسْبَةِ عُلُومِهِمْ إلَى عُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ طِبَّ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ قَطْعِيٌّ وَطِبُّهُمْ إمَّا قِيَاسٌ أَوْ تَجْرِبَةٌ، أَوْ وَهْمٌ، أَوْ إلْهَامٌ أَوْ حَدْسٌ، أَوْ مَنَامٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالْوَحْيِ، كَمَا بَيْنَ الْهُدَى وَالْغَيِّ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. مَطْلَبٌ: فِي جَوَازِ الْوَسْمِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ وَحَلَّ بِغَيْرِ الْوَجْهِ وَسْمُ بَهَائِمَ ... وَفِي الْأَشْهَرِ اكْرَهْ جَزَّ ذَيْلٍ مُمَدَّدِ (وَحَلَّ) أَيْ أُبِيحَ (بِ) أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ (غَيْرِ الْوَجْهِ وَسْمُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَيُّ قَالَ عِيَاضٌ: وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: بِمُهْمَلَةٍ وَبِمُعْجَمَةٍ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: بِمُهْمَلَةٍ فِي الْوَجْهِ وَبِمُعْجَمَةٍ فِي بَقِيَّةِ سَائِرِ الْجَسَدِ (بَهَائِمَ) جَمْعُ بَهِيمَةٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ النَّاظِمِ حِلَّ الْوَسْمِ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ، وَمَفْهُومُ نِظَامِهِ عَدَمُ الْحِلِّ فِي الْوَجْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّعَايَةِ. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: لَا يَسِمُ فِي الْوَجْهِ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي غَيْرِهِ قَالَ جَابِرٌ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ وَعَنْ وَسْمِ الْوَجْهِ» . وَفِي لَفْظٍ «مَرَّ عَلَيْهِ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ وَسَمَهُ» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا مَوْسُومَ الْوَجْهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَسِمُهُ إلَّا فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَأَمَرَ بِحِمَارِهِ

стр. 495

فَكَوَى عَلَى جَاعِرَتَيْهِ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَوَى الْجَاعِرَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْجَاعِرَتَانِ مَوْضِعُ الرَّقْمَتَيْنِ مِنْ اسْتِ الْحِمَارِ، وَهُوَ مَضْرِبُ الْفَرَسِ بِذَنَبِهِ عَلَى فَخْذَيْهِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُمَا حَرْفَا الْوَرِكَيْنِ الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْجَاعِرَتَانِ مَوْضِعُ الرَّقْمَتَيْنِ مِنْ اسْتِ الْحِمَارِ وَمَضْرِبُ الْفَرَسِ بِذَنَبِهِ عَلَى فَخْذَيْهِ أَوْ حَرْفَا الْوَرِكَيْنِ الْمُشْرِفَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ، وَقَالَ فِي مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ: قَوْلُهُ فَكَانَ يَسِمُ فِي الْجَاعِرَتَيْنِ رَقْمَتَيْنِ يَكْتَنِفَانِ ذَنَبَ الْحِمَارِ انْتَهَى. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى صَرَّحَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي مَوْضِعٍ: أَنَّ السِّمَةَ فِي الْوَجْهِ مَكْرُوهَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّ السِّمَةَ فِي الْوَجْهِ لَا تَجُوزُ قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى انْتَهَى. قَالَ فِي الْآدَابِ وَغَيْرِهِ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنْ الْغَنَمِ تُوسَمُ قَالَ: تُوسَمُ وَلَا تُعْمَلُ فِي اللَّحْمِ يَعْنِي يُجَزُّ الصُّوفُ، نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ، وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّة: الضَّرْبُ فِي الْوَجْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ لَكِنَّهُ فِي الْآدَمِيِّ أَشَدُّ قَالَ: وَالْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إجْمَاعًا، فَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَوَسْمُهُ حَرَامٌ، وَأَمَّا غَيْرُ الْآدَمِيِّ فَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ الْبَغَوِيّ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَغَيْرُ الْآدَمِيِّ فَوَسْمُهُ فِي وَجْهِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَأَمَّا غَيْرُ الْوَجْهِ فَيُسْتَحَبُّ فِي نَعَمِ الزَّكَاةِ، وَالْجِزْيَةِ «؛ لِأَنَّهُ ﵊ وَسَمَهَا فِي آذَانِهَا» ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَ لَيْسَتْ مِنْ الْوَجْهِ لِنَهْيِهِ عَنْ وَسْمِ الْوَجْهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِمَا يَعْنِي غَيْرَ نَعَمِ الزَّكَاةِ، وَالْجِزْيَةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحَبُّ الْوَسْمُ، بَلْ يُكْرَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَسْمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي آدَمِيٍّ، أَوْ لَا الْأَوَّلُ حَرَامٌ، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْوَجْهِ، أَوْ لَا، الْأَوَّلُ حَرَامٌ أَيْضًا، وَعَلَى الثَّانِي: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْسُومُ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ أَوْ الْجِزْيَةِ، وَمِثْلُهَا فَرَسٌ حَبِيسٌ، وَنَحْوُهَا فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا وَيَجُوزُ فِيمَا عَدَاهَا. هَذَا مَفْهُومُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْآدَابِ، وَالْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ: تَحْرِيمُ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ، وَهُوَ فِي الْآدَمِيِّ أَشَدُّ حُرْمَةً قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ الْوَسْمُ إلَّا لِمُدَاوَاةٍ، وَقَالَ: يُحَرَّمُ لِقَصْدِ الْمُثْلَةِ وَيَجُوزُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْوَسْمُ مُسْتَحَبًّا، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ الْجَوَازُ وَفِعْلُهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لَا الِاسْتِحْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 496

مَطْلَبٌ: فِي حُكْم جَزِّ ذَيْلِ الْخَيْلِ (وَفِي) الْقَوْلِ (الْأَشْهَرِ) مِنْ غَيْرِهِ (اكْرَهْ) أَيْ اعْتَقِدْ كَرَاهَةَ (جَزِّ) أَيْ قَطْعِ شَعْرِ (ذَيْلٍ) أَيْ ذَنَبٍ (مُمَدَّدٍ) أَيْ طَوِيلٍ يُقَالُ: جَزَّ الشَّعْرَ جَزًّا وَجَزَّهُ فَهُوَ مَجْزُوزٌ وَجَزِيزٌ أَيْ قَطَعَهُ كَاجْتَزَّهُ. وَأَشْعَرَ نِظَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ قَوْلٍ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى، وَهَلْ يُكْرَهُ جَزُّ ذَنَبِهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ: نَقَلَ مُهَنَّا الْكَرَاهَةَ، ذَكَرَهَا صَاحِبُ النَّظْمِ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ نَفْيَ الْكَرَاهَةِ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ قَالَ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ: إنَّمَا رُخِّصَ فِي جَزِّ الْأَذْنَابِ، فَأَمَّا الْأَعْرَافُ فَلَا، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ يَعْمَلُ بِالْمَصْلَحَةِ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ: وَهِيَ مُتَّجِهَةٌ، وَسَأَلَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ حَذْفِ الْخَيْلِ فَقَالَ: إنْ كَانَ أَبْهَى وَأَجْوَدَ لَهُ قُلْت: إنَّهُ يَنْفَعُهُ فِي الشِّتَاءِ، وَهُوَ أَجْوَدُ لِرَكْضِهِ فَكَأَنَّهُ سَهَّلَ فِيهِ، وَقَالَ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَكْرَهُونَ حَذْفَ الْخَيْلِ وَنَتْفَ أَذْنَابِهَا وَجَزَّ نَوَاصِيهَا. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: حَذَفَهُ يَحْذِفُهُ أَسْقَطَهُ وَمِنْ شَعْرِهِ أَخَذَهُ وَحَذَّفَهُ تَحْذِيفًا هَيَّأَهُ وَصَنَعَهُ، فَالْمُرَادُ هُنَا بِحَذْفِ الْخَيْلِ أَخْذُ شَعْرِهَا. . مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ جَزُّ أَعْرَافِ الْخَيْلِ كَمَعْرَفَةٍ حَتْمًا لِإِضْرَارِهَا بِهِ ... لِقَطْعِك مَا تَدْرَأُ بِهِ لِلْمُنَكِّدِ (كَ) مَا يُكْرَهُ جَزُّ شَعْرِ (مَعْرَفَةٍ) كَمَرْحَلَةٍ مَوْضِعُ الْعَرْفِ مِنْ الْفَرَسِ، وَهُوَ شَعْرُ عُنُقِهَا وَتُضَمُّ رَاؤُهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ جَزُّ شَعْرِ الْمَعْرَفَةِ أَصْلًا وَقَاسَ جَزَّ الذَّيْلِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ رَخَّصَ فِي جَزِّ الذَّنَبِ فِي رِوَايَةٍ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي جَزِّ الْمَعْرَفَةِ قَالَ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ: إنَّمَا رُخِّصَ فِي جَزِّ الْأَذْنَابِ، فَأَمَّا الْأَعْرَافُ فَلَا. وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ السُّلَمِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ جَزِّ أَعْرَافِ الْخَيْلِ وَنَتْفِ أَذْنَابِهَا وَجَزِّ نَوَاصِيهَا، وَقَالَ: أَمَّا أَذْنَابُهَا، فَإِنَّهَا مَذَابُّهَا، وَأَمَّا أَعْرَافُهَا، فَإِنَّهَا أَدِفَاؤُهَا، وَأَمَّا نَوَاصِيهَا، فَإِنَّ الْخَيْرَ مَعْقُودٌ فِيهَا» . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ نَصْرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَنْ عُتْبَةَ فَذَكَرَهُ. وَقَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ

стр. 497

قَالَ حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُصُّوا نَوَاصِيَ الْخَيْلِ، فَإِنَّ فِيهَا الْبَرَكَةَ وَلَا تَجُزُّوا أَعْرَافَهَا، فَإِنَّهَا أَدِفَاؤُهَا وَلَا تَقُصُّوا أَذْنَابَهَا، فَإِنَّهَا مَذَابُّهَا» . فَرِجَالٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ جَمَاعَةٌ يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ ثِقَةٌ لَا سِيَّمَا، وَالْمُتَقَدِّمُونَ حَالُهُمْ حَسَنٌ. وَبَاقِي الْإِسْنَادِ جَيِّدٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ يُقَالُ: «لَا تَقُودُوا الْخَيْلَ بِنَوَاصِيهَا فَتُذِلُّوهَا وَلَا تَجُزُّوا أَعْرَافَهَا، فَإِنَّهَا أَدِفَاؤُهَا وَلَا تَجُزُّوا أَذْنَابَهَا، فَإِنَّهَا مَذَابُّهَا» . قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. مَطْلَبٌ: فِي الْحَثِّ عَلَى اقْتِنَاءِ الْخَيْلِ، وَأَنَّهَا مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَمَعْنَى عَقْدُ الْخَيْرِ بِنَوَاصِيهَا أَيْ مُلَازَمَتُهُ لَهَا كَأَنَّهُ مَعْقُودٌ فِيهَا، وَالْمُرَادُ بِالنَّاصِيَةِ الشَّعْرُ الْمُسْتَرْسِلُ عَلَى الْجَبْهَةِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا، وَكَنَّى بِالنَّاصِيَةِ عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ الْفَرَسِ يُقَالُ: فُلَانٌ مُبَارَكُ النَّاصِيَةِ مَيْمُونُ الْغُرَّةِ أَيْ الذَّاتِ. وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ السَّكُونِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ إذَالَةِ الْخَيْلِ، وَهُوَ امْتِهَانُهَا فِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا وَاسْتِعْمَالِهَا» ، وَأَنْشَدَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَحِبُّوا الْخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا ... فَإِنَّ الْعِزَّ فِيهَا وَالْجَمَالَا إذَا مَا الْخَيْلُ ضَيَّعَهَا أُنَاسٌ ... رَبَطْنَاهَا فَأَشْرَكَتْ الْعِيَالَا نُقَاسِمُهَا الْمَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... وَنَكْسُوهَا الْبَرَاقِعَ وَالْجِلَالَا وَقَالَ الْإِمَامُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: عَلَيْكُمْ بِإِنَاثِ الْخَيْلِ، فَإِنَّ بُطُونَهَا كَنْزٌ وَظُهُورَهَا حِرْزٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. . مَطْلَبٌ: أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ الْخَيْلَ إسْمَاعِيلُ ﵇ وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «ارْكَبُوا الْخَيْلَ، فَإِنَّهَا مِيرَاثُ أَبِيكُمْ إسْمَاعِيلَ» . وَذَلِكَ أَنَّ إسْمَاعِيلَ ﵇ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْعِرَابُ وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَحْشًا كَسَائِرِ الْوُحُوشِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ بِرَفْعِ الْقَوَاعِدِ مِنْ الْبَيْتِ قَالَ اللَّهُ : إنِّي مُعْطِيكُمَا كَنْزًا ادَّخَرْته لَكُمَا، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إلَى

стр. 498

إسْمَاعِيلَ: أَنْ اُخْرُجْ فَادْعُ بِذَلِكَ الْكَنْزِ، فَخَرَجَ إلَى أَجْيَادٍ، وَكَانَ لَا يَدْرِي مَا الدُّعَاءُ، وَالْكَنْزُ فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ الدُّعَاءَ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَرَسٌ بِأَرْضِ الْعَرَبِ إلَّا أَجَابَتْهُ وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَوَاصِيهَا وَتَذَلَّلَتْ لَهُ «، وَكَانَ نَبِيُّنَا ﷺ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ بَعْدَ النِّسَاءِ مِنْ الْخَيْلِ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁. وَبِالْجُمْلَةِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ، وَالْآثَارُ الصَّحِيحَةُ فِي الْخَيْلِ وَفَضِيلَتِهَا وَسِبَاقِهَا وَسِيَاسَتِهَا وَفَضِيلَةِ اتِّخَاذِهَا وَبَرَكَتِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا وَخِدْمَتِهَا وَمَسْحِ نَوَاصِيهَا، وَالْتِمَاسِ نَسْلِهَا وَنَمَائِهَا وَالنَّهْيِ عَنْ خِصَائِهَا وَجَزِّ نَوَاصِيهَا وَأَذْنَابِهَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ؛ وَلِذَا قَالَ النَّاظِمُ (حَتْمًا) أَيْ حَتِّمْهُ حَتْمًا أَيْ اقْضِ بِهِ وَاحْكُمْ أَمْرَهُ وَاجْزِمْ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِقَوْلِهِ: حَتْمًا يَعْنِي لِكَوْنِ الْكَرَاهَةِ فِيهِ مُحَقَّقَةً بِخِلَافِ الذَّيْلِ، فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى الْأَشْهَرِ فِي ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُكْرَهُ جَزُّ مَعْرَفَةٍ وَنَاصِيَةٍ، وَفِي جَزِّ ذَنَبِهَا رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا يُكْرَهُ لِلْخَبَرِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لِإِضْرَارِهَا) أَيْ الدَّابَّةِ (بِهِ) أَيْ جَزِّ مَعْرَفَتِهَا وَذَيْلِهَا (لِقَطْعِك) أَنْتَ أَيْ؛ لِأَنَّك قَطَعْت (مَا) أَيْ الشَّعْرَ الَّذِي (تَدْرَأُ) أَيْ تَدْفَعُ وَتَذُبُّ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الشَّعْرِ (لِلْمُنَكَّدِ) أَيْ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُنَكِّدُ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا إنَّمَا تَدْفَعُهُ بِذَيْلِهَا، فَإِذَا جَزَزْته فَقَدْ آذَيْتهَا بِإِزَالَتِك الَّذِي تَدْفَعُ بِهِ الْمُؤْذِيَ عَنْهَا إذْ هُوَ مِنْ أَقْوَى أَسْلِحَتِهَا وَأَوْقِيَتِهَا الدَّافِعَةِ عَنْهَا مَا يُؤْلِمُهَا وَيُنَكِّدُ عَلَيْهَا مِنْ الذُّبَابِ وَغَيْرِهِ. وَلِذَا قَالَ ﵊: «أَمَّا أَذْنَابُهَا، فَإِنَّهَا مَذَابُّهَا أَيْ الَّتِي تَذُبُّ بِهَا عَنْهَا نَحْوَ الذُّبَابِ، وَأَمَّا أَعْرَافُهَا، فَإِنَّهَا أَدِفَاؤُهَا الَّتِي يَحْصُلُ لَهَا بِهَا الدِّفْءُ وَيُدْفَعُ عَنْهَا بِهَا أَلَمُ الْبَرْدِ» . قَالَ فِي الْقَامُوسِ الدِّفْءُ بِالْكَسْرِ وَيُحَرَّكُ نَقِيضُ حِدَّةِ الْبَرْدِ كَالدَّفَّاءَةِ، وَجَمْعُهُ أَدْفَاءٌ يُقَالُ دَفِيءَ كَفَرِحَ وَكَرُمَ وَتَدَفَّأَ وَاسْتَدْفَأَ وَأَدْفَأَهُ أَلْبَسَهُ الدِّفَاءَ لِمَا يُدْفِئُهُ. مَطْلَبٌ: فِيمَا يَجُوزُ خِصَاؤُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ وَفِيمَا سِوَى الْأَغْنَامِ قَدْ كَرِهُوا الْخِصَا ... لِتَعْذِيبِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِمُسْنَدِ (وَفِيمَا) أَيْ حَيَوَانٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ فَيُحَرَّمُ كَمَا نُبَيِّنُهُ (سِوَى الْأَغْنَامِ) جَمْعُ غَنَمٍ، وَهِيَ الشَّاةُ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْغَنَمُ اسْمٌ يُؤَنَّثُ يُوضَعُ لِلْجِنْسِ يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ، وَالْإِنَاثِ، وَإِذَا صَغَّرْتهَا لَحِقَتْهَا الْهَاءُ فَقُلْت غُنَيْمَةٌ؛ لِأَنَّ

стр. 499

أَسْمَاءَ الْجُمُوعِ الَّتِي لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا إذَا كَانَتْ لِغَيْرِ الْآدَمِيِّينَ، فَالتَّأْنِيثُ لَهَا لَازِمٌ يُقَالُ لَهَا خَمْسٌ مِنْ الْغَنَمِ ذُكُورٌ فَتُؤَنِّثُ الْعَدَدَ، وَإِنْ عَنَيْت الْكِبَاشَ إذَا كَانَ ثَلَاثَةً مِنْ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ يَجْرِي فِي تَذْكِيرِهِ وَتَأْنِيثِهِ عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى الْمَعْنَى، وَالْإِبِلُ كَالْغَنَمِ فِيمَا ذَكَرْنَا (قَدْ كَرِهُوا) أَيْ مَشَايِخُ الْمَذْهَبِ (الْخِصَا لِتَعْذِيبِهِ) أَيْ الْمَخْصِيِّ أَيْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ تَعْذِيبُ الْحَيَوَانِ (الْمَنْهِيِّ) مِنْ حَضْرَةِ الرِّسَالَةِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ التَّعْذِيبِ (بِمُسْنَدِ) الْأَخْبَارِ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ» وَفِي رِوَايَةٍ «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» . وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَإِتْلَافٌ لِنَفْسِهِ وَتَضْيِيعٌ لِمَالِيَّتِهِ وَتَفْوِيتٌ لِذَكَاتِهِ إنْ كَانَ يُذَكَّى أَوْ لِمَنْفَعَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ يُذَكَّى بِخِلَافِ الْخِصَاءِ، فَإِنَّهُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ فَلَا يُحَرَّمُ وَلِأَنَّ ذَبْحَ الْحَيَوَانِ تَعْذِيبٌ لَهُ، وَهُوَ مُبَاحٌ لِمَصْلَحَةِ الْأَكْلِ وَنَحْوِهَا. نَعَمْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إخْصَاءِ الْخَيْلِ، وَالْبَهَائِمِ» قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ خِصَاءَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْعَبِيدِ وَغَيْرِهِمْ فِي غَيْرِ الْقِصَاصِ وَالتَّمْثِيلَ بِهِمْ حَرَامٌ. وَفِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا وَيُكْرَهُ خِصَاءُ غَيْرِ غَنَمٍ وَدُيُوكٍ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُبَاحُ خِصَاءُ الْغَنَمِ لِمَا فِيهِ مِنْ إصْلَاحِ لَحْمِهَا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ ﵁ كَرَاهَةُ الْخِصَاءِ مِنْ غَنَمٍ وَغَيْرِهَا إلَّا خَوْفَ غَضَاضَةٍ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي الرَّجُلُ أَنْ يَخْصِيَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ إيلَامِ الْحَيَوَانِ، وَالشَّدْخُ فِي الْخِصَاءِ أَهْوَنُ مِنْ الْجُبِّ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ إخْصَاءُ الْبَهَائِمِ وَلَا كَيُّهَا بِالنَّارِ لِلْوَسْمِ، وَيَجُوزُ لِلْمُدَاوَاةِ حَسْبَمَا أَجَزْنَا فِي حَقِّ النَّاسِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ ذَلِكَ وَخَزْمَهَا فِي أَنْفِهَا لِقَصْدِ الْمُثْلَةِ إثْمٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ جَازَ قَالَ: وَأَمَّا فِعْلُ ذَلِكَ فِي الْآدَمِيِّينَ فَيَحْصُلُ بِهِ الْفِسْقُ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَوْلَ ابْنِ عَقِيلٍ الْأَوَّلَ، وَقَالَ: فَعَلَى قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ وَسْمُهَا بِحَالٍ، وَهُوَ

стр. 500

ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُنَاظَرَاتِهِ: لَا يَمْلِكُ إيقَاعَ الْأَضْرَارِ بِمِثْلِهِ وَلَا جِرَاحِهِ وَلَا كيه وَلَا وَسْمِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ خِصَاءِ الْغَنَمِ وَالدُّيُوكِ وَيُحَرَّمُ فِي الْآدَمِيِّ، وَيُكْرَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُحَرَّمُ خِصَاءُ الْآدَمِيِّ وَمِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ، وَكَذَا مَا يُؤْكَلُ فِي كِبَرِهِ لَا فِي صِغَرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي قَطْعِ الْقُرُونِ، وَالْآذَانِ وَشَقِّهَا وَقَطْعُ قُرُونٍ وَالْآذَانِ وَشَقُّهَا ... بِلَا ضَرَرٍ تَغْيِيرُ خَلْقٍ مُعَوَّدِ (وَ) يُكْرَهُ (قَطْعُ قُرُونٍ) جَمْعُ قَرْنٍ، وَهُوَ الرَّوَقُ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَمَوْضِعُهُ مِنْ رَأْسِنَا الْجَانِبُ الْأَعْلَى مِنْ الرَّأْسِ. (وَ) يُكْرَهُ قَطْعُ (الْآذَانِ) جَمْعُ أُذْنٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا مُؤَنَّثَةُ الْعُضْوِ الْمَعْرُوفِ (وَ) يُكْرَهُ (شَقُّهَا) أَيْ الْآذَانِ (بِلَا ضَرَرٍ) يُحْوِجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَاعْوِجَاجِ قَرْنِ الدَّابَّةِ عَلَى عَيْنِهَا بِحَيْثُ يَخَافُ الضَّرَرَ عَلَى عَيْنِهَا مِنْهُ، وَكَوْنِ الْأُذُنِ فِي طَرَفِهَا جُرْحٌ مُدَوِّدٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَا يَدْعُو إلَى الْقَطْعِ وَالشَّقِّ فَيُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَلَمِ وَلِأَنَّهُ (تَغْيِيرُ خَلْقٍ مُعَوَّدِ) أَيْ مُعْتَادٍ أَيْ تَغْيِيرُ الْخَلْقِ الْمُعْتَادِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الصُّورَةِ، وَالْهَيْئَةِ الَّتِي خَلَقَهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهَا وَتَشْوِيهُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٍ عَنْ إبْلِيسَ ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء: ١١٩] أَيْ يَقْطَعُونَهَا وَيَشُقُّونَهَا، وَهِيَ الْبَحِيرَةُ انْتَهَى. يُقَالُ: بَحَرْت أُذُنَ النَّاقَةِ بَحْرًا إذَا شَقَقْتهَا وَخَرَقْتهَا، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَجَمَاعَةٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] بِالْخِصَاءِ، وَالْوَسْمِ وَقَطْعِ الْآذَانِ. مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ تَعْلِيقُ جَرَسٍ أَوْ قِلَادَةٍ عَلَى الدَّابَّةِ وَيُحَرَّمُ لَعْنُهَا (تَتِمَّةٌ) يُكْرَهُ تَعْلِيقُ جَرَسٍ عَلَى الدَّابَّةِ وَوَتَرٍ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ» وَعَنْهُ أَيْضًا عِنْدَهُ «الْجَرَسُ مِنْ مَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَرْسَلَ رَسُولًا لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ إلَّا قُطِعَتْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْعَيْنَ» . وَيُحَرَّمُ لَعْنُ الدَّابَّةِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: قَالَ

стр. 501

الصَّالِحُونَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ شَتَمَ دَابَّةً: قَالَ الصَّالِحُونَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ هَذِهِ عَادَتُهُ. وَرَوَى هُوَ وَمُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَلَعَنَتْ امْرَأَةٌ نَاقَةً فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا مَكَانَهَا مَلْعُونَةً، فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ» وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ «لَا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ» . مَطْلَبٌ: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْحَيَوَانِ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ وَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِالْحَيَوَانِ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ كَالْبَقَرِ لِلْحَمْلِ أَوْ الرُّكُوبِ، وَالْإِبِلِ، وَالْحُمُرِ لِلْحَرْثِ كَمَا فِي الْفُرُوعِ وَعَزَاهُ لِلْمُوَفَّقِ قَالَ: لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمِلْكِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِيمَا يُمْكِنُ، وَهَذَا مُمْكِنٌ كَاَلَّذِي خُلِقَ لَهُ وَجَرَتْ بِهِ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ أَكْلُ الْخَيْلِ وَاسْتِعْمَالُ اللُّؤْلُؤِ فِي الْأَدْوِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَهَا قَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِذَلِكَ إنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْ أَنَّهُ مُعْظَمُ النَّفْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَنْعُ غَيْرِهِ. . مَطْلَبٌ: فِي إنْزَاءِ الْخَيْلِ عَلَى الْحُمُرِ وَالْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ (تَنْبِيهٌ) : إنْزَاءُ الْخَيْلِ عَلَى الْحُمُرِ، وَالْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ كَرِهَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ أَبُو دَاوُد صَاحِبُ السُّنَنِ، وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الْإِمَامِ وَنَقَلَةِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَجْدُ فِي مُنْتَقَى الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدًا مَأْمُورًا مَا اخْتَصَّنَا بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ إلَّا بِثَلَاثٍ: أَمَرَنَا أَنْ نَسْبُغُ الْوُضُوءَ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لَا نُنَزِّيَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةٌ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنْزَيْنَا الْحُمُرَ عَلَى خَيْلِنَا فَجَاءَتْنَا بِمِثْلِ هَذِهِ فَقَالَ: إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ قَالَ فِي الْآدَابِ: وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ فِيمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَلَمْ يُخَالِفْهُ هَلْ يَكُونُ مَذْهَبًا لَهُ؟ قَالَ: وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الْأَخْبَارَ وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ نَصًّا بِخِلَافِهَا، وَقَدْ حَكَى عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: وَزَعْمُ اخْتِصَاصِ بَنِي هَاشِمٍ

стр. 502

بِالنَّهْيِ غَيْرُ نَاهِضٍ يُعَضِّدُهُ عَدَمُ الْقَائِلِ بِالْخُصُوصِيَّةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ، وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَفِي اقْتِنَائِهَا الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَلَحْمُهَا مَأْكُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، فَالْعُدُولُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمَنَافِعِ، وَالْفَضَائِلِ مَعَ عَدَمِ التَّنَاسُلِ وَالنَّمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا كَرَاهَةَ فِي إنْزَاءِ الْخَيْلِ عَلَى الْحُمُرِ وَعَكْسِهِ. وَاخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ عَنْ إنْزَاءِ الْخَيْلِ عَلَى الْحُمُرِ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ دَاخِلًا فِي النَّهْيِ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ صِيَانَةُ الْخَيْلِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ عَلَى إبَاحَةِ إيجَادِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَمِنْ الْمُتَوَاتِرِ «رُكُوبُ النَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً وَاقْتِنَاؤُهَا» ، فَدَلَّ عَلَى إبَاحَةِ السَّبَبِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ) : أَوَّلُ مَنْ أَنْتَجَ الْبِغَالَ قَارُونُ وَقِيلَ أَفْرِيدُونُ قَالَ عَلِيٌّ دَدَهْ فِي أَوَائِلِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي قَتْلِ مَا انْطَوَى عَلَى ضَرَرٍ بِلَا نَفْعٍ كَنَمِرٍ وَنَحْوِهِ وَيَحْسُنُ فِي الْإِحْرَامِ، وَالْحِلِّ قَتْلُ مَا ... يَضُرُّ بِلَا نَفْعٍ كَنَمِرٍ وَمَرْثَدِ (وَيَحْسُنُ) يَحِلُّ لِلشَّخْصِ حَتَّى (فِي) حَالِ (الْإِحْرَامِ) بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ؛ وَلِذَا قَالَ (وَالْحِلِّ) فَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ الْحِلِّ الَّذِي يُقَابِلُ الْحَرَمَ أَوْ إرَادَةُ صِفَةِ الْقَاتِلِ أَيْ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ (قَتْلُ) أَيْ إزْهَاقُ رُوحٍ (مَا) أَيْ حَيَوَانٍ (يَضُرُّ) بِنَحْوِ افْتِرَاسِهِ فَهُوَ مُشْتَمِلٌ وَمُنْطَوٍ عَلَى ضَرَرٍ (بِلَا نَفْعٍ) . وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُلَّ مَا يُؤْذِي طَبْعًا، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ شَرْعًا، نَعَمْ، يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ ذَلِكَ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُ لِلْمُحْرِمِ، وَفِي الْحَرَمِ تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ الشَّيْخُ يَعْنِي الْمُوَفَّقَ: وَيَفْدِي مَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ تَغْلِيبًا لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِ، كَمَا غَلَّبُوا تَحْرِيمَ أَكْلِهِ. انْتَهَى. وَذَلِكَ كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الضَّبُعِ وَالذِّئْبِ، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ؛ وَلِعَدَمِ اسْتِيعَابِهِ لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ أَدْخَلَ عَلَيْهِ كَافَ التَّشْبِيهِ فَقَالَ (كَنَمِرٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْمِيمِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا كَنَظَائِرِهِ كَمَا فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ. هُوَ ضَرْبٌ مِنْ

стр. 503

السِّبَاعِ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْأَسَدِ غَيْرَ أَنَّهُ شَرِسُ الْأَخْلَاقِ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَنْمَارٍ وَأَنْمُرٍ وَنُمُرٍ وَنِمَارٍ وَنُمُورٍ، وَالْأُنْثَى نَمِرَةٌ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ تَنَمَّرَ فُلَانٌ أَيْ تَفَكَّرَ وَتَغَيَّرَ؛ لِأَنَّ النَّمِرَ لَا تَلْقَاهُ أَبَدًا إلَّا مُتَفَكِّرًا غَضْبَانًا قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ: قَوْمٌ إذَا لَبِسُوا الْجُلُودَ ... تَنَمَّرُوا خُلُقًا وَقَدًّا يُرِيدُ تَشَبَّهُوا بِالنَّمِرِ لِاخْتِلَافِ أَلْوَانِ الْقَدِّ، وَالْحَدِيدِ. قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: مِزَاجُ النَّمِرِ كَمِزَاجِ السَّبْعِ، وَهُوَ صِنْفَانِ: عَظِيمُ الْجُثَّةِ قَصِيرُ الذَّنَبِ، وَعَكْسُهُ، وَكُلُّهُ ذُو قَهْرٍ وَقُوَّةٍ وَسَطَوَاتٍ صَادِقَةٍ وَوَثَبَاتٍ شَدِيدَةٍ، وَهُوَ أَعْدَى عَدُوِّ الْحَيَوَانَاتِ لَا تَرْدَعُهُ سَطْوَةُ أَحَدٍ، وَهُوَ مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا شَبِعَ نَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَنَكْهَتُهُ طَيِّبَةٌ بِخِلَافِ السَّبْعِ، وَإِذَا مَرِضَ فَأَكَلَ الْفَأْرَ زَالَ مَرَضُهُ، وَفِي طَبْعِهِ عَدَاوَةٌ لِلْأَسَدِ، وَعِنْدَهُ شَرَفُ النَّفْسِ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يَأْكُلُ جِيفَةً وَلَا يَأْكُلُ مِنْ صَيْدِ غَيْرِهِ، وَأَدْنَى وَثْبَتِهِ عِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَأَكْثَرُهَا أَرْبَعُونَ. وَفِيهِ أَلْغَزَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: (هَاكَ قُلْ لِي مَا اسْمُ شَيْءٍ، حَيَوَانٍ فِيهِ شَرُّ؟ إنْ تُصَحِّفْهُ فَحُلْوٌ، لَكِنْ الثُّلْثَانِ مُرُّ) مُرَادُهُ بِالتَّصْحِيفِ تَمْرٌ بَدَلُ نَمِرٍ. (وَ) كَ (مَرْثَدٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَسَدِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: مَرْثَدٌ كَمَسْكَنٍ: الرَّجُلُ الْكَرِيمُ، وَالْأَسَدُ قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: الْأَسَدُ لَهُ خَمْسُمِائَةِ اسْمٍ وَصِفَةٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ ابْنُ جَعْفَرٍ اللُّغَوِيُّ مِائَةً وَثَلَاثِينَ اسْمًا. فَمِنْ أَشْهَرِهَا أُسَامَةُ، وَالْحَارِثُ، وَحَيْدَرَةُ. وَالدَّوْكَسُ وَالرِّئْبَالُ، وَزُفَرُ، وَالسَّبُعُ، وَالْهِزَبْرُ، وَالضِّرْغَامُ، وَالضَّيْغَمُ، وَالْعَنْبَسُ، وَالْغَضَنْفَرُ، وَالْقَسْوَرَةُ، وَالْهِرْمَاسُ، وَاللَّيْثُ، وَالْوَرْدُ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ. قَالَ أَرِسْطُو: رَأَيْت نَوْعًا مِنْهَا يُشْبِهُ وَجْهَ الْإِنْسَانِ، وَجَسَدُهُ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ، وَذَنَبُهُ شَبِيهٌ بِذَنَبِ الْعَقْرَبِ. قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْوَرْدُ، وَفِيهِ مَا يَكُونُ عَلَى شَكْلِ الْبَقَرِ لَهُ قُرُونٌ سُودٌ نَحْوُ شِبْرٍ، وَأَمَّا السَّبْعُ الْمَعْرُوفُ فَأَصْحَابُ الْكَلَامِ فِي طَبَائِعِ الْحَيَوَانِ يَقُولُونَ: الْأُنْثَى لَا تَضَعُ إلَّا جَرْوًا وَاحِدًا، وَتَضَعُهُ لَحْمَةً لَيْسَ فِيهِ حِسٌّ وَلَا حَرَكَةٌ، فَتَحْرُسُهُ حَتَّى يَتَنَفَّسَ وَتَنْفَرِجَ

стр. 504

أَعْضَاؤُهُ وَتَتَشَكَّلَ صُورَتُهُ، ثُمَّ تَأْتِي أُمُّهُ فَتُرْضِعُهُ، وَلَا يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ إلَّا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ تَخَلُّقِهِ، فَإِذَا مَضَى عَلَيْهِ مِقْدَارُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّفَ الِاكْتِسَابَ لِنَفْسِهِ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيبِ قَالُوا: وَلِلْأَسَدِ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ وَقِلَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الْمَاءِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنْ السِّبَاعِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ فَرِيسَةِ غَيْرِهِ، وَإِذَا شَبِعَ مِنْ فَرِيسَةٍ تَرَكَهَا وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهَا، وَإِذَا جَاعَ سَاءَتْ أَخْلَاقُهُ، وَإِذَا امْتَلَأَ بِالطَّعَامِ ارْتَاضَ، وَلَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ؛ وَلِذَا قِيلَ: سَأَتْرُكُ حُبَّهَا مِنْ غَيْرِ بُغْضٍ ... وَلَكِنْ كَثْرَةُ الشُّرَكَاءِ فِيهِ إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ عَلَى طَعَامٍ ... رَفَعْتُ يَدِي وَنَفْسِي تَشْتَهِيهِ وَتَجْتَنِبُ الْأُسُودُ وُرُودَ مَاءٍ ... إذَا كَانَ الْكِلَابُ وَلَغْنَ فِيهِ وَيَرْتَجِعُ الْكَرِيمُ خَمِيصَ بَطْنٍ ... وَلَا يَرْضَى مُنَاهَمَةَ السَّفِيهِ وَسُمِّيَ حَمْزَةُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ أَسَدَ اللَّهِ لَجُرْأَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ ﵁. مَطْلَبٌ: فِيمَا يُقَالُ لِلْحِفْظِ مِنْ الْأَسَدِ وَشَرِّهِ (فَائِدَةٌ) : رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ حَدِيثِ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَنَّهُ قَالَ: إذَا كُنْت بِوَادٍ تَخَافُ فِيهِ السَّبْعَ فَقُلْ: أَعُوذُ بِدَانْيَالَ وَبِالْجُبِّ مِنْ شَرِّ الْأَسَدِ، أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ أَنَّ دَانْيَالَ طُرِحَ فِي الْجُبِّ وَأُلْقِيَتْ عَلَيْهِ السِّبَاعُ فَجَعَلَتْ السِّبَاعُ تَلْحَسُهُ وَتُبَصْبِصُ إلَيْهِ، فَأَتَاهُ رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ فَقَالَ: يَا دَانْيَالُ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ فَقَالَ: رَسُولُ رَبِّك إلَيْك أَرْسَلَنِي إلَيْك بِطَعَامٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَنْسَى مَنْ ذَكَرَهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّ بُخْتَ نَصَّرَ ضَرَّى أَسَدَيْنِ وَأَلْقَاهُمَا فِي جُبٍّ وَجَاءَ بِدَانْيَالَ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِمَا فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اشْتَهَى الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى أَرْمِيَاءَ، وَهُوَ بِالشَّامِ أَنْ يَذْهَبَ إلَى دَانْيَالَ بِطَعَامٍ، وَهُوَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِ الْجُبِّ فَقَالَ دَانْيَالُ دَانْيَالُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَرْمِيَاءُ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِك؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي إلَيْك رَبُّك فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَنْسَى مَنْ ذَكَرَهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَخِيبُ مَنْ

стр. 505

رَجَاهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنْ وَثِقَ بِهِ لَمْ يَكِلْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَجْزِي بِالْإِحْسَانِ إحْسَانًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَجْزِي بِالصَّبْرِ نَجَاةً وَغُفْرَانًا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَكْشِفُ حُزْنَنَا بَعْدَ كَرْبِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ ثِقَتُنَا حِينَ يَسُوءُ ظَنُّنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ رَجَاؤُنَا حِينَ تَنْقَطِعُ الْحِيَلُ عَنَّا، ثُمَّ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّ الْمَلِكَ الَّذِي كَانَ دَانْيَالُ فِي سُلْطَانِهِ جَاءَهُ مُنَجِّمُوهُ وَأَصْحَابُ الْعِلْمِ فَقَالُوا: إنَّهُ يُولَدُ لَيْلَةَ كَذَا، وَكَذَا غُلَامٌ يُفْسِدُ مُلْكَك، فَأَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ وُلِدَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا وُلِدَ دَانْيَالُ أَلْقَتْهُ أُمُّهُ فِي أَجَمَةِ أَسَدٍ، فَبَاتَ الْأَسَدُ وَلَبْوَتُه يَلْحَسَانِهِ، فَنَجَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ، وَكَانَ مَا قَدَّرَهُ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت فِي يَدِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى خَاتَمًا نَقْشُ فَصِّهِ أَسَدَانِ بَيْنَهُمَا رَجُلٌ، وَهُمَا يَلْحَسَانِ ذَلِكَ الرَّجُلَ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: هَذَا خَاتَمُ دَانْيَالَ نَقَشَ صُورَتَهُ وَصُورَةَ الْأَسَدَيْنِ يَلْحَسَانِهِ فِي فَصِّ خَاتَمِهِ؛ لِئَلَّا يَنْسَى نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى. قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: فَلَمَّا اُبْتُلِيَ دَانْيَالُ ﵇ أَوَّلًا وَآخِرًا بِالسِّبَاعِ جَعَلَ اللَّهُ الِاسْتِعَاذَةَ بِهِ فِي ذَلِكَ تَمْنَعُ شَرَّهَا الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ وَمِثْلُ الْأَسَدِ فِي حَالِ قَتْلِهِ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ. مَطْلَبٌ: يُقْتَلُ الْكَلْبُ الْعَقُورُ وَإِنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ يَتَمَيَّزُ عَلَى الْكِلَابِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ قَالَ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ سَيِّدُنَا عَبْدُ الْقَادِرِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي الْغُنْيَةِ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ يُحَرَّمُ اقْتِنَاؤُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَجِبُ قَتْلُهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ عَنْ النَّاسِ، وَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ يَتَمَيَّزُ عَنْ بَقِيَّةِ الْكِلَابِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: قَطْعُ الصَّلَاةِ بِمُرُورِهِ، وَتَحْرِيمُ صَيْدِهِ وَاقْتِنَائِهِ، وَجَوَازُ قَتْلِهِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: الْبَهِيمُ الَّذِي لَا يُخَالِطُ سَوَادَهُ شَيْءٌ مِنْ الْبَيَاضِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ فَلَيْسَ بِبَهِيمِ وَلَا تُعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، هَذَا قَوْلُ ثَعْلَبٍ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى بَهِيمٌ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» . الطُّفْيَةُ خُوصُ الْمُقِلِّ شَبَّهَ الْخَطَّيْنِ الْأَبْيَضَيْنِ مِنْهُ بِالْخُوصَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ مِنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلَيْسَ بِبَهِيمٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ وَلَمْ يَرِدْ

стр. 506

فِيهِ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، وَهَلْ يُقْتَلُ الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ وُجُوبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُوَفَّقُ أَوْ اسْتِحْبَابًا، أَوْ إبَاحَةً، أَقْوَالٌ آخِرُهَا أَصَحُّهَا. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَيَّةِ، وَالْفَأْرِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَنَحْوِهَا: يُسْتَحَبُّ قَتْلُهَا وَقَتْلُ كُلُّ مَا كَانَ طَبْعُهُ الْأَذَى، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَذًى كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ، وَالْفَهْدِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا انْتَهَى. وَقَدَّمَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى يُبَاحُ قَتْلُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، وَالْوَزَغِ، كَذَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ: وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ حَقِيقَةَ الْإِبَاحَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِحْبَابِ أَوْلَى، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ أَذًى فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ» ، وَالْإِحْرَامِ، وَعَبَّرَ بِالِاسْتِحْبَابِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْأَحَادِيثِ. وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ إبَاحَةَ قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَصَرَّحَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَا مُعَلَّمَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا قَتْلُ مَا لَا يُبَاحُ إمْسَاكُهُ مِنْ الْكِلَابِ بِأَنْ كَانَ أَسْوَدَ بَهِيمًا، أَوْ عَقُورًا أُبِيحَ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَا مُعَلَّمَيْنِ قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ كُلُّ مَا آذَى النَّاسَ وَضَرَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ الْمُوَفَّقُ بِوُجُوبِ قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْأَمْرُ بِالْقَتْلِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ إمْسَاكِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَالِاصْطِيَادِ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ حِلِّ صَيْدِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي قَتْلِ غِرْبَانِ غَيْرِ الزَّرْعِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَغِرْبَانُ غَيْرِ الزَّرْعِ أَيْضًا وَشِبْهُهَا ... كَذَا حَشَرَاتُ الْأَرْضِ دُونَ تَقَيُّدِ (وَ) يَحْسُنُ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ لِلْحَلَالِ، وَالْمُحْرِمِ قَتْلُ (غِرْبَانٍ) جَمْعُ غُرَابٍ (غَيْرِ) غُرَابِ (الزَّرْعِ) فَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي الْحَرَمِ وَلَا لِلْمُحْرِمِ لِإِبَاحَةِ أَكْلِهِ (أَيْضًا) مَصْدَرُ آضَ إذَا رَجَعَ أَيْ كَمَا يَحْسُنُ قَتْلُ النَّمِرِ، وَالْأَسَدُ يَحْسُنُ قَتْلُ غِرْبَانِ غَيْرِ الزَّرْعِ، وَالْمُرَادُ بِاَلَّذِي يَحْسُنُ قَتْلُهُ غُرَابُ الْبَيْنِ، وَالْأَبْقَعُ بِخِلَافِ غُرَابِ الزَّرْعِ، وَهُوَ ذُو الْمِنْقَارِ الْأَحْمَرِ، وَكَذَا الزَّاغُ فَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي الْحَرَمِ

стр. 507

لِلْمُحْرِمِ لِإِبَاحَةِ أَكْلِهِ وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِي قَتْلِهِ وَسُمِّيَ الْغُرَابُ غُرَابًا لِسَوَادِهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] وَهُمَا لَفْظَتَانِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ. وَفِي حَدِيثِ رُشْدِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الشَّيْخَ الْغِرْبِيبَ» فَسَّرَهُ رُشْدٌ بِاَلَّذِي يَخْضِبُ. وَيُجْمَعُ الْغُرَابُ عَلَى غِرْبَانٍ كَمَا فِي النَّظْمِ وَأَغْرِبَةٍ وَغَرَابِينَ وَغُرُبٍ، وَقَدْ جَمَعَهَا ابْنُ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: بِالْغُرْبِ اجْمَعْ غُرَابًا وَأَغْرِبَةً ... وَأَغْرُبٍ وَغَرَابِينَ وَغِرْبَانًا وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى قَاتِلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحَيَّةُ» . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَيَّةُ فَاسِقَةٌ، وَالْفَأْرَةُ فَاسِقَةٌ، وَالْغُرَابُ فَاسِقٌ» ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: أَيُؤْكَلُ الْغُرَابُ قَالَ: وَمَنْ يَأْكُلُهُ بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّهُ فَاسِقٌ» قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّمَا سُمِّيَ الْغُرَابُ فَاسِقًا فِيمَا أَرَى لِتَخَلُّفِهِ حِينَ أَرْسَلَهُ نُوحٌ ﵇ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْأَرْضِ فَتَرَكَ أَمْرَهُ وَوَقَعَ عَلَى جِيفَةٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجَالَسَةِ: سُمِّيَ غُرَابُ الْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَانَ عَنْ نُوحٍ ﵇ لَمَّا وَجَّهَهُ لِيَنْظُرَ الْمَاءَ فَذَهَبَ وَلَمْ يَرْجِعْ؛ فَلِذَلِكَ الْعَرَبُ تَشَاءَمُوا بِهِ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إذَا نَعَبَ الْغُرَابُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إلَّا طَيْرُك وَلَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُك وَلَا إلَهَ غَيْرُك، وَإِنَّمَا تَشَاءَمَتْ الْجَاهِلِيَّةُ بِالْغُرَابِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَانَ أَهْلُ مَنْزِلَةٍ عَنْهَا وَقَعَ مَوْضِعَهُمْ يَلْتَمِسُ وَيَتَقَمْقَمُ فَتَشَاءَمُوا بِهِ لِذَلِكَ وَتَطَيَّرُوا مِنْهُ إذْ كَانَ لَا يَعْتَرِي مَنَازِلَهُمْ إلَّا إذَا بَانُوا عَنْهَا؛ فَلِذَا سَمَّوْهُ غُرَابَ الْبَيْنِ، قَالَ فِيهِ شَاعِرُهُمْ: وَصَاحَ غُرَابٌ فَوْقَ أَعْوَادِ بَانَةٍ ... بِأَخْبَارِ أَحْبَابِي فَقَسَّمَنِي الْفِكْرُ فَقُلْت غُرَابٌ بِاغْتِرَابٍ وَبَانَةٌ ... بِبَيْنِ النَّوَى تِلْكَ الْعِيَافَةُ وَالزَّجْرُ وَهَبَّ جَنُوبٌ بِاجْتِنَابِي مِنْهُمْ ... وَهَاجَتْ صَبًّا قُلْت الصَّبَابَةُ وَالْهَجْرُ (تَنْبِيهٌ) : الْغُرَابُ أَصْنَافٌ: مِنْهَا غُرَابُ الزَّرْعِ وَالزَّاغُ، وَهُمَا حَلَالٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ قَرِيبًا، وَمِنْهَا الْغُدَافُ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ غُرَابُ الْقَيْظِ، وَهُوَ الْغُرَابُ الضَّخْمِ لَوْنُهُ كَلَوْنِ الرَّمَادِ وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْقَاقُ. قَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي لُغَةِ إقْنَاعِهِ

стр. 508

، وَالْعَقْعَقُ كَجَعْفَرٍ طَائِرٌ نَحْوُ الْحَمَامَةِ طَوِيلُ الذَّنَبِ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْغِرْبَانِ وَيُسَمَّى الْقَاقُ، وَالْعَرَبُ تَتَشَاءَمُ بِهِ انْتَهَى. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْعَقْعَقُ كَثَعْلَبٍ وَيُسَمَّى كُنْدُشًا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَصَوْتُهُ الْعَقْعَقَةُ، وَهُوَ طَائِرٌ عَلَى قَدْرِ الْحَمَامَةِ عَلَى شَكْلِ الْغُرَابِ، وَجَنَاحَاهُ أَكْبَرُ مِنْ جَنَاحَيْ الْحَمَامَةِ، وَهُوَ ذُو لَوْنَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ طَوِيلُ الذَّنَبِ، وَيُقَالُ لَهُ الْقُعْقُعُ أَيْضًا، وَهُوَ لَا يَأْوِي تَحْتَ سَقْفٍ وَلَا يَسْتَظِلُّ بِهِ وَيُوصَفُ بِالسَّرِقَةِ، وَالْخُبْثِ، وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ بِهِ الْمَثَل فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. قَالَ شَاعِرُهُمْ: إذَا بَارَكَ اللَّهُ فِي طَائِرٍ ... فَلَا بَارَكَ اللَّهُ فِي الْعَقْعَقِ قَصِيرُ الْجَنَاحِ طَوِيلُ الذِّنَابِ ... مَتَى مَا يَجِدْ غَفْلَةً يَسْرِقْ يُقَلِّبُ عَيْنَيْنِ فِي رَأْسِهِ ... كَأَنَّهُمَا قَطْرَتَا زِئْبَقِ وَمِنْهَا الْأَكْحَلُ، وَالْأَوْرَقُ، وَالْغُرَابُ الْأَعْصَمُ عَزِيزُ الْوُجُودِ قَالَتْ الْعَرَبُ: أَعَزُّ مِنْ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، وَقَالَ ﷺ : «مَثَلُ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ النِّسَاءِ كَمَثَلِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ فِي مِائَةِ غُرَابٍ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْغُرَابُ الْأَعْصَمُ قَالَ: الَّذِي إحْدَى رِجْلَيْهِ بَيْضَاءُ» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ فِي آخِرِ مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا بِغِرْبَانٍ كَثِيرَةٍ فِيهَا غُرَابٌ أَعْصَمُ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ فَقَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مِثْلُ هَذَا الْغُرَابِ فِي هَذِهِ الْغِرْبَانِ» وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: الْأَعْصَمُ الْأَبْيَضُ الْبَطْنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَعْصَمُ الْأَبْيَضُ الْجَنَاحَيْنِ وَقِيلَ: أَبْيَضُ الرِّجْلَيْنِ أَرَادَ قِلَّةَ الصَّالِحَةِ فِي النِّسَاءِ وَقِلَّةَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْهُنَّ. وَفِيهِ بَحْثٌ ذَكَرْته مَعَ جَوَابِهِ فِي كِتَابِي الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ فِي عُلُومِ الْآخِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) يَحْسُنُ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ لِلْحَلَالِ، وَالْمُحْرِمِ قَتْلُ (شِبْهِهَا) أَيْ شِبْهِ الْغِرْبَانِ كَالْحِدَأَةِ وَاللَّقْلَقِ، وَهُوَ طَائِرٌ نَحْوُ الْإِوَزَّةِ طَوِيلُ الْعُنُقِ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ وَمِثْلُ ذَلِكَ النَّيْصُ، وَالْقُنْفُذُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْهُ فَقَرَأَ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: «ذُكِرَ الْقُنْفُذُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: خَبِيثٌ مِنْ

стр. 509

الْخَبَائِثِ» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كَانَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (كَذَا) أَيْ كَمَا يَحْسُنُ قَتْلُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ يَحْسُنُ قَتْلُ (حَشَرَاتٍ) وَاحِدَتُهَا حَشَرَةٌ قَدَّمَ فِي الْمُطْلِعِ أَنَّهَا صِغَارُ دَوَابِّ (الْأَرْضِ) كَالضَّبِّ، وَالْيَرْبُوعِ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا وَقِيلَ هَوَامُّ الْأَرْضِ مِمَّا لَا اسْمَ لَهُ؛ وَلِذَا قَالَ (دُونَ تَقَيُّدِ) بِاسْمِ نَوْعٍ خَاصٍّ، وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: الْحَشَرَاتُ صِغَارُ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَصِغَارُ هَوَامِّهَا الْوَاحِدَةُ حَشَرَةٌ بِالتَّحْرِيكِ، وَمُرَادُ النَّاظِمِ هُنَا بِهَا هَوَامُّ الْأَرْضِ، وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْهَا غَيْرَ مُسْتَوْفٍ لِجَمِيعِهَا؛ فَلِذَا أَدْخَلَ عَلَيْهَا كَافَ التَّشْبِيهِ فَقَالَ: كَبَقٍّ وَبُرْغُوثٍ وَفَارٍ وَعَقْرَبٍ ... وَدَبْرٍ وَحَيَّاتٍ وَشِبْهِ الْمُعَدَّدِ (كَبَقٍّ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْبَقَّةُ الْبَعُوضَةُ، وَالْجَمْعُ الْبَقُّ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْبَقَّةُ الْبَعُوضَةُ وَدُوَيْبَّةٌ مُفَرْطَحَةٌ حَمْرَاءُ مُنْتِنَةٌ يُقَالُ: إنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ النَّفَسِ الْحَارِّ وَلِشِدَّةِ رَغْبَتِهِ فِي الْإِنْسَانِ لَا يَتَمَالَكُ إذَا شَمَّ رَائِحَتَهُ إلَّا رَمَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمِصْرَ كَثِيرٌ وَمَا شَاكَلَهَا مِنْ الْبِلَادِ. فَائِدَةٌ لِإِذْهَابِ الْبَقِّ (فَائِدَةٌ) : قَالَ الْقَزْوِينِيُّ: إذَا بُخِّرَ الْبَيْتُ بِالْقَلْقَنْدُ وَالشُّونِيزِ لَمْ يَدْخُلْهُ بَقٌّ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِذَا بُخِّرَ بِنُشَارَةِ الصَّنَوْبَرِ طَرَدَهُ عَنْهُ، وَقَالَ حُنَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ إذَا بُخِّرَ الْبَيْتُ بِحَبِّ الْمِحْلَبِ هَرَبَ مِنْهُ الْبَقُّ أَجْمَعُ، وَكَذَلِكَ إذَا بُخِّرَ بِالْعَلَقِ، أَوْ الْعَاجِ وَبِجِلْدِ الْجَامُوسِ وَبِأَغْصَانِ شَجَرِ السَّرْوِ. وَفِي تَارِيخِ ابْنِ النَّجَّارِ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَصْبَغَ بْنِ نَبَاتَةَ الْحَنْظَلِيِّ قَالَ: سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: " ابْنَ آدَمَ وَمَا ابْنُ آدَمَ؟ تُؤْلِمُهُ بَقَّةٌ، وَتُنْتِنُهُ عِرْقَةٌ. وَتَقْتُلُهُ شَرْقَةٌ ". قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَأَصْبَغُ بْنُ نَبَاتَةَ هَذَا يَرْوِي أَشْيَاءَ لَا يُتَابِعُهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَاسْتَحَقَّ مِنْ أَجْلِهَا التَّرْكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) كَ (بُرْغُوثٍ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَاحِدُ الْبَرَاغِيثِ، وَضَمُّ بَائِهِ أَكْثَرُ مِنْ كَسْرِهَا يَتَوَلَّدُ أَوَّلًا مِنْ التُّرَابِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمَاكِنِ الْمُظْلِمَةِ، ثُمَّ يَسْفِدُ وَيُطِيلُ السِّفَادَ وَيَبِيضُ وَيُفْرِخُ، وَسُلْطَانُهُ فِي أَوَاخِرِ الشِّتَاءِ وَأَوَّلِ فَصْلِ الرَّبِيعِ وَيُقَالُ: إنَّهُ عَلَى صُورَةِ الْفِيلِ وَلَهُ أَنْيَابٌ يَعَضُّ بِهَا وَخُرْطُومُهُ يَمُصُّ بِهِ، وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي جُزْءٍ لَهُ لَطِيفٍ سَمَّاهُ

стр. 510

الطُّرْثُوثَ فِي خَبَرِ الْبُرْغُوثِ: الْبُرْغُوثُ بِضَمِّ الْبَاءِ أَكْثَرُ مِنْ كَسْرِهَا وَفَتْحِهَا وَثَاؤُهُ مُثَلَّثَةٌ، وَالْوَاحِدَةُ بُرْغُوثَةٌ وَجَمْعُهُ بَرَاغِيثُ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْقُذَّةُ، وَالْقُذَذُ، وَالْجَمْعُ قِذَّانٌ بِالْكَسْرِ، وَالْقِدَّانُ بِالْكَسْرِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ الرَّاجِزُ: يَا أَبَتَا أَرَّقَنِي الْقِدَّانُ ... فَالنَّوْمُ لَا تَطْعَمُهُ الْعَيْنَانِ وَيُقَالُ لَهُ طَامِرُ بْنُ طَامِرٍ وَيُكْنَى أَبَا طَامِرٍ وَأَبَا عَدِيٍّ وَأَبَا الْوَثَّابِ، وَهُوَ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ الْوَثْبُ الشَّدِيدُ وَيَثِبُ إلَى وَرَائِهِ. وَذَكَرَ الْجَاحِظُ عَنْ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ أَنَّهُ مِنْ الْخَلْقِ الَّذِي يَعْرِضُ لَهُ الطَّيَرَانُ كَمَا يَعْرِضُ لِلنَّمْلِ. مَطْلَبٌ: فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الْبُرْغُوثِ وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبِّ الْبُرْغُوثِ» رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَسُبُّ بُرْغُوثًا فَقَالَ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ أَيْقَظَ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «ذُكِرَتْ الْبَرَاغِيثُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّهَا لَتُوقِظُ لِلصَّلَاةِ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «نَزَلْنَا مَنْزِلًا فَآذَتْنَا الْبَرَاغِيثُ فَسَبَبْنَاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَسُبُّوهَا فَنِعْمَتْ الدَّابَّةُ، فَإِنَّهَا أَيْقَظَتْكُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ» . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَجُلٌ بُرْغُوثًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَلْعَنْهُ، فَإِنَّهُ أَيْقَظَ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِلصَّلَاةِ» وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسُبَّ الْبُرْغُوثَ إنَّ اسْمَهُ ... بِرٌّ وَغَوْثٌ لَك لَوْ تَدْرِي فَبِرُّهُ مَصُّ دَمٍ فَاسِدِ ... وَغَوْثُهُ الْإِيقَاظُ فِي الْفَجْرِ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَأَلَّمُ مِنْ الْبَرَاغِيثِ، وَالْبَعُوضِ، وَالْبَقِّ وَأَحْسَنَ) بَعُوضٌ وَبُرْغُوثٌ وَبَقٌّ لَزِمْنَنِي ... حَسِبْنَ دَمِي خَمْرًا فَلَذَّ لَهَا الْخَمْرُ فَيَرْقُصُ بُرْغُوثٌ لِزَمْرِ بَعُوضَةٍ ... وَبَقُّهُمْ سَكْتٌ لِيُسْتَمَعَ الزَّمْرُ (وَقَالَ آخَرُ) رَقَصَتْ بَرَاغِيثُ الشِّتَا فَأَجَابَهَا ... النَّامُوسُ مِنْهُ بِالْغِنَاءِ الْمُعَلَّمِ وَتَوَاجَدَ الْبَقُّ الْكَثِيفُ لِطَبْعِهِ ... طَرَبًا عَلَى شُرْبِ الْمُدَامَةِ مِنْ دَمِي

стр. 511

وَقَالَ بَعْضُهُمْ) وَلَيْلٍ بِتُّهُ رَهْنَ اكْتِئَابٍ ... أُقَاسِي فِيهِ أَنْوَاعَ الْعَذَابِ إذَا شَرِبَ الْبَعُوضُ دَمِي وَغَنَّى ... فَلِلْبُرْغُوثِ رَقْصٌ فِي ثِيَابِي (وَقَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ، وَقَدْ سَكَنَ مِصْرًا يَصِفُ بَرَاغِيثَهَا) تَطَاوَلَ بِالْفُسْطَاطِ لَيْلِي وَلَمْ أَكَدْ ... بِأَرْضِ الْغَضَى لَيْلِي عَلَيَّ يَطُولُ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... وَلَيْسَ لِبُرْغُوثٍ عَلَيَّ سَبِيلُ وَالْبَرَاغِيثُ عِنْدَنَا كَالْقُمَّلِ وَدَمُهُمَا وَجِلْدُهُمَا وَكُلُّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ مِنْ بَقٍّ وَبَعُوضٍ وَعَقْرَبٍ وَنَحْوِهَا طَاهِرٌ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ. نَعَمْ يَحْرُمُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهَا لِاسْتِقْذَارِهَا. وَيُسْتَحَبُّ قَتْلُهَا لِلْحَلَالِ، وَالْمُحْرِمِ إلَّا الْقُمَّلَ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ قَتْلُهُ، وَكَذَا صِئْبَانُهُ مِنْ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، وَلَوْ بِنَحْوِ زِئْبَقٍ، وَكَذَا رَمْيُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَفُّهٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَرَاغِيثِ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ الْبَدَنِ بِخِلَافِ الْبَرَاغِيثِ، فَإِنَّهَا تَتَوَلَّدُ مِنْ التُّرَابِ كَمَا مَرَّ وَلَا شَيْءَ فِي قَتْلِ الْقُمَّلِ وَصِئْبَانِهِ وَرَمْيِهِمَا. قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: وَالْقُمَّلُ يَتَوَلَّدُ مِنْ الْعَرَقِ، وَالْوَسَخِ. قَالَ الْجَاحِظُ: وَرُبَّمَا كَانَ الْإِنْسَانُ قُمَّلَ الطِّبَاعِ، وَإِنْ تَنَظَّفَ وَتَعَطَّرَ وَبَدَّلَ الثِّيَابَ كَمَا عَرَضَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵄ حِينَ «اسْتَأْذَنَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ فَأَذِنَ لَهُمَا فِيهِ» ، وَلَوْلَا الضَّرُورَةُ لَمَا أَذِنَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِي لُبْسِ ذَلِكَ مِنْ التَّشْدِيدِ. فَائِدَةٌ لِطَرْدِ الْبَرَاغِيثِ (فَائِدَتَانِ) : (الْأُولَى) رَوَى الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا آذَاك الْبُرْغُوثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ وَاقْرَأْ عَلَيْهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١٢] الْآيَةَ. فَإِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَآذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّهُ حَوْلَ فِرَاشِك، فَإِنَّك تَبِيت آمِنًا مِنْ شَرِّهَا» . وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي التَّوَكُّلِ أَنَّ عَامِلَ أَفْرِيقِيَّةَ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَشْكُو إلَيْهِ الْهَوَامَّ، وَالْعَقَارِبَ فَكَتَبَ إلَيْهِ وَمَا عَلَى أَحَدِكُمْ إذَا أَمْسَى وَأَصْبَحَ أَنْ يَقُولَ ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١٢] الْآيَةَ قَالَ زُرْعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ رُوَاتِهِ وَيَنْفَعُ مِنْ " الْبَرَاغِيثِ، وَقَالَ حُنَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحِيلَةُ فِي طَرْدِ

стр. 512

الْبَرَاغِيثِ أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْكِبْرِيتِ وَالرَّاوَنْدِ فَتُدَخِّنَ بِهِ فِي الْبَيْتِ، فَإِنَّهُنَّ يَهْرُبْنَ وَيَمُتْنَ، أَوْ تَحْفِرَ فِي الْبَيْتِ حُفْرَةً وَتُلْقِيَ فِيهَا وَرَقَ الدِّفْلَى، فَإِنَّهُنَّ يَأْوِينَ إلَى تِلْكَ الْحُفْرَةِ كُلُّهُنَّ فَيَقَعْنَ فِيهَا، وَقَالَ الرَّازِيّ يَرُشُّ الْبَيْتَ بِطَبِيخِ الشُّونِيزِ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُ بَرَاغِيثَه، وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا نَقَعَ السَّذَابَ فِي مَاءٍ وَرَشَّ فِي الْبَيْتِ مَاتَتْ بَرَاغِيثُهُ. قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ وَإِذَا دَخَلَ الْبُرْغُوثُ فِي أُذُنِ الْإِنْسَانِ الْيُمْنَى فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ الْيَمِينِ خُصْيَةَ نَفْسِهِ الْيُسْرَى وَإِذَا دَخَلَ فِي الْأُذُنِ الْيُسْرَى فَلْيُمْسِكْ الْخُصْيَةَ الْيُمْنَى بِالْيَدِ الْيُسْرَى، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ سَرِيعًا، وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي الطُّرْثُوثِ قَالَ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ فِي أَعْيَانِ الْعَصْرِ ذَكَرَ أَصْحَابُ الْخَوَاصِّ أَنَّ الْبُرْغُوثَ إذَا دَخَلَ فِي أُذُنِ أَحَدٍ وَضَعَ الْإِنْسَانُ أُصْبُعَهُ فِي سُرَّتِهِ، وَقَالَ سَبَقْتُك، فَإِنَّ الْبُرْغُوثَ يَخْرُجُ مِنْهَا. (الثَّانِيَةُ) : ذَكَرَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا كَانَ جَالِسًا عَلَى الْخَلَاءِ فَوَجَدَ قَمْلَةً لَا يَقْتُلُهَا، بَلْ يَدْفِنُهَا فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ قَمْلَةً، وَهُوَ عَلَى رَأْسِ خَلَائِهِ بَاتَ مَعَهُ فِي شِعَارِهِ شَيْطَانٌ يُنْسِيهِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» . وَأَقُولُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَوَائِحُ الْوَضْعِ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ ظَاهِرَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ بِالْآثَارِ السَّائِرَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. مَطْلَبٌ: إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ الْقَمْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَصُرَّهَا فِي ثَوْبِهِ حَتَّى يَخْرُجَ نَعَمْ قَالَ الرَّسُولُ: ﷺ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ الْقَمْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَصُرَّهَا فِي ثَوْبِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ فِي الْمُسْنَدِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَفِي الْمُسْنَدِ أَيْضًا عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ: «وَجَدَ رَجُلٌ فِي ثَوْبِهِ قَمْلَةً فَأَخَذَهَا لِيَطْرَحَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَفْعَلْ رُدَّهَا فِي ثَوْبِك حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ» إسْنَادُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّهُ مُرْسَلٌ حَسَنٌ، ثُمَّ رَوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ رَأَى قَمْلَةً فِي ثَوْبِ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَأَخَذَهَا فَدَفَنَهَا فِي الْحَصَى، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَيُذْكَرُ نَحْوُ هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ يَدْفِنُهَا كَالنُّخَامَةِ. قَالَ: وَرَوَيْنَا عَنْ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ يَقْتُلُ الْبَرَاغِيثَ، وَالْقُمَّلَ فِي الصَّلَاةِ. وَفِي لَفْظٍ رَأَيْت مُعَاذًا يَقْتُلُ الْقُمَّلَ، وَالْبَرَاغِيثَ فِي الْمَسْجِدِ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ الْحَسَنِ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَكِنْ لَا يَعْبَثُ.

стр. 513

مَطْلَبٌ: فِيمَا يُورِثُ النِّسْيَانَ وَقَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ وَإِذَا أَلْقَيْت الْقَمْلَةَ حَيَّةً أُورِثْت النِّسْيَانَ كَذَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَيْلِيِّ أَنَّهُ رَوَى بِإِسْنَادِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: سِتٌّ مِنْهَا النِّسْيَانُ: سُؤْرُ الْفَأْرِ، وَإِلْقَاءُ الْقَمْلَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَالْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَقَطْعُ الْقِطَارِ، وَمَضْغُ الْعِلْكِ وَأَكْلُ التُّفَّاحِ الْحَامِضِ. وَيُحِلُّ ذَلِكَ اللِّبَانُ الذَّكَرُ» . وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْجَاحِظُ بِقَوْلِهِ إنَّ أَكْلَ الْحَامِضِ وَسُؤْرِ الْفَأْرِ وَنَبْذَ الْقَمْلِ يُورِثُ النِّسْيَانَ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَّ الَّذِي يُلْقِي الْقَمْلَةَ لَا يُكْفَى الْهَمَّ» وَعِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ لُبْسَ النِّعَالِ السُّودِ يُورِثُ النِّسْيَانَ، وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ. (وَ) (كَفَأْرٍ) بِالْهَمْزِ جَمْعُ فَأْرَةٍ قَالَهُ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ. وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي لُغَةِ إقْنَاعِهِ تُهْمَزُ وَلَا تُهْمَزُ، وَيَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالْجَمْعُ فَأْرٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ. قَالَ وَفَأْرَةُ الْمِسْكِ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ فَارِسٍ فِي بَابِ الْمَهْمُوزِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: فَارَةُ الْمِسْكِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ مِنْ فَارَ يَفُورُ. قَالَ الْحَجَّاوِيُّ: الْأَوَّلُ أَثْبَتُ. وَفِي الْقَامُوسِ الْفَأْرُ مَعْرُوفٌ جَمْعُهُ فِئْرَانٌ وَفِئَرَةٌ كَعِنَبَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَنَافِجَةُ الْمِسْكِ وَبِلَا هَاءٍ الْمِسْكُ، أَوْ الصَّوَابُ إيرَادُ فَأْرَةِ الْمِسْكِ فِي " فَ وَرَ " يَعْنِي فِي مَادَّةِ " فَوَرَ " مِنْ الْفَوْرِ لَا فِي فَأَرَ فِي الْمَهْمُوزِ لِفَوَرَانِ رَائِحَتِهَا أَوْ يَجُوزُ هَمْزُهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى هَيْئَةِ الْفَأْرَةِ. وَقِيلَ لَأَعْرَابِيٍّ: أَتَهْمِزُ الْفَأْرَةَ؟ فَقَالَ: الْهِرَّةُ تَهْمِزُهَا، فَجَوَّزَ الْهَمْزَ وَعَدَمَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ الْفَأْرَةِ فُوَيْسِقَةً وَالْمُرَادُ بِالْفَأْرَةِ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ فَأْرَةُ الْبَيْتِ، وَكَذَا الْجُرَذُ وَمِنْهُ الْخُلْدُ. وَفَأْرَةُ الْبَيْتِ هِيَ الْفُوَيْسِقَةُ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهَا فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ. وَأَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ، وَالْجَوْرُ وَبِهِ سُمِّيَ الْعَاصِي فَاسِقًا، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ فَوَاسِقَ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ لِخُبْثِهِنَّ وَقِيلَ لِخُرُوجِهِنَّ عَنْ الْحُرْمَةِ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ أَيْ لَا حُرْمَةَ لَهُنَّ بِحَالٍ. وَقِيلَ سُمِّيَتْ الْفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً؛ لِأَنَّهَا عَمَدَتْ إلَى سَفِينَةِ نُوحٍ ﵇ فَقَطَعَتْهَا. فَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ

стр. 514

الْخُدْرِيَّ ﵁ لِمَ سُمِّيَتْ الْفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً؟ قَالَ: «اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ أَخَذَتْ فَأْرَةٌ فَتِيلَةً لِتُحَرِّقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ فَقَامَ إلَيْهَا وَقَتَلَهَا وَأَحَلَّ قَتْلَهَا لِلْحَلَالِ، وَالْمُحْرِمِ» . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا قَدْرَ مَوْضِعِ دِرْهَمٍ» ، وَالْخُمْرَةُ هِيَ السَّجَّادَةُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّي سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الْوَجْهَ أَيْ تُغَطِّيه وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ فَذَهَبَتْ الْجَارِيَةُ تَزْجُرُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : دَعِيهَا فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ فَقَالَ ﷺ إذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَتُحْرِقُكُمْ» ، ثُمَّ قَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِطْفَاءِ النَّارِ عِنْدَ النَّوْمِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ» . قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ أَفْسَدُ مِنْ الْفَأْرِ لَا يُبْقِي عَلَى خَطِيرٍ وَلَا جَلِيلٍ إلَّا أَهْلَكَهُ وَأَتْلَفَهُ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهَا فُوَيْسِقَةً كَمَا سَمَّاهَا نُوحٌ ﵇، أَوْ يَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ حَكَى قَوْلَهُمْ بِحُرُوفِهِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تُعْرَفُ مِنْ حِينَئِذٍ بِالْفُوَيْسِقَةِ وَخَاطَبَ الصَّحَابَةَ ﵃ بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِتَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ. فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَمِّرُوا الْآنِيَةَ، وَأَوْكِئُوا الْأَسْقِيَةَ وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ وَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ سَيَّارَةً خَطْفَةً وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا أَخَذَتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ» . قِيلَ سُمِّيَتْ فُوَيْسِقَةً لِخُرُوجِهَا عَلَى النَّاسِ وَاغْتِيَالِهَا إيَّاهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ بِالْفَسَادِ. وَأَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. وَمِنْ هَذَا سُمِّيَ الْخَارِجُ عَنْ الطَّاعَةِ فَاسِقًا يُقَالُ فَسَقَتْ الرُّطَبَةُ عَنْ قِشْرِهَا إذَا خَرَجَتْ عَنْهُ.

стр. 515

مَطْلَبٌ: فِي قَتْلِ الْعَقْرَبِ وَبَيَانِ أَنْوَاعِهِ الْعَجِيبَةِ . وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ، وَالْحَدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَ) كَ (عَقْرَبٍ) ، فَإِنَّهُ يَحْسُنُ قَتْلُهَا فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ لِلْحَلَالِ، وَالْمُحْرِمِ، وَالْعَقْرَبُ وَاحِدُ الْعَقَارِبِ، وَهِيَ تُؤَنَّثُ، وَالْأُنْثَى عَقْرَبَةٌ وَعَقْرَبَاءُ مَمْدُودَةٌ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ، وَالذَّكَرُ عُقْرُبَانٌ، وَهِيَ دَابَّةٌ لَهَا أَرْجُلٌ طِوَالٌ لَيْسَ ذَنَبُهُ كَذَنَبِ الْعَقَارِبِ، وَكُنْيَتُهَا أُمُّ عُرَيْطَ، وَاسْمُهَا بِالْفَارِسِيَّةِ رَشَك، وَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَرْجُلٍ، وَعَيْنَاهَا فِي ظَهْرِهَا، وَلَا تَضْرِبُ الْمَيِّتَ وَلَا النَّائِمَ حَتَّى يَتَحَرَّكَ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ فَتَضْرِبَهُ، وَمِنْ شَأْنِهَا أَنَّهَا إذَا لَسَعَتْ الْإِنْسَانَ فَرَّتْ فِرَارَ مُسِيءٍ يَخْشَى الْعِقَابَ، وَرُبَّمَا ضَرَبَتْ الْعَقْرَبَةُ الْحَجَرَ، وَالْمَدَرَ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ: رَأَيْتُ عَلَى صَخْرَةٍ عَقْرَبًا ... وَقَدْ جَعَلَتْ ضَرْبَهَا دَيْدَنًا فَقُلْت لَهَا إنَّهَا صَخْرَةٌ ... وَطَبْعُكِ مِنْ طَبْعِهَا أَلْيَنَا فَقَالَتْ صَدَقْتَ وَلَكِنَّنِي ... أُرِيدُ أُعَرِّفُهَا مَنْ أَنَا وَالْعَقَارِبُ الْقَاتِلَةُ فِي مَوْضِعَيْنِ بِشَهْرَ زُورَ وَبِعَسْكَرِ مُكْرَمٍ. فَرُبَّمَا تَنَاثَرَ لَحْمُ مَنْ تَلْسَعُهُ، أَوْ بَعْضُ لَحْمِهِ وَاسْتَرْخَى حَتَّى أَنَّهُ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ يُمْسِكُ أَنْفَهُ مَخَافَةَ أَعْدَائِهِ. وَبِنَصِيبِينَ عَقَارِبُ قَتَّالَةٌ يُقَالُ: إنَّ أَصْلَهَا مِنْ شَهْرِ زُورِ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ فِي ثِمَارِ مُنْتَهَى الْعُقُولِ فِي مُنْتَهَى النُّقُولِ أَنَّ مُنْتَهَى الْحَشَرَاتِ عَقْرَبٌ اسْمُهَا كُرُورٌ وَتُسَمَّى الْجَرَّارَةَ إذَا لَدَغَتْ ثُعْبَانًا قَدْرَ النَّخْلَةِ الْبَاسِقَةِ يَذُوبُ جِسْمُهُ مِنْ لَدْغَتِهَا. تَمُوتُ الْأَفَاعِي مِنْ سَمُومِ الْعَقَارِبِ. قَالَ: وَقَدْرُ جِسْمِ هَذِهِ الْعَقْرَبِ ثَلَاثُ أُرْزَاتٍ مَوْزُونَاتٍ فِي مِيزَانِ الذَّهَبِ وَلَدَغَتْ هَذِهِ الْعَقْرَبُ طَسْتَ نُحَاسٍ فَغُسِلَ بِالطِّينِ مَرَّاتٍ فَسَقَطَتْ يَدُ الَّذِي غَسَلَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُغْسَلُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُوضَعَ فِي النَّارِ عَلَى كِيرِ الْحَدَّادِ أَوْ النَّحَّاسِ حَتَّى يَذْهَبَ أَثَرُهُ بِزَوَالِ جِسْمٍ مِنْ النُّحَاسِ، قَالَ: وَهَذِهِ الْعَقَارِبُ بِالْكَثْرَةِ فِي عَسْكَرِ مَكْرَمٍ. وَلَدَغَتْ إنْسَانًا بِهِ الْفَالِجُ فَعُوفِيَ وَخَلَصَ مِنْهُ. وَرُبَّمَا صَحَّتْ الْأَجْسَامُ بِالْعِلَلِ. وَتَقَدَّمَتْ رُقْيَةُ الْعَقْرَبِ وَبَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا هُنَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 516

مَطْلَبٌ: فِي سَبَبِ قَوْلِهِمْ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ حَمِيُّ الدَّبْرِ . (وَ) كَ (دَبْرٍ) ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ كَنَظَائِرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالدَّبْرِ هُنَا الزُّنْبُورُ قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الدَّبْرُ بِفَتْحِ الدَّالِ جَمَاعَةُ النَّحْلِ وَأَمَّا بِكَسْرِ الدَّالِ فَصِغَارُ الْجَرَادِ وَيُجْمَعُ عَلَى دُبُورٍ قَالَ وَيُقَالُ أَيْضًا لِلزَّنَابِيرِ دَبْرٌ. وَفِي الْقَامُوسِ الدَّبْرُ بِالْفَتْحِ جَمَاعَةُ النَّحْلِ وَالزَّنَابِيرُ وَبِالْكَسْرِ فِيهِمَا وَجَمْعُهُ أَدْبُرٌ وَدُبُورٌ انْتَهَى وَمِنْهُ قِيلَ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ حَمِيُّ الدَّبْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا قَتَلُوهُ أَرَادُوا أَنْ يُمَثِّلُوا بِهِ فَحَمَاهُ اللَّهُ بِالدَّبْرِ فَارْتَدَعُوا عَنْهُ حَتَّى أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَدَفَنُوهُ، وَكَانَ قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَمَسَّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ فَحَمَاهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَفِي السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا قَتَلُوا عَاصِمًا أَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ سُهَيْلٍ - أَسْلَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ - وَكَانَتْ نَذَرَتْ حِينَ قَتَلَ ابْنَيْهَا مُسَافِعًا، وَالْجَلَّاسَ ابْنَيْ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيِّ وَكَانَ عَاصِمٌ قَتَلَهُمَا يَوْمَ أُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ فِي قِحْفِهِ وَجَعَلَتْ لِمَنْ جَاءَ بِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتُوا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ، وَكَانَ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لَعَلَّهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَإِنَّ عَاصِمًا قَتَلَهُ صَبْرًا بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ انْصَرَفُوا مِنْ بَدْرٍ وَكَأَنَّ قُرَيْشًا لَمْ تَشْعُرْ بِمَا جَرَى لِهُذَيْلٍ مِنْ مَنْعِ الدَّبْرِ لَهَا مِنْ أَخْذِ رَأْسِ عَاصِمٍ فَأَرْسَلَتْ مَنْ يَأْخُذُهُ، أَوْ عَرَفُوا بِذَلِكَ وَرَجَوْا أَنْ تَكُونَ الدَّبْرُ تَرَكَتْهُ فَيُمْكِنُهُمْ أَخْذُهُ انْتَهَى. فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرِ يَطِيرُ فِي وُجُوهِهِمْ وَيَلْدَغُهُمْ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ انْتَهَى. فَلَمَّا حَالَتْ الدَّبْرُ بَيْنَ هُذَيْلٍ وَبَيْنَ رَأْسِ عَاصِمٍ قَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِيَ فَيَذْهَبَ عَنْهُ فَنَأْخُذَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ ﵎ الْوَادِيَ فَاحْتَمَلَهُ فَذَهَبَ بِهِ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ تَعَالَى عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، فَبَرَّ اللَّهُ قَسَمَهُ، فَلَمْ يَرَوْهُ وَلَا وَصَلُوا مِنْهُ إلَى شَيْءٍ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ خَبَرُهُ: يَحْفَظُ اللَّهُ ﵎ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا يَحْفَظُهُ فِي حَيَاتِهِ. قَالَ فِي السِّيرَةِ الشَّامِيَّةِ: الدَّبْرُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ

стр. 517

وَبِالرَّاءِ، وَهُوَ هُنَا الزَّنَابِيرُ، أَوْ النَّحْلُ انْتَهَى. وَفِي الْمَطَالِعِ قَوْلُهُ كَالظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرِ وَبِفَتْحِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ جَمَاعَةُ النَّحْلِ وَقِيلَ جَمَاعَةُ الزَّنَابِيرِ، وَالظُّلَّةُ السَّحَابُ انْتَهَى. مَطْلَبٌ: فِي حِلِّ قَتْلِ الْحَيَّةِ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ . (وَ) كَ (حَيَّاتٍ) جَمْعُ حَيَّةٍ فَتُقْتَلُ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْقَامُوسِ: يُقَالُ: لَا تَمُوتُ إلَّا بِعَرْضِ. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْحَيَّةُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالْهَاءُ لِلْوَحْدَةِ كَبَطَّةٍ وَدَجَاجَةٍ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ رَأَيْت حَيًّا عَلَى حَيَّةٍ أَيْ ذَكَرًا عَلَى أُنْثَى، وَذَكَرَ ابْنُ خَالَوَيْهِ لَهَا مِائَةَ اسْمٍ. وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَهْبَطَ الْحَيَّةَ إلَى الْأَرْضِ أَنْزَلَهَا بِسِجِسْتَانَ فَهِيَ أَكْثَرُ الْأَرْضِ حَيَّاتٌ، وَلَوْلَا الْعِرْبَدُّ يُفْنِي كَثِيرًا مِنْهَا لَخَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا لِكَثْرَةِ الْحَيَّاتِ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَهْبَطَ اللَّهُ الْحَيَّةَ بِأَصْبَهَانَ وَإِبْلِيسَ بِجُدَّةِ وَحَوَّاءَ بِعَرَفَةَ وَأَهْبَطَ آدَمَ بِجَبَلِ سَرَنْدِيبَ، وَهُوَ بِأَعْلَى الصِّينِ فِي بَحْرِ الْهِنْدِ عَالٍ يَرَاهُ الْبَحْرِيُّونَ مِنْ مَسَافَةِ أَيَّامٍ وَفِيهِ أَثَرُ قَدَمِ آدَمَ ﵇ مَغْمُوسَةٌ فِي الْحَجَرِ وَيُرَى عَلَى هَذَا الْجَبَلِ كُلَّ لَيْلَةٍ كَهَيْئَةِ الْبَرْقِ مِنْ غَيْرِ سَحَابٍ وَلَا بُدَّ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْمَطَرِ يَغْسِلُ مَحَلَّ قَدَمِ آدَمَ ﵇. مَطْلَبٌ: الرَّيْحَانُ الْفَارِسِيُّ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ كِسْرَى . وَفِي عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ أَنَّ الرَّيْحَانَ الْفَارِسِيَّ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ كِسْرَى أَنُو شُرْوَانَ، وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي زَمَانِهِ وَسَبَبُهُ أَنَّهُ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا لِلْمَظَالِمِ إذْ أَقْبَلَتْ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ تَنْسَابُ تَحْتَ سَرِيرِهِ فَهَمُّوا بِقَتْلِهَا فَقَالَ كِسْرَى: كُفُّوا عَنْهَا فَإِنِّي أَظُنُّهَا مَظْلُومَةً فَمَرَّتْ تَنْسَابُ حَتَّى اسْتَدَارَتْ عَلَى فُوَّهَةِ بِئْرٍ فَنَزَلَتْ فِيهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ تَتَطَلَّعُ فَإِذَا فِي قَعْرِ الْبِئْرِ حَيَّةٌ مَقْتُولَةٌ، وَعَلَى مَتْنِهَا عَقْرَبٌ أَسْوَدُ فَأَدْلَى بَعْضُ الْأَسَاوِرَةِ رُمْحَهُ إلَى الْعَقْرَبِ وَنَخَسَهَا بِهِ وَأَتَى الْمَلِكَ يُخْبِرُ بِحَالِ الْحَيَّةِ فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ أَتَتْ الْحَيَّةُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ فِيهِ كِسْرَى جَالِسًا لِلْمَظَالِمِ وَجَعَلَتْ تَنْسَابُ حَتَّى وَقَفَتْ وَنَفَضَتْ مِنْ فِيهَا بَذْرًا أَسْوَدَ فَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ يُزْرَعَ فَنَبَتَ مِنْهُ الرَّيْحَانُ وَكَانَ الْمَلِكُ كَثِيرَ الزُّكَامِ وَأَوْجَاعِ الدِّمَاغِ فَاسْتَعْمَلَ مِنْهُ فَنَفَعَهُ جِدًّا. ، وَالْعِرْبَدُّ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ تَأْكُلُ الْحَيَّاتِ وَرَوَى الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي

стр. 518

الْيُسْرِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَدْمِ وَالتَّرَدِّي وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْهَرَمِ، وَالْغَرَقِ وَأَعُوذُ بِك أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِك مُدْبِرًا وَأَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا» . قَالَ الْجَاحِظُ: وَتَأْوِيلُ هَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَتَّفِقُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ بِأَكْلِ هَذَا الْعَدُوِّ إلَّا وَهُوَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، بَلْ مِنْ أَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً، فَكَانَ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ لِذَلِكَ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَدْ أَمَرَ ﷺ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ، وَأَمْرُهُ فِي ذَلِكَ لِلنَّدَبِ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى، وَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً إذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ: اُقْتُلُوهَا فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا» . وَعَدَاوَةُ الْحَيَّةِ لِلْإِنْسَانِ مَعْلُومَةٌ وَمَعْرُوفَةٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] قَالَ الْجُمْهُورُ: الْخِطَابُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ، وَالْحَيَّةِ. وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ: مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ عَادَيْنَاهُنَّ» . وَقِصَّةُ ابْنِ حِمْيَرٍ مَشْهُورَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ تَرَكَهُنَّ فَلَيْسَ مِنَّا، وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَنْ تَرَكَ حَيَّةً خَشْيَةً مِنْ ثَأْرِهَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلًا مُشْرِكًا، وَمَنْ تَرَكَ حَيَّةً مَخَافَةَ عَاقِبَتِهَا فَلَيْسَ مِنَّا» (وَ) يَحْسُنُ قَتْلُ (شِبْهِ) أَيْ مِثْلِ (الْمُعَدِّدِ) مِنْ أَنْوَاعِ الْحَشَرَاتِ فَكُلُّ مَا شَابَهُ ذَلِكَ يُقْتَلُ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ مِنْ الْحَلَالِ، وَالْمُحْرِمِ كَالْوَزَغَةِ بِالتَّحْرِيكِ، وَهِيَ سَامٌّ أَبْرَصُ. قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَزَغَ مِنْ الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَاتِ، وَجَمْعُ الْوَزَغَةِ وَزَغٌ وَأَوْزَاغٌ وَوَزَغَاتٌ. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂ «أَنَّهَا اسْتَأْمَرَتْ النَّبِيَّ ﷺ فِي قَتْلِ الْوَزَغَاتِ فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ»

стр. 519

مَطْلَبٌ: فِي قَوْلِهِ ﷺ مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً مِنْ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا، وَكَذَا حَسَنَةً. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا، وَقَالَ كَانَ يَنْفُخُ النَّارَ عَلَى إبْرَاهِيمَ» ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً مِنْ أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا، وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً دُونَ الْأُولَى» . وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ دُونَ ذَلِكَ وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «اُقْتُلُوا الْوَزَغَ، وَلَوْ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ» لَكِنْ فِي إسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَكِّيُّ ضَعِيفٌ. وَفِي سُنَنِ ابْن مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِهَا رُمْحٌ مَوْضُوعٌ فَقِيلَ لَهَا: مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا فَقَالَتْ: نَقْتُلُ بِهِ الْوَزَغَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرْنَا أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ دَابَّةٌ إلَّا أَطْفَأَتْ عَنْهُ النَّارَ غَيْرَ الْوَزَغِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخُ عَلَيْهِ فَأَمَرَ ﷺ بِقَتْلِهَا» ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ. وَفِي تَارِيخِ ابْنِ النَّجَّارِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً مَحَا اللَّهُ عَنْهُ سَبْعَ خَطِيئَاتٍ» . وَفِي الْكَامِلِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ شَيْطَانًا» . وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَزَغَ فُوَيْسِقًا كَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ أَصْلَ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِدَالِ، وَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ خَرَجَتْ عَنْ خَلْقِ مُعْظَمِ الْحَشَرَاتِ بِزِيَادَةِ الضَّرَرِ، وَالْأَذَى وَتَقْيِيدِ الْحَسَنَاتِ بِأَنَّ فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى مِائَةَ حَسَنَةٍ وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعِينَ مُخَرَّجٌ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ ﷺ «سَبْعٌ وَعِشْرُونَ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ» مِنْ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا يُعْمَلُ بِهِ، فَذِكْرُ السَّبْعِينَ لَا يَمْنَعُ الْمِائَةَ أَوْ لَعَلَّهُ أَخْبَرَ بِالسَّبْعِينَ، ثُمَّ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِالزِّيَادَةِ فَأَخْبَرَ بِهَا، أَوْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَاتِلِ مِنْ حَيْثُ إخْلَاصُ النِّيَّةِ وَكَثْرَةُ الْحَسَنَاتِ فِي الْمُبَادَرَةِ أَنْ تَكُونَ الضَّرَبَاتُ فِي الْقَتْلِ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ صَاحِبِ الشَّرْعِ، إذْ لَوْ قَوِيَ عَزْمُهُ وَاشْتَدَّتْ حَمِيَّتُهُ لَقَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَعَدَمُ قَتْلِهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى دَلَّ عَلَى ضَعْفِ عَزْمِهِ فَلِذَلِكَ

стр. 520

نَقَصَ أَجْرُهُ عَنْ الْمِائَةِ إلَى السَّبْعِينَ. وَعَلَّلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَثْرَةَ الْحَسَنَاتِ فِي الْأُولَى بِأَنَّهُ إحْسَانٌ فِي الْقَتْلِ فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: ﵊ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» ، أَوْ لِأَنَّهُ مُبَادَرَةٌ إلَى الْخَيْرِ فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] قَالَ: وَعَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ فَالْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ أَوْلَى بِذَلِكَ لِعَظْمِ مَفْسَدَتِهِمَا. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَلَهُ سَبْعُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَتَلَ وَزَغًا فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ تَرَكَ حَيَّةً مَخَافَةَ عَاقِبَتِهَا فَلَيْسَ مِنَّا» . (فَائِدَةٌ) : ذَكَرَ أَصْحَابُ الْآثَارِ أَنَّ الْوَزَغَ أَصَمُّ. قَالُوا وَالسَّبَبُ فِي صَمَمِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَفْخِهِ النَّارَ فَصُمَّ بِذَلِكَ وَبَرِصَ، وَمِنْ طَبْعِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ رَائِحَةُ الزَّعْفَرَانِ وَيَأْلَفُ الْحَيَّاتِ كَمَا تَأْلَفُ الْعَقَارِبُ الْخَنَافِسَ. وَلَمَّا ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ أَنْوَاعِ الْحَشَرَاتِ الَّتِي تُقْتَلُ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ لِلْحَلَالِ، وَالْمُحْرِمِ، وَأَنَّ فِي قَتْلِهَا مَزِيدَ الثَّوَابِ، خَشِيَ أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ عُمُومَ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ كَالنَّمْلِ، فَنَصَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ بِقَوْلِهِ: مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ قَتْلِ النَّمْلِ إذَا لَمْ يُؤْذِ: وَيُكْرَهُ قَتْلُ النَّمْلِ إلَّا مَعَ الْأَذَى ... بِهِ وَاكْرَهَنْ بِالنَّارِ إحْرَاقَ مُفْسِدِ (وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (قَتْلُ النَّمْلِ) وَاحِدَتُهُ نَمْلَةٌ، وَقَدْ تُضَمُّ الْمِيمُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (إلَّا مَعَ الْأَذَى) الصَّادِرِ (بِهِ) أَيْ بِالنَّمْلِ فَلَا يُكْرَهُ حِينَئِذٍ قَتْلُهُ. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُكْرَهُ قَتْلُ النَّمْلِ إلَّا مِنْ أَذِيَّةٍ شَدِيدَةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُنَّ يَعْنِي حَيْثُ حَصَلَ الْأَذَى. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَحْرَقَ قَرْيَةَ النَّمْلِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَمِنْ أَجْلِ أَنْ لَدَغَتْك نَمْلَةٌ أَحْرَقْت أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، فَهَذَا نَهْيٌ وَأَقَلُّ أَحْوَالِ النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ أَنَّ قَتْلَ النَّمْلِ وَالنَّحْلِ وَالضُّفْدَعِ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي آخِرِ الْفُصُولِ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ النَّمْلِ وَلَا تَخْرِيبُ أَجْحُرِهِنَّ بِمَا يَضُرُّهُنَّ انْتَهَى.

стр. 521

مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ إحْرَاقِ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ . وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ مَعَ عَدَمِ الْأَذَى، وَأَمَّا إذَا حَصَلَ مِنْ النَّمْلِ أَذًى فَيُبَاحُ قَتْلُهُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: إذَا آذَاك النَّمْلُ فَاقْتُلْهُ وَرَأَى أَبُو الْعَالِيَةِ نَمْلًا عَلَى بِسَاطٍ فَقَتَلَهُنَّ. وَعَنْ طَاوُوسٍ إنَّا لَنُغْرِقُ النَّمْلَ بِالْمَاءِ يَعْنِي إذَا آذَتْنَا (وَاكْرَهَنْ) فِعْلُ أَمْرٍ مُؤَكَّدٌ بِنُونِ التَّوْكِيدِ الْخَفِيفَةِ أَيْ اكْرَهْ أَيُّهَا الْمُتَشَرِّعُ (بِالنَّارِ إحْرَاقَ مُفْسِدٍ) فَالْجَارُ، وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِإِحْرَاقٍ أَيْ اكْرَهْ إحْرَاقَ مُفْسِدٍ بِالنَّارِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ. فَيُكْرَهُ حَرْقُ كُلِّ ذِي رُوحٍ مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ كَالنَّمْلِ، وَالْقَمْلِ، وَالْبَرَاغِيثِ، وَالْبَقِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبَ بِهَا إلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَقْنَاهَا فَقَالَ: مَنْ حَرَقَ هَذِهِ قُلْنَا: نَحْنُ قَالَ: إنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: هَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُ بُيُوتِ النَّمْلِ؟ فَقَالَ: يُدْفَعُ ضَرَرُهُ بِغَيْرِ الْحَرِيقِ انْتَهَى. وَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ التَّحْرِيمُ، وَقَطَعَ بِهِ النَّوَوِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّة؛ وَلِذَا قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ ثُمَّ أُجِيزَ مَعَ ... أَذًى لَمْ يَزُلْ إلَّا بِهِ لَمْ أُبَعِّدْ (وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ) أَيْ تَحْرِيمِ إحْرَاقِ الْمُفْسِدِ بِالنَّارِ (ثُمَّ أُجِيزَ) أَيْ، ثُمَّ قِيلَ بِالْجَوَازِ (مَعَ) حُصُولِ (أَذًى) مِنْهُ وَ (لَمْ يَزُلْ) الْأَذَى الْحَاصِلُ مِنْ النَّمْلِ (إلَّا بِهِ) أَيْ بِالتَّحْرِيقِ (لَمْ أُبَعِّدْ) أَنَا ذَلِكَ، بَلْ أَرَاهُ قَرِيبًا لِلصَّوَابِ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ، وَالْكِتَابِ هَذَا عَلَى رَأْيِهِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ - وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ النَّاظِمِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ تَزُولَ الْحُرْمَةُ إذَا لَمْ يَزُلْ الضَّرَرُ الْحَاصِلُ مِنْهُ دُونَ مَشَقَّةٍ غَالِبَةٍ إلَّا بِالنَّارِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَمَيْلُ صَاحِبِ النَّظْمِ إلَى تَحْرِيمِ إحْرَاقِ كُلِّ ذِي رُوحٍ بِالنَّارِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إحْرَاقُ مَا يُؤْذِي بِلَا كَرَاهَةٍ إذَا لَمْ يَزُلْ ضَرَرُهُ دُونَ مَشَقَّةٍ غَالِبَةٍ إلَّا بِالنَّارِ، وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ النَّبِيِّ الَّذِي أَحْرَقَ قَرْيَةَ النَّمْلِ، فَهَذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ وَكَأَنَّهُ اجْتِهَادٌ مِنْهُ، وَقَالَ: إنَّهُ سَأَلَ عَمَّا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ الشَّيْخَ شَمْسَ الدِّينِ صَاحِبَ الشَّرْحِ فَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ انْتَهَى. قَالَ الْحَجَّاوِيُّ:

стр. 522

وَيَتَخَرَّجُ مِنْ هَذَا جَوَازُ إحْرَاقِ الزَّنَابِيرِ إذَا حَلَّ بِهَا ضَرَرٌ شَدِيدٌ وَلَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِهِ النَّاظِمُ ﵀ اخْتِيَارُ الْحُرْمَةِ، ثُمَّ زَوَالُهَا لِلْحَاجَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ إحْرَاقَ نَحْوِ النَّمْلِ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ وَحَيْثُ عَلِمْت أَنَّهُ مَكْرُوهٌ عَلِمْت زَوَالَ الْكَرَاهَةِ لِلْحَاجَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي اسْمِ نَمْلَةِ سُلَيْمَانَ وَبَيَانِ فِطْنَتِهَا وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُهَا مِنْ الْبَلَاغَةِ. (فَوَائِدُ: الْأُولَى) اسْمُ النَّمْلَةِ الَّتِي قَالَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] صطاخية قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ اسْمُهَا خَرْمَى، فَإِنَّ قِيلَ: كَيْف يُتَصَوَّرُ الْحَطْمُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَجُنُودِهِ وَهُمْ عَلَى الْبِسَاطِ، وَالرِّيحُ تَحْمِلُهُمْ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا قَبْلَ تَسْخِيرِ الرِّيحِ لَهُ ﵇، أَوْ بَعْدَهُ وَيَكُونُ بَعْضُ جُنْدِهِ رَاكِبًا تُطْوَى لَهُمْ الْأَرْضُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ نَزَلُوا عَنْ الْبِسَاطِ لِقَصْدِ الْفُرْجَةِ وَالتَّبَيُّنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِيَةُ) : قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ: وَيَكْفِي مِنْ فِطْنَتِهَا يَعْنِي النَّمْلَةَ مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْلِهَا لِجَمَاعَةِ النَّمْلِ، وَقَدْ رَأَتْ سُلَيْمَانَ ﵇ وَجُنُودَهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] فَتَكَلَّمَتْ بِعَشَرَةِ أَنْوَاعٍ مِنْ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ النَّصِيحَةِ: النِّدَاءُ، وَالتَّنْبِيهُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالتَّحْذِيرُ، وَالتَّخْصِيصُ، وَالتَّعْمِيمُ، وَالِاعْتِذَارُ. فَاشْتَمَلَتْ نَصِيحَتُهَا مَعَ الِاخْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْعَشَرَةِ، وَلِذَلِكَ أَعْجَبَ سُلَيْمَانَ قَوْلُهَا وَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْهُ وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُوزِعَهُ شُكْرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَهَا. قَالَ: وَلَا تُسْتَبْعَدُ هَذِهِ الْفِطْنَةُ مِنْ أُمَّةٍ مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّهَا، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ الَّذِي نَزَلَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِيمَا يُقَالُ لِإِخْرَاجِ النَّمْلِ . (الثَّالِثَةُ) : ذَكَرَ الْخَلَّالُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْإِمَامِ عَنْ وَالِدِهِ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَوَّازِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَبِيبَةُ مَوْلَاةُ الْأَحْنَفِ أَنَّهَا رَأَتْ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ وَرَآهَا تَقْتُلُ نَمْلَةً فَقَالَ: لَا تَقْتُلِيهَا

стр. 523

ثُمَّ دَعَا بِكُرْسِيٍّ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْكُنَّ إلَّا خَرَجْتُنَّ مِنْ دَارِي فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلْنَ فِي دَارِي قَالَ: فَخَرَجْنَ فَمَا رُئِيَ مِنْهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاحِدَةٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: رَأَيْت أَبِي ﵁ فَعَلَ ذَلِكَ حَرَّجَ عَلَى النَّمْلِ وَأَكْبَرُ عِلْمِي أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيٍّ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ رَأَيْت النَّمْلَ قَدْ خَرَجْنَ بَعْدَ ذَلِكَ نَمْلٌ كِبَارٌ سُودٌ فَلَمْ أَرَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي جَوَازِ تَشْمِيسِ دُودِ الْقَزِّ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَعْجَبِ الْمَخْلُوقَاتِ وَبَيَانِ تَرْبِيَتِهِ وَاسْتِخْرَاجِ الْحَرِيرِ مِنْهُ: وَقَدْ جَوَّزَ الْأَصْحَابُ تَشْمِيسَ قَزِّهِمْ ... وَتَدْخِينَ زُنْبُورٍ وَشَيًّا بِمَوْقِدِ (وَقَدْ جَوَّزَ الْأَصْحَابُ) مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْمُعْتَدِّ بِأَقْوَالِهِمْ، وَالْمُعَوَّلِ عَلَى نَقْلِهِمْ وَاسْتِدْلَالِهِمْ (تَشْمِيسَ قَزِّهِمْ) أَيْ الْإِبْرَيْسَمِ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ عَنْ تَشْمِيسِ الْقَزِّ يَمُوتُ الدُّودُ فِيهِ قَالَ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ؟ قُلْت يَجِفُّ الْقَزُّ، وَإِنْ تَرَكَهُ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ كَثِيرٌ قَالَ: إذَا لَمْ يَجِدُوا مِنْهُ بُدًّا وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنْ يُعَذِّبُوا بِالشَّمْسِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ النَّاظِمُ جَوَازَ ذَلِكَ لِلْأَصْحَابِ مَعَ أَنَّهُ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ ﵁ لِضِيقِ النَّظْمِ وَلِأَنَّ مَا أُسْنِدَ إلَيْهِمْ يَكُونُ مُسْنَدًا إلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَسْتَمِدُّونَ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ صَرِيحًا أَوْ تَلْوِيحًا، أَوْ قِيَاسًا عَلَى كَلَامِهِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ دُودَةَ الْقَزِّ يُقَالُ لَهَا الدُّودَةُ الْهِنْدِيَّةُ، وَهِيَ مِنْ أَعْجَبِ الْمَخْلُوقَاتِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ أَوَّلًا بَزْرًا فِي قَدْرِ حَبِّ التِّينِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ فَصْلِ الرَّبِيعِ وَيَكُونُ عِنْدَ الْخُرُوجِ أَصْغَرَ مِنْ الذُّرَةِ فِي لَوْنِهِ وَيَخْرُجُ فِي الْأَمَاكِنِ الدَّفِئَةِ مِنْ غَيْرِ حَضْنٍ إذَا كَانَ مَصْرُورًا فِي حُقٍّ، وَرُبَّمَا تَأَخَّرَ خُرُوجُهُ فَتَجْعَلُهُ النِّسَاءُ تَحْتَ ثَدْيِهِنَّ وَإِبِطِهِنَّ وَغِذَاؤُهُ وَرَقُ التُّوتِ الْأَبْيَضِ وَلَا يَزَالُ يَكْبُرُ وَيَعْظُمُ إلَى أَنْ يَصِيرَ فِي قَدْرِ الْإِصْبَعِ وَيَنْتَقِلُ مِنْ السَّوَادِ إلَى الْبَيَاضِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ سِتِّينَ يَوْمًا فِي الْأَكْثَرِ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي النَّسْجِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُخْرِجُهُ مِنْ فِيهِ إلَى أَنْ يَنْفَدَ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْهُ وَيَكْمُلَ عَلَيْهِ مَا يَبْنِيه فَيَكُونُ كَهَيْئَةِ الْجَوْزَةِ فَيَبْقَى فِيهِ مَحْبُوسًا قَرِيبًا مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَنْقُبُ عَلَى نَفْسِهِ تِلْكَ الْجَوْزَةَ وَيَخْرُجُ

стр. 524

مِنْهَا فَرَاشًا أَبْيَضَ لَهُ جَنَاحَانِ لَا يَسْكُنَانِ مِنْ الِاضْطِرَابِ وَعِنْدَ خُرُوجِهِ يَهِيجُ إلَى السِّفَادِ فَيُلْصِقُ الذَّكَرُ ذَنَبَهُ بِذَنَبِ الْأُنْثَى وَيَلْتَحِمَانِ مُدَّةً، ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ وَتُبْرِزُ الْأُنْثَى الْبَزْرَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى خِرَقٍ بِيضٍ تُفْرَشُ لَهُ قَصْدًا إلَى أَنْ يَنْفَدَ مَا فِيهَا مِنْهُ، ثُمَّ يَمُوتَانِ. هَذَا إذَا أُرِيدَ مِنْهُمَا الْبِزْرُ، وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ الْحَرِيرُ تُرِكَ فِي الشَّمْسِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ النَّسْجِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَيَمُوتُ. وَفِيهِ مِنْ أَسْرَارِ الطَّبِيعَةِ أَنَّهُ يَهْلِكُ مِنْ صَوْتِ الرَّعْدِ وَضَرْبِ الطَّسْتِ، وَالْهَاوُنِ وَمِنْ شَمِّ الْخَلِّ وَالدُّخَانِ وَمَسِّ الْحَائِضِ، وَالْجُنُبِ وَيُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْفَأْرِ، وَالْعُصْفُورِ وَالنَّمْلِ، وَالْوَزَغِ وَكَثْرَةِ الْحَرِّ، وَالْبَرْدِ. قَالَ فِي قُوتِ الْقُلُوبِ: مَثَّلَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ ابْنَ آدَمَ بِدُودَةِ الْقَزِّ لَا يَزَالُ يَنْسِجُ عَلَى نَفْسِهِ بِجَهْلِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ مَخْلَصٌ فَيَقْتُلَ نَفْسَهُ وَيَصِيرَ الْقَزُّ لِغَيْرِهِ وَرُبَّمَا قَتَلُوهُ إذَا فَرَغَ مِنْ نَسْجِهِ؛ لِأَنَّ الْقَزَّ يَلْتَفُّ عَلَيْهِ فَيَرُومُ الْخُرُوجَ فَيُشَمَّسُ وَرُبَّمَا غُمِزَ بِالْأَيْدِي حَتَّى يَمُوتَ لِئَلَّا يُقَطِّعَ الْقَزَّ وَلِيَخْرُجَ الْقَزُّ صَحِيحًا فَهَذِهِ صُورَةُ الْمُكْتَسِبِ الْجَاهِلِ الَّذِي أَهْلَكَهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ فَتَنْعَمَ وَرَثَتُهُ بِمَا شَقِيَ هُوَ بِهِ، فَإِنْ أَطَاعُوا بِهِ كَانَ أَجْرُهُ لَهُمْ وَحِسَابُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَصَوْا بِهِ كَانَ شَرِيكَهُمْ فِي الْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي ارْتِكَابِهِمْ لَهَا بِهِ فَلَا يُدْرَى أَيُّ الْحَسْرَتَيْنِ عَلَيْهِ أَعْظَمُ: إذْهَابُهُ عُمْرَهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ نَظَرُهُ لِمَا لَهُ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ. مَطْلَبٌ: إذَا تَرَكَ الْمَوْرُوثُ مَالًا وَعَصَى بِهِ الْوَرَثَةُ هَلْ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُمْ فِي الْمَعْصِيَةِ أَمْ لَا؟ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا خَلَفَ مَالًا فَعَصَى بِهِ الْوَرَثَةُ يَكُونُ الْمُوَرِّثُ شَرِيكًا لَهُمْ فِي الْمَعْصِيَةِ، فَأَجَبْت عَنْهَا بِأَنَّهُ إنْ كَانَ اكْتَسَبَ الْمَالَ مِنْ وَجْهِ حِلٍّ وَأَدَّى الْحُقُوقَ الْمَطْلُوبَةَ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لَمْ يَكُنْ وَجْهٌ لِمُشَارَكَةِ الْوَرَثَةِ فِي مَعْصِيَتِهِمْ بِالْمَالِ بِلَا مُحَالٍ. وَأَمَّا إذَا جَمَعَهُ مِنْ حِلٍّ وَحَرَمٍ وَمَنَعَ مِنْهُ الْحُقُوقَ الْمَطْلُوبَةَ شَرْعًا، فَهَذَا يُعَذَّبُ بِنَفْسِ الْجَمْعِ، وَالْمَنْعِ، لَا بِمَعْصِيَةِ غَيْرِهِ. وَمِنْ ثَمَّ يُقَالُ: أَشَدُّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ جَمَعَ مَالَهُ مِنْ حِلٍّ وَحَرَمٍ وَمَنَعَ مِنْهُ حُقُوقَ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَجَاءَ وَارِثُهُ فَوَجَدَ مَالًا حَاصِلًا مُجْتَمِعًا فَصَرَفَهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، ثُمَّ مَاتَ فَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ فَذَاكَ جَمَعَهُ وَصَرَفَ فِي جَمْعِهِ عُمُرَهُ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِ النَّارَ، وَهَذَا وَجَدَهُ مَجْمُوعًا

стр. 525

لَمْ يَصْرِفْ مِنْ عُمُرِهِ فِي جَمْعِهِ لَحْظَةً وَاحِدَةً وَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ. وَمِثْلُ هَذَا عَالِمٌ عَلَّمَ النَّاسَ الْعِلْمَ فَانْتَفَعُوا بِعِلْمِهِ فَدَخَلُوا الْجَنَّةَ، وَهُوَ دَخَلَ النَّارَ لِعَدَمِ عَمَلِهِ بِمَا يَعْلَمُ، وَكَذَا رَجُلٌ اشْتَرَى عَبْدًا كَافِرًا فَأَسْلَمَ وَدَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَوْلَاهُ دَخَلَ النَّارَ بِإِسَاءَتِهِ إلَيْهِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَأَشَارَ أَبُو الْفَتْحِ الْبُسْتِيُّ إلَى قَضِيَّةِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ تَشْبِيهِ الْإِنْسَانِ بِدُودِ الْقَزِّ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَرْءَ طُولَ حَيَاتِهِ ... مُعَنًّى بِأَمْرٍ لَا يَزَالُ يُعَالِجُهْ كَدُودِ الْقَزِّ يَنْسِجُ دَائِمًا ... وَيَهْلِكُ غَمًّا وَسْطَ مَا هُوَ نَاسِجُهْ (وَقَالَ آخَرُ) يُفْنِي الْحَرِيصُ بِجَمْعِ الْمَالِ مُدَّتَهُ ... وَلِلْحَوَادِثِ مَا يُبْقِي وَمَا يَدَعُ كَدُودَةِ الْقَزِّ مَا تَبْنِيهِ يُهْلِكُهَا ... وَغَيْرُهَا بِاَلَّذِي تَبْنِيهِ يَنْتَفِعُ مَطْلَبٌ: فِي جَوَازِ التَّدْخِينِ لِلزُّنْبُورِ وَفِيهِ حِكَايَتَانِ لَطِيفَتَانِ. (وَ) قَدْ جَوَّزَ الْأَصْحَابُ ﵃ (تَدْخِينَ زُنْبُورٍ) ، وَهُوَ الدَّبْرُ وَيُؤَنَّثُ وَرُبَّمَا سُمِّيَتْ النَّحْلَةُ زُنْبُورًا، وَالْجَمْعُ الزَّنَابِيرُ، وَهُوَ مَقْسُومٌ مِنْ وَسَطِهِ وَلِذَلِكَ لَا يَتَنَفَّسُ مِنْ جَوْفِهِ أَلْبَتَّةَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ: قَدْ يُجْعَلُ الْمُتَوَقَّعُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِعِ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ، وَهُوَ طِفْلٌ يَبْكِي فَقَالَ: لَهُ مَا أَبْكَاك فَقَالَ: لَسَعَنِي طَائِرٌ كَأَنَّهُ مُلْتَفٌّ فِي بَرَدَى حَبَرَةٍ فَقَالَ حَسَّانُ: يَا بُنَيَّ قُلْتَ الشِّعْرَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ يَعْنِي سَتَقُولُهُ جَعَلَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِي الزُّنْبُورِ: وَلِلزُّنْبُورِ وَالْبَازِي جَمِيعًا ... قُوَى الطَّيَرَانِ أَجْنِحَةٌ وَخَفْقٌ وَلَكِنْ بَيْنَ مَا يَصْطَادُ بَازٌ ... وَمَا يَصْطَادُهُ الزُّنْبُورُ فَرْقُ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي الْمُخْتَارِ التَّيْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ وَمَعَنَا رَجُلٌ يَشْتُمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَنَهَيْنَاهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَخَرَجَ لِبَعْضِ حَاجَاتِهِ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الزَّنَابِيرُ فَاسْتَغَاثَ فَأَغَثْنَاهُ فَحَمَلَتْ عَلَيْنَا فَتَرَكْنَاهُ، فَمَا أَقْلَعَتْ عَنْهُ حَتَّى قَطَّعَتْهُ قِطَعًا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ سَبُعٍ فِي شِفَاءِ الصُّدُورِ وَزَادَ عَلَيْهِ فَحَفَرْنَا لَهُ قَبْرًا فَصَلُبَتْ الْأَرْضُ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى حَفْرِهَا فَأَلْقَيْنَاهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا عَلَيْهِ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَالْحِجَارَةِ وَجَلَسَ

стр. 526

وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يَبُولُ فَوَقَعَ عَلَى ذَكَرِهِ زُنْبُورٌ مِنْ تِلْكَ الزَّنَابِيرِ فَلَمْ يَضُرَّهُ بِشَيْءٍ فَعَلِمْنَا أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ مَأْمُورَةً، وَقَدْ سُئِلَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِيمَا نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ يُدَخَّنُ لِلزَّنَابِيرِ؟ قَالَ إذَا خَشِيَ أَذَاهُمْ فَلَا بَأْسَ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَحْرِيقِهِ؛ لِأَنَّ فِي التَّدْخِينِ لَهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْهَا وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ. وَيُسْتَحَبُّ قَتْلُهَا لِمَا رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ زُنْبُورًا اكْتَسَبَ ثَلَاثَ حَسَنَاتٍ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَكِنْ يُكْرَهُ إحْرَاقُ بُيُوتِهَا بِالنَّارِ، فَإِنْ كَانَتْ بُيُوتُ الزَّنَابِيرِ فِي نَحْوِ حَائِطٍ لَا يُمْكِنُ هَدْمُهُ أَوْ يُمْكِنُ لَكِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ ضَرَرٌ جَازَ حَرْقُهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ النَّاظِمِ ﵀ (وَ) جَوَّزَ الْأَصْحَابُ أَيْضًا (شَيًّا) هُوَ مِنْ قَوْلِك شَوَيْت اللَّحْمَ شَيًّا قَالَ فِي الْقَامُوسِ: شَوَى اللَّحْمَ شَيًّا فَانْشَوَى وَأَشْوَى، وَهُوَ الشِّوَاءُ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ (بِمَوْقِدٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ مَوْضِعُ الْوَقُودِ، وَالْمُرَادُ إبَاحَةُ وَقُودِ النَّارِ عَلَى الزَّنَابِيرِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ نِظَامِهِ، وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ وَقَيَّدَهُ الْحَجَّاوِيُّ بِالضَّرُورَةِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِالضَّرُورَةِ الْحَاجَةُ إذْ حَرْقُ الزُّنْبُورِ مَكْرُوهٌ، وَالْكَرَاهَةُ تَزُولُ بِأَدْنَى حَاجَةٍ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ ، وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الدَّوَاءِ مُضِرٌّ: وَيُكْرَهْ لِنَهْيِ الشَّرْعِ عَنْ قَتْلِ ضِفْدَعٍ ... وَصِرْدَانِ طَيْرٍ قَتْلُ ذَيْنِ وَهُدْهُدِ (وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (لِ) أَجْلِ (نَهْيِ الشَّرْعِ) يَعْنِي الشَّارِعَ ﷺ (عَنْ قَتْلِ) أَيْ إزْهَاقِ رُوحِ (ضِفْدِعٍ) مِثَالُ خِنْصِرٍ وَاحِدُ الضَّفَادِعُ، وَالْأُنْثَى ضِفْدِعَةٌ، وَنَاسٌ يَقُولُونَ: ضِفْدَعٌ بِفَتْحِ الدَّالِ، قَالَ الْخَلِيلُ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعْلَلٌ إلَّا أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ: دِرْهَمٌ وَهِجْرَعٌ، وَهُوَ الطَّوِيلُ، وَهِبْلَعٌ، وَهُوَ الْأَعْزَلُ، وَقِلْعَمٌ، وَهُوَ اسْمٌ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الْأَشْهَرُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ كَسْرُ الدَّالِ وَفَتْحُهَا أَشْهُرُ فِي أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ ضِفْدِعٌ كَزِبْرِجٍ وَجَعْفَرٍ وَجُنْدُبٍ وَدِرْهَمٍ وَهَذَا أَقَلُّ أَوْ مَرْدُودٌ، دَابَّةٌ نَهْرِيَّةٌ. فَيُكْرَهُ قَتْلُ الضَّفَادِعِ كَمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَعَبَّرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِلَا يَجُوزُ فَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ عَنْ قَتْلِهَا» . وَقَدْ تَرَكَ الْأَطِبَّاءُ

стр. 527

اسْتِعْمَالَهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الضَّرَرِ الشَّدِيدِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: الضِّفْدَعُ لَا تُجْعَلُ فِي الدَّوَاءِ. قَالَ فِي الْقَانُونِ مَنْ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الضِّفْدَعِ أَوْ جُرْحِهِ وَرِمَ بَدَنُهُ وَكَمِدَ لَوْنُهُ وَقَذَفَ الْمَنِيَّ حَتَّى يَمُوتَ وَلِذَلِكَ تَرَكَ الْأَطِبَّاءُ اسْتِعْمَالَهُ خَوْفًا مِنْ ضَرَرِهِ. وَالضَّفَادِعُ نَوْعَانِ مَائِيَّةٌ وَتُرَابِيَّةٌ وَالتُّرَابِيَّةُ يَقْتُلُ أَكْلُهَا. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الضَّفَادِعُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ وَتَكُونُ مِنْ سِفَادٍ وَغَيْرِ سِفَادِ يَتَوَلَّدُ مِنْ الْمِيَاهِ الْقَائِمَةِ الضَّعِيفَةِ الْجَرْيِ وَمِنْ الْعُفُونَاتِ وَغِبِّ الْأَمْطَارِ الْغَزِيرَةِ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْ السَّحَابِ لِكَثْرَةِ مَا يُرَى مِنْهُ عَلَى الْأَسْطِحَةِ عَقِبَ الْمَطَرِ وَالرِّيحِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَإِنَّمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ طِبَاعِ تِلْكَ التُّرْبَةِ، وَهِيَ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا عِظَامَ لَهَا، وَمِنْهَا مَا يَنِقُّ، وَمِنْهَا مَا لَا يَنِقُّ وَاَلَّذِي يَنِقُّ مِنْهَا يَخْرُجُ صَوْتُهُ مِنْ قُرْبِ أُذُنِهِ وَيُوصَفُ بِحِدَةِ السَّمْعِ، وَإِذَا أَرَادَتْ النَّقِيقَ أَدْخَلَتْ فَكَّهَا الْأَسْفَلَ فِي الْمَاءِ وَمَتَى دَخَلَ الْمَاءُ فِي فَكِّهَا لَا تَنِقُّ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، وَقَدْ عُوتِبَ عَلَى قِلَّةِ كَلَامِهِ: قَالَتْ الضِّفْدَعُ قَوْلًا ... فَسَّرَتْهُ الْحُكَمَاءُ فِي فَمِي مَاءٌ وَهَلْ يَنْطِقُ مَنْ فِي فِيهِ مَاءُ مَطْلَبٌ: فِي أَنَّ نَقِيقَ الضِّفْدَعِ تَسْبِيحٌ لِلَّهِ تَعَالَى . قَالَ سُفْيَانُ: يُقَالُ: إنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْ الضِّفْدَعِ. وَفِي الْكَامِلِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ ضِفْدَعًا أَلْقَتْ نَفْسَهَا فِي النَّارِ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَثَابَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى بَرْدَ الْمَاءِ وَجَعَلَ نَقِيقَهُنَّ التَّسْبِيحَ. وَفِي كِتَابِ الزَّاهِرِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ دَاوُد ﵇ قَالَ: لَأُسَبِّحَنَّ اللَّهَ تَسْبِيحًا مَا سَبَّحَهُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ فَنَادَتْهُ ضِفْدَعٌ مِنْ سَاقِيَةٍ فِي دَارِهِ يَا دَاوُد تَفْخَرُ عَلَى اللَّهِ بِتَسْبِيحِك، وَإِنَّ لِي لَسَبْعِينَ سَنَةً مَا جَفَّ لِسَانِي مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّ لِي لَعَشْرَ لَيَالٍ مَا طَعِمْت خَضْرَاءَ وَلَا شَرِبْت مَاءً اشْتِغَالًا بِكَلِمَتَيْنِ فَقَالَ: مَا هُمَا فَقَالَتْ: يَا مُسَبَّحًا بِكُلِّ لِسَانٍ، وَمَذْكُورًا بِكُلِّ مَكَان، فَقَالَ دَاوُد فِي نَفْسِهِ وَمَا عَسَى أَنْ أَقُولَ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا. وَفِي شُعَبِ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُد ﵇ ظَنَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَمْدَحْ خَالِقَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا مَدَحَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي مِحْرَابِهِ، وَالْبِرْكَةُ إلَى جَانِبِهِ فَقَالَ: يَا دَاوُد افْهَمْ مَا تُصَوِّتُ بِهِ الضِّفْدَعُ فَأَنْصَتَ إلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ تَقُولُ: سُبْحَانَك

стр. 528

وَبِحَمْدِك مُنْتَهَى عِلْمِك فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: كَيْفَ تَرَى فَقَالَ وَاَلَّذِي جَعَلَنِي نَبِيًّا إنِّي لَمْ أَمْدَحْهُ بِهَا. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «لَا تَقْتُلُوا الضِّفْدَعَ، فَإِنَّهَا مَرَّتْ بِنَارِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَحَمَلَتْ فِي أَفْوَاهِهَا الْمَاءَ وَرَشَّتْ بِهِ عَلَى النَّارِ» . مَطْلَبٌ: فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالضُّفْدَعِ وَالصُّرَدِ، وَالْهُدْهُدِ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ قَتْلِ خَمْسَةٍ النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالضِّفْدَعُ وَالصُّرَدُ، وَالْهُدْهُدُ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ» (وَ) يُكْرَهُ قَتْلُ (صِرْدَانٍ) جَمْعُ صُرَدٍ لِنَهْيِ الشَّرْعِ عَنْ قَتْلِهَا وَالصِّرْدَانُ (طَيْرٌ) قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الصُّرَدُ كَرُطَبٍ هُوَ فَوْقَ الْعُصْفُورِ يَصِيدُ الْعَصَافِيرَ، وَالْجَمْعُ صِرْدَانٌ قَالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَهُوَ أَبْقَعُ ضَخْمُ الرَّأْسِ يَكُونُ فِي الشَّجَرِ نِصْفُهُ أَبْيَضُ وَنِصْفُهُ أَسْوَدُ ضَخْمُ الْمِنْقَارِ لَهُ بُرْثُنٌ عَظِيمٌ يَعْنِي أَصَابِعُهُ عَظِيمَةٌ لَا يُرَى إلَّا فِي شَعَفَةِ الْجِبَالِ، أَوْ فِي شَجَرَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَهُوَ شِرِّيرُ النَّفْسِ شَدِيدُ النَّفْرَةِ، غِذَاؤُهُ مِنْ اللَّحْمِ وَلَهُ صَفِيرٌ مُخْتَلِفٌ يُصَفِّرُ لِكُلِّ طَائِرٍ يُرِيدُ صَيْدَهُ بِلُغَتِهِ فَيَدْعُوهُ إلَى التَّقَرُّبِ مِنْهُ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ شَدَّ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَلَهُ مِنْقَارٌ شَدِيدٌ، فَإِذَا نَقَرَ وَاحِدًا قَدَّهُ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَكَلَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ قَانِعٍ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ أَبِي غَلِيظٍ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ قَالَ: «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى يَدِي صُرَدٌ فَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ طَيْرٍ صَامَ عَاشُورَاءَ» ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى قَالَ الْحَاكِمُ: وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَضَعَهَا قَتَلَةُ الْحُسَيْنِ. قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ هُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ وَمِنْ أَعْجَبِ مَا وَرَدَ فِي عَاشُورَاءَ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ الْوَحْشُ، وَالْهَوَامُّ. رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّ «الصُّرَدَ أَوَّلُ طَيْرٍ صَامَ عَاشُورَاءَ» خَرَّجَهُ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ وَإِسْنَادُهُ غَرِيبٌ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. وَحُكْمُ هَذَا الطَّيْرِ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ لِمَا رَوَى سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ قَتْلِ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ» . وَالنَّهْيُ عَنْ الْقَتْلِ دَلِيلٌ عَلَى الْحُرْمَةِ، إذَا عَلِمْت

стр. 529

مَا ذَكَرْت لَك مِنْ الدَّلِيلِ وَالتَّعْلِيلِ ظَهَرَ لَك أَنَّهُ يُكْرَهُ (قَتْلُ ذَيْنِ) يَعْنِي الضِّفْدَعَ وَالصُّرَدَ (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا قَتْلُ (هُدْهُدٍ) بِضَمِّ الْهَاءَيْنِ) وَإِسْكَانِ الدَّالِ بَيْنَهُمَا هُوَ طَائِرٌ مَعْرُوفٌ ذُو خُطُوطٍ وَأَلْوَانٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْأَخْبَارِ وَأَبُو ثُمَامَةَ وَأَبُو عِبَادٍ وَيُقَالُ لَهُ الْهَدَاهِدُ قَالَ الرَّاعِي: كَهَدَاهِدَ كَسَرَ الرُّمَاةُ جُنَاحَهُ. وَالْجَمْعُ الْهَدَاهِدُ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ طَيْرٌ مُنْتِنُ الرِّيحِ طَبْعًا وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ يَرَى الْمَاءَ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ كَمَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ فِي بَاطِنِ الزُّجَاجِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ دَلِيلَ سُلَيْمَانَ ﵇ عَلَى الْمَاءِ، وَبِهَذَا السَّبَبِ تَفَقَّدَهُ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي فَوَائِدِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ. حِكَايَةٌ فِي قَوْلِ الْهُدْهُدِ لِسُلَيْمَانَ ﵇: أَنْتَ وَعَسْكَرُك فِي ضِيَافَتِي (نُكْتَةٌ) حَكَى الْقَزْوِينِيُّ أَنَّ الْهُدْهُدَ قَالَ لِسُلَيْمَانَ ﵇: أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فِي ضِيَافَتِي. قَالَ: أَنَا وَحْدِي؟ قَالَ: لَا أَنْتَ وَأَهْلُ عَسْكَرِك فِي جَزِيرَةِ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا. فَحَضَرَ سُلَيْمَانُ بِجُنُودِهِ فَطَارَ الْهُدْهُدُ فَاصْطَادَ جَرَادَةً وَخَنَقَهَا وَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ، وَقَالَ: كُلُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ فَاتَهُ اللَّحْمُ نَالَهُ الْمَرَقُ، فَضَحِكَ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ مِنْ ذَلِكَ حَوْلًا وَفِي ذَلِكَ قِيلَ شَعْرٌ: جَاءَتْ سُلَيْمَانَ يَوْمَ الْعَرْضِ هُدْهُدَةٌ ... أَهْدَتْ لَهُ مِنْ جَرَادٍ كَانَ فِي فِيهَا وَأَنْشَدَتْ بِلِسَانِ الْحَالِ قَائِلَةً ... إنَّ الْهَدَايَا عَلَى مِقْدَارِ هَادِيهَا لَوْ كَانَ يُهْدَى إلَى الْإِنْسَانِ قِيمَتُهُ ... لَكَانَ يُهْدَى لَك الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ. مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ قَتْلِ الْهِرِّ: وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْهِرِّ إلَّا مَعَ الْأَذَى ... وَإِنْ مُلِكَتْ فَاحْظُرْ إذَنْ غَيْرَ مُفْسِدِ (وَيُكْرَهُ) أَيْضًا تَنْزِيهًا (قَتْلُ) أَيْ إرْهَاقُ رُوحِ (الْهِرِّ) بِالْكَسْرِ، وَهُوَ السِّنَّوْرُ، وَالْجَمْعُ هِرَرَةٌ كَقِرْدٍ وَقِرَدَةٍ، وَالْأُنْثَى هِرَّةٌ. وَيُرْوَى أَنَّ الْهِرَّةَ خُلِقَتْ مِنْ عَطْسَةِ الْأَسَدِ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَرِجَالُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَأَى رَجُلًا يَشْرَبُ قَائِمًا فَقَالَ لَهُ: أَيَسُرُّك أَنْ يَشْرَبَ مَعَك الْهِرُّ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَقَدْ شَرِبَ مَعَك الشَّيْطَانُ» .

стр. 530

[مَطْلَبٌ: دُعَاءٌ لِتَفْرِيجِ الْكَرْبِ] دُعَاءٌ لِتَفْرِيجِ الْكَرْبِ وَفِي تَارِيخِ ابْنِ النَّجَّارِ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنْبَلِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ ": كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أُبَشِّرُهَا بِالْبَرَاءَةِ فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ لَقَدْ هَجَرَنِي الْقَرِيبُ، وَالْبَعِيدُ حَتَّى هَجَرَتْنِي الْهِرَّةُ، وَمَا عُرِضَ عَلَيَّ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ فَكُنْت أَرْقُدُ وَأَنَا جَائِعَةٌ فَرَأَيْت فِي مَنَامِي فَتًى فَقَالَ لِي: مَا لَكِ فَقُلْت حَزِينَةٌ مِمَّا ذَكَرَ النَّاسُ فَقَالَ: اُدْعِي بِهَذِهِ يُفَرِّجْ اللَّهُ عَنْك فَقُلْت: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: قُولِي يَا سَابِغَ النِّعَمِ، وَيَا دَافِعَ النِّقَمِ، وَيَا فَارِجَ الْهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الظُّلَمِ، وَيَا أَعْدَلَ مَنْ حَكَمَ، وَيَا حَسِيبَ مَنْ ظَلَمَ، وَيَا وَلِيَّ مَنْ ظُلِمَ، وَيَا أَوَّلُ بِلَا بِدَايَةٍ، وَيَا آخِرُ بِلَا نِهَايَةٍ، وَيَا مَنْ لَهُ اسْمٌ بِلَا كُنْيَةٍ اجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا قَالَتْ: فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا رَيَّانَةٌ شَبْعَانَةٌ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فَرَجِي. [مَطْلَبٌ: فِي تَحْقِيقِ قَوْلِ النَّبِيِّ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّة] مَطْلَبٌ: فِي تَحْقِيقِ قَوْلِهِ ﷺ : «دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ» . وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى بِالْهِرِّ، وَقَالَ: إنَّ امْرَأَةً عُذِّبَتْ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضَ» بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ: هَوَامُّ الْأَرْضِ وَحَشَرَاتُهَا. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ فَتْحَ الْخَاءِ وَكَسْرَهَا وَضَمَّهَا، وَالْفَتْحُ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَفِي الزُّهْدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا «رَأَيْتهَا فِي النَّارِ، وَهِيَ تَنْهَشُ قُبُلَهَا وَدُبُرَهَا» . قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْمَرْأَةُ الْمُعَذَّبَةُ كَمَا كَانَتْ كَافِرَةً كَمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فَاسْتَحَقَّتْ التَّعْذِيبَ بِكُفْرِهَا وَظُلْمِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَافِرَةً وَنَفَى النَّوَوِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَطَّلِعَا عَلَى الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ. وَفِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ وَمَعَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْتَ الَّذِي تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ امْرَأَةَ عُذِّبَتْ بِالنَّارِ مِنْ أَجْلِ هِرَّةٍ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَعَمْ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ عَائِشَةُ الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ
следующие страницы →