Полный текст (1 066 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الرَّجُلُ مِنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي يُرِيدُ نِكَاحَهَا مَا هُوَ عَوْرَةٌ يُشِيرُ إلَى مَا يَزِيدُ عَلَى الْوَجْهِ. وَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَ الْعَقْدَ لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَوَقَانُ النَّفْسِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى الْعَاقِلِ تَوَقَانُ نَفْسِهِ لِأَجْلِ الْمُسْتَجِدِّ وَتَوَقَانِهَا لِأَجْلِ الْحُبِّ، فَإِذَا رَأَى قَلَقَ الْحُبِّ أَقْدَمَ. ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إلَى عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ كُلُّ تَزْوِيجٍ عَلَى غَيْرِ هَوًى حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ يَنْبَغِي لِلْمُتَخَيِّرِ أَنْ يَتَفَرَّسَ الْأَخْلَاقَ فَإِنَّهَا مِنْ الْخَفِيِّ، فَإِنَّ الصُّورَةَ إذَا خَلَتْ مِنْ الْمَعْنَى كَانَتْ كَخَضْرَاءِ الدِّمَنِ، فَإِنَّ نَجَابَةَ الْوَلَدِ مَقْصُودَةٌ، وَفَرَاغَ النَّفْسِ عَنْ الِاهْتِمَامِ بِوُدٍّ مَحْبُوسٍ أَصْلٌ عَظِيمٌ يُوجِبُ إقْبَالَ الْقَلْبِ عَلَى الْمُهِمَّاتِ. وَمَنْ فَرَغَ مِنْ الْمُهِمَّاتِ الْعَارِضَةِ أَقْبَلَ عَلَى الْمُهِمَّاتِ الْأَصْلِيَّة وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» فَمَنْ قَدَرَ عَلَى امْرَأَةٍ صَالِحَةٍ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى فَلْيُغْمِضْ عَنْ عَوْرَاتِهَا وَلْتَجْتَهِدْ هِيَ فِي مُرَاضَاتِهِ، فَإِنْ خَافَ مِنْ وُجُودِ الْمُسْتَحْسَنَةِ أَنْ تَشْغَلَ قَلْبَهُ عَنْ ذَكَرِ الْآخِرَةِ أَوْ تَطْلُبَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ خُرُوجَهُ عَنْ الْوَرَعِ وَيَدْخُلُ فِيمَا لَا يَجْمُلُ إذْ يَبْعُدُ فِي الْمُسْتَحْسَنَاتِ الْعَفَافُ فَلْيُبَالِغْ فِي حِفْظِهِنَّ وَسِتْرِهِنَّ فَإِنْ وَجَدَ مَا لَا يُرْضِيهِ عَجَّلَ الِاسْتِبْدَالَ فَإِنَّهُ سَبَبُ السُّلُوِّ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ كَغَيْرِهِ: يُسْتَحَبُّ نِكَاحُ دَيِّنَةٍ وَلُودٍ بِكْرٍ حَسِيبَةٍ جَمِيلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، قِيلَ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ كَمَا لَوْ لَمْ تُعِفَّهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ، فَإِنَّهُ قَالَ يَقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ لَيْتَ إذَا تَزَوَّجَ ثِنْتَيْنِ يَفْلِتُ. قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي مُنَاظَرَاتِهِ لِفِعْلِهِ ﵊.
وَأَرَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يَتَسَرَّى فَقَالَ يَكُونُ لَهَا لَحْمٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ يُقَالُ لَوْ قِيلَ لِلشَّحْمِ أَيْنَ تَذْهَبُ لَقَالَ أُقَوِّمُ الْمُعْوَجَّ. وَكَانَ يُقَالُ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلْيَسْتَجِدْ شَعْرَهَا فَإِنَّ الشَّعْرَ وَجْهٌ فَتَخَيَّرُوا أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ النِّسَاءُ لُعَبٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّرَ مَا يَلِيقُ بِمَقْصُودِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ نَذْكُرَ لَهُ مَا يَصْلُحُ لِلْمَحَبَّةِ، فَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَا تَوَدُّ
إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي الْجُمْلَةِ أَنْ يَتَخَيَّرَ الْبِكْرَ مِنْ بَيْتٍ مَعْرُوفٍ بِالدِّينِ
стр. 877
وَالْقَنَاعَةِ. وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ بِنْتَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ إلَى الْعِشْرِينَ، وَيَتِمُّ نَشْوُ الْمَرْأَةِ إلَى الثَّلَاثِينَ، ثُمَّ تَقِفُ إلَى الْأَرْبَعِينَ ثُمَّ تَنْزِلُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَصْلُحُ مِنْ الثَّيِّبِ مَنْ قَدْ طَالَ لُبْثُهَا مَعَ رَجُلٍ. قَالَ: وَأَحْسَنُ النِّسَاءِ التُّرْكِيَّاتُ، وَأَصْلَحُهُنَّ الْجَلَبُ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْ أَحَدًا انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» .
وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: مَطْلَبٌ: خَيْرُ النِّسَاءِ مَنْ سَرَّتْ الزَّوْجَ مَنْظَرًا الْحَافِظَةُ لَهُ فِي مَغِيبِهِ وَمَشْهَدِهِ:
وَخَيْرُ النَّسَا مَنْ سَرَّتْ الزَّوْجَ مَنْظَرًا ... وَمَنْ حَفِظَتْهُ فِي مَغِيبٍ وَمَشْهَدِ
(وَخَيْرُ النِّسَاءِ) قَصَرَهُ ضَرُورَةً (مَنْ) أَيْ امْرَأَةٌ أَوْ الَّتِي (سَرَّتْ) هِيَ أَيْ أَفْرَحَتْ، يُقَالُ سَرَّهُ سُرُورًا وَسُرًّا بِالضَّمِّ، وَسُرَى كَبُشْرَى، وَتَسِرَّةً وَمَسَرَّةً أَفْرَحَهُ، وَسُرَّ هُوَ بِالضَّمِّ وَالِاسْمُ السَّرُورُ بِالْفَتْحِ (الزَّوْجَ) مَفْعُولُ سَرَّتْ (مَنْظَرًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ فَاعِلٍ، أَيْ خَيْرُ النِّسَاءِ مَنْ سَرَّ الزَّوْجَ مَنْظَرُهَا (وَمَنْ) أَيْ امْرَأَةٌ أَوْ الَّتِي (حَفِظَتْهُ) أَيْ صَانَتْهُ وَحَفِظَتْ مَا اسْتَوْدَعَهَا إيَّاهُ مِنْ نَفْسِهَا وَمَالِهِ (فِي مَغِيبِ) الزَّوْجِ عَنْهَا (وَمَشْهَدِ) مِنْهُ إلَيْهَا، فَتَحْفَظُ فَرْجَهَا وَجَمِيعَ نَفْسِهَا مِنْ كَلَامٍ وَنَظَرٍ وَتَمْكِينٍ مِنْ قُبْلَةٍ وَلَمْسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَتَحْفَظُ مَالَهُ عَنْ الضَّيَاعِ وَالتَّبْذِيرِ، وَبَيْتَهُ عَنْ دُخُولِ مَنْ لَا يُرِيدُ دُخُولَهُ إلَيْهِ.
رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَإِسْنَادُ أَحَدِهِمَا جَيِّدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيَهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا وَبَدَنًا عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرًا، وَزَوْجَةً لَا تَبْغِيهِ حُوبًا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» الْحُوبُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتُضَمُّ هُوَ الْإِثْمُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»
стр. 878
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ قَالَ «إنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَلَيْسَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ» .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «ثَلَاثٌ مِنْ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ تَرَاهَا تُعْجِبُك، وَتَغِيبُ فَتَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِك، وَالدَّابَّةُ تَكُونُ وَطِئَةً فَتُلْحِقُك بِأَصْحَابِك، وَالدَّارُ تَكُونُ وَاسِعَةً كَثِيرَةَ الْمَرَافِقِ. وَثَلَاثٌ مِنْ الشَّقَاءِ: الْمَرْأَةُ تَرَاهَا فَتَسُوءك وَتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيْك، وَإِنْ غِبْت لَمْ تَأْمَنْهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِك، وَالدَّابَّةُ تَكُونُ قَطُوفًا فَإِنْ ضَرَبْتهَا أَتْعَبَتْك وَإِنْ تَرَكْتهَا لَمْ تُلْحِقْك بِأَصْحَابِك، وَالدَّارُ تَكُونُ ضَيِّقَةً قَلِيلَةَ الْمَرَافِقِ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ الْحَضْرَمِيُّ فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: مُحَمَّدٌ صَدُوقٌ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ: ثَلَاثَةٌ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ: الدَّارُ الْوَسِيعَةُ إذَا كَانَتْ مَنِيعَةً، وَالْفَرَسُ السَّرِيعَةُ إذَا كَانَتْ تَلِيعَةً، وَالْمَرْأَةُ الْمُطِيعَةُ إذَا كَانَتْ بَدِيعَةً.
وَمَعْنَى زِيَادَتِهَا فِي الْعُمْرِ أَنَّ صَاحِبَهَا يَرَى لِعَيْشِهِ لَذَّةً وَلِعُمُرِهِ بَرَكَةً، وَتَمْضِي أَيَّامُهُ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَأَوْقَاتُهُ بِاللَّذَّةِ وَالْحُبُورِ بِخِلَافِ مَنْ رُمِيَ بِضِدِّ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عُرْضَةٌ لِلْمَهَالِكِ، لِمَا ضُيِّقَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَسَالِكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا هُنَالِكَ
مَطْلَبٌ: الْخَيْرُ وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ .
وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنْ يَكُنْ الْخَيْرُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةُ وَالدَّارُ وَالْفَرَسُ» . وَفِي رِوَايَةٍ " الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةُ وَالدَّارُ وَالْفَرَسُ ". وَفِي رِوَايَةٍ الشُّؤْمُ فِي أَرْبَعٍ فَزَادَ الْخَادِمَ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَكُون مُسْتَثْنًى مِنْ حَدِيثِ لَا طِيَرَةَ.
وَقِيلَ إنَّهُ ﷺ قَالَ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ يَقُولُونَ الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ، الْمَرْأَةُ وَالدَّارُ وَالْفَرَسُ» فَسَمِعَ الرَّاوِي آخِرَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَسْمَعْ أَوَّلَهُ، وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ ﵂ وَعَنْ أَبِيهَا. وَقِيلَ شُؤْمُ الدَّارِ ضِيقُهَا وَشُؤْمُ جِيرَانِهَا وَأَذَاهُمْ، وَشُؤْمُ الْخَادِمِ سُوءُ خُلُقِهِ وَعَدَمُ تَعَهُّدِهِ لِمَا فُوِّضَ إلَيْهِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالشُّؤْمِ هُنَا عَدَمُ
стр. 879
الْمُوَافَقَةِ. وَشُؤْمُ الْمَرْأَةِ عَدَمُ وِلَادَتِهَا وَسَلَاطَةُ لِسَانِهَا وَتَعَرُّضِهَا لِلرَّيْبِ. وَشُؤْمُ الْفَرَسِ أَنْ لَا يُغْزَى عَلَيْهَا. وَقِيلَ حِرَانُهَا وَغَلَاءُ ثَمَنِهَا.
وَقَالَ الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ: وَمِنْ أَغْرَبِ مَا وَقَعَ لِي فِي تَأْوِيلِهِ مَا رَوَيْنَاهُ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْبَرَكَةُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ» فَقَالَ يُوسُفُ سَأَلْت ابْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ سُفْيَانُ: سَأَلْت عَنْهُ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: سَأَلْت عَنْهُ سَالِمًا فَقَالَ سَالِمٌ: سَأَلْت عَنْهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: سَأَلْت عَنْهُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْفَرَسُ ضَرُوبًا فَهُوَ مَشْئُومٌ، وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَرَفَتْ زَوْجًا غَيْرَ زَوْجِهَا فَحَنَّتْ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ فَهِيَ مَشْئُومَةٌ، وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ بَعِيدَةً عَنْ الْمَسْجِدِ لَا يُسْمَعُ فِيهَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فَهِيَ مَشْئُومَةٌ، وَإِذَا كُنَّ بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُنَّ مُبَارَكَاتٌ» .
قُلْت: وَتَقَدَّمَ بُعْدُ الدَّارِ عَنْ الْمَسْجِدِ وَمَدْحُهُ فَلَعَلَّ مَا هُنَا إنْ صَحَّ لِعَدَمِ سَمَاعِ الْأَذَانِ دُونَ نَفْسِ الْبُعْدِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى شَطْرِ دِينِهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي الشَّطْرِ الْبَاقِي» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظٍ «إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ نِصْفَ الدِّينِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي» .
مَطْلَبٌ: الْجَمَالُ عَلَى قِسْمَيْنِ
" تَتِمَّةٌ " فِي التَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ الْمَلَاحَةِ وَالْجَمَالِ بِطَرِيقِ الْإِيجَازِ وَالْإِجْمَالِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْبَابِ التَّاسِعَ عَشَر مِنْ رَوْضَةِ الْمُحِبِّينَ وَنُزْهَةِ الْمُشْتَاقِينَ: اعْلَمْ أَنَّ الْجَمَالَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَالْجَمَالُ الْبَاطِنُ هُوَ الْمَحْبُوبُ لِذَاتِهِ، وَهُوَ جَمَالُ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ وَالْجُودِ وَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَهَذَا الْجَمَالُ الْبَاطِنُ هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عَبْدِهِ وَمَوْضِعُ مَحَبَّتِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى
стр. 880
قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» .
وَهَذَا الْجَمَالُ يُزَيِّنُ الصُّورَةَ الظَّاهِرَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ جَمَالٍ، فَيَكْسُو صَاحِبَهَا مِنْ الْجَمَالِ وَالْمَهَابَةِ وَالْحَلَاوَةِ بِحَسَبِ مَا اكْتَسَبَتْ رُوحُهُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يُعْطَى مَهَابَةً وَحَلَاوَةً بِحَسَبِ إيمَانِهِ، فَمَنْ رَآهُ هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبَّهُ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُودٌ بِالْعِيَانِ، فَإِنَّك تَرَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ الْمُحْسِنَ ذَا الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ مِنْ أَحْلَى النَّاسِ صُورَةً وَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ غَيْرَ جَمِيلٍ، وَلَا سِيَّمَا إذَا رُزِقَ حَظًّا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَإِنَّهَا تُنَوِّرُ الْوَجْهَ وَتُحَسِّنُهُ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ النِّسَاءِ تُكْثِرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ إنَّهَا تُحَسِّنُ الْوَجْهَ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يَحْسُنَ وَجْهِي.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَمَالَ لِلْبَاطِنِ أَحْسَنُ مِنْ الظَّاهِرِ أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تَنْفَكُّ عَنْ تَعْظِيمِ صَاحِبِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالْمَيْلِ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْجَمَالُ الظَّاهِرُ فَزِينَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِهَا بَعْضَ الصُّوَرِ عَنْ بَعْضٍ، وَهِيَ مِنْ زِيَادَةِ الْخَلْقِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] قَالُوا هُوَ الصَّوْتُ الْحَسَنُ وَالصُّورَةُ الْحَسَنَةُ وَالْقُلُوبُ كَالْمَطْبُوعَةِ عَلَى مَحَبَّتِهِ كَمَا هِيَ مَفْطُورَةٌ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ نَعْلُهُ حَسَنَةً وَثَوْبُهُ حَسَنًا أَفَذَلِكَ مِنْ الْكِبْرِ؟ فَقَالَ لَا إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» فَبَطَرُ الْحَقِّ جَحْدُهُ وَدَفْعُهُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وَغَمْطُ النَّاسِ النَّظَرُ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الِازْدِرَاءِ وَالِاحْتِقَارِ وَالِاسْتِصْغَارِ لَهُمْ، وَتَقَدَّمَ هَذَا مَبْسُوطًا.
وَالْجَمَالُ الظَّاهِرُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ أَيْضًا عَلَى عِبَادِهِ يُوجِبُ الشُّكْرَ. وَشُكْرُهُ التَّقْوَى وَالصِّيَانَةُ، فَكُلَّمَا شَكَرَ مَوْلَاهُ عَلَى مَا أَوْلَاهُ زَادَهُ اللَّهُ جَمَالًا وَمَنَحَهُ كَمَالًا. وَأَمَّا إنْ بَذَلَ الْجَمَالَ فِي الْمَعَاصِي عَادَ وَحْشَةً وَشَيْنًا كَمَا شُوهِدَ مِنْ عَالَمٍ كَثِيرٍ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ. فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فِي حُسْنِهِ وَجَمَالِهِ انْقَلَبَ قُبْحًا وَشَيْنًا يَشِينُهُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ. انْتَهَى.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلِ الْقَائِلِ:
وَمَا يَنْفَعُ الْفِتْيَانَ حُسْنُ وُجُوهِهِمْ ... إذَا كَانَتْ الْأَفْعَالُ غَيْرَ حِسَانِ
فَلَا تَجْعَلْ الْحُسْنَ الدَّلِيلَ عَلَى الْفَتَى ... فَمَا كُلُّ مَصْقُولِ الْحَدِيدِ يَمَانِي
стр. 881
وَقَالَ آخَرُ وَأَحْسَنَ:
صُنْ الْحُسْنَ بِالتَّقْوَى وَإِلَّا فَيَذْهَبْ ... فَنُورُ التُّقَى يَكْسُو جَمَالًا وَيُكْسِبْ
وَمَا يَنْفَعُ الْوَجْهَ الْجَمِيلَ جَمَالُهُ ... وَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ جَمِيلٌ مُهَذَّبْ
فَيَا حَسَنَ الْوَجْهِ اتَّقِ اللَّهَ إنْ تُرِدْ ... دَوَامَ جَمَالٍ لَيْسَ يَفْنَى وَيَذْهَبْ
يَزِيدُ التُّقَى ذَا الْحُسْنِ حُسْنًا وَبَهْجَةً ... وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَهِيَ لِلْحُسْنِ تَسْلُبْ
وَتُكْسِفُ نُورَ الْوَجْهِ بَعْدَ بِهَائِهِ ... وَتَكْسُوهُ قُبْحًا ثُمَّ لِلْقَلْبِ تَقْلِبْ
فَسَارِعْ إلَى التَّقْوَى هُنَا تَجِدْ الْهَنَا ... غَدًا فِي صَفَا عَيْشٍ يَدُومُ وَيَعْذُبْ
فَمَا بَعْدَ ذِي الدُّنْيَا سِوَى جَنَّةٍ بِهَا ... نَعِيمٌ مُقِيمٌ أَوْ لَظًى تَتَلَهَّبْ.
مَطْلَبٌ: ثَلَاثَةٌ تَجْلُو الْبَصَرَ
وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ وَقِيلَ مَوْضُوعٌ «ثَلَاثَةٌ يُجَلِّينَ الْبَصَرَ: النَّظَرُ إلَى الْخُضْرَةِ، وَإِلَى الْمَاءِ الْجَارِي، وَإِلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ» . أَوْرَدَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَأَوْرَدَ حَدِيثَ «ثَلَاثَةٌ يَزِدْنَ فِي قُوَّةِ الْبَصَرِ: الْكُحْلُ بِالْإِثْمِدِ، وَالنَّظَرُ إلَى الْخُضْرَةِ، وَالنَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ» وَعَزَاهُ إلَى أَبِي الْحَسَنِ الْعِرَاقِيِّ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. قَوْلُهُ: يُجَلِّينَ الْبَصَرَ قَالَ الْمُنَاوِيُّ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ.
وَيُرْوَى فِي لَفْظٍ «ثَلَاثَةٌ تَجْلُو الْبَصَرَ: الْخُضْرَةُ وَالْمَاءُ الْجَارِي، وَالْوَجْهُ الْحَسَنُ» وَنَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:
ثَلَاثَةٌ تَجْلُو عَنْ الْقَلْبِ الْحَزَنْ ... الْمَاءُ وَالْخُضْرَةُ وَالْوَجْهُ الْحَسَنْ
وَيُرْوَى فِي حَدِيثٍ «النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ يُورِثُ الْفَرَحَ، وَالنَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ الْقَبِيحِ يُورِثُ الْكَلَحَ» وَهَذَا كَلَامٌ وَلَيْسَ بِحَدِيثٍ فِيمَا أَظُنُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْكَلَحُ تَقَبُّضُ الْوَجْهِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إذَا كَانَ النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ يَزِيدُ فِي الْبَصَرِ فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْوَجْهِ الْقَبِيحِ يَنْقُصُ مِنْهُ، وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ﵁ وَعَنْ آبَائِهِ يَقُولُ: الْجَمَالُ مَرْحُومٌ وَقَالُوا: شَفِيعُ الْحُسْنِ مَقْبُولٌ وَنَظَمَ ذَلِكَ ابْنُ قَنْبَرٍ الْمَازِنِيُّ فَقَالَ:
وَيْلِي عَلَى مَنْ أَطَارَ النَّوْمَ فَامْتَنَعَا ... وَزَادَ قَلْبِي إلَى أَوْجَاعِهِ وَجَعَا
كَأَنَّمَا الشَّمْسُ فِي أَعْطَافِهِ لَمَعَتْ ... حُسْنًا أَوْ الْبَدْرُ مِنْ آزَارِهِ طَلَعَا
стр. 882
مُسْتَقْبِلٌ بِاَلَّذِي يَهْوَى وَإِنْ كَثُرَتْ ... مِنْهُ الذُّنُوبُ وَمَعْذُورٌ بِمَا صَنَعَا
فِي وَجْهِهِ شَافِعٌ يَمْحُو إسَاءَتَهُ ... مِنْ الْقُلُوبِ وَجِيهٌ حَيْثُ مَا شَفَعَا
قَالَ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمُنَجِّمُ: كُنْت يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ الْمُعْتَضِدِ وَهُوَ مُقَطِّبٌ إذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَكَانَ مِنْ الْحُسْنِ عَلَى غَايَةٍ، فَلَمَّا رَآهُ مِنْ بَعِيدٍ ضَحِكَ وَقَالَ يَا يَحْيَى مَنْ الَّذِي يَقُولُ: فِي وَجْهِهِ شَافِعٌ. الْأَبْيَاتَ؟ فَقُلْت ابْنُ قَنْبَرٍ، فَقَالَ لِلَّهِ دَرُّهُ ثُمَّ اسْتَنْشَدَنِي الْأَبْيَاتَ فَأَنْشَدْته إيَّاهَا وَقَدْ انْقَلَبَ تَقْطِيبُهُ ضَحِكًا وَسُرُورًا. .
مَطْلَبٌ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَمِيلَةِ وَالْمَلِيحَةِ .
وَفِيهِ حِكَايَتَانِ لَطِيفَتَانِ وَفَرَّقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الْجَمِيلَةِ وَالْمَلِيحَةِ، فَقَالَ الْجَمِيلَةُ هِيَ الَّتِي تَأْخُذُ بِبَصَرِك عَلَى الْبُعْدِ، وَالْمَلِيحَةُ هِيَ الَّتِي تَأْخُذُ بِقَلْبِك عَلَى الْقُرْبِ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْأَغَانِي: قَالَتْ سُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ يَوْمًا لِعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ: أَنَا أَجْمَلُ مِنْك، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ أَنَا أَجْمَلُ مِنْك، فَاخْتَصَمَتَا إلَى عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا، أَمَّا أَنْتِ يَا سُكَيْنَةُ فَأَمْلَحُ، وَأَمَّا أَنْتِ يَا عَائِشَةُ فَأَجْمَلُ، فَقَالَتْ سُكَيْنَةُ: قَضَيْت وَاَللَّهِ لِي عَلَيْهَا.
وَقَالَتْ امْرَأَةٌ لِخَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ: مَا أَجْمَلَكَ يَا أَبَا صَفْوَانَ، قَالَ: كَيْفَ تَقُولِينَ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِي عَمُودُ الْجَمَالِ وَلَا رِدَاؤُهُ وَلَا بُرْنُسُهُ، أَمَّا عَمُودُهُ فَالْقَوَامُ وَالِاعْتِدَالُ وَأَنَا قَصِيرٌ، وَأَمَّا رِدَاؤُهُ فَالْبَيَاضُ وَلَسْت بِأَبْيَضَ، وَأَمَّا بُرْنُسُهُ فَسَوَادُ الشَّعْرِ وَجُعُودَتِهِ وَأَنَا أَصْلَعُ، وَلَوْ قُلْت مَا أَمْلَحَك لَصَدَقْت.
وَفِي كِتَابِ فِقْهِ اللُّغَةِ قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ: إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ بِهَا مَسْحَةٌ مِنْ جَمَالٍ فَهِيَ جَمِيلَةٌ وَضِيئَةٌ، فَإِذَا أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْحُسْنِ فَهِيَ حُسَانَةٌ، فَإِذَا اسْتَغْنَتْ بِجَمَالِهَا عَنْ الزِّينَةِ فَهِيَ غَانِيَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تُبَالِي أَنْ لَا تَلْبَسَ ثَوْبًا حَسَنًا وَلَا تَتَقَلَّدَ قِلَادَةً حَسَنَةً فَهِيَ مِعْطَالٌ، فَإِذَا كَانَ حُسْنُهَا بَائِنًا كَأَنَّهُ قَدْ وَسِمَ فَهِيَ وَسِيمَةٌ، فَإِذَا قُسِمَ لَهَا حَظٌّ وَافِرٌ مِنْ الْحُسْنِ فَهِيَ قَسِيمَةٌ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ إلَيْهَا يَسُرُّ الرَّوْعَ فَهِيَ رَائِعَةٌ، فَإِذَا غَلَبَتْ النِّسَاءَ بِحُسْنِهَا فَهِيَ بَاهِرَةٌ.
وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: الصَّبَاحَةُ فِي الْوَجْهِ، وَالْوَضَاءَةُ فِي الْبَشَرَةِ، وَالْجَمَالُ فِي الْأَنْفِ، وَالْحَلَاوَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَالْمَلَاحَةُ فِي الْفَمِ، وَالظُّرْفُ فِي اللِّسَانِ. وَالرَّشَاقَةُ فِي الْقَدِّ، وَاللَّبَاقَةُ فِي الشَّمَائِلِ. وَكَمَالُ الْحُسْنِ الشَّعْرُ.
стр. 883
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَالْبَرَاعَةُ فِي الْجِيدِ. وَالرِّقَّةُ فِي الْأَطْرَافِ، وَأَكْثَرُ هَذَا التَّنْزِيلِ عَلَى التَّقْرِيبِ، وَالتَّحْقِيقِ مِنْهُ بَعِيدٌ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِأَعْرَابِيَّةٍ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ فَصِفِي لِي النِّسَاءَ، قَالَتْ لَهُ: عَلَيْك بِالْبَضَّةِ الْبَيْضَاءِ الدَّرْمَاءِ اللَّعْسَاءِ الشَّمَّاءِ الْجَيْدَاءِ؛ الرَّبْحَلَةِ السَّبْحَلَةِ، الْمُدْمَجَةِ الْمَتْنِ، الْخَمِيصَةِ الْبَطْنِ، ذَاتِ الثَّدْيِ النَّاهِدِ، وَالْفَرْعِ الْوَارِدِ
وَالْعَيْنِ النَّجْلَاءِ، وَالْحَدَقَةِ الْكَحْلَاءِ، وَالْعَجِيزَةِ الْوَثِيرَةِ، وَالسَّاقِ الْمَمْكُورَةِ، وَالْقَدَمِ الصَّغِيرَةِ فَإِنْ أَصَبْتهَا فَأَعْطِهَا الْحُكْمَ فَإِنَّهُ غُنْمٌ مِنْ الْغُنْمِ.
قَالَ فِي كِفَايَة الْمُتَحَفِّظِ: الْبَضَّةُ الرَّقِيقَةُ الْجِلْدِ. وَفِي الْقَامُوسِ: دَرِمَ كَفَرِحِ اسْتَوَى وَالْكَعْبُ أَوْ الْعَظْمُ وَأُرَاهُ اللَّحْمَ حَتَّى لَمْ يَبِنْ لَهُ حَجْمٌ. وَامْرَأَةٌ دَرْمَاءُ لَا يَتَبَيَّنُ كُعُوبُهَا وَمَرَافِقُهَا. وَاللَّعْسَاءُ هِيَ الَّتِي فِي شَفَتِهَا سَوَادٌ. وَكَذَا اللَّمْيَاءُ وَالشَّمَّاءُ هِيَ الَّتِي فِي أَنْفِهَا ارْتِفَاعٌ وَاسْتِوَاءٌ؛ فَإِنْ ارْتَفَعَ وَسَطُ الْأَنْفِ عَنْ طَرَفَيْهِ فَهُوَ أَقْنَى وَالْمَرْأَةُ قَنْوَاءُ وَالْجَيْدَاءُ طَوِيلَةُ الْجِيدِ، وَالْجِيدُ بِالْكَسْرِ الْعُنُقُ أَوْ مُقَلَّدُهُ أَوْ مُقَدَّمُهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِيهِ جَارِيَةٌ رِبْحِلَةٌ ضَخْمَةٌ جَيِّدَةُ الْخَلْقِ طَوِيلَةٌ. وَالسَّبْحَلَةُ الْحَسَنَةُ الْخَلْقِ.
قَالَ الْمُتَنَبِّي:
سَارُوا بِخَرْعُوبَةٍ لَهَا كِفْلٌ ... يَكَادُ عِنْدَ الْقِيَامِ يُقْعِدُهَا
رِبْحِلَةٌ أَسْمَرُ مُقْبِلُهَا ... سَبْحَلَةٌ أَبْيَضُ مَجْرَدُهَا
وَالْمَتْنُ الظَّهْرُ. وَمَعْنَى مُدْمَجَةٍ أَيْ مَلْفُوفَةِ الْمَتْنِ، وَقَوْلُهَا: الْخَمِيصَةِ الْبَطْنِ أَيْ خَالِيَةِ الْبَطْنِ بِمَعْنَى أَنَّهَا غَيْرُ مُنْتَفِخَةِ الْبَطْنِ، يُقَالُ خَمِصَ الْبَطْنُ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ خَلَا. وَيُقَالُ: رَجُلٌ خُمَصَانُ بِالضَّمِّ وَالتَّحْرِيكِ وَخَمِيصُ الْحَشَى أَيْ ضَامِرُ الْبَطْنِ وَهِيَ خَمْصَانَةٌ وَخَمِيصَةٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَوْلُهَا ذَاتِ الثَّدْيِ النَّاهِدِ أَيْ صَاحِبَةِ الثَّدْيِ الْمُرْتَفِعِ؛ وَالْفَرْعِ الْوَارِدِ أَيْ الشَّعْرِ الطَّوِيلِ؛ وَالْعَيْنِ النَّجْلَاءِ أَيْ الْوَاسِعَةِ؛ وَالْحَدَقَةِ الْكَحْلَاءِ؛ الْحَدَقَةُ إنْسَانُ الْعَيْنِ وَالْكُحْلُ سَوَادُهَا خِلْقَةً؛ وَالْعَجِيزَةُ الْكِفْلُ؛ وَقَوْلُهَا الْوَثِيرَةِ أَيْ كَثِيرَةِ اللَّحْمِ أَوْ السَّمِينَةِ الْمُوَافِقَةِ لِلْمُضَاجَعَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَقَوْلُهَا وَالسَّاقِ الْمَمْكُورَةِ الْغَلِيظَةِ الْحَسْنَاءِ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 884
وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْحُورَ الْعِينَ بِأَوْصَافٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَنَّهُنَّ حُورٌ؛ وَالْحَوَرُ شِدَّةُ بَيَاضِ أَبْيَضِ الْعَيْنِ وَشِدَّةُ سَوَادِ أَسْوَدِهَا. وَقِيلَ الْعَيْنُ الَّتِي بَدَنُهَا أَسْوَدُ كَعَيْنِ الْمَهَا وَبَقَرِ الْوَحْشِ. وَالْعَيْنُ جَمْعُ عَيْنَاءُ؛ وَهِيَ وَسِيعَةُ الْعَيْنِ. وَوَصَفَهُنَّ بِأَنَّهُنَّ كَوَاعِبُ جَمْعُ كَاعِبٍ؛ وَهِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي قَدْ تَكَعَّبَ ثَدْيُهَا وَاسْتَدَارَ وَلَمْ يَتَدَلَّ إلَى أَسْفَلَ؛ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ خَلْقِ النِّسَاءِ وَهُوَ مُلَازِمٌ لِسِنِّ الشَّبَابِ.
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ. وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُشَوِّقُ أَهْلَ الْإِيمَانِ إلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ؛ لِيَدْخُلُوا فَسَيَّحَ الْجِنَانِ. وَيَتَنَعَّمُوا بِالْحُورِ الْحِسَانِ. وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ. .
ثُمَّ إنَّ النَّاظِمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَسُرُّ زَوْجَهَا إذَا نَظَرَ إلَيْهَا أَوْصَافًا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهَا فَقَالَ:
مَطْلَبٌ: فِي أَوْصَافِ الْمَرْأَةِ الْمَحْمُودَةِ:
قَصِيرَةُ أَلْفَاظٍ قَصِيرَةُ بَيْتِهَا ... قَصِيرَةُ طَرْفِ الْعَيْنِ عَنْ كُلِّ أَبْعَدِ
(قَصِيرَةُ أَلْفَاظٍ) أَيْ لَيْسَتْ طَوِيلَةَ اللِّسَانِ عَلَى زَوْجِهَا وَلَا عَلَى غَيْرِهِ؛ وَلَا هِيَ قَبِيحَةُ الْأَلْفَاظِ بِحَيْثُ أَنَّهَا تَسْتَطِيلُ عَلَى بَعْلِهَا بِكَلَامِهَا وَلَا هِيَ بِالْبَذِيَّةِ بَلْ قَصِيرَةُ اللِّسَانِ وَالْأَلْفَاظِ لَا تَتَكَلَّمُ إلَّا بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ. وَهَذَا قِصَرٌ مَعْنَوِيٌّ (قَصِيرَةُ بَيْتِهَا) أَيْ مَقْصُورَةٌ عَلَى بَيْتِهَا لَا تَدُورُ فِي الْبُيُوتِ وَالْأَسْوَاقِ. بَلْ لَا تَزَالُ مُقِيمَةً فِي بَيْتِهَا مَقْصُورَةً فِيهِ. وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَيْ مَسْتُورَاتٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَقْصُورَاتُ الْمَحْبُوسَاتُ.
قَالَ الْإِمَام الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي حَادِي الْأَرْوَاحِ إلَى مَنَازِلِ الْأَفْرَاحِ. وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يُرِدْنَ غَيْرَهُمْ وَهُمْ فِي الْخِيَامِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ قُصِرْنَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يُرِدْنَ غَيْرَهُمْ وَلَا يَطْمَحْنَ إلَى سِوَاهُمْ؛ ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ (قَصِيرَةُ طَرْفِ الْعَيْنِ) أَيْ لَا تَطْمَحُ بِطَرْفِهَا إلَى غَيْرِ زَوْجِهَا.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (عَنْ كُلِّ) رَجُلٍ (أَبْعَدِ) بَلْ طَرْفُهَا مَقْصُورٌ عَلَى زَوْجِهَا فَقَطْ. وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَّحِدٌ هُوَ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي. لَكِنَّ هُنَا قَاصِرَاتٌ الطَّرْفِ بِأَنْفُسِهِنَّ وَهُنَاكَ
стр. 885
مَقْصُورَاتٌ؛ وَكَأَنَّ مَنْ فَسَّرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] فَرَّ مِنْ أَنْ يَكُنَّ مَحْبُوسَاتٍ فِي الْخِيَامِ لَا تُفَارِقُهَا إلَى الْغُرَفِ وَالْبَسَاتِينِ. وَأَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَهُنَّ بِصِفَاتِ النِّسَاءِ الْمُخَدَّرَاتِ الْمَصُونَاتِ وَذَلِكَ أَكْمَلُ فِي الْوَصْفِ. وَلَا يَلْزَمُ أَنَّهُنَّ لَا يُفَارِقْنَ الْخِيَامَ إلَى الْغُرَفِ وَالْبَسَاتِينِ.
كَمَا أَنَّ نِسَاءَ الْمُلُوكِ وَمَنْ دُونَهُمْ مِنْ الْمُخَدَّرَاتِ الْمَصُونَاتِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَخْرُجْنَ فِي سَفَرٍ وَغَيْرِهِ إلَى مُنْتَزَهٍ وَبُسْتَانٍ وَنَحْوِهِ؛ فَوَصْفُهُنَّ اللَّازِمُ لَهُنَّ الْقَصْرُ فِي الْبَيْتِ؛ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُنَّ مَعَ الْخَدَمِ الْخُرُوجُ إلَى الْبَسَاتِينِ وَنَحْوِهَا. وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ مَقْصُورَاتٌ قُلُوبُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فِي خِيَامِ اللُّؤْلُؤِ فَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ.
مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ الْأُمُورِ الْمُسْتَحْسَنَاتِ فِي الْمَرْأَةِ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَمَالِ.
قَالَ فِي حَادِي الْأَرْوَاحِ: يُسْتَحَبُّ السَّعَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: وَجْهُهَا وَصَدْرُهَا وَكَاهِلُهَا - وَهُوَ مَا بَيْنَ كَتِفَيْهَا - وَجَبْهَتُهَا. وَيُسْتَحَبُّ مِنْهَا الْبَيَاضُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: لَوْنُهَا وَفَرْقُهَا وَثَغْرُهَا وَبَيَاضُ عَيْنِهَا، وَالسَّوَادُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: عَيْنُهَا وَحَاجِبُهَا وَهُدْبُهَا وَشَعْرُهَا. وَيُسْتَحَبُّ الطُّولُ مِنْهَا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ قَوَامُهَا وَعُنُقُهَا وَشَعْرُهَا وَبَنَانُهَا. وَيُسْتَحَبُّ الْقِصَرُ مِنْهَا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَهِيَ مَعْنَوِيَّةٌ: لِسَانُهَا وَيَدُهَا وَرِجْلُهَا وَعَيْنُهَا، فَتَكُونُ قَاصِرَةَ الطَّرْفِ، قَصِيرَةَ الرِّجْلِ عَنْ الْخُرُوجِ، قَصِيرَةَ اللِّسَانِ عَنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ، قَصِيرَةَ الْيَدِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا يَكْرَهُ الزَّوْجُ وَعَنْ بَذْلِهِ. وَيُسْتَحَبُّ الرِّقَّةُ مِنْهَا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: خَصْرُهَا وَفَرْقُهَا وَحَاجِبَاهَا وَأَنْفُهَا.
وَقَالَ فِي رَوْضَةِ الْمُحِبِّينَ: وَمِمَّا يُسْتَحْسَنُ فِي الْمَرْأَةِ طُولُ أَرْبَعَةٍ: وَهِيَ أَطْرَافُهَا وَقَامَتُهَا وَشَعْرُهَا وَعُنُقُهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَنَانَ.
وَقَالَ وَقِصَرُ أَرْبَعَةٍ: يَدُهَا وَرِجْلُهَا وَلِسَانُهَا وَعَيْنُهَا، فَلَا تَبْذُلُ مَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا، وَلَا تَسْتَطِيلُ بِلِسَانِهَا، وَلَا تَطْمَحُ بِعَيْنِهَا. قَالَ وَحُمْرَةُ أَرْبَعَةٍ: لِسَانُهَا وَخَدُّهَا وَشَفَتُهَا مَعَ لَعَسٍ وَإِشْرَابُ بَيَاضِهَا بِحُمْرَةٍ. وَقَالَ فِي الرِّقَّةِ: أَنْفُهَا وَبَنَانُهَا وَخَصْرُهَا وَحَاجِبُهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَرْقَ هُنَا. قَالَ وَغِلَظُ أَرْبَعَةٍ: سَاقُهَا وَمِعْصَمُهَا وَعَجِيزَتُهَا وَذَاكَ مِنْهَا. وَقَالَ فِي الْوَسَاعِ مِنْهَا: جَبِينُهَا وَوَجْهُهَا وَعَيْنُهَا وَصَدْرُهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَاهِلَ. قَالَ وَضِيقُ أَرْبَعَةٍ: فَمُهَا
стр. 886
وَمِنْخَرُهَا وَخَرْقُ أُذُنِهَا وَذَاكَ مِنْهَا.
قَالَ فَهَذِهِ يَعْنِي الَّتِي تَجْمَعُ هَذِهِ الْأَوْصَافَ أَحَقُّ بِقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
لَوْ أَنَّ عَزَّةَ خَاصَمَتْ شَمْسَ الضُّحَى ... فِي الْحُسْنِ عِنْدَ مُوَفَّقٍ لَقَضَى لَهَا
انْتَهَى. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْجَمَالِ وَالْمَلَاحَةِ مَا نَصُّهُ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَكَاسِرَةِ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي الْمَرْأَةِ أَرْبَعَةٌ سُودٌ، وَأَرْبَعَةٌ بِيضٌ، وَأَرْبَعَةٌ حُمْرٌ، وَأَرْبَعَةٌ كِبَارٌ، وَأَرْبَعَةٌ صِغَارٌ، وَأَرْبَعَةٌ وَاسِعَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ ضَيِّقَةٌ، فَذَكَرَهَا عَلَى نَحْوِ مَا قَدَّمْنَا، إلَّا أَنَّهُ بَدَّلَ الْفَرْقَ فِي الْبِيضِ بِالظُّفْرِ قَالَ إلَّا أَنْ يُصْبَغَ. وَفِي الْحُمْرِ قَالَ الْوَجْنَتَانِ وَالشَّفَتَانِ وَاللِّسَانِ وَاللِّثَةِ.
قَالَ وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْكِبَارُ فَالثَّدْيَانِ وَالْفَرْجُ وَالْعَجِيزَةُ وَالرُّكْبَتَانِ. وَقَالَ فِي الصِّغَارِ الْأُذُنَانِ وَالْفَمُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ. وَالْأَرْبَعَةُ الْوَاسِعَةُ الْجَبِينُ وَأُصُولُ الثَّدْيَيْنِ وَالْعَيْنَانِ وَالسُّرَّةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَرْشَدَ النَّاظِمُ إلَى الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ الْوَلُودِ الْوَدُودِ فَقَالَ:
مَطْلَبٌ: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْتَارَ ذَاتَ الدِّينِ الْوَدُودَ الْوَلُودَ الْحَسِيبَةَ:
عَلَيْك بِذَاتِ الدِّينِ تَظْفَرُ بِالْمُنَى الْ ... وَدُودِ الْوَلُودِ الْأَصْلِ ذَاتِ التَّعَبُّدِ
(عَلَيْك) أَيْ الْزَمْ أَيُّهَا الْأَخُ الْمَرِيدُ النِّكَاحَ (بِ) نِكَاحِ (ذَاتِ) أَيْ صَاحِبَةِ (الدِّينِ) أَيْ الدَّيِّنَةِ مِنْ بَيْتِ دِينٍ وَأَمَانَةٍ وَعِفَّةٍ وَصِيَانَةٍ، إذْ الدِّيَانَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ كُلَّهُ، فَإِنْ فَعَلْت (تَظْفَرُ) أَيْ تَفُوزُ (بِالْمُنَى) أَيْ الْمَطْلُوبِ وَتَسْتَرِيحُ مِنْ الْهَمِّ وَالْعَنَاءِ.
أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالْبَزَّازُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى إحْدَى خِصَالٍ: لِجَمَالِهَا وَمَالِهَا وَخُلُقِهَا وَدِينِهَا فَعَلَيْك بِذَاتِ الدِّينِ وَالْخُلُقِ تَرِبَتْ يَمِينُك» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» .
стр. 887
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: قَوْلُهُ " تَرِبَتْ " كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا الْحَثُّ وَالتَّحْرِيضُ، وَقِيلَ هِيَ هُنَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالْفَقْرِ، وَقِيلَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، وَاللَّفْظُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا قَابِلٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. قَالَ وَالْآخَرُ هُنَا أَظْهَرُ وَمَعْنَاهُ اظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ وَلَا تَلْتَفِتْ إلَى الْمَالِ أَكْثَرَ اللَّهُ مَالَك. وَرُوِيَ الْأَوَّلُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى الْفَقْرَ خَيْرًا لَهُ مِنْ الْغِنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَبِيِّهِ ﷺ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَطَالِعِ: قَوْلُهُ ﷺ «تَرِبَتْ يَدَاك» قَالَ مَالِكٌ: خَسِرَتْ يَدَاك. وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُ: اسْتَغْنَتْ، وَأَنْكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ أَيْ لَا يُقَالُ فِي الْغِنَى إلَّا أَتْرَبَ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: إنَّمَا هُوَ تَرِبْت أَيْ اسْتَغْنَيْت، وَهِيَ لُغَةٌ لِلْقِبْطِ جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ، وَهِيَ تَرُدُّهَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَمَعْرُوفُ كَلَامِ الْعَرَبِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ ضَعُفَ عَقْلُك أَتَجْهَلُ هَذَا؟ وَقِيلَ افْتَقَرَتْ يَدَاك مِنْ الْعِلْمِ. وَقِيلَ هُوَ حَضٌّ عَلَى تَعَلُّمِ مِثْلٍ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لِلَّهِ دَرُّك. وَقِيلَ امْتَلَأَتْ تُرَابًا. وَقِيلَ تَرِبَتْ أَصَابَهَا التُّرَابُ، وَمِنْهُ تَرِبَ جَبِينُك وَأَصْلُهُ الْقَتِيلُ يُقْتَلُ فَيَقَعُ عَلَى جَبِينِهِ فَيَتَتَرَّبُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ.
قَالَ: وَالْأَصَحُّ فِيهِ وَفِي مِثْلِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّهُ دُعَاءٌ يُدْعَمُ بِهِ الْكَلَامُ وَيُوصَلَ تَهْوِيلًا لِلْخَبَرِ، مِثْلَ اُنْجُ لَا أَبًا لَكَ، وَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، وَهَوَتْ أُمُّهُ، وَوَيْلُ أُمِّهِ، وَحَلْقَى عَقْرَى، وَأَلَّ وَعَلَّ، لَا يُرَادُ وُقُوعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ أَصْلَهُ الدُّعَاءُ، لَكِنَّهُمْ قَدْ أَخْرَجُوهُ عَنْ أَصْلِهِ إلَى التَّأْكِيدِ زِيَادَةً، وَإِلَى التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِحْسَانِ تَارَةً، وَإِلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّعْظِيمِ أُخْرَى. انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعَلَى الْعَاقِلِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَنْ يَرْغَبَ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ الْمُعْتَمَدُ وَالْعَمُودُ، وَهُوَ الْغَايَةُ وَالْمَقْصُودُ.
وَيُحْكَى أَنَّ نُوحَ بْنَ مَرْيَمَ قَاضِيَ مَرْوَ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ، فَشَاوَرَ جَارًا لَهُ مَجُوسِيًّا، فَقَالَ: النَّاسُ يَسْتَفْتُونَك وَأَنْتَ تَسْتَفْتِينِي، قَالَ لَا بُدَّ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ. فَقَالَ إنَّ رَئِيسَنَا كِسْرَى كَانَ يَخْتَارُ الْمَالَ، وَرَئِيسَ النَّصَارَى قَيْصَرَ كَانَ يَخْتَارُ الْجَمَالَ، وَجَاهِلِيَّةَ الْعَرَبِ كَانَتْ تَخْتَارُ الْحَسَبَ وَالنَّسَبَ، وَرَئِيسَكُمْ مُحَمَّدًا كَانَ يَخْتَارُ الدِّينَ، فَانْظُرْ أَنْتَ بِأَيِّهِمْ تَقْتَدِي.
стр. 888
ثُمَّ وَصَفَ النَّاظِمُ ذَاتَ الدِّينِ الْمَرْغُوبَ فِي نِكَاحِهَا بِأَوْصَافٍ زَائِدَةٍ عَلَى كَوْنِهَا دَيِّنَةً فَقَالَ (الْوَدُودَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَهُوَ مِنْ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَّكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ؛ لِأَنَّهُ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ وَكَذَا وَلُودٌ كَصَبُورٍ بِمَعْنَى صَابِرٍ أَيْ وَادَّةٌ لِزَوْجِهَا بِمَعْنَى أَنَّهَا تُحِبُّهُ (الْوَلُودُ الْأَصْلِ) أَيْ الَّتِي مِنْ أَصْلِ ذَوَاتِ أَوْلَادٍ يَعْنِي أُمَّهَاتِهَا ذَوَاتِ أَوْلَادٍ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أَصَبْت امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ وَمَالٍ إلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ فَنَهَاهُ. ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ نِسَاءَهَا كَثِيرَاتُ الْأَوْلَادِ، لِأَنَّ فَعُولٌ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ (ذَاتَ) أَيْ صَاحِبَةَ (التَّعَبُّدِ) أَيْ الْعِبَادَةِ الْكَثِيرَةِ مِنْ الْقِيَامِ وَالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَالتَّأَلُّهِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخَلْقِ الْعِبَادَةُ بِشَهَادَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
حَسِيبَةُ أَصْلٍ مِنْ كِرَامٍ تَفُزْ إذًا بِوُلْدٍ كِرَامٍ وَالْبَكَارَةَ فَاقْصِدْ (حَسِيبَةَ أَصْلٍ) الْحَسَبُ مَا تَعُدُّهُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِك، أَوْ الْكَرَمُ أَوْ الشَّرَفُ فِي الْفِعْلِ أَوْ الْفِعَالُ الصَّالِحَةُ، أَوْ الشَّرَفُ الثَّابِتُ فِي الْآبَاءِ. وَبَعْضُهُمْ قَالَ: الْحَسَبُ وَالْكَرَمُ قَدْ يَكُونَانِ لِمَنْ لَا آبَاءَ لَهُ شُرَفَاءُ، وَالشَّرَفُ وَالْمَجْدُ لَا يَكُونَانِ إلَّا بِهِمْ. وَفِي الْمَطَالِعِ: حَسَبُ الرَّجُلِ آبَاؤُهُ الْكِرَامُ الَّذِينَ تُعَدُّ مَنَاقِبُهُمْ وَتُحْسَبُ عِنْدَ الْمَفَاخِرِ، انْتَهَى.
وَفِي الْمُطْلِعِ: الْحَسِيبَةُ هِيَ النَّسِيبَةُ. وَأَصْلُ الْحَسَبِ الشَّرَفُ بِالْآبَاءِ وَمَا يَعُدُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِهِمْ، يَعْنِي أَنَّهَا تَكُونُ حَسِيبَةً مِنْ جِهَةِ أَصْلِهَا.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْحَسِيبَةَ كَذَلِكَ فَمَا فَائِدَةُ زِيَادَةِ أَصْلٍ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا حَشْوٌ لِلْوَزْنِ أَوْ لِزِيَادَةِ التَّنْصِيصِ، فَإِنَّ ذَلِكَ طَافِحٌ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ. وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنَّمَا زَادَهَا احْتِرَازًا مِنْ تَوَهُّمِ إرَادَةِ الْمَالِ وَالدِّينِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْحَسَبُ مَا تَعُدُّهُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِك أَوْ
стр. 889
الْمَالِ أَوْ الدِّينِ، فَصَرَّحَ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ حَسِيبَةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا الدِّينُ فَقَدْ ذَكَرَهُ سَابِقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ زَادَ ذَلِكَ بَيَانًا بِقَوْلِهِ مُتَوَلِّدَةٌ وَنَاشِئَةٌ (مِنْ) قَوْمٍ (كِرَامٍ) غَيْرِ لِئَامٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْكَرَمُ مُحَرَّكَةٌ ضِدَّ اللُّؤْمِ، يُقَالُ كَرُمَ بِضَمِّ الرَّاءِ كَرَامَةً وَكَرَمًا وَكَرَمَةً مُحَرَّكَتَيْنِ فَهُوَ كَرِيمٌ وَكَرِيمَةٌ وَالْجَمْعُ كُرَمَاءُ وَكِرَامٌ وَكَرَائِمُ انْتَهَى.
وَفِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْكَرِيمُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْجَوَّادُ الْمُعْطِي الَّذِي لَا يَنْفُذُ عَطَاؤُهُ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْمُطْلَقُ. قَالَ وَالْكَرِيمُ الْجَامِعُ لِأَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالشَّرَفِ وَالْفَضَائِلِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ «إنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ» لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ لَهُ شَرَفُ النُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْجَمَالِ وَالْعِفَّةِ وَكَرَمِ الْأَخْلَاقِ وَالْعَدْلِ وَرِيَاسَةِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، فَهُوَ نَبِيُّ ابْنُ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيِّ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ فِي النُّبُوَّةِ.
مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ
وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي كِتَابِهِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى السَّخَاءِ وَالشُّحِّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ أَنَّ الشُّحَّ هُوَ شِدَّةُ الْحِرْصِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْإِحْفَاءُ فِي طَلَبِهِ، وَالِاسْتِقْصَاءُ فِي تَحْصِيلِهِ، وَجَشَعُ النَّفْسِ عَلَيْهِ.
وَالْبُخْلُ مَنْعُ إنْفَاقِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ وَحُبِّهِ وَإِمْسَاكِهِ، فَهُوَ شَحِيحٌ قَبْلَ حُصُولِهِ، بَخِيلٌ بَعْدَ حُصُولِهِ. فَالْبُخْلُ ثَمَرَةُ الشُّحِّ، وَالشُّحُّ يَدْعُو إلَى الْبُخْلِ، وَالشُّحُّ كَامِنٌ فِي النَّفْسِ، فَمَنْ بَخِلَ فَقَدْ أَطَاعَ شُحَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَبْخَلْ فَقَدْ عَصَى شُحَّهُ وَوُقِيَ شَرَّهُ وَذَلِكَ هُوَ الْمُفْلِحُ ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وَالسَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ خَلْقِهِ وَمِنْ أَهْلِهِ، وَقَرِيبٌ مِنْ الْجَنَّةِ وَبَعِيدٌ مِنْ النَّارِ. وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنْ خَلْقِهِ بَعِيدٌ مِنْ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنْ النَّارِ. فَجُودُ الرَّجُلِ يُحَبِّبُهُ إلَى أَضْدَادِهِ، وَبُخْلُهُ يُبَغِّضُهُ إلَى أَوْلَادِهِ، وَأَنْشَدَ:
وَيُظْهِرُ عَيْبَ الْمَرْءِ فِي النَّاسِ بُخْلُهُ ... وَيَسْتُرُهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا سَخَاؤُهُ
تَغَطَّ بِأَثْوَابِ السَّخَاءِ فَإِنَّنِي ... أَرَى كُلَّ عَيْبٍ وَالسَّخَاءُ غِطَاؤُهُ
قَالَ: وَحَدُّ السَّخَاءِ بَذْلُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَنْ يُوصِلَ ذَلِكَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُ مَنْ نَقَصَ عِلْمُهُ: حَدُّ الْجُودِ
стр. 890
بَذْلُ الْمَوْجُودِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَارْتَفَعَ اسْمُ السَّرَفِ وَالتَّبْذِيرِ، وَقَدْ وَرَدَ الْكِتَابُ بِذَمِّهِمَا وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا. قَالَ: وَإِذَا كَانَ السَّخَاءُ مَحْمُودًا فَمَنْ وَقَفَ عَلَى حَدِّهِ سُمِّيَ كَرِيمًا وَكَانَ لِلْحَمْدِ مُسْتَوْجِبًا، وَمَنْ قَصَّرَ عَنْهُ كَانَ بَخِيلًا وَلِلذَّمِّ مُسْتَوْجِبًا.
قَالَ وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى إبْرَاهِيمَ أَتَدْرِي لَمْ اتَّخَذْتُك خَلِيلًا؟ قَالَ لَا، قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْت الْعَطَاءَ أَحَبُّ إلَيْك مِنْ الْأَخْذِ» . قَالَ وَهَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ ﷻ ، فَإِنَّهُ يُعْطِي وَلَا يَأْخُذُ، وَيُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، وَهُوَ أَجْوَدُ الْأَجْوَدِينَ، وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، وَأَحَبُّ الْخَلْقِ إلَيْهِ مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَاتِهِ، فَإِنَّهُ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرِيمَ مِنْ عِبَادِهِ، وَعَالِمٌ يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ، وَقَادِرٌ يُحِبُّ الشُّجْعَانَ، وَجَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، انْتَهَى. .
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُسْتَحَبُّ نِكَاحُ دَيِّنَةٍ وَلُودٍ بِكْرٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَةٌ فِي نِكَاحِ الثَّيِّبِ أَرْجَحَ، مِنْ بَيْتٍ مَعْرُوفٍ بِالدِّينِ وَالْقَنَاعَةِ، حَسِيبَةٌ وَهِيَ النَّسِيبَةُ، أَيْ طَيِّبَةُ الْأَصْلِ لَا بِنْتَ زِنًا وَلَقِيطَةً وَمَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهَا. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ: لِنَجَابَةِ وَلَدِهَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَهْلَهَا وَنَزَعَ إلَيْهِمْ، انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «تَزَوَّجُوا فِي الْحُجَزِ الصَّالِحِ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ» قُلْت هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. قَالَ السُّيُوطِيّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: جَمِيعُ مَا أَعَزَوْهُ صللعقيلي وَابْنِ عَدِيٍّ وَابْنِ عَسَاكِرَ وَالْخَطِيبِ وَالْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ وَالْحَاكِمِ وَابْنِ النَّجَّارِ فِي تَارِيخِهِمَا وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ فَهُوَ ضَعِيفٌ فَيُسْتَغْنَى بِالْعَزْوِ إلَى هَذِهِ الْكُتُبِ عَنْ بَيَانِ الضَّعْفِ وَقَدْ عَزَاهُ لِابْنِ عَدِيٍّ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَفِيهِ «تَزَوَّجُوا فِي الْحُجَزِ الصَّالِحِ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ» الْحُجَزُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ الْأَصْلُ، وَقِيلَ " بِالضَّمِّ الْأَصْلُ وَالْمَنْبَتُ وَبِالْكَسْرِ هُوَ بِمَعْنَى الْحُجْزَةِ وَهِيَ هَيْئَةُ الْمُتَحَجِّزِ كِنَايَةً عَنْ الْعِفَّةِ وَطِيبِ الْإِزَارِ، وَقِيلَ هُوَ الْعَشِيرَةُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَجَزُ بِهِمْ أَيْ يَمْتَنِعُ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ أَيْ دَخَّالٌ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِأَنَّهُ نَزْعٌ فِي خَفَاءٍ وَلُطْفٍ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ مِنْ مَنْبَتٍ صَالِحٍ جَاءَ الْوَلَدُ يُشْبِهُ أَهْلَ الزَّوْجَةِ فِي الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَعَكْسُهُ.
فَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّاظِمُ ﵀ فَإِنْ تَفْعَلْ بِأَنْ تَزَوَّجْت
стр. 891
حَسِيبَةً مِنْ كِرَامٍ (تَفُزْ) أَيْ تَظْفَرْ (إذَا) يَعْنِي بِنِكَاحِهَا (بِوُلْدٍ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْوَلَدُ مُحَرَّكَةٌ وَبِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَاحِدٌ وَجَمْعٌ، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى أَوْلَادٍ وَوِلْدَةٍ بِالْكَسْرِ وَوُلْدٍ بِالضَّمِّ. وَمُرَادُ النَّاظِمِ هُنَا الْجَمْعُ بِشَهَادَةِ قَوْلِهِ (كِرَامٍ) جَمْعُ كَرِيمٍ وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَصْلُ الْمَحَاسِنِ كُلِّهَا الْإِكْرَامُ، وَالتَّفَضُّلُ عَلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
لَا تَنْكِحَنَّ سِوَى كَرِيمَةِ مَعْشَرٍ ... فَالْعِرْقُ دَسَّاسٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ
أَوَمَا تَرَى أَنَّ النَّتَائِجَ كُلَّهَا ... تَبَعُ الْأَخَسِّ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ
ثُمَّ قَالَ النَّاظِمُ (وَالْبَكَارَةَ) بِالْفَتْحِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْبِكْرُ بِالْكَسْرِ الْعَذْرَاءُ جَمْعُهَا أَبْكَارٌ، وَالْمَصْدَرُ الْبَكَارَةُ بِالْفَتْحِ، وَالْمَرْأَةُ وَالنَّاقَةُ إذَا وَلَدَتَا بَطْنًا وَاحِدًا، انْتَهَى.
وَفِي لُغَةِ الْإِقْنَاعِ: الْبِكْرُ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ مِنْ النِّسَاءِ الْعَذْرَاءُ وَهِيَ الْبَاقِيَةُ الْعُذْرَةُ، وَهِيَ مَا لَهَا مِنْ الِالْتِحَامِ قَبْلَ الْفِضَاضِ، وَالِاسْمُ الْبَكَارَةُ بِالْفَتْحِ، وَمُطْلَقُ الْبِكْرِ مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَالْجَمْعُ أَبْكَارٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا ذَاتُ الْبَكَارَةِ الَّتِي هِيَ الْعُذْرَةُ (فَاقْصِدْ) أَمْرٌ مِنْ قَصَدَ أَيْ عَمَدَ وَيَمَّمَ لِقَوْلِهِ ﷺ لِجَابِرٍ ﵁ «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ تُعْرَفُ الْبِكْرُ بِأَنَّهَا وَلُودٌ؟ فَالْجَوَابُ يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهَا مِنْ نِسَاءٍ يُعْرَفْنَ بِكَثْرَةِ الْأَوْلَادِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَزَوَّجُوا الْأَبْكَارَ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» . قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِيهِ عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَنْتَقُ أَرْحَامًا أَيْ أَكْثَرُ أَوْلَادًا، يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ الْكَثِيرَةِ الْوَلَدِ نَاتِقٌ؛ لِأَنَّهَا تَرْمِي بِالْأَوْلَادِ رَمْيًا، وَالنَّتْقُ الرَّمْيُ وَالْحَرَكَةُ.
وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَسُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ عُوَيْمِرِ بْنِ سَاعِدَةَ مَرْفُوعًا «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» .
وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ
стр. 892
فَإِنَّهُنَّ أَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَقَلُّ خِبًّا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» الْخَبُّ الْخِدَاعُ.
وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَسْخَنُ إقْبَالًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنْ الْعَمَلِ» فَإِنْ كَانَ مَصْلَحَةً فِي تَزْوِيجِ الْأَرْمَلَةِ كَمَا فَعَلَ جَابِرٌ لِتَقُومَ بِأَوَدِهِ وَتَكْفُلَ وَلَدَهُ كَانَ ذَلِكَ مَنْدُوبًا أَيْضًا فَإِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا. وَقَالُوا فِي الْأَبْكَارِ: أَشْهَى الْمَطِيِّ مَا لَمْ يُرْكَبْ، وَأَحَبُّ اللَّآلِئِ مَا لَمْ يُثْقَبْ، وَنَظَمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ:
قَالُوا نَكَحْت صَغِيرَةً فَأَجَبْتُهُمْ ... أَشْهَى الْمَطِيِّ إلَيَّ مَا لَمْ يُرْكَبْ
كَمْ بَيْنَ حَبَّةِ لُؤْلُؤٍ مَثْقُوبَةٍ ... ثَقْبًا وَحَبَّةِ لُؤْلُؤٍ لَمْ تُثْقَبْ
فَأَجَابَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ:
إنَّ الْمَطِيَّةَ لَا يُلَذُّ رُكُوبُهَا ... حَتَّى تُذَلَّلَ بِالرُّكُوبِ وَتُرْكَبَا
وَالْحَبُّ لَيْسَ بِنَافِعٍ أَحْبَابَهُ ... مَا لَمْ يُؤَلَّفْ فِي النِّظَامِ وَيُثْقَبَا
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ رَحِمُهُ الْمَلِكُ الْمُتَعَالُ: مَطْلَبٌ: الِاقْتِصَارُ عَلَى زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ أَقْرَبُ لِلْعَدْلِ:
وَوَاحِدَةٌ أَدْنَى مِنْ الْعَدْلِ فَاقْتَنِعْ ... وَإِنْ شِئْت فَابْلُغْ أَرْبَعًا لَا تَزَيَّدْ
(وَ) زَوْجَةٌ (وَاحِدَةٌ أَدْنَى) أَيْ أَقْرَبُ (مِنْ الْعَدْلِ) الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْجَوْرِ وَالْمَيْلِ بِشَهَادَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] (فَاقْتَنِعْ) بِوَاحِدَةٍ تَسْلَمْ مِنْ دَيْجُورِ الْجَوْرِ، يُقَالُ قَنِعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا وَقَنَاعَةً بِالْكَسْرِ إذَا رَضِيَ، وَقَنَعَ بِالْفَتْحِ يَقْنَعُ قُنُوعًا إذَا سَأَلَ.
وَمِنْ الْأَوَّلِ: الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنْهَا لَا يَنْقَطِعُ كُلَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا قَنَعَ بِمَا دُونَهُ وَرَضِيَ. وَفِي الْحَدِيثِ «عَزَّ مَنْ قَنِعَ وَذَلَّ مَنْ طَمِعَ» لِأَنَّ الْقَانِعَ لَا يُذِلُّهُ الطَّلَبُ فَلَا يَزَالُ عَزِيزًا (وَإِنْ شِئْت) الزِّيَادَةَ عَنْ الْوَاحِدَةِ (فَابْلُغْ) فِي زِيَادَتِك (أَرْبَعًا) مِنْ النِّسَاءِ الْحَرَائِرِ إنْ كُنْت حُرًّا، فَإِنَّ ذَلِكَ نِهَايَةَ جَمْعِ الْحُرِّ.
стр. 893
لَا تَزَيَّدْ) لَا نَاهِيَةٌ وَتَزَيَّدْ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ مَجْزُومٍ بِهَا وَكُسِرَ لِلْقَافِيَةِ. فَلَيْسَ لِلْحُرِّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ إلَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِمَا شَاءَ مِنْ الْإِمَاءِ وَلَوْ كِتَابِيَّاتٍ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ. وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ وَنُسِخَ تَحْرِيمُ الْمَنْعِ. وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّسَرِّي وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ. وَلِمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ فَأَكْثَرُ نِكَاحُ ثَلَاثَةٍ نَصًّا.
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى وَاحِدَةٍ إنْ حَصَلَ بِهَا الْإِعْفَافُ، وَكُلُّ هَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَقْرَبُ مِنْ أَنْ لَا تَمِيلُوا. يُقَالُ عَالَ الْمِيزَانُ إذَا مَالَ، وَعَالَ الْحَكَمُ إذَا جَارَ، وَعَوْلُ الْفَرِيضَةِ الْمَيْلُ عَنْ حَدِّ السِّهَامِ الْمُسَمَّاةِ.
وَفُسِّرَ بِأَنْ لَا يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ كَثْرَةَ النِّسَاءِ مَظِنَّةُ الْمَيْلِ عَنْ حَدِّ الِاسْتِقَامَةِ وَالْجَوْرُ فِي الْقَسْمِ بَيْنُهُنَّ وَعَدَمُ السَّلَامَةِ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفْظُهُ «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» . وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِنَحْوِ رِوَايَةِ النَّسَائِيّ هَذِهِ إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا «جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ»
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ رُوِيَ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ يَعْنِي الْقَلْبَ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ -
стр. 894
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا» وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
" تَتِمَّةٌ " كَانَ النَّاسُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَهُمْ شَأْنٌ غَيْرُ شَأْنِ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ، فَقَدْ كَانَ لِدَاوُدَ ﵇ مِائَةُ امْرَأَةٍ، وَلِوَلَدِهِ سُلَيْمَانَ ﵇ أَلْفُ امْرَأَةٍ، وَكَانَ لِنَبِيِّنَا ﷺ عِدَّةٌ مِنْ النِّسَاءِ، وَمَاتَ عَنْ تِسْعَةٍ وَسُرِّيَّتَيْنِ، وَكَانَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَبَضْعَةِ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ أَرْبَعُ حَرَائِرَ وَسَبْعَ عَشْرَةَ سُرِّيَّةً، وَتَزَوَّجَ ابْنُهُ الْحَسَنُ بِنَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ امْرَأَةٍ، فَكَانُوا قَدْ أُيِّدُوا بِالْقُوَّةِ وَهُنَّ بِالصَّبْرِ بِخِلَافِ عَصْرِنَا لِكُلِّ زَمَانٍ دَوْلَةٌ وَرِجَالٌ.
مَطْلَبٌ: النِّكَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا مُسْتَحْسَنٌ وَضْعًا وَطَبْعًا وَيَعْتَرِيهِ أَحْكَامٌ أَرْبَعَةٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
(الْأَوَّلُ) : النِّكَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا، مُسْتَحْسَنٌ وَضْعًا وَطَبْعًا، فَإِنَّ بِهِ بَقَاءَ النَّسْلِ، وَعَمَارَ الدُّنْيَا، وَعِبَادَةَ اللَّهِ، وَالْقِيَامَ بِالْأَحْكَامِ، وَذِكْرَ اللَّهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالتَّوْحِيدِ وَالصِّيَامِ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ، وَحَضَّ عَلَيْهِ رَسُولُهُ الْكَرِيمُ. قَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] .
ثُمَّ إنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَعْتَرِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ أَرْبَعَةٌ، فَيُسَنُّ لِذِي شَهْوَةٍ وَلَا يَخَافُ الزِّنَا وَلَوْ فَقِيرًا، وَاشْتِغَالُهُ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، وَيُبَاحُ لِمَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَخَافُ الزِّنَا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ عَلِمَا أَوْ ظَنَّا، وَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ عَلَى حَجٍّ وَاجِبٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁، وَلَا يَكْتَفِي فِي الْوُجُوبِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ يَكُونُ فِي مَجْمُوعِ الْعُمْرِ، وَلَا يَكْتَفِي بِالْعَقْدِ فَقَطْ، بَلْ يَجِبُ الِاسْتِمْتَاعُ، وَيَجْزِي التَّسَرِّي عَنْهُ، وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَيَحْرُمُ بِدَارِ حَرْبٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ يَحْرُمْ. وَيَعْزِلُ وُجُوبًا إنْ حُرِّمَ وَإِلَّا اسْتِحْبَابًا. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَلَا حُرْمَةَ. وَقِيلَ إنَّ النِّكَاحَ لِغَيْرِ ذِي شَهْوَةٍ مَكْرُوهٌ لِمَنْعِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا
стр. 895
مِنْ التَّحْصِينِ بِغَيْرِهِ، وَإِضْرَارِهَا بِحَبْسِهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِوَاجِبَاتٍ وَحُقُوقٍ لَعَلَّهُ لَا يَقُومُ بِجَمِيعِهَا، وَيَشْتَغِلُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ أَنَّهُ لَا يَنْكِحُ مَعَ الْفَقْرِ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَهُنَا ذَكَرْت أَنَّهُ يُسَنُّ لِذِي شَهْوَةٍ وَلَوْ فَقِيرًا حَيْثُ لَمْ يَخَفْ الزِّنَا.
فَالْجَوَابُ كَلَامُ النَّاظِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَرْجُوحٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمَنْصُوصُ حَتَّى لِفَقِيرٍ. وَجَزَمَ فِي النَّظْمِ لَا يَتَزَوَّجُ فَقِيرٌ إلَّا ضَرُورَةً. وَكَذَا قَيَّدَهَا ابْنُ رَزِينٍ بِالْمُوسِرِ وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرْنَا نَقَلَ صَالِحٌ عَنْ الْإِمَامِ يَقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَيُمْسِي وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ ﷺ «زَوَّجَ رَجُلًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ وَلَا وَجَدَ إلَّا إزَارَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يُمْكِنُهُ التَّزْوِيجُ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُمْكِنُهُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] انْتَهَى.
وَأَقُولُ مُسْتَمِدًّا مِنْ اللَّهِ التَّوْفِيقَ وَالْحَوْلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلَ بَيْنَ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ وَلَيْسَ بِذِي كَسْبٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ بِذِي شَهْوَةٍ. فَيُقَالُ يُكْرَهُ النِّكَاحُ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنِ النِّكَاحِ. وَعَدَمِ تَحْصِينِ زَوْجَتِهِ. وَعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ. فَحِينَئِذٍ تَكْمُلُ الْأَحْكَامُ الْخَمْسُ. ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ ذَكَرَهَا رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَدْ جَاءَتْ الْأَخْبَارُ، وَصَحَّتْ الْآثَارُ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ وَالصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ، وَالتَّابِعِينَ الْأَبْرَارِ وَالْمُجْتَهِدِينَ الْأَحْبَارِ - بِالْحَثِّ عَلَى النِّكَاحِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ. وَقَدْ مَضَى عِدَّةُ أَحَادِيثَ نَاطِقَةٌ بِمَا نَحْنُ فِيهِ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجْ الْحَرَائِرَ» وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنْ أَنَسٍ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 896
- ﵃. وَتَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيّ بِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحِنَّاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ» وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَفْظَةِ الْحِنَّاءِ. وَأَنَّهُ رُوِيَ بِالْيَاءِ الْحَيَاءُ. وَإِنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ قَالَ هُوَ الْخِتَانُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ مُوسِرًا لَأَنْ يَنْكِحَ ثُمَّ لَمْ يَنْكِحْ فَلَيْسَ مِنِّي» وَتَقَدَّمَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا. فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: وَأَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الْقَوْمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا. أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لِأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى» قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَكَذَا قَالَهُ فِي تَسْهِيلِ السَّبِيلِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِي إلَّا عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا لِي فِيهِنَّ طَوْلُ النِّكَاحِ لَتَزَوَّجْت مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً.
стр. 897
وَفِي كِتَابِ رَوْضَةِ الْمُحِبِّينَ وَنُزْهَةِ الْمُشْتَاقِينَ عَنْ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ﵁: لَيْسَتْ الْعُزُوبِيَّةُ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ النَّبِيُّ ﷺ تَزَوَّجَ أَرْبَعَةَ عَشَرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ تَمَّ أَمْرُهُ وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ غَزْوٌ وَلَا حَجٌّ وَلَا كَذَا وَلَا كَذَا. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ، وَكَانَ يَخْتَارُ النِّكَاحَ وَيَحُثُّ عَلَيْهِ، وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَيَعْقُوبُ فِي حُزْنِهِ قَدْ تَزَوَّجَ. وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ» .
قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: قُلْت لَهُ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ يُحْكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَا لَوْعَةَ صَاحِبِ الْعِيَالِ - فَمَا قَدَرْت أَنْ أُتِمَّ الْحَدِيثَ - حَتَّى صَاحَ بِي وَقَالَ وَقَعْت فِي بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، أَنْظُرْ مَا كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ فَبُكَاءُ الصَّبِيِّ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْخُبْزَ أَفْضَلُ مِنْ كَذَا وَكَذَا أَيْنَ يَلْحَقُ الْمُتَعَبِّدُ وَالْعَزَبُ؟ انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: فِي ذَمِّ الْعُزُوبِيَّةِ وَأَنَّ الزَّوَاجَ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ .
(الثَّانِي) : فِي ذَمِّ الْعُزُوبِيَّةِ، وَقَدْ فُهِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا ذَمَّهَا، وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: لَيْسَتْ الْعُزُوبِيَّةُ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِسَنَدٍ رَمَزَ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِحُسْنِهِ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ بِشْرٍ مَرْفُوعًا «شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ وَأَرْذَلُ مَوْتَاكُمْ عُزَّابُكُمْ» . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ» .
وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْهُ مَرْفُوعًا «شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ. رَكْعَتَانِ مِنْ مُتَأَهِّلٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ مُتَأَهِّلٍ» وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ ابْنُ الْعِمَادِ فَقَالَ:
شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ جَاءَ الْخَبَرُ ... أَرَاذِلُ الْأَمْوَاتِ عُزَّابُ الْبَشَرِ
وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ وَأَعَلَّهُ بِخَالِدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ قَالَ وَلَهُ طَرِيقٌ ثَانٍ فِيهِ يُوسُفُ بْنُ السَّفَرِ مَتْرُوكٌ. قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ: قُلْت وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ
стр. 898
مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَمِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ بْنِ بِشْرٍ الْمَازِنِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ.
(الثَّالِثُ) : وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ الزَّوَاجَ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ. فَرَوَى الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا «تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَ بِالْمَالِ» وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْهَا مَرْفُوعًا أَيْضًا. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا وَرَوَى الْبَزَّارُ وَرُوَاتُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ إلَّا طَارِقَ بْنَ عَمَّارٍ فَفِيهِ كَلَامٌ قَرِيبٌ وَلَمْ يُتْرَكْ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْمَعُونَةَ مِنْ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ، وَإِنَّ الصَّبْرَ يَأْتِي مِنْ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ الْبَلَاءِ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. قُلْت: وَرَوَاهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ﵁ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: فِي فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْعِيَالِ وَلَا سِيَّمَا الْبَنَاتِ
(الرَّابِعُ) : تَظَافَرَتْ الْأَخْبَارُ فِي فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْعِيَالِ لَا سِيَّمَا الْبَنَاتِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «دِينَارٌ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك» .
وَفِي مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَدَأَ بِالْعِيَالِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمُ اللَّهُ أَوْ يَنْفَعُهُمْ اللَّهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْت عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك» أَيْ فِي فَمِهَا.
وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» .
стр. 899
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا أَطْعَمْت نَفْسَك فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْت وَلَدَك فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْت زَوْجَتَك فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْت خَادِمَك فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» . وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ حَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ «حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «قَالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتهَا إيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتِهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْته فَقَالَ مَنْ اُبْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ " مَنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَنَاتِ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ ".
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْهَا ﵂ قَالَتْ «جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلْهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتْ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا فَذَكَرْت الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ» . وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا، وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظٍ «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ دَخَلْت أَنَا وَهُوَ الْجَنَّةَ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ» وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ، كُنْت أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةُ وَاَلَّتِي تَلِيهَا» .
стр. 900
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ «دَخَلْت عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا بُنَيَّ أَلَا أُحَدِّثُك بِمَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْت بَلَى يَا أُمَّهْ، قَالَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى ابْنَتَيْنِ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ذَوَاتَيْ قَرَابَةٍ يَحْتَسِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يُغْنِيَهُمَا اللَّهُ أَوْ يَكْفِيَهُمَا كَانَتَا لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ» .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ - يَعْنِي الذُّكُورَ - عَلَيْهَا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» .
قَوْلُهُ لَمْ يَئِدْهَا أَيْ لَمْ يَدْفِنْهَا حَيَّةً. وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ أَحْيَاءً، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] . وَفِي الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ النَّاظِمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَضَّ عَلَى الْعَفَافِ، وَرَشَّحَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ عَفَّ عَنْ مَحَارِمِ النَّاسِ عَفَّ أَهْلُهُ، وَمَنْ لَا فَلَا فَقَالَ:
مَطْلَبٌ: مَنْ عَفَّ عَنْ مَحَارِمِ النَّاسِ عَفَّ أَهْلُهُ وَمَنْ لَا فَلَا:
وَمَنْ عَفَّ تَقْوَى عَنْ مَحَارِمِ غَيْرِهِ ... يَعِفَّ أَهْله حَقًّا وَإِنْ يَزْنِ يُفْسَدْ
(وَمَنْ) أَيْ أَيُّ رَجُلٍ (عَفَّ) أَيْ لَمْ يَزْنِ، وَمِثْلُهُ مَنْ كَفَّ بَصَرَهُ (تَقْوَى) أَيْ لِأَجْلِ التَّقْوَى لَا لِخَوْفِ عَاجِلٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا لِحِفْظِ مَنْصِبِهِ وَنَامُوسِهِ (عَنْ) الزِّنَا فِي (مَحَارِمِ) أَيْ نِسَاءِ (غَيْرِهِ) وَمِثْلُ النِّسَاءِ الذُّكُورِ بِأَنْ عَفَّ عَنْ اللِّوَاطِ فِي أَوْلَادِ غَيْرِهِ تَقْوَى (يَعِفَّ) أَيْ لَمْ يَزْنِ (أَهْلُهُ) بِإِسْقَاطِ الْهَمْزِ ضَرُورَةً مِنْ نِسَائِهِ مِنْ زَوْجَاتِهِ وَسَرَارِيِّهِ وَبَنَاتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَنَحْوِهِنَّ حَقٌّ ذَلِكَ (حَقًّا) وَلَا تَشُكَّ فِيهِ فَإِنَّهُ وَرَدَ عَنْ الْمَعْصُومِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى.
فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «عِفُّوا عَنْ نِسَاءِ النَّاسِ تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ، وَبِرُّوا آبَاءَكُمْ تَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ، وَمَنْ أَتَاهُ أَخُوهُ مُتَنَصِّلًا فَلْيَقْبَلْ ذَلِكَ مُحِقًّا كَانَ أَوْ مُبْطِلًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ» .
стр. 901
(وَإِنْ) حَرْفُ شَرْطٍ جَازِمٍ (يَزْنِ) فِعْلُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الْيَاءِ (يُفْسَدْ) فِعْلُ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ جَوَابُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ، أَيْ وَإِنْ يَزْنِ الرَّجُلُ يُفْسَدْ فِي أَهْلِهِ، يَعْنِي يُزْنَى فِي أَهْلِهِ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ جَزَاءً وِفَاقًا. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونُ مَبْنِيًّا لِلْمَعْلُومِ أَيْ يَفْسُدُ أَهْلُهُ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا «عِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ. وَبِرُّوا آبَاءَكُمْ تَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ، وَمَنْ اعْتَذَرَ إلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ مِنْ شَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ» وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ بِشْرٍ فِي أَمَالِيهِ وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «عِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ» .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا» .
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: قَالَ بَعْضُ الْعُبَّادِ: نَظَرْت امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لِي فَنَظَرَ زَوْجَتِي مَنْ لَا أُرِيدُ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي صَيْدِ الْخَاطِرِ: مَا نَزَلَتْ بِي آفَةٌ وَلَا غَمٌّ وَلَا ضِيقُ صَدْرٍ إلَّا بِزَلَلٍ أَعْرِفُهُ حَتَّى يُمْكِنَنِي أَنْ أَقُولَ هَذَا بِالشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ، وَرُبَّمَا تَأَوَّلْت تَأْوِيلًا فِيهِ بُعْدٌ فَأَرَى الْعُقُوبَةَ. وَقَالَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ:
رَأَيْت صَلَاحَ الْمَرْءِ يُصْلِحُ أَهْلَهُ ... وَيُعْدِيهِمْ دَاءُ الْفَسَادِ إذَا فَسَدْ
وَيَشْرُفُ فِي الدُّنْيَا بِفَضْلِ صَلَاحِهِ ... وَيُحْفَظُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْأَهْلِ وَالْوَلَدْ
وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
لَا تَلْتَمِسْ مِنْ مَسَاوِي النَّاسِ مَا سَتَرُوا ... فَيَكْشِفُ اللَّهُ سِتْرًا مِنْ مَسَاوِيكَا
وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فِيهِمْ إذَا ذُكِرُوا ... وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فِيكَا
وَاسْتَغْنِ بِاَللَّهِ عَنْ كُلٍّ فَإِنَّ بِهِ ... غِنًى لِكُلٍّ وَثِقْ بِاَللَّهِ يَكْفِيكَا
وَقَالَ آخَرُ:
يَا هَاتِكًا حُرُمَ الرِّجَالِ وَتَابِعًا ... طُرُقَ الْفَسَادِ فَأَنْتَ غَيْرُ مُكَرَّمِ
стр. 902
مَنْ يَزْنِ فِي قَوْمٍ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ ... فِي أَهْلِهِ يُزْنَى بِرُبْعِ الدِّرْهَمِ
إنَّ الزِّنَا دَيْنٌ إذَا اسْتَقْرَضَتْهُ ... كَانَ الْوَفَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِك فَاعْلَمْ
مَطْلَبٌ: بَيَانُ مَا وَرَدَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ فِي التَّخْوِيفِ مِنْ الزِّنَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، فِي التَّرْهِيبِ وَالتَّخْوِيفِ مِنْ الزِّنَا وَتَعْظِيمِ أَمْرِهِ عِدَّةُ أَخْبَارٍ، وَنَفَّرَ مِنْهُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ، فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «الزِّنَا يُورِثُ الْفَقْرَ»
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا زَنَى الرَّجُلُ أُخْرِجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ وَكَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ فَإِذَا قَلَعَ رَجَعَ إلَيْهِ الْإِيمَانُ» .
وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي رَوْضَةِ الْمُحِبِّينَ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إيَّاكُمْ وَالزِّنَا فَإِنَّ فِيهِ سِتُّ خِصَالٍ ثَلَاثٌ فِي الدُّنْيَا وَثَلَاثٌ فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الدُّنْيَا فَذَهَابُ الْبَهَاءِ، وَدَوَامُ الْفَقْرِ، وَقِصَرُ الْعُمْرِ، وَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الْآخِرَةِ فَسَخَطُ اللَّهِ، وَسُوءُ الْحِسَابِ، وَدُخُولُ النَّارِ» قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيُذْكَرُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الْمُقِيمُ عَلَى الزِّنَا كَعَابِدِ وَثَنٍ. وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا أَوْلَى أَنْ يُشَبَّهَ بِعَابِدِ الْوَثَنِ مِنْ مُدْمِنِ الْخَمْرِ.
стр. 903
وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا «مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ» فَإِنَّ الزِّنَا أَعْظَمُ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَيْسَ بَعْدَ قَتْلِ النَّفْسِ أَعْظَمُ مِنْ الزِّنَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك، قُلْت: إنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْت ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك مَخَافَةَ أَنْ يُطْعَمَ مَعَك، قُلْت ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك» .
وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إذَا بُخِسَ الْمِكْيَالُ حُبِسَ الْقَطْرُ، وَإِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَقَعَ الطَّاعُونُ، وَإِذَا كَثُرَ الْكَذِبُ كَثُرَ الْهَرْجُ.
وَيَكْفِي فِي قُبْحِ الزِّنَا أَنَّ اللَّهَ مَعَ كَمَالِ رَحْمَتِهِ شَرَعَ فِيهِ أَفْحَشَ الْقِتْلَاتِ وَأَصْعَبَهَا وَأَفْضَحَهَا، وَأَمَرَ أَنْ يَشْهَدَ عِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ تَعْذِيبَ فَاعِلِهِ. وَمِنْ قُبْحِهِ أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ عَلَيْهِ بُغْضَ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ، كَمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدًا زَنَى بِقِرْدَةٍ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمَا الْقُرُودُ فَرَجَمُوهُمَا حَتَّى مَاتَا، وَكُنْت فِيمَنْ رَجَمَهُمَا.
مَطْلَبٌ: الزِّنَا يَجْمَعُ خِلَالَ الشَّرِّ كُلِّهَا .
قَالَ فِي رَوْضَةِ الْمُحِبِّينَ: وَالزِّنَا يَجْمَعُ خِلَالَ الشَّرِّ كُلَّهَا مِنْ قِلَّةِ الدِّينِ وَذَهَابِ الْوَرَعِ، وَفَسَادِ الْمُرُوءَةِ وَقِلَّةِ الْغَيْرَةِ، فَلَا تَجِدُ زَانِيًا مَعَهُ وَرَعٌ، وَلَا وَفَاءٌ بِعَهْدٍ، وَلَا صِدْقٌ فِي حَدِيثٍ، وَلَا مُحَافَظَةٌ عَلَى صَدِيقٍ، وَلَا غَيْرَةٌ تَامَّةٌ عَلَى أَهْلِهِ، فَالْغَدْرُ وَالْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ وَعَدَمُ الْمُرَاقَبَةِ وَعَدَمُ الْأَنَفَةِ لِلْحُرَمِ وَذَهَابُ الْغَيْرَةِ مِنْ الْقَلْبِ مِنْ شُعَبِهِ وَمُوجِبَاتِهِ، وَمِنْ مُوجِبَاتِهِ غَضَبُ الرَّبِّ بِإِفْسَادِ حُرَمِهِ وَعِيَالِهِ، وَلَوْ تَعَرَّضَ رَجُلٌ إلَى مَلِكٍ مِنْ الْمُلُوكِ بِذَلِكَ لَقَابَلَهُ أَسْوَأَ مُقَابَلَةٍ. وَمِنْهَا سَوَادُ الْوَجْهِ وَظُلْمَتُهُ وَمَا يَعْلُوهُ مِنْ الْكَآبَةِ وَالْمَقْتِ الَّذِي يَبْدُو عَلَيْهِ لِلنَّاظِرِينَ.
وَمِنْهَا ظُلْمَةُ الْقَلْبِ، وَطَمْسُ نُورِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَ طَمْسَ نُورِ الْوَجْهِ، وَغَشَيَانَ الظُّلْمَةِ لَهُ، وَمِنْهَا الْفَقْرُ اللَّازِمُ، وَفِي أَثَرٍ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «إنَّ اللَّهَ مُهْلِكُ الطُّغَاةِ، وَمُفْقِرُ الزُّنَاةِ» . وَمِنْهَا أَنَّهُ يُذْهِبُ حُرْمَةَ فَاعِلِهِ وَيَسْقُطُ مِنْ عَيْنِ رَبِّهِ وَمِنْ أَعْيُنِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَسْلُبُهُ
стр. 904
أَحْسَنَ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ اسْمُ الْعِفَّةِ وَالْبِرِّ وَالْعَدَالَةِ، وَيُعْطِيه أَضْدَادَهَا كَاسْمِ الْفَاجِرِ وَالْفَاسِقِ وَالزَّانِي وَالْخَائِنِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ يَسْلُبُهُ اسْمَ الْإِيمَانِ كَمَا مَرَّ، فَيَسْلُبُ اسْمَ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ دُونَ مُطْلَقِ الْإِيمَانِ، وَسُئِلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ﵄ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَخَطَّ دَائِرَةً فِي الْأَرْضِ وَقَالَ هَذِهِ دَائِرَةُ الْإِيمَانِ ثُمَّ خَطَّ دَائِرَةً أُخْرَى خَارِجَةً عَنْهَا وَقَالَ هَذِهِ لِلْإِسْلَامِ، فَإِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْ هَذِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ هَذِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ جُزْءٍ مَا مِنْ الْإِيمَانِ لَهُ أَنْ يُسَمَّى مُؤْمِنًا، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مَعَهُ جُزْءٌ مَا مِنْ الْعِلْمِ وَلَا يُسَمَّى بِهِ عَالِمًا فَقِيهًا، وَكَذَلِكَ يَكُونُ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّقْوَى وَلَا يُسَمَّى مُتَّقِيًا وَنَظَائِرُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فَالصَّوَابُ إجْرَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَا يُتَأَوَّلُ بِمَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ. قُلْت: وَكُنْت سَأَلْت فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ هَلْ يَكُونُ الزَّانِي فِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِالزِّنَا وَلِيًّا لِلَّهِ تَعَالَى؟ قُلْت: لَا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الطَّلَبَةِ وَالْمُدَرِّسِينَ، وَمَضَى رَجُلٌ مِنْ الْإِخْوَانِ إلَى أَحَدِ الْأَعْيَانِ فَذَكَرَ لَهُ الْقِصَّةَ وَحَرَّفَ بَعْضَ تَحْرِيفٍ، وَكَانَ ذَلِكَ الْكَبِيرُ مِنْ أَشْيَاخِي، فَلَمَّا حَضَرْت لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فِي جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ وَفَرَغْت مِنْ الصَّلَاةِ وَانْصَرَفْت إلَى نَحْوِ الْمَدْرَسَةِ أَرْسَلَ إلَيَّ الشَّيْخُ وَقَالَ لِي بَلَغَنِي عَنْك مَقَالَةً سَاءَتْنِي، فَقُلْت لَهُ: لَا سَاءَك اللَّهُ بِمَكْرُوهٍ مَا هِيَ؟ فَذَكَرَ لِي الْقَضِيَّةَ، فَقُلْت: سُبْحَانَ اللَّهِ، الْمُصْطَفَى يَسْلُبُهُ اسْمَ الْإِيمَانِ وَأَنْتُمْ لَا تَسْلُبُونَهُ اسْمَ الْوِلَايَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ كَلَامِ الْمَعْصُومِ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ إيمَانُ الزَّانِي قَدْ ارْتَفَعَ عَنْهُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيّ: أَنَّ الْإِيمَانَ سِرْبَالٌ سَرْبَلَهُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ، فَإِنْ زَنَى الْعَبْدُ نَزَعَ مِنْهُ سِرْبَالَ الْإِيمَانِ، فَإِنْ تَابَ رَدَّ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ إيمَانُهُ نَاقِصًا، وَعَلَى الْحَالَتَيْنِ فَلَيْسَ هُوَ وَلِيًّا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. فَرَضِيَ الشَّيْخُ بِمَا قُلْت وَدَعَا لِي وَانْصَرَفَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُفَارِقُهُ الطِّيبُ الْمُتَّصِفُ بِهِ أَهْلُ الْعَفَافِ، وَيَتَبَدَّلُ بِهِ الْخُبْثُ الْمُتَّصِفُ بِهِ الزُّنَاةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ خَبِيثٍ بَلْ
стр. 905
جَعَلَهَا مَأْوَى الطَّيِّبِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] ، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] وَالزُّنَاةُ مِنْ أَخْبَثِ الْخَلْقِ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ جَهَنَّمَ دَارَ الْخُبْثِ وَأَهْلِهِ؛ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَيَّزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَجَعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ وَأَلْقَى أَهْلَهُ فِي جَهَنَّمَ، فَلَا يَدْخُلُ النَّارَ طَيِّبٌ كَمَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خَبِيثٌ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِفَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحُورِ الْعَيْنِ فِي الْمَسَاكِنِ الطَّيِّبَةِ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ. وَإِذَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَاقَبَ لَابِسَ الْحَرِيرِ فِي الدُّنْيَا بِحِرْمَانِهِ لُبْسَهُ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَأَنْ يَمْنَعَ مَنْ تَمَتَّعَ بِالصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ فِي الدُّنْيَا مِنْ التَّمَتُّعِ بِالْحُورِ الْعَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْلَى. بَلْ كُلُّ مَا نَالَهُ الْعَبْدُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ التَّوَسُّعَ مِنْ حَلَالِهِ ضَيَّقَ مِنْ حَظِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ مَا يَتَوَسَّعُ فِيهِ فَكَيْفَ بِالْحَرَامِ.
وَفِي كِتَابِ الزُّهْدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: لَا يَكُونُ الْبَطَّالُونَ حُكَمَاءُ، وَلَا تَلِجُ الزُّنَاةُ مَلَكُوتَ السَّمَاءِ. وَلَوْ شَرَعْنَا نَتَكَلَّمُ عَلَى فَضَائِحِ الزِّنَا وَقَبَائِحِ الْخَنَا لَخَرَجْنَا عَنْ الْمَقْصُودِ، وَلَكِنَّ فِي الْإِشَارَةِ مَا يُغْنِي عَنْ الْعِبَارَةِ. وَيَكْفِي الزَّانِي إبَاحَةَ دَمِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ. فَيَا لَهَا مِنْ صَفْقَةٍ مَا أَبْخَسَهَا، وَخَصْلَةٍ مَا أَنْحَسَهَا. قَدْ ذَهَبَتْ اللَّذَّاتُ. وَبَقِيَتْ الْحَسَرَاتُ.
وَكَانَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ كَثِيرًا مَا يَنْشُدُ:
تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ صَفْوَتَهَا ... مِنْ الْحَرَامِ وَيَبْقَى الْخِزْيُ وَالْعَارُ
تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا ... لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَطْلَبٌ: فِي الْحَثِّ عَلَى الصَّبْرِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ]
وَلَمَّا فَرَغَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ آدَابِ النِّكَاحِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ. أَخَذَ يَحُضُّ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الْعُلُومِ وَالرِّحْلَةِ فِي إدْرَاكِ مَنْطُوقِهَا وَالْمَفْهُومِ. لِأَنَّهَا سُلَّمُ الْخَيْرَاتِ. وَمِفْتَاحُ السَّعَادَاتِ. فَلَا يُفْتَحُ بَابُ خَيْرٍ وَيَرْتَقِي إلَى أَوْجِ مَكْرُمَةٍ إلَّا بِالْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ. وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ. فَمَنْ اقْتَبَسَهُ نَجَا. وَمَنْ ضَلَّهُ هَوَى فِي مُهَاوِي الْهَوَى.
فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
стр. 906
مَطْلَبٌ: فِي الْحَثِّ عَلَى الصَّبْرِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ:
فَكَابِدْ إلَى أَنْ تَبْلُغَ النَّفْسُ عُذْرَهَا ... وَكُنْ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ طَلَّاعَ أَنْجُدِ
(فَكَابِدْ) أَيْ قَاسِ فِي الطَّلَبِ. يُقَالُ كَابَدَهُ مُكَابَدَةً وَكِبَادًا قَاسَاهُ.
وَالِاسْمُ الْكَابِدُ. أَيْ فَاطْلُبْ وَجِدَّ وَاجْتَهِدْ وَقَاسِ الشَّدَائِدَ (إلَى) أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى أَقْصَى الْحَالَاتِ وَهِيَ (أَنْ تَبْلُغَ النَّفْسُ) فِي الْجَدِّ وَالِاجْتِهَادِ (عُذْرَهَا) فَإِنْ حَصَّلْتَ عِلْمًا كَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ. وَإِلَّا عُذِرْت فِي بَذْلِ الْمَجْهُودِ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَأَدْرَكَهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كِفْلَيْنِ مِنْ الْأَجْرِ، وَمَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَلَمْ يُدْرِكْهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كِفْلًا مِنْ الْأَجْرِ» .
وَمِمَّا يُنْسَبُ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁:
سَأَطْلُبُ عِلْمًا أَوْ أَمُوتُ بِبَلْدَةٍ ... يَقِلُّ بِهَا هَطْلُ الدُّمُوعِ عَلَى قَبْرِي
وَلَيْسَ اكْتِسَابُ الْعِلْمِ يَا نَفْسُ فَاعْلَمِي ... بِمِيرَاثِ آبَاءٍ كِرَامٍ وَلَا صِهْرِ
وَلَكِنَّ فَتَى الْفَتَيَانِ مَنْ رَاحَ وَاغْتَدَى ... لِيَطْلُبَ عِلْمًا بِالتَّجَلُّدِ وَالصَّبْرِ
فَإِنْ نَالَ عِلْمًا عَاشَ فِي النَّاسِ مَاجِدًا ... وَإِنْ مَاتَ قَالَ النَّاسُ بَالَغَ فِي الْعُذْرِ
إذَا هَجَعَ النُّوَامُ أَسْبَلْت عَبْرَتِي ... وَأَنْشَدْت بَيْتًا وَهُوَ مِنْ أَلْطَفِ الشَّعْرِ
أَلَيْسَ مِنْ الْخُسْرَانِ أَنَّ لَيَالِيًا ... تَمُرُّ بِلَا عِلْمٍ وَتُحْسَبُ مِنْ عُمْرِي
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ قَوْلَ بَعْضِ السَّلَفِ: " إذَا أَتَى عَلَيَّ يَوْمٌ لَا أَزْدَادُ فِيهِ عِلْمًا يُقَرِّبُنِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا بُورِكَ لِي فِي طُلُوعِ شَمْسِ ذَلِكَ الْيَوْمِ " قَالَ: وَقَدْ رُفِعَ هَذَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَفْعُهُ إلَيْهِ بَاطِلٌ.
وَحَسْبُهُ أَنْ يَصِلَ إلَى وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ. قَالَ وَفِي مِثْلِهِ قَالَ الْقَائِلُ:
إذَا مَرَّ بِي يَوْمٌ وَلَمْ أَسْتَفِدْ هُدًى ... وَلَمْ أَكْتَسِبْ عِلْمًا فَمَا ذَاكَ مِنْ عُمْرِي
(وَكُنْ) أَنْتَ (فِي اقْتِبَاسٍ) أَيْ اسْتِفَادَةِ (الْعِلْمِ) يُقَالُ قَبَسَ يَقْبِسُ مِنْهُ نَارًا، وَاقْتَبَسَهَا أَخَذَهَا، وَالْعِلْمُ اسْتَفَادَهُ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
وَفِي حَدِيث عَلِيٍّ ﵁: «حَتَّى أُورِيَ قَبَسًا لِقَابِسٍ» قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ أُظْهِرَ
стр. 907
نُورًا مِنْ الْحَقِّ لِطَالِبِهِ. وَالْقَابِسُ طَالِبُ النَّارِ وَهُوَ فَاعِلٌ مِنْ قَبَسَ. وَمِنْهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ ﵁: «أَتَيْنَاك زَائِرِينَ وَمُقْتَبِسِينَ» ، أَيْ طَالِبِي الْعِلْمِ.
وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: فَإِذَا رَاحَ اقْتَبَسْنَاهُ مَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ أَعْلَمْنَاهُ إيَّاهُ، انْتَهَى.
وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] فَمُرَادُ النَّاظِمِ أَنْ تَكُونَ أَيُّهَا الْأَخُ الْبَاذِلُ جُهْدَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَاسْتِفَادَتِهِ (طَلَّاعُ) أَيْ قَصَّادُ (أَنْجُدِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَرَجُلٌ طَلَّاعُ الثَّنَايَا وَالْأَنْجُدِ كَشَدَّادٍ مُجَرِّبٍ لِلْأُمُورِ رَكَّابٌ لَهَا يَعْلُوهَا وَيَقْهَرُهَا بِمَعْرِفَتِهِ وَتَجَارِبِهِ وَجَوْدَةِ رَأْيِهِ أَوْ الَّذِي يَؤُمُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، انْتَهَى. وَالْأَنْجُدُ جَمْعُ نَجْدٍ وَهُوَ مَا أَشْرَفَ مِنْ الْأَرْضِ وَالطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الْمُرْتَفِعِ وَمَا خَالَفَ الْغَوْرَ أَيْ تِهَامَةَ، وَتُضَمُّ جِيمُهُ مُذَكَّرٌ، أَعْلَاهُ تِهَامَةُ وَالْيَمَنُ، وَأَسْفَلُهُ الْعِرَاقُ وَالشَّامُ، وَأَوَّلُهُ مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِ ذَاتُ عِرْقٍ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَالنَّجْدُ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَهُوَ اسْمٌ خَاصٌّ لِمَا دُونَ الْحِجَازِ مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ: وَفِي لُغَةِ الْإِقْنَاعِ لِلْحَجَّاوِيِّ: النَّجْدُ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ، وَالْجَمْعُ نُجُودٌ، مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ، وَبِاسْمِ الْوَاحِدِ سُمِّيَتْ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ عَمَلِ الْيَمَنِ وَهُوَ مَا بَيْنَ جَرَشَ إلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ. قَالَ ابْنُ خَطِيبِ الدَّهْشَةِ: وَأَوَّلُهُ نَاحِيَةُ الْحِجَازِ ذَاتُ عِرْقٍ وَآخِرُهُ سَوَادُ الْعِرَاقِ.
قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: كُلُّ مَا وَرَاءَ الْخَنْدَقِ الَّذِي خَنْدَقَهُ كِسْرَى عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ فَهُوَ نَجْدٌ إلَى أَنْ يَمِيلَ إلَى الْحَرَّةِ، فَإِذَا مِلْت إلَيْهَا فَأَنْتَ فِي الْحِجَازِ. وَفِي الْمَطَالِعِ: نَجْدٌ مَا بَيْنَ جَرَشَ إلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَحَدُّهُ مِمَّا يَلِي الْمَغْرِبَ، الْحِجَازُ عَلَى يَسَارِ الْكَعْبَةِ، وَنَجْدٌ كُلُّهَا مِنْ عَمَلِ الْيَمَامَةِ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَنَجْدٌ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ وَهُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ، وَالْغَوْرُ هُوَ تِهَامَةُ كُلُّهَا، وَكُلَّمَا ارْتَفَعَ مِنْ تِهَامَةَ إلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ فَهُوَ نَجْدٌ وَهُوَ مُذَكَّرٌ، انْتَهَى.
وَمُرَادُ النَّاظِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْ وَكُنْ مُجَرِّبًا لِلْأُمُورِ وَقَاهِرًا لَهَا وَمُحْكِمًا مَعْرِفَتَهَا بِدِقَّةِ النَّظَرِ وَحُسْنِ التَّجَارِبِ وَإِتْقَانِ مَا تَقْبِسُهُ مِنْ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، كَثِيرَ الرِّحْلَةِ فِي تَحْصِيلِ الْعُلُومِ، عَالِي الْهِمَّةِ فِي التَّطَلُّعِ عَلَى دَقَائِقِهَا وَإِتْقَانِ حَقَائِقِهَا.
стр. 908
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَا يُنَالُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعِلْمُ إذَا أَعْطَيْته كُلَّك أَعْطَاك بَعْضَهُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ «أَتَيْت صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمَرَادِيَّ ﵁ فَقَالَ مَا جَاءَ بِك؟ قُلْت أَنْبِطُ الْعِلْمَ، قَالَ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ خَارِجٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ» قَوْلُهُ أَنْبِطُ أَيْ أَطْلُبُهُ وَأَسْتَخْرِجُهُ. وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ ﵁ قَالَ «أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِي يَا قَبِيصَةُ مَا جَاءَ بِك؟ قُلْت كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي فَأَتَيْتُك لِتُعَلِّمَنِي مَا يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ يَا قَبِيصَةُ مَا مَرَرْت بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ إلَّا اسْتَغْفَرَ لَك. يَا قَبِيصَةُ إذَا صَلَّيْت الصُّبْحَ فَقُلْ ثَلَاثًا سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ تُعَافَى مِنْ الْحُمَّى وَالْجُذَامِ وَالْفَلَجِ. يَا قَبِيصَةُ قُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِمَّا عِنْدَك، وَأَفِضْ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِك، وَانْشُرْ عَلَيَّ مِنْ رَحْمَتِك، وَأَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْ بَرَكَاتِك» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَفِي إسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ غَدَا يُرِيدُ الْعِلْمَ يَتَعَلَّمُهُ لِلَّهِ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَابًا إلَى الْجَنَّةِ، وَفَرَشَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ أَكْنَافَهَا، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ وَحِيتَانُ الْبُحُورِ، وَلِلْعَالِمِ مِنْ الْفَضْلِ عَلَى الْعَابِدِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى أَصْغَرِ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ، وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظِّهِ، وَمَوْتُ الْعَالِمِ مُصِيبَةٌ لَا تُجْبَرُ، وَثُلْمَةٌ لَا تُسَدُّ، وَهُوَ نَجْمٌ طُمِسَ. مَوْتُ قَبِيلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عَالِمٍ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ
стр. 909
مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ وَمَوْتُ الْعَالِمِ إلَى آخِرِهِ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ خُلَفَاؤُك؟ قَالَ الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يَرْوُونَ أَحَادِيثِي وَيُعَلِّمُونَهَا النَّاسَ» .
وَمِمَّا يُنْسَبُ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ قَوْلُهُ:
تَغَرَّبْ عَنْ الْأَوْطَانِ فِي طَلَبِ الْعُلَا ... وَسَافِرْ فَفِي الْأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ
إزَالَةُ هَمٍّ وَاكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ ... وَعِلْمٌ وَآدَابٌ وَصُحْبَةُ مَاجِدِ
فَإِنْ قِيلَ فِي الْأَسْفَارِ ذُلٌّ وَمِهْنَةٌ ... وَقَطْعُ الْفَيَافِي وَارْتِكَابُ الشَّدَائِدِ
فَمَوْتُ الْفَتَى خَيْرٌ لَهُ مِنْ حَيَاتِهِ ... بِدَارِ هَوَانٍ بَيْنَ وَاشٍ وَحَاسِدِ
وَمَرَّ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ لَمَّا سَمِعَ أَنَّ عِنْدَ رَجُلٍ أَحَادِيثَ عَوَالِي وَرَاءَ النَّهْرِ رَحَلَ إلَيْهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي صَيْدِ الْخَاطِرِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ دَارَ الدُّنْيَا مَرَّتَيْنِ حَتَّى جَمَعَ الْمُسْنَدَ. وَلَمْ تَزَلْ الرِّحْلَةُ فِي الْعُلَمَاءِ مَطْلُوبَةً، وَهِيَ إلَى الْأَئِمَّةِ وَالْأَخْيَارِ مَنْسُوبَةٌ، وَحُسْنُ ذَلِكَ شَاعَ وَذَاعَ، وَمَلَأَ الْأَسْمَاعَ، فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[مَطْلَبٌ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يُضَيِّعَ أَوْقَاتَهُ سُدًى]
وَلَا تُذْهِبَنَّ الْعُمْرَ مِنْك سَبَهْلَلًا ... وَلَا تُغْبَنَن فِي الْغُمَّتَيْنِ بَلْ اجْهَدْ
(وَلَا تُذْهِبَنَّ) نَهْيٌ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ وَالْفَاعِلُ الْمُخَاطَبُ، وَالْمُرَادُ كُلُّ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُخَاطَبًا بِمِثْلِ مَا خَاطَبَ بِهِ (الْعُمْرَ) مَفْعُولٌ بِهِ أَيْ لَا تُذْهِبْ عُمْرَك النَّفِيسَ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ وَلَا خَطَرَ، وَلَا يُعَادِلُهُ جَوْهَرٌ وَلَا نَضْرٌ، وَلَا دُرٌّ وَلَا مَرْجَانُ وَلَا لُؤْلُؤٌ وَلَا عِقْيَانٌ (مِنْك) أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، الْمَخْلُوقُ لِعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ وَمُجَاوَرَتِهِ فِي الْجِنَانِ، (سَبَهْلَلًا) أَيْ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِذَهَابِهِ لَا فِي عَمَلِ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٍ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ قَالَ: وَيَمْشِي سَبَهْلَلًا إذَا جَاءَ وَذَهَبَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَمِنْهُ قَوْلُ صَاحِبِ الشَّاطِبِيَّةِ فِيهَا:
стр. 910
وَلَوْ أَنَّ عَيْنًا سَاعَدَتْ لَتَوَكَّفَتْ ... سَحَائِبُهَا بِالدَّمْعِ دِيَمًا وَهُطَّلًا
وَلَكِنَّهَا عَنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ قَحْطُهَا ... فَيَا ضَيْعَةَ الْأَعْمَارِ تَمْشِي سَبَهْلَلَا
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ» .
وَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ ﵁: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا وَتَهَيَّئُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ. وَكَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى: حَاسِبْ نَفْسَك فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ.
وَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ ﵀ قَالَ: كَانَ تَوْبَةُ بْنُ الصِّمَّةِ بِالرَّقَّةِ وَكَانَ مُحَاسِبًا لِنَفْسِهِ فَحَسَبَ يَوْمًا عُمْرَهُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً، فَحَسَبَ أَيَّامَهَا فَإِذَا هِيَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ يَوْمٍ وَخَمْسمِائَةِ يَوْمٍ، فَصَرَخَ وَقَالَ يَا وَيْلَتِي أَلْقَى الْمَلِيكَ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ ذَنْبٍ وَخَمْسِمِائَةِ ذَنْبٍ، كَيْفَ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَةُ آلَافٍ ذَنْبٍ، ثُمَّ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ، فَسَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ يَا لَك رَكْضَةٌ إلَى الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى.
قَالَ وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ ﵃ يَسْتَوْفِي عَلَى النَّفْسِ الْأَعْمَالَ وَيُكْرِهُهَا، عَلَيْهَا اغْتِنَامًا لِلْعُمْرِ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إنَّ الصَّالِحِينَ كَانَتْ أَنْفُسُهُمْ تُوَاتِيهِمْ عَلَى الْخَيْرِ عَفْوًا، وَإِنَّ أَنْفُسَنَا لَا تَكَادُ تُوَاتِينَا إلَّا عَلَى كُرْهٍ، فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُكْرِهَهَا. قَالَ: وَكَانَ عَامِرٌ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ قِفْ أُكَلِّمْكَ، قَالَ أَمْسِكْ الشَّمْسَ. فَهَؤُلَاءِ فُرْسَانُ الْمَيْدَانِ. فَاسْمَعْ يَا مُضَيَّعَ الزَّمَانِ. شِعْرٌ:
الدَّهْرُ سَاوَمَنِي عُمْرِي فَقُلْت لَهُ ... لَا بِعْت عُمْرِي بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
ثُمَّ اشْتَرَاهُ تَفَارِيقًا بِلَا ثَمَنٍ ... تَبَّتْ يَدَا صَفْقَةٍ قَدْ خَابَ شَارِيهَا
وَفِي وَصِيَّةِ الْإِمَامِ الْمُوَفِّقِ ابْنِ قُدَامَةَ طَيَّبَ اللَّهُ رُوحَهُ مَا لَفْظُهُ: فَاغْتَنِمْ رَحِمَك اللَّهُ حَيَاتَك النَّفِيسَةَ، وَاحْتَفِظْ بِأَوْقَاتِك الْعَزِيزَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مُدَّةَ حَيَاتِك مَحْدُودَةٌ، وَأَنْفَاسَك مَعْدُودَةٌ، فَكُلُّ نَفَسٍ يَنْقُصُ بِهِ جُزْءٌ مِنْك، وَالْعُمْرُ كُلُّهُ قَصِيرٌ، وَالْبَاقِي مِنْهُ هُوَ الْيَسِيرُ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ لَا عَدْلَ لَهَا
стр. 911
وَلَا خُلْفَ مِنْهَا، فَإِنَّ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ الْيَسِيرَةِ خُلُودُ الْأَبَدِ فِي النَّعِيمِ، أَوْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَإِذَا عَادَلْت هَذِهِ الْحَيَاةَ بِخُلُودِ الْأَبَدِ عَلِمْت أَنَّ كُلَّ نَفَسٍ يَعْدِلُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ أَلْفِ عَامٍ فِي نَعِيمٍ لَا خَطَرَ لَهُ أَوْ خِلَافَ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا قِيمَةَ لَهُ. فَلَا تُضَيِّعْ جَوَاهِرَ عُمْرِك النَّفِيسَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَلَا تُذْهِبُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَاجْتَهِدْ أَنْ لَا يَخْلُوَ نَفَسٌ مِنْ أَنْفَاسِك إلَّا فِي عَمَلِ طَاعَةٍ أَوْ قُرْبَةٍ تَتَقَرَّبُ بِهَا. فَإِنَّك لَوْ كَانَتْ مَعَك جَوْهَرَةٌ مِنْ جَوَاهِرِ الدُّنْيَا لَسَاءَك ذَهَابُهَا فَكَيْفَ تُفَرِّطُ فِي سَاعَاتِك وَأَوْقَاتِك. وَكَيْفَ لَا تَحْزَنُ عَلَى عُمْرِك الذَّاهِبِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: إيَّاكَ وَالْغَبَنَ وَالتَّمَادِي فِي الْكَسَلِ وَهَوَى النَّفْسِ .
(وَلَا تَغْبِنَنْ) نَهْيٌ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ غَبِنَ الشَّيْءُ وَفِيهِ كَفَرِحِ غَبْنًا وَغَبَنًا نَسِيَهُ أَوْ أَغْفَلَهُ أَوْ غَلِطَ فِيهِ، وَغَبَنَهُ فِي الْبَيْعِ يَغْبِنُهُ غَبْنًا وَيُحَرَّكُ أَوْ بِالتَّسْكِينِ فِي الْبَيْعِ، وَبِالتَّحْرِيكِ فِي الرَّأْي خَدَعَهُ.
وَفِي الْمُطْلِعِ فِي خِيَارِ الْغَبَنِ قَالَ: الْغَبْنُ بِسُكُونِ الْبَاءِ مَصْدَرُ غَبَنَهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ يَغْبِنُهُ بِكَسْرِهَا إذَا نَقَصَهُ. وَيُقَالُ غَبِنَ رَأْيُهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ ضَعُفَ غَبَنًا بِالتَّحْرِيكِ انْتَهَى.
(فِي الْغُمَّتَيْنِ) كَذَا رَأَيْته فِي النُّسَخِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ تَثْنِيَةُ غُمَّةٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَعَلَّهُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَالنُّونِ وَالْمِيمِ تَثْنِيَةُ غُنْمَةٍ بِمَعْنَى غُنْمٌ بِالضَّمِّ وَهُوَ الْفَيْءُ وَأَرَادَ بِهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ. وَأَظْهَرُ مِنْ هَذَا النِّعْمَتَيْنِ تَثْنِيَةُ نِعْمَةٍ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَوْ الصِّحَّةِ وَالْفَرَاغِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ الْيَوْمُ ضَيْفُك، وَالضَّيْفُ مُرْتَحِلٌ يَحْمَدُك أَوْ يَذُمُّك، وَكَذَلِكَ لَيْلَتُك.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَخْرَجَهُ اللَّهُ إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا إلَّا يُنَادِي: ابْنَ آدَمَ اغْتَنِمْنِي لَعَلَّهُ لَا يَوْمَ لَك بَعْدِي، وَلَا لَيْلَةَ إلَّا تُنَادِي: ابْنَ آدَمَ اغْتَنِمْنِي لَعَلَّهُ لَا لَيْلَةَ لَك بَعْدِي» .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اعْمَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ رَحِمَكُمْ اللَّهُ فِي هَذَا
стр. 912
اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ فَإِنَّ الْمَغْبُونَ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهُمَا، إنَّمَا جُعِلَا سَبِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ إلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَوَبَالًا عَلَى الْآخَرِينَ لِلْغَفْلَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَأَحْيُوا لِلَّهِ أَنْفُسَكُمْ بِذِكْرِهِ فَإِنَّمَا تَحْيَا الْقُلُوبُ بِذِكْرِ اللَّهِ . كَمْ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدْ اغْتَبَطَ بِقِيَامِهِ فِي ظُلْمَةِ حُفْرَتِهِ. وَكَمْ مِنْ نَائِمٍ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَدِمَ عَلَى طُولِ نَوْمِهِ عِنْدَمَا يَرَى مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ لِلْعَابِدِينَ غَدًا. فَاغْتَنِمُوا مَمَرَّ السَّاعَاتِ وَاللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ رَحِمَكُمْ اللَّهُ.
وَعَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ قَالَ: إنَّمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَاحِلُ تَنْزِلُهَا النَّاسُ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِمْ ذَلِكَ إلَى آخِرِ سَفَرِهِمْ، فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تُقَدِّمَ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ زَادًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا فَافْعَلْ، فَإِنَّ انْقِطَاعَ السَّفَرِ عَنْ قَرِيبٍ مَا هُوَ، وَالْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَتَزَوَّدْ لِسَفَرِك وَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ مِنْ أَمْرِك فَكَأَنَّك بِالْأَمْرِ قَدْ بَغَتُّك.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «اُطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ رَبِّكُمْ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٌ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَيُؤْمِنَّ رَوْعَاتِكُمْ» .
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَيْسَ مِنْ عَمَلِ يَوْمٍ إلَّا وَيُخْتَمُ عَلَيْهِ» .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ إلَّا يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ قَدْ دَخَلْت عَلَيْك الْيَوْمَ وَلَنْ أَرْجِعَ إلَيْك بَعْدَ الْيَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا تَعْمَلُ فِي، فَإِذَا انْقَضَى طَوَاهُ ثُمَّ يُخْتَمُ عَلَيْهِ فَلَا يَفُكُّ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَفُضُّ ذَلِكَ الْخَاتَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَيَقُولُ الْيَوْمُ حِينَ يَنْقَضِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاحَنِي مِنْ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا. وَلَا لَيْلَةٌ تَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ إلَّا قَالَتْ كَذَلِكَ» .
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ عِيسَى ﵇ يَقُولُ: إنَّ هَذَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِزَانَتَانِ فَانْظُرُوا مَا تَصْنَعُونَ فِيهِمَا. وَكَانَ يَقُولُ: اعْمَلُوا اللَّيْلَ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَاعْمَلُوا النَّهَارَ لِمَا خُلِقَ لَهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَ يَوْمٌ يَأْتِي مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا إلَّا يَتَكَلَّمُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا
стр. 913
النَّاسُ إنِّي يَوْمٌ جَدِيدٌ، وَإِنِّي عَلَى مَا يُعْمَلُ فِي شَهِيدٌ، وَإِنِّي لَوْ قَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ لَمْ أَرْجِعْ إلَيْكُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَإِيَّاكَ وَالْغَبَنَ وَالتَّمَادِي فِي الْكَسَلِ وَهَوَى النَّفْسِ (بَلْ اجْهَدْ) فِي فِكَاكِهَا وَخَلَاصِهَا مِنْ قُيُودِ الْأَقْفَاصِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ: الْإِنْسَانُ أَسِيرٌ فِي الدُّنْيَا يَسْعَى فِي فِكَاكِ نَفْسِهِ، لَا يَأْمَنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ، يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَفِي لِسَانِهِ وَفِي جَوَارِحِهِ كُلِّهَا.
تَجَهَّزِي بِجِهَازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ ... يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا
وَسَابِقِي بَغْتَةَ الْآجَالِ وَانْكَمِشِي ... قَبْلَ اللِّزَامِ فَلَا مَلْجَا وَلَا غَوْثَا
وَلَا تَكَدِّي لِمَنْ يَبْقَى وَتَفْتَقِرِي ... إنَّ الرَّدَى وَارِثُ الْبَاقِي وَمَا وُرِثَا
وَاخْشَيْ حَوَادِثَ صَرْفِ الدَّهْرِ فِي مَهَلٍ ... وَاسْتَيْقِظِي لَا تَكُونِي كَاَلَّذِي بَحَثَا
عَنْ مُدْيَةٍ كَانَ فِيهَا قَطْعُ مُدَّتِهِ ... فَوَافَتْ الْحَرْثَ مَحْرُوثًا كَمَا حَرَثَا
مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ جَبْهَتَهُ ... أَوْ الْغُبَارُ يَخَافُ الشَّيْنَ وَالشَّعِثَا
وَيَأْلَفُ الظِّلَّ كَيْ تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا رَاغِمًا جَدَثَا
فِي قَعْرِ مُوحِشَةٍ غَبْرَاءَ مُقْفِرَةٍ ... يُطِيلُ تَحْتَ الثَّرَى فِي جَوْفِهَا اللَّبَثَا
فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُبَادِرَ إلَى مَا فِيهِ خَلَاصُ نَفْسِهِ مِنْ الْهَلَاكِ، وَيَفُكُّهَا مِنْ الْقُيُودِ وَالشِّرَاكِ، وَلَا يَرْكَنُ إلَى الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا، وَلَا يَسْكُنُ إلَى تَخَيُّلَاتِهَا وَتَمْوِيهَاتِهَا، فَمَا هِيَ إلَّا سُمُّ الْأَفَاعِي، وَأَهْلُهَا مَا بَيْنَ مَنْعِيٍّ وَنَاعِي، فَلِذَا قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
مَطْلَبٌ: مَنْ هَجَرَ اللَّذَّاتِ نَالَ الْمُنَى
فَمَنْ هَجَرَ اللَّذَّاتِ نَالَ الْمُنَى وَمَنْ ... أَكَبَّ عَلَى اللَّذَّاتِ عَضَّ عَلَى الْيَدِ
(فَمَنْ) أَيْ أَيُّ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ أَوْ امْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ (هَجَرَ اللَّذَّاتِ) أَيْ صَرَمَهَا وَلَمْ يَلْوِ إلَيْهَا عِنَانَهُ، وَلَمْ يَشْغَلْ بِهَا جَنَانَهُ، وَلَا لَطَّخَ بِهَا لِسَانَهُ، وَلَا نَافَسَ فِي اكْتِسَابِهَا، وَلَمْ يَنْكَبَّ عَلَى انْتِهَابِهَا. بَلْ رَفَضَهَا وَثَنَى عَنْهَا الْعِنَانَ، وَلَهَا شَنَى، وَمَالَ عَنْهَا وَانْحَنَى (نَالَ) أَيْ أَصَابَ (الْمُنَى) أَيْ مُنَاهُ بِمَعْنَى تَمْنِيَتَهُ يَعْنِي مَا يَتَمَنَّاهُ وَيَطْلُبُهُ مِنْ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فِي دَارِ الْخُلْدِ وَالتَّكْرِيمِ، وَمِنْ
стр. 914
تَحْصِيلِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ، الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَالصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ، وَالتَّابِعِينَ الْأَطْهَارِ، وَالْأَئِمَّةِ الْأَبْرَارِ. كُلُّ هَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِهَجْرِ اللَّذَّاتِ وَرَفْضِ الشَّهَوَاتِ.
(وَمَنْ) أَيْ كُلُّ إنْسَانٍ (أَكَبَّ) أَيْ أَقْبَلَ (عَلَى اللَّذَّاتِ) الْمُحَرَّمَةِ، وَكَذَا الْمُبَاحَةِ الْمُشْغِلَةِ عَنْ الْعُلُومِ يَنْحُوهَا، وَانْهَمَكَ فِي الشَّهَوَاتِ الْمُلْهِيَةِ عَنْ نَيْلِ الْكَمَالَاتِ (عَضَّ) بِأَسْنَانِهِ (عَلَى الْيَدِ) تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَرَّطَ فِي أَيَّامِهِ، وَتَلَهُّفًا عَلَى مَا تَثَبَّطَ فِي دُهُورِهِ وَأَعْوَامِهِ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٢٧] ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ [الفرقان: ٢٨] .
وَاللَّذَّاتُ جَمْعُ لَذَّةٍ وَهِيَ نَقِيضُ الْأَلَمِ، يُقَالُ لَذَّهُ وَلَذَّ بِهِ لِذَاذًا وَلَذَاذَةً، وَالْتَذَّهُ وَالْتَذَّ بِهِ وَاسْتَلَذَّهُ وَجَدَهُ لَذِيذًا، وَلِذَا هُوَ صَارَ لَذِيذًا.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ مُقَارِبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ الْقَلْبَ وَالْجَسَدَ» .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ الضَّحَّاكِ مُرْسَلًا قَالَ «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ؟ قَالَ مَنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ وَالْبِلَى، وَتَرَك أَفْضَلَ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، وَلَمْ يَعُدَّ غَدًا فِي أَيَّامِهِ، وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنْ الْمَوْتَى» .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ قَطُّ إلَّا بَعَثَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يُسْمِعَانِ أَهْلَ الْأَرْضِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إلَى رَبِّكُمْ فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى» .
وَرَوَى الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ «لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَشْعَرِيِّينَ لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: حُلْوَةُ الدُّنْيَا مُرَّةُ الْآخِرَةِ، وَمُرَّةُ الدُّنْيَا حُلْوَةُ الْآخِرَةِ» .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ
стр. 915
- ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَإِسْنَادُهُمَا جَيِّدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِلَفْظٍ «مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ جَائِعَانِ بَاتَا فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ أَغْفَلَهَا أَهْلُهَا يَفْتَرِسَانِ وَيَأْكُلَانِ بِأَسْرَعَ فِيهَا فَسَادًا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي دِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ» وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ بِنَحْوِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَزَادَ «وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ» وَإِسْنَادُهُمَا جَيِّدٌ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: اسْتَسْقَى عُمَرُ فَجِيءَ بِمَاءٍ قَدْ شِيبَ بِعَسَلٍ فَقَالَ إنَّهُ لَطَيِّبٌ لَكِنِّي أَسْمَعُ اللَّهُ نَعَى عَلَى قَوْمٍ شَهَوَاتِهِمْ فَقَالَ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا فَلَمْ يَشْرَبْهُ ذَكَرَهُ رَزِينٌ، قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَلَمْ أَرَهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا كَالْغَرِيبِ لَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا وَلَا يُنَافِسُ فِي عِزِّهَا النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، وَنَفْسُهُ مِنْهُ فِي شُغْلٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَاقِلَ الْمُرَاقِبَ لَمْ يَقْصِدْ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ التَّلَذُّذَ بَلْ دَفْعَ الْجُوعِ مِمَّا يُوَافِقُ بَدَنَهُ وَيُقَوِّيه عَلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ قَصَدَ الِالْتِذَاذَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُتَنَاوِلَاتِ أَحْيَانًا لَمْ يُعَبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُعَابُ عَلَيْهِ الِانْهِمَاكُ فِي ذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ النَّاظِمُ (أَكَبَّ عَلَى اللَّذَّاتِ) يَعْنِي أَقْبَلْ عَلَيْهَا بِكُلِّيَّةٍ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، بَلْ شَأْنُهُمْ الْإِقْبَالَ عَلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ شُؤُونِهِمْ.
وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ سُلَّمٌ يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلَى التَّقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، فَإِذَا أَكَلُوا أَوْ شَرِبُوا أَوْ لَبِسُوا أَوْ نَكَحُوا أَوْ فَعَلُوا مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ شَيْئًا فَعَلُوهُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، وَإِذَا تَرَكُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَرَكُوهُ لِلَّهِ ، فَيَكُونُ فِعْلُهُمْ وَتَرْكُهُمْ عِبَادَةً، وَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. قَالَ اللَّهُ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ إنَّهُ تَرَكَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» .
следующие страницы →