← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25791

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني

Полный текст (1 066 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْت فِيك الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْت وَلَكِنَّك تَعَلَّمْت لَيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْت لَيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ» الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. فَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا صَاحِبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ يَعْنِي الْإِمَامَ ﵁: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. قِيلَ فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ يَنْوِي أَنْ يَتَوَاضَعَ فِيهِ وَيَنْفِيَ عَنْهُ الْجَهْلَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِأَبِي دَاوُد: شَرْطُ النِّيَّةِ شَدِيدٌ حُبِّبَ إلَيَّ فَجَمَعْتُهُ. وَقَالَ لِابْنِ هَانِئٍ: الْعِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ. إذَا عَلِمْت هَذَا (فَ) قَدْ ظَهَرَ لَك (أَنَّ مِلَاكَ الْأَمْرِ) يَعْنِي كُلَّ الْأَمْرِ وَرُوحَهُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجْتَمِعٌ (فِي حُسْنِ مَقْصِدِ) أَيْ فِي حُسْنِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ، وَرَفْضِ شَائِبَةِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْأَغْرَاضِ الدَّنِيَّةِ، وَالْأَعْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: مَلَاكُ الْأَمْرِ وَيُكْسَرُ: قِوَامُهُ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ، وَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِير: وَفِيهِ يَعْنِي الْحَدِيثَ مِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ، الْمِلَاكُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ قِوَامُ الشَّيْءِ وَنِظَامُهُ وَمَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهِ. انْتَهَى. فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِخْلَاصِ لِتَنَالَ الْخَلَاصَ، وَإِلَّا وَقَعْت فِي قَيْدِ الْأَقْفَاصِ، ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] . (تَنْبِيهٌ) : ذَكَرَ الْإِمَامُ الْعَلَامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْفُرُوعِ عَنْ شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ طَيَّبَ اللَّهُ مَثْوَاهُ، أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا يَعْنِي طَلَبَ الْعِلْمِ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا هُوَ خَيْرٌ فِي نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَحَبَّةِ لَهُ لَا لِلَّهِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ فَلَيْسَ مَذْمُومًا بَلْ قَدْ يُثَابُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الثَّوَابِ، إمَّا بِزِيَادَةٍ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا فَيَتَنَعَّمُ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَلَوْ كَانَ فِعْلُ كُلِّ حَسَنٍ لَمْ يُفْعَلْ لِلَّهِ مَذْمُومًا لَمَا أُطْعِمَ الْكَافِرُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ سَيِّئَاتٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلَى أَنْ يَتَقَرَّبَ بِهَا إلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ، وَقَوْلُ الْآخَرِ: طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ يَعْنِي نَفْسَ طَلَبِهِ حَسَنٌ يَنْفَعُهُمْ. وَهَذَا قِيلَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ الْمُرْشِدُ، فَإِذَا طَلَبَهُ بِالْمَحَبَّةِ وَحَصَّلَهُ عَرَّفَهُ الْإِخْلَاصَ، فَالْإِخْلَاصُ لَا يَقَعُ إلَّا بِالْعِلْمِ، فَلَوْ كَانَ

стр. 982

طَلَبُهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِخْلَاصِ لَزِمَ الدَّوْرُ، انْتَهَى. وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُلَاصَةَ التَّحْقِيقِ، وَدَقِيقَةَ التَّدْقِيقِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. مَطْلَبٌ: فِي الْحَثِّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِلْمِ الْعَمَلَ، فَمَنْ تَرَكَهُ لَمْ يَنَلْ إلَّا الْخَيْبَةَ وَالْوَجَلَ، وَالنَّدَامَةَ وَالْخَجَلَ. أَمَرَك النَّاظِمَ بِهِ فَقَالَ: وَكُنْ عَامِلًا بِالْعِلْمِ فِيمَا اسْتَطَعْته ... لِيُهْدَى بِك الْمَرْءُ الَّذِي بِك يَقْتَدِي (وَكُنْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ، الَّذِي فِي مَرْضَاةِ مَوْلَاك رَاغِبًا (عَامِلًا بِالْعِلْمِ) الَّذِي بَذَلْت وُسْعَك فِي تَحْصِيلِهِ، وَتَبْوِيبِهِ وَتَفْصِيلِهِ، وَتَرَكْت فِيهِ الرُّقَادَ، وَرَفَضْت لِأَجْلِهِ الْمِهَادَ وَالْوِسَادَ، وَصَرَمْت النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، وَهَجَرْت الْوَطَنَ وَالْمِيلَادَ، وَأَلِفْت السُّهَادَ، وَعَزَفْت الْأَخْدَانَ وَالْأَحْفَادَ، وَالْإِخْوَانَ وَالْأَجْدَادَ (فِيمَا) أَيْ الْقَدْرِ الَّذِي (اسْتَطَعْته) مِنْ ذَلِكَ، وَمَعْنَى اسْتَطَاعَ أَطَاقَ، وَيُقَالُ اسْطَاعَ بِحَذْفِ التَّاءِ اسْتِثْقَالًا لَهَا مَعَ الطَّاءِ، وَيَكْرَهُونَ إدْغَامَ الطَّاءِ فِيهَا فَتُحَرَّكُ السِّينُ وَهِيَ لَا تُحَرَّكُ أَبَدًا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ [الكهف: ٩٧] بِالْإِدْغَامِ، فَجَمَعَ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَهَذَا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عِلْمٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إلَّا مَنْ عَمِلَ بِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ. وَلِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ قَالَ: نُبِّئْت أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ تَتَأَذَّى أَهْلُ النَّارِ بِرِيحِهِ، فَقَالَ لَهُ: وَيْلك مَا كُنْت تَعْمَلُ أَمَا يَكْفِينَا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الشَّرِّ حَتَّى اُبْتُلِينَا بِك وَبِنَتِنِ رِيحِك، فَيَقُولُ كُنْت عَالِمًا فَلَمْ أَنْتَفِعْ بِعِلْمِي. فَاعْمَلْ أَيُّهَا الْأَخُ بِعِلْمِك لِتَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَ (لِيُهْدَى) أَيْ يُرْشَدُ وَيُسْعَدُ بِالِاقْتِدَاءِ (بِك) أَيْ بِعَمَلِك الصَّالِحِ، وَكَدْحِك النَّاجِحِ (الْمَرْءُ) أَيْ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى (الَّذِي بِك) أَيْ بِعَمَلِك وَجِدِّك وَاجْتِهَادِك فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى (يَقْتَدِي) أَيْ يَتَّبِعُ وَيَسْتَنُّ بِسُنَّتِك، مُشْتَقٌّ مِنْ الْقُدْوَةِ بِتَثْلِيثِ الْقَافِ وَكَعِدَّةِ مَا سَنَنْت بِهِ وَاقْتَدَيْت بِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِيَحْذَرْ الْعَالِمُ وَلِيَجْتَهِدْ فَإِنَّ ذَنْبَهُ أَشَدُّ. نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ

стр. 983

عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ قَالَ: الْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ لَيْسَ الْعَالِمُ مِثْلَ الْجَاهِلِ. وَمَعْنَاهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: يُغْفَرُ لِسَبْعِينَ جَاهِلًا قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِعَالِمٍ وَاحِدٍ. قَالَ: وَقَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَذَنْبُهُ مِنْ جِنْسِ ذَنْبِ الْيَهُودِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَفِي الْقَوْلِ الْعَلِيِّ لِشَرْحِ أَثَرِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ عَلِيٍّ مَا يَكْفِي وَيَشْفِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَنْ رُزِقَ عِلْمًا وَأُعِينَ بِقُوَّةِ الْعَزِيمَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَهُمْ خُلَاصَةُ الْخَلْقِ وَمُرَادُ الْحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الأعراف: ٤٢] . الثَّانِي: مَنْ حُرِمَهُمَا مَعًا، وَهُمْ شَرُّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ فَهَؤُلَاءِ شَرُّ الْبَرِّيَّةِ، يُضَيِّقُونَ الدِّيَارَ، وَيُغَلُّونَ الْأَسْعَارَ، وَعِنْدَ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ، وَلَكِنَّ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ. كَمَا قِيلَ فِيهِمْ وَفِي أَضْرَابِهِمْ وَجُلِّهِمْ إذَا فَكَّرْت فِيهِمْ حَمِيرٌ أَوْ كِلَابٌ أَوْ ذِئَابٌ. وَكَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ: لَمْ يَبْقَ مِنْ جُلِّ هَذَا النَّاسِ بَاقِيَةٌ ... يَنَالُهَا الْوَهْمُ إلَّا هَذِهِ الصُّوَرُ الثَّالِثُ: مَنْ فُتِحَ عَلَيْهِ بَابُ الْعِلْمِ وَأُغْلِقَ عَنْهُ بَابُ الْعَمَلِ وَالْعَزْمِ، فَهَذَا فِي رُتْبَةِ الْجَاهِلِ بَلْ شَرٌّ مِنْهُ. وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مَرْفُوعًا «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَهَذَا جَهْلُهُ وَعِلْمُهُ سَوَاءٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ جَهْلُهُ أَخَفَّ لِعَذَابِهِ مِنْ عِلْمِهِ، فَمَا زَادَهُ الْعِلْمُ إلَّا وَبَالًا، مَعَ عَدَمِ الطَّمَعِ فِي صَلَاحِهِ، بِخِلَافِ التَّائِهِ عَنْ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ الْعَوْدُ إلَيْهَا إذَا أَبْصَرَهَا، وَأَمَّا مَنْ رَآهَا وَحَادَ عَنْهَا فَمَتَى تُرْجَى هِدَايَتُهُ؟ ، الرَّابِعُ: مَنْ رُزِقَ حَظًّا مِنْ الْعَمَلِ وَالْإِرَادَةِ وَلَكِنْ قَلَّ نَصِيبُهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَهَذَا إذَا وَافَقَ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِدَاعٍ مِنْ دُعَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَانَ مِنْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] الْآيَة. وَيُقَالُ: إذَا فَسَدَ الْعَالِمُ فَسَدَ لِفَسَادِهِ الْعَالَمُ.

стр. 984

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ زَلَّةِ عَالِمٍ، وَمِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ، وَمِنْ حُكْمٍ جَائِرٍ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكُنْ حَرِيصًا عَلَى نَفْعِ الْوَرَى وَهُدَاهُمْ ... تَنَلْ كُلَّ خَيْرٍ فِي نَعِيمٍ مُؤَبَّدِ (وَكُنْ) أَيْضًا (حَرِيصًا عَلَى نَفْعِ الْوَرَى) كَفَتَى الْخَلْقِ، أَيْ كَمَا أَنَّهُ أَمَرَك أَنْ تَكُونَ عَامِلًا بِالْعِلْمِ أَمَرَك أَيْضًا أَنْ تَكُونَ حَرِيصًا مُجْتَهِدًا عَلَى نَفْعِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ أَبَرُّهُمْ لِعِيَالِهِ (وَ) كُنْ حَرِيصًا أَيْضًا عَلَى (هُدَاهُمْ) إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَالطَّرِيقِ الْقَوِيمِ، وَنَجَاتِهِمْ مِنْ الْغَيِّ وَالضَّلَالَةِ، وَالْمَهْلَكَةِ وَالْجَهَالَةِ (تَنَلْ) بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ الْمَالِكِ (كُلَّ خَيْرٍ) مِنْ خَيْرِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ تَخْلِيدِ الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ، وَإِدَامَةِ الْعِلْمِ وَالسَّنَاءِ، وَالْقُرْبِ إلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَنُورِ الْبَصِيرَةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ الْحَيْرَةِ مَعَ نُورِ الْيَقِينِ، وَكَشْفِ الْعَارِفِينَ، وَالتَّلَذُّذِ بِمُنَاجَاةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمُجَاوَرَتِهِ فِي دَارِ الْخُلْدِ السَّرْمَدِيِّ (فِي نَعِيمٍ مُؤَبَّدِ) لَا يَزُولُ أَبَدًا فِي دَارٍ لَا تَبْلَيْ ثِيَابُهَا، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهَا. وَقَدَّمْنَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ بَعْضَ أَخْبَارٍ وَآثَارٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعَادَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ فَضِيلَةِ الصَّبْرِ مَطْلَبٌ] وَلَمَّا ذَكَرَ النَّاظِمُ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ الْعِلْمَ وَحَثّ عَلَى طَلَبِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَتَعْلِيمِ النَّاسِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَكَانَ مِنْ لَازِمِ ذَلِكَ عَادَةً فِي الْغَالِبِ الْفَقْرُ حَثَّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ فَقَالَ: مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ فَضِيلَةِ الصَّبْرِ وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمَصَائِبِ وَاجِبٌ وَكُنْ صَابِرًا بِالْفَقْرِ وَادَّرِعْ الرِّضَا ... بِمَا قَلَّبَ الرَّحْمَنُ وَاشْكُرْهُ تُحْمَدْ (وَكُنْ) أَيُّهَا الْأَخُ الصَّادِقُ، وَالْحِبُّ الْوَاثِقُ، وَالْخِلُّ الْمُوَافِقُ، الدَّائِبُ فِي تَحْصِيلِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، الْبَاذِلُ وُسْعَهُ لِتَقْيِيدِ الدَّقَائِقِ وَاللَّطَائِفِ، الْمَحَافِظُ عَلَى تَخْلِيدِ الرَّقَائِقِ وَالْوَظَائِفِ (صَابِرًا) لِتَحْظَى بِالْمَعِيَّةِ، وَعَنْ سَاقِ الْجِدِّ حَاسِرًا ذَا فِطْنَةٍ أَلْمَعِيَّةٍ، لِتَفُوزَ بِالْأَجْرِ وَالْفَخْرِ، وَتُعَدَّ مِنْ أَهْلِ الْعَزْمِ وَالصَّبْرِ. فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وَالْآيَاتُ فِي

стр. 985

ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالْهِمَمُ الْعَالِيَةُ لِنَيْلِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ نَاهِضَةٌ مَصْرُوفَةٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: الصَّبْرُ فِي الْقُرْآنِ فِي تِسْعِينَ مَوْضِعًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَرْبَابِ التَّصَوُّفِ خُلُقٌ فَاضِلٌ مِنْ أَخْلَاقِ النَّفْسِ، يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِ مَا لَا يَحْسُنُ وَلَا يَجْمُلُ، وَهُوَ قُوَّةٌ مِنْ قُوَى النَّفْسِ الَّتِي بِهَا صَلَاحُ شَأْنِهَا، وَقِوَامُ أَمْرِهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصَّبْرُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ لِلَّهِ بِمَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَرَجَاءُ ثَوَابِهِ. وَقَدْ يَجْزَعُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ مُتَجَلِّدٌ لَا يُرَى مِنْهُ إلَّا الصَّبْرُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَام ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ. إنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الرِّضَا. انْتَهَى. وَقَدْ قَالَ ﵊ «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي لَفْظٍ «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ» . وَقَالَ ﷺ «الصَّبْرُ ضِيَاءٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» . الْهَمُّ عَلَى الْمَكْرُوهِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْحَزَنُ عَلَى الْمَاضِي، وَالْغَمُّ عَلَى النَّازِلِ بِك الْمُتَلَبِّسُ أَنْتَ بِهِ. وَالْهَمُّ يُسْهِرُ، وَالْغَمُّ يُنَوِّمُ، وَالنَّصَبُ التَّعَبُ، وَالْوَصَبُ الْمَرَضُ. قَالَ الْجُنَيْدُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الصَّبْرِ: هُوَ تَجَرُّعُ الْمَرَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَبُّسٍ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] صَبَرُوا عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ وَعَمَّا نُهُوا عَنْهُ. فَلِهَذِهِ الْأَخْبَارِ وَأَضْعَافِ أَضْعَافِهَا أَمَرَك النَّاظِمُ أَنْ تَكُونَ صَابِرًا مُتَلَبِّسًا (بِالْفَقْرِ) وَمُصَاحِبًا لَهُ. وَهُوَ بِالْفَتْحِ وَيُضَمُّ ضِدُّ الْغِنَى. مَطْلَبٌ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ الْفَقِيرُ مَنْ وَجَدَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ كِفَايَتِهِ أَوْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا أَصْلًا. وَالْمِسْكِينُ مَنْ وَجَدَ نِصْفَ كِفَايَتِهِ فَأَكْثَرَ. فَالْفَقِيرُ أَشَدُّ احْتِيَاجًا مِنْ

стр. 986

الْمِسْكِينِ عِنْدَنَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ عَكْسُهُ، اخْتَارَهُ ثَعْلَبٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَثَعْلَبٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ الَّذِي لَا يُفْتَى إلَّا بِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَقِيرَ يُطْلَقُ عَلَى الْمِسْكِينِ، وَالْمِسْكِينُ يُطْلَقُ عَلَى الْفَقِيرِ، فَهُمَا كَالْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ إذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا، وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا، وَلَيْسَا سَوَاءً بِاتِّفَاقٍ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلَ، مِنْهَا إذَا أُوصِيَ لِلْفُقَرَاءِ بِكَذَا وَلِلْمَسَاكِينِ بِكَذَا، وَلَسْنَا بِصَدَدِ مَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ - أَعْلَى اللَّهُ كَعْبَهُمْ - وَإِنَّمَا قَصَدْنَا التَّنْبِيهَ عَلَى بَعْضِ مَنَاقِبِ الْفَقْرِ، فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ، وَآثَارٌ غَزِيرَةٌ. مَطْلَبٌ: فِي التَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ مَنَاقِبِ الْفَقْرِ وَأَنَّ الْفُقَرَاءَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ فَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَنْجُو مِنْهَا إلَّا كُلُّ مُخِفٍّ» وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ قُلْت لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: مَالَك لَا تَطْلُبُ كَمَا يَطْلُبُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ قَالَ: إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ وَرَاءَكُمْ عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَجُوزُهَا الْمُثْقَلُونَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ» . الْكَئُودُ بِفَتْحِ الْكَافِّ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ هِيَ الْعَقَبَةُ الصَّعْبَةُ الشَّاقَّةُ. وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ «وَلَا يَتَكَأَّدُكَ عَفْوٌ عَنْ مُذْنِبٍ» أَيْ لَا يَصْعُبُ عَلَيْك وَيَشُقُّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ لَيَحْمِيَ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ» وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ مَرْفُوعًا «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ» وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ. وَرَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اطَّلَعْت فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ

стр. 987

وَاطَّلَعْت فِي النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ «وَاطَّلَعْت فِي النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْأَغْنِيَاءَ وَالنِّسَاءَ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيق ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ مُوسَى قَالَ: أَيْ رَبِّ عَبْدُك الْمُؤْمِنُ يُقَتَّرُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إلَيْهَا، قَالَ لَهُ يَا مُوسَى هَذَا مَا أَعْدَدْت لَهُ، قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِك وَجَلَالِك لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ لَمْ يَرَ بُؤْسًا قَطُّ. ثُمَّ قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ عَبْدُكَ الْكَافِرُ تُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ يَا مُوسَى هَذَا مَا أَعْدَدْت لَهُ، فَقَالَ مُوسَى أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِك وَجَلَالِك لَوْ كَانَ لَهُ الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقْتُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ كَأَنْ لَمْ يَرَ خَيْرًا قَطُّ» وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالْبَزَّارُ وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الْفُقَرَاءُ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمْ الثُّغُورُ، وَتُتَّقَى بِهِمْ الْمَكَارِهُ؛ وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ ايتُوهُمْ فَحَيُّوهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ رَبَّنَا نَحْنُ سُكَّانُ سَمَائِك وَخِيرَتُك مِنْ خَلْقِك أَفَتَأْمُرُنَا أَنْ نَأْتِيَ هَؤُلَاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ إنَّهُمْ كَانُوا عِبَادًا يَعْبُدُونِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَتُسَدُّ بِهِمْ الثُّغُورُ، وَتُتَّقَى بِهِمْ الْمَكَارِهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً. قَالَ فَتَأْتِيهِمْ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] » . وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ أَيْنَ فُقَرَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ فَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا عَمِلْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا ابْتَلَيْتَنَا فَصَبَرْنَا. وَوَلَّيْت الْأَمْوَالَ وَالسُّلْطَانُ غَيْرَنَا

стр. 988

فَيَقُولُ اللَّهُ صَدَقْتُمْ، قَالَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّاسِ وَتَبْقَى شِدَّةُ الْحِسَابِ عَلَى ذَوِي الْأَمْوَالِ وَالسُّلْطَانِ» الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِمِائَةِ عَامٍ حِينَ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ الْغَنِيُّ يَا لَيْتَنِي كُنْت عَيِّلًا، قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِّهِمْ لَنَا بِأَسْمَائِهِمْ، قَالَ هُمْ الَّذِينَ إذَا كَانَ مَكْرُوهٌ بُعِثُوا إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ نَعِيمٌ - وَفِي نُسْخَةٍ مَغْنَمٌ - بُعِثَ إلَيْهِ سِوَاهُمْ، وَهُمْ الَّذِينَ يُحْجَبُونَ عَنْ الْأَبْوَابِ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: رُوَاتُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِزِيَادَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْتَقَى مُؤْمِنَانِ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مُؤْمِنٌ غَنِيٌّ وَمُؤْمِنٌ فَقِيرٌ كَانَا فِي الدُّنْيَا، فَأُدْخِلَ الْفَقِيرُ الْجَنَّةَ وَحُبِسَ الْغَنِيُّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُحْبَسَ ثُمَّ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَلَقِيَهُ الْفَقِيرُ فَقَالَ يَا أَخِي مَا حَبَسَك، وَاَللَّهِ لَقَدْ حُبِسْت حَتَّى خِفْت عَلَيْك، فَيَقُولُ يَا أَخِي إنِّي حُبِسْت بَعْدَك مَحْبِسًا فَظِيعًا كَرِيهًا مَا وَصَلْت إلَيْك حَتَّى سَالَ مِنِّي مِنْ الْعِرْقِ مَاءٌ لَوْ وَرَدَهُ أَلْفُ بَعِيرٍ كُلُّهَا آكِلَةُ حِمْضٍ لَصَدَرَتْ عَنْهُ رِوَاءً» الْحَمْضُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَا مَلُحَ وَأَمَرَّ مِنْ النَّبَاتِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أُسَامَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «قُمْت عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إلَى النَّارِ. وَقُمْت عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ» الْجَدُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ هُوَ الْحَظُّ وَالْغِنَى. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَتَوَفَّنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ. وَإِنَّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْآخِرَةِ»

стр. 989

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ إلَى قَوْلِهِ «الْمَسَاكِينُ» وَالْحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَحْمِلَنَّكُمْ الْعُسْرَةُ عَلَى طَلَبِ الرِّزْقِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي فَقِيرًا وَلَا تَوَفَّنِي غَنِيًّا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ فَإِنَّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْآخِرَةِ» . وَرَوَى الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «أَحِبُّوا الْفُقَرَاءَ وَجَالِسُوهُمْ، وَأَحِبَّ الْعَرَبَ مِنْ قَلْبِك، وَلْيَرُدَّك عَنْ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِك» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: الْمَوْتُ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ، وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ» . . وَفِي الزُّهْدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: أَبُو الْأَشْهَبِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَيْمَنَ مَوْلَى كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ إذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْفُقَرَاءِ فَجَلَسَ إلَى جَنْبِ رَجُلٍ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ فَكَأَنَّهُ قَبَضَ مِنْ ثِيَابِهِ عَنْهُ، فَتَغَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَخَشِيت يَا فُلَانُ أَنْ يَعْدُوَ غِنَاك عَلَيْهِ وَأَنْ يَعْدُوَ فَقْرُهُ عَلَيْك؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَشَرٌّ الْغِنَى؟ قَالَ نَعَمْ إنَّ غِنَاك يَدْعُوك إلَى النَّارِ وَإِنَّ فَقْرَهُ يَدْعُوهُ إلَى الْجَنَّةِ. قَالَ فَمَا يُنْجِينِي مِنْهُ؟ قَالَ تُوَاسِيهِ، قَالَ إذَنْ أَفْعَلُ، فَقَالَ الْآخَرُ لَا أَرَبَ لِي فِيهِ. قَالَ فَاسْتَغْفِرْ وَادْعُ لِأَخِيك» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ قَالَ " أُعْطِينَا مَا أُعْطِينَا مِنْ الدُّنْيَا، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ. وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا عَمَّارَ بْنَ سَيْفٍ، وَقَدْ وُثِّقَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵁: «ثُمَّ أَقْبَلَ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ لَقَدْ بَطَّأَ بِك غِنَاك مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي حَتَّى خَشِيت أَنْ تَكُونَ هَلَكْت

стр. 990

وَعَرِقْت عَرَقًا شَدِيدًا فَقَالَ: مَا بَطَّأَ بِك؟ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ كَثْرَةِ مَالِي مَا زِلْت مَوْقُوفًا مُحَاسَبًا أُسْأَلُ عَنْ مَالِي مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْته وَفِيمَا أَنْفَقْته، فَبَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ مِائَةُ رَاحِلَةٍ جَاءَتْنِي اللَّيْلَةَ مِنْ تِجَارَةِ مِصْرَ فَإِنِّي أُشْهِدُك أَنَّهَا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَة وَأَيْتَامِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُخَفِّفُ عَنِّي ذَلِكَ الْيَوْمَ» . قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَقَدْ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ مَا وَجْهٍ وَمِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَبْوًا لِكَثْرَةِ مَالِهِ» وَلَا يَسْلَمُ أَجْوَدُهَا مِنْ مَقَالٍ. وَلَا يَبْلُغُ شَيْءٌ مِنْهَا بِانْفِرَادِ دَرَجَةِ الْحُسْنِ. وَلَقَدْ كَانَ مَالُهُ ﵁ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» فَأَنَّى يُنْقِصُ دَرَجَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُقَصِّرُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَغْنِيَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، إنَّمَا صَحَّ سَبْقُ فُقَرَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَغْنِيَاءَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْفَقِيرِ الصَّابِرِ آدَابًا. فَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنْ لَا يَكْرَهَ مَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْفَقْرِ، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَأَرْفَعُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِالْفَقْرِ. وَأَرْفَعُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لَهُ وَفَرِحًا بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَطْلَبٌ: فِي اتِّخَاذِ الرِّضَا دِرْعًا، وَهَلْ هُوَ كَسْبِي أَوْ وَهْبِي ؟ (وَادَّرِعْ) أَصْلُهُ ادْتَرَعَ بَعْدَ نَقْلِ دَرِعَ إلَى الِافْتِعَالِ قُلِبَتْ التَّاءُ دَالًا فَصَارَ ادْدَرَعَ بِدَالَيْنِ فَأُدْغِمَتْ الدَّالُ فِي الدَّالِ الْأُخْرَى لِوُجُوبِ الِادِّغَامِ فَصَارَ ادَّرِعْ أَنْتَ (الرِّضَا) أَيْ اتَّخِذْ الرِّضَا دِرْعًا، يُقَالُ ادَّرَعَ الرَّجُلُ إذَا لَبِسَ الْحَدِيدَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفُلَانٌ ادَّرَعَ اللَّيْلَ إذَا دَخَلَ فِي ظُلْمَتِهِ يَسْرِي كَأَنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ دِرْعًا؛ لِأَنَّ الدِّرْعَ يَسْتُرُ مِنْ وَقْعِ الْأَسِنَّةِ وَاللَّيْلُ يَسْتُرُ بِظُلْمَتِهِ عَنْ أَعْيُنِ الرُّقَبَاءِ. فَإِذَا لَبِسَ الْفَقِيرُ دِرْعَ الرِّضَا فَقَدْ سَلِمَ مِنْ حِرَابِ الْجَزَعِ وَأَسِنَّةِ التَّسَخُّطِ وَنِبَالِ التَّبَرُّمِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرِّضَا ضِدُّ السُّخْطِ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مُؤَكَّدٌ اسْتِحْبَابُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ

стр. 991

وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَحْكِيهِمَا قَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَكَانَ يَذْهَبُ إلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهِ. قَالَ: وَلَمْ يَجِئْ الْأَمْرُ بِهِ كَمَا جَاءَ الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ، وَإِنَّمَا جَاءَ الثَّنَاءُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَمَدْحِهِمْ. قَالَ: وَأَمَّا مَا يُرْوَى مِنْ الْأَثَرِ: مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا سِوَائِي، فَهَذَا أَثَرٌ إسْرَائِيلِيٌّ لَيْسَ يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: قُلْت وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَيْسَتْ مُكْتَسَبَةً وَأَنَّهُ مَوْهِبَةٌ مَحْضَةٌ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ وَلَيْسَ مَقْدُورًا. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَرْبَابُ السُّلُوكِ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ، فَالْخُرَاسَانِيُّونَ قَالُوا إنَّ الرِّضَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَامَاتِ وَهُوَ نِهَايَةُ التَّوَكُّلِ. فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ الْعَبْدُ بِاكْتِسَابِهِ. وَالْعِرَاقِيُّونَ قَالُوا هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ، وَلَيْسَ كَسْبِيًّا لِلْعَبْدِ، بَلْ هُوَ نَازِلَةٌ تَحِلُّ بِالْقَلْبِ كَسَائِرِ الْأَحْوَالِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ أَنَّ الْمَقَامَاتِ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَكَاسِبِ، وَالْأَحْوَالَ مُجَرَّدُ الْمَوَاهِبِ. وَحَكَمَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ يَعْنِي الْقُشَيْرِيَّ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُقَالَ: بِدَايَةُ الرِّضَا مُكْتَسَبَةٌ لِلْعَبْدِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَامَاتِ، وَنِهَايَتُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ، فَأَوَّلُهُ مَقَامٌ وَنِهَايَتُهُ حَالٌ. وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَامَاتِ بِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَ أَهْلَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَنَدَبَهُمْ إلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُمْ. وَقَالَ ﷺ «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» وَقَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ» . وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَيْهِمَا مَدَارُ مَقَامَاتِ الدِّينِ، وَإِلَيْهِمَا يَنْتَهِي، وَقَدْ تَضَمَّنَا الرِّضَا بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ وَأُلُوهِيَّتِهِ، وَالرِّضَا بِرَسُولِهِ وَالِانْقِيَادَ لَهُ، وَالرِّضَا بِدِينِهِ وَالتَّسْلِيمَ لَهُ وَمَنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فَهُوَ الصِّدِّيقُ حَقًّا، وَهِيَ سَهْلَةٌ بِالدَّعْوَى وَاللِّسَانِ، وَمِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالِامْتِحَانِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا جَاءَ مَا يُخَالِفُ هَوَى النَّفْسِ وَمُرَادَهَا. وَلَسْنَا بِصَدَدِ بَيَانِ ذَلِكَ.

стр. 992

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرِّضَا كَسْبِيٌّ بِاعْتِبَارِ سَبَبِهِ، وَهْبِيٌّ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَتِهِ، فَمَنْ تَمَكَّنَ بِالْكَسْبِ لِأَسْبَابِهِ وَغَرَسَ شَجَرَتَهُ اجْتَنَى مِنْهَا ثَمَرَةَ الرِّضَا، فَإِنَّهُ آخِرُ التَّوَكُّلِ، فَمَنْ رَسَخَ قَدَمُهُ فِي التَّوَكُّلِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ حَصَلَ لَهُ الرِّضَا وَلَا بُدَّ. وَلَكِنْ لِعِزَّتِهِ وَعَدَمِ إجَابَةِ أَكْثَرِ النُّفُوسِ لَهُ وَصُعُوبَتِهِ عَلَيْهَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ وَتَخْفِيفًا عَنْهُمْ. نَعَمْ نَدَبَهُمْ إلَيْهِ وَأَثْنَى عَلَى أَهْلِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ ثَوَابَهُ رِضَاهُ عَنْهُمْ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ وَأَجَلُّ مِنْ الْجَنَّاتِ وَمَا فِيهَا، فَمَنْ رَضِيَ عَنْ رَبِّهِ ﵁، بَلْ رِضَا الْعَبْدِ عَنْ اللَّهِ مِنْ نَتَائِجِ رِضَا اللَّهِ عَنْهُ، فَهُوَ مَحْفُوفٌ بِنَوْعَيْنِ مِنْ رِضَاهُ عَنْ عَبْدِهِ، رِضًا قَبْلَهُ أَوْجَبَ لَهُ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ، وَرِضًا بَعْدَهُ هُوَ ثَمَرَةُ رِضَاهُ عَنْهُ. وَلِذَا كَانَ الرِّضَا بَابَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، وَجَنَّةَ الدُّنْيَا، وَمُسْتَرَاحَ الْعَارِفِينَ، وَحَيَاةَ الْمُحِبِّينَ، وَنَعِيمَ الْعَابِدِينَ، وَقُرَّةَ أَعْيُنِ الْمُشْتَاقِينَ. وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ حُصُولِ الرِّضَا أَنْ يَلْزَمَ مَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رِضَاهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُوَصِّلُهُ إلَى مَقَامِ الرِّضَا وَلَا بُدَّ. قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ ﵀: مَتَى يَبْلُغُ الْعَبْدُ إلَى مَقَامِ الرِّضَا؟ فَقَالَ إذَا أَقَامَ نَفْسَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ فِيمَا يُعَامِلُ بِهِ رَبَّهُ، فَيَقُولُ إنْ أَعْطَيْتنِي قَبِلْت، وَإِنْ مَنَعْتنِي رَضِيت، وَإِنْ تَرَكَتْنِي عَبَدْت، وَإِنْ دَعَوْتنِي أَجَبْت. وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِمُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ أَمْرِهِ بِاِتِّخَاذِ الرِّضَا دِرْعًا وَجُنَّةً وَوِقَايَةً يَتَحَصَّنُ بِهِ عَنْ اخْتِلَاجِ الْقَلْبِ وَاضْطِرَابِهِ مِنْ النَّوَائِبِ وَالْخَطَرَاتِ وَالْهَوَاجِسِ وَالشُّبُهَاتِ، بَلْ يَكُونُ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ سَاكِنَ اللُّبِّ (لِ) جَمِيعِ (مَا) أَيْ الَّذِي (قَلَّبَ) هـ (الرَّحْمَنُ) جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَرَّفَهُ وَقَضَاهُ وَقَدَّرَهُ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمَحْبُوبَاتِ. مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ وَبَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ قَالَ الْجُنَيْدُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ: الرِّضَا هُوَ صِحَّةُ الْعِلْمِ الْوَاصِلِ إلَى الْقَلْبِ، فَإِذَا بَاشَرَ الْقَلْبُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ أَدَّاهُ إلَى الرِّضَا، وَلَيْسَ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ كَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، فَإِنَّ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةَ حَالَانِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يُفَارِقَانِ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْبَرْزَخِ وَلَا فِي الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَإِنَّهُمَا يُفَارِقَانِ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِحُصُولِ مَا كَانُوا يَرْجُونَهُ، وَأَمْنِهِمْ مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَهُ، وَإِنْ كَانَ

стр. 993

رَجَاؤُهُمْ لِمَا يَنَالُونَ مِنْ كَرَامَتِهِ دَائِمًا لَكِنَّهُ لَيْسَ رَجَاءً مَشُوبًا بِشَكٍّ. بَلْ رَجَاءَ وَاثِقٍ بِوَعْدٍ صَادِقٍ مِنْ حَبِيبٍ قَادِرٍ، فَهَذَا لَوْنٌ وَرَجَاؤُهُمْ فِي الدُّنْيَا لَوْنٌ. وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ الإسكندراني - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الرِّضَا سُكُونُ الْقَلْبِ إلَى قِدَمِ اخْتِيَارِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أَنَّهُ اخْتَارَ لَهُ الْأَفْضَلَ فَيَرْضَى بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا الرِّضَا بِمَا مِنْهُ، وَأَمَّا الرِّضَا بِهِ فَأَعْلَى مِنْ هَذَا وَأَفْضَلُ، فَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ هُوَ رَاضٍ بِمَحْبُوبِهِ وَبَيْنَ رِضَاهُ فِيمَا يَنَالُهُ مِنْ مَحْبُوبِهِ مِنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرِّضَا أَنْ لَا يَحُسَّ بِالْأَلَمِ وَالْمَكَارِهِ، بَلْ أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عَلَى الْحُكْمِ وَلَا يَتَسَخَّطَهُ. وَلِهَذَا أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الرِّضَا بِالْمَكْرُوهِ وَطَعَنُوا فِيهِ وَقَالُوا: هَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى الطَّبِيعَةِ وَإِنَّمَا هُوَ الصَّبْرُ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الرِّضَا وَالْكَرَاهَةُ وَهُمَا ضِدَّانِ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ وُجُودَ التَّأَلُّمِ وَكَرَاهَةِ النَّفْسِ لَهُ لَا تُنَافِي الرِّضَا، كَرِضَا الْمَرِيضِ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ الْكَرِيهِ، وَرِضَا الصَّائِمِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْحَرِّ بِمَا يَنَالُهُ مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ، وَرِضَا الْمُجَاهِدِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ قَالَ الْوَاسِطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: اسْتَعْمِلْ الرِّضَا جَهْدَك وَلَا تَدَعْ الرِّضَا يَسْتَعْمِلُك فَتَكُونَ مَحْجُوبًا بِلَذَّتِهِ وَرُؤْيَتِهِ عَنْ حَقِيقَةِ مَا تُطَالِعُ. وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ﵀ عَقَبَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ الْقَوْمِ وَمَقْطَعٌ لَهُمْ، فَإِنَّ مُسَاكَنَةَ الْأَحْوَالِ وَالسُّكُونَ إلَيْهَا وَالْوُقُوفَ عِنْدَهَا اسْتِلْذَاذًا وَمَحَبَّةً حِجَابٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ بِحُظُوظِهِمْ عَنْ مُطَالَعَةِ حُقُوقِ مَحْبُوبِهِمْ وَمَعْبُودِهِمْ، وَهِيَ عَقَبَةٌ لَا يَجُوزُهَا إلَّا أُولُو الْعَزَائِمِ، وَكَانَ الْوَاسِطِيُّ كَثِيرَ التَّحْذِيرِ مِنْ هَذِهِ شَدِيدَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا. وَمِنْ كَلَامِهِ: إيَّاكُمْ وَاسْتِحْلَاءَ الطَّاعَاتِ فَإِنَّهَا سَمُومٌ قَاتِلَةٌ. فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ اسْتَعْمِلْ الرِّضَا لَا تَدَعْ الرِّضَا يَسْتَعْمِلُك، أَيْ لَا يَكُونُ عَمَلُك لِأَجْلِ حُصُولِ حَلَاوَةِ الرِّضَا بِحَيْثُ تَكُونُ هِيَ الْبَاعِثَةَ لَك عَلَيْهِ، بَلْ اجْعَلْهُ آلَةً لَك وَسَبَبًا مُوَصِّلًا إلَى مَقْصُودِك وَمَطْلُوبِك، فَتَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لَهُ لَا أَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لَك. وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالرِّضَا بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي يَسْكُنُ إلَيْهَا الْقَلْبُ. قَالَ ذُو النُّونِ: ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الرِّضَا: تَرْكُ الِاخْتِيَارِ قَبْلَ الْقَضَاءِ

стр. 994

وَفِقْدَانُ الْمَرَارَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَهَيَجَانُ الْحُبِّ فِي حَشْوِ الْبَلَاءِ وَقِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: إنَّ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: الْفَقْرُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْغِنَى، وَالسَّقَمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصِّحَّةِ، فَقَالَ ﵁: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ: مَنْ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَتَمَنَّ غَيْرَ مَا اخْتَارَ اللَّهُ لَهُ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ لِبِشْرٍ الْحَافِي: الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الرَّاضِيَ لَا يَتَمَنَّى فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ. وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أَسْأَلُك الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ» فَقَالَ: لِأَنَّ الرِّضَا قَبْلَ الْقَضَاءِ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا، وَالرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ هُوَ الرِّضَاءُ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرِّضَا، فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَرْضَى وَإِلَّا فَالصَّبْرُ. وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ لَا سِيَّمَا أَرْبَابُ الْقُلُوبِ مِنْ الْكَلَامِ فِي الرِّضَا، فَقِيلَ هُوَ ارْتِفَاعُ الْجَزَعِ فِي أَيِّ حُكْمٍ كَانَ. وَقِيلَ رَفْعُ الِاخْتِيَارِ، وَقِيلَ اسْتِقْبَالُ الْأَحْكَامِ بِالْفَرَحِ. وَقِيلَ سُكُونُ الْقَلْبِ تَحْتَ مَجَارِي الْأَحْكَامِ. وَقِيلَ نَظَرُ الْقَلْبِ إلَى قَدِيمِ اخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ. وَلِلْفَقِيرِ فِي الرِّضَا بِمُرِّ الْقَضَّا شِعْرُ: أَنَا فِي الْهَوَى عَبْدُ ... وَمَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَعَرَّضَا مَالِي عَلَى مُرِّ الْقَضَا ... مِنْ حِيلَةٍ غَيْرِ الرِّضَا [مَطْلَبٌ: خُلَاصَةُ الْقَوْلِ فِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ] (تَنْبِيهٌ) : خُلَاصَةُ الْقَوْلِ فِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ فِي نَحْوِ مَا يُخَالِفُ بِهِ الطَّاعَةَ، وَيَكْتَسِبُ بِهِ الْإِثْمَ وَخُسْرَانَ الْبِضَاعَةِ، أَنَّا نَرْضَى بِالْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ، دُونَ الْمَقْضِيِّ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ، وَالْفِعْلَ غَيْرُ الْمَفْعُولِ، وَالْقَضَاءَ غَيْرُ الْمَقْضِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: الرِّضَا بِالْقَضَاءِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ وَاجِبٌ وَهُوَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ وَقَاعِدَةُ الْإِيمَانِ، فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِهِ بِلَا حَرَجٍ وَلَا مُنَازَعَةٍ وَلَا مُعَارَضَةٍ وَلَا اعْتِرَاضٍ. قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]

стр. 995

فَأَقْسَمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ، وَيَرْتَفِعَ الْحَرَجُ مِنْ نُفُوسِهِمْ مِنْ حُكْمِهِ، وَيُسَلِّمُوا لِحُكْمِهِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الرِّضَا بِحُكْمِهِ؛ فَالتَّحْكِيمُ فِي مَقَامِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِفَاءُ الْحَرَجِ فِي مَقَامِ الْإِيمَانِ، وَالتَّسْلِيمُ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ. وَمَتَى خَالَطَ الْقَلْبُ بَشَاشَةَ الْإِيمَانِ، وَاكْتَحَلَتْ بَصِيرَتُهُ بِحَقِيقَةِ الْيَقِينِ، وَحَيِيَ بِرُوحِ الْوَحْيِ وَتَمَهَّدَتْ طَبِيعَتُهُ، وَانْقَلَبَتْ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ مُطْمَئِنَّةً رَاضِيَةً وَادِعَةً، وَتَلَقَّى أَحْكَامَ الرَّبِّ تَعَالَى بِصَدْرٍ وَاسِعٍ مُنْشَرِحٍ مُسْلِمٍ، فَقَدْ رَضِيَ كُلَّ الرِّضَا بِهَذَا الْقَضَاءِ الدِّينِيِّ الْمَحْبُوبِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ الْمُوَافِقِ لِمَحَبَّةِ الْعَبْدِ وَإِرَادَتِهِ وَرِضَاهُ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْغِنَى وَالْعَافِيَةِ وَاللَّذَّةِ أَمْرٌ لَازِمُ لِمُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ، فَإِنَّهُ مُلَائِمٌ لِلْعَبْدِ مَحْبُوبٌ لَهُ، فَلَيْسَ فِي الرِّضَا بِهِ عُبُودِيَّةٌ فِي مُقَابَلَتِهِ بِالشُّكْرِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْمِنَّةِ وَوَضْعِ النِّعْمَةِ مَوَاضِعَهَا الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ تُوضَعَ فِيهَا، وَأَنْ لَا يَعْصِيَ الْمُنْعِمَ بِهَا. وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ الْجَارِي عَلَى خِلَافِ مُرَادِ الْعَبْدِ وَمَحَبَّتِهِ مِمَّا يُلَائِمُ وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ اخْتِيَارِهِ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ، وَفِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ، وَهَذَا كَالْمَرَضِ وَالْفَقْرِ وَأَذَى الْخَلْقِ لَهُ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْآلَامِ. وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ الْجَارِي عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَيَسْخَطُهُ وَيَنْهَى عَنْهُ كَأَنْوَاعِ الظُّلْمِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ حَرَامٌ يُعَاقِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُخَالَفَةٌ لِرَبِّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ وَلَا يُحِبُّهُ، فَكَيْفَ تَتَّفِقُ الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَا بِمَا يَسْخَطُهُ الْحَبِيبُ وَيَبْغُضُهُ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَعَلَيْك بِهَذَا التَّفْصِيلِ فِي مَسْأَلَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَأَطَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. مَطْلَبٌ: فِي الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرِّضَا بِالْفَقْرِ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ وَاجِبٌ. وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّبْرَ وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَرْقَى مِنْهُ الرِّضَا، وَأَرْقَى مِنْهُمَا الشُّكْرُ، بِأَنْ تَرَى نَفْسَ الْفَقْرِ مَثَلًا نِعْمَةً مِنْ اللَّهِ أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْك، وَأَنَّ لَهُ عَلَيْك شُكْرَهَا، وَلِهَذَا الْمَقَامِ أَشَارَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ (وَاشْكُرْهُ) أَنْتَ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْك مِنْ الْفَرَاغِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِشَهَادَةِ

стр. 996

«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» . وَتَقَدَّمَ أَنَّ الشُّكْرَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِيمَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ هُوَ أَنْ لَا يَعْصِيَ اللَّهَ بِنِعَمِهِ. وَالشُّكْرُ إمَّا عَلَى مَحْبُوبٍ، وَهَذَا - كَمَا قَالَ صَاحِبُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ - شَارَكَتْ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ، وَمِنْ سَعَةِ بِرِّ الْبَارِي أَنَّهُ عَدَّهُ شُكْرًا وَوَعَدَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ وَأَوْجَبَ لَهُ الْمَثُوبَةَ، وَأَمَّا فِي الْمَكَارِهِ، وَهَذَا مِمَّنْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الْحَالَاتُ إظْهَارًا لِلرِّضَا وَمِمَّنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَحْوَالِ كَظْمًا لِلشَّكْوَى وَرِعَايَةً لِلْأَدَبِ وَسُلُوكُ مَسْلَكِ الْعِلْمِ، وَهَذَا الشَّاكِرُ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إلَى الْجَنَّةِ، وَأَمَّا مَنْ عَبَدَ اسْتَغْرَقَ فِي جَمَالِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُشْهِدُ إلَّا الْمُنْعِمَ، فَإِذَا شَهَّدَ الْمُنْعِمَ عُبُودَةً اسْتَعْظَمَ مِنْهُ النِّعْمَةَ، فَإِذَا شَهِدَهُ حُبًّا اسْتَحْلَى مِنْهُ الشِّدَّةَ، فَإِذَا شَهِدَهُ تَفْرِيدًا لَمْ يَشْهَدْ مِنْهُ شِدَّةً وَلَا نِعْمَةً. وَإِلَى مَقَامِ مُشَاهَدَتِهِ حُبًّا وَاسْتِحْلَاءَ الشِّدَّةِ مِنْهُ أَمَرَك النَّاظِمَ بِالشُّكْرِ عَلَى تِلْكَ الشِّدَّةِ؛ لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ، فَإِنْ فَعَلْت (تُحْمَدْ) بِالْجَزْمِ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَّةِ عَلَى شُكْرِك لَهُ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ، وَالتَّحَدُّثَ بِالنِّعْمَةِ شُكْرٌ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ، وَبَابُ الشُّكْرِ وَاسِعٌ. وَلِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ نِعَمٌ لَوْ أَنْفَقُوا جَمِيعَ عُمُرِهِمْ فِي الطَّاعَةِ مِنْ الْقِيَامِ وَالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ مَا أَدَّوْا شُكْرَ مِعْشَارِ عُشْرِهَا، فَسُبْحَانَ الْمُنْعِمِ الْمُتَفَضِّلِ عَلَى خَلْقِهِ بِنِعَمِهِ. مَطْلَبٌ: الْعِزُّ فِي الْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِالْكَفَافِ فَمَا الْعِزُّ إلَّا فِي الْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا ... بِأَدْنَى كَفَافٍ حَاصِلٍ وَالتَّزَهُّدِ (فَمَا الْعِزُّ) وَالرِّفْعَةُ (إلَّا فِي الْقَنَاعَةِ) بِالْفَتْحِ مِنْ قَنِعَ كَتَعِبَ، الرِّضَا بِالْقَسْمِ، وَهُوَ قَنِعٌ وَقَنُوعٌ وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ أَقْنَعَنِي، وَأَمَّا الْقُنُوعُ بِالضَّمِّ فَهُوَ السُّؤَالُ، وَالتَّذَلُّلُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الرِّضَا بِالْقَسْمِ مِنْ بَابِ الْأَضْدَادِ وَفِعْلُهُ كَمَنَعَ. وَمِنْ دُعَائِهِمْ: نَسْأَلُ اللَّهَ الْقَنَاعَةَ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ الْقُنُوعِ. وَفِي الْمَثَلِ: " خَيْرُ الْغِنَى الْقَنُوعُ، وَشَرُّ الْفَقْرِ الْخُضُوعُ ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ

стр. 997

فَإِنَّك مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْت فَإِنَّك مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ النَّاسِ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» . وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَاهُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا، وَقَنِعَ» . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَفَافِ مَا كَفَّ عَنْ سُؤَالٍ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا «الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى» . قَالَ فِي النِّهَايَةِ: لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنْهَا لَا يَنْقَطِعُ كُلَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا قَنِعَ بِمَا دُونَهُ وَرَضِيَ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «عَزَّ مَنْ قَنِعَ وَذَلَّ مَنْ طَمِعَ» لِأَنَّ الْقَانِعَ لَا يُذِلُّهُ الطَّلَبُ فَلَا يَزَالُ عَزِيزًا. قُلْت: ذَكَرَ فِي التَّمْيِيزِ حَدِيثَ «الْقَنَاعَةُ مُلْكٌ لَا يَنْفَدُ، وَكَنْزٌ لَا يَفْنَى» وَقَالَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ فِي الْقَنَاعَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، انْتَهَى. وَأَوْرَدَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِدُونِ " وَكَنْزٌ لَا يَفْنَى " وَعَزَاهُ لِلْقُضَاعِيِّ، زَادَ شَارِحُهُ الْمُنَاوِيَّ وَالدَّيْلَمِيَّ ثُمَّ قَالَ بِإِسْنَادٍ وَاهٍ وَرَأَى ابْنُ السَّمَّاكِ رَجُلًا سَأَلَ آخَرَ حَاجَةً فَأَبَى عَلَيْهِ فَقَالَ: ابْنُ السَّمَّاكِ أَيُّهَا الرَّجُلُ عَلَيْك بِالْقَنَاعَةِ فَإِنَّهَا الْعِزُّ، ثُمَّ أَنْشَدَ: إنِّي أَرَى مَنْ لَهُ قَنُوعُ ... يَعْدِلُ مَنْ نَالَ مَا تَمَنَّى وَالرِّزْقُ يَأْتِي بِلَا عَنَاءِ ... وَرُبَّمَا فَاتَ مَنْ تَعَنَّى وَفَسَّرَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ الْقَنَاعَةُ. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: يَا بُنَيَّ إذَا طَلَبْت الْغِنَى فَاطْلُبْهُ بِالْقَنَاعَةِ فَإِنَّهَا مَالٌ لَا يَنْفُذُ، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ، وَعَلَيْك بِالْإِيَاسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّك لَا تَيْأَسُ مِنْ شَيْءٍ إلَّا أَغْنَاك اللَّهُ عَنْهُ.

стр. 998

فَلِهَذِهِ الْآثَارِ وَأَمْثَالِهَا قَالَ النَّاظِمُ فَمَا الْعِزُّ إلَّا فِي الْقَنَاعَةِ (وَ) هِيَ (الرِّضَا بِأَدْنَى) أَيْ بِأَقَلِّ (كَفَافٍ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَا يَكْفِيك عَنْ السُّؤَالِ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ الْكِفَايَةِ. وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ الثَّوَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ سُئِلَ مَا الْكَفَافُ مِنْ الرِّزْقِ؟ قَالَ: شِبَعُ يَوْمٍ وَجُوعُ يَوْمٍ (حَاصِلٌ) لَك بِأَنْ كَانَ عِنْدَك مَا يَكْفِيك أَوْ يَأْتِيك مِنْ غَلَّةٍ أَوْ ضَيْعَةٍ مَا يَكْفِيك وَيَوْمًا بِيَوْمٍ أَوْ عَامًا بِعَامٍ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَإِذَا حَصَلْت عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَفُتْك شَيْءٌ مِنْ أُصُولِ الْمَعِيشَةِ وَلَا حَاجَةَ لَك فِيمَا يُنَافِسُ فِيهِ الْمُتْرَفُونَ مِنْ فُضُولِ الْمَعِيشَةِ، فَإِنَّهُ - مَعَ كَوْنِهِ مَسْئُولًا عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - هَمٌّ حَاضِرٌ، وَقَطْعُ أَيَّامَ الْعُمُرِ فِيمَا يَئُولُ إلَى التُّرَابِ، وَأَنْفَاسُ الْعَبْدِ مَحْسُوبَةٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ جَوَاهِرُ ثَمِينَةٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُنْفَقَ فِي التُّرَابِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْقَنَاعَةُ. إنَّ الْقَنَاعَةَ مَنْ يَحْلُلْ بِسَاحَتِهَا ... لَمْ يَلْقَ فِي ظِلِّهَا هَمًّا يُؤَرِّقُهُ وَقَالَ آخَرُ: اقْنَعْ بِرِزْقٍ يَسِيرٍ أَنْتَ نَائِلُهُ ... وَاحْذَرْ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِلْإِرَادَاتِ فَمَا صَفَا الْبَحْرُ إلَّا وَهُوَ مُنْتَقِصُ ... وَلَا تَكَدَّرَ إلَّا بِالزِّيَادَاتِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ لِشَقِيقٍ: أَخْبِرْنِي عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ: قَالَ شَقِيقٌ قُلْت: إنْ رُزِقْت أَكَلْت، وَإِنْ مُنِعْت صَبَرْت، قَالَ: هَكَذَا تَعْمَلُ كِلَابُ بَلْخِي. قُلْت فَكَيْفَ تَعْمَلُ أَنْتَ؟ قَالَ: إذَا رُزِقْت آثَرْت، وَإِذَا مُنِعْت شَكَرْت، فَعَدَّ الْمَنْعَ عَطَاءً يُشْكَرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي صَيْدِ الْخَاطِرِ: تَفَكَّرْت فِي قَوْلِ شَيْبَانَ الرَّاعِي لِسُفْيَانَ: يَا سُفْيَانُ عُدَّ مَنْعَ اللَّهِ إيَّاكَ عَطَاءً مِنْهُ لَك، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْك بُخْلًا إنَّمَا مَنَعَك لُطْفًا، فَرَأَيْته كَلَامَ مَنْ قَدْ عَرَفَ الْحَقَائِقَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُرِيدُ الْمُسْتَحْسَنَاتِ الْفَائِقَاتِ فَلَا يَقْدِرُ، وَعَجْزُهُ أَصْلَحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِنَّ تَشَتَّتَ قَلْبُهُ، إمَّا لِحِفْظِهِنَّ أَوْ بِالْكَسْبِ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ قَوِيَ عِشْقُهُ لَهُنَّ ضَاعَ عُمُرُهُ، وَانْقَلَبَ هَمُّ الْآخِرَةِ إلَى الِاهْتِمَامِ بِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْنَهُ فَذَاكَ الْهَلَاكُ الْأَكْبَرُ، وَإِنْ طَلَبْنَ نَفَقَةً لَمْ يُطِقْهَا كَانَ سَبَبَ ذَهَابِ مُرُوءَتِهِ وَهَلَاكِ عِرْضِهِ، وَإِنْ مَاتَ مَعْشُوقٌ هَلَكَ هُوَ أَسَفًا، فَاَلَّذِي يَطْلُبُ الْفَائِقَ يَطْلُبُ سِكِّينًا لِذَبْحِهِ

стр. 999

وَمَا يَعْلَمُ، وَكَذَلِكَ إنْفَاذُ قَدْرِ الْقُوَّةِ فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» وَفِي رِوَايَةٍ «كَفَافًا» وَمَتَى كَثُرَ تُشَتَّتُ الْهِمَمُ. فَالْعَاقِلُ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لِلتَّنْعِيمِ فَقَنِعَ بِدَفْعِ الْوَقْتِ فِي كُلِّ حَالٍ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْقَنَاعَةُ فَالْزَمْهَا تَعِشْ مَلِكًا ... لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إلَّا رَاحَةَ الْبَدَنِ وَانْظُرْ لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا ... هَلْ رَاحَ مِنْهَا سِوَى بِالْقُطْنِ وَالْكَفَنِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ عُيُونِ الْحِكَايَاتِ قَالَ الْعُمَرِيُّ السَّقَطِيُّ: رَأَيْت الْبُهْلُولَ وَقَدْ دَلَّى رِجْلَهُ فِي قَبْرٍ وَهُوَ يَلْعَبُ بِالتُّرَابِ، قُلْت أَنْتَ هَاهُنَا؟ قَالَ: نَعَمْ عِنْدَ قَوْمٍ لَا يُؤْذُونِي، وَإِنْ غِبْت لَا يَغْتَابُونِي. قُلْت لَهُ إنَّ السِّعْرَ قَدْ غَلَا. قَالَ لَوْ بَلَغَتْ كُلُّ حَبَّةٍ بِمِثْقَالٍ لَا أُبَالِي، نَعْبُدُهُ كَمَا أَمَرَنَا، وَيَرْزُقُنَا كَمَا وَعَدَنَا. ثُمَّ أَنْشَدَ يَقُولُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَفْنَيْت عُمُرَك فِيمَا لَسْت تُدْرِكُهُ ... وَلَا تَنَامُ عَنْ اللَّذَّاتِ عَيْنَاهُ يَا مَنْ تَمَتَّعَ بِالدُّنْيَا وَلَذَّتِهَا ... يَقُولُ لِلَّهِ مَاذَا حِينَ يَلْقَاهُ أَنْبَأَنِي كُلٌّ مِنْ مَشَايِخِي، الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ التَّغْلِبِيُّ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ وَالشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُجْلِدُ عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي الْحَنْبَلِيِّ الْأَثَرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا الْمُقْرِي عَنْ أَحْمَدَ الْقَاضِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَمِّهِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ فَهْدٍ؛ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُسْنَدِ الْآفَاقِ، عَنْ أَبِي النُّونِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ الْعَسْقَلَانِيِّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُقِيرُ الْبَغْدَادِيُّ نَا لَاحِقُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ كَارَةَ نَا أَبُو عَلِيٍّ نَبْهَانُ نَا الحيسوب دوما نَا أَبُو بَكْرٍ الدَّرَّاعُ نَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ: سُئِلَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ الْقَنَاعَةِ فَقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا التَّمَتُّعُ بِعِزِّ الْغِنَى لَكَانَ ذَلِكَ يُجْزِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَفَادَتْنَا الْقَنَاعَةُ أَيَّ عِزٍّ ... وَلَا عِزَّ أَعَزُّ مِنْ الْقَنَاعَهْ فَخُذْ مِنْهَا لِنَفْسِك رَأْسَ مَالْ ... وَصَيِّرْ بَعْدَهَا التَّقْوَى بِضَاعَهْ تَحُزْ حَالَيْنِ تَغْنَى عَنْ بَخِيلٍ ... وَتَسْعَدُ فِي الْجِنَانِ بِصَبْرِ سَاعَهْ ثُمَّ قَالَ: مُرُوءَةُ الْقَنَاعَةِ أَشْرَفُ مِنْ مُرُوءَةِ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ. وَمِنْ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ وَرَضِيَ عَنْهُ -:

стр. 1000

وَجَدْت الْقَنَاعَةَ ثَوْبَ الْغِنَى ... فَصِرْت بِأَذْيَالِهَا أَمْتَسِكْ فَأَلْبَسَنِي جَاهُهَا حُلَّةً ... يَمُرُّ الزَّمَانُ وَلَمْ تُنْتَهَكْ فَصِرْت غَنِيًّا بِلَا دِرْهَمٍ ... أَمُرُّ عَزِيزًا كَأَنِّي مَلِكْ مَطْلَبٌ: فِي الزُّهْدِ وَلَمَّا كَانَ مِنْ لَازِمِ الْقَنَاعَةِ الزُّهْدُ، وَكَانَ الْعِزُّ فِيهِمَا جَمِيعًا، عَطَفَ الزُّهْدَ عَلَيْهَا فَقَالَ: (وَ) فِي (التَّزَهُّدِ) تَفَعُّلٌ مِنْ زَهِدَ ضِدُّ رَغِبَ، كَأَنَّهُ تَكَلُّفُ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ جَاءَ فِي مَدْحِ الزُّهْدِ أَخْبَارٌ وَآثَارٌ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَالسَّلَفِ وَالْأَخْيَارِ. فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ كَالنَّوَوِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، قَالَ ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّك اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ» . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مُعْضَلًا عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ ﵀ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُحِبُّنِي اللَّهُ عَلَيْهِ وَيُحِبُّنِي النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي يُحِبُّك اللَّهُ عَلَيْهِ فَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي يُحِبُّك النَّاسُ عَلَيْهِ فَانْبِذْ إلَيْهِمْ مَا فِي يَدِك مِنْ الْحُطَامِ» . وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ مُقَارِبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ الْقَلْبَ وَالْجَسَدَ» . وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ نَاجَى مُوسَى بِمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَقَتَهُمْ لِمَا وَقَعَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا. وَكَانَ فِيمَا نَاجَاهُ بِهِ أَنَّهُ قَالَ يَا مُوسَى إنَّهُ لَمْ يَتَصَنَّعْ لِي الْمُتَصَنِّعُونَ بِمِثْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يَتَقَرَّبْ إلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الْوَرَعِ عَمَّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَعَبَّدْ لِي الْمُتَعَبِّدُونَ بِمِثْلِ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَتِي. قَالَ مُوسَى يَا رَبَّ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا وَيَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ وَيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ مَاذَا أَعْدَدْتَ

стр. 1001

لَهُمْ وَمَاذَا جَزَيْتَهُمْ؟ قَالَ أَمَّا الزُّهَّادُ فِي الدُّنْيَا فَإِنِّي أَبَحْتُهُمْ جَنَّتِي، يَتَبَوَّءُونَ مِنْهَا حَيْثُ شَاءُوا. وَأَمَّا الْوَرِعُونَ عَمَّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ يَبْقَ عَبْدٌ إلَّا نَاقَشْتُهُ وَفَتَّشْتُهُ إلَّا الْوَرِعُونَ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ وَأُجِلُّهُمْ وَأُكْرِمُهُمْ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَأَمَّا الْبَكَّاءُونَ مِنْ خَشْيَتِي فَأُولَئِكَ لَهُمْ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى لَا يُشَارَكُونَ فِيهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْأَصْبَهَانِيّ وَأَوْرَدَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ. وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَا تَزَيَّنَ الْأَبْرَارُ فِي الدُّنْيَا بِمِثْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا» رَوَاهُ أَبُو يُعْلَى وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. وَمِثْلُهُ مَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ مَرْفُوعًا «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا فَادْنُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ» . وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ مَزَايَا الْقَنَاعَةِ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ فَقَالَ: مَطْلَبٌ: مَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ الْكَفَافُ لَا سَبِيلَ إلَى رِضَاهُ فَمَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ الْكَفَافُ فَمَا إلَى ... رِضَاهُ سَبِيلٌ فَاقْتَنِعْ وَتَقَصَّدْ (فَمَنْ) أَيْ فَالْإِنْسَانُ الَّذِي (لَمْ يُقْنِعْهُ) وَيَكْفِهِ (الْكَفَافُ) وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزِدْ عَنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ وَكَفَّ عَنْ الْمَسْأَلَةِ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: وَدِدْت أَنِّي سَلِمْت مِنْ الْخِلَافَةِ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْكَفَافُ هُوَ الَّذِي لَا يَفْضُلُ مِنْ الشَّيْءِ وَيَكُونُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، انْتَهَى. وَفِي شِعْرِ مَجْنُونِ لَيْلَى قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ: وَدِدْت عَلَى حُبِّ الْحَيَاةِ لَوْ أَنَّهُ ... يُزَادُ لَهَا فِي عُمُرِهَا مِنْ حَيَاتِيَا عَلَى أَنَّنِي رَاضٍ بِأَنْ أَحْمِلَ الْهَوَى ... وَأَخْلُصَ مِنْهُ لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا وَفِي بَعْضِ الدَّوَاوِينِ: فَلَيْتَكُمْ لَمْ تَعْرِفُونِي وَلَيْتنِي ... خَلَصْت كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا وَفِيهِ الشَّاهِدِ، فَإِذَا الْإِنْسَانُ لَمْ يَقْنَعْ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ مِنْ الدُّنْيَا (فَمَا) نَافِيَةٌ حِجَازِيَّةٌ (إلَى رِضَاهُ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرُهَا مُقَدَّمٌ وَ (سَبِيلٌ) اسْمُهَا مُؤَخَّرٌ وَالْجُمْلَةُ مَحَلُّهَا الْجَزْمُ جَوَابُ مَنْ. وَالْمَعْنَى لَيْسَ طَرِيقٌ وَلَا سَبَبٌ يَنْتَهِي إلَى

стр. 1002

رِضَا هَذَا الشَّرَهِ، لِأَنَّ طَالِبَ الدُّنْيَا كَشَارِبِ مَاءِ الْبَحْرِ، فَكُلَّمَا ازْدَادَ شُرْبًا ازْدَادَ عَطَشًا وَظَمَأً فَلَا يُتَصَوَّرُ رِضَاهُ بِطَرِيقٍ مَا. وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ أَيْضًا عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ بِلَفْظِ «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى إلَيْهِ ثَانِيًا، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَادِيَانِ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» وَظَاهِرُ صَنِيعِ السُّيُوطِيِّ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ نَخْلٍ لَتَمَنَّى مِثْلَهُ ثُمَّ تَمَنَّى مِثْلَهُ حَتَّى يَتَمَنَّى أَوْدِيَةً، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (فَاقْتَنِعْ) افْتَعِلْ مِثْلُ اكْتَسِبْ وَاحْتَصِدْ وَاغْتَرِبْ، أَيْ اُطْلُبْ الْقَنَاعَةَ وَاعْتَمِدْ عَلَيْهَا. (وَتَقَصَّدْ) مَعْطُوفٌ عَلَى اقْتَنِعْ، وَالْقَصْدُ مِثْلُ التَّزَهُّدِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقَصْدِ وَهُوَ اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ وَالِاعْتِمَادُ وَضِدُّ الْإِفْرَاطِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَالِاقْتِصَادِ، وَرَجُلٌ لَيْسَ بِالْجَسِيمِ وَلَا بِالضَّئِيلِ كَالْمُقْصِدِ. وَفِي صِفَتِهِ ﷺ كَانَ أَبْيَضَ مُقْصِدًا، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِطَوِيلٍ وَلَا قَصِيرٍ وَلَا جَسِيمٍ كَأَنَّ خَلْقَهُ نَحَى بِهِ الْقَصْدَ مِنْ الْأُمُورِ. وَالْمُعْتَدِلُ الَّذِي لَا يَمِيلُ إلَى حَدِّ طَرَفِي التَّفْرِيطِ وَالْإِفْرَاطِ. مَطْلَبٌ: فِي الِاقْتِصَادِ فِي الْأُمُورِ وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «مَا عَالَ مُقْتَصِدٌ وَلَا يُعِيلُ» أَيْ مَا افْتَقَرَ مَنْ لَا يُسْرِفُ فِي الْإِنْفَاقِ وَلَا يُقَتِّرُ قُلْت: وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ «مَا عَالَ مَنْ اقْتَصَدَ» . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي عَسِيبٍ ﵁ قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا فَمَرَّ بِي فَدَعَانِي فَخَرَجْت إلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ ﵀ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ ﵀ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لِصَاحِبِ

стр. 1003

الْحَائِطِ أَطْعِمْنَا، فَجَاءَ بِعِذْقٍ فَوَضَعَهُ فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبَ فَقَالَ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَأَخَذَ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ نَعَمْ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: خِرْقَةٌ كَفَّ بِهَا عَوْرَتَهُ، أَوْ كِسْرَةٌ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ، أَوْ جُحْرٌ يَتَدَخَّلُ فِيهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْقَرِّ» . وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتٌ يَكُنُّهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءُ» الْجِلْفُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهُمَا فَاءٌ هُوَ غَلِيظُ الْخُبْزِ وَخَشِنُهُ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: هُوَ الْخُبْزُ لَيْسَ مَعَهُ أُدُمٌ وَلَا مَعْنَى لِكَثْرَةِ الْإِيرَادِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، مَعَ اشْتِهَارِهِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاقْتِصَادَ مَحْمُودٌ، وَعَمَلٌ فَاعِلُهُ مَقْبُولٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ. فَاقْتَصِدْ فِي كُلِّ شَيْءٍ ... تَحْظَ بِالْعُقْبَى وَتُحْفَظْ لَا تَكُنْ حُلْوًا فَتُؤْكَلْ ... لَا وَلَا مُرًّا فَتُلْفَظْ وَاغْتَنِمْ ذَا الْعُمُرَ وَاعْلَمْ ... أَنَّهُ كَالدُّرِّ مَلْحَظْ فَإِذَا فَرَّطَ فِيهِ الْمَرْءُ ... لَمْ يُحْمَدْ وَيُكْعَظْ نُحْ عَلَى عُمْرٍ تَقَضَّى ... وَمَضَى لَهْوًا يُلَاحَظْ سَاعَةٌ مِنْهُ تُسَاوِي ... قِيمَةَ الدُّنْيَا وَتُدْحَضْ أَيْنَ مَنْ يُبْصِرُ قَوْلِي ... كَيْفَ وَالنَّاظِمُ أَجْحَظْ رَبِّ خَلِّصْنِي لَعَلِّي ... مِنْ قُيُودِ النَّفْسِ أَنْهَضْ مَطْلَبٌ: الْغِنَى الْحَقِيقِيُّ غِنَى النَّفْسِ فَمَنْ يَتَغَنَّى يُغْنِهِ اللَّهُ وَالْغِنَى ... غِنَى النَّفْسِ لَا عَنْ كَثْرَةِ الْمُتَعَدِّدِ (فَمَا) أَيْ أَيُّ إنْسَانٍ (يَتَغَنَّى) أَوْ كُلُّ إنْسَانِ يَتَغَنَّى أَيْ يُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ الْغِنَى وَالْعَفَافَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا بِالْمَالِ (يُغْنِهِ اللَّهُ) مَجْزُومٌ فِي

стр. 1004

جَوَابِ مَنْ وَالْأَلِفُ فِي يَتَغَنَّى لِلْإِشْبَاعِ بَعْدَ حَذْفِ الْأَلِفِ. يُقَالُ تَغَنَّيْت وَتَغَانَيْت وَاسْتَغْنَيْت أَيْ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. ثُمَّ قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَالْغِنَى) الْحَقِيقِيُّ (غِنَى النَّفْس) بِالْعَفَافِ وَالْقَنَاعَةِ وَالِاقْتِصَادِ وَعَدَمِ الِانْهِمَاكِ فِي لَذَّاتِ الدُّنْيَا (لَا عَنْ كَثْرَةِ) الْمَالِ (الْمُتَعَدِّدِ) فَإِنَّهُ لَا يُوَرِّثُ غِنًى بَلْ يُوَرِّثُ مَزِيدَ الشَّرَهِ وَالِانْهِمَاكِ، فَكُلَّمَا نَالَ عَنْهُ شَيْئًا طَلَبَ شَيْئًا آخَرَ، وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَهْلَكَ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى؟ قُلْت نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَتَرَى قِلَّةَ الْمَالِ هُوَ الْفَقْرُ؟ قُلْت نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ إنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ، ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ هَلْ تَعْرِفُ فُلَانًا؟ قُلْت نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَكَيْفَ تَرَاهُ أَوْ تَرَاهُ؟ قُلْت إذَا سَأَلَ أُعْطِيَ، وَإِذَا حَضَرَ أُدْخِلَ، قَالَ ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فَقَالَ هَلْ تَعْرِفُ فُلَانًا؟ فَقُلْت لَا وَاَللَّهِ مَا أَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا زَالَ يُحَلِّيهِ وَيُنْعِتُهُ حَتَّى عَرَفْتُهُ، فَقُلْت قَدْ عَرَفْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَكَيْفَ تَرَاهُ أَوْ تَرَاهُ؟ قُلْت هُوَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، قَالَ هُوَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ مِنْ الْآخَرِ، قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا يُعْطَى بَعْضَ مَا يُعْطَى الْآخَرُ؟ فَقَالَ إذَا أُعْطِيَ خَيْرًا فَهُوَ أَهْلُهُ، وَإِذَا صُرِفَ عَنْهُ فَقَدْ أُعْطِيَ حَسَنَةً» . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اُنْظُرْ أَرْفَعَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ فَنَظَرْت فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، قُلْت هَذَا، قَالَ: قَالَ لِي اُنْظُرْ أَوْضَعَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ فَنَظَرْت فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ أَخْلَاقٌ، قَالَ قُلْت هَذَا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهَذَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ» .

стр. 1005

وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَيْضًا وَمُوَطَّأِ مَالِكٍ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ وَفِيهِ «مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدًا عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنْ الصَّبْرِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» . الْعَرَضُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ هُوَ مَا يُقْتَنَى مِنْ الْمَالِ وَغَيْرِهِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁: خَبَرْت بَنِي الدُّنْيَا فَلَمْ أَرَ مِنْهُمْ ... سِوَى خَادِعٍ وَالْخُبْثُ حَشْوُ إهَابِهِ فَجَرَّدْت عَنْ غِمْدِ الْقَنَاعَةِ صَارِمًا ... قَطَعْت رَجَائِي مِنْهُمْ بِذُبَابِهِ فَلَا ذَا يَرَانِي وَاقِفًا بِطَرِيقِهِ ... وَلَا ذَا يَرَانِي قَاعِدًا عِنْدَ بَابِهِ غَنِيٌّ بِلَا مَالٍ عَنْ النَّاسِ كُلِّهِمْ ... وَلَيْسَ الْغِنَى إلَّا عَنْ الشَّيْءِ لَا بِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ وَأَحْسَنَ: إذَا أَعْطَشَتْك أَكُفُّ اللِّئَامِ ... كَفَتْك الْقَنَاعَةُ شِبَعًا وَرِيَّا فَكُنْ رَجُلًا رِجْلُهُ فِي الثَّرَى ... وَهَامَةُ هِمَّتِهِ فِي الثُّرَيَّا وَقَالَ آخَرُ وَأَحْسَنَ: وَمَنْ يَطْلُبْ الْأَعْلَى مِنْ الْعَيْشِ لَمْ يَزَلْ ... حَزِينًا عَلَى الدُّنْيَا رَهِينَ غُبُونِهَا إذَا شِئْت أَنْ تَحْيَا سَعِيدًا فَلَا تَكُنْ ... عَلَى حَالَةٍ إلَّا رَضِيت بِدُونِهَا وَقَالَ هَارُونُ بْنُ جَعْفَرٍ: بُوعِدَتْ هِمَّتِي وَقُورِبَ مَالِي ... فَفِعَالِي مُقْصَرٌ عَنْ مَقَالِي مَا اكْتَسَى النَّاسُ مِثْلَ ثَوْبِ اقْتِنَاعِ ... وَهُوَ مِنْ بَيْنِ مَا اكْتَسَوْا سِرْبَالِي وَلَقَدْ تَعْلَمُ الْحَوَادِثُ أَنِّي ... ذُو اصْطِبَارٍ عَلَى صُرُوفِ اللَّيَالِي وَقَالَ: مُؤَيِّدُ الدِّينِ فَخْرُ الْكِتَابِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الْأَصْفَهَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالطُّغْرَاوِيِّ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ نِسْبَةً إلَى مَنْ يَكْتُبُ (الطُّغْرَا) - وَهِيَ الطُّرَّةُ الَّتِي تُكْتَبُ فِي أَعْلَى الْكُتُبِ فَوْقَ الْبَسْمَلَةِ بِالْقَلَمِ الْغَلِيظِ تَتَضَمَّنُ نُعُوتَ الْمَلِكِ وَأَلْقَابَهُ - فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ بِلَامِيَّةِ الْعَجَمِ:

стр. 1006

يَا وَارِدًا سُؤْرَ عَيْشٍ صَفْوُهُ كَدِرٌ ... أَنْفَقْت عُمْرَك فِي أَيَّامِك الْأُوَلِ فِيمَا اعْتِرَاضُك لُجَّ الْبَحْرِ تَرْكَبُهُ ... وَأَنْتَ تَكْفِيك مِنْهُ مَصَّةُ الْوَشَلِ مَلِكُ الْقَنَاعَةِ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ وَلَا ... يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْأَنْصَارِ وَالْخَوَلِ وَمَعْنَى الْبَيْتِ أَنَّ الْقَنَاعَةَ صَاحِبُهَا مَلِكٌ؛ لِأَنَّهُ فِي غِنًى عَنْ النَّاسِ، وَفِيهِ مَزِيَّةٌ عَلَى مِلْكِ مَا سِوَاهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَهِيَ أَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى خَدَمٍ وَلَا أَنْصَارٍ وَعَسَاكِرَ يَحْفَظُونَهَا. وَلَا يُخْشَى عَلَيْهَا مِنْ زَوَالٍ وَلَا اغْتِصَابٍ، بِخِلَافِ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْخَوَلِ وَالْأَنْصَارِ لِلْخِدْمَةِ، وَالِاحْتِرَازِ عَلَى نُفُوسِهِمْ مِنْ الْأَعْدَاءِ ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي هَمٍّ وَفِكْرَةٍ فِي تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ وَتَدْبِيرِ الرَّعَايَا، وَفِي خَوْفٍ مِنْ زَوَالِ الْمُلْكِ، إمَّا بِغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَإِمَّا بِخُرُوجِ أَحَدٍ مِنْ الرَّعَايَا عَنْ الطَّاعَةِ. وَإِمَّا بِوُثُوبِ أَحَدٍ مِنْ حَشَمِهِمْ وَخَدَمِهِمْ وَأَقَارِبِهِمْ عَلَيْهِمْ وَإِطْعَامِهِمْ السُّمَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَمَلِكُ الْقَنَاعَةِ سَالِمٌ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْآفَاتِ وَكُلُّ أَمْرٍ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَعَبٍ وَكُلْفَةٍ خَيْرٌ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: هَلْ الْأَفْضَلُ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَوْ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ ؟ (تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵃ مَنْ أَفْضَلُ؟ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَوْ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ؟ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى تَفْضِيلِ الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّ الْغِنَى مَقْدِرَةٌ وَالْفَقْرَ عَجْزٌ وَالْقُدْرَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْعَجْزِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ النَّبَاهَةِ. قُلْت وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ الْحَافِظِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ. قَالَ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَنِيَّ إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِالْغِنَى عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ مَالُهُ وَقْفًا عَلَى مُسَاعَدَةِ الْفُقَرَاءِ وَأَعْمَالِ الْخَيْرِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْفَقِيرِ، فَإِنَّ غَايَةَ الْفَقِيرِ أَنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَهُ ثَوَابُ صَبْرِهِ عَنْ أَغْرَاضِهِ، وَلَا يَتَعَدَّى فِعْلُهُ إلَى النَّفْعِ لِلْغَيْرِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ فِي الْغَنِيِّ أَنْ يَشْتَغِلَ بِمَالِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُمْسِكَهُ عَنْ الْإِنْفَاقِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَتَوَرَّعْ فِي كَسْبِهِ، وَرُبَّمَا أَطْلَقَ نَفْسَهُ فِي شَهَوَاتِهَا الْقَاطِعَةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فُضِّلَ الْفَقِيرُ الْمُحِقُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَمَّهُ أَجْمَعُ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْضِيلِ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ وَالْغَنِيَّ مُلَابِسٌ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ مُلَابَسَتِهَا. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ

стр. 1007

السَّلَامَةِ. قُلْت: وَالسَّلَامَةُ لَا يُعَادِلُهَا شَيْءٌ. قَالَ الْإِمَامُ الْوَزِيرُ بْنُ هُبَيْرَةَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفَقْرِ إلَّا أَنَّهُ بَابُ الرِّضَا عَنْ اللَّهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغِنَى أَلَّا أَنَّهُ بَابُ التَّسَخُّطِ عَلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا رَأَى الْفَقِيرَ رَضِيَ عَنْ اللَّهِ فِي تَقْدِيرِهِ، وَإِذَا رَأَى الْغَنِيَّ سَخِطَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا فِي فَضْلِ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، انْتَهَى. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْضِيلِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الْغِنَى لِيَصِلَ إلَى فَضِيلَةِ الْأَمْرَيْنِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى تَفْضِيلَ الِاعْتِدَالِ، وَأَنَّ خِيَارَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا، انْتَهَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي التَّقْوَى اسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَةِ، انْتَهَى. أَقُولُ: مَنْ تَأَمَّلَ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ وَكَوْنَ نَبِيِّنَا ﷺ كَانَ كَثِيرَ الْجُوعِ، بَعِيدَ الشِّبْعِ، يَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ، وَتُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ، وَرَأَى إعْرَاضَهُ عَنْ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا وَالِانْهِمَاكِ فِي لَذَّاتِهَا، وَنَفْضَ يَدَيْهِ مِنْ شَهَوَاتِهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ عَنْ اخْتِيَارٍ لَا اضْطِرَارٍ، عَلِمَ وَتَحَقَّقَ أَنَّ التَّقَلُّلَ مِنْ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ، وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ تَفْضِيلِ الْغَنِيِّ - وَإِنْ كَانَ شَاكِرًا - عَلَى الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْفَقِيرَ يَسْلَمُ مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ. وَيَسْبِقُ الْغَنِيَّ إلَى الْجَنَّةِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ. وَهَلْ يَخْتَارُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ إلَّا أَكْمَلَ الْحَالَاتِ. وَهَلْ يَخْتَارُ الرَّسُولُ لِنَفْسِهِ إلَّا أَفْضَلَ الْمَقَامَاتِ. وَقَدْ أَفْرَدْت لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةً أَتَيْت فِيهَا بِأَكْثَرِ أَحَادِيثِ مَدْحِ الْفَقْرِ وَالْفُقَرَاءِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ مَطْلَبٌ: فِي ذِكْرِ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا (الثَّانِي) : قَدْ تَرَادَفَتْ الْأَخْبَارُ، وَتَوَاتَرَتْ الْآثَارُ، بِذَمِّ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا وَمَدْحِ التَّقَلُّلِ مِنْهَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَالزُّهْدِ فِيهَا وَفِي لَذَّاتِهَا.

стр. 1008

قَالَ تَعَالَى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ [يونس: ٢٤] الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . وَقَالَ ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] . وَقَالَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] . وَقَالَ ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] . إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. وَالْمَتَاعُ هُوَ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ صَاحِبُهُ بُرْهَةً ثُمَّ يَنْقَطِعُ وَيَضْمَحِلُّ وَيَفْنَى. فَمَا عِيبَتْ الدُّنْيَا بِأَبْلَغَ مِنْ فَنَائِهَا، وَتَقَلُّبِ أَحْوَالِهَا. وَهُوَ أَدُلُّ دَلِيلٍ عَلَى نُقْصَانِهَا وَزَوَالِهَا. فَتَتَبَدَّلُ صِحَّتُهَا بِالسَّقَمِ، وَوُجُودُهَا بِالْعَدَمِ، وَشَبِيبَتُهَا بِالْهَرَمِ، وَنَعِيمُهَا بِالْبُؤْسِ؛ وَحَيَاتُهَا بِالْمَوْتِ، فَتُفَارِقُ الْأَجْسَامَ النُّفُوسُ، وَعِمَارَتُهَا بِالْخَرَابِ، وَاجْتِمَاعُهَا بِفُرْقَةِ الْأَحْبَابِ. وَكُلُّ مَا فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابٌ. كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ يَقُولُ: يَا دَارُ تُخَرَّبِينَ وَيَمُوتُ سُكَّانُكِ. وَفِي الْحَدِيثِ «عَجَبًا لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَسُرْعَةَ تَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْهَا» مَعَ قَوْلِهِ ﷺ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَتَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ. وَقَوْلُهُ ﷺ لِمُعَاذٍ «اُعْبُدْ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، وَاعْدُدْ نَفْسَك فِي الْمَوْتَى، وَاذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَكُلِّ شَجَرٍ، وَإِذَا عَمِلْت سَيِّئَةً فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً، السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُوطًا صِغَارًا إلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، فَقَالَ هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ

стр. 1009

مُحِيطٌ بِهِ أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ. وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ. فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا. وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَهَذِهِ صُورَةُ مَا خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ ﵊ «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ» وَتَقَدَّمَ. وَقَالَ ﵊ «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ ﵇ «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ » رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَالضِّيَاءِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ. قَالَ الْحَافِظ ابْنُ الْجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَاعْلَمْ أَنَّ خَلْقًا كَثِيرًا سَمِعُوا ذَمَّ الدُّنْيَا وَلَمْ يَفْهَمُوا الْمَذْمُومَ، وَظَنُّوا أَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي خُلِقَتْ لِلْمَنَافِعِ مِنْ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ فَأَعْرَضُوا عَمَّا يُصْلِحهُمْ مِنْهَا فَتَجَفَّفُوا فَهَلَكُوا. وَلَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي الطِّبَاعِ تَوَقَانَ النَّفْسِ إلَى مَا يُصْلِحُهَا، فَكُلَّمَا تَاقَتْ مَنَعُوهَا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَجَهْلًا بِحُقُوقِ النَّفْسِ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْمُتَزَهِّدِينَ. كَذَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ مَسْكَنًا وَمَا عَلَيْهَا مَلْبَسٌ وَمَطْعَمٌ وَمَشْرَبٌ وَمُنْكَحٌ. وَقَدْ جُعِلَتْ الْمَعَادِنُ

стр. 1010

فِيهَا كَالْخَزَائِنِ فِيهَا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَالْآدَمِيُّ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ لِصَلَاحِ بَدَنِهِ الَّذِي هُوَ كَالنَّاقَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَمَنْ تَنَاوَلَ مَا يُصْلِحُهُ لَمْ يُذَمَّ، وَمَنْ أَخَذَ فَوْقَ الْحَاجَةِ بِكَفِّ الشَّرَهِ وَقَعَ الذَّمُّ لِفِعْلِهِ وَأُضِيفَ إلَى الدُّنْيَا تَجَوُّزًا، وَلَيْسَ لِلشَّرَهِ وَجْهٌ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْأَذَى وَيُشْغَلُ عَنْ طَلَبِ الْأُخْرَى فَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ وَيُضِرُّ، بِمَثَابَةِ مَنْ أَقْبَلَ يَعْلِفُ النَّاقَةَ وَيُبْرِدُ لَهَا الْمَاءَ، وَيُغَيِّرُ عَلَيْهَا أَنْوَاعَ الثِّيَابِ، وَيَنْسَى أَنَّ الرُّفْقَةَ قَدْ سَارَتْ فَإِنَّهُ يَبْقَى فِي الْبَادِيَةِ فَرِيسَةَ السِّبَاعِ هُوَ وَنَاقَتُهُ وَلَا وَجْهَ فِي التَّقْصِيرِ فِي تَنَاوُلِ الْحَاجَةِ مِنْ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ النَّاقَةَ لَا تَقْوَى عَلَى السَّيْرِ إلَّا بِتَنَاوُلِ مَا يُصْلِحُهَا. وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ. لَمْ يَخْرُجْ إلَّا مِنْ جَوْفِ صِدِّيقٍ وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَّقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَمَطْلَبُ نُجْحٍ لِمَنْ سَالَمَ، فِيهَا مَسَاجِدَ اللَّهِ ، وَمَهْبِطُ وَحْيِهِ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَائِهِ، فِيهَا اكْتَسَبُوا الرَّحْمَةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الْعَافِيَةَ، فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَنِيهَا، وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا، ذَمَّهَا قَوْمٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ ذَكَّرَتْهُمْ فَذُكِّرُوا، وَوَعَظَتْهُمْ فَانْتَهَوْا. فَيَا أَيُّهَا الذَّامُّ الدُّنْيَا الْمُغْتَرُّ بِتَغْرِيرِهَا مَتَى اُسْتُذِمَّتْ إلَيْك، بَلْ مَتَى غَرَّتْك، أَبِمَنَازِل آبَائِك فِي الثَّرَى، أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِك فِي الْبِلَى. كَمْ رَأَيْت مَوْرُوثًا. كَمْ عَلَّلْت بِكَفَّيْك عَلِيلًا. كَمْ مَرَّضْت بِيَدَيْك مَرِيضًا تَبْتَغِي لَهُ الشِّفَاءَ وَتَسْتَوْصِفُ لَهُ الْأَطِبَّاءَ، لَمْ تَنْفَعْهُ بِشَفَاعَتِك، وَلَمْ تُشْفِهِ بِطِلْبَتِك. مَثَّلَتْ لَك الدُّنْيَا غَدَاةَ مَصْرَعِهِ وَمَضْجَعُهُ مَضْجَعُك. ثُمَّ الْتَفَتَ ﵁ إلَى الْمَقَابِرِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، وَيَا أَهْلَ التُّرْبَةِ، أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ، وَأَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ، فَهَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَهَاتُوا خَبَرَ مَا عِنْدَكُمْ. ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَّا لَوْ أُذِنَ لَهُمْ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَإِذْ قَدْ عَرَفْت الْمَذْمُومَ مِنْ الدُّنْيَا فَكُنْ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا تَأْخُذْ فَوْقَ مَا يُصْلِحُك، وَلَا تَمْنَعْ نَفْسَك حَظَّهَا الَّذِي يُقِيمُهَا. كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا أَكْلَ الرِّجَالِ، وَإِذَا فَقَدْنَا صَبْرَنَا صَبْرَ الرِّجَالِ. شِعْرٌ:

стр. 1011

أَرَى الدُّنْيَا لِمَنْ هِيَ فِي يَدَيْهِ ... وَبَالًا كُلَّمَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ تُهِينُ الْمُكْرَمِينَ لَهَا بِصِغَرِ ... وَتُكْرِمُ كُلَّ مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ إذَا اسْتَغْنَيْت عَنْ شَيْءٍ فَدَعْهُ ... وَخُذْ مَا أَنْتَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَاَللَّهِ لَقَدْ سَقَتْ الدُّنْيَا أَرْبَابَهَا سُمًّا، وَأَبْدَلَتْهُمْ مِنْ أَفْرَاحِهِمْ بِهَا هَمًّا، وَأَثَابَتْهُمْ عَلَى مَدْحِهِمْ لَهَا ذَمًّا، وَقَطَّعَتْ أَكْبَادَهُمْ فَمَاتُوا عَلَيْهَا غَمًّا. فَيَا مَشْغُولًا بِهَا تَوَقَّعْ خَطْبًا مُلِمًّا، إيَّاكَ وَالْأَمَلَ أَمَّا وَأَمَّا، كَمْ نَادَتْ الدُّنْيَا نَادِمًا، أَلْهَتْهُ بِالْمُنَادَمَةِ، حَتَّى سَفَكَتْ بِالْمُنَى دَمَهُ، وَصَاحَتْ بِهِ الْآيَاتُ الْمُحْكَمَةُ، وَكَيْفَ يُبْصِرُ مَنْ فِي عَيْنِهِ كَمَهٌ. إيَّاكَ وَإِيَّاهَا فَإِنَّهَا تَسْحَرُ الْعُقُولَ بِالدَّمْدَمَةِ، وَتُحْسِرُ الْمَتْبُولَ بِالزَّمْزَمَةِ، فَشَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْجِدِّ لِتَحْظَى بِدَارِ الْجَدِّ وَدَعْ الْقَمْقَمَةَ، فَإِنَّ بُعْدَ الْعَاقِلِ عَنْ دَارِ الْمَكْرِ مَكْرُمَةٌ شِعْرٌ: أَبِالْمَنْزِلِ الْفَانِي تُؤَمِّلُ أَنْ تَبْقَى ... كَفَاك بِمَا تَرْجُو وَتَأْمُلُهُ خِرْقَا وَفِي كُلِّ يَوْمٍ مُحْدَثٍ لَك فُرْقَةٌ ... تَرَى خَطْبَهَا خَطْبًا جَلِيلًا وَإِنْ دَقَّا لَعَمْرُكَ مَا الدُّنْيَا بِبَاقِيَةٍ وَلَا ... بِهَا أَحَدٌ يَبْقَى فَيَطْمَعُ أَنْ يَبْقَى كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَنَا ذُنُوبٌ نَخَافُ عَلَى أَنْفُسِنَا مِنْهَا إلَّا حُبَّ الدُّنْيَا لَخَشِينَا عَلَى أَنْفُسِنَا. وَاَللَّهِ مَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ بُسِطَ لَهُ دُنْيَا فَلَمْ يَخَفْ أَنْ يَكُونَ قَدْ مُكِرَ بِهِ فِيهَا إلَّا كَانَ قَدْ نَقَصَ عَمَلُهُ وَعَجَزَ رَأْيُهُ. وَاَللَّهِ إنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيَيْبَسُ جِلْدُهُ عَلَى عَظْمِهِ وَمَا بَيْنَهُمَا شَحْمٌ وَلَا لَحْمٌ يُدْعَى إلَى الدُّنْيَا حَلَالًا فَمَا يَقْبَلُ مِنْهَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا يَقُولُ أَخَافُ أَنْ تُفْسِدَ عَلَيَّ قَلْبِي. وَاَللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا وَصَحِبْنَا طَوَائِفَ مِنْهُمْ. وَاَللَّهِ لَهُمْ كَانُوا أَزْهَدَ فِي الْحَلَالِ مِنْكُمْ فِي الْحَرَامِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ اللَّيْثِ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ رَأَى الدُّنْيَا فِي صُورَةِ عَجُوزٍ هَتْمَاءَ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ، فَقَالَ لَهَا كَمْ تَزَوَّجْت؟ قَالَتْ لَا أُحْصِيهِمْ قَالَ: فَكُلُّهُمْ مَاتَ عَنْك أَوْ كُلُّهُمْ طَلَّقَك؟ قَالَتْ: بَلْ كُلُّهُمْ قَتَلْت، فَقَالَ عِيسَى ﵇: " بُؤْسًا لِأَزْوَاجِك الْبَاقِينَ، كَيْفَ لَا يَعْتَبِرُونَ بِالْمَاضِينَ "؟ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يُؤْتَى بِالدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ عَجُوزٍ شَمْطَاءَ زَرْقَاءَ أَنْيَابُهَا بَادِيَةٌ مُشَوَّهَةٌ خَلْقُهَا، فَتُشْرِفُ عَلَى

стр. 1012

الْخَلَائِقِ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ؟ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ، فَيُقَالُ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي تَنَاحَرْتُمْ عَلَيْهَا، بِهَا تَقَاطَعْتُمْ الْأَرْحَامَ، وَبِهَا تَحَاسَدْتُمْ وَتَبَاغَضْتُمْ وَاغْتَرَرْتُمْ، ثُمَّ تُقْذَفُ فِي جَهَنَّمَ، فَتُنَادِي يَا رَبُّ أَيْنَ أَتْبَاعِي وَأَشْيَاعِي؟ فَيَقُولُ اللَّهُ أَلْحِقُوا بِهَا أَتْبَاعَهَا وَأَشْيَاعَهَا. وَاعَجَبًا لِمَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا ثُمَّ مَالَ إلَيْهَا، وَرَأَى غَدْرَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ عَوَّلَ عَلَيْهَا. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَمْ تَزَلْ ... أَفْعَالُهُ فِي خَلْقِهِ مُعْجَبَاتِ قَرْنٌ مَضَى ثُمَّ نَمَا غَيْرُهُ ... كَأَنَّهُ فِي كُلِّ عَامٍ نَبَاتِ أَقَلُّ مَنْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَيْقِظٌ ... وَإِنَّمَا أَكْثَرُهُمْ فِي سُبَاتِ لَا تَعْتِبْ الْأَيَّامَ فِي صَرْفِهَا ... فَلَيْسَ أَيَّامُك بِالْمُعْتِبَاتِ حَوْلٌ خَصِيبٌ أَثَرُهُ مُجْدِبٌ ... فَاذْخَرْ مِنْ الْمُخَصَّبِ لِلْمُجْدِبَاتِ إخْوَانِي عُيُوبُ الدُّنْيَا بَادِيَةٌ، مَلَأَتْ الْحَاضِرَةَ وَالْبَادِيَةَ، وَهِيَ بِذَلِكَ فِي كُلِّ نَادٍ مُنَادِيَةٌ، لَوْ تَفْهَمُ النِّدَاءَ الْوُجُوهُ النَّادِيَةُ: قَدْ نَادَتْ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهَا ... لَوْ كَانَ فِي الْعَالَمِ مَنْ يَسْمَعُ كَمْ وَاثِقٍ بِالْعُمْرِ أَفْنَيْتُهُ ... وَجَامِعٍ بَدَّدْت مَا يَجْمَعُ وَلَمْ تَزَلْ الدُّنْيَا تَصْدَعُ بِالْأَحِبَّةِ وَالْإِخْوَانِ، وَتَفْجَعُ بِأَهْلِ الْمَحَبَّةِ وَالْأَخْدَانِ، وَتَخْدَعُ وَتَتَقَلَّبُ، وَتَلْذَعُ وَتَتَلَهَّبُ: فَإِنْ أَضْحَكَتْ أَبْكَتْ وَإِنْ وَاصَلَتْ قَلَّتْ ... وَإِنْ سَالَمَتْ خَانَتْ وَإِنْ سَامَحَتْ غَلَّتْ وَإِنْ أَفْرَحَتْ يَوْمًا فَيَوْمَانِ لِلْأَسَى ... وَإِنْ مَا جَلَتْ لِلصَّبِّ يَا صَاحِ أَوْ جَلَتْ حَلَاوَتُهَا كَالصَّابِ فَاحْذَرْ مَذَاقَهَا ... إذَا مَا حَلَتْ لِلْمَرْءِ فِي الْبَأْسِ أَوْحَلَتْ مَطْلَبٌ: حِكَايَةُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ جَارِيَتِهِ حُبَابَةَ. كَانَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ الَّذِي انْتَهَتْ إلَيْهِ الْخِلَافَةُ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ لَهُ جَارِيَةٌ تُسَمَّى حُبَابَةَ، وَكَانَ شَدِيدَ الشَّغَفِ بِهَا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَحْصِيلِهَا إلَّا بَعْدَ جَهْدٍ شَدِيدٍ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إلَيْهِ خَلَا بِهَا يَوْمًا فِي بُسْتَانٍ، وَقَدْ طَارَ عَقْلُهُ فَرَحًا بِهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُلَاعِبُهَا وَيُضَاحِكُهَا إذْ رَمَاهَا بِحَبَّةِ رُمَّانٍ أَوْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ وَهِيَ تَضْحَكُ فَدَخَلَتْ فِي فِيهَا فَشَرِقَتْ بِهَا فَمَاتَتْ، فَمَا سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِدَفْنِهَا حَتَّى أَرْوَحَتْ، فَعُوتِبَ عَلَى ذَلِكَ فَدَفَنَهَا، وَيُقَالُ إنَّهُ

стр. 1013

نَبَشَهَا بَعْدَ دَفْنِهَا. وَيُرْوَى أَنَّهُ دَخَلَ بَعْدَ مَوْتِهَا إلَى خِزَانَتِهَا وَمَقَاصِيرِهَا وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهَا فَتَمَثَّلَتْ الْجَارِيَةُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: كَفَى حُزْنًا بِالْوَالِهِ الصَّبِّ أَنْ يَرَى ... مَنَازِلَ مَنْ يَهْوَى مُعَطَّلَةً قَفْرَا فَصَاحَ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَلَمْ يُفِقْ إلَى أَنْ مَضَى هَوَى مِنْ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَبَكَى بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ مَيِّتًا. ذَكَرَ هَذَا الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي اللَّطَائِفِ. قُلْت: وَفِي الْمُجَلَّدِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الْوَافِي بِالْوَفَيَاتِ لِلصَّلَاحِ الصَّفَدِيِّ: يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنُ الْحَكَمِ الْأُمَوِيُّ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ إحْدَى وَمِائَةٍ وَلَهُ سَبْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَتُوُفِّيَ بِأَرْضِ الْبَلْقَاءِ، وَيُقَالُ مَاتَ بِعُمَانَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ وَلَهُ إحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، فَكَانَتْ أَيَّامُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَشَهْرًا، وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا مُدَوَّرَ الْوَجْهِ لَمْ يَشِبْ، وَكَانَ شَدِيدَ الْكِبْرِ صَاحِبَ لَهْوٍ وَلَذَّاتٍ، وَصَاحِبَ حُبَابَةَ وَسَلَّامَةَ، وَهُمَا جَارِيَتَانِ شُغِفَ بِهِمَا، وَمَاتَتْ حُبَابَةُ فَمَاتَ بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ أَسَفًا عَلَيْهَا. قَالَ: وَلَمَّا مَاتَتْ تَرَكَهَا أَيَّامًا لَمْ يَدْفِنْهَا وَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ فَدَفَنَهَا، وَقِيلَ إنَّهُ دَفَنَهَا ثُمَّ نَبَشَهَا بَعْدَ الدَّفْنِ، وَكَانَ يُسَمَّى يَزِيدَ الْمَاجِنَ. قَالَ وَفِيهِ قَالَ الْمُخْتَارُ الْخَارِجِيُّ حِينَ ذَمَّ بَنِي أُمَيَّةَ فِي خُطْبَةٍ لَهُ مَعْرُوفَةٍ مِنْهُمْ يَزِيدُ الْفَاسِقُ يَضَعُ حُبَابَةَ عَنْ يَمِينِهِ وَسَلَّامَةَ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ يَشْرَبُ إلَى أَنْ يَسْكَرَ وَيُغَنِّيَانِهِ فَيَطْرَبَ ثُمَّ يَشُقَّ حُلَّةً ضُرِبَتْ فِي نَسْجِهَا الْأَبْشَارُ، وَهُتِكَتْ فِيهَا الْأَسْتَارُ، ثُمَّ يَقُولُ أَطِيرُ أَطِيرُ، فَيَقُولَانِ إلَى مَنْ تَتْرُكُ الْخِلَافَةَ؟ فَيَقُولُ إلَيْكُمَا. وَإِنِّي أَقُولُ لَهُ طِرْ إلَى لَعْنَةِ اللَّهِ وَنَارِهِ. قَالَ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ: وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ هَلْ بَقِيَ لَك أَمَلٌ بَعْدَ الْخِلَافَةِ؟ قَالَ نَعَمْ أَنْ تُحَصَّلَ فِي مُلْكِي حُبَابَةَ، فَسَكَتَتْ عَنْهُ إلَى أَنْ أَنْفَدَتْ تَاجِرًا اشْتَرَاهَا بِمَالٍ عَظِيمٍ وَأَحْضَرْتهَا لَهُ خَلْفَ سِتْرٍ وَأَمَرَتْهَا بِالْغِنَاءِ، فَلَمَّا سَمِعَهَا اهْتَزَّ وَطَرِبَ وَقَالَ هَذَا غِنَاءٌ أَجِدُ لَهُ فِي قَلْبِي وَقْعًا فَمَا الْخَبَرُ؟ فَكَشَفَتْ السِّتْرَ وَقَالَتْ هَذِهِ حُبَابَةُ وَهَذَا غِنَاؤُهَا فَدُونَك وَإِيَّاهَا، فَغَلَبَتْ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي الْخِلَافَةِ. قَالَ: وَقَالَ فِي بَعْضِ أَيَّامِ خَلَوَاتِهِ: النَّاسُ يَقُولُونَ إنَّهُ لَمْ يَصْفُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُلُوكِ يَوْمٌ كَامِلٌ وَأَنَا أُرِيدُ

стр. 1014

أَنْ أُكَذِّبَهُمْ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى لَذَّاتِهِ وَأَمَرَ أَنْ يُحْجَبَ عَنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ كُلُّ مَا يَكْرَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي صَفْوِ عَيْشِهِ إذْ تَنَاوَلَتْ حُبَابَةُ حَبَّةَ رُمَّانٍ فَغَصَّتْ بِهَا فَمَاتَتْ، فَاخْتَلَّ عَقْلُهُ إلَى أَنْ نَبَشَهَا مِنْ قَبْرِهَا وَتَحَدَّثَ النَّاسُ فِي خَلْعِهِ مِنْ الْخِلَافَةِ وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَهَا غَيْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَفِيهَا يَقُولُ لَمَّا دُفِنَتْ: فَإِنْ تَسْلُ عَنْكِ النَّفْسُ أَوْ تَدَعُ الْهَوَى ... فَبِالْيَأْسِ تَسْلُو عَنْكِ لَا بِالتَّجَلُّدِ انْتَهَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: سَبَبُ تَوْسِيعِ الرِّزْقِ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْحَمَاقَةِ (الثَّالِثُ) : قَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ وَهُوَ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ أَنْ يُوَسِّعَ الدُّنْيَا عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ وَالرَّقَاعَةِ، وَالْحَمَاقَةِ وَالْخَلَاعَةِ، وَيُضَيِّقَهَا عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ، وَالْأَدَبِ وَالْفَهْمِ قَالَ الْحُكَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْفُضَلَاءَ يُقَلَّلُ لَهُمْ، وَالْجُهَلَاءَ يُفَاضُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْفُضَلَاءُ أَنَّ الْفَضْلَ يَرْزُقُهُمْ، وَإِنَّمَا يَرْزُقُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَقُولُ: النُّفُوسُ إمَّا عُلْوِيَّةٌ مَلَكِيَّةٌ، هَمُّهَا طَلَبُ مَعَالِي الْأُمُورِ وَنَفَائِسِهَا وَمَا يُلْحِقُهَا بِعَالَمِهَا الْعُلْوِيِّ، وَإِمَّا سُفْلِيَّةٌ أَرْضِيَّةٌ تُرَابِيَّةٌ، غَايَةُ مَطْلَبِهَا وَمَرْكَزِهَا الْأُمُورُ التُّرَابِيَّةُ الْأَرْضِيَّةُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأُمُورَ الدُّنْيَوِيَّةَ دَنِيَّةٌ سُفْلِيَّةٌ أَرْضِيَّةٌ، فَبَيْنَهَا وَبَيْنَ النُّفُوسِ السُّفْلِيَّةِ تَمَامُ الْمُنَاسَبَةِ، وَشَبَهُ الشَّيْءِ يَنْجَذِبُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَزِيدِ كُلْفَةٍ، بِخِلَافِ النُّفُوسِ الْعُلْوِيَّةِ، فَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الدُّنْيَا تَمَامُ الْمُبَايَنَةِ، وَإِذَا فُرِضَ بَعْضُ اتِّفَاقِ مُخَالَطَةٍ فَهِيَ إلَى التَّنَافُرِ وَالتَّبَايُنِ أَقْرَبُ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي: أَوَدُّ مِنْ الْأَيَّامِ مَا لَا تَوَدُّهُ ... وَأَشْكُو إلَيْهَا بَيْنَنَا وَهِيَ جُنْدُهُ يُبَاعِدْنَ حُبًّا يَجْتَمِعْنَ وَوَصْلُهُ ... فَكَيْفَ بِحُبٍّ يَجْتَمِعْنَ وَصَدُّهُ أَبِي خُلُقُ الدُّنْيَا حَبِيبًا تُدِيمُهُ ... فَمَا طَلَبِي مِنْهَا حَبِيبًا تَرُدُّهُ وَأَسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّرًا ... تَكَلُّفُ شَيْءٍ فِي طِبَاعِك ضِدُّهُ وَقَالَ أَرِسْطُو طَالِيسَ: الْأَشْكَالُ لَاحِقَةٌ بِأَشْكَالِهَا، كَمَا أَنَّ الْأَضْدَادَ مُبَايِنَةٌ لِأَضْدَادِهَا. وَقَالَ الْمُتَنَبِّي: وَشَبَهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ ... وَأَشْبَهَنَا بِدُنْيَانَا الطَّغَامُ وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي صَيْدِ الْخَاطِرِ: رَأَيْت جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ يَشْغَلُهُمْ طَلَبُهُمْ لِلْعِلْمِ فِي زَمَنِ الصِّبَا عَنْ الْمَعَاشِ، فَيَحْتَاجُونَ إلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ

стр. 1015

فَلَا يَصِلُهُمْ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ، وَلَا مِنْ صِلَاتِ الْإِخْوَانِ مَا يَكْفِي، فَيَحْتَاجُونَ إلَى التَّعَرُّضِ بِالْإِذْلَالِ، فَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ إلَّا سَبَبَيْنِ. أَحَدُهُمَا: قَمْعُ إعْجَابِهِمْ بِهَذَا الْإِذْلَالِ. وَالثَّانِي: نَفْعُ أُولَئِكَ بِثَوَابِهِمْ. ثُمَّ أَمْعَنْت الْفِكْرَ فَتَلَمَّحْتُ نُكْتَةً لَطِيفَةً، وَهِيَ أَنَّ النَّفْسَ الْأَبِيَّةَ إذَا رَأَتْ حَالَ الدُّنْيَا كَذَلِكَ لَمْ تُسَاكِنْهَا بِالْقَلْبِ، وَنَبَتْ عَنْهَا بِالْعَزْمِ، وَرَأَتْ أَقْرَبَ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهَا مَزْبَلَةً عَلَيْهَا الْكِلَابُ، وَإِنَّمَا تُؤْتَى لِضَرُورَةٍ، فَإِذَا نَزَلَ الْمَوْتُ بِالرِّحْلَةِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْقَلْبِ بِهَا مُتَعَلِّقٌ يَتَمَكَّنُ فَتَهُونُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ نَثْرًا وَنَظْمًا، وَيُسْنِدُونَ ذَلِكَ لِلزَّمَانِ وَالدَّهْرِ وَالدُّنْيَا عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ وَإِلَّا فَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَا غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْوَرْدِيِّ فِي لَامِيَّتِهِ: قَاطِعْ الدُّنْيَا فَمِنْ عَادَاتِهَا ... تُخْفِضُ الْعَالِي وَتُعْلِي مَنْ سَفَلْ عِيشَةُ الزَّاهِدِ فِي تَحْصِيلِهَا ... عِيشَةُ الْجَاهِلِ بَلْ هَذَا أَذَلّ كَمْ جَهُولٍ وَهُوَ مُثْرٍ مُكْثِرْ ... وَعَلِيلٍ مَاتَ مِنْهَا بِعِلَلْ كَمْ شُجَاعٍ لَمْ يَنَلْ مِنْهَا الْمُنَى ... وَجَبَانٍ نَالَ غَايَاتِ الْأَمَلِ وَقَوْلُ الطُّغْرَائِيِّ فِي لَامِيَّةِ الْعَجَمِ: أَهَبْت بِالْحَظِّ لَوْ نَادَيْت مُسْتَمِعَا ... وَالْحَظُّ عَنِّي بِالْجُهَّالِ فِي شُغُلِ لَعَلَّهُ إنْ بَدَا فَضْلِي وَنَقْصُهُمْ ... لَعَيْنِهِ نَامَ عَنْهُمْ أَوْ تَنَبَّهَ لِي قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: قَالَ الْحَظُّ لِلْعَقْلِ: إنْ شِئْت سِرْ أَوْ أَقِمْ فَإِنِّي مُسْتَغْنٍ عَنْك. وَقَالَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ: مَا ضَرَّ جَهْلُ الْجَاهِلِينَ ... وَلَا انْتَفَعْت أَنَا بِحِذْقِي وَزِيَادَتِي فِي الْحِذْقِ فَهِيَ ... زِيَادَتِي فِي نَقْصِ رِزْقِي وَقَالَ شَمْسُ الدِّينِ الْحَكِيمُ بْنُ دَانْيَالَ: قَدْ عَقَلْنَا وَالْعَقْلُ أَيُّ وَثَاقِ ... وَصَبَرْنَا وَالصَّبْرُ مُرُّ الْمَذَاقِ كُلُّ مَنْ كَانَ فَاضِلًا كَانَ مِثْلِي ... فَاضِلًا عِنْدَ قِسْمَةِ الْأَرْزَاقِ وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي ذَلِكَ:

стр. 1016

لَوْ أَنَّ بِالْحِيَلِ الْغِنَى لَوَجَدْتنِي ... بِنُجُومِ أَفْلَاكِ السَّمَاءِ تَعَلُّقِي لَكِنَّ مَنْ رُزِقَ الْحِجَا حُرِمَ الْغِنَى ... ضِدَّانِ مُفْتَرَقَانِ أَيَّ تَفَرُّقِ فَإِذَا سَمِعْت بِأَنَّ مَحْرُومًا أَتَى ... مَاءً لِيَشْرَبَهُ فَغَاصَ فَصَدِّقْ أَوْ أَنَّ مَحْظُوظًا غَدَا فِي كَفِّهِ ... عُودٌ فَأَوْرَقَ فِي يَدَيْهِ فَحَقِّقْ وَقَالَ غَيْرُهُ: وَلَيْسَ رِزْقُ الْفَتَى مِنْ حُسْنِ حِيلَتِهِ ... لَكِنْ حُظُوظٌ بِأَرْزَاقٍ وَأَقْسَامِ كَالصَّيْدِ يُحْرَمُهُ الرَّامِي الْمُجِيدُ وَقَدْ ... يَرْمِي فَيُرْزَقُهُ مَنْ لَيْسَ بِالرَّامِي وَقَالَ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ، وَنَادِرَةُ الْمُدَقِّقِينَ، الْعَلَّامَةُ الْأَوْحَدُ، وَالْفَهَّامَةُ الْأَمْجَدُ، الْوَحِيدُ الْأَلْمَعِيُّ، وَالْفَرِيدُ اللَّوْذَعِيُّ، الْمُحَقِّقُ عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ أَبِي الْمَوَاهِبِ، الْمُنْتَقِلُ إلَى سَعَةِ رَحْمَةِ الْوَاهِبِ، لَيْلَةَ الْأَحَدِ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ جُمَادَى الثَّانِيَةِ فِي سَنَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ، وَقَدْ أَخَذْنَا عَنْ عِدَّةِ شُيُوخٍ أَخَذُوا عَنْهُ، وَقَدْ شَارَكْنَاهُ فِي أَكْثَرِ مَشَايِخِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ آمِينَ، مُشَطِّرًا لِلْأَبْيَاتِ الْمَنْسُوبَةِ لِسَيِّدِنَا جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ﵁ وَعَنْ آبَائِهِ الْأَطْهَرِينَ، وَهِيَ: عَتَبْت عَلَى الدُّنْيَا وَقُلْت إلَى مَتَى ... تُسِيئِينَ صُنْعًا مَعَ ذَوِي الشَّرَفِ الْجَلِيّ أَفَاقِدَةُ الْإِنْصَافِ حَتَّى عَلَيْهِمْ ... تَجُودِينَ بِالْهَمِّ الَّذِي لَيْسَ يَنْجَلِي فَكُلُّ شَرِيفٍ مِنْ سُلَالَةِ هَاشِمٍ ... بِسَيِّئٍ حَظٍّ فِي مَذَاهِبِهِ اُبْتُلِيَ وَمَعَ كَوْنِهِ فِي غَايَةِ الْعِزِّ وَالْعُلَا ... يَكُونُ عَلَيْهِ الرِّزْقُ غَيْرَ مُسَهَّلِ فَقَالَتْ نَعَمْ يَا بْنَ الْبَتُولِ لِأَنَّنِي ... خَسِيسَةُ قَدْرٍ عَنْ عُلَاكُمْ بِمَعْزِلِ وَأَمَّا إسَاءَاتِي فَذَلِكَ أَنَّنِي ... حَقَدْت عَلَيْكُمْ حِينَ طَلَّقَنِي عَلِيٌّ مَطْلَبٌ: فِي وَصْفِ ضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ الْإِمَامَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لِمُعَاوِيَةَ ﵁ قُلْت: وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: حَقَدْت عَلَيْكُمْ حِينَ طَلَّقَنِي عَلِيٌّ، إلَى مَا رَوَيْنَاهُ بِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ إلَى الْإِمَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، قَالَ نَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ الْحُرِّيُّ نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوَيْهِ الشِّيرَازِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَهْدٍ حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ السَّاجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْأَسَدِيُّ

стр. 1017

عَنْ الضَّبِّيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ لِضِرَارِ بْنِ ضَمُرَةَ: صِفْ لِي عَلِيًّا. فَقَالَ أَوَ تُعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ بَلْ تَصِفْهُ لِي، قَالَ أَوَ تُعْفِنِي، قَالَ لَا أُعْفِيك. قَالَ أَمَّا إذْ لَا بُدَّ فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ كَانَ بَعِيدَ الْمَدَى، شَدِيدَ الْقُوَى، يَقُولُ فَصْلًا، وَيَحْكُمُ عَدْلًا، وَيَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَتَنْطِقُ الْحِكْمَةُ مِنْ نَوَاحِيهِ، يَسْتَوْحِشُ مِنْ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ، كَانَ وَاَللَّهِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ، طَوِيلَ الْفِكْرَةِ، يُقَلِّبُ كَفَّهُ، وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ، يُعْجِبُهُ مِنْ اللِّبَاسِ مَا خَشِنَ، وَمِنْ الطَّعَامِ مَا جَشِبَ - أَيْ بِالْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى وَزْنِ نَصَرَ وَسَمِعَ أَيْ غَلُظَ أَوْ بِلَا أُدُمٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ انْتَهَى - كَانَ وَاَللَّهِ كَأَحَدِنَا يُجِيبُنَا إذَا سَأَلْنَاهُ، وَيَبْتَدِينَا إذَا أَتَيْنَاهُ، وَيَأْتِينَا إذَا دَعَوْنَاهُ، وَنَحْنُ وَاَللَّهِ مَعَ تَقْرِيبِهِ لَنَا وَقُرْبِهِ مِنَّا لَا نُكَلِّمُهُ هَيْبَةً، وَلَا نَبْتَدِيهِ لِعَظَمَتِهِ، فَإِنْ تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ، يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ، وَيُحِبُّ الْمَسَاكِينَ لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ، وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ، فَأَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَرَأَيْته فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ، وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُجُوفَهُ، وَغَارَتْ نُجُومُهُ، وَقَدْ مَثُلَ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ يَعْنِي الْقَرِيصِ وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ، فَكَأَنِّي أَسْمَعُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أَبِي تَعَرَّضْت، أَمْ لِي تَشَوَّقْت، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، غُرِّي غَيْرِي، قَدْ بَتَتُّكِ ثَلَاثًا لَا رَجْعَةَ لِي فِيك، فَعُمُرُك قَصِيرٌ، وَعَيْشُك حَقِيرٌ، وَخَطَرُك كَبِيرٌ، آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ. قَالَ فَذَرِفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ ﵁ فَمَا يَمْلِكُهَا وَهُوَ يُنَشِّفُهَا بِكُمِّهِ، وَقَدْ اخْتَنَقَ الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْحَسَنِ كَانَ وَاَللَّهِ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ حُزْنُك عَلَيْهِ يَا ضِرَارُ؟ قَالَ حُزْنُ مَنْ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حِجْرهَا فَلَا تَرْقَأُ عَبْرَتُهَا، وَلَا تَسْكُنُ حَسْرَتُهَا. وَمَرَّ أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا ﵁ وَصَفَ الدُّنْيَا فَقَالَ: دَارٌ مَنْ صَحَّ فِيهَا أَمِنَ، وَمَنْ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، فِي حَلَالِهَا الْحِسَابُ، وَفِي حَرَامِهَا النَّارُ وَفِي لَفْظٍ الْعَذَابُ. قَالَ فِي التَّمْيِيزِ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مَوْقُوفًا وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ انْتَهَى. وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْإِحْيَاءِ مَرْفُوعًا وَقَالَ مَخْرَجُهُ لَمْ أَجِدْهُ.

стр. 1018

وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: وَفِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ رَفَعَهُ: يَا بْنَ آدَمَ مَا تَصْنَعُ بِالدُّنْيَا حَلَالُهَا حِسَابٌ، وَحَرَامُهَا عَذَابٌ، وَلَفْظُ الشُّعَبِ: وَحَرَامُهَا النَّارُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. وَمِمَّا يُرْوَى عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي قَدْ طَلَّقْتُك ثَلَاثًا وَأَنْشَدَ: دُنْيَا تُخَادِعُنِي كَأَنِّي ... لَسْت أَعْرِفُ مَالَهَا مَدَّتْ إلَيَّ يَمِينَهَا ... فَرَدَدْتهَا وَشِمَالَهَا ذَمَّ الْإِلَهُ حَرَامَهَا ... وَأَنَا اجْتَنَبْت حَلَالَهَا وَعَرَفْتهَا غَدَّارَةً ... فَتَرَكْت جُمْلَتَهَا لَهَا وَقَدْ ذَكَرْت لَك بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِي الْقَوْلِ الْعَلِيّ لِشَرْحِ أَثَرِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ ﵁، فَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ بِقَوْلِهِ: حَقَدْت عَلَيْكُمْ حِينَ طَلَّقَنِي عَلِيٌّ. وَقَالَ آخَرُ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَحْسَنَ: عَتَبْت عَلَى الدُّنْيَا لِتَقْدِيمِ جَاهِلٍ ... وَتَأْخِيرِ ذِي فَضْلٍ فَقَالَتْ لَك الْعُذْرَا بَنُو الْجَهْلِ أَبْنَائِي لِهَذَا رَفَعَتْهُمْ ... وَأَمَّا ذَوُو الْأَلْبَابِ مِنْ ضَرَّتِي الْأُخْرَى وَقَالَ السَّيِّدُ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعَبَّاسُ الْإِسْطَنْبُولِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَرَى الدَّهْرَ يُسْعِفُ جُهَّالَهُ ... وَأَوْفَرُ حَظٍّ بِهِ الْجَاهِلُ وَأَنْظُرُ حَظِّي بِهِ نَاقِصًا ... أَيَحْسَبُنِي أَنَّنِي فَاضِلُ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الصَّابِي: قَدْ كُنْت أُعْجَبُ مِنْ مَالِي وَكَثْرَتِهِ ... وَكَيْفَ تَغْفُلُ عَنِّي حِرْفَةُ الْأَدَبِ حَتَّى انْثَنَتْ وَهِيَ كَالْغَضْبَى تُلَاحِظُنِي ... شَزْرًا وَلَمْ تُبْقِ لِي شَيْئًا مِنْ النُّشَبِ وَاسْتَيْقَنْت أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى خَطَأٍ ... فَاسْتَدْرَكَتْهُ وَأَفْضَتْ بِي إلَى الْحَرْبِ الضَّبُّ وَالنُّونُ قَدْ يُرْجَى اجْتِمَاعُهُمَا ... وَلَيْسَ يُرْجَى اجْتِمَاعُ الْمَالِ وَالْأَدَبِ وَقَالَ السَّيِّدُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁:

стр. 1019

كَفَى حَزَنًا أَنَّ الْغِنَى مُتَعَذَّرٌ ... عَلَيَّ وَأَنِّي بِالْمَكَارِمِ مُغْرَمُ وَوَاللَّهِ مَا قَصَّرْت فِي طَلَبِ الْعُلَا ... وَلَكِنَّنِي أَسْعَى إلَيْهَا وَأُحْرَمُ وَمَا النَّاسُ إلَّا مُخَصَّبٌ بِثَرَائِهِ ... وَآخَرُ ذُو جَدْبٍ مِنْ الْمَالِ مُعْدَمُ كَمَا أَنَّ هَذَا شَاعِرٌ ذُو خَطَابَةٍ ... وَهَذَا بَلِيدٌ مُقْفَلُ الْفَهْمِ مُفْحَمُ وَإِنْ جُمِعَا فِي مَحْفِلٍ وَتَنَسَّبَا ... إلَى أَبِ صَدْقٍ فِعْلُهُ يَتَرَنَّمُ وَقَالَ أَبُو سَهْلٍ يَزْدَجْرِدْ الْكَسْرَوِيُّ: مَتَى يُدْرِكُ النِّحْرِيرُ بَخْتًا بِعَقْلِهِ ... وَيُحْرِزُ حَظًّا بِالْبَيَانِ وَبِالنُّطْقِ وَيَحْتَالُ لِلْمَقْدُورِ حَتَّى يُزِيلَهُ ... بِحِيلَةِ ذِي الْبَخْتِ الْمُكَمَّلِ بِالْحَلَقِ أَبَتْ سُنَّةُ الْأَقْدَارِ غَيْرَ الَّذِي جَرَى ... بِهِ الْحُكْمُ فِي الْأَرْزَاقِ وَالْخُلُقِ وَالْخَلْقِ فَلَا تَخْدَعْنِي بِالْأَمَانِي فَإِنَّهَا ... تَقُودُ عَزِيزَ الْقَوْمِ حُرًّا إلَى الرِّقِّ وَكُونِي مَعَ الْحَقِّ الْمُصَرَّحِ وَاصْبِرِي ... كَصَبْرِ الْمُسَجَّى فِي السِّيَاقِ عَلَى الْحَقِّ فَمَا صَبْرُ الْمَكْرُوبِ وَهُوَ مُخَيَّرُ ... وَلَكِنَّهُ صَبْرٌ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ وَفِي مَرْثِيَةِ التِّهَامِيِّ لِوَلَدِهِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الَّتِي أَوَّلُهَا: حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِّيَّةِ جَارِي ... مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ قَرَارِ بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخَبِّرًا ... حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنْ الْأَخْبَارِ جُبِلَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا ... صَفْوًا مِنْ الْأَقْذَاءِ وَالْأَكْدَارِ وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا ... مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ إلَى أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ الزَّمَانُ وَإِنْ حَرَصْت مُسَالِمًا ... خُلُقُ الزَّمَانِ عَدَاوَةُ الْأَحْرَارِ وَأَخْبَرَنَا شَيْخُنَا الشَّهَابُ الْمَنِينِيُّ فِي مَدْرَسَتِهِ الْعَادِلِيَّةِ فِي مَحْرُوسَةِ الشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِيَةٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ قَالَ: رَأَيْت فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَنِّي بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَكَأَنِّي أَنْشُدُ بَيْتًا مِنْ الشِّعْرِ وَهُوَ: قَدْ قَالَ جَدِّي عَنْ فَهْمٍ وَتَجْرِبَةٍ ... مَا آفَةُ الْجَدِّ إلَّا حِرْفَةَ الْأَدَبِ فَأَخَذْتُهُ وَكَتَبْت فِي الْمَجْلِسِ: لَمَّا رَقِيت الْعُلَا وَظَفِرْت بِالْإِرْثِ ... مِنْ الْعُلُومِ وَفُقْتَ النَّاسَ بِالْأَدَبِ نَعَى الزَّمَانُ لِنَفْسِي حَظَّهَا سَفَهًا ... مِنْ الْمَكَارِمِ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ صَحْبِ

стр. 1020

فَذُو الصَّدَاقَةِ صَارَ الْآنَ يَكْرَهُنِي ... لِجَهْلِهِ بِذَوِي الْأَلْبَابِ وَالرُّتَبِ وَغَاضَ رِزْقِي وَعَادَانِي الزَّمَانُ وَلَمْ ... يَنْظُرْ لِمَا بِي مِنْ الْعُلْيَا وَلَا حَسَبِي وَهَذِهِ سُنَّةُ الرَّحْمَنِ فَاصْغِ لَهَا ... فَمَا لِذِي فِطْنَةٍ فِي النَّاسِ مِنْ نَشَبِ وَشَاهِدِي فِيهِ مَا أَمْلَى الشِّهَابُ عَلَى ... طَيْفٍ أَلَمَّ بِهِ فِي حِنْدِسِ الشُّهُبِ قَدْ قَالَ جَدِّي عَنْ فَهْمٍ وَتَجْرِبَةٍ ... مَا آفَةُ الْجَدِّ إلَّا حِرْفَةَ الْأَدَبِ وَاعْلَمْ حَمَاك اللَّهُ مِنْ الزَّنْدَقَةِ، وَطَهَّرَ لِسَانَك مِنْ اللَّقْلَقَةِ، أَنَّ الزَّمَانَ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ، وَلَا يَخْفِضُ وَلَا يَرْفَعُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَإِنَّمَا الْفَاعِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ رَبُّ الزَّمَانِ، الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَلَمَّا أَوْغَلَ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقُ الْمُتَعَدِّي فِي النَّظَرِ فِي الْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ، وَلَمْ يُنَوِّرْ قَلْبَهُ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، قَالَ فِي مَعْرِضِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ: كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقًا هَذَا الَّذِي تَرَكَ الْأَوْهَامَ حَائِرَةً ... وَصَيَّرَ الْعَالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقًا فَعَارَضَهُ أَهْلُ الِاهْتِدَاءِ وَنُجُومُ الِاقْتِدَاءِ فَقَالُوا: كَمْ مِنْ أَدِيبٍ فَهِمٍ قَلْبُهُ ... مُسْتَكْمِلُ الْعَقْلَ مُقِلٍّ عَدِيمِ وَمِنْ جَهُولٍ مُكْثِرٍ مَالَهُ ... ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَقَالَ آخَرُ: كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ لَا زَالَ ذَا عُسْرِ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ لَا زَالَ فِي يُسْرِ تَحَيَّرَ النَّاسُ فِي هَذَا فَقُلْت لَهُمْ ... هَذَا الَّذِي أَوْجَبَ الْإِيمَانَ بِالْقَدْرِ وَقَالَ آخَرُ: كَمْ مِنْ قَوِيٍّ قَوِيٍّ فِي تَصَرُّفِهِ ... مُهَذَّبُ الرَّأْيِ عَنْهُ الرِّزْقُ يَنْحَرِفُ وَكَمْ ضَعِيفٍ ضَعِيفٍ فِي تَقَلُّبِهِ ... كَأَنَّهُ مِنْ خَلِيجِ الْبَحْرِ يَغْتَرِفُ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ لَهُ ... فِي الْخَلْقِ سِرٌّ خَفِيٌّ لَيْسَ يَنْكَشِفُ وَقَالَ الْأَرْجَانِيُّ: تَنْقِيصُ أَهْلِ الْفَضْلِ دُونَ الْوَرَى ... مَصَائِبُ الدُّنْيَا وَآفَاتُهَا كَالطَّيْرِ لَا يُحْبَسُ مِنْ بَيْنِهَا ... إلَّا الَّتِي تَطْرَبُ أَصْوَاتُهَا وَلَهُ أَيْضًا:
следующие страницы →