← Тараджим

Тараджим · id 25864

جامع التحصيل في أحكام المراسيل

صلاح الدين العلائي

Полный текст (1 236 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إذ ليس في هذا اللفظ تعديل له فإذا قال حدثني الثقة الرضا ونحو ذلك وكان ممن يقبل تعديله ويرجع إليه فهو مقبول محتج به وإن كان مرسلا لأن الظن غالب بأنه لا يقول ذلك إلا عن تحقيق ثقة ذاك الراوي وصدقه والمعول عليه إنما هو غلبة الظن وهذا يورث الثقة بذلك الراوي لا محالة قلت ولقائل أن يمنع ذلك وكم من رجل اختلف فيه اجتهاد أئمة الجرح والتعديل فوثقة قوم وجرحه آخرون وكان الراجح قول الجارح فيجوز أن يكون هذا الذي أطلق توثيقه ولم يسمه ممن اطلع غيره فيه على جرح مؤثر ولو سمى لظهر ذلك فلا ثقة حينئذ وهذا هو الذي اختاره الإمامان أبو بكر الصيرفي والخطيب والله أعلم وأما على التفصيل الذي ذكره الإمام الشافعي ﵀ فمأخذه أن مدار قبول خبر الواحد على ظهور الثقة في الظن الغالب والمرسل بمجرده لا يحصل ذلك كما تقرر فيما قبل فإذا اقترن به أحد الأسباب التي ذكرناها فيما مضى حصل عليه الظن حينئذ وفي الحقيقة إنما حصل ذلك بالمجموع لا بالمرسل بمجرده وقد سبق ما أورده المعترض على هذه الطريقة والجواب عن ذلك بما فيه الكفاية وبالله التوفيق وأما القول المختار وهو أن من عرف من عادته أنه لا يرسل إلا عن عدل موثوق به مشهور بذلك فمرسله مقبول ومن لم يكن عادته ذلك فلا يقبل مرسله وهذا القول والذي قبله أعدل المذاهب وبه يحصل الجمع بين الأدلة المتقدمة من الطرفين فإن قبول الصدر الأول لكثير من المراسيل لا يمكن إنكاره وقد صدر من جماعة منهم كثيرين رد لكثير من المراسيل أيضا فيحمل قبولهم عند الثقة بمن أرسل منهم أنه لا يرسل إلا عن عدل موثوق به وردهم عند عدم ذلك وإلى هذا أشار ابن عباس ﵄ بقوله المتقدم كنا إذا سمعنا أحدا يقول قال رسول الله ﷺ أبتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف وقول ابن سيرين لقد

стр. 72

أتى على الناس زمان وما يسال عن إسناده حديث فلما وقعت الفتنة سئل عن الإسناد وهذا ابن عمر ﵁ كان يسأل سعيد بن المسيب عن قضايا أبيه أمير المؤمنين عمر ﵁ ثم يرجع إليه فيها وهي مرسلة لما وثق به وبمن يرسل عنه ولذلك كان يقول كثيرا سلوا سعيد بن المسيب فإنه قد جالس الصالحين وقال يحيى بن سعيد الأنصاري كان سعيد بن المسيب يسمى راوية عمر ﵁ لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته وقد تقدم أن الشافعي ﵀ استثنى مراسيل ابن المسيب من بقية المراسيل فجعلها مقبولة وأن جماعة من الأصحاب عللوا ذلك بأنه كان لا يرسل إلا عن ثقة ومقتضى ذلك أن من كان مثله فمراسيله أيضا مقبولة إلا أن الحاكم أبا عبد الله قال هذا لا يوجد في مراسيل غيره وقد خالفه غيره وقال ابن عبد البر مراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح وقالوا مراسيل عطا والحسن لا يحتج بهما لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد وكذلك مراسيل أبي العالية وابي قلابة وهذا يقتضي أن جمهور ائمة الحديث فرقوا بين من لا يرسل إلا عن ثقة وبين غيره والظاهر أن المراد بالثقة من كان ثقة عنده وعند غيره أيضا بحيث يكون معروفا بالضبط والعدالة إن كان تابعيا أو هو من الصحابة المعروفين وأما من يرسل عن غير المشهورين وإن كانوا عنده ثقات فالاحتمال المتقدم قائم أعني جواز كونه ضعيفا عند غير من أرسل عنه ضعفا يترجح على تعديله وإنما يندفع هذا الاحتمال بقسميه والمعتمد إنما هو تحصيل غلبة الظن بصحة هذا المرسل كما هي أيضا حاصلة من خبر الواحد المتصل البحث عن رجاله ومعرفة تزكيتهم ومن المعلوم أن ذلك لا يحصل بمجرد المرسل كل أحد لما قررناه فيما تقدم فمتى حصل ذلك إما ببعض الوجوه التي قالها الإمام الشافعي أو بأن الراوي لا يرسل إلا عن مشهور بالعدالة كان المرسل مقبولا وإلا فلا

стр. 73

فإن قيل فلم يرسل من كان هذا حاله الحديث ويعدل عن تسمية شيخه وهو مشهور بالثقة قلنا لأسباب تعن له منها أن يكون سمع ذلك الحديث من جماعة ثقات وصح عنده ووقر في نفسه فيرسله علما بصحته كما تقدم في إبراهيم النخعي إذا قال قال ابن مسعود فإنه يكون سمع ذلك من جماعة من أصحابه عنه كما ثبت عنه ذلك فيما تقدم ومنها أن يكون المرسل للحديث نسي من حدثه به وعرف المتن جيدا فذكره مرسلا لأن اصل طريقته أنه لا يأخذ إلا عن ثقة كمالك وشعبة فلا يضره الإرسال ومنها أن يكون روايته الحديث مذاكرة فربما ثقل معها ذكر الإسناد وخف الإرسال إما لمعرفة المخاطبين بذلك الحديث واشتهاره عندهم أو للإشارة إلى مخرجه الأعلى لأنه المقصود حينئذ دون ذكر شيخه أو غير ذلك وهذا كله في حق من لا يرسل إلا عن ثقة وأما من يرسل عن كل ضرب فربما كان الباعث له على الإرسال ضعف شيخه ولا يصير المرسل بذلك مجروحا لأنه لم يخرج ذلك على وجه قيام الحجة به كما تقدم والله أعلم

стр. 74

(الباب الرابع في فروع وفوائد وتنبيهات وأمثله يذنب بها ما تقدم وتتم الفائدة إن شاء الله تعالى) الأول في بيان من قيل عنه إنه كان لا يرسل إلا عن ثقة ومن كان بخلاف ذلك وقد تقدم كثير من ذلك مفرقات ونذكره هنا مجموعة ما زيادات وقد اتفقت كلمتهم على سعيد بن المسيب وأن جميع مراسيله صحيحة وأنه كان لا يرسل إلا عن ثقة من كبار التابعين أو صحابي معروف قال معنى ذلك بعبارات مختلفة جماعة من الأئمة منهم مالك ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم وقال أحمد بن حنبل مرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود دون غيره وقد تقدم أنه لم يسمع من الصحابة ﵃ إلا اليسير جدا أو لم يسمع منهم شيئا أصلا فإذا أرسل عن النبي ﷺ لا يكون بينه وبينه واحد بل أكثر فلهذا ينزل مراسيله وإن كانت مقبولة عن مرتبة مراسيل ابن المسيب لأنه من قدماء التابعين وقال يحيى بن سعيد القطان مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء فقال له علي بن المديني مرسلات مجاهد أحب إليك أو مرسلات طاووس قال ما أقربهما وقدم مرسلات سعيد بن جبير عليهما وقال يحيى أيضا مرسلات إسماعيل بن أبي خالد ليست بشيء ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي وقال أيضا مرسلات عمرو بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم قال ومالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان يعني الثوري عن إبراهيم

стр. 75

قلت لأن مالكا لم يرو إلا عن ثقة عنده ووافقه الناس على توثيق شيوخه إلا في النادر منهم كعبد الكريم بن أبي المخارق وعطاء الخراساني وأما سفيان الثوري فإنه روى عن جماعة كثيرين من الضعفاء مثل جابر الجعفي ونحوه وشعبة متوسط بينهما في ذلك ولهذا رجح جماعة من الأئمة مراسيله أيضا ولم يكن يدلس أصلا وقال يحيى القطان مرسلات ابن عيينة شبه الريح وكذلك سفيان الثوري ومرسلات مالك أحب إلي ليس في القوم أصح حديثا من مالك وحكى ابن عبد البر عن الجماعة تصحيح مرسلات محمد بن سيرين كمراسيل النخعي وان مراسيل عطاء والحسن البصري لا يحتج بها لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد وكذلك مراسيل ابي قلابة وأبي العالية قلت تقدم عن ابن سيرين أنه ضعف مراسيل الحسين وأبي العالية وقال كانا يصدقان كل من حدثهما رواه عنه ابن عون وروى الفضل بن زياد قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء ابن أبي رباح فإنهما كانا يأخذا عن كل أحد وقد خالفهم أبو زرعة الرازي فروى الترمذي في كتاب العلل عنه أنه قال كل حديث قال فيه الحسن قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلا إلا أربعة أحاديث وذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين أنه قال إذا روى الحسن ومحمد يعني ابن سيرين عن رجل فسمياه فهو ثقة فيحتمل هذا أنهما كانا لا يرويان إلا عن ثقة عندهما سواء كان مسندا أو مرسلا ويحتمل أن ذلك فيمن ذكراه باسمه فأما من أرسلا عنه فجازأن يكون كذلك وأن يكون ضعيفا وهذا هو الأظهر وفيه جمع بين الأقوال كلها وكذلك أيضا اختلف في مراسيل الزهري لكن الأكثر على تضعيفها قال أحمد بن أبي شريح سمعت الشافعي يقول يقولون نحابي ولو حابينا أحدا لحابينا الزهري وإرسال الزهري ليس بشيء ذلك أن نجده يروي عن سليمان بن أرقم وقال أبو قدامة عبيد الله بن سعيد سمعت يحيى بن سعيد يعني القطان يقول مرسل الزهري شر من مرسل غيره لأنه حافظ وكلما قدر أن يسمي سمى وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه وقال ابن أبي حاتم ثنا أحمد بن سنان قال كان يحيى بن سعيد لا يرى

стр. 76

إرسال الزهري وقتادة شيئا ويقول هو بمنزلة الريح ويقول هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه وروى عباس الدوري عن يحيى بن معين قال مراسيل الزهري ليست بشيء وقال يعقوب بن سفيان سمعت جعفر بن عبد الواحد الهاشمي يقول لأحمد بن صالح يعني المصري قال يحيى بن سعيد مرسل الزهري شبه لا شيء فغضب أحمد وقال ما ليحيى ومعرفة علم الزهري ليس كما قال يحيى والظاهر أن قول الأكثر أولى بالاعتماد وقال أحمد بن حنبل ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء عن كل ضرب وقال يحيى بن سعيد مرسلات أبي إسحاق يعني السبيعي شبه لا شيء عندي والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير كذلك وقال علي بن المديني سمعت يحيى بن سعيد يقول أول ما طلبت الحديث وقع في يدي كتاب فيه مرسلات عن أبي مجز فجعت لا أشتهيها وأنا يومئذ غلام قال وسمعته يقول سفيان الثوري عن إبراهيم شبه لا شيء لأنه لو كان فيه إسناد صاح به وقال يحيى بن سعيد كا ن شعبة يضعف إبراهيم يعني النخعي عن علي ثم قال يحيى إبراهيم عن علي احب إلي من مجاهد عن علي والله أعلم وروى الحاكم عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال وجدت بخط أبي ثنا الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك قال حدثت ابن المبارك بحديث لأبي بكر بن عياش عن عاصم عن النبي ﷺ فقال حسن فقلت لابن المبارك أنه ليس له إسناد فقال عاصما يحتمل له أن يقول قال رسول الله ﷺ ففي هذه الحكاية دليل للفرق بين الرواة وأنه لا يقبل مرسل بعضهم دون بعض والظاهر أن المقتضي لذلك عند ابن المبارك كون عاصم لا يرسل إلا عن ثقة ويحتمل أن يكون لكونه من أئمة النقل المرجوع إليهم فيه والله أعلم الثاني في أمثلة لما يعتضد به المراسيل على القول الذي تقدم عن الإمام

стр. 77

الشافعي رحمة الله عليه فمنها حديث مالك عن أبي حازم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر وقد ثبت متصلا من حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به أخرجه مسلم فاعتضد به المرسل المتقدم وثبتت صحته والإمام الشافعي رواه في رواية المزني والزعفراني عنه مرسلا عن مالك واحتج به فيحتمل أن يكون اطلع على حديث أبي الزناد المتصل ويحتمل أن يكون اعتمده لخصوص سعيد بن المسيب ومنها حديث مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان قال الشافعي أنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة قال قدمت المدينة فوجدت جزورا قد جزرت فجزئت أربعة أجزاء كل جزء منها بعناقق فأردت أن أبتاع منها جزءا فقال لي رجل من أهل المدينة أن رسول الله ﷺ نهى أن يباع حي بميت فسألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيرا ثم روى الشافعي ﵀ عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صالح مولى التوءمة عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق ﵁ إنه كره بيع اللحم بالحيوان ثم قال ولو لم يرو في هذا عن النبي ﷺ شيء كان قول أبي بكر ﵁ مما ليس لنا خلافه لأنا لا نعلم صحابيا خالفه وإرسال سعيد عندنا حسن قال البيهقي هذا الحديث قد أرسله سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ والقاسم بن أبي بزة عن رجل من أهل المدينة والظاهر أنه غير ابن المسيب لأن ابن المسيب أشهر من أن لا يعرفه القاسم بن أبي بزة المكي حتى يسأل عنه قلت ولو كان ابن المسيب ولم يكن يعرفه لسمى له باسمه ولم يقتصر على الثناء عليه قال البيهقي وقد رويناه عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ إلا أن الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة لغير حديث العقيقة فمنهم من أثبته فيكون هذا مثالا للمرسل إذا أسند من وجه آخر ومنهم من نفاه فيكون مرسلا انضم إلى مرسل ابن المسيب والقاسم بن أبي بزة ومعه قول أبي بكر ﵁ ومنها حديث شعبة عن عباد بن العوام عن هشام عن الحسن قال قال رسول الله لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل قال الإمام الشافعي في

стр. 78

كتاب أحكام القرآن روي عن الحسن بن أبي الحسن أن رسول الله ﷺ قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وهذا وإن كان منقطعا فإن أكثر أهل العلم يقول به ويقول الفرق بين النكاح والسفاح الشهود وهو ثابت عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي ﷺ قال البيهقي أكد الشافعي ﵁ مرسل الحسن بشيئين أحدهما أن اكثر أهل العلم يقول به والثاني أنه ثابت عن ابن عباس من قوله قلت وروي أيضا عن عمر وغيره من الصحابة ﵃ كما أشار إليه الإمام الشافعي والحديث بذكر الشاهدين قد روي متصلا عن النبي ﷺ من طرق كثيرة في أكثرهم مقال وأجودها سندا ما رواه عيسى بن يونس عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدي عدل فنكاحها باطل الحديث بتمامة وفي رواية لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل رواه عن عيسى بن يونس أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي وهو ثقة قال فيه أبو علي النيسابوري هو من حفاظ أهل الجزيرة ومتقنيهم وسليمان بن عمر بن خالد الرقي وعبد الرحمن بن يونس وهذا في كتاب الثقات لابن حبان وقال أحمد بن حنبل في عبد الرحمن هذا ما علمت إلا خيرا ورواه محمد بن هارون الحضرمي عن عثمان بن عمر الرقي عن يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن سليمان بن موسى كذلك أيضا ومع هذا فهو غريب لأن الأكثرين رووه عن ابن جريج بدون ذكر الشاهدين فإن صح ذلك فهو مثال للمرسل إذا أسند والله أعلم الثالث انفرد ابن برهان باختيار قول في المرسل لم يتقدم الإشارة إليه فقال في كتابه الأصول الحق عندنا أن الإرسال إن كان صادرا ممن يعتقد صحة مذهبنا في الجرح والتعديل قبلنا قوله مرسلا كان أو مسندا وأن كان ممن يخالف مذهبنا في ذلك لم نقبل إرساله لا مكان أن من أغفل ذكره غير مقبول الرواية لأنه ربما لو صرح باسمه رددناه فرددنا إرساله لذلك انتهى كلامه وهو ضعيف لأنه مبني أولا على على أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له

стр. 79

والراجح أنه ليس كذلك إلا أن يصرح بأنه لا يروي إلا عن عدل أو يعرف ذلك من عادته فحينئذ يجيء ما قاله من اعتبار مذهبه في التعديل والجرح ثم يرد عليه ما تقدم مرارا من احتمال أن يكون الراوي الذي أرسل عنه لم يطلع فيه على جارج وعدله لذلك ولو صرح باسمه لظهر لغيره جرحه المؤثر وهي النكتة التي عول عليها من رد المرسل مطلقا والذي ينقدح فيه ما اختاره ابن برهان ما إذا قال الراوي حدثني الثقة ونحو ذلك فإن من يكتفي بمجرد ذلك منه كإمام الحرمين لا بد وأن يعتبر مذهب القائل لذلك في التعديل والذي عليه أكثر المحققين أنه لا يكتفي بقول الراوي حدثني الثقة من غير ذكر صرح باسمه وعرفناه زال ذلك الاحتمال إذا لم يظهر فيه جرح بعد البحث وأما قول الإمام الشافعي ذلك في مواضع فقد قال كثير من أصحابنا إنما قاله لبيان الحجة لمتابعيه لا الاحتجاج على غيره وقد عرف من عادته أنه أراد بقوله من لا أتهم أو حدثني الثقة في مواضع إبراهيم بن أبي يحيى والأكثرون ضعفوه وتبين لهم من حاله ما لم يطلع عليه الإمام الشافعي ﵀ وذلك مما يبين صحة ما ذكرناه والله أعلم الرابع ظاهر كلام إمام الحرمين أن قول الراوي حدثني الثقة من قبيل المرسل وكذلك حدثني رجل لكنه اختار القبول في الأول دون الثاني وقد تقدم ذلك عنه والذي يقتضيه كلام غيره ممن يكتفي بقول الراوي أخبرني الثقة أن ذلك من قبيل المسند لا المرسل وأنه بمثابة ما لو صرح باسمه ووثقة واختار الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع أن ذلك بمثابة المرسل وأنه غير مقبول لما أشرنا إليه غير مرة من اختلاف الناس في الجرح والتعديل اجتهادا واطلاعا فلا تحصل الثقة بالخبر إلا بتسمية الراوي والنظر في حاله والبحث عنه وقد اعترض على هذا بشيئين أحدهما أنه يلزم منه أن كل من عمل بحديث لا يجوز له حتى يعرف رواته كلهم ويبحث عنهم ولا يقلد غيره من الأئمة في جرحهم وتعديلهم وفي ذلك تضييق عظيم وحرج متروك العمل به

стр. 80

والثاني أنه يلزم منه أيضا أن القاضي إذا رفع إليه حكم قاض آخر لا ينفذه حتى يبحث عن عدالة من حكم ذلك القاضي بشهادته لجواز أن يكون إذا بحث عنهم عثر على تجريحهم والجواب عن الأول أن الراوي إذا سمي باسمه فقد بعد عن التدليس فإن من كان من أهل زمن العامل بالخبر فالبحث عنه ممكن واستكشاف حاله متعين وإن كان متقدما ولم نكتف بظاهر الإسلام والستر على الراجح ووجدنا من عدله ولم نعثر فيه على جرح لغيره اكتفينا بذلك وحصل عليه الظن بقوله وإن وجدنا جرحا مؤثرا قدمناه على تعديله ولا يلزم من ذلك وجوب معرفته باطنا وأيضا فالعلماء مختلفون في الاكتفاء بالواحد في التعديل وفي أنه هل يحتاج فيه إلى ذكر السبب أم لا فمن يشترط ذلك أولا يكتفي بالواحد في التعديل لا يثبت الخبر عنده بقول الراوي وحده حدثني الثقة وأما على الراجح عند المحققين فالنكتة في عدم الاكتفاء بقوله حدثني الثقة ما قدمناه والجواب عن الثاني بالفرق بين المقامين وشتان بين أمر لم يتقدم فيه حكم قاض وبين أمر تقدم في حكم قاض ويلزم من البحث عن عدالة من حكم القاضي بشهادتهما عند إرادة تنفيذ ذلك الحكم نقض ما حكم به ذلك القاضي بخلاف ما إذا لم نقبل قول الراوي حدثني الثقة أو سماه ووثقه واطلعنا فيه على جرح مؤثر فقدمناه فإنه لا نقض فيه لحكم تقدم وذلك ظاهر ويتأيد ذلك بأن الشاهدين لو رجعا عما شهدا به بعد إنفاذ الحكم بما شهدا به لم يؤثر رجوعها ولو رجع الراوي عن الخبر وأكذب نفسه أو اعترف بالغلط لم يجز العمل بخبره والله اعلم الخامس قال فخر الدين الرازي ومن تبعه إذا كان الراوي دأبه إرسال الأخبار وأسند خبرا فقد اختلف فيه من لم يقبل المرسل فكثير منهم قبلوه لأن إرساله يختص بالمراسيل دون المسند ولا تهمة تلحق الراوي ومنهم من لم يقبله وزعم أن إرساله يدل على أنه إنما لم يذكر الراوي لضعفه فستره له والحالة هذه خيانة فلا يقبل خبره وهذا مأخذ ضعيف لأن إرسال الراوي لا ينحصر في

стр. 81

كون شيخه ضعيفا بل يحتمل أنه سمعه مرسلا أو أثر الاختصار أو كان في المذاكرة أو وثق بمن أرسل عنه كما تقدم إلى غير ذلك من الاحتمالات فلا يلزم القدح فيه وهذا بعينه قول من يجعل التدليس سببا للجرح في المدلس وسيأتي ذلك قريبا إن شاء الله تعالى السادس تقدم الفرق بين المرسل والمنقطع والمعضل وأنه اصطلاح حديثي واسم الإرسال شامل لكن ذلك عند أئمة الأصول وكذلك بعض أهل الحديث ويظهر الفرق بينهما أن بعض من أجاز العمل بالمرسل منع ذلك في المنقطع وفي المعضل بطريق الأولى وأشار الإمام أبو المظفر بن السمعاني إلى شيء آخر وهو أن إرسال الحديث من أئمة التابعين كان معتادا بينهم متعارفا وأما انقطاع السند في أثنائه بإسقاط رجل أو أكثر ثم يذكر باقيه فإنه يدل على ضعف الساقط دلالة قوية وتقوى الريبة حينئذ به وجعل الحاكم من المنقطع أيضا قول الراوي عن رجل فإن ذلك لا يفيد احتجاجا به يعني ولا على القول بقبول المجهول لأن مثل هذا مجهول العين ولا يحتج به اتفاقا وإنما الخلاف في المجهول العدالة بعد معرفة عينه والتحقيق أن قول الرواي عن رجل ونحوه متصل ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به ثم إن هذا إنما يكون منقطعا إذا لم يعرف ذلك الرجل المبهم ومتى عرف كان متصلا ويحتج به إن كان ذلك الرجل مقبولا ومثاله ما روى سفيان الثوري عن داود بن أبي هند قال ثنا شيخ عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يأتي على الناس زمان يخير الرجل فيه بين العجز والفجور فمن أدرك ذلك منكم فليختر العجز على الفجور ورواه علي بن عاصم عن داود بن أبي هند قال نزلت حديلة قيس فسمعت شيخا أعمى يقال له أبو عمر يقول سمعت أبا هريرة يقول فذكره فتبين أن الرجل المبهم في طريق سفيان هو أبو عمر الحدلي وهو معروف ومثاله في المعضل ما ذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن أبا هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ للملوك طعامه وكسوته الحديث وقد رواه إبراهيم بن طهمان عن مالك خارج الموطأ عن محمد بن عجلان عن أبيه عن

стр. 82

أبي هريرة وإنما نحكم بالإرسال والانقطاع حين لا يكون روي من ذلك الوجه مسندا ولا متصلا والله أعلم السابع قال ابن عبد البر اختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه مثل مالك عن سعيد بن المسيب والثوري عن إبراهيم النخعي فقالت فرقة هذا تدليس لأنهما لو شاءا لسميا من حدثهما كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما قالوا وسكوت المحدث عمن حدثه مع علمه به دلسة قال أبوعمر فإن كان هذا تدليسا فما أعلم أحدا من العلماء سلم منه في قديم الدهر ولا حديثة اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان فإنهما ليس يوجد لهما شيء من هذا لا سيما شعبة وقالت طائفة ليس هذا بتدليس وإنما هذا إرسال وكما جاز أن يرسل سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ وهو لم يسمع منهما ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسا كذلك مالك في سعيد بن المسيب انتهى كلامه والقول الأول ضعيف لأن التدليس أصله التغطية والتلبيس وإنما يجيء ذلك فيما أطلقه الراوي عن شيخه بلفظ موهم للاتصال وهو لم يسمعه منه فأما إطلاقه الرواية عمن يعلم أنه لم يلقه أو لم يدركه أصلا فلا تدليس في هذا يوهم الاتصال وذلك ظاهر وعليه جمهور العلماء والله أعلم الثامن فيما يتعلق بالتدليس وهو قسمان تدليس السماع وتدليس الشيوخ فالأول نوعان أحدهما ما أشرنا إليه آنفا بأن يروي الراوي عن شيخه حديثا لم يسمعه منه بلفظ عن أو قال أو ذكر ونحو ذلك مما يوهم الاتصال ولا يصرح بحدثنا ولا أخبرنا ولا سمعت ومثاله ما روي عن ابن خشرم قال كنا عند سفيان بن عيينة فقال الزهري فقيل له حدثكم الزهري فقال لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري حدثني عبد الرزاق عن

стр. 83

معمر عن الزهري وعن إبراهيم بن بشار أن سفيان بن عيينة حدث يوما بحديث عن عمرو بن دينار فحوقق فيه إلى أن قال حدثني علي ابن المديني عن الضحاك بن مخلد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار وهذا القسم حكمه في الحقيقة حكم المرسل من جهة أنه لا يعرف الراوي الذي أسقط بينه وبين من دلس عنه فكل مدلس مرسل ولا ينعكس إلا على القول الضعيف الذي حكاه ابن عبد البر فيما تقدم ثم إن المرسل أحسن حالا من هذا من حيث إنه مبين فيه الانقطاع والتدليس موهم للاتصال وليس متصلا ولهذا ذمه كثير من العلماء حتى قال شعبة لأن أزني أحب إلي من أن أدلس وذلك محمول منه على المبالغة في ذمه والتنفير عنه وقال أيضا التدليس أخو الكذب وقال حماد بن زيد التدليس كذب ثم ذكر حديث النبي ﷺ المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور وقال حماد ولا أعلم المدلس إلا متشبعا بما لم يعط وقال جرير بن حازم أدنى ما يكون فيه أنه يري الناس أنه سمع ولم يسمع وقال عبد الله بن المبارك لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أدلس وقد ذهب جماعة من العلماء إلى جرح المدلس مطلقا لإيهامه سماع ما لم يسمع فلم يقبلوا منه حديثا وإن صرح بالسماع وقال آخرون إن كان الغالب عليه التدليس عمن عاصره ولم يلقه ولا سمع منه لم تقبل روايته مطلقا وإن كان تدليسه عمن قد لقيه وسمع منه ما صرح فيه بالسماع دون ما دلس والصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل لأن جماعة من الأئمة الكبار دلسوا وقد اتفق الناس على الاحتجاج بهم ولم يقدح التدليس فيهم

стр. 84

كقتادة والأعمش والسفيانين الثوري وابن عيينة وهشيم بن بشير وخلق كثير وأيضا فإن التدليس ليس كذبا صريحا بل هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل كما قال الإمام الشافعي ﵀ ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته وليست تلك العورة بكذب فيرد حديثه ولا على النصيحة في الصدق فيقبل منه ما قبلناه من أهل الصدق فلذلك قلنا إنه لا يقبل من المدلس حديث حتى يقول حدثنا وسمعت هذا لفظه وقد قسم الحاكم أبو عبد الله في كتابه علوم الحديث أجناس المدلسين إلى ستة أقسام وبعضها متداخل فأولها التابعون الذين لا يدلسون إلا عن ثقة مثلهم أو اكبر كأبي سفيان طلحة بن نافع وقتادة وثانيها من كان يقول قال فلان فإذا حصل لهم من ينقر عن سماعهم ذكروا من سمعوه منه كابن عيينة وابن إسحاق وهشيم ونحوهم والثالث من يدلس عن أقوام مجهولين لا يدري من هم كسفيان الثوري وعيسى بن موسى غنجار وبقية بن الوليد وذكر علي بن المديني قال حدثني حسين الأشقر حدثني شعيب بن عبد الله النهمي عن أبي عبد الله عن نوف قال بت عند علي ﵁ فذكر كلاما قال بن المديني فقلت لحسين ممن سمعته فقال حدثنية شعيب عن أبي عبد الله عن نوف فلقيت شعيبا فقلت من حدثك بهذا قال أبو عبد الله الحصاص قلت عمن قال عن حماد القصار قال فلقيت حمادا فقلت من حدثك بهذا قال بلغني عن فرقد السبخي عن نوف فإذا هو قد دلس عن ثلاثة والحديث بعد منقطع وأبو عبد الله الجصاص مجهول وحماد القصار لا يدرى من هو وبلغه عن فرقد وفرقد لم يدرك نوفا ولا رآه

стр. 85

والرابع قوم دلسوا عن شيوخ مجروحين سمعوا منهم فغيروا أسماءهم وهذا تدليس الشيوخ وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى والخامس قوم دلسوا عن شيوخ سمعوا منهم الكثير وفاتهم بعض الشيء عنهم فدلسوه والسادس قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم فيقولون قال فلان وحمل ذلك منهم على الاتصال وليس مسموعا ومثل ذلك بما ذكر أبو داود الطيالسي عن أشرس أن إسحاق بن راشد قدم الري فجعل يقول حدثنا الزهري قال فقلت له أين لقيت ابن شهاب قال لم ألقه مررت ببيت المقدس فوجدت كتابا له قلت وهذا ليس من التدليس في شيء لما تقدم إن شرط التدليس أن يكون اللفظ محتملا لا صريحا فمتى كان صريحا في السماع ولم يكن كذلك فهو كذب يقتضي الجرح لفاعله اللهم إلا أن يؤول بتأويل بعيد كما قيل فما روي عن الحسن أنه قال حدثنا أبو هريرة وتأوله من لم يثبت له السماع منه على أنه أراد حدث أهل البصرة فيكون الضمير عائدا إليهم وكذلك قول طاووس قدم علينا معاذ اليمن وهو لم يدركه وإنما أراد قدم على أهل بلده وهذه الأقسام متداخلة كما تراها والتعاقد شرط في التقسيم والذي ينبغي أن ينزل قول من جعل التدليس مقتضيا لجرح فاعله على من أكثر التدليس عن الضعفاء وأسقط ذكرهم تغطية لحالهم وكذلك من دلس اسم الضعيف حتى لا يعرف كما سيأتي ولهذا ترك جماعة من الأئمة كأبي حاتم الرازي وابن خزيمة وغيرهما الاحتجاج ببقية مطلقا قال ابن حبان سمع بقية من شعبة ومالك وغيرهما أحاديث مستقيمة ثم سمع من أقوام كذابين عن مالك وشعبة فروى عن الثقات بالتدليس ما أخذ عن الضعفاء ولا شك في أن مثل هذا مقتض للجرح لكن الذي استقر عليه عمل الأكثرين الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة بلفظ صريح في السماع

стр. 86

وبهذا أجاب علي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهما وإما ما رواه بلفظ محتمل فحكمه حكم المرسل كما تقدم فمن رد المرسل مطلقا لم يحتج بما قال فيه المدلس ونحو ذلك ومن قبلها مطلقا احتج بالمدلس وهذا مذهب أهل الكوفة كما تقدم في المرسل وهم أكثر الناس تدليسا قال يزيد بن هارون قدمت الكوفة فما رأيت بها أحدا لا يدلس إلا شريكا ومسعر بن كدام وأما على القول الراجح من الفرق بين من عرف منه أنه لا يرسل إلا عن ثقة وغيره فكذلك في المدلس فكل من عرف منه أنه لا يدلس إلا عن ثقة يقبل منه ما قال فيه عن ونحوه دون غيره قال أبو حاتم بن حبان بعد ترجيحه لهذا القول وهذا شيء ليس في الدينا إلا لسفيان بن عيينة فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه ثم مثل ذلك بمراسيل صغار الصحابة لأنهم لا يرسلون إلا عن صحابي كما تقدم ونقل ابن عبد البر هذا القول من التفصيل عن أئمة الحديث مطلقا فقال قالوا لا نقبل تدليس الأعمش لأنه إذا وقف أحال على ملإ يعنون على غير ثقة فإذا قيل عمن هذا قال عن موسى بن طريف وعباية بن ربعي والحسن بن ذكوان وقالوا يقبل تدليس ابن عيينة لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظائرهما قلت قال أبو معاوية كنت أحدث الأعمش عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد فيجيء أصحاب الحديث بالعشي فيقولون حدثنا الأعمش عن مجاهد بتلك الأحاديث فأقول أنا حدثتة عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد والأعمش قد سمع من مجاهد ثم يراه يدلس عن ثلاثة عنه واحدهم متروك وهو الحسن بن عمارة وقد ألحق الحاكم بابن عيينة في قصر

стр. 87

التدليس عن الثقات التابعين بأسرهم قال فإنهم كانوا لا يدلسون إلا عن ثقة ولم يكن غرضهم من الرواية إلا أن يدعو إلى الله فيقولون قال فلان لبعض الصحابة فأما غير التابعين فأغراضهم فيه مختلفة قلت وهذا لا يتم إلا بعد ثبوت أن من دلس من التابعين لم يكن يدلس إلا عن ثقة وفيه عسر وهذا الأعمش من التابعين وتراه دلس عن الحسن بن عمارة وهو يعرف ضعفه وقد تقدم أن من التابعين من كان يرسل عن كل أحد كعطاء وأبي العالية والزهري والحاكم معترف بذلك فكيف يرسلون عن كل أحد ولا يدلسون إلا عن ثقة هذا فيه نظر وقد روى عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة أنه قال كنت أنظر إلى فم قتادة فإذا قال حدثنا كتبت وإذا قال حدث لم أكتب لكن هذا قد لا يرد على الحاكم لأن شعبة كان لا يقبل التدليس مطلقا سواء كان عن ثقة أو لم يكن بخلاف ما تقدم عن الأعمش وقد تقدم قول الإمام الشافعي ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته فأجرى حكم التدليس على من عرف به مرة واحدة ولم يقبل منه بعد ذلك إلا ما صرح فيه بالسماع لأن ذلك صار هو الظاهر من أمره كما أن من عرف بالكذب مرة واحدة في الحديث صار الكذب هو الظاهر من حاله وسقطت الثقة بجميع حديثه مع جواز أن يكون صادقا في بعضه فكذلك هنا والله اعلم والنوع الثاني من تدليس السماع أن يسمع الراوي من شيخه حديثا قد سمعه من رجل ضعيف عن شيخ سمع منه ذلك الشيخ هذا الحديث فيسقط الراوي عنه الرجل الضعيف من بينهما ويروي الحديث عن شيخه عن الأعلى لكونه سمع منه أو أدركه ويسمى هذا النوع أيضا التسوية وهو مذموم جدا من وجوه كثيرة منها أنه غش وتغطية لحال الحديث الضعيف وتلبيس على من أراد الاحتجاج به

стр. 88

ومنها أنه يروي عن شيخه ما لم يتحمله عنه لأنه لم يسمع منه الحديث إلا بتوسط الضعيف ولم يروه شيخه بدونه ومنها أنه يصرف على شيخه بتدليس لم يأذن له فيه وربما ألحق بشيخه وصمة التدليس إذا اطلع عليه أنه رواه عن الواسطة الضعيف ثم يوجد ساقط في هذه الرواية فيظن أن شيخه الذي أسقطه ودلس الحديث وليس كذلك ولا ريب في تضعيف من أكثر من هذا النوع وقد وقع فيه جماعة من الأئمة الكبار لكن يسيرا كالأعمش وسفيان الثوري حكاه عنهما الخطيب وروى عن قبيصة قال حدث سفيان الثوري يوما حديثا بدل فيه رجلا فقيل له يا أبا عبد الله فيه رجل فقال هذا سهل للطريق وممن أكثر منه بقية والوليد بن مسلم وتكلم فيهما من أجله قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه اسحاق ابن راهوية عن بقية حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر حديث حتى تعرفوا عقدة رأيه فقال إن هذا الحديث له أمر قل من يفهمه روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وعبيد الله ابن عمرو كنيته أو وهب وهو أسدي فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد لكي لا يفطن له حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدي له قال وكان بقية من أفعل الناس لهذا قلت وقد روى هذا الحديث محمد بن المسيب الأرغياني عن موسى بن سليمان عن بقية عن عبيد الله بن عمرو عن إسحاق ابن أبي فروة عن نافع به فتبين به صحة قول أبي حاتم وقال صالح جزرة سمعت الهيثم بن خارجة يقول قلت للوليد بن مسلم قد أفسدت حديث الأوزاعي قال وكيف قلت تروي عنه عن نافع وعنه عن الزهري وعنه عن يحيى يعني ابن أبي كثير وغيرك يدخل بين الأوزاعي ونافع عبد الله بن عامر الأسلمي وبينه وبين الزهري قرة فما يحملك على هذا قال أنبل الأوزاعي بأن يروي عن مثل هؤلاء قلت

стр. 89

فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء المناكير وهم ضعفاء فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الإثبات ضعف الأوزاعي فلم يلتفت إلى قولي وبالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقا وشرها لكنه قليل بالنسبة إلى ما يوجد عن المدلسين والله تعالى الموفق بكرمه وأما القسم الثاني وهو تدليس الشيوخ فهو يختلف باختلاف الأغراض فمنهم من يدلس شيخه لكونه ضعيفا أو متروكا حتى لا يعرف ضعفه إذا صرح باسمه ومنهم من يفعل ذلك لكونه كثير الرواية عنه كي لا يتكرر ذكره كثيرا أو لكونه متأخر الوفاة قد شاركه فيه جماعة فيدلسه للأغراب أو لكونه أصغر منه أو لشيء بينهما كما وقع للبخاري مع الذهلي وكلها سوى النوع الأول أمره خفيف وقد يسمح بذلك جماعة من الأئمة وأكثر منه الحافظ الخطيب في كتبه وليس فيه إلا تضييع للمروي عنه وتوعير لطريق معرفته على من يروم ذلك وأما النوع الأول فهو مذموم جدا لما فيه من تغطية حال الضعيف والتلبيس على من يتنكب الاحتجاج به ولا تعلق له بما نحن بصدده هنا من المرسل فلذلك اختصرت الكلام فيه بخلاف القسم المتقدم فإنه داخل في أنواع المرسل وحكمه حكمه كما تقدم وتمام الفائدة هنا بذكر أسماء المدلسين حسبما وصلت اإليه ليعتبر ما كان من حديثهم بلفظ عن ونحوها على اعتبار ما تقدم وهم مرتبون على حروف المعجم

стр. 90

١ - إبراهيم بن يزيد النخعي ذكر الحاكم وغيره أنه مدلس وحكى خلف بن سالم عن عدة من مشايخه أن تدليسه من أخص شيء وكانوا يتعجبون منه

стр. 91

٢ - إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي شيخ الشافعي وصفه أحمد بن حنبل بالتدليس

стр. 92

٣ - إسماعيل بن أبي خالد ذكره النسائي وغيره

стр. 93

٤ - بقية بن الوليد مشهور به مكثر له عن الضعفاء يعاني التسوية التي تقدم ذكرها

стр. 94

٥ - تليد بن سليمان الكوفي قال فيه أحمد بن صالح العجلي كان يدلس

стр. 95

٦ - جابر الجعفي قال أبو نعيم قال سفيان الثوري كلما قال فيه جابر سمعت أو حدثنا فأشدد يديك به وما كان سوى ذلك فتوقه

стр. 96

٧ - حبيب بن أبي ثابت قال ابن حبان كان مدلسا وروى أبو بكر بن عياش عن الأعمش قال قال لي حبيب بن أبي ثابت لو أن رجلا حدثني عنك ما باليت أن أرويه عنك

стр. 97

٨ - حجاج بن ارطأة مشهور به عن الضعفاء وغيرهم

стр. 98

٩ - الحسن بن أبي الحسن البصري من المشهورين بذلك

стр. 99

١٠ - الحسن بن ذكوان ذكره محمد بن نصر المروزي في حديثه عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي حديث نهي عن ثمن الميتة الحديث قال محمد بن نصر سمعه الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت فدلسه بإسقاط عمرو ابن خالد لأنه منكر الحديث وكذلك قال يحيى بن معين في كل ما رواه الحسن ين ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت أن بينه وبين حبيب رجلا ليس بثقة

стр. 100

١١ - الحسين بن واقد المروزي ذكره أبو يعلى الخليلي ممن يدلس

стр. 101

١٢ - حفص بن غياث الكوفي ذكره أحمد بن حنبل في رواية الأثرم عنه

стр. 102

١٣ - الحكم بن عتبة وصفه بالتدليس غير واحد

стр. 103

١٤ - وحميد الطويل كذلك

стр. 104

١٥ - زكريا بن أبي زائدة قال أبو حاتم الرزاي يدلس عن الشعبي وعن ابن جريج

стр. 105

١٦ - سعيد بن أبي عروبة مشهور بالتدليس ذكره به غير واحد

стр. 106

١٧ - سفيان بن سعيد الثوري

стр. 107

١٨ - وسفيان بن عيينة

стр. 108

١٩ - وسليمان التيمي

стр. 109

٢٠ - وسليمان الأعمش والأربعة أئمة كبار مشهورون بالتدليس

стр. 110

٢١ - سويد بن سعيد الحدثاني قال غير واحد كان كثير التدليس
следующие страницы →