Полный текст (409 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
هناك أمور يعرف بها النسخ منها: تصريح النبي ﵊ كحديث: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) مخرج في الصحيح، صحيح مسلم، كما يعرف النسخ بقول الصحابي مثل حديث جابر ﵄ قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار"، فقول الصحابي: "كان آخر الأمرين" دل على أن هناك أمر أول وأمر آخر، وآخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان، كما يعرف النسخ بالتاريخ مثل حديث شداد بن أوس مرفوعاً: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، مع حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﵊ احتجم وهو صائم، أخرجه البخاري، وبين الشافعي -رحمة الله عليه- أن الثاني ناسخ للأول؛ لأن شداداً كان مع النبي ﷺ زمان الفتح سنة ثمان، فرأى رجلاً يحتجم في رمضان فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) وابن عباس مع النبي ﵊ في حجة الوداع سنة عشر، حجة الوداع متأخرة عن الفتح، كما يعرف النسخ بدلالة الإجماع، كقتل شارب الخمر في الرابعة، أخرجه الإمام أحمد وغيره، يقول النووي في شرح مسلم: "دل الإجماع على نسخه، دل الإجماع على نسخه، وإن كان ابن حزم خالف في ذلك، فخلاف الظاهرية لا يقدح بالإجماع"، معلوم أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ، لماذا؟ لأن النسخ من خصائص النصوص، خاص بالنصوص بالأدلة، فالإجماع لا ينسخ ولا ينسخ، وإنما الإجماع يدل على وجود ناسخ، الإجماع يدل على وجود ناسخ، حديث قتل الشارب في الرابعة حديث معاوية في المسند وغيره، ((إذا شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاقتلوه)) يقول النووي: "دل الإجماع على وجود ناسخ لهذا الحديث"، والترمذي في علل الجامع يقول: "لا يوجد في كتابي –يعني سننه، جامعه- حديثٌ اتفق العلماء على ترك العمل به إلا هذا الحديث –حديث قتل الشارب- وحديث أن النبي ﷺ جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر"، وفي رواية: "ولا سفر"، هنا هذا الحديث عمل به
стр. 142
الظاهرية، يقول النووي في شرح مسلم: "دل الإجماع على نسخه، وإن كان ابن حزم خالف في ذلك، فخلاف الظاهرية لا يقدح بالإجماع، خلاف الظاهرية لا يقدح بالإجماع"، ويقول النووي أيضاً: "ولا يعتد بقول داود؛ لأنه لا يقول بالقياس الذي هو أحد أركان الاجتهاد".
إذاً خلاف الظاهرية غير معتد به عند النووي، ومن أهل العلم من يرى أن الظاهرية من أولى من يحتج به ويعتد بقولهم لعنايتهم بالنصوص، عناية الظاهرية بالنصوص الشرعية معروفة، اهتمامهم بظواهر النصوص معروف، طرح الأقيسة والآراء مع النصوص معروف عند الظاهرية، لكن إن كانت المسألة عمدتها نص فالظاهرية من أولى من يعتد به، وإن كانت المسألة عمدتها اجتهاد وأقيسة فلا عبرة بقولهم، هنا هذا الحديث يعمل به الظاهرية على أساس أنه حد، شيخ الإسلام وابن القيم يرون أنه يعمل بهذا الحديث، لكنه على سبيل التعزير، يعني إذا كثر شرب الخمر في الناس ولم يردعهم الحد –الجلد- فلا مانع من قتل المدمن الذي يشرب الرابعة والخامسة هذا لا مانع من قتله لهذا الحديث، وليس بحد بمعنى أنه يقتل كل أحد، لا، إذا كثر الشرب في الناس فلا مانع أن يعزر الشارب المدمن هذا من باب التعزير بحيث يراه الإمام هو المصلحة، ولا يردع الناس إلا هذا، يقول شيخ الإسلام وابن القيم: "إن هذا تعزير"، إذا رأى الإمام المصلحة في قتل المدمن يقتله، تعزيراً.
الحكمة من النسخ:
стр. 143
ما الفائدة وما الحكمة من النسخ؟ ما الحكمة من كون الشرع يقر حكم ثم ينسخه؟ النسخ له فوائد كثيرة جداً لكن من أهمها: رعاية الأصلح للمكلفين، رعاية الأصلح للمكلفين تفضلاً من الله تعالى لا وجوباً عليه كما تقول المعتزلة، فمصالح الناس مقصد من مقاصد التشريع في الإسلام، وهذه المقاصد والمصالح تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، قد يكون هذا الحكم يناسب الناس في هذا الوقت ثم يكون هذا الحكم المناسب في هذا الوقت غير مناسب في وقت آخر، فيأتي بعد ذلك ما ينسخه، وهنا حصلت رعاية الأصلح للمكلفين ومن ذلكم امتحان المكلفين أيضاً، امتحان المكلفين بامتثالهم الأوامر واجتنابهم النواهي، وتكرار الاختبار خصوصاً بأمرهم بما كانوا منهيين عنه ونهيهم عما كانوا مأمورين به، يعني أمروا بشيء حتى إذا عملوه وألفوه نهوا عنه، امتثالهم لهذا النهي بعد ذلك الأمر وبعد ذلك الإلف امتحان، امتحان لهم واختبار لينظر من ينقاد، وكذلكم إذا نهوا عن شيء ثم رؤيا امتثالهم لهذا النهي ثم أمروا به ونسخ النهي الأول أيضاً هذا من تمام الامتحان، حصل الابتلاء والامتحان في نسخ القبلة وتغييرها ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [(١٤٢) سورة البقرة].
الانقياد في حالة التغيير أدل على الإذعان والطاعة بلا شك، يعني كون الإنسان يؤمر بأمر ويستمر عليه هذا ما فيه إشكال، امتثل مرة واحدة هذا الأمر واستمر عليه، لكن كونه يؤمر به فيتمثل ثم ينهى عنه فيمتثل لا شك أن هذا يدل على تمام الانقياد.
الفرق بين النسخ والتخصيص: النسخ رفع كلي للحكم، والتخصيص رفع جزئي، رفع جزئي لحكم، فهو قصر للحكم على بعض أفراده دون بعض، وجاء في تعبير السلف إطلاق النسخ على التخصيص كما أطلقوه على التقييد، فالنسخ عندهم أوسع من النسخ عند المتأخرين، فالمتأخرون يخصون النسخ بالرفع الكلي للحكم، والمتقدمون يطلقونه ويتوسعون في إطلاقه على التخصيص.
المؤلفات في الناسخ والمنسوخ:
стр. 144
من أهم المؤلفات في الناسخ والمنسوخ: (الناسخ والمنسوخ) لابن شاهين، و (الاعتبار في معرفة الناسخ والمنسوخ من الآثار) للحازمي، وهذا كتابه في غاية الجودة، كتاب الحازمي لا يستغني عنه طالب علم، (رسوخ الأحبار) لبرهان الدين الجعبري أيضاً كتاب جيد في الباب.
стр. 145
يقول الحافظ: "وإلا فالترجيح ثم التوقف"، يعني إن لم يمكن الجمع بين النصوص المتعارضة ولم يعرف التاريخ فلا يخلو إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح الكثيرة، وجوه الترجيح بين النصوص كثيرة جداً، إذا لم نستطع الجمع وهو أولى ما يبدأ به، إذا أمكن الجمع تعين بين النصوص، إن لم يمكن وعرفنا التاريخ عرفنا المتقدم من المتأخر حكمنا بالنسخ، إن لم يمكن الجمع ولم نعرف التاريخ نلجأ إلى الترجيح، نلجأ إلى الترجيح بين هذه النصوص، ووجوه الترجيح كثيرة جداً، ذكر الحازمي في (الاعتبار) الذي ذكرناه آنفاً خمسين وجهاً للترجيح بين النصوص، الحافظ العراقي في نكته على ابن الصلاح ذكر أكثر من مائة وجه للترجيح بين النصوص، السيوطي حصر هذه الوجوه الكثيرة، وجوه الترجيح الكثيرة في سبعة أقسام، يعني بدلاً من أن تقرأ مائة وجه أو خمسين وجه عند الحازمي السيوطي جعلها سبعة أقسام، الترجيح بحال الراوي، كالحفظ والفقه وملازمة الشيوخ والسلامة من القوادح، الترجيح بطريق التحمل كالسماع والعرض والإجازة وغيرها، الترجيح بكيفية الرواية كالمروي باللفظ، وما ذكر سببه، وكونه متفقاً على رفعه ووصله، الترجيح بوقت الورود فيقدم المدني على المكي، الترجيح بوقت الورود فيقدم المدني على المكي، والمتضمن للتخفيف على المتضمن للتشديد، وقيل عكسه، قال الرازي: "الترجيح بهذا غير قوي"، الترجيح بهذا غير قوي، يعني إذا وجدنا نص متضمن للتخفيف وآخر متضمن للتشديد، نرجح المخفف وإلا المشدد؟ منهم من يقول: يقدم المتضمن للتخفيف؛ لأن الله ما جعل علينا في الدين من حرج، على المتضمن للتشديد، قوم آخرون يقولون: لا، العكس يقدم المتضمن للتشديد لماذا؟ لأنه أحوط؛ ولأن الدين عبارة عن مجموعة تكاليف، والتكليف: إلزام ما فيه كلفة، وهو أحوط، وهو العزيمة، على كل حال الترجيح بمثل هذا غير قوي، لا ننظر إلى التشديد والتخفيف بقدر ما ننظر إلى إمكان الجمع إن أمكن، أو القول بالنسخ.
стр. 146
الترجيح بلفظ الخبر فيرجح الخاص على العام والمنطوق على المفهوم، ومفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة وهكذا، الترجيح بالحكم فيقدم الناقل على البراءة الأصلية على المقرر لها، والمؤسس على المؤكد، الترجيح بأمر خارجي فيقدم ما يوافق ظاهر القرآن أو سنة أخرى، وغير ذلك من المرجحات التي لا تكاد تنحصر.
стр. 147
وإذا لم يمكن الترجيح بوجه من الوجوه لزم التوقف عن العمل بأحد الحديثين، لماذا؟ لأن عملك بحديث معارَض بمثله ليس بأولى من عملك بالمعارِض فاختيارك أحد الأمرين من غير مرجح تحكم، ظاهر وإلا مو بظاهر؟ يعني عندك حديثان متساويان من كل وجه، ولم تستطع الجمع ولا عرفت التاريخ تتوقف؛ لأن عملك بأحد الحديثين يحتاج إلى مرجح، عملك بأحد الحديثين تحكم، فيلزمك التوقف، وهذا في النصوص ظاهر، شيخ الإسلام وهو يرد على طوائف المبتدعة الذين يقولون بقدم المحدثات، وأنهم يقولون: أنها كلها قديمة بقدم الله ؛ لأننا إذا قلنا: أنه عمل هذا قبل هذا ولا مرجح لأحدهما على الآخر تطاولوا على الخالق، تطاولوا على الخالق الذي لا يسأل عما يفعل، يقول: "الإنسان قد يعمل أعمال فيقدم أحد المتساويين من غير مرجح كالبداءة بأحد الرغيفين" أمامك رغيفين تبدأ بأحدهما تحتاج إلى مرجح؟ نعم، "وسلوك أحد الطريقين" عندك طريق يؤدي إلى الغرض وثاني يؤدي إلى الغرض بنفس المدة وبنفس السهولة، كونك تذهب مع الطريق هذا أو مع ذاك تحتاج إلى مرجح؟ ما يحتاج إلى مرجح، أو تحتاط تجلس حتى تجد مرجح تتوقف ما تأكل أحد الرغيفين حتى تجد مرجح؟ نعم، عندك رغيفان هل تحتاج في مثل هذا إلى مرجح؟ ما تحتاج إلى مرجح، والمخلوقات بالنسبة إلى الخالق كالأرغفة بالنسبة للمخلوق، هو يحتاج إلى أن يوجد مرجح فيرجح ليبدأ بأحد المخلوقات قبل بعض؟ لا، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [(٢٣) سورة الأنبياء] إنما الذي يسأل المخلوق الضعيف، وهناك أمور أطلقت له وأبيحت بحيث لا يسأل عنها، فالأمور المباحة يبدأ بأحدها قبل الآخر إيش اللي يمنع؟ ما الذي يمنع أن تذهب لزيارة زيد قبل زيارة عمرو أو العكس؟ تبدأ بالرغيف هذا أو بذاك من غير مرجح؟ تسلك الطريق هذا أو ذاك من غير مرجح؟ إيش المانع؟ أنت تختار هذه أمور في حيز الإباحة.
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "التعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط" لأن من أهل العلم من يقول: أنها تعارضت فتساقطت، لماذا؟ "لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر بالحالة الراهنة، مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه، والله أعلم".
стр. 148
من أهل العلم من منع الترجيح بين الأدلة، فمنع بعض العلماء الترجيح بين الأدلة قياساً على البينات، وقالوا: إذا تعارضت البينات لزم التوقف، هم عندهم العبارة إذا تعارضت البينات تساقطت، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
تعارضت، ما تتساقط؟ تتساقط، وهذه النصوص بمنزلة البينات إذا تعارضت لزم التوقف، وبعضهم يقول: تساقطت.
الثاني: التعارض بين الأخبار إنما هو بالنسبة إلى ظن المجتهد وما يظهر له وإلا ففي نفس الأمر لا تعارض، يعني هل يوجد حديثان صدرا من شخص واحد معصوم يوجد فيهما تناقض حقيقي، إذا كان النقل لا يعارض العقل فكيف يعارض بعضه بعضاً؟ هل يوجد تعارض حقيقي بين العقل السليم وبين النص الصحيح الصريح؟ لا يمكن أن يوجد، شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- له كتاب كبير في الباب: (درء تعارض العقل والنقل) النقل الصحيح لا يمكن أن يعارض العقل الصريح السليم، فالتعارض الموجود بين النصوص إنما هو بالنسبة لظن المجتهد وإلا ففي الحقيقة لا تعارض، نعم.
المردود:
"ثم المردود: إما أن يكون لسقط أو طعن، والسقط: إما أن يكون من مبادئ السند من مصنف أو من آخره بعد التابعي أو غير ذلك، فالأول: المعلق، والثاني: هو المرسل، والثالث: إن كان باثنين فصاعداً مع التوالي فهو المعضل، وإلا فالمنقطع، ثم قد يكون واضحاً أو خفياً، فالأول: يدرك بعدم التلاقي ومن ثم احتيج إلى التأريخ، والثاني: المدلس ويرد بصيغة تحتمل اللقي: كـ (عن) و (قال)، وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلق".
يقول -رحمه الله تعالى- بعد أن أنهى الكلام على المقبول بنوعيه الصحيح والحسن: "ثم المردود إما أن يكون لسقط أو طعن" فمسالك الضعف إلى الخبر اثنان: السقط في السند أو الطعن في الراوي، فالسقط إما أن يكون من مبادئ السند من قبل المصنف أو من آخره بعد التابعي أو غير ذلك فالأول المعلق، يعني بذلك أن الحديث المرود وهو الضعيف لا يخلو من سببين: إما أن يكون بسبب سقط في إسناده، أو طعن وجرح في أحد رواته.
стр. 149
"والسقط إما أن يكون من مبادئ السند" من تصرف مصنف بحذف شيخه أو هو مع شيخه، وهذا ما يسمى في اصطلاح المحدثين بالمعلق، يعني أن المصنف إذا جاء إلى الحديث فأسقط شيخه سميناه معلق، إذا أسقط الشيخ وشيخ الشيخ سميناه معلق، إذا أسقط الشيخ وشيخه وشيخه أيضاً معلق، ولو حذف إلى آخر السند نسميه معلق.
المعلق في اللغة:
المعلق في اللغة: اسم مفعول من التعليق، تقول: علق الشيء بالشيء، ومنه وعليه بمعنى أناطه به.
المعلق في الاصطلاح:
وفي الاصطلاح: ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر ولو إلى آخر الإسناد، وقيده ابن الصلاح وتبعه النووي والعراقي بكونه مجزوماً به، قيدوا التعليق بكونه مجزوماً به، قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وإن يكن أوّل الإسناد حذف
ولو إلى آخره أمّا الّذي
عنعنة كخبر المعازفِ
جججج مع صيغة الجزم فتعليقاً عرف
لشيخه عزا بـ (قال) فكذي
لا تصغ (لابن حزم) المخالفِ
لا بد أن تكون الصيغة صيغة جزم، قال فلان، ذكر فلان، لكن الذي يراه كثير من المحققين أن غير المجزوم به داخل في مسمى المعلق في مسمى المعلق، ولذا تقسم معلقات البخاري إلى معلقات جاءت بصيغة الجزم، ومعلقات جاءت بصيغة التمريض، ممن جزم بذلك أبو الحجاج المزي -رحمه الله تعالى- حيث أورد في تحفة الأشراف ما في البخاري من ذلك معلماً عليه علامة التعليق (خ ت) وإن كانت الصيغة غير مجزوم بها، بل إن النووي نفسه أورد في رياض الصالحين حديث عائشة: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم" وقال: ذكره مسلم في صحيحه تعليقاً، فقال: "ذكر عن عائشة" فسماه معلقاً مع كونه جاء بصيغة التمريض لا بصيغة الجزم، مع أنه في التقريب -مختصر ابن الصلاح- النووي نفسه قال: إن المعلق ما جاء بصيغة الجزم تبعاً لابن الصلاح، وسمي هذا النوع من الحديث معلقاً؛ لأنه بحذف أوله صار كالشيء المقطوع عن الأرض، الموصول من الأعلى بالسقف مثلاً، يعني لو ربطت شيء بالسقف ولا يصل إلى الأرض تكون علقته بالسقف، كالشيء المقطوع عن الأرض الموصول من الأعلى بالسقف مثلاً.
стр. 150
قال ابن الصلاح: "كأنه مأخوذ من تعليق الجدار، كأنه مأخوذ من تعليق الجدار، وتعليق الطلاق ونحوه لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال"، تعقبه البلقيني قائلاً: "إن أخذه من تعليق الجدار ظاهر، أما من تعليق الطلاق ونحوه فليس التعليق هناك لأجل قطع الاتصال بل لتعليق أمر على أمر"، ابن الصلاح يرى أن المأخذ لهذه الكلمة من تعليق الجدار وتعليق الطلاق، يوافقه السراج البلقيني في تعليق الجدار، ويخالفه في تعليق الطلاق، استبعد الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- أخذه من تعليق الجدار الذي اقره عليه البلقيني.
أقول: لعل مراد ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- تعليق المرأة، تعليق الطلاق، لا يقصد تعليق الطلاق إنما يقصد تعليق المرأة، لا تعليق الطلاق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [(١٢٩) سورة النساء] أي ليست بمطلقة ولا ذات زوج، فهي معلقة، يقول القرطبي: "هذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء، لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل".
هذه المرأة لم تستقر فتستقل بنفسها وتتهيأ للخطاب، ولا ما علقت عليه من زوج هي في عصمته إن حملت فهي مسكينة معلقة ليست بذات زوج ولا مطلقة، تقول المرأة في حديث أم زرع: ((زوجي العشنق إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق)) نعم، حديث أم زرع، حديث مطول في الصحيح، نعم، فيه من الألفاظ الغريبة ما فيه.
على كل حال التعليق عرفنا تعريفه وهو: الحذف من مبادئ السند، ولو إلى آخره، وله صور كثيرة تتعدد بتعدد رواته، هذه الصور تتعدد بعدد رواة الحديث، إذا افترضنا أن بين الشيخ المصنف وبين النبي ﵊ خمسة رواة، يكون لهذا الحديث خمس صور، كل راوي له صورة، إذا حذفت واحد صورة، حذفت الثاني صورة، حذفت الثالث صورة، إلى آخره.
صور المعلق:
المقصود أن للمعلق صور كثيرة منها: أن يحذف جميع السند مع إضافة القول إلى قائله، هذه صورة من صور المعلق، "كانت أم الدرداء تجلس في الصلاة جلسة الرجل، وكانت فقيهة" هذا معلق لكنه مضاف إلى أم الدرداء.
стр. 151
الثاني: أن يحذف جميع السند مع عدم إضافة القول إلى قائل، هذا موجود في البخاري لا يضاف القول إلى قائله، أن يحذف جميع السند إلا الصحابي، قال ابن عباس، قال ابن عمر، قال أنس، أن يحذف جميع السند إلا الصحابي والتابعي، أن يحذف من حدثه، يعني شيخه ويضيفه إلى من فوقه، والأمثلة على هذه الصور موجودة في الصحيح، وليس من صور المعلق ما عزاه المصنف لشيخه بصيغة قال، يقول الحافظ العراقي فيما ذكرنا آنفاً:
. . . . . . . . . أما الذي
عنعنة كخبر المعازفِ
لشيخه عزا بـ (قال) فكذي
لا تصغِ (لابن حزم) المخالفِ
ج
فليس من صور المعلق ما يقوله المصنف كالبخاري مثلاً قال هشام بن عمار: حدثنا صدقة .. إلى آخر الإسناد، هشام بن عمار من شيوخ البخاري، فكون البخاري يقول: قال هشام بن عمار من أهل العلم من يرى أنه معلق، لكن الصواب أنه ليس بمعلق، فليس من صور المعلق ما عزاه المصنف لشيخه بصيغة قال بل حكمها حكم المعنعن، فكذي عنعنةٍ، وعلى هذا يشترط للحكم باتصالها شيئان: سلامة الراوي من التدليس؛ لأن حكمها حكم العنعنة، والمدلس لا تقبل عنعنته حتى يصرح بالتحديث، لا سيما إذا كان ممن لم يحتمل الأئمة تدليسه، والشرط الثاني: لقاء الراوي لمن روى عنه على الخلاف في اشتراط اللقاء والمعاصرة، يقول الحافظ ابن حجر: ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري أنه لا يعدل عن صيغة التحديث الصريحة إلى مثل هذه الصيغة قال لنا، أو قال فلان، نعم إلا لنكتة، إلا لنكتةٍ تكون في شيء يسير في إسناده، لا بد أن يوجد شيء يسير ولو لم يكن قادحاً في إسناده، فمثلاً حديث المعازف، حديث هشام بن عمار، النكتة في ذلك كونه لم يجزم بالصحابي حدثني أبو مالك أو أبو عامر الأشعري، هذه نكتة يسيرة لا تؤثر في الخبر؛ لأن كونه لا يجزم بهذا الصحابي أو بذاك لا يؤثر، فعدل الإمام -رحمة الله عليه- من الجزم بصيغة التحديث –وإن كان قد روى عن هشام بن عمار أحاديث خمسة أو ستة بصيغة التحديث- لكنه عدل عنها للتردد في الصحابي.
стр. 152
منهم من يقول: إن البخاري لا يقول: قال فلان إلا في حال المذاكرة، يعني إذا كان الحديث مروي في حال المذاكرة لا لقصد التحديث، وحال المذاكرة يتوسع فيها ما لا يتوسع إذا قصد التحديث، وعلى كلٍ الحديث المعلق ضعيف، هذا الأصل فيه، لماذا؟ لأنه فقد شرطاً من شروط القبول وهو اتصال السند بحذف راوٍ أو أكثر من أول إسناده مع عدم علمنا بحال بذلك المحذوف، وهذا الحكم خاص بما إذا كان الحديث المعلق في كتاب لم يشترط مؤلفه الصحة، أو اشترطها لكن لم يفِ بشرطه، أما إذا وجد الحديث المعلق في كتاب التزمت صحته فهذا له حكم خاص، إذا وجد الحديث المعلق في الصحيحين في أحدهما، هذا لا شك أن له حكم خاص ما يقال: إنه ضعيف بإطلاق؛ لأن هذا الكتاب التزمت صحته، وتلقته الأمة بالقبول، فلا يقال: إنه ضعيف؛ لأنه سقط من إسناده راوٍ أو أكثر.
معلقات الصحيحين:
معلقات الصحيحين: بالنسبة لمعلقات مسلم وعدتها أربعة عشر حديثاً معلقاً، وكلها موصولة في صحيح مسلم إلا واحد، هذا الواحد موصول في صحيح البخاري، هل نحتاج إلى البحث في معلقات مسلم؟ نعم نحتاج إلى البحث؟ لا نحتاج، لماذا؟ لأنها كلها موصولة في صحيح مسلم، وواحد منها موصول في صحيح البخاري، إذاً انتهينا من معلقات مسلم.
معلقات البخاري: لا تخلو من حالين: الحالة الأولى: ما كان معلقاً وجاء موصولاً في الكتاب نفسه، وهذا هو الكثير الغالب على معلقات الصحيحين، يعني إذا كان عدة المعلقات في صحيح البخاري ألف وثلاثمائة وأربعين كلها موصولة إلا مائة وستين، أو مائة وتسعة وخمسين، هذا الموصول في الصحيح نفسه يبحث فيه وإلا ما يبحث؟ لا يحتاج إلى بحث، هل نحتاج إلى بحث في حديث معلق وهو موصول في الصحيح نفسه؟ لا نحتاج إلى بحثه.
الثانية: وهي ما لا يوجد في الصحيح إلا معلقاً إذ لم يوصل في موضع آخر من الكتاب وعرفنا أنها يسيرة تقرب من العُشر إذ عدتها مائة وستون حديثاً، هذه الأحاديث التي لم توصل في موضع آخر لا تخلو من صورتين:
стр. 153
الأولى: أن يصدر بصيغة الجزم مثل قال وروى وذكر وحكى، فهذه الصيغة يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن يبقى النظر في من أبرز من الرجال، فمن هؤلاء الرجال من هو على شرط البخاري، يعني إذا كان التعليق بصيغة الجزم فالمحذوف نحتاج إلى بحثه؟ لا، المحذوف مضمون، ضمنه البخاري، يبقى النظر فيمن ذكر من الرواة، من ذكر من الرواة يحتاجون إلى بحث ولو كان بصيغة الجزم، كثير منهم من هو على شرطه، فمنهم من هو على شرطه، ومنهم من لا يلتحق بشرطه لكنه صحيح على شرط غيره، فمنهم ما هو موجود في صحيح مسلم لكنه ليس على شرط البخاري، وقد يكون حسناً، وقد يكون ضعيفاً لا من جهة قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده، والأمثلة على ذلك كثيرة، موجودة في هدي الساري ومقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر.
الحالة الثانية: أن يصدر المعلق بصيغة التمريض، بصيغة التمريض، مثل روي ويروى ويذكر ويقال، فهذه الصيغة لا يستفاد منها الصحة ولا الضعف، ففيها ما هو صحيح على شرطه أيضاً، ومنها ما هو صحيح ليس على شرطه، ومنها ما هو حس، وفيها ما هو ضعيف، قال ابن الصلاح: ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح -حتى الضعيف- إيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله أشعاراً يؤنس به ويركن إليه، يعني وجود هذا الخبر وإن كان فيه شيء من الضعف فإيراده في كتاب التزمت صحته وتلقته الأمة بالقبول يدل على أنه أصل.
يقول ابن حجر: "الضعيف الذي لا عاضد له في الكتاب قليل جداً" قليل جداً وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف، ومثال ذلك قول البخاري: ويذكر عن أبي هريرة ﵁: "لا يتطوع الإمام في مكانه" ولم يصح.
وطريق معرفة الصحيح من غيره من هذه المعلقات هو البحث عن إسناد الحديث والحكم عليه بما يليق به، وقد تولى ذلك الحافظ ابن حجر في كتابيه فتح الباري وتغليق التعليق جزاه الله خيراً.
تعريف المرسل:
стр. 154
"والثاني: المرسل" والثاني: المرسل، وهو في اللغة: اسم مفعول من الإرسال وأصله من قولهم: أرسل الشيء أي أطلقه وأهمله، ومنه قوله تعالى، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [(٨٣) سورة مريم] يعني أطلقناهم، ويحتمل أن يكون مأخوذاً من قولهم: جاء القوم أرسالاً أي متفرقين، ويحتمل أن يكون من قولهم: ناقة مرسال، أي سريعة السير، أصله من قولهم: أرسل الشيء وأطلقه، كأن الراوي أطلق الحديث أطلقه وأرسله وتركه بدون إسناد، يحتمل أن يكون جاء من قولهم: جاء القوم أرسالاً أي متفرقين يعني هذا السند سند مفرق بين الراوي ومن روى عنه إذ حذفت الواسطة، وفرق بينهما بحذف .. ، ويحتمل أن يكون من قولهم: ناقة مرسال أي سريعة السير، كأن المحدث أسرع في إلقاء الحديث بدون إسناد، ويجمع على مراسل ومراسيل، كالمفاتح والمفاتيح، والمساند والمسانيد.
وفي الاصطلاح: ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ ، هذا هو الذي جرى عليه الحافظ في النخبة وابن الصلاح والعراقي وغيرهم، وقيل: إن المرسل يختص بما أرسله كبار التابعين دون صغارهم، فأحاديث صغار التابعين تسمى مقاطيع، منقطعة.
والمشهور عند الفقهاء والأصوليين أن المرسل: قول غير الصحابي: قال رسول الله ﷺ ،
وعرفه الخطيب في الكفاية بأنه: ما انقطع إسناده بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه، فعلى هذا يشمل جميع أنواع الانقطاع، فيدخل فيه المنقطع والمعضل والمعلق.
مرفوع تابعٍ على المشهورِ
أو سقط راوٍ منه ذو أقوالِ
ج مرسل أو قيّده بالكبيرِ
والأوّل الأكثر في استعمالِ
ج
المقصود أن المرسل ما سقط من آخر إسناده، أو ما سقط صحابيه، أو ما رفعه التابعي إلى النبي ﵊، وهذه العبارة أدق.
يقول البيقوني:
ومرسل منه الصحابي سقط
. . . . . . . . .
وهنا يقول:
مرفوع تابع على المشهورِ
ج. . . . . . . . .
стр. 155
مرفوع التابعي، وعلى هذا إذا سقط منه صحابيان، صحابي يروي عن صحابي ثم سقط الصحابيان معاً، ورفعه التابعي إلى النبي ﵊ يكون مرسل، وعلى عبارة البيقوني لو وجد صحابي وحذف صحابي، الصحابي يرويه عن صحابي آخر فحذف الصحابي، كالأحاديث التي يرويها صغار الصحابة الذين لم يدركوا أول البعثة، يروون عن كبار الصحابة، وهو ما يعرف عند أهل العلم بمرسل الصحابي، على ما سيأتي، لكن المعتمد عند أهل العلم أن المرسل ما يرفعه التابعي صغيراً كان أو كبيراً إلى النبي ﵊، مثاله: ما رواه الإمام مالك عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: بينما رسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس إذ جاءه رجل فساره فلم يدر ما ساره به، حتى جهر رسول الله ﷺ فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين .. الحديث.
عبيد الله بن عدي بن خيار من كبار التابعين، ورفع الخبر إلى النبي ﵊، هذا الخبر مرسل.
حكم المرسل:
حكمه: اختلف العلماء في المرسل على أقوال:
стр. 156
ذهب الأئمة أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه إلى أن المرسل صحيح يحتج به في الدين، المرسل صحيح يحتج به في الدين، ونسبه الغزالي إلى الجماهير، بل نقل ابن عبد البر عن الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل، ولم يأتِ عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، نقل ابن عبد البر عن الطبري أن التابعين بأسرهم –يعني نقل الاتفاق والإجماع- أجمعوا على قبول المرسل، ولم يأتِ عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، مروي عن سعيد بن المسيب أنه لا يحتج بالمرسل على ما سيأتي، والطبري نقل الإجماع عن التابعين وسعيد بن المسيب أفضل التابعين، فكيف ينقل الطبري الإجماع مع مخالفة سعيد؟ كيف؟ الطبري له رأي في الإجماع وهو أن الإجماع قول الأكثر، قول الأكثر إجماع عنده، ولذا تفسيره المشهور التفسير الكبير له كثيراً ما يقول: "واختلف القرأة في قراءة قوله تعالى على أقوال" ثم يذكر قول الجمهور ويذكر المخالف ثم يقول: "والصواب في ذلك عندنا كذا لإجماع القرأة على ذلك" هو ذاكر الخلاف لكن باعتبار أن الخلاف هو قول الأقل، قول الأكثر عنده إجماع، فهو يذكر الخلاف في معنى آية أو في حكم من الأحكام يذكر قول الجمهور ثم يذكر القول المخالف وهم القلة ثم يقول: والصواب في ذلك عندنا قول كذا لإجماع كذا، فالإجماع عنده قول الأكثر وليس بقول الكل.
غالى بعض القائلين بهذا القول –أعني قبول المراسيل- حتى قدموا المرسل على المسند، واحتج لهذا القول بأن سكوت الراوي مع عدالته عن ذكر من روى عنه وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام يقتضي الجزم بعدالة المسكوت عنه، فسكوته كإخباره بعدالته، منهم من يرى أن المرسل أقوى من المسند؛ لأن من أسند أحالك، ومن أرسل ضمن لك ما حدث، واحتج له بأن الغالب على أهل تلك القرون الصدق والعدالة بشهادة النبي ﵊: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)).
стр. 157
القول الثاني: ذهب أكثر المحدثين وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول إلى أن المرسل ضعيف لا يحتج به، وحكاه الحاكم عن سعيد بن المسيب والزهري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل ومن بعدهم من فقهاء المدينة، وهو ما قرره الإمام مسلم في صدر صحيحه، ونسبه ابن عبد البر إلى سائر الفقهاء وجميع المحدثين.
العلة في ذلك في رد المرسل:
والعلة في ذلك في رد المرسل هو الجهل بحال الراوي الساقط، احتمال أن يكون الساقط صحابي، هذا احتمال، احتمال أن يكون الساقط تابعي آخر وصحابي، سقوط الصحابي ما يضر، لكن الإشكال فيما إذا سقط تابعي، أو تابعي ثالث، قد يسقط أكثر من راوي إذا رفع التابعي إلى النبي ﵊ يحتمل أن يكون التابعي هذا رواه عن تابعي والتابعي عن تابعي، والتابعي عن تابعي، وأسقط اثنين من التابعين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة؛ لأنه وجد رواية ستة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ستة من التابعين يروي بعضهم عن بضع، فيكون حينئذ سقط من الإسناد خمسة أشخاص، وكل واحد من هؤلاء التابعين الذين أسقطهم هذا التابعي نعم قابلون للجرح والتعديل، قد يكون فيهم المجروح، فيهم غير الثقة، إذاً الخبر يضعف حتى تعرف الواسطة.
العلة في رد المرسل هو الجهل بحال الراوي الساقط؛ لأنه يحتمل أن يكون الساقط من السند غير صحابي وإذا كان كذلك فيحتمل أن يكون ضعيفاً، يقول الحافظ العراقي:
واحتج مالك كذا النعمانُ
ورده جماهر النقادِ
وصاحب التمهيد عنهم نقله
ج وتابعوهما به ودانوا
للجهل بالساقط في الإسنادِ
ومسلم صدر الكتاب أصله
ج
стр. 158
"المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" هذا كلام مسلم في صدر الصحيح، هناك قول ثالث وهو الإمام الشافعي حيث قبل المراسيل لكن بشروط، في القول الأول قبلت من غير شرط، والثاني ردت من غير شرط، والثالث: فيه توسط، توسط الإمام الشافعي فقبل المراسيل بشروط أربعة: ثلاثة منها في الراوي المرسِل، والرابع في الحديث المرسَل، وتفصيل هذه الشروط في رسالته الشهيرة، الإمام الشافعي يشترط في المرسل أن يكون من كبار التابعين، وأن يكون إذا سمى أحداً ممن يروي عنه لا يسمي مرغوباً في الرواية عنه، يعني أنه لا يروي إلا عن ثقة، وإذا شرك أحداً من الرواة لم يخالفه، هذه شروط في الراوي المرسِل، والشرط الرابع شرط في الحديث: أن يكون له شاهد يقويه بمرسل آخر يرويه غير رجال الأول أو حديث مسند أو يشهد له فتوى عوام أهل العلم أو قول صحابي أو ما أشبه ذلك، المقصود أن له شاهد يقويه، وشروط الإمام الشافعي مبسوطة في رسالته -رحمه الله تعالى-.
مرسل الصحابي:
مرسل الصحابي، مرسل الصحابي وهو ما أخبر به الصحابي عن قول الرسول ﷺ أو فعله مما لم يسمعه أو يشاهده، إما لصغر سنه أو لتأخر إسلامه أو غيابه، الصحابي الصغير يروي عن النبي ﵊ ما لم يشهده، عائشة تروي حديث: بدء الوحي، بدء الوحي قبل أن تولد، ابن عباس يروي أحاديث قبل أن يولد، حدث بها النبي ﵊ قبل أن يولد، فعائشة يحتمل أنها روتها عن النبي ﵊ يعني أعاد لها الحديث، وابن عباس كذلك، ويحتمل أن عائشة وابن عباس رويا الأخبار عن صحابي آخر وأسقطوا الصحابي، مرسل الصحابي: ما أخبر به الصحابي عن قول النبي ﵊ أو فعله مما لم يسمعه أو يشاهد إما لصغر سنه كعائشة وابن عباس وابن الزبير وغيرهم من صغار الصحابة، أو تأخر إسلامه كأبي هريرة أو غيابه عن حضور هذه القصة، ومثاله: ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة .. " الحديث.
стр. 159
ومعلوم أن عائشة ﵂ لم تدرك هذه القصة، لكن في ثنايا القصة ما يدل على أن النبي ﵊ حدثها بهذا الخبر، ضمني، أطلقني هكذا، يعني يدل على أن الرسول حدثها.
حكمه: مرسل الصحابي مقبول عند جماهير الأمة، بل نقل الأسنوي والنسفي الإجماع على ذلك، على قبول مراسيل الصحابة، وشذ قوم منهم أبو إسحاق الإسفرائيني فقالوا: مرسل الصحابي لا يقبل إلا إذا عرف بصريح خبره أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صاحبي، يقول الحافظ العراقي:
أما الذي أرسله الصحابي
ج فحكمه الوصل على الصوابِ
المعضل والمنقطع:
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "والثالث إن كان باثنين فصاعداً مع التوالي فهو المعضل وإلا فالمنقطع".
الثالث من أنواع السقط: ما كان السقط في إسناده لا في أوله ولا في آخره، عرفنا أنه إن كان السقط في أوله من قبل المصنف فهو المعلق، وإن كان من آخره إسقاط الصحابي فهو المرسل، يبقى الثالث إذا كان في أثنائه، إذا كان السقط في الأثناء لا في أوله ولا في آخر، فإن كان بواحد فهو المنقطع، وإن كان باثنين فصاعداً مع التوالي فهو المعضل، فإن كان السقط باثنين فصاعداً على التوالي فهو الحديث المعضل، وإن كان بواحد أو بأكثر من واحد من أكثر من موضع فالمنقطع.
تعريف المعضل:
فالمعضل لغة: مأخوذ من الإعضال، يقال: عضل بي الأمر وأعضل بي إذا صعب، وكل مستصعب فقد عضل، تسمعون كثيراً من يقول: هذه من عضل المسائل يعني من صعابها ليست من المسائل السهلة، إذا قيل: هذه من عضل المسائل يعني من المسائل الصعبة، كل مستصعب فقد عضل، وكذلك كل شيء ضاق به موضعه فقد عضل فهو معضِل، والمحدثون يقولون: معضَل بفتح الضاد، وهو من حيث الاشتقاق مشكل، لكن ابن الصلاح بحث فوجد له قولهم: أمر عضيل، أي مستغلق شديد، معضَل، اسم مفعول، هذا الحديث معضَل يعني أن الراوي أعضله، أعضله فجعله مستغلقاً شديداً على من يبحث فيه؛ لأنه إذا كان السقط واحد سهل، لكن إذا كان السقط باثنين فصاعداً صعب الأمر.
стр. 160
اصطلاحاً: هو ما سقط من أثناء إسناده اثنين فصاعداً على التوالي، سمي هذا النوع معضلاً لأن الراوي له بإسقاطه رجلين فأكثر قد ضيق المجال على من يريد معرفة حاله من القوة والضعف، وحال بينه وبين معرفة رواته بالجرح أو التعديل، أو لأن المحدث أعضله وأعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه، ومثاله: ما رواه الإمام مالك أنه بلغه أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((للملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)) فهذا الحديث معضل؛ لأنه سقط منه راويان متواليان بين مالك وأبي هريرة هما: محمد بن عجلان وأبوه.
وهناك نوع آخر من المعضل ذكره الحاكم وهو: أن يعضله الراوي من أتباع التابعين فيقفه على التابعي، فيحذف النبي ﵊، وهو في الأصل حديث مرفوع، فإذا جاء تابع التابعي وذكره عن التابعي فوقفه عليه، حذف الصحابي والنبي ﵊ صار لاستحقاق اسم الإعضال أولى كما يقول ابن الصلاح.
الحاكم ذكر هذا النوع وهو أن يعضله الراوي من أتباع التابعين فيقفه على التابعي، فيحذف النبي ﵊ والصحابي، يقول ابن الصلاح: إنه حسن، فالانقطاع بواحد مع الوقف صدق عليه انقطاع باثنين، الرسول ﵊ والصحابي، وهو باستحقاق اسم الإعضال أولى، ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
والمعضل الساقط منه اثنانِ
حذف النبي والصحابي معا
جج
فصاعداً ومنه قسم ثانِ
ووقف متنه على من تبعا
ج
زاد البرهان الحلبي:
والشرط في ساقطه التوالي
ج والانفراد ليس بالإعضالِ
ج
يعني إذا سقط اثنان متواليان.
والشرط في ساقطه التوالي
جج والانفراد ليس بالإعضالِ
أنه حذف راوي ثم ذكر شيخه ثم حذف شيخ الشيخ ما يسمى إعضال، لكن إذا حذف الشيخ وشيخه صار إعضال، والمعضل ضعيف لا يحتج به؛ لأنه أسوأ حالاً من المرسل لتعدد الساقط من إسناده، وهو أيضاً أسوأ من المعلق والمنقطع.
تعريف المنقطع:
والمنقطع: اسم فاعل من الانقطاع، يقال: قطعه واقتطعه فانقطع وتقطع، والقطع: إبانة بعض أجزاء الجرم من بعضه فصلاً، والانقطاع ضد الاتصال.
стр. 161
اصطلاحاً: عرف بأنه ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه أي سواءً كان هذا الانقطاع في أول السند أو في آخره، واعتبر النووي هذا التعريف هو الصحيح، يعني إذا قلنا: الأصل في الانقطاع أنه ضد الاتصال، فكل ما لم يتصل إسناده منقطع، كل ما لم يتصل إسناده منقطع، يدخل في ذلك المعلق والمرسل والمعضل، كلها تدخل في الانقطاع، نعم هي داخلة من حيث الإطلاق العام في الانقطاع لكن في الإطلاق الخاص الذي مشى عليه عندنا في النخبة، مشى على أنه ما سقط من أثناء إسناده راوٍ فقط، لأنه إن سقط من أثناء إسناده راويان على التوالي فهو معضل، إن سقط من أوله معلق، إن سقط من آخره مرسل، يبقى صورة واحدة هي ما سقط من أثناء إسناده راو واحد ويلتحق بها ما سقط من أثناء إسناده أكثر من راوٍ في أكثر من موضع لا على التوالي، ما سقط من أثناء إسناده راوٍ أو أكثر من راوٍ في أكثر من موضع مثاله: ما رواه الترمذي عن الحجاج بن أرطأة عن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه قال: "استكرهت امرأة في عهد رسول الله ﷺ فدرأ عنها الحد" ﵊، قال أبو عيسى: "هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه لأنه ولد بعد أبيه بستة أشهر"، فهناك واسطة بين عبد الجبار وأبيه ساقطة، والحديث منقطع ضعيف لا يحتج به لتخلف شرط من شروط القبول وهو الاتصال.
стр. 162
ثم قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "ثم قد يكون واضحاً أو خفياً، فالأول يدرك بعدم التلاقي ومن ثم احتيج إلى التاريخ"، يعني -رحمه الله تعالى- أن السقط من الإسناد قد يكون واضحاً جلياً يدركه من له أدنى عناية بالحديث وعلومه ورجاله وهو ما تقدم من الإرسال والتعليق والانقطاع والإعضال، ويعرف هذا النوع بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه لكونه لم يدرك عصره، يعرف السقط الظاهر بعدم التلاقي بين الراوي ومن روى عنه، ويعرف هذا بالتاريخ، إذا عرفنا أن الشيخ مات سنة مائة والراوي عنه ولد سنة مائة وعشر أو مائة وخمس نجزم بأن هذا الراوي لم يلق من روى عنه؛ لأنه ولد بعد وفاته، قول الحافظ في الشرح في النزهة: "فالأول وهو الواضح يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه بكونه لم يدرك عصره أو أدركه لكنهما لم يجتمعا وليست له منه إجازة ولا وجادة" أدركه يعني هما متعاصران لكنهما لم يجتمعا، لا شك أن أهل الحديث يحكمون بالانقطاع إذا تباعدت الأمصار، كأن يوجد شخص في الهند مثلاً وآخر في الأندلس يروي هذا عن هذا، ولا عرف أنهما حجا في سنة واحدة يحكم بالانقطاع في هذه الصورة، المتقدمون يحكمون بمثل هذا بالانقطاع كما نص على ذلك الحافظ ابن رجب في شرح البخاري، لكن هذا القول من الحافظ: "أو أدركه لكنهما لم يجتمعا" فيه نظر؛ لأن هذا من السقط الخفي على ما سيأتي تقريره في المرسل الخفي؛ لأنه وجدت المعاصرة فإذا وجدت المعاصرة ولم يلق الراوي من روى عنه هذا هو المرسل الخفي على ما سيأتي تقريره، فليس من الواضح.
قول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "ومن ثم احتيج إلى التاريخ" لتضمنه معرفة المواليد الرواة ووفياتهم ورحلاتهم واختلاطهم وغير ذلك، ذكر السخاوي في حقيقة التاريخ أنه الوقت الذي تضبط به الأحوال من المواليد والوفيات، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث التي ينشأ عنها معانٍ حسنة من تعديل وتجريح ونحو ذلك.
стр. 163
قال الحافظ: "وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم"، ظهر بالتاريخ كذب دعواهم، قد يقول القائل: كيف يدعي شخص أنه روى عن شخص وهو لم يلقه أو لم يعاصره؟ يدعي، باب التشبع والتزيد مما تحبه النفوس وتهواه، فيزعم أنه لقي الشيخ فلان وروى عنه، ثم إذا سئل عن تاريخ مولده وجد أنه لم يولد في ذلك الوقت، يوجد في هذا العصر من يتشبع ويزعم أنه قرأ على فلان وفلان وفلان، فإذا تحقق من الأمر وجد الأمر ليس كذلك، بل وجد في هذا العصر من يكتب إهداءات لنفسه من بعض المؤلفين الذين لم يدركهم هذا تشبع، والمتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور، نسأل الله العافية.
ولا شك أن هذا شعور بالنقص وإحساس بالمهانة والضعف يريد أن يرفع ويجبر هذا النقص بهذا التشبع، ولا يدري المسكين أن هذا هو سبب من أسباب ضعفه ومهانته وضعته، التواضع هو الذي يرتفع به الإنسان، الصدق في المعاملة مع الله ومع خلقه هو الذي يرتفع به الإنسان، أما شخص يتشبع بما لم يعطَ ويزعم أنه قرأ وقرأ وفعل وترك وأدرك فلان كل هذا لا يجدي شيء.
يقول الحاكم: "لما قدم علينا أبو جعفر الكشي وحدث عن عبد بن حميد سألته عن مولده فذكر أنه سنة ستين ومائتين، سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا: هذا الشيخ سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاثة عشر سنة" افتضح المسكين لما ذكر التاريخ.
سبب وضع التاريخ:
سبب وضع التاريخ في أول الإسلام، التاريخ في غاية الأهمية، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [(١٨٩) سورة البقرة] يؤرخون بها، يعرفون بها أوقات عباداتهم ومعاملاتهم.
سبب وضع التاريخ في أول الإسلام أن عمر ﵁ أتي بصك فيه دين لشخص على آخر مكتوب إلى شعبان وقت حلول الأجل شعبان، فقال: أهو شعبان الماضي أو شعبان القابل؟ بس شعبان وانتهى، لكن ما يدرى هو شعبان الماضي أو شعبان القادم؛ لأنه ما في تاريخ، ما في سنة كذا، ثم أمر ﵁ وأرضاه- بوضع التاريخ.
стр. 164
واتفق الصحابة على ابتداء التاريخ من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وجعلوا أول السنة المحرم، هذا محل اتفاق بين الصحابة -رضوان الله عليهم-، والعدول عن هذا التاريخ الذي اتفق عليه الصحابة إلى غيره لا شك أنه سلوك لغير سبيل المؤمنين، فمن قلد الكفار في تواريخهم أو غير في التاريخ ولو كان من الهجرة سواءً عمل بالتاريخ الشمسي ولو كان من الهجرة، أو عمل بخلاف ما اتفق عليه الصحابة من جعلهم أول السنة المحرم، منهم من يقول: أول السنة ربيع الأول؛ لأن أول الهجرة في ربيع الأول، نقول: لا، الصحابة اتفقوا على جعل المحرم أول السنة، شهر الله المحرم، فالعمل بغير هذا التاريخ الذي اتفق عليه الصحابة سلوك لغير سبيل المؤمنين، وحيد عن جادة المسلمين التي اتفقوا عليها منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا، والله المستعان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "والثاني -وهو السقط الخفي- المدلس، ويرد بصيغة تحتمل اللقي كـ (عن) وقال، وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلق"، السقط الظاهر أنواعه أربعة: التعليق والإرسال والانقطاع والإعضال، هذه الأربعة مجتمعة تشكل السقط الظاهر، السقط الخفي نوعان: التدليس والإرسال الخفي، ولذا قال: "والثاني -وهو السقط الخفي- المدلس ويرد بصيغة تحتمل اللقي كـ (عن)، وقال، وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلق"، يعني -رحمه الله تعالى- أن القسم الثاني وهو ما كان السقط فيه خفياً بحيث يخفى على كثير ممن يشتغل بهذا العلم، بل لا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث وعلى الأسانيد لخفائه وغموضه نوعان، هما: المدلس والمرسل الخفي.
المدلس:
فالمدلس لغة: اسم مفعول مشتق من الدلس بفتحتين وهو الظلمة كالدلسة، ومنه قولهم: أتانا دلس الظلام، وخرج في الدلس والغلس، والتدليس: كتمان عيب السلعة على المشتري.
стр. 165
والتدليس في الاصطلاح: ما أخفي عيبه على وجه يوهم أنه لا عيب فيه، يعني هل التدليس بالنسبة للسيارات يمكن أن يحصل في ظاهر السيارة؟ في جرمها البادي للعيان؟ يعني لو صدمت السيارة وصلحت يمكن يدلس على المشتري فيها؟ نعم، ما يمكن، ما يمكن يدلس؛ لأنه ظاهر ما يخفى على أحد، لكن لو أقبلت السيارة على ما يسمونه التخبيط ثم وضع فيها شيء من الزيت الثقيل أو شبهه، تعبر يعني كم يوم حتى تمشي على المشتري الذي لا يفهم، هذا خفي، هذا تدليس.
عند الفقهاء من التدليس تسويد شعر الجارية، الجارية الشمطاء الكبيرة السن، .... تسويد شعرها تدليس، ويمثلون أيضاً بجمع ماء الرحى وإرساله، تصرية الإبل كل هذا تدليس على المشتري، لكن العرج في الدابة هذا تدليس؟ لا، ليس بتدليس؛ لأنه يرى، والله المتسعان.
المقصود أن المدلس في الاصطلاح: ما أخفي عيبه على وجه يوهم أنه لا عيب فيه، لكن الظاهر لا يمكن إخفاؤه، سمي بهذا الاسم لأن الراوي لما أخفى وجه الصواب على الواقف على الحديث كأنه أظلم أمره وغطاه.
أقسام التدليس:
وقسم التدليس إلى خمسة أقسام: تدليس الإسناد، تدليس التسوية، تدليس القطع، تدليس العطف، تدليس الشيوخ، وتدليس الإسناد: هو أن يروي المحدث عن من لقيه ما لم يسمعه منه موهماً أنه سمعه منه، للتفريق بين التدليس والإرسال الخفي لا بد أن نعرف حال الراوي عن من روى عنه، لا بد أن نعرف حال الراوي مع من روى عنه، فإن ثبت أنه سمع منه إن ثبت أنه سمع منه أحاديث ثم روى عنه حديثاً لم يسمعه بصيغة موهمة فهذا تدلس اتفاقاً، إذا ثبت أن الراوي لقي من روى عنه ثم روى عنه ما لم يسمعه منه، ثبت اللقاء في الأولى ثبت السماع، الثانية ثبت اللقاء بمن روى عنه، ثم روى عنه بصيغة موهمة ما لم يروه عنه فهذا أيضاً تدليس.
الصورة الثالثة: إذا روى الراوي عن من عاصره ممن لم يثبت لقاؤه له عن من عاصره بصيغة موهمة فإن هذا من الإرسال الخفي وليس من التدليس، إذا روى الراوي عن من لم يعاصره هذا الانقطاع الظاهر، فهي أربع صور:
стр. 166
تدليس الإسناد: أن يروي المحدث عن من لقيه ومن باب أولى إذا روى عن من سمع منه ما لم يسمعه منه موهماً أنه سمعه منه، فيكون ذلك بلفظ محتمل للسماع وغيره كقال أو عن، ليوهم غيره أنه سمعه منه، ولا يصرح بأنه سمع منه هذا الحديث بعينه فلا يقول: سمعت أو حثني أو أخبرني ممن لم يسمع منه حتى لا يصير كذاباً بذلك؛ لأنه لو قال: سمعت أو حدثني أو أخبرني وهو في الحقيقة لم يسمعه ولم يحدثه ولم يخبره، صار الأمر أعظم من مسألة التدليس صارت كذب، ويجرح الراوي بذلك جرحاً شديداً، وقولنا: عن من لقيه شاملاً لمن سمع منه غير الحديث المراد أو لم يسمع منه شيئاً.
وأدخل ابن الصلاح في هذا القسم: رواية الراوي عن من عاصره ولم يلقه موهماً أنه قد لقيه وسمعه منه، وتبعه على ذلك الحافظ ابن كثير في اختصاره، وذهب الإمام الشافعي والبزار والخطيب والحافظ ابن حجر وغيرهم إلى أن هذه الصورة ليست من التدليس؛ لأن مجرد ثبوت المعاصرة لا يكفي في تحقيق التدليس، بل لا بد من ثبوت اللقاء بينهما، وأيدوا ما ذهبوا إليه بأن أهل العلم أجمعوا على أن المخضرمين الذين عاصروا النبي ﷺ مثل أبي عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم وغيرهما إذا روى أحدهم حديثاً عن النبي ﷺ كان روايته من قبيل الإرسال وليست من قبيل التدليس، ظاهر وإلا مو بظاهر؟ يعني فرق بين أن يكون الراوي سمع من روى عنه، لقي من روى عنه، احتمال السماع أقوى من مجرد المعاصرة، احتمال السماع منه أقوى من مجرد المعاصرة، وروايته عنه بصيغة موهمة وقد سمع منه أحاديث أو لقيه روايته عنه بصيغة موهمة ما لم يسمعه منه أخفى من معاصر لم يثبت لقاؤه له، فهذا يسمى تدليس وذاك إرسال خفي.
стр. 167
الخلاصة: أن للراوي مع من يروي عنه أربع حالات: الأولى: أن يثبت سماعه منه، الثانية: أن يثبت لقاؤه له دون السماع، الثالثة: أن تثبت المعاصرة له دون اللقاء، الرابعة: ألا تثبت المعاصرة، ومن باب أولى اللقاء والسماع، ويروي عنه بصيغة موهمة للسماع كـ (عن) و (أن)، فالأولى: إذا روى عنه ما لم يسمعه منه فتدليس اتفاقاً، والثانية: إذا روى عنه بصيغة موهمة -يعني وهو من ثبت لقائه له- شملها مسمى التدليس عند الجمهور خلافاً لأبي بكر البزار وأبي الحسن بن القطان حيث جعلها من الإرسال الخفي، والثالثة: إذا روى عن المعاصر ممن لم يلقه فالجمهور على أنه ليس من التدليس كما تقدم قريباً خلافاً لابن الصلاح حيث جعلها من التدليس، والرابعة: ليس من التدليس عند جماهير المحدثين خلافاً لجماعة من أهل الحديث فيما نقله عنهم ابن عبد البر في التمهيد لمجرد احتمال الصيغة، لمجرد احتمال الصيغة، تدليس الإسناد يسميه بعضهم تدليس الإسقاط، تدليس الإسقاط، لكن تسميته بتدليس الإسناد والتدليس كله في الإسناد، لكنهم تتابعوا على تسميته بتدليس الإسناد للتفريق بينه وبين أنواع التدليس الأخرى.
تدليس الإسقاط:
تدليس الإسقاط: التدليس جله فيه إسقاط، التدليس جله فيه إسقاط، مثال تدليس الإسناد: ما رواه أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: ((فلان في النار ينادي: يا حنان يا منان)) قال أبو عوانة: قلت للأعمش: سمعت هذا من إبراهيم؟ قال: لا، حدثني به حكيم بن جبير عنه، هنا الأعمش دلس الحديث، الأعمش سليمان بن مهران دلس الحديث فقال: "روى أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم" الآن الأعمش لقي إبراهيم وإلا ما لقيه؟ لقيه، وروى عنه بصيغة موهمة وهي العنعنة، روى عنه ما لم يروه عنه إلا بواسطة، ما رواه عنه مباشرة بل رواه بواسطة حكيم بن جبير، فقد دلس الأعمش الحديث عن إبراهيم، فلما استفسر بين الواسطة بينه وبينه، والأعمش معروف بالتدليس مع أنه ثقة، سليمان بن مهران ثقة لكنه مدلس، في رواة الصحيحين من المدلسين أمثلة منها: الأعمش، وهشيم، ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وفي الصحيح عدة كالأعمشِ
стр. 168
وكهشيم بعده وفتشِ
جج
الأعمش لما استفسر قيل له: هل سمعت الحديث من إبراهيم؟ قال: لا، حدثني به حكيم بن جبير عنه، لكن لو قال: سمعته من إبراهيم؟ يقبل لأنه ثقة، لأنه ثقة يقبل قوله بأنه سمعه من إبراهيم، فلما استفسر بين الواسطة بينه وبينه.
حكم تدليس الإسناد:
حكم تدليس الإسناد: مكروه جداً، ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة بن الحجاج من أشد العلماء ذماً له، فقد قال فيه أقوال شديدة منها: "التدليس أخو الكذب"، وقال: "لأن أزني أحب إلي من أن أدلس" ولا شك أن هذا من شعبة مبالغة وإفراط، مبالغة في الزجر، مبالغة في الزجر عن هذا النوع من التدليس، قال النووي: "وظاهر كلام شعبة أنه حرام وتحريمه ظاهر فإنه يوهم الاحتجاج بما لا يجوز الاحتجاج به، ويتسبب أيضاً إلى إسقاط العمل بروايات نفسه مع ما فيه من الغرر".
تدليس التسوية:
стр. 169
الثاني: تدليس التسوية: تدليس التسوية: وهو شر أنواع التدليس، تدليس التسوية: أن يروي المدلس حديثاً عن ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، فيسقط الضعيف الذي في السند ويجعل السند عن شيخه الثقة، عن الثاني الثقة، بلفظ محتمل فيستوي الإسناد كله ثقات بحسب الظاهر لمن لم يخبر هذا الشأن، شخص مدلس تدليس تسوية يروي الحديث عن زيد وزيد هذا ثقة، زيد يروي الحديث عن عمرو وعمرو ضعيف، عمرو يروي الحديث عن بكر وهو ثقة، وزيد لقي بكراً ثبت لقاء زيد لبكر، فإذا حذف عمرو الضعيف لا يحس بأن في الإسناد سقط؛ لأن زيد لقي بكر، فيكون الإسناد زيد عن بكر وأسقط الضعيف بين هذين الثقتين اللذين لقيا أحدهما الآخر هذا يسمى تدليس تسوية، سوى الإسناد فجعله كلهم ثقات، سماه بعض القدماء تجويد، فقالوا: جوده فلان، يريدون أنه ذكر من فيه من الأجواد وحذف الأدنياء، ومثاله: ما روى ابن أبي حاتم في العلل عن بقية بن الوليد قال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر قال: "لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه"، قال أبو حاتم: "هذا الحديث له علة قل من يفهمها"، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب وهو أسدي فكأن بقية بن الوليد كنى عبيد الله بن عمرو ونسبه إلى بني أسد لكيلا يفطن به حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى إليه، وكان بقية من أفعل الناس لهذا النوع من التدليس الذي هو شر أنواع التدليس، يعني من السهل أن لو سمى عبيد الله بن عمرو ليبحث في ترجمته وينظر لكنه كناه فقال: عن أبي وهب الأسدي كي لا يفطن به، لكي يظن أنه غيره، فلا يهتدى إلى المطلوب، وبقية ابن الوليد من أفعل الناس لهذا النوع من التدليس، وهذا التدليس كما قلنا: شر أقسام التدليس؛ لأن الثقة الأول ربما لا يكون معروفاً بالتدليس، ويجده الواقف على سند بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة، وفي هذا غرر شديد.
стр. 170
قد يقول قائل: كيف نعرف هذا النوع من التدليس؟ هناك شخص مدلس تدليس تسوية يروي عن شيخ بصيغة التحديث قال: حدثني فلان ثم يسقط شيخ هذا الثقة ويذكر شيخ شيخه الثقة، الذي بينهما ضعيف يسقطه، ويكون الشيخ قد لقي شيخه الذي نسب إليه ويسقط الضعيف، وأنت تبحث في الإسناد تجده كلهم ثقات لقي بعضهم بعضاً، والمدلس بقية بن الوليد صرح بالتحديث ممن فوقه، والتسوية في طبقة فوق طبقة شيخ المدلس، فعلى هذا في مثل هذا النوع يشترط أن يصرح بالتحديث في كل الطبقات، ما يكفي أن يصرح المدلس نفسه؛ لأنه ما من ثقتين إلا ويحتمل أن يكون هذا المدلس -تدليس تسوية- أسقط بينهما ضعيفاً، فإذا صرح بالتحديث في الإسناد كله أمنا من هذا التدليس.
ليس من هذا النوع إذا روى الثقة عن اثنين أحدهما ضعيف والآخر ثقة فيحذف الضعيف ويبقى الثقة، ليس من هذا النوع أن يروي الثقة عن اثنين: ثقة وضعيف، يقتصر على الثقة ويحذف الضعيف، نفترض في مثالنا الأول: زيد عن عمرو زيد ثقة عن عمرو وهو ضعيف وخالد وهو ثقة عن بكر وهو ثقة، يأتي فيحذف عمرو هل نحن بحاجة إلى عمرو؟ سند متصل بدونه، يقتصر على خالد لكونه ثقة، يعني إذا روى عن اثنين واحد ضعيف واحد ثقة، حذف الضعيف في إشكال؟ يعني أنت إذا جاءك من يقول: قدم زيد، واحد من أوثق الناس عندك، ثم جاءك شخص آخر جربت عليه كذب فقال: قدم زيد، هل يلزم أن تقول: قدم زيد أخبرني بذلك فلان وفلان، أو تقتصر على الثقة دون الضعيف؟ تقتصر على الثقة دون الضعيف.
مثال ذلك: ما رواه الإمام البخاري حيث حذف عبد الله بن عمر العمري واقتصر على الإمام مالك، الحديث جاء من طريقين من طريق عبد الله بن عمر العمري المكبر وهو ضعيف، وجاء من طريق مالك حذف العمري واقتصر على مالك، مثل مثالنا الذي ذكرناه، في حديث: ((إذا جاء أحدكم إلى فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات)) .. الحديث، هذا مخرج في الصحيح في البخاري، وكون البخاري حذف العمري ما هو بحاجة إليه، ليس بحاجة إليه، اقتصر على مالك ومالك فيه الكفاية.
تدليس القطع:
стр. 171
الثالث: تدليس القطع وهو أن يسقط الراوي اسم الشيخ الذي سمع منه الحديث مباشرة مقتصراً على ذكر أداة الرواية، فيقول: حدثنا أو سمعت ثم يسكت، حدثنا ويسكت، ثم يقول: فلان وفلان، يوهم أنه سمع منهما ذلك الحديث وليس كذلك، هذا المدلس الذي يدلس هذا النوع من التدليس تدليس القطع يقول: حدثني ويسكت، ثم يقول: فلان وفلان، ويذكر بقية الإسناد، يقطع الكلام بين الصيغة -صيغة الأداء- وبين الراوي.
ذكر ابن سعد في الطبقات عن عمر بن علي المقدمي أنه كان يقول: سمعت وحدثنا، ثم يقول: هشام بن عروة والأعمش، عمر بن علي المقدمي يفعل تدليس القطع، وهو لم يسمعه ولم يحدثه به هشام بن عروة ولا الأعمش، وجعل بعضهم من هذا النوع إسقاط أداة الرواية والاقتصار على اسم الشيخ الذي لم يسمع منه الحديث مباشرة، ومثل له بما قاله علي بن خشرم قال: كنا عند ابن عيينة فقال -ابن عيينة قال-: الزهري، فقيل له: حدثك؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته منه؟ قال: لم أسمعه منه ولا ممن سمعه منه، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري كذا في علوم الحديث، يعني إذا قال: الزهري وحذف صيغة الأداء ما فيها لا تحديث ولا .. ، هناك في صيغة تحديث لكن في سكوت بين صيغة التحديث واسم الراوي، حدثني ويسكت، هشام بن عروة والأعمش، وما سمعه لا من هشام ولا من الأعمش، فإذا سكت ظُن أن فاعل التحديث من ذكر بعد السكوت ...
стр. 172
شرح نخبة الفكر (٦)
شرح قول المصنف: "ثم الطعن: إما إن يكون لكذب الراوي، أو تهمته بذلك أو فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه، أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه"
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
فإذا سكت ظُن أن فاعل التحديث من ذكر بعد السكوت، وفي الحقيقة ليس كذلك، ما ألحق بهذا النوع تحذف الصيغة أصلاً، كقول ابن عيينة: "الزهري" قيل له: "حدثك الزهري؟ " قال: "الزهري" طيب صرح بالصيغة، سمعته من الزهري؟ قال: لا ما سمعته من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، يعني حذف اثنين، كذا في علوم الحديث لابن الصلاح.
الإمام النسائي -رحمه الله تعالى- وهو معروف بشدة التحري والاحتياط، وهو من أبعد الناس عن التدليس، أحياناً يحذف الصيغة ويقتصر على اسم الشيخ، فيقول: "الحارث ابن مسكين" من دون ما يقول: أخبرنا ولا حدثنا، يقول: "الحارث بن مسكين فيما قرئ عليه وأنا أسمع"، ليس من هذا النوع أبداً، لماذا لم يذكر الإمام النسائي الصيغة فيقول: أخبرنا؟ بالمناسبة سنن النسائي المطبوع كلها فيها: "أخبرنا الحارث بن مسكين" وهذا خطأ، النسائي يروي عن الحارث بن مسكين بدون صيغة، والسبب في ذلك أن الحارث ابن مسكين كان ممن يأخذ أجرة على التحديث، والنسائي -رحمه الله تعالى- كان ممن يعتني بمظهره، فلما دخل النسائي على الحارث طلب منه أجره، وكأنه رفع عليه الأجرة ظناً منه أنه غني، فرفض النسائي -رحمه الله تعالى- رفض يعطيه الأجرة فطرده الحارث بن مسكين من حلقة الدرس، فصار خلف سارية يسمع والحارث بن مسكين ثقة لكنه بشر، هو ثقة والإمام النسائي -رحمة الله عليه- شديد الورع والتحري، فلكون الحارث بن مسكين ثقة روى عنه النسائي، ولكون الحارث بن مسكين لم يقصد النسائي بالتحديث، ما قال: حدثني ولا أخبرني، ما قصده بالتحديث، بل العكس طرده من الدرس، وهذا من تمام ورع النسائي، فتجده يقول: "الحارث بن مسكين فيما قرئ عليه وأنا أسمع" وهذا ليس من هذا النوع، ليس من تدليس القطع.
تدليس العطف:
стр. 173
رابعاً: تدليس العطف، تدليس العطف: هو أن يروي المحدث عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه ويكون قد سمع من أحدهما دون الأخر فيصرح عن الأول ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع أيضاً وإنما حدث بالسماع عن الأول ونوى القطع، فقال: وفلان، أي وحدث فلان.
الواحد يعرف أن زيد وعمرو قد سمعا خبراً من بكر، زيد وعمرو مجتمعا -أو مجتمعين حال كونهما مجتمعين- يرويان عن بكر فيأتي خالد فيسمع من زيد ولا يسمع من عمرو، وهو يعرف أن عمرو سمع الخبر لكنه لا يرويه عنه، فيقول: حدثني زيد وعمرو أنهما سمعا بكراً، هو بالفعل سمع من زيد لكنه لم يسمع من عمرو، فيعطف عمرو وهو غير مسموع له على زيد، نعم هما سمعا الخبر من بكر، لكن عمراً لم يحدث خالداً، فيقول: حدثني زيد وعمرو يعطفه على زيد، فالسامع يظن أنه محدث له؛ لأن العطف على نية تكرار العامل، كأنه قال: حدثني زيد وحدثني عمرو، لكنه لا يقصد ذلك، فيضمر في نفسه فيقول: حدثني زيد وعمرو غير مسموع لي مثلاً، هذا تدليس العطف، ومثلوا له بما ذكره الحاكم في المعرفة أن جماعة من أصحاب هشيم وهو معروف بالتدليس وهو من رجال الصحيح اجتمعوا يوماً على ألا يأخذوا منه تدليس، قالوا: نبي ننتبه، ترى التدليس خفي، يمكن يمشي علينا أشياء، لكن لا بد أن ننتبه، انتبهوا، أن جماعة من أصحاب هشيم اجتمعوا يوماً على أن لا يأخذوا منه التدليس ففطن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره: "حدثني حصين ومغيرة، حدثني حصين ومغيرة عن إبراهيم" ذكر أحاديث بهذه الصيغة، فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا، خلاص هو صرح بالسماع ما في إشكال، صرح بالتحديث، إذا صرح المدلس بالتحديث أمنا التدليس، فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفاً واحداًً، ما سمعت ولا حديث من الذي ذكرت لكم، لما كان يقول: حدثني حصين ومغيرة، نعم هو سمع من حصين لكنه لم يسمع من مغيرة، "وإنما قلت: حدثني حصين ومغيرة غير مسموع لي"، فأضمر في الكلام محذوفاً فسره بما ذكر.
تدليس الشيوخ:
стр. 174
الخامس: تدليس الشيوخ، تدليس الشيوخ: وهو أن يروي المحدث عن شيخ حديثاً سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف، يعني لو قلت: حدثني أبو عبد الله النجدي، أو سمعت أبو عبد الله النجدي، نعم كما تقول: حدثني أو هذا الكتاب لأبي عبد الله التميمي، يعني مثلاً كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب من أجل أن يروج في غير هذه البلاد ويستفاد منه، والكتاب في غاية النفع، لكن لوجود الدعاية ضد هذه الدعوة السلفية المحمدية لا يقرئ في كتب الشيخ، في كثير من أقطار العالم الإسلامي لا يستفيدون من كتب الشيخ لوجود هذه الدعايات، فأنت من حسن ظنك أو تتصرف لكي يستفاد من هذا الكتاب فتقول: كتاب التوحيد لأبي عبد الله محمد بن سليمان التميمي، فتحذف عبد الوهاب لئلا يعرف الشيخ فيستفاد من كتابه، أنت هدفك طيب، وتؤجر على مثل هذا التدليس؛ لأنه أحياناً يكون هناك غرض حامل صحيح للتدليس، أحياناً يحذف الاسم بالكلية فلا ينسب إلى المؤلف من أجل إيش؟ أن يروج الكتاب؛ لأنه لو ذكر مؤلفه ما راج الكتاب، كثير من نسخ شرح الطحاوية لابن أبي العز بدون اسم، وكثير من النقول التي في هذا الشرح غير مضافة إلى أصحابها، يعني لو كان في النقول يقول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال ابن القيم وقال غيره من الأئمة المعروفين من أئمة أهل السنة يمكن يهجر الكتاب، يترك؛ لأنه جاء وقت ساد في الأمة الإسلامية المذاهب المبتدعة، وضيق على أرباب المنهج الصحيح السليم، فأحياناً تروج الكتب بمثل هذه الطريقة وهذا فعل خير، الحامل لهذا الأمر ما في شك الباعث عليه بذل الخير، فلو أن ابن أبي العز -شارح الطحاوية- قال: قال شيخ الإسلام، قال ابن القيم، وهي منقولة بالحروف من كتبهم، لكن من أجل أن يروج مثل هذا الكلام الصحيح الصواب الموافق للكتاب والسنة حذف القائل، وهذا هدف طيب.
стр. 175
ابن عروة المشرقي حينما ألف كتابه: (الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري) ماذا صنع؟ كتب شيخ الإسلام في وقته تحرق، أي كتاب يوجد يحرق ويتلف، وكتب ابن القيم، صار يأتي إلى أي مناسبة فيها كتاب مؤلف لشيخ الإسلام ينقله بحروفه ليحفظ كتب شيخ الإسلام بهذا الكتاب الذي عنوانه: (الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري) فحفظ لنا كتب كثيرة من كتب شيخ الإسلام في هذا الكتاب، وأنتم تجدون من كتب شيخ الإسلام التي طبعت وهذا مأخوذ من (الكواكب الدراري) لابن عروة، هذه طريقة جيدة لحفظ العلم وإن كان فيها نوع تدليس.
стр. 176
أحياناً يكون ترويج العلم بالعكس، بمدارة بعض الناس، الآن لما تقرءوا في نيل الأوطار وسبل السلام وهما من أهل السنة بلا شك، تجد مثل هذين الكتابين مشحونة بأقوال طوائف المبتدعة، الهادوية والزيدية والناصر، والهادي إلى آخره، هؤلاء مبتدعة لا يعتد بقولهم، لا يعتد بقولهم عند أهل العلم، لماذا؟ لأن غالب سكان اليمن في ذلك الوقت من الهادوية، ولو أهملت أقوالهم ما راج الكتاب، والهدف إذا كان صحيح يغتفر فيه المفسدة اليسيرة تحصيلاً للمصلحة العظيمة، فلننتبه لهذا، لكن إذا كانت المفسدة كبيرة جداً، هل نقول: إن مثل هذا الترويج سائغ؟ لا، إذا كانت المفسدة كبيرة، الفيروز آبادي صاحب القاموس لما شرح البخاري وكانت مقالة ابن عربي في وحدة الوجود شائعة في بلاد اليمن، وهو في بلاد اليمن، نقل من الفصوص ومن الفتوحات المكية لابن عربي النقول الكثيرة من أجل إيش؟ أن يروج الكتاب، لكن ويش نقل؟ نقل القول بوحدة الوجود نسأل الله العافية، ونقل كلام ابن عربي الذي هو كفر صريح في هذا الكتاب من أجل أن يروج، هل هذا هدف مبرر لنقل مثل هذه الكفريات؟ لا، لا يبرر له ذلك، لا تؤلف إن كان أنت ما أنت مؤلف ولا أنت بنافع الناس إلا من خلال مفسدة عظمى، لا، لا تؤلف يا أخي، الناس ليسوا بحاجة إلى مثل هذا التأليف، لكن -والحمد لله تعالى- أن الأرضة أكلت الكتاب من أول مجلد إلى آخره، ما بقي منه ولا حرف واحد، هي نسخة المؤلف واحدة فأكلتها الأرضة من أولها إلى آخرها، والحمد لله على ذلك، ما بقي منه ولا حرف، فلننتبه إلى مثل هذا النوع من التدليس، التدليس حسب الغرض والهدف الحامل عليه، لا شك أن التدليس فيه غرر، لكن قد يكون هذا الغرر مغتفر يسير بالنسبة إلى تحصيل المصلحة العظمى، أما إذا كان الغرر كبير بالنسبة لتحصيل مصلحة ولو كانت كبيرة لا يجوز مهما كان المبرر له إذا كانت المفسدة كبيرة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، أظن هذا ظاهر، أقول: كثير من كتب الشيخ -رحمة الله عليه- التوحيد وكشف الشبهات وثلاثة الأصول، وغيرها من الكتب التي هي أنفع من كل كتاب بعد الكتاب والسنة طبعت في خارج المملكة باسم محمد بن سليمان التميمي حذف عبد الوهاب لئلا يتعطل الكتاب
стр. 177
وينتفع به الناس، هذا جيد.
نعود إلى تدليس الشيوخ فتعريف هذا النوع من التدليس: أن يروي المحدث عن شيخ حديثاً سمعه منه ما فيه إسقاط، ليس فيه إسقاط فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف، لو قال: حدثني أبو صالح الشيباني، حدثني أبو صالح الشيباني يريد بذلك الإمام أحمد بن حنبل وهو معروف بأبي عبد الله وهو شيباني، لكن صالح أكبر من عبد الله، من أجل التدليس يكنيه وينسبه إلى كنية أو نسبة لا يعرف بها، قال بعضهم: حدثني أحمد بن هلال، ويريد بذلك الإمام أحمد.
مثال ذلك: ما رواه الخطيب البغدادي عن شيخه الحسن بن محمد الخلال، قول سعيد بن المسيب: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث سمى الخطيب شيخه الحسن بن أبي طالب، اسمه الحسن بن محمد الخلال، وقال مرة: أخبرنا أبو محمد الخلال، هذا نوع من التدليس، والخطيب في تصانيفه يكثر من هذا النوع، عن شيوخ يروي عنهم يصرح بأسمائهم، وهم ثقات عنده، لكن من باب التنويع والتفنن في العبارة، يقول: أخبرني مرة فلان، ومرة فلان ابن فلان، ومرة أبو فلان الفلاني، يتصرف من أجل أن يتفنن في العبارة لئلا يكثر من ذكر شيخ فيمله الناس.
ابن القيم يذكر عن شيخه كثيراً فيسميه أحياناً وأحياناً ينسبه، وأحياناً يكنيه، ولقد سمعت شيخنا أبا العباس مراراً، كثير ما يقول ذلك، يتفنن في سياق ما يعرف بهذا الشيخ.
стр. 178
الخزرجي في (الخلاصة) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي قال في ترجمة الإمام محمد بن يحيى الذهلي: "روى عنه البخاري ويدلسه، روى عنه البخاري ويدلسه"، البخاري لم يقل في موضع: حدثنا محمد بن يحيى، بل قال تارة: محمد، حدثنا محمد من غير نسبة، وتارة محمد بن عبدالله، فينسبه إلى جده، وتارة محمد بن خالد، فينسبه إلى والد جده، أولاً: الذهلي ثقة، إمام من أئمة المسلمين، إمام من أئمة المسلمين، فكونه يُدَلَس لا يضيره، الأمر الثاني: الإمام البخاري يختلف مع الذهلي في مسألة اللفظ، لفظي بالقرآن مخلوق، يختلف البخاري معه في ذلك، فلكون الذهلي ثقة إمام روى عنه، ولكونه يختلف معه في هذه المسألة ما سماه باسمه الصريح الذي يعرفه به الناس، لئلا يظن أن البخاري بروايته عنه موافق له في مقالته، والخلاف بين الإمامين معروف، فيجاب عن صنيع الإمام البخاري هذا بما كان بينهما من الخلاف في مسألة اللفظ، فلثقته عنده خرج له، ولئلا تظن موافقته له في هذه المسألة لم يصرح باسمه كاملاً، وإلا ابن القيم -رحمه الله تعالى- في إغاثة اللهفان يقول: الإمام البخاري أبعد خلق الله عن التدليس، أبعد خلق الله عن التدليس".
تدليس الشيوخ مكروه إلا أنه أخف من الأنواع السابقة؛ لأن المدلس لم يسقط أحد، وإنما الكراهة بسب تضييع المروي عنه، وتوعير الطريق إلى معرفته على السامع، أما إذا كان امتحاناً للطلاب أو تفنناً في العبارة بحيث لا يخفى على أهل الفن فهو جائز، وهذا ما يفعله الخطيب البغدادي في مصنفاته.
قد يقول الشيخ: وهذا اختيار شيخنا أبي عبد الله النجدي، من أبو عبد الله النجدي؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، قد يتنبه بعض الطلاب فيقول: هو الشيخ ابن باز، وهو ما عرف بهذا، لكن من باب اختبار الطلاب وانتباههم وعدمه يفعل مثل هذا، إذا كان امتحاناً للطلاب أو تفنن في العبارة أحياناً يسمى الشخص، وأحياناً يكنى، وأحياناً ينسب من أجل ألا يمل السامع، يعني لو نقل عن شخص عشر مرات في مجلس واحد باسمه الكامل لا شك أن كثير من الناس يمل من التكرار، فمرة ينسب ومرة يكنى، ومرة يعرف به كاملاً، ومرة يلقب وهكذا.
تدليس البلدان:
стр. 179
يلتحق بتدليس الشيوخ تدليس البلدان، كأن يقول المصري: حدثني فلان في الأندلس وأراد موضعاً بالقرافة، أو يقول: بزقاق حلب ويريد موضعاً في القاهرة وهكذا، وظهر عندنا الآن أحياء بأسماء المدن وأسماء الأقاليم كأن يقول في الرياض مثلاً: حدثني فلان في القدس، حدثني فلان بالقدس، في حي اسمه القدس، والسامع يظن أن هذا رحل وتحمل المشاق، ذهب إلى القدس وسمع هذا الحديث منه، هذا تدليس، يسمى تدليس البلدان، هذا أمره سهل إذا كان المحدث والمحدث عنه من الثقات، لكنه إذا قصد به التشبع وكان الحامل عليه التشبع بأن يظن أن هذا رحل إلى البلدان والأقاليم وهو بين الحارات جالس في بلد واحد مثل هذا يذم، المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور.
الأغراض الحاملة على التدليس:
الأغراض الحاملة على التدليس كثيرة منها: ضعف الشيخ المدَلس، نعم إذا كان ضعيف فيسقطه من روى عنه وهذا الذي ذمه شعبة، ومن الأغراض الحاملة: صغر الشيخ، يكون الشيخ صغير السن أصغر من التلميذ، فيأنف التلميذ أن يروي عن شخص هو أصغر منه، هذا موجود في النفوس كثير فيسقطه؛ لأنه يأنف أن يقال أنه يروي عن شخص أصغر منه، مع أنه لا ينبل الرجل ولا يكمل حتى يروي عن من هو فوقه، ومن هو دونه ومن هو مثله من أقرانه، فسمة أهل العلم التواضع، ونسبة القول إلى قائله، والرواية إلى راويها، ومن بركة العلم إضافة القول إلى قائله، بعض الناس إذا سمع فائدة من واحد من طلابه يأنف أن يقول: قال فلان هذه الفائدة وهي فائدة جيدة، يقول: قيل، أو قال بعض الفضلاء، لئلا يقال: أن هذا يستفاد من طلابه، لا، نستفيد من طلابنا والحمد لله.
من الأغراض: إيهام علو الإسناد، إيهام علو الإسناد، نعم إذا كان السند خماسي فأسقط واحد منهم صار رباعي صار عالي بالنسبة للخماسي.
كثرة الرواية عنه: يعني يكثر من الرواية عن شخص من الأشخاص فيمل من كثرة: حدثني فلان قال: حدثني فلان يسقطه.
стр. 180
الخوف من عدم أخذ الحديث مع الاحتياج إليه: الخوف من عدم أخذ الحديث مع الاحتياج إليه، وهذا غرض صحيح، إذا كان الشخص على المنهج السوي المستقيم، وهو ثقة عدل ضابط في دينه وحفظه، وأنت في بيئة بينهم وبين هذا الشخص شيء، فإذا حدثت عنه فإنهم لا يأخذون به، لا يوافقونك على العمل بهذا الحديث؛ لأنه مروي من طريق شخص لا يريدونه، فتسقط هذا الراوي كما ذكرنا عن ابن أبي العز في إسقاطه اسم شيخ الإسلام وابن القيم من أجل أن يؤخذ هذا العلم، وهذا مقصد صحيح، والأمور بمقاصدها من ذلكم التفنن في العبارة وهذا ما يفعله الخطيب.
طبقات المدلسين:
طبقات المدلسين: إذا عرفنا أن التدليس عيب وذم لا بد من معرفة طبقات المدلسين؛ لأن في التدليس .. ، وقع في التدليس أئمة كبار، الحافظ ابن حجر قسم المدلسين إلى خمس طبقات: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، يعني حصل منه مرة أو مرتين كيحيى بن سعيد الأنصاري، الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه كالثوري، أو لكونه لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة، الطبقة الأولى والثانية ما فيها إشكال، يروى عنهم بأي صيغة كانت؛ لأن الأئمة احتملوا تدليسهم، الكلام على الطبقة الثالثة فما دون، الطبقة الثالثة: من أكثر من التدليس مع ثقته كأبي الزبير المكي، أبو الزبير مكثر من التدليس ولذا لا يقبل من روايته إلا ما صرح فيه بالتحديث، وهذا يستثنى منه ما في الصحيح، عنعنات المدلسين في الصحيحين محمولة على الاتصال، محمولة على الاتصال، ولذا أبو الزبير عن جابر في صحيح مسلم كثيراً ما يقول: عن جابر، وقد يقول: سمعت جابراً، وأحياناً يقول: حدثني جابر، فإذا لم يصرح بالتحديث خارج الصحيح قلنا: لا بد أن يصرح، عنعنات المدلسين في الصحيحين محمولة على الاتصال؛ لأنها بحثت فوجدت كلها مصرح بها في المستخرجات وغيرها من الكتب، مع ثقتنا بالشيخين، فليس لأحد أن يضعف حديث في الصحيحين لأن راويه مدلس رواه بالعنعنة لا، يستثنى من ذلك الصحيحان اللذان تلقتهما الأمة بالقبول.
الطبقة الرابعة: من أكثر من التدليس عن الضعفاء والمجاهيل.
следующие страницы →