← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 25955

شرح نخبة الفكر للخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (409 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

"ولا يقبل المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل على الأصح"، يعني أن الرواي المبهم الذي لم يسم لا يقبل حديثه، الراوي المبهم الذي لم يذكر اسمه لا يقبل حديثه؛ لأن شرط قبول الخبر عدالة الراوي، ومن أبهم اسمه لا تعرف عينه فكيف تعرف عدالته؟ وكذا لا يقبل خبره ولو أبهم بلفظ التعديل كأن يقول الراوي عنه: أخبرني الثقة أو الضابط أو العدل من غير تسمية؛ لأنه قد يكون ثقة عنده مجروحاً عند غيره، هذا تقدم البحث فيه، وعرفنا أن الشافعي يقول: حدثني الثقة وغيره، وذكرنا أنه لا يكفي. ومبهم التعديل ليس يكتفي ... به الخطيب والفقيه الصيرفي بل صرح الخطيب بأنه لو قال: "جميع أشياخي ثقات ولو لم أُسمِ" ثم روى عن واحد أبهم اسمه فإنه لا يقبل من أبهم للعلة المذكورة، مع كون الراوي في هذه الصورة أعلى مما تقدم، قاله السخاوي.

стр. 282

ثم قال: "فإنه كما نقل عن المصنف -يعني الحافظ العراقي- إذا قال: حدثني الثقة، يحتمل أن يروي عن ضعيف، يعني عند غيره، وإذا قال: "جميع أشياخي ثقات" علم أنه لا يروي إلا عن ثقة فهي أرفع بهذا الاعتبار، يقول السخاوي: "وفيه نظر، إذ احتمال الضعف عند غيره يطرقهما معاً، بل تمتاز الصورة الثانية باحتمال الذهول عن قاعدته، أو كونه لم يسلك ذلك إلا في آخر أمره، يعني هل قول المحدث: "جميع أشياخي ثقات" ثم يروي عن واحد منهم ولا يسميه أقوى أو قول المحدث: حدثني الثقة؟ نعم؟ الظاهر أنه إذا وثق شخصاً بعينه ولو أبهمه أقوى من أن يوثق بالمجموع، جميع أشياخي ثقات؛ لأنه حينما يروي عنه ويصفه بالثقة مستحضراً له، بينما يقول: "جميع أشياخي ثقات" هذه قاعدة ثم يروي عن واحد منهم بعد حين، من هؤلاء الأشياخ، قد لا يستحضر القاعدة التي أطلقها، فيكون تنصيصه على واحد مع وصفه بالثقة أقوى من هذه الحيثية، كل هذا على الأصح في هذه المسألة، كما قال الحافظ، وقيل: يقبل التعديل على الإبهام، إذا قال: حدثني الثقة يقبل، تمسكاً بالظاهر إذ الجرح خلاف الأصل، وقيل: إن كان القائل عالماً أجزأ ذلك في حق من يقلده في مذهبه، نعم، يعني إذا كان العالم الذي يقول: حدثني الثقة من الأئمة المتبوعين كالشافعي ومالك وأحمد، إذا قال الشافعي: حدثني الثقة يلزم جميع الشافعية أن يقبلوا هذا الخبر؛ لأنهم يقلدون الإمام في الحكم ففي الخبر من باب أولى، بينما الحنبلي لا يلزمه أن يقلد الشافعي في هذا ولا العكس.

стр. 283

قال السخاوي: "كثيراً ما يقع للأئمة ذلك، فحيث روى مالك عن الثقة عن بكير بن عبد الله بن الأشج فالثقة مخرمة ولده، أو عن الثقة عن عمرو بن شعيب فقيل: إنه عبد الله بن وهب أو الزهري أو ابن لهيعة، أو عن من لا يتهم من أهل الحديث فهو الليث، وجميع ما يقول: بلغني عن علي سمعه من عبد الله بن إدريس الأودي، وحيث روى الشافعي عن الثقة عن ابن أبي ذئب فهو ابن أبي فديك، أو عن الثقة عن الليث بن سعد فهو يحيى بن حسان، أو عن الثقة عن الوليد بن كثير فهو أبو أسامة، أو عن الثقة عن الأوزاعي فهو عمرو بن أبي سلمة، أو عن الثقة عن ابن جريج فهو مسلم بن خالد، أو عن الثقة عن صالح مولى التوأمة، فهو إبراهيم بن أبي يحيى، أو عن الثقة وذكر أحداً من العراقيين فهو أحمد بن حنبل، وفي مسند الشافعي وساقه البيهقي في مناقبه عن الربيع أن الشافعي إذا قال: أخبرني الثقة فهو يحيى بن حسان، أو من لا أتهم فهو إبراهيم بن أبي يحيى، انتهى المقصود من فتح المغيث. على كل حال هذه أمثلة لوجود مثل هذا التوثيق مع الإبهام عند هؤلاء الأئمة. نقول: "فإن سمي وانفرد واحد عنه فمجهول العين"، "فإن سمي وانفرد واحد عنه فمجهول العين أو اثنان فصاعداً ولم يوثق فمجهول الحال وهو المستور"، يعني أن الراوي الذي ذكر اسمه لكونه مقلاً من الرواية لا يكثر الرواة عنه، بل يتفرد بالرواية عنه راوٍ واحد فإنه يسمى مجهول عين، وتسميته بمجهول عين مجرد اصطلاح، وسبق ذكره وذكر الخلاف في روايته فلا نكرره، وإذا روى عنه راويان فأكثر لكنه لم يذكر بتوثيق من قبل أهل العلم فإن هذا يسمى مجهول الحال، وهو المستور، وتقدم أيضاً ذكره وأنواعه، والخلاف في روايته.

стр. 284

وذكرنا فيما تقدم الخلاف في الجهالة هل هي جرح؟ أو عدم علم بحال الرواي؟ وما يلزم على ذلك؟ وسيأتي كلامه على ذلك أيضاً عند قول الحافظ: "ومن المهم معرفة حال الرواة تعديلاً وتجريحاً أو جهالة" ثم من ذكر في كتب الجرح والتعديل وسكت عنه أهل العلم، ذكره البخاري في تاريخه فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، هذا موجود بكثرة في تاريخ البخاري وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، فهل يعني ذلك التوثيق؟ لا يذكر بجرح ولا تعديل، من أهل العلم من يرى أنه توثيق، إذ لو كان مجروحاً لذكر الجرح، وكثيراً ما يقول أحمد شاكر ﵀: "ذكره البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً فهو ثقة" وأحياناً يقول: "سكت عنه البخاري وهذه أمارة توثيقه"، هذا قيل به إن من ذكر في هذين الكتابين ولم يذكر فيه جرح ولا تعديل فهو ثقة، لكن الصواب أنه ليس بتوثيق، وعدم الذكر لا يعني الذكر، بل صرح ابن أبي حاتم أنه ذكر رواة في كتابه ولم يذكر فيهم الجرح والتعديل رجاء أن يقف فيهم على كلام لأحد، فدل على أنه لا يعرف حالهم، بل يتوقف فيهم حتى يوجد التنصيص على عدالتهم أو جرحهم؛ لأن مجرد ذكر اسم الرجل هل يعني أنه ثقة أو ليس بثقة؟ لا يعني ذلك، وهذه مسألة مهمة، ولولا ضيق الوقت لبسطنا الكلام فيها، نعم. من أسباب الطعن في الراوي البدعة: أحسن الله إليك: "ثم البدعة إما بمكفر أو بمفسق، فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني يقبل من لم يكن داعية في الأصح، إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار، وبه صرح الجوزجاني شيخ النسائي". يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "ثم البدعة إما بمكفر أو بمفسق، فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني يقبل من لم يكن داعية في الأصح، إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار، وبه صرح الجوزجاني شيخ النسائي"،

стр. 285

لما أنهى الحافظ -رحمه الله تعالى- الحديث عن الجهالة وأسبابها وأنواعها شرع في بيان السبب التاسع من أسباب الطعن في الراوي وهو البدعة، وسبق الحديث عنها من حيث تعريفها وتقسيمها، وهنا حكم رواية المبتدع ، وهنا الكلام يقتصر على حكم رواية المبتدع. حكم رواية المبتدع: اختلف العلماء في الرواية عن الراوي المبتدع كالمرجئ والقدري والخارجي والرافضي وغيرهم في الاحتجاج بما يروونه على أقوال: الأول: يرى جمع من أهل العلم أن رواية أهل البدع لا تقبل مطلقاً، وذلك لأنهم إما كفار وهذا في أهل البدع المغلظة، أو فساق لما ذهبوا إليه، وكلٌ من الكافر والفاسق مردود الرواية، فلا تقبل رواية المبتدع مطلقاً، وهذا القول مروي عن الإمام مالك والقاضي أبي بكر الباقلاني، واختاره الآمدي، وجزم به ابن الحاجب، وأيد هذا الرأي بأن في الرواية عن المبتدع ترويجاً لأمره، وتنويهاً بذكره، وقد رد ابن الصلاح هذا الرأي وقال: إنه مباعد للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة، يعني رد رواية المبتدع مطلقاً مخالف لما عليه العمل عند أهل العلم، فكتب السنة مملوءة بالرواية عن المبتدعة. القول الثاني: يرى بعض العلماء التفصيل فإن كانت البدعة صغرى قبل وإلا فلا، وبهذا قال الحافظ الذهبي معللاً بأنه لو ردت مرويات هذا النوع –يعني من كانت بدعته صغرى- لذهب جملة من الآثار النبوية وفيه مفسدة بينة؛ لأن هذا النوع كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، وقال: وإن كانت الكبرى –البدعة كبرى- كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، لا سيما ولست أستحضر الآن من هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم والنفاق والتقية دثارهم فكيف يقبل من هذا حاله؟ حاشا وكلا، هذا رأي الذهبي، التفريق بين البدعة الصغرى والبدعة الكبرى.

стр. 286

القول الثالث: وهو تفصيل أيضاً: وهو إن كان المبتدع داعية إلى مذهبه لم يقبل، وإلا قبل إن لم يروِ ما يؤيد بدعته، وهذا مذهب أكثر العلماء ونسبه الخطيب للإمام أحمد ورجحه ابن الصلاح، إن كان المبتدع داعية إلى مذهبه وبدعته لم يقبل وإلا قبل إن لم يروِ ما يؤيد بدعته، وهذا مذهب أكثر العلماء، ونسبه الخطيب البغدادي للإمام أحمد، ورجحه ابن الصلاح، بل نقل ابن حبان الاتفاق عليه، حيث قال في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي من الثقات، يقول: "وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إليها سقط الاحتجاج بأخباره"، "وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إليها سقط الاحتجاج بأخباره". لكن قال السخاوي في فتح المغيث: "كلام ابن حبان ليس صريحاً في الاتفاق لا مطلقاً ولا بخصوص الشافعية" "ليس بين أهل الحديث من أئمتنا" من أئمتنا، قال السخاوي في فتح المغيث: "كلام ابن حبان ليس صريحاً في الاتفاق" ليس بين أهل الحديث خلاف، إذا ارتفع الخلاف وجد الاتفاق؟ نعم، إذا لم يوجد خلاف في المسألة فيوجد الاتفاق؟ نعم، لا ما يلزم، ما يلزم قد يوجد خلاف لكنه لم يقف عليه الناقل، قد يكون ما يسمى بالإجماع السكوتي مثلاً، ويقول: "ليس بين أهل الحديث من أئمتنا"، فليس النقل عن أهل الحديث كلهم، وليس النقل عن أئمتهم كلهم، واضح وإلا مو بواضح؟ لأنه يقول: "ليس بين أهل الحديث من أئمتنا"، فأهل الحديث أعم من أن يكونوا من أئمتهم الشافعية، وأئمتهم الشافعية أعم من أن يكونوا أهل حديث أو أهل فقه أو غير ذلك، ولذا قال السخاوي: "كلام ابن حبان ليس صريحاً في الاتفاق لا مطلقاً ولا بخصوص الشافعية". وأضاف الجمهور إلى كونه غير داعية ألا يروي ما يؤيد بدعته، وبذلك صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي في كتابه: (معرفة الرجال)، فقال في وصف الرواة: "ومنهم زائغ عن الحق، زائغ عن الحق، صادق اللهجة، فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكراً إذا لم يقوِ بدعته".

стр. 287

قال الحافظ: "وما قاله متجه؛ لأن العلة التي رد لها حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية" قال الحافظ العراقي: والأكثرون ورآه الأعدلا ... ردّوا دعاتهم فقط ونقلا فيه ابن حبّان اتّفاقاً ورووا ... عن أهل بدع في الصّحيح ما دعوا

стр. 288

مما يرد على هذا القول -رد حديث الداعية- يرد عليه تخريج البخاري لبعض الدعاة إلى البدع مثل عمران بن حطان، الذي قال فيه المبرد: "كان رأس القعدية من الصفرية وخطيبهم وشاعرهم"، قال ابن حجر: "إنه كان داعية إلى مذهبه"، عمران بن حطان داعية إلى مذهب الخوارج ومع ذلكم خرج له البخاري، وابن حجر يقول: "ما المانع أن يخرج لمثل هذا وإن كان داعية؟ لأن الخوارج عرفوا بصدق اللهجة"، الخوارج عرفوا بصدق اللهجة، لماذا؟ لأن الكذب عندهم كبيرة، والكبيرة مكفرة، تخرج من الملة عند الخوارج، فعلى هذا يقبل حديث الخوارج ولو كانوا دعاة على كلام الحافظ؛ لأن الخوارج عرفوا بصدق اللهجة بخلاف الروافض، لكن العيني في عمدة القاري وهو يرد على الحافظ يقول: "أي صدق في لهجة مادح قاتل علي؟ " الذي يمدح قاتل علي هل هذا يسمى صادق اللهجة؟ نعم؟ الذي يمدح قاتل علي ﵁ يقال عنه: إنه صادق اللهجة؟ نعم، أقول: كلام الحافظ يقول: إن الخوارج عندهم صدق في اللهجة وهذا صحيح، هم من أصدق الطوائف، وشيخ الإسلام يقول ذلك، عندهم صدق في اللهجة، لكن العيني يرى مستدركاً على الحافظ ابن حجر أن كلامه ليس بصحيح لماذا؟ لأن عمران بن حطان على وجه الخصوص من هؤلاء الخوارج يمدح قاتل علي، والذي يمدح قاتل علي يسمى صادق؟ نقول: من وجهة نظره، من وجهة نظره يرى أن هذا هو الحق فيمدح الحق، فيمدح الحق، وهو مخطئ في زعمه ووهمه، لا شك أنه مخطئ ضال، لكن الصدق شيء، والضلال شيء آخر؛ لأنه قد يوجد الصدق عند بعض الضلال، وهو موجود حتى في الكفار، يوجد منهم من يصدق، والكذب قد يوجد بل هو موجود، وإن كان الأصل في المسلم أنه لا يكذب، لكن يوجد في المسلمين من يكذب، وهذا ما دعا ابن حزم أن يقول: "الداعية أولى بالقبول من المقلد" لماذا؟ " الداعية أولى بالقبول من المقلد" هذا كلام ابن حزم، جماهير الأمة على أن الداعية لا يقبل وابن حزم يقول: "الداعية أولى بالقبول من المقلد" لماذا؟ لأنه ينصر ما يراه حق، ينصر ما يراه حق الداعية، لكن كلامه مرجوح، بل مردود، وجماهير الأئمة على أن الداعية غير مقبول، وأما الخوارج على وجه الخصوص فيقبلون؛ لأنهم عرفوا بالصدق.

стр. 289

القول الرابع: تفصيل أيضاً: وهو أنه إن كان المبتدع يستحل الكذب لنصرة مذهبه لم يقبل وإلا قبل؛ لأن اعتقاد حرمة الكذب يمنع من الإقدام عليه فيحصل الصدق، وممن قال بهذا الإمام الشافعي، فقد روى الخطيب عنه قوله: "تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، "تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم". وحكاه الخطيب عن ابن أبي ليلى وسفيان الثوري وأبي يوسف القاضي، ونسبه الحاكم لأكثر الأئمة، الذي يستحل الكذب على هذا القول لا يقبل، لكن نرجع إلى أصل المسألة هو أن الخلاف في البدعة غير المكفرة، واستحلال الكذب مكفر وإلا غير مكفر؟ نعم مكفر، فلا ينبغي أن يدخل مثل هؤلاء في الخلاف، قال الحافظ العراقي: وقيل: بل إذا استحلّ الكذبا ... نصرة مذهب له ونسبا للشّافعيّ إذ يقول: أقبل ... من غير خطّابيّة ما نقلوا لكن قال الشيخ أحمد شاكر: "هذا المذهب فيه نظر؛ لأن من عرف بالكذب ولو مرة لا تقبل روايته، فأولى أن ترد رواية المستحل للكذب". والقول الخامس: يرى جماعة من أهل النقل والمتكلمين، يرى جماعة من أهل النقل والمتكلمين أن أخبار أهل الأهواء كلها مقبولة، سواءً كانوا فساقاً أو كفاراً بالتأويل، قال ابن حجر في شرح النخبة: "والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته، والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع، معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله"، هذا موجود في النزهة. وأما ابن الصلاح فلم يدخل من كفر ببدعته في الخلاف أصلاً، ابن الصلاح لم يدخل من كفر ببدعته في الخلاف أصلاً، بل حصر الخلاف فيمن لا يكفر ببدعته، وتبعه على ذلك الحافظ العراقي فقال: والخلف في مبتدع ما كفّرا ... قيل: يردّ مطلقاً واستنكرا

стр. 290

خلف -يعني الخلاف- في مبتدع ما كفرا، أما الذي يكفر ببدعته فلا خلاف فيه، قيل: يرد مطلقاً واستنكراً، واختار الصنعاني في شرحه على نظم النخبة له أن يجعل المعيار في قبول الرواية الصدق، ويطرح رسم العدالة وغيره؛ لأن قبولهم رواية الدعاة إلى البدع كعمران بن حطان يقوي القول بقبول المبتدع مطلقاً إذا كان صدوقاً. ورجح الشيخ أحمد شاكر ما حققه الحافظ ابن حجر وقال: إنه الحق الجدير بالاعتبار، ويؤيده النظر الصحيح، أنه لا يرد كل مكفر ببدعته؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانظم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله. عندنا معيار نزن به ونقيس، وهو اتباع الكتاب والسنة، فبقرب الإنسان من هذا المعيار وبقدر قربه من الكتاب والسنة يكون قربه من الحق وبمقدار بعده عن الكتاب والسنة يكون بعده عن الحق، يعني كون الرافضة يكفرون أهل السنة، وأهل السنة يكفرون الرافضة، والخوارج مختلف في تكفيرهم وكذا، هل يعني هذا أن الحق ضائع بين هؤلاء؟ نعم، كلام ابن حجر قد يفهم منه أن الأمة فيها شيء من الضياع في الأحكام، لا، إحنا عندنا ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [(٥٩) سورة النساء] هذا هو المقياس والميزان الذي يوزن به الناس أفراد وجماعات الكتاب والسنة، والعبرة بأحكام أهل العلم الملتزمين لنصوص الكتاب والسنة، فإذا كفر ببدعته لبعده عن الكتاب والسنة فمثل هذا لا يروى عنه، والله المستعان. وعلى كل حال من كفر ببدعته لا ينبغي أن تقبل روايته، بل لا ينبغي أن يدخل في الخلاف أصلاً، نعم، اقرأ. حكم رواية سيء الحفظ: أحسن الله إليك: "ثم سوء الحفظ إن كان لازماً فهو الشاذ على رأي، أو طارئاً فالمختلط، ومتى توبع سيء الحفظ بمعتبر وكذا المستور والمرسل والمدلس صار حديثهم حسناً لا لذاته بل بالمجموع".

стр. 291

نعم يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "ثم سوء الحفظ إن كان لازماً فهو الشاذ على رأي، أو طارئاً فالمختلط"، سوء الحفظ وهو السبب العاشر من أسباب الطعن في الراوي، وتقدم الحديث في الحفظ وسوئه وأقسامه. الغرض هنا حكم رواية سيء الحفظ، فإن كان من النوع الأول اللازم للراوي فحديثه مردود لضعف الراوي بسبب عدم غلبة الظن لحفظه ما روى، والضبط كما تقدم شرط من شروط القبول، وسوء الحفظ يناقض الضبط، وإن كان من النوع الثاني وهو الطارئ كان حافظاً ضابطاً ثم طرأ عليه سوء الحفظ هذا يسمى الاختلاط، فإن تميز حديث المختلط، إن تميز ما حدث به قبل الاختلاط قبل، وإن لم يتميز توقف فيه وكذا من اشتبه الأمر فيه، الرواة الذين طرأ عليهم ما طرأ وتغير حفظهم وساءت حوافظهم واختلطوا مثل هؤلاء إذا تميز ما كان قبل الاختلاط وما بعده يقبل ما قبل الاختلاط ويرد ما بعده، إن اشتبه ولم يعرف متى اختلط؟ ومن روى عنه قبل الاختلاط؟ ومن روى عنه بعد الاختلاط؟ فإن هذا يتوقف فيه، ويعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه ليعلم متى أخذوا؟ أو أين أخذوا؟ أو كيف أخذوا؟ فمنهم من سمع منه قبل الاختلاط فقط، ومنهم من سمع بعد الاختلاط فقط، ومنهم من سمع في الحالين، فحديث الأول مقبول، وحديث الثاني مردود، وحديث الثالث فيه تفصيل، من سمع منه قبل الاختلاط فقط حديثه مقبول، من سمع منه بعد الاختلاط فقط حديثه مردود، من سمع منه في الحالين قبل الاختلاط وبعده فيه تفصيل. ومثال ذلك: عطاء بن السائب: اختلط في آخر عمره، فممن سمع منه قبل الاختلاط شعبة وسفيان الثوري، وممن سمع منه بعد الاختلاط جرير بن عبد الحميد، وممن سمع منه في الحالين معاً أبو عوانة، فحديث شعبة وسفيان عن عطاء بن السائب مقبول؛ لأن الرواية كانت قبل الاختلاط، وحديث جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب مردود؛ لأن روايته عنه بعد الاختلاط، وحديث أبي عوانة عن عطاء بن السائب مردود؛ لأنه سمع منه في الحالين ولم يتميز.

стр. 292

وحديث سيء الحفظ يسمى الشاذ: تقدم في شرح تعريف الحديث الصحيح أن الشاذ ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه، وهذا ما حققه الإمام الشافعي، وهذا على رأي، الشاذ على رأي، أي على رأي من لا يشترط قيد المخالفة، ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر وكذا المستور والمرسل والمدلس صار حديثه حسناً لا لذاته، بل بالمجموع، يشير المصنف -رحمه الله تعالى- إلى أنه متى توبع السيئ الحفظ سواءً في ذلك الملازم أو الطارئ الذي لم يتميز بمعتبر كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه، يعني إذا كان ممن يعتبر به بأن يكون ضعفه ليس بشديد، كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه، وكذا المستور والمرسل والمدلس إذا لم يعرف المحذوف من إسناده صار حديثهم حسناً لغيره لا لذاته، بل باعتبار مجموع الطرق. عندنا السيئ الحفظ والمستور والمرسل والمدلس، يعني إذا كان سبب الضعف ناشئ عن قلة الحفظ أو السقط من السند فإنه يقبل الانجبار، بخلاف ما إذا كان سبب الضعف ناشئ إلى عدم العدالة، إذا كان سبب القدح في العدالة فإن هذا لا ينجبر؛ لأن مع كل واحد منهم احتمال كون روايته صواباً أو غير صواباً على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين رواية موافقة لأحدهم رجح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول، وينبغي أن يعلم أنه مع ارتقائه إلى درجة القبول فهو منحط عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم في إطلاق اسم الحسن عليه، الحسن لغيره في المرتبة دون الحسن لذاته، وبعضهم لا يقبله أيضاً لا يقبل من الحسن إلا ما كان حسنه لذاته، مثال ذلك: ما رواه الترمذي عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : ((أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ )) قالت: نعم، فأجاز، قال الترمذي: "وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي حدرد، وعاصم بن عبيد الله ضعيف لسوء حفظه، وقد حسن الترمذي له هذا الحديث لمجيئه من غير وجه".

стр. 293

أما إذا كان الضعف لجهالة راويه والمراد غير المستور فقد اختار بعضهم أنه يرتقي إلى درجة الاحتجاج بعمل السلف، وسكوتهم عند اشتهار روايته كعملهم إذ لا يسكتون عن منكر يستطيعون إنكاره، وإذا كان الضعف ناشئاً عن فسق الراوي أو كذبه فهذا النوع لا تؤثر فيه موافقة غيره له، إذا كان الآخر مثله لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن أن يرفعه إلى درجة الحسن، قال ابن الهمام في التحرير: "حديث الضعيف بالفسق لا يرتقي بتعدد الطرق إلى الحجة وبغيره مع العدالة يرتقي". وخلاصة القول أن العدالة والضبط إما أن يجتمعا في الراوي أو ينتفيا عنه، أو يوجد فيه أحدهما دون الآخر، فإن انتفيا لم يقبل حديثه أصلاً، إذا انتفت العدالة والضبط لا يقبل حديث الرواي أصلاً، وإن اجتمعا فيه قبل، إذا توافرت العدالة والضبط قبل، صار ثقة، إذا انتفيا -العدالة والضبط معاً- لم يقبل، وإن وجدت العدالة دون الضبط توقف القبول فيه على المتابع وشاهد ليجبر ما فات من ضعف الضبط، وإن وجد الضبط دون العدالة لم يقبل حديثه؛ لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية، واختار البقاعي أن الضعيف الواهي شديد الضعف الذي لا يعتبر به ربما كثرت طرقه حتى يصل إلى درجة رواية المستور وسيء الحفظ، بحيث أن ذلك الحديث إذا كان مروياً بإسناد آخر فيه ضعف قريب محتمل، فإنه يرتقي بمجموع ذلك إلى درجة الحسن؛ لأن مجموع تلك الطرق الواهية صارت بمنزلة الطريق الذي فيه ضعف يسير، فصار ذلك بمنزلة طريقين، في كل منهما ضعف يسير، وما ذكر عن البقاعي هو اختيار السيوطي في ألفيته؛ لأنه قال: وربما يكون كالذي بدي ... . . . . . . . . . اختيار السيوطي في ألفيته يجبر الضعف ولو كان شديداً، وعليه عمله في مصنفاته وتخاريجه، وكأن الشيخ الألباني يعمل بهذا أحياناً، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سم.

стр. 294

قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "ثم الإسناد إما أن ينتهي إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- تصريحاً أو حكماً من قوله أو فعله أو تقريره أو إلى الصحابي كذلك، وهو من لقي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مؤمناً به ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح، أو إلى التابعي وهو من لقي الصحابي كذلك، فالأول المرفوع ، والثاني الموقوف، والثالث المقطوع، ومن دون التابعي فيه مثله، ويقال للأخيرين: الأثر، والمسند مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال". يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "ثم الإسناد إما أن ينتهي إلى النبي ﷺ تصريحاً أو حكماً من قوله أو فعله أو تقريره"، لما أنهى الحافظ -رحمه الله تعالى- ما يتعلق بالمتن من حيث القبول والرد أردفه بما يتعلق بالإسناد، والإسناد: هو الطريق الموصل للمتن، أو سلسلة الرواة الذين يذكرهم المحدث ابتداءً بشيخه وانتهاءً بمن يسند إليه الخبر، والمتن غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام، ثم شرع المصنف -رحمه الله تعالى- في تقسيم آخر للخبر باعتبار النسبة والإضافة. وما سبق الحديث فيه فتقسيمات أخرى بحسب تعدد الطرق، وباعتبار القوة والضعف، فإن انتهى الإسناد إلى النبي ﷺ تصريحاً بأن كانت الإضافة إلى النبي ﷺ صريحة لا تحتمل من قوله كقول عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) وقول ابن مسعود ﵁: "حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: ((أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)) الحديث، أو يقول الصحابي أو غير: قال رسول الله ﷺ ، أو عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا، هذا مرفوع صراحة من قوله ﵊. المرفوع:

стр. 295

ومثال المرفوع من فعله تصريحاً ما نقله عنه الصحابة من رمله في الطواف، وسعيه الشديد في السعي، ومنه قول الصحابي: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسته النار"، ومنه قول الصحابي أو غيره: كان رسول الله ﷺ يفعل كذا أو يترك كذا؛ لأن كلاً من فعله وتركه ﵊ شرع يقتدى به فيه، ومثال المرفوع من التقرير تصريحاً كأن يقول الصحابي: فعلت أو فعل بحضرة النبي ﷺ كذا، ولا يذكر إنكاره لذلك، ومنه قول الصحابي: "أكل الضب على مائدة رسول الله ﷺ "، خالد بن الوليد اجتر الضب فأكله والنبي ﵊ ينظر إليه، فلم ينكر عليه، وهذا من تقريره ﵊، هذا إذا كانت الإضافة إلى النبي ﵊ صريحة، أو تكون الإضافة إلى النبي ﵊ حكماً لا صراحة، ومن ذلك قول الصحابي: "كنا نفعل كذا أو كنا نقول كذا في عهد رسول الله ﷺ "، فقد قطع أبو عبد الله الحاكم وغيره من أهل الحديث أن ذلك من قبيل المرفوع، قال ابن الصلاح: "وبلغني عن أبي بكر البرقاني: أنه سأل أبا بكر الإسماعيلي عن ذلك فأنكر كونه من المرفوع"، والأول هو الذي عليه الاعتماد؛ لأن ظاهر ذلك مشعر بأن رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وقررهم عليه، وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة. وقد استدل جابر بن عبد الله ﵁ على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن، هذا إذا أضاف الوقت إلى النبي ﵊، في عهد رسول الله ﷺ ، أما إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا من غير إضافة إلى زمن النبي ﵊ فجزم ابن الصلاح بأنه من قبيل الموقوف، لكن ذهب العراقي وابن حجر والسيوطي إلى أنه مرفوع أيضاً، وهو اختيار النووي.

стр. 296

إذا قال الصحابي: "كنا نفعل كذا" مع الإضافة إلى عهد النبي ﵊ فهذا مرفوع عند الجماهير، وإن حكم أبو بكر الإسماعيلي الإمام بأنه موقوف ولا يعتبر من المرفوع، إذا أضيف إلى زمن النبي ﵊، أما إذا لم يضف إلى زمنه ﵊ بأن قال الصحابي: كنا نفعل كذا، أو كنا نرى كذا، أو كنا نقول كذا، فجزم ابن الصلاح بأنه من قبيل الموقوف، بأنه من قبيل الموقوف، لكن العراقي وابن حجر والسيوطي ذهبوا إلى أنه مرفوع أيضاً، وإن لم يضف إلى عهد النبي ﵊ وهو اختيار النووي والرازي والآمدي؛ لأن الظاهر من مثل قول الصحابي أنه يحكي الشرع، لا سيما إذا كان يستدل به على حكم شرعي، إذا كان يستدل بذلك على حكم شرعي، ويقول: كنا نفعل كذا، لا شك أنه يريد أن ينسب ذلك إلى زمن الشارع وإن لم يصرح به. قول الصحابي: "أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا" من نوع المرفوع عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، إذا صرح الصحابي بالآمر فلا إشكال في كونه مرفوع، إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله ﷺ فلا خلاف في كونه مرفوع صراحة، أما إذا قلنا: أمرنا ولم يصرح بالآمر، أو نهينا ولم يصرح بالناهي فكذلك هو من قبيل المرفوع عند أكثر أهل العلم وخالف في ذلك فريق منهم أبو بكر الإسماعيلي، وأبو الحسن الكرخي. قال ابن الصلاح: "والأول هو الصحيح؛ لأن مطلق ذلك ينصرف إلى من إليه الآمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ ، إذا قال الصحابي: أمرنا أو نهينا، لا ينصرف هذا الأمر والنهي إلا إلى من له الأمر والنهي وهو الرسول ﵊، إذا كانت المسألة شرعية لا شك أن الآمر والناهي للصحابة هو الرسول ﵊، أم عطية تقول: "أمرنا أن نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور إلى صلاة العيد" من الآمر لهن؟ لا شك أنه الرسول ﵊، "نهينا عن اتباع الجنائز" هذا أيضاً لا شك أن الناهي هو الرسول ﵊.

стр. 297

أبو بكر الإسماعيلي الإمام وأبو الحسن الكرخي خالفا في ذلك وقالا: إنه من قبيل الموقوف لاحتمال أن يكون الآمر والناهي غير الرسول ﵊، قال ابن الصلاح: "والأول هو الصحيح؛ لأن مطلق ذلك ينصرف إلى من إليه الآمر والنهي وهو الرسول ﵊"، إذا صرح الصحابي بالآمر والناهي فقال: "أمرنا رسول الله ﷺ " لا شك أنه مرفوع صراحة، مرفوع صراحة قطعاً، لكن دلالته على الأمر والنهي هل هو مثل قوله: افعلوا، أو لا تفعلوا؟ هل قول الصحابي: "أمرنا رسول الله ﷺ " هو كتصريح النبي ﵊ بقوله: افعلوا؟ يعني هل قول عائشة: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، أو أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم، مثل قوله ﵊: ((أنزلوا الناس منازلهم))؟ مثله وإلا لا؟ نعم، دلالته على الأمر والنهي خالف فيها داود الظاهري وبعض المتكلمين، أما الجماهير على أنه لا فرق بين أن يقول الرسول ﵊: افعلوا، أو يقول الصحابي: أمرنا رسول الله ﷺ ، كلاهما من قبيل الأمر وهو دال على الوجوب، خالف في ذلك داود الظاهري وبعض المتكلمين، قالوا: لأن الصحابي قد يسمع كلام يظنه أمر وهو في الحقيقة ليس بأمر، وقد يسمع كلاماً يظنه نهياً وهو في الحقيقة ليس بنهي، لكن هذا الكلام مردود، هذا الكلام مردود؛ لأن الصحابة -رضوان الله عليهم-، إذا لم يعرفوا مدلولات الألفاظ الشرعية، من يعرفها بعدهم؟ لا أحد يعرف إذا كان الصحابة لا يعرفون الخطاب الشرعي، إذا قال النبي ﵊: ((أمرت)) ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)) ((نهيت عن قتل المصلين)) فالآمر والناهي من؟ من؟ هو الله ، فهو من قبيل الخبر الإلهي والقدسي.

стр. 298

ثالثاً: قول الصحابي: من السنة كذا، الأصح أنه مرفوع؛ لأن الظاهر أنه لا يطلق ذلك إلا مريداً به سنة رسول الله ﷺ ، وما يجب اتباعه، نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك وفي نقله نظر، فعند الشافعي في المسألة قولان، وذهب أبو بكر الصيرفي وأبو بكر الرازي وابن حزم إلى أنه غير مرفوع، لكن الصحيح الأول، قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-: قول الصّحابيّ: (من السّنّة) أو ... نحو: (أمرنا) حكمه الرّفع ولو بعد النّبيّ قاله بأعصرِ ... على الصّحيح وهو قول الأكثرِ قد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة، قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته ﷺ ؟ فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي ﵊، لكن إذا قال الصحابي: ليس من السنة كذا، ليس من السنة كذا، هل نستدل به على أن هذا العمل مبتدع؟ أو يحتمل أن هناك سنة لم تبلغ هذا الصحابي؟ احتمال، احتمال أنه لا يوجد سنة أصلاً؛ لأنه نفى، وهذا يقوى الظن إذا لم نجد له مخالف من الصحابة، ويحتمل أن هناك سنة في الباب لكنها خفيت على هذا الصحابي، فالنفي ليس مثل الإثبات هنا. رابعاً: من المرفوع حكماً أن يقول الصحابي الذي لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب ما لا مجال للرأي فيه، ولا مدخل للاجتهاد فيه، ولا تعلق له ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدأ الخلق وأخبار الأنبياء أو الآتية كالملاحم والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، قال ابن حجر في النزهة: "وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبراً له، لا بد أن يكون لهذا الصحابي مخبر، ولا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفاً للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبي ﵊، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني.

стр. 299

يعني المسألة مفترضة في صحابي لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات وذكر كلاماً غيبياً أو ذكر كلاماً لا مجال للاجتهاد فيه، إذن لا يمكن أن يتلقاه إلا عن النبي ﵊، وإذا كان كذلك؛ فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﷺ ؛ فهو مرفوع سواء، سواء كان مما سمعه عنه بدون بواسطة، أو ما كان مما سمعه بواسطة. من ذلكم تفسير الصحابي للقرآن الكريم، تفسير الصحابي للقرآن الكريم جزم الحاكم بأن له حكم الرفع، وحمله ابن الصلاح على ما يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابي أو نحو ذلك كقول جابر ﵁: "كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [(٢٢٣) سورة البقرة] فأما سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول الله ﷺ فمعدودة في الموقوفات، يقول الحافظ العراقي: وعدّ ما فسّره الصّحابي ... رفعاً فمحمول على الأسبابِ

стр. 300

الحاكم حينما قال: إن تفسير الصحابي مرفوع حكماً لما عرف من الوعيد الشديد من تفسير القرآن بالرأي، والصحابة مع شدة ورعهم وتحريهم لا يمكن أن يفسروا القرآن بآرائهم مع شدة هذا الوعيد: "من قال بالقرآن برأيه فقد أخطأ ولو أصاب" فالمقصود أن الصحابة مع شدة تحريهم وورعهم وتثبتهم وعلمهم بالنهي الشديد لتفسير القرآن بالرأي لا يمكن أن يفسروا شيئاً من تلقاء أنفسهم إلا وقد سمعوه من النبي ﵊، هذه حجة الحاكم، لكن القرآن منه ما يدرك بلغة العرب مثلاً والصحابي قد يفسر الكلام -كلام الله بلغة العرب، ومنه ما لا بد فيه من التوقيف من النبي ﵊ فمثل هذا لا يدرك فيكون من قبيل ما لا مجال للاجتهاد فيه، ونظراً لوجود هذا النوع وهذا النوع قال الحاكم: أن له حكم الرفع، والأكثر على أنه ليس له حكم الرفع؛ لأن الصحابي قد يفسر برأيه اعتماداً على لغة أو استنباط حكم، أو ما أشبه ذلك، ابن الصلاح حمل قول الحاكم على ما يتعلق بأسباب النزول وأسباب النزول لها حكم الرفع، لماذا؟ لأن النزول الرسول ﵊ طرف فيه، ذكر أو لم يذكر، الرسول طرف في التنزيل؛ لأنه عليه ينزل القرآن، ذكر أو ولم يذكر، ولذا جاء في ألفية العراقي: وعدّ ما فسّره الصّحابي ... رفعاً فمحمول على الأسبابِ قال ابن الصلاح: "من قبيل المرفوع الأحاديث التي قيل في أسانيدها عند ذكر الصحابي يرفع الحديث، أو يبلغ به، أو ينميه، أو رواية، مثال ذلك: سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رواية: ((تقاتلون قوماً صغار الأعين)) ((تقاتلون قوماً صغار الأعين)) عن أبي هريرة رواية، وبه عن أبي هريرة يبلغ به قال: ((الناس تبع لقريش)) أبو هريرة رواية يعني عن النبي ﵊، أبو هريرة يبلغ به، يعني يبلغ به النبي ﵊، فكل ذلك وأمثاله كناية عن رفع الصحابي الحديث إلى رسول ﷺ ، وحكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحاً.

стр. 301

قال ابن الصلاح: "وإذا قال الراوي عن التابعي: يرفع الحديث، أو يبلغ به، فذلك مرفوع أيضاً، ولكنه مما رفعه التابعي إلى النبي ﵊ فيكون له حكم المرسل"، فعلى هذا كل ما يضاف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف فهو مرفوع، وزاد بعضهم الهم، لأنه ﵊ لا يهم إلا بما يجوز له فعله، ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، وآمر رجالاً يحتطبون حطب فأخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)) هذا مرفوع، هذا هَمٌ منه ﵊، والهم مرتبة من مراتب القصد بعد الخاطر والهاجس وحديث النفس الهم، وآخرها العزم كما هو معروف. اشترط الخطيب البغدادي لتسمية الخبر مرفوعاً: أن يكون مما أضافه الصحابي إلى النبي ﵊ فقط، فعلى هذا ما يضيفه التابعي فمن بعده إلى النبي ﷺ لا يسمى مرفوعاً، ولفظه كما في الكفاية: "المرفوع ما أخبر فيه الصحابي عن قول رسول الله ﷺ أو فعله"، لكن الحافظ ابن حجر توقف في كونه يشترط ذلك، يعني هل ما أضيف إلى النبي ﵊ إذا أضافه التابعي لا يسمى مرفوع؟ ذكروا عن الخطيب أنه يشترط ذلك، ولفظه في الكفاية يحتمل، لكن الحافظ ابن حجر توقف في كونه يشترط ذلك فإنه قال: يجوز أن يكون ذكر الخطيب للصحابي على سبيل المثال أو الغالب لكون غالب ما يضاف إلى النبي ﵊ هو من إضافة الصحابي، لا أنه ذكره على سبيل التقييد، فلا يخرج حينئذ عن الأول ويتأيد بكون الرفع إنما ينظر فيه إلى المتن دون الإسناد، المتن هل هو من قول الرسول؟ أضافه من أضافه مرفوع، ما دام من قول النبي ﵊، أما إذا كان من قول من دونه على ما سيأتي فإن كان من الصحابة فهو موقوف، وإلا فالمقطوع. قال السخاوي: "وفيه نظر، وقد يطلق المرفوع ويراد به المتصل لا سيما عند مقابلته بالمرسل"، فإذا قيل: رفعه فلان وأرسله فلان، يعني أن أحدهما وصل إسناده والآخر قطعه، وحينئذٍ فهو رفع مخصوص، على أن ابن النفيس مشى على ظاهر هذا فقيد المرفوع بالاتصال.

стр. 302

وسمّ مرفوعاً مضافاً للنّبي ... واشترط (الخطيب) رفع الصّاحبِ ومن يقابله بذي الإرسالِ ... فقد عنى بذاك ذا اتّصالِ كما يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-. ثم قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "أو إلى الصحابي كذلك، وهو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح". لما فرغ الحافظ -رحمه الله تعالى- من بيان المرفوع، وقدمه لشرف النسبة؛ لأنه يضاف إلى أشرف الخلق، أردفه بالموقوف، فقال: أو تنتهي غاية الإسناد إلى الصحابي كذلك، أي مثلما تقدم مما يضاف إلى النبي ﵊ من قول أو فعل، وإن منه ما هو قول، ومنه ما هو فعل، ومنه ما هو تقرير، و (أو) هنا للتقسيم، "أو إلى الصحابي" هذا تقسيم وليست شك، وليست للإضراب، إنما هي للتقسيم. خير أبح قسم بـ (أو) وأبهمِ ... . . . . . . . . . فمن معانيها التقسيم وهو المراد هنا، ثم عرف الصحابي بأنه: من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة، هذا ما رجحه ابن حجر ﵀، والمراد باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، قال الحافظ: "والتعبير باللقي أولى من قول بعضهم: الصحابي من رأى النبي ﷺ ؛ لأنه يخرج ابن أم مكتوم ونحوه من العميان، وهم صحابة بلا تردد"، وقوله: "مؤمناً" يخرج من حصل له اللقاء المذكور لكن في حال كونه كافراً، وقوله: (به) يخرج من كان مؤمناً لكن بغيره من الأنبياء، يخرج من كان مؤمناً لكن بغيره من الأنبياء، وهل يمكن أن يقال لغير المؤمن بالنبي ﵊ أنه مؤمن؟ يقال لليهودي الذي يؤمن بموسى مؤمن؟ ويقال للنصراني الذي يؤمن بعيسى أنه مؤمن؟ لا، الإيمان في شرعنا يقتضي الإيمان بجميع الأركان، وإذا انتفى ركن من هذه الأركان، أو بعض ركن انتفى الإيمان.

стр. 303

فلا بد من الإيمان بالرسل كلهم، فاليهودي الذي لا يؤمن بالنبي ﵊ ويصدق به ويتبعه لا يسمى مؤمن، والنصراني الذي لا يؤمن بالنبي ﵊ لا يسمى مؤمن؛ لأن من أركان الإيمان الإيمان بالرسل، والكفر بواحد منهم كفر بجميعهم، والله المتسعان، لكن هل يخرج من لقيه مؤمناً بأنه سيبعث ولم يدرك البعثة؟ لقي النبي ﵊ مؤمن بأنه سيبعث ومعترف بأنه نبي لكن قبل البعثة، قال الحافظ: "فيه نظر، قلت: ومثال ذلك: ورقة بن نوفل حيث ذكره الطبري والبغوي وابن قانع وابن السكن وغيرهم في الصحابة، قال الحافظ في الإصابة: "وفي إثبات الصحبة له نظر، لقوله في قصة بدء الوحي: "فلم ينشب ورقة أن توفي" فهذا ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله ﷺ الناس إلى الإسلام. ثم ذكر الحافظ خبراً مرسلاً وصفه بأنه جيد يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي ﵊ إلى الإسلام حتى أسلم بلال، ثم قال: والجمع بينه وبين حديث عائشة أن يحمل قوله: "ولم ينشب ورقة أن توفي" أي قبل أن يشتهر الإسلام. ثم ذكر الحافظ خبراً ضعيفاً يدل على أن ورقة مات على نصرانيته، لكن الصواب أنه آمن بالنبي ﵊ وصدقه لما قص عليه خبر بدء الوحي، لكنه مات قبل أن يدعو النبي ﵊ الناس إلى الإسلام، وعلى هذا كونه مقطوع بنجاته وأنه من أهل الجنة هذا ما فيه إشكال، لكن هل هو معدود في هذه الأمة أو ممن قبلها؟ هذه مسألة محل نظر، هل يثبت في الصحابة فيكون من هذه الأمة؟ أو لا تثبت صحبته؛ لأن الحد لا ينطبق عليه، لكنه آمن وصدق بالنبي ﵊، وكان على دين صحيح في وقته، والقول بنجاته مبني على ثبوت ما نقل في ترجمته من أن النبي ﵊ رآه في بطنان الجنة، وعليه ثياب السندس، وأن عليه أيضاً ثياب بيض، فإن ثبتت هذه الأخبار وإلا فهو على الرجاء كغيره من مسلمي هذه الأمة وغيرهم، والله أعلم.

стр. 304

قوله: "ومات على الإسلام" ليخرج من ارتد بعد أن لقيه مؤمناً به ومات على الردة؛ كعبيد الله بن جحش وابن خطل، قوله: "ولو تخللت ردة" أي: بين لقيه له مؤمناً به وبين موته على الإسلام؛ فإن اسم الصحبة باق له، سواء رجع إلى الإسلام في حياته ﷺ أو بعده، وسواء لقيه ثانياً أم لا كالأشعث بن قيس فإنه كان ممن ارتد وأتي به أبو بكر أسيراً فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها. الردة محبطة للعمل ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [(٦٥) سورة الزمر] لكن هل الموت على الردة شرط في حبوط العمل؟ أو أن مجرد حصول الردة محبط للعمل؟ القيد المذكور في الآية الأخرى ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [(٢١٧) سورة البقرة] نعم ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ قيد يجعل الردة لا تحبط العمل إلا إذا مات وهو مرتد، أما إذا ارتد ثم رجع إلى الإسلام فإن عمله باق لا يحبط، ومن ذلكم الصحبة، وهذه المسألة مسألة خلافية بين كثير من أهل العلم مع الحنفية، ولذا إذا حج ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام هل يلزم بحجة ثانية أو لا يلزم؟ والمسألة الخلاف فيها معروف ومبسوط عند أهل العلم. ولا تظنون أن الردة لا بد أن يكفر بالله أو برسوله أو بكتبه، أو .. ، يترك الصلاة فيصير مرتد، هل عليه أن يعيد الحج أو لا يعيد؟ هذه المسألة الخلافية، ومقتضى قوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [(٢١٧) سورة البقرة] أنه لا يحبط عمله إلا إذا مات كافر. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: "ويدخل في قولنا مؤمناً به كل مكلف من الجن والإنس فحينئذ يتعين ذكر من حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور؛ لأن النبي ﵊ مرسل إليهم، مرسل إلى الجن أيضاً، وأما إنكار ابن الأثير على أبي موسى تخريجه لبعض الجن الذين عرفوا في كتابه الصحابة فليس بمنكر لما ذكرته".

стр. 305

وقال ابن حزم في المحلى: "من ادعى الإجماع فقد كذب، من ادعى الإجماع فقد كذب على الأمة، فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفراً من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي ﷺ فهم صحابة فضلاء، فمن أين للمدعي إجماع أولئك؟ "، ابن حزم يقول: أي شخص يدعي الإجماع على مسألة من المسائل كذاب، لماذا؟ لأنه إن أحاط بأقوال الإنس لم يحط بأقوال الجن، يقول: "من ادعى الإجماع فقد كذب على الأمة، فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفراً من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي ﷺ فهم صحابة فضلاء، فأين للمدعي إجماع أولئك؟ ". قال ابن حجر في الإصابة: "وهذا الذي ذكره في مسألة الإجماع لا نوافقه عليه، وإنما أردت نقل كلامه بكونهم صحابه"، ومثل هذا الكلام هو الذي جعل ابن حزم بكل سهولة يخالف جماهير الأمة، بل قد يخالف الإجماع، الأمة كلها في جهة وابن حزم في جهة؛ لاحتمال أن يكون واحد من الجن قال بهذا القول، نعم، وهذا من شذوذ ابن حزم، معروف، نعم.

стр. 306

وهل تدخل الملائكة فيمن لقي النبي ﵊ مؤمناً به؟ محل نظر، قد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثاً إليهم أو لا؟ وقد نقل الرازي الإجماع على أنه ﷺ لم يكن مرسلاً إلى الملائكة، لم يكن مرسلاً إلى الملائكة، ونوزع في هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلاً إليهم، لكن كونه مرسل إليهم أو غير مرسل لا فائدة وراءه، هم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، هؤلاء الخلق أنفاسهم عبادة، جميع تصرفاتهم عبادة، ولا يتلبسون بالمعصية، حيل بينهم وبين الشهوات، فكونه مرسل إليهم أو غير مرسل الخلاف لفظي، قال ابن حجر: "وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى"، وقال بعضهم: لا يعد صحابياً إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته للنبي ﵊، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه، أو استشهد بين يديه، واشترط بعضهم في صحة الصحبة بلوغ الحلم، أو المجالسة ولو قصرت، اختار البخاري في صحيحه أن من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه، يعني مجرد رؤية حال كونه مؤمناً به يكون صحابي، ورجحه ابن حجر في الفتح إلا أنه هل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه أو يكتفى بمجرد حصول الرؤية؟ محل نظر، وعمل من صنف في الصحابة يدل على الثاني، أنه يكتفى بمجرد حصول الرؤية، يدل على الثاني فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق وإنما ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في الصحيح، أن أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة، ولدته في المحرم قبل أن يدخلوا مكة، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل بلا شك. يستحيل أن يكونوا سمعوا من النبي ﵊ مباشرة شيئاً، لكن في إثبات الصحبة لهذا الضرب نظر.

стр. 307

لما مات النبي ﵊ عمره ثلاثة أشهر، عمره ثلاثة أشهر، هل يكون صحابي؟ لا، هل لقي النبي ﵊ مؤمناً به؟ الجواب، لا، والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفرائيني ومن وافقه على رد المراسيل مطلقاً حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء؛ لأن أحاديثهم لا من قبيل مراسيل كبار التابعين، ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ ، وهذا مما يلغز به، فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة، ومنهم من بالغ فكان لا يعد في الصحابة إلا من صحب النبي ﵊ الصحبة العرفية، كما جاء عن عاصم الأحول قال: "رأى عبد الله بن سرجس رسول الله ﷺ غير أنه لم يكن له صحبة" أخرجه أحمد، هذا مع كون عاصم قد روى عن عبد الله بن سرجس هذا عدة أحاديث وهي عند مسلم وأصحاب السنن، وأكثرها من رواية عاصم عنه، فهذا رأي عاصم، أن الصحابي من يكون صحب الصحبة العرفية، روي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة فصاعداً، أو غزا معه غزوة فصاعداً، قال ابن حجر: "والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنهم اتفقوا على عد جمع جم من الصحابة ولم يجتمعوا بالنبي ﷺ إلا في حجة الوداع". قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "أو إلى التابعي وهو من لقي الصحابي كذلك"، الخبر إما أن ينتهي إلى النبي ﵊ أو ينتهي إلى الصحابي، أو ينتهي إلى التابعي، والتابعي هو من لقي الصحابي كذلك، من لقي الصحابي مؤمناً بالنبي ﵊، من لقي الصحابي مسلم -وهو مسلم- ومات على ذلك يسمى تابعي. المقطوع:

стр. 308

لما فرغ ﵀ من المرفوع والموقوف أردفه بالمقطوع فقال: أو تنتهي غاية الإسناد إلى التابعي، ثم عرف التابعي بقوله: هو من لقي الصحابي كذلك، أي كما تقدم في تعريف الصحابي، ولذا قال القاري في شرح النخبة: "التابعي هو من لقي الصحابي مؤمناً بالنبي ﵊ ولو تخللت ردة في الأصح" كذا قال، لكن الحافظ نفسه قال: "هذا متعلق باللقي وما ذكر معه إلا قيد الإيمان به فذاك خاص بالنبي ﷺ وهو المختار". يعني لو أن شخصاً لقي أحد الصحابة وهو غير مسلم ثم أسلم بعد ذلك ومات على الإسلام، لكنه لما لقي الصحابي لم يكن مسلماً هل يسمى تابعي أو لا؟ على كلام الحافظ يسمى تابعي، وواضح عبارته -أو ظاهر عبارته- وهو من لقي الصحابي كذلك، يعني بالقيود المذكورة، مؤمناً بالنبي ﵊، وفي اليواقيت للمناوي: "ولا يلزم أن يكون مؤمناً حال ملاقاته للصحابي، بل لو كان كافراً ثم أسلم بعد موت الصحابي، وروى عنه سميناه تابعياً وقبلناه، ولا يشترط في التابعي طول الملازمة أو التمييز أو صحة السماع من الصحابي، قال الخطيب: "التابعي من صحب الصحابي". قال ابن الصلاح: "ومطلقه مخصوص بالتابعي بإحسان"، ومطلقه مخصوص بالتابعي بإحسان، أما الذي يتبع الصحابة من دون إحسان، يتبع السلف من غير إحسان لا يستحق هذا الوصف، قال القاري: "والظاهر منه طول الملازمة إذ الاتباع بإحسان لا يكون بدونه"، واشترط ابن حبان: أن يكون رآه في سن من يحفظ عنه فإن كان صغيراً لم يحفظ عنه فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة فإنه لم يعده في التابعين وإن كان رأى عمر بن حريث لكونه صغيراً، قال ابن الصلاح: "وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره مشعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه، وإن لم توجد الصحبة العرفية والاكتفاء في هذا لمجرد اللقاء والرؤية أقرب منه في الصحابي نظراً إلى مقتضى اللفظين فيهما"، يعني إذا لم نشترط طول الصحبة في الصحابي ولا الصحبة العرفية في الصحابي فلا تشترط في التابعي من باب أولى لما يقتضيه لفظ الصحبة.

стр. 309

قال ابن حجر: "بقي بين الصحابة والتابعين طبقة اختلف في إلحاقهم بأي القسمين وهم المخضرمون، الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي ﷺ فعدهم ابن عبد البر في الصحابة، وادعى عياض وغيره أن ابن عبد البر يقول: إنهم صحابة"، المخضرمون من أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي ﵊ هؤلاء عدهم ابن عبد البر في الصحابة، يعني ذكرهم في الاستيعاب، ذكرهم في الاستيعاب، لكن هل مجرد الذكر يعني إثبات الصحبة؟ هل ذكر الرجل في الإصابة يثبت الصحبة له؟ أو أن ابن حجر ذكر أقوام اختلف في صحبتهم، والراجح عدم إثبات الصحبة لهم، وهم القسم الرابع. هنا ابن عبد البر ذكر المخضرمين في الاستيعاب، ادعى عياض وغيره أن ابن عبد البر يقول: إنهم صحابة، وفيه نظر؛ لأن ابن عبد البر أفصح في خطبة كتابه بأنه إنما أوردهم ليكون كتابه جامعاً مستوعباً لأهل القرن الأول، لأهل القرن الأول وإن لم يكونوا صحابة، والصحيح أنهم معدودون في كبار التابعين، سواءً عرف أن الواحد منهم كان مسلماً في زمن النبي ﷺ كالنجاشي أم لا، وذكر مسلم المخضرمين فبلغ بهم عشرين نفساً، منهم: أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون، وعبد خير بن يزيد، وأبو عثمان النهدي، وممن لم يذكرهم: أبو مسلم الخولاني، والأحنف بن قيس، والله أعلم. ومن أكابر الصحابة السابقون الأولون، واختلف في المراد فيهم هل هم من صلى إلى القبلتين؟ أو أنفق قبل الفتح وهاجر دون من أنفق وهاجر بعد الفتح؟ أو هم أصحاب الشجرة السابقون الأولون؟ أو هم الذين أسلموا قبل الهجرة؟ المقصود مسألة خلافية بين أهل العلم، والأكثر على أنهم من صلى إلى القبلتين قبل نسخ القبلة إلى بيت المقدس، هؤلاء من الصحابة هم السابقون الأولون.

стр. 310

وفي الصحابة المهاجرون والأنصار وفيهم العبادلة الأربعة، وفيهم العشرة المبشرون بالجنة، وفيهم أهل بدر، وفيهم أهل بيعة الرضوان، المقصود أنهم متفاوتون في الفضل، فيهم العبادلة الأربعة وهم: ابن عمر، ابن عباس، ابن الزبير، عبد الله بن عمرو بن العاص، وليس فيهم ابن مسعود، وليس فيهم ابن مسعود، لماذا؟ لأن ابن مسعود تقدمت وفاته، وأما هؤلاء الأربعة فتأخرت وفياتهم حتى احتيج إلى علمهم، سئل الإمام أحمد هل ابن مسعود فيهم؟ فقال: لا، فإذا قيل: هذا قول العبادلة الأربعة فالمقصود بهم هؤلاء، ووهم صاحب الصحاح فأدخل فيهم ابن مسعود، المقصود أن هؤلاء يميزون في الصحابة. من أكابر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة، هؤلاء من التابعين سبعة. فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة سبعة: سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، وذكر ابن المبارك سالم بن عبد الله بن عمر بدل أبي سلمة، وذكر أبو الزناد أبا بكر بن عبد الرحمن بدل أبي سلمة وسالم، على كل حال السابع مختلف فيه. فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة سبعة. اختلف في أفضل التابعين فقال أحمد بن حنبل: سعيد بن المسيب هو أفضل التابعين، فقيل له: فعلقمة والأسود؟ فقال: سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود، وعنه أنه قال: لا أعلم في التابعين مثل أبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم، وقال الشيخ أبو عبد الله بن خفيف الزاهد الشيرازي: "اختلف الناس في أفضل التابعين فأهل المدينة يقولون: سعيد بن المسيب، وأهل الكوفة يقولون: أويس القرني، وأهل البصرة يقولون: الحسن البصري، وهؤلاء كلهم أئمة فضلاء، لكن لو جئنا إلى النص المرفوع لأثبتنا أن أفضل التابعين على الإطلاق أويس؛ لأن الخبر فيه صحيح في صحيح مسلم، عمر ﵁ طلب من أويس أن يدعو له، فعلى هذا هو أفضل التابعين على الإطلاق، نعم إن جئنا إلى العلم فسعيد لا يدانيه أحد.

стр. 311

ثم نشر الحافظ ما طواه في أول الأمر وما لفه فقال: "فالأول المرفوع، والثاني الموقوف، والثالث المقطوع، ومن دون التابعي فيه مثله"، فالأول: وهو ما أضيف إلى النبي ﵊ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف يسمى المرفوع، وهو اسم مفعول من الرفع، والثاني: وهو ما أضيف إلى الصحابي من قول أو فعل يسمى الموقوف، اسم مفعول من الوقف ضد الرفع، والثالث: وهو ما أضيف إلى التابعي فمن دونه يسمى المقطوع، اسم مفعول من القطع، ويجوز في جمعه المقاطع والمقاطيع بإثبات الياء آخر الحروف وحذفها كالمساند والمسانيد، والمراسل والمراسيل، والمفاتح والمفاتيح، لكن المنقول في مثل المقاطيع عند البصريين سوى الجرمي الإثبات جزماً، والجرمي مع الكوفيين في جواز الحذف، واختاره ابن مالك. المرفوع: ما أضيف إلى النبي ﵊، والموقوف: ما أضيف إلى الصحابي، والمقطوع: ما أضيف إلى التابعي فمن دونه، قال ابن الصلاح في المقطوع: "هو غير المنقطع .. ، وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الشافعي وأبي القاسم الطبراني وغيرهما، وعكس ما ذكره ابن الصلاح عن الشافعي ما حكاه الخطيب عن بعض أهل العلم بالحديث أن المنطقع ما روي عن التابعي ومن ودنه موقوف عليه من قوله أو فعله، قال ابن الصلاح: "وهذا غريب بعيد" يقول الحافظ العراقي: وسمّ بالمقطوع قول التّابعي ... وفعله وقد رأى للشّافعي تعبيره به عن المنقطعِ ... قلت: وعكسه اصطلاح البردعي ويجوز إطلاق الموقوف على ما يروى عن التابعي فمن دونه لكن مع التقييد، إذا قيل: هذا موقوف فهو من قول صحابة، لكن إذا قيل: هذا موقوف على سعيد أو على الحسن البصري يجوز، يجوز إطلاق الموقوف على ما يروى عن التابعي فمن دونه لكن مع التقييد، فلك أن تقول: هذا الخبر موقوف على الحسن أو على سيعد أو نحوهما. الآن المرفوع فيه المتصل والمنقطع، صح وإلا لا؟ الموقوف فيه الموصول والمنقطع، المقطوع ها؟ هل يمكن أن يقال: متصل مقطوع؟ نعم إذا كان كل واحد ممن رواه قد سمعه ممن فوقه إلى التابعي فهو مقطوع، لكن هل نستطيع أن نقول: متصل مقطوع؟ قال بعضهم: لا يمكن، لماذا؟ للتنافر اللفظي بين الكلمتين، التنافر اللفظي بين الكلمتين، كيف تقول: مقطوع متصل؟ يعني مثل ما تقول: جاء الطويل القصير، إذا جاء رجل طويل عمره، عمره مائة سنة وقامته قصيرة هل تقول: جاء الطويل القصير، وأن تنظر إليه من زاويتين ...

стр. 312

شرح نخبة الفكر (١٠) شرح قول المصنف: "فإن قل عدده فإما أن ينتهي إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أو إلى إمام ذي صفة علية كشعبة، فالأول العلو المطلق، والثاني النسبي، وفيه الموافقة وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه، وفيه البدل وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك، وفيه المساواة وهي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين، وفيه المصافحة وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف، ويقابل العلو بأقسامه النزول فإن تشارك الراوي ومن روى عنه في السن واللقي فهو الأقران، وإن روى كل منهما عن الآخر فالمدبج، وإن روى عمن دونه فالأكابر عن الأصاغر، ومنه الآباء عن الأبناء، وفي عكسه كثرة، ومنه من روى عن أبيه عن جده وإن اشترك اثنان عن شيخ وتقدم موت أحدهما فهو السابق واللاحق، وإن جحد الشيخ مرويه جزماً رد أو احتمالاً قبل في الأصح، وفيه من حدث ونسي، وإن اتفق الرواة في صيغ الأداء أو غيرها من الحالات فهو المسلسل، وصيغ الأداء: سمعت وحدثني، ثم أخبرني، وقرأت عليه، ثم قرئ عليه وأنا أسمع، ثم أنبأني، ثم ناولني، ثم شافهني، ثم كتب إلي، ثم عن ونحوها، فالأولان: لمن سمع وحده من لفظ الشيخ، فإن جمع فمع غيره، وأولها أصرحها وأرفعها في الإملاء، والثالث والرابع: لمن قرأ بنفسه، فإن جمع فكالخامس، والإنباء بمعنى الإخبار إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة كـ (عن)، وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من مدلس، وقيل: يشترط ثبوت لقائمها ولو مرة وهو المختار، وأطلقوا المشافهة في الإجازة المتلفظ بها، والمكاتبة في الإجازة المكتوب بها، واشترطوا في صحة المناولة اقترانها بالإذن بالرواية، وهي أرفع أنواع الإجازة، وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة، والوصية بالكتاب وفي الإعلام وإلا فلا عبرة بذلك كالإجازة العامة، وللمجهول وللمعدوم على الأصح في جميع ذلك .. " الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير

стр. 313

عمره مائة سنة وقامته قصيرة هل تقول: جاء الطويل القصير؟ وأن تنظر إليه من زاويتين إلى قامته فتقول: القصير، وإلى عمره فتقول: الطويل، لا شك أن هذا تنافر لفظي مثله مثلما تقول: المتصل المقطوع، هذا تنافر لفظي، فمنهم من يمنع إطلاق المتصل على المقطوع الذي أضيف إلى التابعي فمن دونه لوجود هذا التنافر ومنهم من ينظر إليه مع انفكاك الجهة، فيقول: لا مانع من أن يقال: هو مقطوع باعتبار الإضافة إلى التابعي فمن دونه، وهو متصل باعتبار أن إسناده ليس فيه انقطاع. قال الحافظ ﵀: "ويقال للأخيرين: الأثر" يعني أنه يقال للأخيرين -وهما الموقوف والمقطوع-: الأثر، وهو في الأصل ما ظهر على الأرض من مشي الشخص، وهو في الأصل ما ظهر على الأرض من مشي الشخص، قال زهير: والمرء ما عاش ممدود له أثرُ ... لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثرُ قال ابن الصلاح: "وهو موجود في اصطلاح الفقهاء الخرسانيين"، تعريف الموقوف بالأثر، قال أبو القاسم الفوراني: "منهم الفقهاء يقولون: الخبر ما يروى عن النبي ﷺ ، والأثر ما يروى عن الصحابة ﵃ وقد وجد ذلك في كلام الأئمة كثيراً، ففي الرسالة للإمام الشافعي: وجهة العلم الكتاب والسنة والآثار"، وقال في الرسالة أيضاً: "وأما القياس فإنما أخذناه استدلالاً بالكتاب والسنة والآثار" وظاهر تسمية الإمام البيهقي كتابه المشتمل على الأنواع الثلاثة معرفة السنن والآثار، ومثله تسمية الطحاوي كتابيه: (شرح معاني الآثار) و (مشكل الآثار) يؤيد ما رآه المحدثون، كما عزاه إليهم النووي من إطلاق الأثر على الموقوف والمرفوع، فالأثر شامل لما يروى عن النبي ﵊، وما يروى عن الصحابة والتابعين، ويؤيده انتساب بعض المحدثين إلى الأثر كالحافظ العراقي يقول: يقول راجي ربّه المقتدرِ ... عبد الرّحيم بن الحسين الأثري

стр. 314

وفي الجامع للخطيب البغدادي من حديث عبد الرحيم بن حبيب الفاريابي عن صالح بن بيان عن أسد بن سعيد الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((ما جاء عن الله فهو فريضة، وما جاء عني فهو حتم وفريضة، وما جاء عن أصحابي فهو سنة، وما جاء عن أتباعي فهو أثر، وما جاء عن من دونهم فهو بدعة)) والخبر باطل لا أصل له، والفاريابي هذا رمي بالوضع. والمسند: مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال، المسند: مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال، المسند: مبتدأ خبره مرفوع صحابي أي ما رفعه الصحابي إلى النبي ﷺ بسند ظاهره الاتصال بأن يكون كل راوٍ من رواته قد تحمله عن من فوقه بطريق معتبر، قال ابن حجر: "فقولي مرفوع كالجنس"، مرفوع كالجنس، يعني يشمل المحدود وغير المحدود، "وقولي صحابي كالفصل يخرج ما رفعه التابعي فإنه مرسل" يعني وليس بمسند، أو من دونه فإنه معضل أو معلق، وقولي: "ظاهره الاتصال، يخرج ما ظاهره الانقطاع، ويدخل فيه الاحتمال وما يوجد فيه حقيقة الاتصال من باب أولى".

стр. 315

ويفهم من التقييد بالظهور أن الانقطاع الخفي كعنعنة المدلس والمعاصر الذي لم يثبت له اللقاء لا يخرج الحديث عن كونه مسنداً لإطباق الأئمة الذين خرجوا المسانيد على ذلك، وهذا التعريف موافق لتعريف الحاكم فإنه قال في المعرفة: "المسند ما رواه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه وكذا شيخه عن شيخه متصلاً إلى صحابي إلى رسول الله ﷺ " فعلى هذا يشترط لتسمية الخبر مسنداً الرفع مع الاتصال، وذهب ابن عبد البر في التمهيد إلى أن المسند المرفوع إلى النبي ﷺ خاصة، المسند المرفوع إلى النبي ﷺ خاصة، وقد يكون متصلاً كمالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ ، أو منقطعاً كمالك عن الزهري عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ، فهو وإن كان منقطعاً لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس فهو مسند؛ لأنه قد أسند إلى النبي ﷺ ، وعلى هذا فالمسند والمرفوع شيء واحد، والانقطاع يدخل عليهما جميعاً، ويلزم من ذلك شموله المرسل والمعضل، قال ابن حجر في النكت: "وهو مخالف للمستفيض من عمل أئمة الحديث في مقابلة بين المرسل والمسند فيقولون: أسنده فلان وأرسله فلان"، وذهب الخطيب إلى أن المسند ما اتصل إسناده ولو كان موقوفاً على الصحابي أو غيره، وقد عزاه في الكفاية لأهل الحديث، ثم قال: "إلا أن أكثر استعمالهم له فيما أسند عن النبي ﷺ خاصة". على هذا يكون المسند فيه ثلاثة أقوال: المسند المرفوع، المسند هو المرفوع سواءً كان متصل أو منقطع، ما رفع إلى النبي ﵊ دون ما يضاف إلى غيره، سواءً كان متصلاً أو منقطعاً، وهذا قول ابن عبد البر، أو هو المرفوع مع الاتصال، وهذا ما يراه الحاكم، والمرفوع إذا كان متصلاً، والمرفوع إذا كان متصلاً وهو قول الحاكم، ابن عبد البر يرى أن المسند هو المرفوع سواءً كان متصلاً أو منقطعاً، والخطيب يرى أن المسند ما اتصل إسناده، سواءً كان مرفوعاً إلى النبي ﵊ أو موقوفاً على غيره، قال الحافظ العراقي: والمسند المرفوع أو ما قد وصل ... لو مع وقف وهو في هذا يقل

стр. 316

والثالث الرّفع مع الوصل معا ... شرط به (الحاكم) فيه قطعا سم. "فإن قل عدده فإما أن ينتهي إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم" وصحبه وصحبه إن أضفت الآل فأضف الصحب، ذكرنا سابقاً أن الاقتصار على النبي ﷺ يتأدى به الطلب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب] فإذا اقتصرنا فلنقتصر على النبي ﵊، وإن أضفنا الآل فلنضف الصحب؛ لأن الآل أوصى بهم النبي ﵊، كما في الأحاديث الصحيحة، والصحب لهم حق على الأمة فمن طريقهم وصلنا الدين، وهم الذين نصروا الدين، وهم الذين نشروه، وهم الذين حفظوه، وهم الذين أدوه وبلغوه، فإذا زدنا على النبي ﵊ الآل فلنضف الصحب، لا سيما وأن الاقتصار على الآل صار شعاراً لبعض طوائف المبتدعة كالروافض، فلا نقتصر على الآل دون الأصحاب، كما أننا لا نقتصر على الأصحاب دون الآل؛ لأنه صار شعاراً لقوم آخرين من المبتدعة كالنواصب، فإذا أضفنا الآل فلنضف الصحب أو نقتصر على النبي ﷺ ، فإن قل عدده ... "فإن قل عدده فإما أن ينتهي إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أو إلى إمام ذي صفة علية كشعبة، فالأول العلو المطلق، والثاني النسبي، وفيه الموافقة وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه، وفيه البدل وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك، وفيه المساواة وهي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين، وفيه المصافحة وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف، ويقابل العلو بأقسامه النزول".

стр. 317

نعم، يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "فإن قل عدده" يعني إن قل عدد رجال الإسناد "فإما أن ينتهي إلى النبي ﷺ أو إلى إمام ذي صفة علية كشعبة، فالأول هو العلو المطلق، والثاني النسبي"، رجال الإسناد الموصل إلى المتن يتفاوتون من حديث إلى آخر قلة وكثرة، فبعض الأحاديث تروى بأسانيد قليلة، رجالهم عددهم قليل، وبعضها بأسانيد تطول ويكثر الرواة فيها، فالأول يسمى عند أهل العلم بالعالي، والثاني يسمى بالنازل، فالعالي ما قل عدد رواته، ما قَلَّت فيه الوسائط بين المصنف وبين النبي ﵊، والنازل: ضده ما كثر عدد رواته وكثرت الوسائط فيه بين المصنف والنبي ﵊، والمراد بقلة الرواة هنا بالنسبة إلى أي سند آخر يرد به ذلك الحديث بعينه بعدد أكثر، وقد عظمت رغبة المتأخرين في العلو حتى غلب ذلك على كثير منهم، بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه من الثبوت والفهم والاستنباط، وإنما كان العلو مرغوباً فيه لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ؛ لأنه ما من راوٍ من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظان التجويز، وكلما قلت قلت" قاله الحافظ، يعني ما من راوٍ من الرواة إلا ويحتمل أنه أخطأ فإذا كان عدد الرواة قليلاً كان الاحتمال قليلاً، وإذا كان عدد الرواة كثيراً كان هذا الاحتمال كثير. قال ابن الصلاح: "طلب العلو سنة، ولذلك استحبت الرحلة في الحديث"، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف"، وقد روينا أن يحيى بن معين قيل له في مرض موته: ما تشتهي؟ قال: "بيت خالي وسند عالي" هذه أمنيته، بيت خالي وسند عالي، بيت خالي ليخلو بربه، ويأنس بمناجاته وذكره، وسند عالي هذه غايته في هذه الدنيا، مش يتمنى .. ، يتمنى طول عمر، يتمنى قصور وضياع ومزارع، يتمنى أرصدة، لا، لا يتمنى هذا كله؛ لأن الدنيا لا شيء، لا تزن عن الله جناح بعوضة، والغنى الحقيقي غنى النفس، والله المستعان.

стр. 318

قال الحافظ: فإن كان في النزول مزية ليست في العلو كأن يكون رجاله أوثق أو أحفظ أو أفقه أو الاتصال فيه أظهر فلا تردد في أن النزول أولى، ونقل ابن كثير عن بعض المتكلمين أنه كلما طال الإسناد كان النظر في التراجم والجرح والتعديل أكثر فيكون الأجر على قدر المشقة، قال ابن كثير: "وهذا لا يقابل ما ذكرناه" معنى هذا الكلام عن بعض المتكلمين يقول: إن الإسناد النازل أفضل من الإسناد العالي، لماذا؟ لأنك وأنت تبحث في حديث رجاله ثلاثة مثلاً وكل واحد من هؤلاء الرواة يحتاج إلى ربع ساعة أنت في ساعة إلا ربع تنتهي من الحديث، صح وإلا لا؟ بينما لو كان الحديث تساعي تحتاج في تسعة كل واحد ربع ساعة نحتاج إلى ساعتين وربع، نعم، نحتاج إلى ساعتين وربع، فهذا أكثر مشقة، فهو أفضل والأجر على قدر النصب، نقول: لا، هذا أمر لا يعنيك وأنت من المتكلمين، أنت لا تفهم الصنعة، هؤلاء الثلاثة الذين روي من طريقهم كل واحد يحتمل أنه أخطأ من هؤلاء الثلاثة، وكل واحد من أولئك التسعة يحتمل أنه أخطأ، فاحتمال الخطأ في النازل أقوى من احتمال الخطأ في العالي، فالعلو أفضل، نعم. طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . أنت إذا نظرت إلى السند فوجدته برجال عدده أقل فهو عالي، وفي الغالب أن هؤلاء الثلاثة قد طالت أعمارهم، وإذا نظرت إلى الإسناد النازل وجدت أن رجاله أكثر، وفي الغالب أن أعمارهم المدد بينهم قصيرة فإن قل عدد رجال السند وانتهى إلى النبي ﷺ بذلك العدد القليل بالنسبة إلى أي سند آخر يرد به ذلك الحديث بعينه فهو العلو المطلق، يعني إذا كان العلو بين المصنف والنبي ﵊ هذا علو مطلق، لكن إذا كان العلو بين المصنف وبين إمام من أئمة الحديث كشعبة مثلاً، فهو علو نسبي فإن اتفق أن يكون مع العلو سند صحيح كان الغاية القصوى وإلا فصورة العلو فيه موجودة ما لم يكن موضوعاً فهو كالعدم.

стр. 319

وإن قل عدد رجال السند وانتهى إلى إمام من أئمة الحديث ذي صفة علية كالحفظ والضبط والإتقان والفقه والتصنيف وغير ذلك كشعبة ومالك وسفيان الثوري والشافعي والبخاري ومسلم وغيرهم فهو العلو النسبي وهو ما يقل العدد فيه إلى ذلك الإمام، ولو كان العدد من ذلك الإمام إلى منتهاه كثيراً. وأعلى ما في الكتب الستة الثلاثيات، ففي البخاري منها اثنان وعشرون حديثاً، غالبها عن المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع، أعلى ما في الكتب الستة الثلاثيات، في البخاري منها اثنان وعشرون حديثاً، وغالبها عن المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع، وليس في مسلم ولا حديث ثلاثي، وكذلك أبو داود والنسائي، ابن ماجه فيه شيء يسير وكذلك الترمذي، وفي المسند أكثر من ثلاثمائة حديث ثلاثي لقدم مؤلفه وهي مجموعة شرحها السفاريني في مجلدين كبيرين، شرح ثلاثيات المسند، وكثير من أحاديث الموطأ ثنائيات وثلاثيات لتقدم الإمام مالك على الإمام أحمد أيضاً. في سنن أبي داود حديث اختلف فيه هل هو ثلاثي أو رباعي؟ كيف؟ السند أمامنا موجود، ولا نعرف أن نحسب كم عدد الرواة؟! حديث أبي برزة في الحوض اختلف فيه هل هو ثلاثي أو رباعي؟ أبو داود يروي أصل الخبر عن ثلاثة، يرويه عن أبي برزة بواسطة اثنين، فالقصة ثلاثية، لكن الخبر الذي هو المقصود المرفوع في الحوض رباعي؛ لأن الواسطة بين أبي برزة وبين الراوي عنه رجل مبهم، فهو رباعي وليس بثلاثي، وإن زعم بعضهم أنه ثلاثي لأن القصة ثلاثية. قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "وفيه الموافقة" في العالي الموافقة، "وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه"، وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه، تصل إلى محمد بن بشار من غير طريق البخاري، تصل إلى قتيبة بن سعيد من غير طريق مسلم وهكذا. "وفيه البدل، وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك"، تصل إلى غندر -محمد بن جعفر- من غير طريق البخاري، ومن غير طريق محمد بن بشار وهكذا.

стр. 320

"وفيه المساواة وهو استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين" المساواة يعني في البخاري حديث تساعي وعند الحافظ العراقي أحاديث تساعيات ساوى فيها البخاري هذه مساواة، لكن هل هو عالي عند البخاري وإلا نازل؟ تساعي؟ نازل جداً، عالي عند الحافظ العراقي وإلا نازل؟ عالي جداً؛ لأن البخاري ﵀ مات سنة مائتين وستة وخمسين، والعراقي مات سنة ثمانمائة وستة، بينهم خمسة قرون ونصف، ويروي الحديث عن النبي ﵊ بواسطة تسعة، والعراقي يروي الحديث بواسطة تسعة، هذا عالي بالنسبة للعراقي وهذا نازل بالنسبة للبخاري. "وفيه المصافحة وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف" فكأن الإمام العالم المتأخر صافح ذلك الإمام القديم؛ لأنه ساوى تلميذ ذلك المصنف القديم فكأنه صافحه، لما عرف الحافظ العلو ووضح المراد به، وذكر قسميه المطلق والنسبي، ذكر أقسام ثاني نوعيه وهو النسبي، فأول هذه الأقسام: الموافقة، وعرفها ابن الصلاح بقوله: هي أن يقع لك الحديث عن شيخ مسلم فيه مثلاً عالياً بعدد أقل من العدد الذي يقع لك ذلك الحديث عن ذلك الشيخ إذا رويته عن مسلم عنه، ومثل له الحافظ بما إذا روى البخاري عن قتيبة عن مالك حديثاً فلو رويناه من طريقه، يعني لو رويناه من طريق البخاري كان بيننا وبين قتيبة ثمانية، هذا كلام الحافظ، ولو روينا ذلك الحديث بعينه من طريق أبي العباس السراج عن قتيبة مثلاً لكان بيننا وبين قتيبة سبعة، فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاري في شيخه بعينه مع علو الإسناد على الإسناد إليه. هذه الأنواع يعتني بها كثير من الذين يصنفون في التراجم والسير، والحافظ الذهبي يعتني بذلك كثيراً في سير أعلام النبلاء وفي تاريخ الإسلام وفي تذكرة الحفاظ، ويذكر من أحاديث المترجم ما يقع له عالياً، يعتني بذلك كثيراً.
следующие страницы →