Полный текст (3 236 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
وفي سابع رجب قدم كتاب اقباي نائب الشام أن قجقار نائب حلب رحل عن حصار كركر بغير علمه، فوصل كتاب قجقار يعتذر عن ذلك بأنه بلغه أن قرا يوسف واقع قر يلك فهزمه وأن من معه خافوا من قرا يوسف، فلما حل ذلك رحل فأجيب نائب الشام بأن يستمر على الحصار، ووقع الغضب على قجقار، ثم طلب خليل نائب كركر الصلح من نائب الشام فراسل السلطان في ذلك، ودخل السلطان حلب في ثالث عشر رجب فوجد أهلها في وجل شديد من قرب قرا يوسف، فاطمأنوا بحضور السلطان، وأمر السلطان بتكملة القصر الذي كان جكم قد شرع في عمارته فعمر في أسرع وقت، وقعد السلطان فيه في آخر الشهر وأمر بصلب مقبل القرماني ورفاقه، ووصل النواب في سابع عشر رجب، فأغلظ السلطان لقجقار يوبخه على سرعة رحيله، فأجاب بغلظة فأمر بالقبض عليه فسجن بقلعة حلب ثم أفرج عنه من يومه وأرسله إلى دمشق بطالاً، وقرر يشبك نائب طرابلس في نيابة حلب، وقرر بردبك في نيابة طرابلس، وقرر ططر رأس نوبة موضع بردبك، ونقل جارقطلو إلى نيابة صفد، وقرر في نيابة حماة نكباي ونقل خليل الجشاري نائب صفد حاجباً بطرابلس فاستعفى فأعفي، وقرر عوضه سودون -
стр. 2312
قرا صقل وتوجه النواب إلى بلادهم، وحضر السلطان حميد الدين رسول قرا يوسف ورسول صاحب حصن كيفا يسأل أن ينعم عليه بانتسابه إلى السلطان واستمراره نائباً من نوابه، فخلع على قاصده وخلع على قاصد قرا يوسف وأعيد إلى مرسله.
وفي شعبان أصلح السلطان بين حديثه أمير آل فضل وبين غنام ابن زامل وحلفهما على الطاعة، وخلع على محمد بن دلغادر بنيابة الأبلستين.
ووصل قاصد كردي بك ومعه سودون اليوسفي أحد من هرب في وقعة قانباي فسمر تحت قلعة حلب ثم وسط.
وفي شعبان قبض ابن عثمان على محمد بن قرمان وعلى ولده مصطفى بعد أن حاصره بقونية واستولى عليها وعلى غالب بلاد ابن قرمان قيسارية وغيرها.
وفي أواخر شعبان سجن طرغلي وابن عمه طغريل ابنا سقل سيز وسجنا - بقلعة حلب، وقرر محمد بك - التركماني في نيابة شيزر عوضاً عن طرغلي، وقرر مبارك شاه في نيابة الرحبة عوضاً عن عمر ابن شهري.
стр. 2313
ووصل في سابع عشر شعبان كتاب قرا يلك واسمه طورغلي التركمان بأنه اصطلح مع قرا يوسف وتسلم قرا يوسف عنه مدينة صور وعوضه عنها بألف ألف درهم، ومائة فرس ومائة جمل ورحل عنه إلى تبريز في رابع شعبان، فقريء كتابه على العسكر فاطمأنت نفوس أهل حلب بعد أن كانوا تهيئوا للرحيل إلى القاهرة فراراً من قرا يوسف، وثم وصلت الكتب من نائب البيرة وقلعة الروم ونائب كختا ونائب ملطية بنظير كتاب قرا يلك، فرحل السلطان من حلب في ثامن عشر شعبان، ودخل دمشق في ثالث رمضان، وقبض على أقباي نائب الشام وسجنه بقلعة دمشق، وكان المؤيد قد اشتراه صغيراً، ورباه ورقاه في خدمته إلى أن صار دويداراً كبيراً ثم ولاه نيابة حلب ثم دمشق وكان يتدين ويحب العدل ويسمو بنفسه وعلو همته إلى معالي الأمور، وكان السلطان غضب منه لكونه آوى جماعة من العصاة الذين خرجوا مع قانباي فهم به، فبلغه ذلك فقدم مسرعاً فأغضى السلطان عنه ورده إلى نيابة الشام، فنقل عنه بعض أعدائه أنه يهم بالخروج على السلطان، فاستدعاه السلطان يوم الركب ووبخه وعدد له من ذنوبه وأمر بالقبض عليه، وقرر تنبك في نيابة الشام بعد امتناع، ورضى عن قجقار القردمي وقرره أميراً بتقدمة ألف بمصر، وأفرج عن الطنبغا العثماني ونقله إلى
стр. 2314
القدس بطالاً، وقرر في نيابة حلب يشبك اليوسفي وفي نيابة القلعة شاهين الدويدار الأرغون شاه - فأحسن السيرة وشرع في تحصين البرجين بسفح القلعة: أحدهما وهو القبلي سوق الخيل، والآخر وهو الشمالي على باب الأربعين، وبذل الجهد في ذلك، وأمر المؤيد بعمارة السور القديم. الذي استهدم من زمن هلاكو وهو محيط بمدينة حلب.
وبرز السلطان من دمشق في رابع عشرة، وقدم بيت المقدس في خامس عشر منه، وفرق على الفقراء مالاً، وجلس بالمسجد الأقصى بعد الصلاة، وقريء البخاري بحضرته من ربعة وختم، ومدح الوعاظ، وكان وقتاً حسناً، ثم توجه إلى الخليل فزار وتصدق أيضاً، ووصل إلى غزة في ثامن عشر منه، وصلى العيد على المصطبة المستجدة ظاهر غزة، ورحلوا من آخر يوم العيد فقدم خانقاه سرياقوس تاسع الشهر فأقام بها إلى رابع عشر شوال، وبات ليلة النصف بخليج الزعفران فأصبح باكره فرأيته - خلع على الأمراء وأصحاب الوظائف، وكانت خلع
стр. 2315
القضاة بسمور إلا المالكي فإنها كانت بسنجاب لكونه لم يسافر معهم، ودخل القاهرة في نصف الشهر وابنه إبراهيم يحمل القبة على رأسه فشق القاهرة وقد زينت له، ودخل جامعه الجديد ومد له - الأستادار سماطاً حافلاً فأكل منه، ثم مد له سماط آخر حلوى فتنوهبت، ثم ركب إلى القلعة وفرش الأستادار لخيله شققاً حريراً من أوائل الحسينية إلى القلعة.
وفي تاسع عشرة استقر طوغان أمير آخور عوضاً عن تنبك يبق نائب الشام، وقرر الطنبغا المرقبي وكان نائب قلعة حلب في الحجوبية الكبرى، وقرر قجقار القردمي أمير سلاح على عادته قبل نيابة حلب، وخلع على الأستادار بالاستمرار وأضيفت إليه أستادارية إبراهيم ابن السلطان، ورخصت الجمال عند خروج الحجاج جد الكثرة ما ورد مع العسكر.
ثم ركب السلطان في ثاني عشري شوال إلى الصيد ورجع فنزل بيت الأستادار، فخدمه بعشرة آلاف دينار، وركب من منزله حتى شاهد الميضاة، التي أنشأها الأستادار بجوار الجامع المؤيدي، وكان فرغ الأستادار منها في مدة يسيرة.
وفي خامس عشري من شوال استعفى فخر الدين الأستادار من الوزارة فقرر فيها أرغون شاه وكان أستادار نوروز بالشام في السادس
стр. 2316
والعشرين من شوال فباشر الوزارة بحرمة وصولة، وقدم الأستادار للسلطان عند قدومه من السفر أربعمائة ألف دينار عيناً، ثمانية عشرة ألف إردب غلة، فمن ذلك أربعين ألف دينار حصلها من ديوان الوزارة بعد التكفية في هذا المدة اللطيفة، وثمانون ألف دينار جباها من النواحي، وثلاثون ألف دينار من ماله هو، وكان حمل إلى الشام قبل ذلك مائة ألف دينار، فاستعظم السلطان ذلك وتقرر عنده أنه لا نظير له في المباشرين، ولم يسمع فيه بعد ذلك لومة لائم، فعوجل فخر الدين عن قرب ولم ينفعه ما ظلم الناس به.
وفي يوم الثلاثاء العشرين من شوال أدير المحمل وقرر أمير الحاج يشبك الدويدار الثاني، ولم تكن العادة بإدارته إلا يوم الاثنين أو الخميس واتفق أن أمير الركب هذا لما بلغه ما وقع لأخيه آقابي - نائب الشام خشي على نفسه فهرب من المدينة بعد الرجوع، فقام بأمر الحاج اسنبغا الفقيه إلى أن وصلوا إلى القاهرة، وأخبر الحاج لما رجعوا بأن السنة كانت شديدة الرخص حتى بيع الجمل الدقيق بستة دنانير
стр. 2317
أفلورية - ويقال إنه استقام على الذي جلبه باثني عشر.
وفي الرابع والعشرين من شوال أخرج قباي ومن بالقلعة من المسجونين فخرج نائب القلعة في إثره إلى باب الجديد وركب نائب الشام فأغلق آقباي باب القلعة واعتصم بها، وحاصره تنبك يبق وراسل السلطان بذلك، واستمر يومين، فوشي إلى النائب بأن آقباي قد خرج في النهر ومشى فيه إلى طاحون باب الفرج فقبض عليه هناك وعلى بعض أصحابه، فعوقب عقوبة شديدة على صنيعه ثم قتل بأمر السلطان وقدم برأسه في الثاني من ذي الحجة، وقرر في نيابة القلعة شاهين الحاجب الثاني وقرر في الحجوبية عوضه كمشبغا طولو.
وقرر في تقدمة التركمان عوضه شعبان بن اليغموري أستادار الديوان المفرد بدمشق.
وفي تاسع ذي القعدة وصل رسول قرا يلك في هذا الشهر فانحل سعر عامة المبيعات من الغلال وغيرها، وكان في الظن أن يلغو ذلك بقدوم العسكر فجاء الأمر بخلاف ذلك.
فلما كان في ذي الحجة قلت الغلال وزاد سعر القمح وغيره مائة درهم الإردب وأزيد، وكان السبب في ذلك قلة المطر في الشتاء فجفت الزروع وهافت، فمنع من عنده قمح وغيره من البيع، فلطف الله تعالى بنزول الغيث في رابع عشر ذي الحجة وهو الموافق لإمشير فجادت الزروع ونمت وزكت وتراخى السعر ولله الحمد.
стр. 2318
وفيها عصى محمد شاه بن قرا يوسف على أبيه في بغداد وامتنع من الوصول فأراد أبوه أن يحاصره، فأشير عليه بعدم التعرض له فتركه، وشرع محمد المذكور في جمع المال فحصل منه شيئاً كثيراً.
وفيها قتل الشيخ نسيم الدين التبريزي نزيل حلب وهو شيخ
стр. 2319
الحروفية وقد تقدم ذكر شيخه فضل الله في حوادث سنة أربع وثمانين، وأما هذا فإنه سكن حلب وكثر أتباعه وشاعت بدعته فآل أمره إلى أن أمر السلطان بقتله فضربت عنقه وسلخ جلده وصلب، وقد وقع لبعض
стр. 2320
أتباعه كائنة في سلطنة الأشراف وأحرقت كتابه معه فيه هذا الاعتقاد وأردت تأديبه فحلف أنه لا يعرف ما فيه وأنه وجده مع شخص فظن أن فيه شيئاً من الرقائق فأطلق، بعد أن تبرأ مما في الكتاب المذكور تشهد والتزم أحكام الإسلام، وكان سبب وقوع ذلك أن شخصاً شريفاً قدم من الشام وذكر أنه لم يزل يسعى في الإنكار على هؤلاء إلى أن عثر بهذا وكتب له مرسوم بالقيام عليهم في بلاد الشام، ثم قدم علينا شخص من أهل أنطاكية فذكر لنا عنهم أموراً كثيرة وكتب له مراسيم بالقيام عليهم وذلك في سنة ٨٤١.
من الحوادث غير ما يتعلق بسفر السلطان
في المحرم وضعت جاموسة ببلقس مولوداً برأسين وعينين وأربعة أيد وسلسلتي ظهر ودبر واحد ورجلين اثنتين لا غير وفرج واحد أنثى والذنب مفروق باثنين، فكانت من بديع صنع الله.
وفي العشرين من المحرم عرض القاضي زين الدين عبد الباسط الكسوة التي استعملها فكانت في غاية الحسن، وكان الموت في جمال الحاج كثيراً فتضرر طوائف من الحاج وغلا السعر معهم.
وفي أواخر المحرم صرف منكلي بغا عن الحسبة وأعيد
стр. 2321
محمد بن يعقوب.
وفي صفر توجه فخر الدين الأستادار إلى الوجه البحري فأسعره ناراً من كثرة المصادرات حتى فرض على كل قرية وكفر وبلد ذهباً معيناً فحصله في أسرع مدة ومنع من بيده رزقه من قبض خراجها. وكان ذلك شيئاً عظيماً إلا أنه رجع عن ذلك. واستقوى على المستضعفين وتتبع من يعرف بالمال في الوجه البحري فبالغ في استخلاص الذهب منهم بالمصادرة والرماية وغير ذلك.
وفي ربيع الأول ابتدأ فخر الدين الأستادار بهدم الأماكن التي بظاهر المقس إلى قنطرة الموسكي إلى ما يقابل داره الجديدة التي كانت تعرف بدار بهادر الأعسر وكانت تعرف قديماً بدار الذهب وهي مطلة على الخليج الحاكمي. فشرعوا في الهدم ونقل التراب فدخل في ذلك من الدور والمساجد والحوانيت ما يكون قدر مدينة كبيرة، وأراد أن يعمل ذلك بستاناً كبيراً فشرع فيه، ثم أجرى الماء بعد وفاء النيل من الخليج الناصري ومات قبل أن يتم ما أراد من ذلك فصارت تلك النواحي مكانة مهولة بالأتربة.
وفي حادي عشر ربيع الأول قدم فخر الدين بن أبي الفرج من الوجه البحري، وفيه تهدمت الدور التي أحدثت فوق البرج الذي يجاور باب الفتوح واتخذ هناك مكان وأمر السلطان بحبس أولى الجرائم فيه عوضاً عن خزانة شمائل، وفيه كثر الإرجاف بمجيء الفرنج
стр. 2322
فشرع أهل الإسكندرية في حفر الخندق واستعدوا لذلك.
وفيه شرع فخر الدين في التجهز إلى جهة الصعيد ليفعل فيها ما فعله في الوجه البحري، فاستعد لذلك وجمع فرسان العربان من كل جهة وأوسع لهم في إخراج العدد التامة من أنواع السلاح، ووسع لهم في العطايا.
وخرج في سادس عشره في جمع كثير فأوقع بطوائف منهم يقال لهم عرب لهانة بناحية القلندون والأشمونين فانهزموا، واستمر متوجهاً وحصل له من البقر والجاموس والجمال والغنم ما لا يدخل تحت الحصر فإن بعضه هلك وبعضه وصل وشرعوا في رميه على الناس وقرر على البلاد الصعيدية نحو ما قرر على البلاد البحرية.
وفيه مات فرج بن الناصر فرج بن الظاهر برقوق بالإسكندرية مطعوناً، فشاع بالقاهرة أنه هو وأخوه والخليفة ماتوا جميعاً فلهج الناس بأنهم ماتوا بالسم، ثم تبين فساد ذلك وأنه لم يمت إلا هذا وحده بالطاعون، وانكسرت بموته حدة كثير من المماليك السلطانية الناصرية، وكانوا في كل وقت يشاع أنهم يريدون الثورة ليسلطنوه، وفشا الطاعون بالإسكندرية ودمياط، ووقع منه بالقاهرة شيء يسير بلغ في اليوم أربعين نفساً.
ومن الحوادث أن السلطان نزل في سادس ذي الحجة وحده بغير أمير من الأمراء إلى الجامع بباب زويلة فنظره وطلع إلى أعاليه وشاهد المواضع التي أخرت من الأبنية ولم يكن صحبته سوى الأستادار وكاتب السر ونحو عشرة من المماليك، فلما نزل من الجامع دخل بيت كاتب
стр. 2323
السر ثم خرج منه فدخل بيت زين الدين عبد الباسط ناظر الخزانة الشريفة.
وفي سابع عشر ربيع الآخر سقط من العمارة بالمؤيدية عشرة أنفس، فمات أربعة وكسر ستة.
وفي أواخر ربيع الآخر توجه مفلح رسول صاحب اليمن وصحبته بكتمر السعدي مملوك ابن غراب رسولاً عن السلطان.
في يوم الجمعة ثاني جمادى الأولى أقيمت الخطبة بالجامع المؤيدي ولم يكمل منه سوى الإيوان القبلي وخطب به عز الدين عبد السلام. . . ابن أحمد المقدسي الشافعي نيابة عن القاضي ناصر الدين البارزي، وتوجه الصاحب بدر الدين بن نصر الله ناظر الخاص إلى الشام في عاشر الشهر ومعه محضر بما أنفق في المؤيدية وكان ولده صلاح الدين حينئذ شاداً بها،
стр. 2324
ثم قدم فخر الدين الأستادار من الصعيد ومعه ستة آلاف بقرة وثمانية آلاف رأس غنم وألفا جمل وألفا قنطار قند، ومن العبيد والإماء شيء كثير جداً خارجاً عن الذهب، وشرع في رمي ذلك على الناس فعم الضرر أهل البوادي والحواضر، وحصل في هذه المدة اللطيفة من المال شيئاً كثيراً أرصده لمجيء السلطان.
وفي جمادى الأولى وقف النيل ونقص شيئاً كثيراً، ثم عاد واستمرت الزيادة فانحل سعر القمح بعد أن غلا.
وفي جمادى الآخرة صرف ابن يعقوب عن الحسبة وقرر عماد الدين ابن بدر الدين ابن الرشيد المصري، وكان ينوب في الحسبة عن التاج وغيره فسعى في الحسبة عن التاج وغيره فسعى في الحسبة استقلالاً عند نائب الغيبة، وألزم تعمير البرجين اللذين أحدهما بباب السلسلة تحت القلعة، وقدرت الغرامة عليهما بخمسمائة دينار فلم يمكن الأستادار مخالفته وكان ابن يعقوب من جهته، فاستمر معزولاً وساءت حال عماد الدين بعد ذلك وهرب كما سيأتي، ولو سلك طريق أبيه لكان أولى به فإن أباه ناب في الحسبة أربعين سنة متوالية ولم يطلب الاستقلال قط فمضى على سداد إلى أن مات، وانتهت زيادة النيل في هذه السنة في سادس عشر توت إلى عشر أصابع من عشرين ذراعاً.
وفي السادس من شعبان أمسك نصراني زنى بامرأة مسلمة فاعترفا بالزناء فحكم شرف الدين عيسى الأقفهسي برجمهما، فرجما خارج باب الشعرية ظاهر القاهرة عند قنطرة الحاجب، وأحرق النصراني ودفنت المرأة،
стр. 2325
وعاب الناس على القاضي صنيعه هذا من عدة أوجه منها استبداده بذلك وإسراعه بالحكم ودعوى المرأة الإكراه ولم يقبل ذلك منها إلا ببينة فأحضرت واحداً ولم يؤخرها حتى تسمع الشهادة لكون النصراني أسلم لما تحقق الرجم وغير ذلك، ثم جاني المذكور وتنصل مما نقم عليه، فالله أعلم.
وفي سادس شعبان رفع إلى الأستادار أن نصرانياً في خدمته يقال له ابن الحضري وقع منه ما يقتضي إراقة دمه فأحضر القاضي المالكي وكان من جيرانه وحضر معه خلق كثير، فادعى عليه فأنكر، فتشطرت البينة فحكم القاضي بتعزيره، فعند ما جرد ليضرب أسلم فترك واستمر، يباشر وهو غير محب الدين الآتي ذكره، وقرئ البخاري بالمدرسة المؤيدية، وحضر من كان يحضر في القلعة.
وفي هذا الشهر منع النصارى من تكبير العمائم، ولبس الفراجي والجبب بالأكمام الواسعة كهيئة قضاة الإسلام، وركوب الحمر الفره واستخدام المسلمين.
وفي نصف شعبان وصل كتاب السلطان من حلب بشرح سيرته
стр. 2326
في السفرة المذكورة في بلاد الروم وما ملك من القلاع التي لم يملكها أحد من الترك قبله وغير ذلك. فقرأته في الجامع الأزهر وكان يومه مشهوداً.
وفي الثامن عشر من شعبان أسلم الأسعد ابن الحضرمي النصراني كاتب الأستادار، وكان يميل إلى المسلمين حتى حفظ قطعة القرآن وشدا طرفا من النحو، فسماه فخر الدين محمداً ولقبه محب الدين.
وفي رمضان مات قاضي الحنابلة بدمشق شمس الدين ابن عبادة، وقرر بعده القاضي عز الدين المقدسي الحنبلي، ومات ابن عرب في أواخر ذي القعدة، واستقر عوضه في تدريس المؤيدية الشيخ محب الدين أحمد بن الشيخ نصر الله البغدادي.
وفي ثامن عشر رمضان توجه بركات بن حسن بن عجلان إلا مكة، والتزم فخر الدين الأستادار عنه وعن أبيه بمال للسلطان.
وفيه هم فخر الدين بنقل سجن أصحاب الجرائم المسمى
стр. 2327
بالخزانة إلى نصر الحجازية واستأجره وأمر بعمارته، ثم شغل عنه فلم يتم.
وفي ثامن ذي القعدة سار إبراهيم بن سلطان إلى الوجه القبلي لأخذ تقادم العربان وولاة الأعمال فقام بخدمته ابن محب الدين الكاشف.
وفي حادي عشر ذي القعدة قدم محمد وخليل ولدا الناصر فرج من الإسكندرية بعد الاعتقال بإذن السلطان، وقدمت رمة أخيهما فرج فدفنت عند جده الملك الظاهر.
وفي ذي القعدة خرج السلطان إلى البحيرة فوصل إلى رأس القصر، ثم رجع فنزل القصر الذي أنشأه كاتب السر بالشاطئ الغربي قريب منباية.
ثم في هذا الشهر كان لبعض أهل الصعيد غنم يزيد على عشرين ألف رأس فرعت في بعض المراعي فماتت عن آخرها، وقيل إن ذلك من المراعي وكان فيه من حشائش السم.
وفي سلخ ذي القعدة نودي أن يكون كل رطل ونصف من الفلوس بنصف درهم فضة من المؤيدية، وبلغ الذهب إلى مائتين وثمانين والأفلوري إلى مائتين وستين، وأمر الأستادار والوزير وناظر الخاص أن يشتريا
стр. 2328
من الفلوس ما استطاعوا، ففرض على الأستادار مائة ألف دينار وعلى الآخرين مائة ألف دينار، وأمر أن يحصلوا بثمنها فلوساً، ونودي: من كان عنده فلوس فليحملها إلى الديوان السلطاني وينكل من امتنع من حملها أو سافر بها، وساق فخر الدين الأستادار في الأضاحي إلى السلطان خاصة ألف رأس من الكباش العلوفة ومائة وخمسين بقرة، وقام عنه في التفرقة على الأمراء وغيرهم بعشرة آلاف رأس.
وفي سادس عشريه نزل السلطان إلى الجامع المؤيدي ثم إلى بيت كاتب السر وهو بثياب جلوسه.
وفي رابع عشري ذي القعدة أضيفت الحسبة إلى أقبغا شيطان الوالي وصرف عماد الدين، وقرر سودون القاضي في كشف الصعيد وصرف بدر الدين ابن محب الدين وأمر بإحضاره.
وفي تاسع عشري ذي الحجة قدم إبراهيم بن السلطان من السفر.
وفي ذي الحجة كانت الفتنة بدمياط، وكان وإليها ناصر الدين محمد السلاخوري سيء السيرة غاية في الظلم والفسق كثير التسلط على نساء الناس وأولادهم. فتعرض لناس يقال لهم السمناوية يتعيشون بصيد السمك من بحيرة تنيس ومساكنهم بجزائر يقال لها العزب بضم العين وفتح الزاي بعدها موحدة فأنفوا من سوء فعله وفحش سيرته فتجمعوا
стр. 2329
ليوقعوا به ففر إلى داره فحاصروه الأدب أنهما ليسا له لأنه لم يقع له قريب من ذلك. بها، فرماهم بالنشاب فقتل منهم واحداً وجرح ثلاثة، فازداد حنقهم وتكاثروا إلى أن هجموا عليه. فهرب في البحر في سفينة إلى الجزيرة فتبعوه فتناوبوا ضربه وردوه إلى البلد وحلقوا نصف لحيته وشهروه على جمل والمغاني تزفه ثم قتلوه. ثم أخرجوا الوالي من الحبس فأرادوا إثبات محضر يوجب قتله، فبادر سفهاؤهم فقتلوه وسحبوه وأحرقوه بالنار ونهبوا داره وسلبوا حريمه وأولاده فقتل من أولاده صغير في المهد وقيل مات من الرجفة، فكانت هذه الكائنة من الفضائح.
وفي تاسع عشري ذي الحجة طرق جمع من الحرامية وفيهم فارسان داخل القاهرة فمروا على باب الجامع الأزهر ووصلوا إلى رحبة الأيدمري، فنهبوا عدة حوانيت وقتلوا رجلين ورجعوا إلى حارة الباطلية فتوزعوا فيها فلم يتبعهم أحد، فكانت من الفضائح أيضاً.
وفيها في أواخرها مالت المئذنة التي بنيت على البرج الشمالي بباب زويلة للجامع المؤيدي، وكادت أن تسقط واشتد خوف الناس منها وتحولوا من حواليها فأمر السلطان بنقضها، فنقضت بالرفق إلى أن أمن شرها، وعامل السلطان من ولى بناءها بالحلم بعد أن كان أرجف بأنه يريد أن يغرمهم جميع ما أنفق فيها، فهدمت وشعر في بناء التي تقابلها،
стр. 2330
واتفق أن كان ناظر العمارة بهاء الدين ابن البرجي كما تقدم فأنشد تقي الدين بن حجة في ذلك:
على البرج من بابي زويلة أنشئت … منارة بيت الله والمعهد المنجي
فأخنى بها البرج الجنيت أمالها … ألا صرحوا يا قوم باللعن للبرجي
وقال شعبان بن محمد بن داود الأثاري في ذلك وكان قدم القاهرة في هذه السنة.
عتبنا على ميل المنار زويلة … وقلنا تركت الناس بالميل في هرج
فقالت قربني برج نحس أمالني … فلا بارك الرحمن في ذلك البرجي
وكنت قلت قبل ذلك وأنشدتهما في مجلس المؤيد:
لجامع مولانا المؤيد رونق … منارته بالحسن تزهو وبالزين
نقول وقد مالت عن القصد أمهلوا … فليس على جسمي أضرمن العين
فأراد بعض الجلساء العبث بالشيخ بدر الدين العيني فقال له إن فلانا قرض بك. فغضب واستعان بمن نظم له بيتين ينقض هذين البيتين ونسبهما لنفسه، وعرف كل من يذوق الأدب أنهما ليسا له لأنه لم يقع له قريب من ذلك.
стр. 2331
وأنشد بعض الأدباء بنقض الأمرين وهو نجم الدين ابن النبيه الموقع:
يقولون في ميل المنار تواضع … وعين وأقوال وعندي جليها
فلا البرج أخنى والحجارة لم تعب … ولكن عروس أثقلتها حليها
وفي هذه السنة ملك أويس بن زادة بن أويس بن حسين البصر، انتزعها من مانع أمير العرب بعد حروب، وكانوا انتزعوها منهم من إمارة عمه أحمد بن أويس من أوائل القرن، وقوى أويس المذكور وانضم إليه عسكر عمه.
وفي أواخر هذه السنة هرب يشبك الدويدار الثاني من المدينة النبوية وهو يومئذ أمير الحاج المصري، والسبب في هربه أنه بلغه ما اتفق في أفباي نائب الشام وكان من إخوته فخاف، وبلغه أيضاً أن
стр. 2332
السلطان كتب إلى مقبل أمير ينبع أن يقبض عليه، فأخر مقبل ذلك إلى أن رحل المذكور من المدينة فقبض عليه هناك، فاستشعر ذلك فاختفى بعد رحيل الحاج من المدينة، فلما نزلوا البركة لم يقفوا له على خبر فسار بهم أقبغا الزيني دويداره وترفق في سيره بالحاج ونبالغ في الإحسان م، فقدموا وهم يشكرونه، وكان الرخص كثيراً وكذلك المياه، ووصل يشبك في هربه إلى بغداد، فتلقاه محمد شاه بن قرا يوسف فأكرمه ثم هرب منه إلى قرا يوسف نفسه في سنة اثنتين وعشرين فأكرمه وأقام عنده.
ذكر من مات في سنة عشرين وثمانمائة من الأعيان
إبراهيم صاحب شماخي وتلك البلاد، وهو من جملة من ينتمي لقرا يوسف.
أحمد بن أبي أحمد الفراوي المالكي، اشتغل كثيراً وبرع في العربية وغيرها وشارك في الفنون وشغل الناس، وقد عين مرة للقضاء فلم يتم ذلك، مات في تاسع عشر شعبان.
أحمد بن الحسين بن إبراهيم الدمشقي محي الدين ابن المدني، ولد سنة إحدى أو اثنتين وخمسين، وعني بصناعة الإنشاء وباشر التوقيع
стр. 2333
من صغره في أيام جمال الدين ابن الأثير، وكان عاقلاً ساكناً، ودخل مصر بعد فتنة اللنك وباشر التوقيع ثم قدم مع شيخ ومعه صهره بدر الدين بن مزهر، فولي كتابة السر بدمشق في أوائل سنة ثماني عشرة، وكان عارفاً متودداً لا يكتب على شيء يخالف الشرع، وكان عنده انجماع عن الناس، وكان ينسب للتشيع، ومات في صفر وقد أنجب ولده نجم الدين حفظه الله.
أحمد بن يهود، الدمشقي الطرابلسي شهاب الدين النحوي الحنفي، ولد سنة بضع وسبعين وتعانى العربية فمهر في النحو واشتهر به واقرأ فيه، وشرع في نظم التسهيل فنظمه في تسعمائة بيت، ثم أخذ في التكملة فمات قبل أن ينتهي، وكان تحول بعد فتنة اللنك إلى طرابلس فقطنها، وانتفع بها أهلها إلى أن مات بها في آخر هذه السنة، وكان يتكسب بالشهادة.
أحمد الريفي الدمشقي ثم المكي، كان يؤدب الأولاد بدمشق
стр. 2334
خيراً كثير التلاوة، ثم إنه توجه إلى مكة وجاور بها نحواً من ثلاثين سنة وتفرغ للعبادة على اختلاف أنواعها، وأضر في آخر عمره، ومات بمكة.
أقباي الدويدار المؤيدي، قدمه المؤيد إلى أن ولاه الدويدارية الكبرى ثم نيابة حلب - وقد تقدم ذكر قتله في الحوادث.
أقبردي المنقار، مات بدمشق ولم يكن محمود السيرة.
أبو بكر بن محمد الجبرتي العابد، كان يلقب المعتمر لكثرة اعتماره، وكان على ذهنه فوائد، وللناس فيه اعتقاد، وينسبونه إلى معرفة علم الحرف، جاور بمكة ثلاثين سنة، ومات في سابع المحرم.
خضر بن إبراهيم، الروكي خير الدين نزيل القاهرة، كان من كبار التجار كأبيه، مات مطعونا في ذي الحجة.
داود بن موسى الغماري المالكي، عني بالعلم ثم لازم العبادة وتزهد، جاور بالحرمين أزيد من عشرين سنة، وكانت إقامته بالمدينة أكثر منها بمكة، مات في مستهل المحرم.
стр. 2335
سالم بن عبد الله بن سعادة بن طاحين القسنطيني نزيل الإسكندرية، وكان أسود اللون جداً فكان يظن أنه مولى وأما هو فكان يدعي أنه أنصاري، وكان للناس فيه اعتقاد وبين عينيه سجادة، وقد لازم القاضي برهان الدين بن جماعة واختص به وصار له صيت وطار له صوت، ثم صحب جمال الدين محمود بن علي الأستادار وكان له تردد كثير إلى القاهرة ومحاضرة حسنة، وعلى ذهنه فنون، وله أناشيد وحكايات، ومات بالإسكندرية في آخر هذه السنة وقد جاوز الثمانين.
عبد الله بن إبراهيم خليل، البعلبكي الدمشقي جمال الدين ابن الشرايحي ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الشيخ جمال الدين بن بردشْ وغيره، ثم دخل دمشق فأدرك جماعة من أصحاب الفخر وأحمد بن شيبان، ونحوهم فسمع منهم، ثم من أصحاب ابن القواس وابن عساكر، ثم من أصحاب القاضي والمطعم ومن أصحاب الحجار ونحوه ومن أصحاب الجزرى وبنت الكمال والمزي، فأكثر جداً وهو مع ذلك أمي، وصار أعجوبة دهره في معرفة الأجزاء والمرويات ورواتها
стр. 2336
والعالي والنازل. وليه مع ذلك فضائل ومحفوظات ومذاكرة حسنة، وكان لا ينظر إلا نظراً ضعيفاً، وقد حدث بمصر والشام، سمعت منه وسمع معي الكثير في رحلتي وأفادني أشياء، وكان شهماً شجاعاً مهاباً جداً كله، لا يعرف الهزل، وكان يتدين مع خير وشرف، قدم القاهرة بعد الكائنة العظمى فقطنها مدة طويلة، ثم رجع إلى دمشق وولي تدريس الحديث بالأشرفية إلى أن مات في هذه السنة.
عبد الله بن أحمد بن عبد العزيز بن موسى بن أبي بكر، العذري جمال الدين البشبيشي، ولد في عاشر شعبان سنة ٧٦٢، وقرأ في الفقه والنحو، وأخذ عن شيخنا الغماري وابن الملقن، وتكسب بالوراقة وكتب الخط الجيد، وصنف كتاباً في المعرب وكتاباً في قضاة مصر، ونسخ بخطه كثيراً، وناب في الحسبة عن صاحبنا الشيخ تقي الدين المقريزي، وكان ربما جازف في نقله، سمعت من فوائده كثيراً، ومات بالإسكندرية في ذي القعدة.
стр. 2337
عبد الرحمن بن محمد بن حسين، السكسكي البربهي التعزي، أحد الفضلاء باليمن، برع في الفقه وغيره، ثم حج فلما رجع مات وهو قافل في ثالث المحرم.
عبد الوهاب بن نصر الله بن حسن، الفوي نزيل القاهرة تاج الدين أخو ناظر الخاص، ولد سنة ستين وسبعمائة، وباشر بجاه أخيه كثيراً من الوظائف مثل نظر الأوقاف والأحباس وتوقيع الدست ووكالة بيت المال ونيابة كاتب السر في الغيبة وخليفة الحكم الحنفي، وكان يحب العلم والعلماء ويجمعهم عنده ويتودد لهم، مات في ثالث عشر جمادى الآخرة، وكان أبوه إذ ذاك حياً فورثه مع أولاده.
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز، النويري ثم المكي القاضي عز الدين ابن القاضي محب الدين ابن القاضي جمال الدين ابن أبي الفضل العقيلي الشافعي، ولد سنة أربع أو خمس وسبعين واشتغل وهو صغير، وناب لأبيه في الخطابة والحكم، ثم اشتغل بعد وفاته في رمضان سنة تسع وتسعين إلى أن صرف في ذي الحجة سنة ثمانمائة بالشيخ جمال الدين ابن ظهيرة، ثم وليها مراراً، ثم استقرت بيده الخطابة وغيرها وانفرد جمال الدين بالقضاء، فلما مات سنة تسع عشرة استقر العز في الخطابة ونظر الحرم والحسبة حتى مات عز الدين في هذه
стр. 2338
السنة في ربيع الأول، وكان مشكور السيرة في غالب أموره، والله يعفو عنه.
محمد بن أبي بكر بن علي، المكي ثم الزبيدي - بفتح الزاي - جمال الدين النويري المصري ولد بالذروة من صعيد مصر سنة تسع وأربعين ونشأ بها، ثم سكن مكة وصحب القاضي وسمع من عز الدين بن جماعة، واشتغل قليلاً، وكان حسن التلاوة، طيب الصوت. ثم دخل اليمن بواسطة القاضي أبي الفضل رسولاً من مكة إلى السلطان واتصل بالأشرف صاحبها، فحظي عنده ونادمه وتولى حسبة زبيد، ثم تركها لولده الظاهر، وكان حسن الفكاهة فقرب من خاطره وصار ملجأ للغرباء لاسيما أهل الحجاز، واستمر في دولة الناصر بن الأشرف على منزله بل عظم قدره عنده، وكان ذا مروءة وتودد ونوادر ومزاح، وقد تزوج كثيراً جداً على ما أخبرني به، وهو أخو صاحبنا نجم الدين المرجاني
стр. 2339
شقيقه، مات الجمال المصري في ذي القعدة وخلف عشرين ولداً ذكراً.
محمد بن علي بن جعفر، البلالي نزيل القاهرة الشيخ شمس الدين وبلالة من أعمال عجلون، نشأ هناك وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وسلك طريق الصوفية وصحب الشيخ أبا بكر الموصلي، ثم قدم القاهرة فاستوطنها بضعاً وثلاثين سنة، واستقر في مشيخة سعيد السعداء مدة متطاولة مع التواضع الكامل والخلق الحسن وإكرام الوارد، وصنف مختصر الإحياء فأجاد فيه، وطار اسمه في الآفاق ورحل بسببه، ثم صنف تصانيف أخرى، وكانت له مقامات وأوراد، وله محبون معتقدون ومبغضون منتقدون، مات في رابع عشر شوال وجاوز السبعين.
محمد بن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن حمزة، عز الدين ابن العلاء ابن البهاء بن العز بن التقي سليمان المقدسي الحنبلي، ولد سنة أربع وستين وسبعمائة، وعني بالعلم، وسمع على ست العرب بنت محمد ابن الفخر وغيرها، ومهر في الفقه والحديث، وأخذ عن ابن رجب وابن المحب، وكان يذاكر بأشياء حسنة وينظم الشعر، ولما توقف على عنوان
стр. 2340
الشرف لابن المقرئ أعجبه فسلك على طريقه نظماً حسب اقتراح صاحبه مجد الدين عليه فعمل قطعة أولها:
أشار المجد مكتمل المعاني … بأن أحذو على حذو اليماني
وحفظ المقنع، وناب في القضاء عن صهره شمس الدين النابلسي، ثم استقل به، ثم عزل بابن عبادة فأكثر المجاورة بمكة، ثم ولي المنصب بعد موت ابن عبادة فلم تطل مدته، ومات عن قرب في ذي القعدة، ودرس بدار الحديث الأشرفية بالجبل، وكان ذكياً فصيحاً، وكان في آخر عمره عين الحنابلة.
محمد بن محمد بن عبادة بن عبد الغني بن منصور الحراني الأصل الدمشقي الحنبلي شمس الدين، اشتغل كثيراً فمهر وصار عين أهل البلد في معرفة المكاتيب مع حسن خطه ومعرفته، وكان حسن الشكل بشوش الوجه حسن الملتقى، ثم ولي القضاء بعد اللنك مراراً بغير أهلية فلم تحمد سيرته، وكثرت في أيامه المناقلات في الأوقاف، وتأثل لذلك مالاً وعقاراً، وكان عرياً عن تعصب الحنابلة في العقيدة، مات في رجب وله سبع وخمسون سنة وقد غلب عليه الشيب.
стр. 2341
موسى بن علي بن محمد، المناوي ثم الحجازي الشيخ المشهور المعتقد، ولد سنة بضع وخمسين ونشأ بالقاهرة. وعنى بالعلم على مذهب مالك حفظ الموطأ وكتب ابن الحاجب الثلاثة وبرع في العربية، وحصل الوظائف ثم تزهد وطرح ما بيده من الوظائف بغير عوض وسكن الجبل وأعرض عن جميع أمور الدنيا، وصار يقتات بما ينبته الجبال، ولا يدخل البلد إلا يوم الجمعة ثم يمضي، ثم توجه إلى مكة سنة سبع وتسعين وسبعمائة فسكنها تارة والمدينة تارة على طريقته، ودخل اليمن في خلال ذلك، وساح في البراري كثيراً وكاشف وظهرت له كرامات كثيرة، ثم في الآخر أنس بالناس إلا أنه يعرض عليه المال الكثير فلا يقبله بل يأمر بتفرقته على من يعينه لهم ولا يلتمس منه شيئاً، وقد رأيته بمكة سنة خمس عشرة، وقد صار من كثرة التخلي ناشف الدماغ يخلط في كلامه كثيراً ولكنه في الأكثر واعي الذهن، ولا يقع في يده كتاب إلا كتب فيه ما يقع له سواء كان الكلام منتظماً أم لا، وربما كان حاله شبيه حال المجذوب، وكان يأخذ من بعض التجار شيئاً بثمن معين وينادي عليه بنفسه حتى يبيعه فيوفي صاحب الدين وينفق على نفسه البقية، ولم يكن في الغالب يقبل من أحد شيئاً، وكان يكاتب السلطان فمن دونه بالعبارة الخشنة والورع الزائد، مات في شهر رمضان، وقيل في شعبان.
стр. 2342
مهنا بن عبد الله، المكي، كان من كبار الصلحاء، مات بمكة.
نعمان بن فخر بن يوسف، الحنفي شرف الدين، ولد سنة ثلاث وأربعين، وكان والده عالماً فأخذ عنه. قدم دمشق وجلس بالجامع بعد اللنك للأشغال ودرس في أماكن، وكان ماهراً في الفقه بارعاً في ذلك، مات في شعبان.
يحيى البجيلي، أصله من بجيلة زهران من ضواحي مكة، فأقام بمكة يتعبد حتى اشتهر، ومات في هذه السنة.
يوسف بن عبد الله، البوصيري نزيل القاهرة، أحد من يعتقده الناس من المجذوبين، مات في سادس عشري شوال، ويحكي بعض أهل القاهرة عنه كرامات.
سنة إحدى وعشرين وثمانمائة
استهل العشر الثالث من المائة التاسعة والخلفية المعتضد داود، والسلطان الملك المؤيد شيخ، وملك اليمن الناصر أحمد بن الأشرف، وأمير مكة حسن بن عجلان، وأمير المدينة عزيز بن هيازع، وأمير
стр. 2343
بلاد قرمان محمد بك بن علي بك بن قرمان ومرقب وما معها كرسجى ابن عثمان، وملك الدشت وصراي أيدكي وملك تبريز وبغداد قرا يوسف، ونائبه ببغداد ابنه محمد، وملك فارس وخراسان وهراة وسمرقند شاه رخ ابن اللنك، وملك تونس وما معها من المغرب أبو فارس، وسلطان الأندلس ابن الأحمر وأمير تلمسان. . . وأمير فاس. .
وفي ثالث المحرم زوج السلطان أستاداره ببعض أمهات أولاده بعد أن أعتقها، فعمل لها مهما عظيماً ذبح فيه ثمانية وعشرين فرساً وغير ذلك، وكان إذ ذاك ابتدأ به المرض فلم ينتفع بنفسه.
وفي أول هذه السنة ركب الطنبغا الجكمي نائب درندة على حسين بن كبك فتقنطرت به فرسه فقبض عليه وقتل، ونزل
стр. 2344
ابن كبك على ملطية فحاصرها، فبلغ السلطان ذلك فكتب إلى البلاد الشامية أن يخرجوا العساكر إلى قتال حسين بن كبك.
وفي يوم الرابع من المحرم صلى السلطان الجمعة بالجامع الطولوني فخطب به القاضي الشافعي وكان قد طلع ليخطب به في القلعة على العادة، فوجد السلطان قد ركب قبل الأذان لصلاة الجمعة فتبعه فدخل الجامع الطولوني فدخل قاعة الخطابة، فوجد خطيب الجامع وهو ولد ابن النقاش قد تهيأ ليخطب فتقدم هو وصعد المنبر، وحصل للخطيب بذلك قهر.
وفي الثالث من جمادى الأولى قتل حسين بن كبك، وذلك أن تغرى بردى الجمكي هرب من المؤيد من كختا فأقام بملطية عند نائبها الأمير منكلي بغا، فسار حسين بن كبك إلى ملطية فحاصرها، فهرب تغري يردى إلى حسين بن كبك فأكرمه، ثم سار حسين إلى أرزنكان وتغرى بردى صحبته ليحاصر بزعمه صاحبها، فغدر تغري بردى بحسين وهما جالسان يشربان فضربه بسكين في فؤاده فمات، وهرب إلى ملطية ثم توجه منها إلى حلب، فجهزه نائبها إلى المؤيد وأعلمه بما صنع، فأكرمه
стр. 2345
وخلع عليه وأعطاه إقطاعاً وخيلاً، وأمر لأمراء أن يخلعوا عليه، فحصل له شيء كثير.
وفي الخامس من المحرم توجه السلطان إلى وسيم فأقام هناك نحو العشرين يوماً، ثم رجع فنزل بالقصر الغربي بمنبابة وأمر الوالي أن يشعل البحر، فحصل من قشور النارنج والبيض ومن المسارج شيئاً كثيراً إلى الغاية، وعمرها بالزيت والفتائل، فأوقدها وأرسلها في الماء، ثم أطلق في غضون ذلك من النفط الكثير، فكانت ليلة عجيبة مر فيها من الهزل والسخف ما لا عهد للمصريين بمثله، وكان الجمع في الجانبين من الناس المتفرجين متوفراً وفي البحر من المراكب جمع جم.
وفي سادس عشري المحرم قبض على بيبغا المظفري أمير سلاح واعتقل بالإسكندرية، وذلك أن بعض الناس وشى به إلى السلطان
стр. 2346
فتخيل منه فقبض عليه.
وفي الثامن والعشرين من المحرم نودي بالقاهرة أن كل غريب يرجع إلى وطنه! فاضطربت الأعاجم وسعوا في منعه إلى أن سكن الحال واستقروا.
وفي رابع صفر وسط قرقماس نائب كختا في جماعة خارج باب النصر، وكانوا ممن أحضر صحبة السلطان في الحديد.
وفي سادس صفر عاد السلطان أستاداره في مرضه فقدم له خمسة آلاف دينار، وتوجه من بيته إلى بيت ناظر الخاص فقدم له ثلاثة آلاف دينار.
وفي هذه الشهر شرع السلطان في تنقيص سعر الذهب فنودي عليه في عاشر صفر أن يكون الهرجة بمائتين وثلاثين والأفلوري بمائتين وعشرين وأن تحط الفضة المؤيدية فتصير بسبعة دراهم كل نصف، فماج الناس وكثر اضطرابهم، فلم يلتفت إليهم وأستمر الحال، ثم أمر الوالي وهو المحتسب أن يطلب الباعة وتحط أسعار المبيعات بقدر ما انحط من سعر الفضة والذهب.
وفي نصف ربيع الأول جمع الوالي الباعة وأصعدهم إلى القلعة فقرر معهم جقمق الدويدار أن يكون الدرهم المؤيدي هو المتعامل به دون
стр. 2347
الذهب والفلوس ويكون النقد الرائج. وأن لا يأخذ التاجر في كل مائة ليشتري بها شيئاً ويبيعه عن قرب إلى درهمين، وطل من يومئذ النداء في الأسواق بالدراهم من الفلوس وصار النداء بالدراهم بالفضة المؤيدية.
وفي أول صفر عاد السلطان الأمير الكبير من مرض وقع له. ثم رجع إلى بيت جقمق الدويدار فأقام به إلى آخر النهار.
وفي شهر ربيع الأول قدم علاء الدين محمد الكيلاني الشافعي من بلاد المشرق فزار الإمام الشافعي ثم رجع فاجتمع بالسلطان، وكان قد وصف بفضل زائد وعلم واسع، فلم يظهر لذلك نتيجة ولم يظهر له معرفة إلا بشيء يسير من الطب، فكسد سوقه بعد أن نفق وتولى ناكصاً خاملاً.
وفي رابع عشره انتقض ألم السلطان برجله.
وفي هذا الشهر كاتب أهل طرابلس السلطان في سوء سيرة عاملهم وهو برد بك الخليلي وتجاوزه الحد في الظلم وترك امتثال مراسيم السلطان،
стр. 2348
فأرسل يطلبه، ومنعه أهل طرابلس من الدخول وكان قد خرج للصيد، فأرسل يطلبه، فقدم القاهرة في آخر ربيع الأول، فقرر في نيابة صفد بعد أن قدم مالاً جزيلاً بعناية زوج ابنته جقمق الدويدار.
وفيه قام أهل المحلة على وإليها ورجموه بسبب مبالغته في طلب الفلوس، ونزح كثير منهم إلى القاهرة، ووصل الذهب عندهم إلى سعر مائتين وتسعين من غير هذا الفلوس، واشتد الأمر في طلبها.
وفيه تنكر السلطان على القاضي جلال الدين البلقيني بسبب كثرة النواب، فبادر البلقيني فعزل من نوابه ستة عشر نفساً، ثم أمر بالتخفيف منهم فعزل منه أيضاً أربعين نفساً، ولم يتأخر منهم سوى أربعة عشر نائباً، ووقعت لأحد النواب الذين بقوا وهو سراج الدين الحمصي كائنه في حكم حكم به وعقد له مجلس فنقض حكمه وتغيب، والسبب فيه أن القمنى أراد ارتجاع بستان المحلى الذي بالقرب من الآثار فرتب الأمر مع كاتب السر والقاضي علاء الدين ابن مغلى وكان صديقه، فلما حضر القضاة وأهل الفتيا ظهر للسلطان التعصب فسألني عن القضية وقال: أنت تعرف الحال أكثر من هؤلاء؟ فذكرت له جلية الأمر باختصار، فبادر الحنفي ابن الديري وحكم بنقض حكم الحمصي، ثم قدم شمس الدين الهروي من القدس فأكرمه السلطان وأنكر على بعض القضاة عدم ملاقاته
стр. 2349
وشكر من لاقاه وسلم عليه، فانثالت عليه الهدايا والتقادم وأجريت له رواتب.
وفي ربيع الأول مات الشريف علي نقيب الأشراف، فاستقر بعده في النيابة ولده حسن، وفي نظر الأشراف فخر الدين الأستادار وكان أبل من مرضه.
وفيه وقع بالغربية مطر عظيم وفيه برد كبار زنة الحبة منه مائة درهم تلفت منه زروع كثيرة آن حصادها حتى أن مارسا فيه ثمانمائة فدان تلف عن آخره ومات أغنام كثيرة بوقوعه عليها.
وفيه أفرج عن سودون الاسندمري من سجن الإسكندرية.
وفي الثاني من جمادى الأولى فقبض على أرغون شاه الوزير وسلم للأستادار. وكذلك آقبغا شيطان الوالي، فتتبع حواشيهما وأسبابهما، واستقر علي بن محمد بن الطبلاوي في ولاية القاهرة عوضاً عن أقبغا ومحمد بن يعقوب الشامي في الحسبة عوضاً عنه وبدر الدين ابن محب الدين في الوزارة عوضاً عن أرغون شاه، وأفرج عن أرغون شاه في عاشر
стр. 2350
جمادى الأولى، ثم خلع عليه أمير التركمان فسار في جمادى الأول.
فلما كان يوم الأحد سابع عشري جمادى الأولى منع القاضي جلال الدين من الحكم بسبب شكوى جماعة للسلطان لما نزل إلى الجامع بباب زويلة من ابن عمه شهاب الدين العجمي قاضي المحلة وذلك في يوم السبت سادس عشريه فشغر المنصب يوم الأحد والاثنين، فلما كان يوم الثلاثاء استقر شمس الدين الهروي في قضاء الشافعية بالقاهرة ونزل معه جقمق الدويدار وجماعة من الأمراء والقضاة وحكم بالصالحية على العادة. وكان الهروي قد قدم قبل ذلك في آخر ربيع الأول، فبالغ العجم في التعصب له، وتلقاه بعضهم من بلبيس وبعضهم من سرياقوس، ونزل أولا بتربة الظاهر على قاعدة الأمراء، ثم طلع إلى القلعة صباحاً وسلم على السلطان يوم الأحد مستهل ربيع الآخر.
ولما استقرت قدم الهروي في القضاء راسل البلقيني يطلب منه المال الذي تحت يده من وقف الحرمين فامتنع، وكان أستأذن السلطان صبيحة عزله هل يدفع المال للهروي أم لا! فأمر له أن يتركه تحت يده، وكان البلقيني لما استقرت قدمه بعد سفر الإخناي إلى الشام في سنة
следующие страницы →