← История

История · id 26106

تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء

الصابئ، هلال بن المحسن

Полный текст (381 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

علي بن محمد بن موسى بن الفرات أبو الحسن علي بن محمد بن موسى بن الفرات، مولده في يوم الثلاثاء لخمس ليال خلون من رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين، والطالع القوس ياو، والزهرة فيه ياو، والقمر في الدلوح بن، وسهم السعادة فيه، كدلب، وزحل راجع في السرطان ب لح، والذنب فيه يزمو، والشمس في العقرب كه لح، والمشتري فيه وكا، وعطارد فيه ح مو، والمريخ فيه يح يه. وبنو الفرات من قرية تدعى بابلي صريفين، من النهروان الأعلى، وكان لهم بها

стр. 2

أقارب يزيدون على ثلاثمائة نفس. وأول من ساد منهم أبو العباس أحمد بن محمد ابن موسى بن الفرات، وكان حسن الكتابة، ظاهر الكفاية خبيراً بالحساب والأعمال، متقدماً على أهل زمانه في هذه الأحوال. فحدث محمد بن أحمد ابن أبي الأصبغ قال: ورد علي من أبي العباس بن بسطام كتاب بالترجمة احتجت إلى عرضه على أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، وهو إذ ذاك وزير المعتضد بالله رحمة الله عليه، فحضرت مجلسه، وفيه أبو أحمد بن يزداد وجعفر بن محمد بن حفص، وعرضت عليه ما كان ورد، وأمرني في جوابه بما رسم لي كتبه في مجلسه. فاستدعيت دواتي وجلست وراء مسنده وتشاغل بمسألة أبي أحمد وابن حفص عن أمور الأعمال والأموال، فما فيهما من أجابه بما شفاه، فطلب أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات وهو محبوس يومئذ مع أبي العباس أحمد أخيه، وقد لحقتهما مكاره، وعلق أبو العباس بحبال في يديه بقيت آثارها فيهما مدة حياته، وصودر على مائة وعشرين ألف دينار صح منها ستون، فجيء به من محبسه يرسف في قيوده، وعليه جبة دنسة وشعره طويل، فلما مثل بين يديه قال: الله الله أيها الوزير. وجعل يشكو ما أصابه وأصاب أبا العباس أخاه من المكاره. وفرائصه ترعد، فسكنه عبيد الله بن سليمان وقربه، وأجلسه وخاطبه بما أزال به روعه وخوفه. ثم خاطبه في المسألة عن أمر الأعمال والعمال، فانبسط أبو الحسن انبساط رجل جالس في الصدر، وأخذ يقول: ناحية كذا مبلغ مالها كذا، وقد حمل منه كذا وبقي كذا وعاملها مستقيم الطريقة، وناحية كذا على صورة كذا، وعاملها غير مضطلع بها وينبغي أن يستبدل به فيها. وناحية كذا على حال كذا، وعاملها ضعيف وينبغي أن يشد بمشارك أو مشارف.

стр. 3

حتى أتى على أمور الدنيا. قال ابن أبي الأصبغ: فاطلعت فرأيت وجه عبيد الله يتهلل، ثم قال له: اعتزل واعمل لنا عملاً يشتمل على جميع ما ذكرته لي مخاطبةً. واعتزل معه أبو عيسى محمد بن سعيد الديناري وأملى عليه ذلك وأحضره الثبت به. ثم سأله في أمره وأمر أبي العباس أخيه، وذكر له عظيم ما حل بهما ونيل منهما، فتقدم بفك قيودهما والتوسعة عليهما، ووعده بمسألة المعتضد بالله في بابهما والتلطف في استخلاصهما، وصرفه إلى موضعه. وقال لأبي أحمد بن يزداد وجعفر ابن محمد ابن حفص: قوما إلى دواوينكما. والتفت إلى من كان بين يديه وقال: أرأيتم مثل ابن الفرات ومثل كتابي الذين صرفوه؟! والله لأخاطبن الخليفة في العفو عن أبي الحسن وأبي العباس وأستعينن بهما، فإنه لا عوض للسلطان عنهما. ومضت أيام وخاطب في معناها واستوهبهما واستعملهما. وحدث أبو الفضل بن عبد الحميد الكاتب قال: لما تولى أبو القاسم عبيد الله ابن سليمان وزارة المعتضد بالله رحمة الله عليه والدنيا منغلقة بالخوارج، والأطماع مستحكمة من جميع الجوانب، والمواد قاصرة، والأموال معدومة، وقد استخرج إسماعيل بن بلبل خراج السواد لسنتين في سنة، وليس في الخزائن موجود من مال ولا صياغة أحتاج في كل يوم إلى ما لا بد منه من النفقات إلى سبعة آلاف دينار، وتعذر عليه قيام وجهها، وقال لي يوماً وهو في مجلسه من دار المعتضد بالله: يا أبا الفضل قد وردنا على دنيا خراب مستغلقة، وبيوت مال فارغة، وابتداء عقد لخليفة جديد الأمر، وبيننا وبين الافتتاح مدة، ولا بد لي في كل يوم من سبعة آلاف دينار لنفقات الحضرة على غاية الاقتصار والتجزئة،

стр. 4

فإن كنت تعرف وجهاً تعينني به فأحب أن ترشدني إليه وكنت أعرف منها وجوهاً بالنصف فقلت وأنا أحب تخليص بني الفرات: إن أردت أن أُحصل لك ذلك وزيادة فأطلق ابني الفرات واستعملهما. قال: فنهض ودخل على المعتضد بالله وعرفه الصورة وقال: أنا بعيد العهد بالعمل، وابنا الفرات قد خبرا الأعمال ووجوه الأموال، وعندهما من علم ذاك ما يحتاج إليهما فيه. فقال له المعتضد: وكيف تصلح لنا نياتهما وقد استفسدناهما وأسأنا إليهما وصادرناهما؟ فقال له: إذا أردت أن تصطنعهما وتستصلحهما صلحا ونصحا. فقال له المعتضد: ربما اجتمعا عليك وأفسدا بيني وبينك، والأمر في حبسهما وإطلاقهما إليك. فخرج وعرفني ما جرى، وأحضر أبا العباس وأدناه وقال له: قد استوهبتك وعملت على اصطناعك والاستعانة بك، فكيف تكون؟ قال: أبذل وسعي في كل ما قضى حقك وخفف عنك. وخرج إليه عبيد الله بما هو فيه، وقص عليه أمره فيما يعانيه، فقال له: يتقدم الوزير بإحضار أحمد بن محمد الطائي وعلي بن محمد أخي يعني أبا الحسن وتفردني وإياهما. ففعل عبيد الله ذلك، واعتزل أبو العباس وأبو الحسن وخاطبا الطائي على أن يضمناه أعمال الكوفة والقصر وباروسما الأعلى والأسفل وما يجري مع ذلك، وقررا معه الضمان على أن يحمل من ماله في كل يوم سبعة آلاف دينار، وفي كل شهر ستة آلاف دينار، وأخذا خطة بالتزام الضمان وتصحيح المال على ما تقرر من أوقاته، واستقبلا به في المياومة يومهما، وفي المشاهرة غدهما، وجاءا إلى عبيد الله فسلما إليه الخط. فلما وقف عليه استطير سروراً، ودخل إلى المعتضد وعرفه ما جرى، فقال له: قد كنت يا عبيد الله أعلم مني بهما، وما يجب إضاعة مثلهما. وصادرناهما؟ فقال له: إذا أردت أن تصطنعهما وتستصلحهما صلحا ونصحا. فقال له المعتضد: ربما اجتمعا عليك وأفسدا بيني وبينك، والأمر في حبسهما وإطلاقهما إليك. فخرج وعرفني ما جرى، وأحضر أبا العباس وأدناه وقال له: قد استوهبتك وعملت على اصطناعك والاستعانة بك، فكيف تكون؟ قال: أبذل وسعي في كل ما قضى حقك وخفف عنك. وخرج إليه عبيد الله بما هو فيه، وقص عليه أمره فيما يعانيه، فقال له: يتقدم الوزير بإحضار أحمد بن محمد الطائي وعلي بن محمد أخي يعني أبا الحسن وتفردني وإياهما. ففعل عبيد الله ذلك، واعتزل أبو العباس وأبو الحسن وخاطبا الطائي على أن يضمناه أعمال الكوفة والقصر وباروسما الأعلى والأسفل وما يجري مع ذلك، وقررا معه الضمان على أن يحمل من ماله في كل يوم سبعة آلاف دينار، وفي كل شهر ستة آلاف دينار، وأخذا خطة بالتزام الضمان وتصحيح المال على ما تقرر من أوقاته، واستقبلا به في المياومة يومهما، وفي المشاهرة غدهما، وجاءا إلى عبيد الله فسلما إليه الخط. فلما وقف عليه استطير سروراً، ودخل إلى المعتضد وعرفه ما جرى، فقال له: قد كنت يا عبيد الله أعلم مني بهما، وما يجب إضاعة مثلهما.

стр. 5

ووجدت عملاً يشتمل على ذكر أحمد بن محمد الطائي وما ضمنه من الأعمال، وشرطه على نفسه من حمل مال الضمان مياومةً إلى بيت المال، وقد شرح فيه وجوه خرج المياومة، وكانت نسخته: أصل ضمان أحمد بن محمد الطائي في أول أيام المعتضد بالله رحمة الله عليه أعمال سقي الفرات ودجلة وجوخى وواسط وكسكر وطساسيج نهر بوق والذيبين وكلواذي ونهر بين والراذانين وطريق خراسان مما شرط عليه أداؤه مياوماً في بيت المال من العين: ألفي ألف وخمسمائة ألف وعشرين ألف دينار. قسط كل شهر من ذلك مائتي ألف وعشرة آلاف دينار. وكل يوم سبعة آلاف دينار. تفصيل وجوه خرج المياومة مما شرط فيه ما قرره المعتضد بالله رحمة الله عليه منه: أرزاق أصحاب النوبة من الرجالة ومن برسمهم من البوابين ومن يجري مجراهم من جملة ثلاثين ألف دينار في الشهر ألف دينار. من ذلك البيضان من الجنابيين والبصريين وأصحاب المصاف بباب العامة، ومن على أبواب القواد المفلحية والديالمة والطبرية والمغاربة ويفتتح الاعطاء في مجلسهم بنحو مائة رجل من البوابين سبعمائة دينار.

стр. 6

السودان وأكثرهم مماليك الناصر ﵀ من زغاوة ونوبة ابتيعوا من مصر ومكة. ومنهم الزنج العجم المستأمنة من عسكر الخارجي بالبصرة ممن كان صبر معه وألقى نفسه عليه عند قتله، وهم غتم قح يأكلون لحوم الناس والبهائم الميتة، وقد عوقبوا على ذلك فلم يرجعوا، وكانوا منفردين لا يختلطون بالبيضان. ومن رسمهم أن ينوبوا في مصاف باب الخاصة وحوالي القصر، ولهم وظيفة يميزون بها لقلة رزقهم في اليوم ثلاثمائة دينار. أرزاق الغلمان الذين أعتقهم الناصر ﵀ ويعرفون بالغلمان الخاصة، وقد كان أضافهم في الجريد إلى الأحرار الذين أيام شهرهم خمسون يوماً ليكونوا مختلطين بالقواد والموالي، فلا يقدرون أنهم مفضلون عليهم في زيادة رزق أو نقصان مدة، وكانت أيام شهرهم في القديم أربعين يوماً فأساءوا الأدب في بعض الأوقات في مطالبة كانت منهم، فحلف أن يجعل أيام شهرهم خمسين يوماً، وفعل وجرى الأمر على ذاك. فلما قام المعتضد بالله نقلهم إلى جملة الأحرار وجعل أيام شهرهم ستين يوماً، وفيهم حاجبه وخلفاء الحجاب وعدتهم خمسة وعشرون رجلاً، خمسة ملازمون وعشرون نوبتيون. فإذا وقع سفر قريب أو بعيد أمر جميعهم بالملازمة الدائمة في المضرب والموكب، وكان لهم دواب في الاصطبل فأُسقطت علوفتها من مال الطمع من جملة ستين ألف دينار في الشهر ألف دينار.

стр. 7

فأما مماليك المعتضد بالله فإنه رتب أمرهم على المقام في القصر والحجر تحت مراعاة الخدم الأُستاذين، وسماهم الحجرية ومنعهم من الخروج والركوب إلا مع خلفاء الأُستاذين. أرزاق الفرسان من الأحرار والمميزين الذين كانت أيام شهرهم خمسين فجعلت تسعين ونسبوا عند ذلك إلى التسعينية. وكان المعتضد بالله عرض جمهور الجند في الميدان الصغير الذي فيه دار الأزج والأربعيني والمقاصير والسجون، وجلس لذاك في مجالس وخورنقات على ظهور المجالس والأروقة التي تلي بركة السباع، ويرتقى إليها من درجة في حجرة كانت هناك للوضوء، ولم يكن يدخل الدار الحسنية يومئذ إلا الخدم برسم الخدمة، وعبيد الله بن سليمان وبدر ورائد ومن رسمه أن يغلق أبواب البستان في الصحن الحسني، ويقف القواد والغلمان بين يديه في الميدان، ويجلس كتاب العطاء أسفل بحيث لا يراهم، ويتقدم القائد ومعه جريدة بأسماء أصحابه وأرزاقهم فيأخذها خادم منه ويصعد بها إلى المعتضد بالله، ويدعو عبيد الله بن سليمان بواحد واحد ممن فيها، فيدخل الميدان ويمتحن على البرجاص، فإن كان يرمي رمياً جيداً. وهو متمكن من نفسه، ومستقر في سرجه ومصيب أو مقارب في رميه، علم على اسمه ج وهي علامة الجيد، ومن كان دون ذلك علم على اسمه ط وهي علامة المتوسط، ومن كان متخلفاً لا يحسن أن يركب فرسه أو يرمي هدفه علم على اسمه د وهي علامة الدون. ثم يحمل بعد

стр. 8

العرض والامتحان إلى كتاب الجيش ليتأملوا حليته، ويقابلوا بها ما عندهم من صفته، لئلا يكون دخيلاً أو بديلاً، فأذا تكامل عرض أصحاب القائد دفعت جريدته التي فيها العلامات بخط المعتضد بالله إلى عبيد الله بن سليمان ليدفعها من وقتها إلى الكاتب، ويميز ما فيها من أرباب العلامات، ويفرد لكل صنف منهم جريدة، وإذا عمل الكاتب من ذاك ما يعمله، قابل عليه بنفسه لئلا يتم على عبيد الله مغالطة فيه ثم أخذ الجرائد المبيضات المجردات وسلم إلى عبيد الله ذات العلامات، وكل هذا من غير أن يعلم القائد وأصحابه بما يجري منه، ثم يخرج كل جريدة إلى مجلس قد أفرد لذلك الصنف، وجعل شهر الذين ارتضاهم وأمضاهم تسعين يوماً، وسماهم عسكر الخاصة. وضم المتوسطين إلى بدر ليكونوا في شحنة طريق خراسان والأنبار وزاذان ودقوقا وخانيجار، ودعاهم عسكر الخدمة، وجعل أيام شهرهم مائةً وعشرين يوماً، وأمر عبيد الله بن سليمان بأن يرسم الطبقة الدون بالخروج إلى أعمال الخراج للاستحثاث على حمل الأموال بعد أن يسقط منهم الراضة والأثبات المشاكلين للرعية، وأن يسبب أموالهم على النواحي في دفعتين من السنة، ويوفر عليهم مرافق المسقطين ومنافعهم ومكاسبهم، ويجعل منهم من يكون من أصحاب المعاون ببغداد وواسط والكوفة، وأمضى من أرزاق التسعينية المختارين ما كان لهم في أيام الناصر، وأسقط ثمن قضيم دوابهم وعلوفتهم، وهو للدابة في كل خمسة

стр. 9

وثلاثين يوماً أربعة دنانير، وللبغل ثلاثة دنانير ونصف، وللحمار برسم الرجالة ديناران، وأسقط من ثمن جراياتهم ووظائفهم نصف وربع دينار في كل شهر، فبلغ مال من أمضى من هؤلاء التسعينية مائةً وخمسةً وثلاثين ألف دينار في كل طمع قسط كل يوم من تسعين يوماً ألف وخمسمائة دينار. أرزاق المختارين الذين انتخبهم من كل قيادة، وكان عرفهم بالشهامة والشجاعة من المماليك الناصرية والبغائية والمسرورية والبكجورية واليائسية والمفلحية والأزكوتكينية والكيغلغية والكنداجية واستخلصهم لمواكبه وملازمة داره، والدخول أوقات جلوسه، والمقام من أول النهار إلى آخره، ورسم رشيقا القارئ لمراعاة أمورهم وتنجز حوائجهم واستخدامهم، وجعل أيام شهرهم سبعين يوماً من جملة مال طمعهم، وهو اثنان وأربعون ألف دينار، بقسط كل يوم ستمائة دينار. أرزاق الفرسان المثبتين في أيامه، والمميزين ممن ضم إلى بدر من عسكر الخدمة على ما تقدم من ذكره، وأيام شهرهم مائة وعشرون يوماً بحسب ما كان أوجبه ابن أبي دلف وصاحب أذربيجان للجبليين، ومال طمعهم ستون ألف دينار ولكل يوم خمسمائة دينار. أرزاق سبعة عشر صنفاً من المرسومين بخدمة الدار والرسائل الخاصة والقراء وأصحاب الأخبار والمؤذنين والمنجمين والفنجاميين والفرانقيين والأنصار والحرس والمكوس، والشيعة والسند وأصحاب الأعلام والبوقيين والمخرفين والمضحكين والطبالين ممن كان برسم النوبة، فنقل إلى المشاهرة التي أيام

стр. 10

كل شهر منها ثلاثون يوماً من جملة ثلاثة آلاف وثلثمائة دينار بقسط كل يوم مائة وعشرة دنانير. المرتزقة برسم الشرطة بمدينة السلام، والخلفاء عليهم، وأصحاب الأرباع والمصالح، والأعوان والسجانين وأصحاب الطوف والماصرين، ومن في جملتهم من الفرسان الذين ميزوا وأُلحقوا بطبقة الدون من المشايخ والمترفين، ومن هذه سبيله من الرجالة الموكلين بأبواب المدينة، وأيام شهرهم مائة وعشرون يوماً من جملة ستة آلاف دينار في المشاهرة، خمسين ديناراً. أثمان أنزال الغلمان المماليك الستينية المقدم ذكرهم مما كان يطلق للخدم الأستاذين الذين كانوا عليهم، والقواد المضموم بعضهم إليهم ليقيم كل متقدم الخبز واللحم لمن في ناحيته، ويوكل عليه من يستجيد الاقامة لهم ويطالب بإدرارها عليهم، من جملة تسعة آلاف دينار في الشهر، ثلاثمائة دينار. نفقات المطابخ الخاصة والعامة والمخابز وأنزال الحرم والحشم ومخابز السودان، من جملة عشرة آلاف دينار في الشهر، ثلاثمائة وثلاثةً وثلاثين ديناراً وثلثاً، من ذلك الخاصة ثمانين ديناراً، العامة والأنزل مائتين وثلاثة وخمسين ديناراً وثلثاً. ثمن وظائف شراب الخاصة والعامة وآلاته ونفقات خزائن الكسوة والخلع والطيب وحوائج الوضوء والحمام، ونفقات خزائن السلاح وما يرم من الجواشن والدروع ويتخذ من النشاب والأعلام والمطارد، ونفقات خزانة السروج

стр. 11

وما يجدد منها ويصلح، ونفقات خزائن الفرش وثمن الخيش والربخ والحصر والستائر والسرادقات وأجور الحمالين والأعوان للسرير وغير ذلك على ما ثبت من تفصيله في ديوان النفقات، ويتولى إنفاق جميعه المنفقون المرتزقون من جملة ثلاثة آلاف دينار في الشهر، ليوم مائة دينار. أرزاق السقائين بالقرب في القصر والخزائن والمطابخ والمخابز والدور والحجر، والخدم، في داخل وفي الرحاب، ولوضوء الخاص، ومن يعمل بالروايا على البغال من الاصطبلات للحرم والبوابين في دار العامة من جملة مائة وعشرين ديناراً في الشهر، ليوم أربعة دنانير. أرزاق الخاصة ومن يجري مجراهم من الغلمان والمماليك دون الأكابر الأحرار، ومن أضيف إليهم من الحشم القدماء الذين أُقروا في دار رجاء، وأمر مؤنس الخادم بألا يستخدموا في خدم الدار لئلا يدلوا على الغلمان المتعلقين بالناصر ﵀ بقديم حرمتهم، ولأنه لا معرفة لهم برسوم الخلافة، وأجروا في المشاهرة على خمسة وأربعين يوماً على ما قرره الناصر عناية بهم ورعاية لهم، ولما ابتاع المعتضد بالله الأتراك العجم ورتبهم في الحجر لم يلحقهم بهم، بل جعل أيام شهرهم خمسين يوماً، ورسم للأصاغر خمسة دنانير وللأكابر عشرة دنانير، وزادهم بعد سنتين دينارين فسموا الاثني عشرية. فلما تقلد المكتفي بالله وأشفق من أن يميلوا إلى بدر، وكان إذ ذاك بفارس، ألحق من كان له سبعة دنانير بالأثنى عشرية، وقرر مال الأكابر على ستة عشر ديناراً وجرى الأمر على ذاك إلى آخر أيامه، فلما تفرد الوزراء

стр. 12

بالتدبير صار قسط كل يوم من مال الخدم مائة وسبعة وستين ديناراً. أرزاق الحشم الذين شهرهم خمسون يوماً من المستخدمين في شراب العامة وخزائن الكسوة، والصناع من الصاغة والخياطين والقصارين والأساكفة والحدادين والرفائين والفرائين والمطرزين والنجادين والوراقين والعطارين والمشهرين والنجارين والخراطين والأسفاطيين وغيرهم، ومن في خزانة السلاح من الخزان والصناع وفي خزانة السروج من مثل ذلك ولكل خزانة وطائفة صك مفرد يكتب من الديوان من جملة ثلاثة آلاف دينار في الشهر، ليوم مائة دينار. أرزاق الحرم صانهن الله من جملة ثلاثة آلاف دينار، ليوم مائة دينار. ثمن علوفة الكراع في الاصطبلات الخمسة وهي: إصطبل الخاص ويشتمل على الخيل والحجورة والشهاري والبراذين وبغال السروج والقباب والهوادج والفردات والحمير. وإصطبل العامة وفيه دواب الخدم والغلمان والتفاريق والبازياريين. وإصطبل الدواب والحمليات وما يرد من المروج من المهارة المحرمة ويبتاع ويهدي، وفيه يرتبط ما يحتاج إلى العلاج والمراعاة، وما يرد من الأسفار وفيه عقر وغمز. وإصطبل لبغال الأثقال وحمل العلوفات. وإصطبل بقصر الطين في الشماسية لمبارك الابل والجمازات وكان المعتضد بالله يعرض ما في هذه

стр. 13

الاصطبلات في كل شهر إلا ما كان من الخاص فإنه جعله قريباً منه ومشدوداً في الأواخي بين يديه وفي الميدان والرياضة والكد متصلاً عليه، ومتى أحمد قيام من يقلده شيئاً من ذاك زاده في رزقه، ومن اطلع منه على تقصير أو إضاعة صرفه واستبدل به. ثم جمع النظر في هذه الاصطبلات للنوشجاني لكفايته وثقته وأثمان كسوة الدواب وآلاتها وأدويتها وعلاجاتها وأجور الساسة والمكارية والراضة والبياطرة والوكلاء وغيرهم، من جملة اثني عشر ألف دينار في الشهر، ليوم أربعمائة دينار. ما يصرف في ثمن الكراع والابل وما يبتاع من الخيل الموصوفة في أحياء العرب ويستبدل به إذا عطب في العمل من جملة ألفي دينار في الشهر، ليوم ستة وستين ديناراً وثلثي دينار. أرزاق المطبخيين في كل شهر أيامه خمسون يوماً من جملة ألف وخمسمائة دينار في الشهر، ليوم ثلاثين ديناراً. أرزاق الفراشين والمجلسيين وخزان الفرش وخزان الشمع وأجرة الأعوان والحمالين فيها، في كل شهر أيامه خمسون يوماً، من جملة ألف وخمسمائة دينار، ثلاثين ديناراً. ثمن الشمع والزيت من جملة مائتي دينار في الشهر، ليوم ستة دنانير وثلثي دينار. أرزاق أصحاب الركاب والجنائب والسروج ومن يخدم في دواب البريد من جملة مائة وخمسين ديناراً في الشهر، ليوم خمسة دنانير.

стр. 14

أرزاق الجلساء وأكابر الملهين ومن كان يجري مجراهم في الجلوس إذا حضر، مثل أبي العلاء القاسم بن زرزر ووراد وأبي عيسى، وأيام شهرهم خمسة وأربعون يوماً أسوةً بالخدم، من جملة ألفي دينار، ليوم أربعة وأربعين ديناراً وثلثا. أرزاق جماعة من رؤساء المتطببين وتلامذتهم الملازمين، مع ثلاثين ديناراً لثمن الأدوية في خزانة تكون في القصر، من جملة سبعمائة دينار، ليوم ثلاثة وعشرين ديناراً وثلثا. أرزاق أصحاب الصيد من البازياريين والفهادين والكلابين والصقارين والصيادين، وثمن الطعم والعلاج للجوارح وأصحاب الحراب والسباعين وأصحاب الشباك واللبابيد والفحالين ومن معهم من الأعوان والحمالين وأصحاب المرور وغيرهم، في كل شهر أيامه خمسة وثلاثون يوماً من جملة ألفين وخمسمائة دينار في الشهر، ومع القسط من خمسين ديناراً لتجديد آلاتها، سبعين ديناراً. أرزاق الملاحين في الطيارات والشذاءات والسميريات والحراقات والزلالات وزواريق المعابر، من جملة خمسمائة دينار في كل شهر، ستة عشر ديناراً وثلثي دينار. ثمن النفط والمشاقة للنفاطات والمشاعل، وأجرة الرجال في خدمتها، من جملة مائة وعشرين ديناراً، أربعة دنانير. الصدقة التي تحضر في كل يوم عند صلاة الصبح في خرقة سوداء، على ما كان الناصر ﵀ رسمه. وأمر المعتضد بالله، ﵀، بعد بتفرقته على من

стр. 15

في قصر الرصافة من الحرم المحتاجات من قيمة مائتي درهم محدداً، في كل يوم خمسة عشر ديناراً. جاري أولاد المتوكل على الله وأولادهم رجالاً ونساء من جملة ألف دينار في الشهر، ثلاثةً وثلاثين ديناراً وثلث دينار. جاري ولد الواثق والمهتدي بالله والمستعين وسائر أولاد الخلفاء، ومن في قصر أم حبيب، من جملة خمسمائة دينار في الشهر، ستة عشر ديناراً وثلثي دينار. جاري ولد الناصر ﵀ عبد الواحد وأخواته من جملة خمسمائة دينار في الشهر، ستة عشر ديناراً وثلثي دينار. أرزاق مشايخ الهاشميين وأصحاب المراتب والخطباء في المساجد الجامعة بمدينة السلاح خاصة من جملة ستمائة دينار في الشهر، عشرين ديناراً. جاري جمهور بني هاشم من العباسيين والطالبيين مما كان الناصر ﵀ قرره لهم من ذلك، وأوجبه لكل من أولادهم ذكورهم وإناثهم حساباً لكل واحد في كل شهر دينار، وأمر بإطلاقه من ارتفاع ضيعته المعروفة بنهر الموفقي، واقتصر المعتضد بالله ﵀ بهم منه على ربع دينار في كل شهر، وكانت عدتهم بالحضرة أربعة آلاف نفس، من جملة ألف دينار في كل شهر، ليوم ثلاثة وثلاثين ديناراً وثلثاً. أرزاق عبيد الله بن سليمان مع خمسمائة دينار للقاسم ابنه برسم العرض بالحضرة وكتابة بدر على الجيش من جملة ألف وخمسمائة دينار مشاهرةً، ليوم ثلاثة وثلاثين ديناراً وثلثاً وقبض ذلك سنتين إلى أن عمرت ضيعته المردودة عليه ثم وفره

стр. 16

وحمل من فاضل ارتفاع الضيعة مائتي ألف دينار في كل سنة. أرزاق أكابر الكتاب وأصحاب الدواوين والخزان والبوابين والمديرين والأعوان وسائر من في الدواوين؛ وثمن الصحف والقراطيس والكاغد سوى كتاب دواوين الاعطاء وخلفائهم على مجالس التفرقة وأصحابهم وأعوانهم وخزان بيت المال، فإنهم يأخذون أرزاقهم بما يوفرونه من أموال الساقطين وغرم المخلين بدوابهم، من جملة أربعة آلاف دينار وسبعمائة في الشهر، مائة وستة وخمسين ديناراً وثلثين. جاري إسحاق بن إبراهيم القاضي وخليفته يوسف بن يعقوب والد أبي عمر وأولادهما وعشرة نفر من الفقهاء، من جملة خمسمائة دينار في الشهر، ليوم ستة عشر ديناراً وثلثي دينار. جاري المؤذنين في المسجدين الجامعين والمكبرين والقوام والأئمة والبوابين وثمن الزيت للمصابيح والحصر والبواري والماء والخلوق، وثمن الستائر في الصيف والحباب والخزف والعمارة في شهر رمضان من جملة مائة دينار في كل شهر، ثلاثة دنانير وثلثاً. نفقات السجون وثمن أوقات المحبسين ومائهم وسائر مؤنهم في جملة ألف دينار وخمسمائة دينار في الشهر، خمسين ديناراً. نفقات الجسرين وثمن ما يبدل من سفنهما والقلوس وأرزاق الجسارين من جملة ثلثمائة دينار في الشهر، عشرة دنانير. نفقات البيمارستان الصاعدي ولم يكن يومئذ غيره وأرزاق المتطببين

стр. 17

والمئانين والكحالين ومن يخدم المغلوبين على عقولهم والبوابين والخبازين وغيرهم وأثمان الطعام والأشربة من جملة أربعمائة وخمسين ديناراً في الشهر، خمسة عشر ديناراً. فتلك النفقة كل يوم على ما بين من وجوهها سبعة آلاف دينار. وأجري الأمر على هذا سنتين. ثم أمر عبيد الله بن سليمان وبدراً بألا يحضرا ولا أحد من القاد والأولياء الدار في يومي الجمعة والثلاثاء لحاجة الناس في وسط الأسبوع إلى الراحة والنظر في أمورهم والتشاغل بما يخصهم، ولأن يوم الجمعة يوم صلاة وكان يحبه لأن مؤدبه كان يصرفه فيه عن مكتبه. وتقدم إلى عبيد الله بأن يجلس في يوم الجمعة للمظالم العامة، وإلى بدر بأن يجلس للمظالم الخاصة، ومنع من أن يفتح في هذين اليومين ديوان أو يخرج شيء إلى مجلس التفرقة على الجيش خاصة، فوفر من مالها أربعة آلاف دينار وسبعمائة دينار وسبعين ديناراً، منها: مال النوبة ألف دينار، المماليك ألف دينار، التسعينية ألف وخمسمائة دينار، المختارين ستمائة دينار، الجبليين خمسمائة دينار، أصناف خدم الدار مائة وعشرين ديناراً، شحنة الشرطة خمسين ديناراً، يكون ذلك لثمانية أيام في كل شهر ثمانية وثلاثين ألفاً ومائةً وستين ديناراً، ولسنة أربعمائة وسبعة وخمسين ألف دينار، وتسعمائة وعشرين ديناراً. ورسم أن يحمل هذا الموفر إلى مؤنس الخادم ليجعله في بيت مال الخاصة ليصرف فيما يحتاج إليه من نفقات الموسم ومن يخرج في الغزوات الصائفة ونفقات الأبنية والمرمات والحوادث والملمات والرسل الواردين والفداء.

стр. 18

وزارة أبي الحسن الأولى وكان أبو الحسن بن الفرات يتبع أبا العباس أخاه وينوب عنه إلى أن توفي أبو العباس فتقلد الأعمال رياسةً. وولي الوزارة ثلاث دفعات في أيام المقتدر بالله، فالأولى منها بعد قتل العباس بن الحسن وزوال فتنة عبد الله بن المعتز. قال أبو الحسن ثابت بن سنان فيما أرخه من الأخبار: لما زالت فتنة عبد الله بن المعتز قلد المقتدر بالله مؤنساً الخادم الشرطة بالحضرة مكان ابن عمرويه، وأنفذه إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات بخاتمه ليحضره ويقلده وزارته، وكان أبو الحسن مستتراً عند بعض التجار من جيران داره بسوق العطش، فظهر لمؤنس وركب معه إلى دار السلطان، ووصل إلى المقتدر بالله رحمة الله عليه في يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، فخاطبه بما سكن منه وأعلمه تعويله في تدبير الأمور عليه، وخلع عليه من غد خلع الوزارة، وركب وفي موكبه أبو القاسم غريب الخال والحجاب والأمراء والقواد والغلمان وسائر الناس حتى صار إلى داره بسوق العطش، ونظر في الأمور ورتب مؤنساً في المعونة، وأمر جماعةً من القواد بطوف البلد ليلاً والايقاع بأهل الدعارة ومن يرونه متعرضاً لنهب دار وأخذ مال، لأن أصاغر الجند والعوام قد كانوا قصدوا دار العباس ابن الحسن ودوراً اتصلت بها ونهبوها. وانتقل أبو الحسن بن الفرات من بعد ذلك إلى ما أقطعه المقتدر بالله إياه من دار سليمان بن وهب بباب المخرم على دجلة، وما يجاورها من دار إبراهيم بن سليمان،

стр. 19

والاصطبل الذي كان للسلطان، والدور التي كانت في يد داية المكتفي بالله، ومساحة ذلك مائة ألف وثلاثة وسبعون ألفاً وثلثمائة وستة وأربعون ذراعاً، وغير ذلك وجدده وأنشأ المجالس الجليلة والأبنية الحسنة وعمل للدار مسناة مشرفة على دجلة، وأقطعه المقتدر بالله أيضاً الضياع التي كان المكتفي بالله أقطعها العباس بن الحسن وارتفاعها خمسون ألف دينار، وأجرى له خمسة آلاف دينار في كل شهر، وللمحسن والحسين والفضل أولاده ألفاً وخمسمائة دينار أثلاثاً بينهم. وسلم إليه علي بن عيسى ومحمد بن عبدون فاعتقلهما في دار بدر اللاني، وقرر عليهما مصادرةً خففها عن علي بن عيسى، وثقلها على محمد بن عبدون لعداوة كانت بينهما. ثم تكفل بتخليصهما وإبعادهما من الحضرة وقال للمقتدر: إنهما لم يدخلا في أمر عبد الله بن المعتز ولا حضرا داره وقت البيعة إلا عن ضرورة، وأخرج محمد بن عبدون إلى الأهواز، وعلي بن عيسى إلى واسط بعد أن أعطي سوسناً الحاجب خمسة آلاف دينار كفه بها عن ذكر علي بن عيسى والاغراء به، وكتب إلى وكيله بواسط بخدمته وإقامة ما يحتاج إليه لنفقته، وأنفذ معه حافظاً من جهته، ومع محمد بن عبدون خادماً من خدم المقتدر بالله، ووافقه على منعه من مكاتبة أحد أو قراءة كتابه. وجرت أمور أبي الحسن، والأمور في نظره ما ليس غرضنا استيفاءه على سياقته، وإنما نورد أطرافاً منه وما كان منشوراً مما لم تتضمن التواريخ ذكره. وكان محمد بن داود بن الجراح قد وزر لعبد الله بن المعتز ودبره. فلما انتفض أمره استتر وأخفى شخصه. وذكر أبو الحسن بن سنان أن موسى

стр. 20

ابن عيسى كاتب مؤنس عرض على أبي الحسن بن الفرات رقعة من محمد ابن داود، فلما قرأها قال: تقول له الاستتار صناعة وجرمك عظيم، وأمرك بعد طري. فتوقف إلى أن تخلق القصة، ثم دعني فإني أسوق الأمر إلى أخذ أمان الخليفة لك بخطه والاشهاد عليه في الوفاء به وإظهارك وبلوغ إيثارك. فلما عاد موسى ابن عيسى إلى محمد بن داود بذلك ارتاب بقول ابن الفرات، وشك فيه، وقدر أنه على وجه المغالطة والمدافعة ليستمر عليه الاستتار والنكبة فقال: أي ذنب لي أحتاج معه إلى زيادة في الاستظهار ومطاولة الانتظار؟! ومضى إلى سوسن الحاجب، فلما استؤذن عليه لم يصدق، وظن أنه رسول منه، واستثبت حاجبه واستفهمه، فخرج وعاد وقال: قد حضر هو بنفسه. فعجب من ذلك وأدخله، وأنهى خبره إلى المقتدر بالله، فأمره بتسليمه إلى مؤنس الخازن، فسلمه إليه، فقتله وطرحه على باب سقاية حتى أخذه أهله ودفنوه، وعرف أبو الحسن بن الفرات خبره فغمه أمره وقال: كان على عداوته لي فاضلاً راجحاً ومتقدماً في الصناعة بارعاً، وقد جرى عليه من القتل صبراً أمر عظيم. وحدث أبو عبد الله زنجي قال: كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات في أول ما وزر إذ كتب إليه صاحب الخبر بحضور رجل يقول: إن عنده نصيحةً لا يذكرها إلا للوزير فاستدعاه وسأله عما عنده، فأسر إليه بما لم نقف عليه، وتقدم إلى العباس الفرعاني حاجبه بأن يجلسه في دار العامة إلى أن يطلبه منه، ثم أمره بجمع الرجال الذين برسمه، ودعا أبا بشر بن فرجويه وقال له: قد حضر هذا الرجل المتنصح، وذكر أنه يعرف موضع محمد بن داود، وأنه بات البارحة عنده،

стр. 21

والتمس أن ينفذ معه من يدله عليه ويسلمه إليه، وقد بذلت له ألف دينار عند صحة قوله، أو نيله بالعقوبة إن كان كاذباً فيه، فرضي بذلك. فاكتب إلى محمد الساعة أن ينتقل عن موضعه أين كان، فإنني على إنفاد من يكسبه ويطلبه. ولم يزل ابن الفرات يحث العباس الحاجب في جمع الرجال، وهو يذكر إنفاذ من يجمعهم على اختلاف وتباعد منازلهم، ويدفع بالأمر، إلى أن عاد جواب محمد إلى أبي بشر يشكر ما فعله، وبأنه قد تحول من مكانه إلى غيره. فسأل حينئذ العباس عمن اجتمع من الرجال فقال: خمسمائة نفر. وأمره بأخذ الرجل وأخذهم وقصد الموضع الذي يذكره والاحتياط عليه من سطوحه وجوانبه، وكبسه بعد ذلك وتفتيشه، والقبض على محمد بن داود إن وجده وحمله، وإن لم يجده رد الرجل معه. فمضى العباس، وعمل ما رسمه له ابن الفرات، فلم يصادف أحداً، وعاد والرجل معه، وأمر ابن الفرات بضربه مائتي سوط على باب العامة، وشهره على جمل والنداء عليه. وطالع المقتدر بالله بما فعله فاستصابه. ولما خلي الرجل الساعي بمحمد بن داود بعد ما لحقه أعطاه ابن الفرات مائتي دينار وحدره إلى البصرة وقال لابن فرجويه: ما كذب الرجل في قوله وإنما عاقبناه على شره. وكان سوسن الحاجب يدخل مع العباس بن الحسن في التدبير، فلما وزر أبو الحسن بن الفرات لم يجر هذا المجرى، فثقل عليه ذلك، وشاع الحديث بأن سوسناً قد عمل على قتل ابن الفرات في دار الخلافة وواقف عليه جماعة من الغلمان الحجرية، وأشار على المقتدر بالله بإحضار محمد بن عبدون وتقليده الوزارة، وضمن عنه استخراج أموال كثيرة من ابن الفرات، ونفذ بني بن نفيس إلى الأهواز

стр. 22

على ظاهر يخالف هذا الباطن. وعرف أبو الحسن بن الفرات الصورة بعد حصول بني بن نفيس بواسط. فتوصل إلى أن قرر في نفس المقتدر بالله أن سوسناً كان من أكبر أعضاد عبد الله بن المعتز والداخلين معه في التدبير عليه، وإنما قعد أخيراً عنه لما استحجب عبد الله بن المعتز غيره. وأودع صدره فيه ما أذن له معه بالقبض عليه، فقبض عليه وقتله سراً في يومه، وأنفذ إلى محمد بن عبدون من قبض عليه في طريقه وحمله إلى الحضرة، فصادره مصادرة مجددة ثم سلمه إلى مؤنس الخادم فقتله. وعرف أبو الحسن علي بن عيسى وهو بواسط ما جرى في أمر محمد ابن عبدون، فأقلقه وأزعجه، وكتب إلى ابن الفرات كتاباً يحلف فيه أنه على قديم عداوته لمحمد بن عبدون، إلا أنه مع ذلك لا يدع الصدق عن حاله، ويقول: إنه لم يكن يسعى على دم نفسه بضمان الوزارة، وقد كان راضياً بالسلامة بعد فتنة عبد الله بن المعتز، وإن سوسناً أسماه وذكره بغير معرفته ولا موافقته، وخرج من ذاك إلى أن سأله الاذن له في المضي إلى مكة ليسلم من الظنة وينسى السلطان ذكره. فأجابه إلى ما طلبه، وأخرجه من واسط إلى مكة على طريق البصرة مرفهاً محروساً. وكان غرض علي ابن عيسى فيما ذكر محمد بن عبدون به حراسة نفسه، فوصل كتابه وقد مضى لسبيله. وكان من جملة الداخلين في فتنة عبد الله بن المعتز أبو عمر محمد بن يوسف القاضي فأُخذ فيمن أُخذ وحبس، وحضر أبوه يوسف وهو شيخ كبير مجلس أبي الحسن ابن الفرات، وبكي بين يديه بكاء شديداً، رق له منه وسأله حراسة نفس ولده أبي عمر والتصدق عليه به. فقال أبو الحسن: الجناية عظيمة، ولا يمكن تخليته إلا بمال جليل يطمع الخليفة فيه من جهته. فبذل يوسف أن يفقر نفسه وابنه طلباً لبقائه. وتلطف ابن الفرات فيما قاله المقتدر بالله وقرر أمر أبي عمر على مائة ألف دينار، فأدى منها تسعين ألفاً، من جملتها خمسة وأربعون ألفاً كانت عنده للعباس بن الحسن، وأمره ابن الفرات بعد ذلك بملازمة داره وألا يخرج منها لئلا يجعل له حديث مجدد. وكان أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد مدلاً على أبي الحسن بن الفرات بمودة بين أسلافه وبين أبي جعفر والد أبي الحسن وأبي العباس عمه، وباختصاصه هو به، فوجه أبو الحسن الكتب إلى أصحاب المعاون في البيعة لعبد الله بن المعتز بخطه، فلم يظهر ذلك المقتدر بالله ولا ذكره، واعتمد التقديم له والتنويه به، وكان سليمان قد تقلد لعلي بن عيسى مجلس العامة في ديوان الخاصة. فقلده ابن الفرات هذا الديوان رئاسة. ثم إن سليمان شرع لأبي الحسن بن عبد الحميد في الوزارة، وعمل في ذلك نسخةً بخطه عن نفسه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بابن الفرات وكتابه وضياعه وأمواله، وقام ليصلي صلاة المغرب مع جماعة من الكتاب فسقطت من كمه، فأخذها الصقر بن محمد الكاتب، وكان إلى جانبه، فحملها إلى ابن الفرات من وقته، فلما وقف عليها قبض عليه وحدره في زورق مطبق إلى واسط، وقد أوردنا مستأنفاً ما فعله معه بعد ذلك. ومضى لأبي الحسن بن الفرات في وزارته هذه ثلاث سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً، اختلفت عليه الأمور فيها، وحدثت الحوادث في متصرفاتها ومجاريها وحضر عيد النحر من سنة تسع وتسعين ومائتين فاحتيج فيه من النفقات إلى ما جرت العادة به، وكانت المواد قد قصرت، والمؤن قد تضاعفت، وطلب من المقتدر بالله أن يعطيه من بيت مال الخاصة ما يصرفه في نفقات هذا العيد، فمنعه ذلك، وألزمه القيام به من جهته، فأقام على أنه لا وجه له إلا مما يعان به، ووجد بذلك أعداؤه الطريق إلى الوقيعة فيه. وركب في يوم الأربعاء لأربع خلون من ذي الحجة إلى دار الخلافة وهو على غاية السكون والطمأنينة، وجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه قبل الوصول إلى السلطان، فقبض عليه وعلى محمد ابن أحمد الكلوذاني وكان يكتب بين يديه وعلى محمود بن صالح وكان معه من أصحابه، ومضى القواد للقبض على أسبابه وكتابه فقبضوا على عبد الله وأبي نوح ابني جبير، وموسى بن خلف وكان من خواصه. وصار مؤنس الخادم إلى دار الوزارة فوكل بها، وأنفذ يلبق إلى دار ابن الفرات بسوق العطش فأحاط عليها. وتسرع الجند والعوام إلى دور أولاده وأهله فنهبوها وأخذوا ساجها وسقفوها، وعظم الأمر في النهب حتى ركب أبو القاسم الخال بعد العصر في القواد والغلمان وطلب النهاية، وعاقب قوماً منهم، فقامت الهيبة، وسكنت الفتنة. وأُحضر أبو علي محمد بن عبيد الله بن خاقان واستوزر، وقبض ما كان لأبي الحسن من الضياع والإقطاع والأملاك والعقار والأموال والغلات، وصح له ما مقداره ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار سوى الأثاث والرحل والكراع والجمال، ولم يؤخذ من أحد من الوزراء قبله ولا بعده مثل ذلك. ز، وإن سوسناً أسماه وذكره بغير معرفته ولا موافقته، وخرج من ذاك إلى أن سأله الاذن له في المضي إلى مكة ليسلم من الظنة وينسى السلطان ذكره. فأجابه إلى ما طلبه، وأخرجه من واسط إلى مكة على طريق البصرة مرفهاً محروساً. وكان غرض علي ابن عيسى فيما ذكر محمد بن عبدون به حراسة نفسه، فوصل كتابه وقد مضى لسبيله. وكان من جملة الداخلين في فتنة عبد الله بن المعتز أبو عمر محمد بن يوسف القاضي فأُخذ فيمن أُخذ وحبس، وحضر أبوه يوسف وهو شيخ كبير مجلس أبي الحسن ابن الفرات، وبكي بين يديه بكاء شديداً، رق له منه وسأله حراسة

стр. 23

نفس ولده أبي عمر والتصدق عليه به. فقال أبو الحسن: الجناية عظيمة، ولا يمكن تخليته إلا بمال جليل يطمع الخليفة فيه من جهته. فبذل يوسف أن يفقر نفسه وابنه طلباً لبقائه. وتلطف ابن الفرات فيما قاله المقتدر بالله وقرر أمر أبي عمر على مائة ألف دينار، فأدى منها تسعين ألفاً، من جملتها خمسة وأربعون ألفاً كانت عنده للعباس بن الحسن، وأمره ابن الفرات بعد ذلك بملازمة داره وألا يخرج منها لئلا يجعل له حديث مجدد. وكان أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد مدلاً على أبي الحسن بن الفرات بمودة بين أسلافه وبين أبي جعفر والد أبي الحسن وأبي العباس عمه، وباختصاصه هو به، فوجه أبو الحسن الكتب إلى أصحاب المعاون في البيعة لعبد الله بن المعتز بخطه، فلم يظهر ذلك المقتدر بالله ولا ذكره، واعتمد التقديم له والتنويه به، وكان سليمان قد تقلد لعلي بن عيسى مجلس العامة في ديوان الخاصة. فقلده ابن الفرات هذا الديوان رئاسة. ثم إن سليمان شرع لأبي الحسن بن عبد الحميد في الوزارة، وعمل في ذلك نسخةً بخطه عن نفسه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بابن الفرات وكتابه وضياعه وأمواله، وقام ليصلي صلاة المغرب مع جماعة من الكتاب فسقطت من كمه، فأخذها الصقر بن محمد الكاتب، وكان إلى جانبه، فحملها إلى ابن الفرات من وقته، فلما وقف عليها قبض عليه وحدره في زورق مطبق إلى واسط، وقد أوردنا مستأنفاً ما فعله معه بعد ذلك. ومضى لأبي الحسن بن الفرات في وزارته هذه ثلاث سنين وثمانية أشهر

стр. 24

وأربعة عشر يوماً، اختلفت عليه الأمور فيها، وحدثت الحوادث في متصرفاتها ومجاريها وحضر عيد النحر من سنة تسع وتسعين ومائتين فاحتيج فيه من النفقات إلى ما جرت العادة به، وكانت المواد قد قصرت، والمؤن قد تضاعفت، وطلب من المقتدر بالله أن يعطيه من بيت مال الخاصة ما يصرفه في نفقات هذا العيد، فمنعه ذلك، وألزمه القيام به من جهته، فأقام على أنه لا وجه له إلا مما يعان به، ووجد بذلك أعداؤه الطريق إلى الوقيعة فيه. وركب في يوم الأربعاء لأربع خلون من ذي الحجة إلى دار الخلافة وهو على غاية السكون والطمأنينة، وجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه قبل الوصول إلى السلطان، فقبض عليه وعلى محمد ابن أحمد الكلوذاني وكان يكتب بين يديه وعلى محمود بن صالح وكان معه من أصحابه، ومضى القواد للقبض على أسبابه وكتابه فقبضوا على عبد الله وأبي نوح ابني جبير، وموسى بن خلف وكان من خواصه. وصار مؤنس الخادم إلى دار الوزارة فوكل بها، وأنفذ يلبق إلى دار ابن الفرات بسوق العطش فأحاط عليها. وتسرع الجند والعوام إلى دور أولاده وأهله فنهبوها وأخذوا ساجها وسقفوها، وعظم الأمر في النهب حتى ركب أبو القاسم الخال بعد العصر في القواد والغلمان وطلب النهاية، وعاقب قوماً منهم، فقامت الهيبة، وسكنت الفتنة. وأُحضر أبو علي محمد بن عبيد الله بن خاقان واستوزر، وقبض ما كان لأبي الحسن من الضياع والإقطاع والأملاك والعقار والأموال والغلات، وصح له ما مقداره ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار سوى الأثاث والرحل

стр. 25

والكراع والجمال، ولم يؤخذ من أحد من الوزراء قبله ولا بعده مثل ذلك. ومما حدث قبل القبض عليه أن طلع في شهر رمضان من السنة المذكورة كوكب ذو ذؤابة، فطلع آخر مثله في شوال في مطلع الهلال، وطلع ثالث في ذي القعدة في مطلع الشمس، وأكثر الناس القول في ذلك وما يحدثه من حادث، فكان زوال أمر ابن الفرات. وزارة أبي الحسن الثانية لما قبض عليه في اليوم المقدم ذكره من سنة تسع وتسعين ومائتين اعتقل في بعض الحجر من دار الخلافة، ولم يزل معروف الخبر إلى جمادي الآخرة سنة ثلاثمائة، فإنه نقل إلى بعض المواضع المستورة، وخفي أمره على الناس عامة حتى رجمت الظنون فيه. ثم أُخرج تابوت فيه هارون الشاري وقد مات على أنه تابوته، فزال الشك في موته، وصلى عليه أبو الحسن علي بن عيسى، وظهر بعد ذلك بقاؤه وحياته. وكان أبو بشر عبد الله بن فرجويه قد سلم من النكبة عند القبض على ابن الفرات في الوزارة الأولى، وقام على الاستتار مدة وزارة أبي علي الخاقاني ووزارة أبي الحسن علي بن عيسى. وواصل مكاتبة أبي الحسن بن الفرات في محبسه على يد سومنة الطبيب وتعريفه الأمور، وترددت جواباته إليه بما رسمه له من مكاتبة المقتدر بالله عن نفسه بالطعن على أبي الحسن علي بن عيسى ووقوف الأمر على يده،

стр. 26

وتأخر أرزاق الجند والحواشي في نظره. وكانت رقاعه تصل إلى المقتدر بالله فيقف عليها ابن الفرات فيقرر عنده صحة ما يذكره ويورده، ويهم المقتدر بصرف علي بن عيسى، فإذا شاور مؤنساً فيه منعه منه، ووصفه بالأمانة والكفاية عنده، إلى أن أُخرج مؤنس إلى مصر لمحاربة العلوي، فقام غريب الخال ونصر الحاجب بأمر ابن الفرات قياماً تم على علي بن عيسى الصرف معه. ثم كتب ابن فرجويه رقعة يقول فيها: متى صرف علي بن عيسى ورد ابن الفرات أطلق للولد والحرم والخدم ومن بالحضرة من الفرسان برسم التفاريق مثل ما كان يطلقه في وزارته الأولى تماماً وإدرارا، وحمل إلى المقتدر بالله في كل يوم ألف دينار وإلى السيدة والأمراء خمسمائة دينار. والتمس وقوف ابن الفرات على رقعته وتعرف ما عنده على ما بذله عنه، فعرضها المقتدر بالله عليه فالتزم القيام بذلك والوفاء بجميعه وكتب له خطه واستقر أمره. وأُطلق في اليوم الذي قبض فيه على علي بن عيسى، ووصل إلى المقتدر بالله وخاطبه بالجميل، وقلده النظر في الأمور، وخلع عليه خلع الوزارة، وركب ومعه أبو القاسم غريب الخال وبين يديه الحجاب والقواد والغلمان، ونزل في دار سليمان بن وهب وحضره الناس على طبقاتهم للسلام والتهنئة. وحمل إليه المقتدر مالاً وثياباً وطيباً وطعاماً وأشربة وثلجاً وكذاك السيدة. وأقام في هذه الدار ثم نقل الدواوين إليها، وكتب إلى الأمراء والعمال بخبره وإقرارهم على أعمالهم. ورد المقتدر بالله ما كان قبض عنه وعن أهله وكتابة وأسبابه من الضياع والأملاك، فارتجع ما كان حصل في أيدي الناس القواد

стр. 27

وخواص المقتدر من ذاك، ووقع بأن يوغر حق بيت المال في جميعه بألف درهم في كل سنة على استقبال سنة أربع وثلثمائة، ووفر جاري الوزارة ولم يأخذه، وتقدم برد جاري أصحاب الدواوين وكتابهم وكتابه إلى ما كان عليه في أيامه الأولى فأضعف ذاك، وصار جاري صاحب ديوان السواد وكتابه مع ثمن الكاغد والقراطيس نحو سبعة آلاف دينار في كل شهر. وأقطع زيدان التي كانت موكلة به ضياعاً بنواحي كسكر ومستغلات بالبصرة لها ارتفاع وافر، ووقع لجماعة من أصحاب السلطان بتسويغات وإقطاع وحمالات، وبسط يده في كل ما فعله من ذلك، وأدر المقتدر بالله ما كان وعده به، وللأمراء والسيدة من ألف وخمسمائة دينار منسوبة إلى رسم الخريطة، ونصب ديواباً للمرافق واستوفاها فيه من العمال والمتصرفين كما تستوفى الحقوق، وتتبع ما بقي من ودائعه السالمة في نكبته، فارتجع منها خمسمائة ألف دينار. وقدم عبد الله بن فرجويه وعول عليه، وتوفر على أبي محمد بن علي ابن مقلة، وأدخله في أموره وأسراره، وقلده أعمالاً كثيرة، فكانت مدة أبي الحسن بن الفرات في اعتقال المقتدر بالله خمس سنين وأربعة أيام. وكان عبد الله بن جبير عند مقامه بواسط في أيام علي بن عيسى قد عرف قدر ارتفاعها وما يتحصل لحامد بن العباس من الفضل في ضمانها، فلما عاد إلى بغداد وقد وزر ابن الفرات عظم ذلك عنده. وكان حامد لما انقضت مدة الضمان الذي عقده الخاقاني عليه أخر عن علي

стр. 28

ابن عيسى الوظيفة التي كان يحملها في كل شهر، وطالب بتجديد الضمان. وكاتب علي بن عيسى بأنه محمول على ما كان تقرر معه ومجرىً في الشراط عليه، وله على ما في وثيقته، ولم يثبت الكتاب في الدواوين، لكن حامداً ركن إليه وعول عليه. واستأذن عبد الله بن جبير ابن الفرات في مكاتبة حامد بما أخرج عليه، فأذن له، وكاتبه مكاتبة أجاب عنها بالاحتجاج لنفسه، وتردد من القول ما بسط ابن جبير معه لسانه فيه. وبلغه فظن أنه عن مواطأة من ابن الفرات له عليه، وشرع فيما يدفع به التأول عنه. وكان قسيم الجوهري يشرف للسيدة أم المقتدر بالله على ضياعها بواسط، ويكثر هناك المقام، ويحضر عند حامد فيبسطه ويتوفر عليه، فوافقه على السفارة له في الوزارة، وأصعد قسيم وخاطب نصراً الحاجب في ذلك وأطعمه في حامد، وملأ يده منه، وعرفه سعة صدره وسخاء نفسه، وضمن له عنه تصحيح المال الكثير من ابن الفرات وأسبابه، وراسل السيدة أيضاً. ووافق هذا القول والسعي سوء رأي نصر الحاجب في ابن الفرات، وخوفه منه وكثرة الوقيعة فيه، وقول الناس إنه قلد ولده الدواوين، وأقاربه الأعمال وأخذ من ودائعه القديمة التي الجملة اتسعت الأقوال فيها وكتبه إلى العمال بحمل المرافق إلى هارون بن عمران، وإفراده إياه بذلك وبقبض أموال المصالحين والمصادرين وعدله بها عن بيت المال. وأن المقتدر بالله طلب من ابن الفرات مالاً لبعض مهمه فمنعه منه

стр. 29

واعتل عليه فيه، فتم بذلك أمر حامد، وروسل بالاصعاد إلى الحضرة، وأن يكتب على عدة أطيار بخروجه في يومه ليقبض على ابن الفرات عند المعرفة بتوجهه، فأصعد، وكتب بخبره، وعرض الكتاب أبو القاسم بن الحواري على المقتدر بالله، فلما وقف عليه أنفذ نصراً الحاجب وشفيعاً المقتدري إلى دار أبي الحسن ابن الفرات حتى قبضا عليه في وقت العصر من يوم الخميس لثلاث بقين من جمادي الأولى سنة ست وثلثمائة، وعلى المحسن ابنه وموسى بن خلف وعبد الله بن فرجويه وعيسى بن جبير وسعيد بن إبراهيم التستري ودولة أم ولد أبي الحسن بن الفرات والحسن ابنها منه، وحملا الجماعة إلى دار الخلافة، واعتقل أبو الحسن وحده عند زيدان والباقون عند نصر الحاجب، وختم أبو نصر بشر بن علي خليفة حامد ببغداد على جميع الدواوين. وإنما قبض على ابن الفرات في داره لأن الارجاف قوي بصرفه قوةً استوحش منها كتابه وأصحابه وكان إذا ركب إلى دار السلطان تفرقوا واستتروا، وإذا عاد إلى داره ظهروا وحضروا وركب في أول النهار وهم على الجملة من الخوف والإشفاق، وعاد فعادوا على السكون إلى ذلك. وكانت مدة نظره في هذه الدفعة سنةً وخمسة أشهر وتسعة عشر يوماً. ثم وزر الوزارة الثالثة وأُخرج من حبسه عند زيدان القهرمانة يوم الخميس لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلثمائة، وخلع عليه وعلى أبي أحمد المحسن ابنه، وقد كان

стр. 30

أُفرج عن المحسن من قبل وأقام في منزله، وركبا إلى داريهما بسوق العطش وجلسا للتهنئة، وظهر أولادهما وكتابهما وحواشيهما وأسبابهما. فأما حامد فإن أبا الحسن ابن الفرات أقره على أعمال واسط بحكم ما شرطه المقتدر بالله عليه في أمره. وخاطبه بنحو مما خاطب هو علي بن عيسى به عند خلافته إياه. وقد كان أصحاب الدواوين في وزارة أبي علي الخاقاني شرطوا على حامد في ضمانه الأول لأعمال واسط أن يؤدي في آخر سني ضمانه لما ينفق على كري الأنهار وحراسة البزندات والبذور والمعاون مثل ما أنفق وأطلق في ذلك في آخر سنة من سني الاعتبار عليه وكان نيفاً وتسعين ألف دينار ليتولى عمال السلطان الإنفاق، وشرطوا له أن يؤخر باعتبار أموال الخراج والضياع الخاصة العباسة ومبلغه مائة وسبعة وخمسون ألف دينار إلى آخر سني الضمان لتصير الجملة مائتين وخمسين ألف دينار. فما زالت المطالبة بذلك تتأخر مع تجديد الضمان سنة بعد أخرى. وقلد أبو الحسن بن الفرات أبا سهل النوبختي أعمال المبارك، وأبا العلاء محمد ابن علي البزوفري أعمال الصلح والمزارعات، ووافقهما على مطالبة حامد بالمال المذكور، فطالبه النوبختي مطالبة الكتاب، وسلك البزوفري معه سبيل العنت والإرهاق، وتبسط عليه في المناظرة والخطاب، ثم عمل له الأعمال، وادعى عليه أنه ابتاع من المزارعات السلطانية بأسافل الصلح ضواحي الجامدة في أيام الخاقاني

стр. 31

وبعدها ضياعاً جليلة، وأخرج عليه من الفضل فيها خمسمائة ألف دينار، مكثراً عليه بذلك. ورأى ابن الفرات تجرد البزوفري لما هو متجرد له من استعمال القبيح مع حامد وعمل الأعمال فيه، فكاتبه وأحمد فعلته، وأنفذ إليه المؤامرات المعمولة بالحضرة له، وأمره بمطالبته والاستقصاء عليه والابتداء بنفقات المصالح والبزندات والبذور والمعاون هو والنوبختي، وإنفاقها على عمارة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. فأجاب البزوفري بأن حامداً ليس يلتفت إليه، ولا يعطي شيئاً من المال، وقد بدأ بإطلاق ما يريد إطلاقه للمزارعين وأهل البلاد للعمارة المستأنفة، وادعى شروعه في ضمان سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وأنه غير متمكن منه مع قوته، وأن معه أربعمائة غلام كبار يتبعهم آخرون وسبعمائة رجل، وأهل البلاد على ميل إليه وتعصب له. فعرض ابن الفرات كتابه على المقتدر بالله، فأمر مفلحا الأسود بإنفاذ مائة غلام من الحجرية ومائة راجل من المصافية إلى واسط للشد من البزوفري وبسط يده. وقال لابن الفرات: اكتب إليه بإثبات خمس مائة راجل يستظهر بهم على أمره. ففعل جميع ذلك. وكتب ابن الفرات إلى البزوفري يرسم له التوكيل بحامد عند وصول من أنفذ إليه، ومطالبته عاجلاً بالمصالح والبذور، إذ ليس يأذن السلطان في عقد الضمان مستأنفاً عليه. فأشارع البزوفري ذلك قبل ورود القوم، وعرف حامد الخبر في وقته، فأظهر ورود كتاب المقتدر بالله عليه بالمبادرة إلى الحضرة، فضرب البوق

стр. 32

وأصعد بكتابه وحواشيه ورجالته، ومعه ثيابه وفرشه وآلته بعد ما أودعه بواسط من ماله، وسار في السفن والسميريات، وأنفذ كراعه على الظهر، فلم يقدر البزوفري على منعه ولا الاعتراض عليه في فعله، لكنه بادر إلى ابن الفرات بالخبر على الطيور. فلما عرفه انزعج منه، وظن أنه عن أصل انطوى عنه، واستشار المحسن ابنه وخواصه فيما يدبر الأمر به. فقالوا تنهي إلى المقتدر ما كان منه، وتستعلم ما عنده فيه. ففعل وقال المقتدر: ما كوتب بشيء مما ادعى أنه كوتب به، وتقرب بينه وبين ابن الفرات إنفاذ نازوك إلى المدائن في عدد كثير من الغلمان والرجالة والفرسان للقبض على حامد وأسبابه، ووقف نازوك على ذلك. واتصل بحامد انحدار نازوك، فاستتر وترك سفنه وماله وأصحابه، ووافى نازوك فقبض على ما وجده له وحمله، وأمر المقتدر بالله بتسليم الحسبانات إلى ابن الفرات، والكراع في الاصطبلات، وما سوى ذلك إلى الخزائن. ووقع الارجاف بأن المقتدر بالله كاتب حامداً ينكر عليه خروجه من واسط على الحال التي خرج عليها، ورسم له الاستتار ودخول بغداد سراً ليرده إلى الوزارة، ويسلم إليه الجماعة، فأشفق أبو الحسن بن الفرات واستتر المحسن والحسين والحسن أولاده وحرمهم وكتابهم.

стр. 33

وكانت سعادة حامد قد انقضت، ومدته قد انقرضت، فدعاه المقدور إلى قصد دار السلطان في زي الرهبان، واستأذن على نصر الحاجب، فلما دخل ورآه قال له: إلى أين جئت؟ قال: جئت بكتابك. قال: إلى ها هنا كاتبتك بالمجيء؟ ولم يقم له ولا وفاه حقه؛ واعتذر إليه بخوفه من سخط الخليفة متى تجاوز به ما وقف عنده. وراسل نصر مفلحاً الأسود بالخروج إليه، لأن المقتدر بالله كان عند الحرم، فخرج إليه وقال له: قد ورد حامد على ما تراه من هذه الصورة، وهو اليوم في موضع رحمة، وما أولاك باستعمال الجميل معه. وقال حامد لمفلح: تقول لأمير المؤمنين أنا أرضى بأن اعتقل في دارك كما اعتقل علي بن عيسى، ويناظرني الوزير والمحسن والكتاب بحضرة القضاة والفقهاء والقواد، فإن وجب علي شيء خرجت منه بعد أن أُومن على نفسي، وأُمكن من استيفاء حججي. ويمنع المحسن من مقابلتي على المكاره التي أوقعتها به في طاعة أمير المؤمنين، فإنه شاب وبسط يده على مثلي ممن بلغ إلى مثل سني ووجب له من الحرمة ما وجب لي غير لائق بعادات أمير المؤمنين. فأراه مفلح أنه يفعل، ودخل إلى المقتدر فأورد عليه ضد ما قاله، وتكلمت السيدة في أمر حامد وأجابته إلى سؤاله. فقال مفلح: متى فعل ذلك لا يتم لابن الفرات أمر مع الأراجيف الواقعة به. فقال له المقتدر بالله: صدقت. وأمره بأن يتقدم إلى نصر بإنفاذ حامد إلى ابن الفرات، فخرج إليه وعرفه ما رسم له. فاستدعي حامد من نصر ثياباً يغير بها ما عليه، فامتنع مفلح من الإذن له في ذلك، وقال: وقد أمرني مولانا بإنفاذه على زيه الذي حضر فيه. فلم يزل نصر يشفع له إلى أن أذن في تغيير، وأنفذه مع ابن الزنداق الحاجب.

стр. 34

فلما دخل على ابن الفرات قال له: لم جئت؟ قال بكتابك. قال له: فلم لم تقصد داري؟ قال: حرمت التوفيق. قال له: لا ولكنك عملتها طائيةً فجاءتك طائية. وذاك أن الطائي ضمن إسماعيل بن بلبل من الموفق وصار إلى داره في زي الفيوج ليقيم فيها ليلته وينجز له من غد ما وعده، فلما حصل عنده أنفذه إلى إسماعيل في ذلك الزي، فأوقع به إسماعيل مكروهاً غليظاً، واستخرج منه ومن كتابه مالاً جليلاً. وتقدم أبو الحسن بن الفرات إلى أستاذ داره بأن يفرد لحامد داراً يفرشها فرشاً جميلاً، ويتفقده في طعامه وشرابه وطيبه تفقداً كثيراً. ونحن نذكر تمام حديثه إلى حين وفاته في أخباره. أسماء القوم الذين قبض المحسن بن أبي الحسن بن الفرات عليهم ونكبهم وقتلهم وأبعدهم وما جرى عليه أمر كل واحد منهم قد ذكرنا من أخبار حامد بن العباس وعلي بن عيسى ما لا فائدة في تكريره، فأما سليمان بن الحسن فقبض المحسن عليه من ديوان المشرق، وكان يتولاه مع غيره من الدواوين، فصادره على ما صح منه خمسون ألف دينار ثم أخرجه إلى فارس. وأما أبو علي بن مقلة فكان يتقلد لعلي بن عيسى في وزارة حامد زمام السواد، فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات تجلد ولم يستتر، وحضر مجلسه، فأعرض عنه إعراضاً

стр. 35

غض به من محله، ولم يقبض عليه مراعاة للمودة بينه وبين أبي القاسم بن الحواري. فلما قبض على ابن الحواري أنفذ المحسن أبا غانم كاتبه حتى قبض علي ابن مقلة وقيده، وقد شرحنا حديثه في أخباره. وأما أبو القاسم علي بن محمد الحواري فإنه تأخر عن تهنئة ابن الفرات في صدر نهار يوم الجمعة، وراح إليه في آخره، وأطال عنده، وآنسه ابن الفرات وشاوره في أموره، وخلا به خلوة طويلة اعتمد فيها سكون نفسه، وراسله ابن الفرات فتحقق بخدمته وأظهر السرور بولايته مع ما اعتقده باطناً من مخافته، وقد كان أصحاب ابن الحواري أشاروا عليه بالاستتار عن ابن الفرات وقالوا له: إن الخليفة لم يكتمك أمره وما عزم عليه من تقليده مع ما يعرفه من العداوة بينكما إلا لسوء رأي فيك. فلم يقبل ذلك وقال: لو كان الأمر على ما قلتم لقبض علي قبل إخراجه إياه وإظهار أمره، وما أرى أن أنكب نفسي بسوء الاستشعار مني. لكنه ستر حرمه وولده واستظهر بعض استظهار في رحله وماله. وركب ابن الحواري إلى دار السلطان وحضر ابن الفرات وأذن له ولم يؤذن لابن الحواري. فاستوحش من ذلك، ثم صرف الأمر إلى أن ابن الفرات قد شرط على المقتدر بالله أن يجريه على رسمه في وزارته الثانية، فإن ابن الحواري لم يكن يصل معه ظاهراً وإنما كان يصل سراً. فلما خرج ابن الفرات من حضرة المقتدر بالله وجلس في الدار التي أفردت له للنظر في أمر القواد والحواشي دخل معه

стр. 36

ابن الحواري فأقبل عليه وشاوره في ما كان يخاطب عليه، وقال له: قد غبت عن مجاري الأمور منذ خمس سنين وأنت عارف بما كان علي بن عيسى قرر عليه أمر الحاشية، وأريد أن تنبهني وترشدني وتعاونني وتعاضدني، وتستعمل في ذلك ما تقتضيه المودة. فقال له: السمع والطاعة. ووعده بالإخلاص في المناصحة، وفاوضه ابن الفرات حديثاً طويلاً ونهض قبل أن يستتمه، ونزل إلى طياره ونزل ابن الحواري معه وأحمد بن نصر البازيار ابن أخيه، ومحمد بن عيسى صهره، وعلي بن مأمون الإسكافي كاتبه، وعلي بن خلف أخو محمد بن خلف صهره، فأكرم جماعتهم وأخذ يحادثهم ويضاحكهم إلى أن صعد من طياره إلى داره، ووصل إلى بعض الأروقة ثم أسر إلى العباس الفرغاني حاجبه سراً أمره فيه بالقبض عليهم ففعل، واعتقلهم في بعض الحجر، واستدعى شفيعاً اللؤلؤي، وأنفذه إلى دار ابن الحواري وأمره بحفظها وحراستها، وأنفذ إلى إصطبلاته بمن قاد دوابه وبغاله وساق جماله إلى إصطبلات السلطان، ونقل فاخر ثيابه وفرشه وآلاته إلى الخزائن، ووصي ابن الفرات قهرمان داره بإحسان مراعاة ابن الحواري في مأكوله ومشروبه. ثم راسله مع عبد الله بن جبير وغيره في تقرير أمره، وواقفه على أعمال عملت له قبل القبض عليه، فسأل أن يوسط بينه وبين أبا بكر بن قرابة، وكان ابن قرابة متحققاً بابن الفرات في هذا الوقت وبابن الحواري من قبل، فوسطه ذلك، وتقرر مصادرة ابن الحواري خاصةً من دون كتابه وأسبابه على سبعمائة ألف دينار، يعجل منها مائتين وخمسين ألف دينار ويحتسب له عن ثمن المأخوذ منه بخمسين

стр. 37

ألف دينار ويؤدي الباقي في أربعة وعشرين شهراً بعد أن حلف أن قيمة المأخوذ منه ثلاثمائة ألف دينار. واشترط إطلاق أحمد بن نصر البازيار ليقوم بمال التعجيل، فأُطلق وأزيل التوكيل عن دوره وسلم الباقي فيها إلى أحمد بن نصر. وتسلم المحسن بن أبي الحسن بن الفرات من بعد ذلك ابن الحواري فصفعه صفعاً عظيماً في دفعات وضربه بالمقارع. ثم أخرجه إلى الأهواز في طيار خدمه غير مقيد، وأنفذ معه الحبشي المستخرج. وحدر أيضاً في هذه الجملة سليمان بن الحسن وأبا علي بن مقلة، فلما وصلوا إلى البصرة وتوجهوا منها إلى الأهواز طرح الحبشي ابن الحواري في الماء منكساً وشد رجليه في شكات الطيار وهو سائر وبلغ موضعاً يعرف بالمنارة أسفل الأُبلة بفرسخ فأخرجه، وقد بقي فيه أدنى رمق فخنقه غلمان سودان كانوا معه ودفنوه، وحمل سليمان وابن مقلة إلى الأهواز. وأما ابن حماد الموصلي فإن ابن الفرات كتب إلى محمد بن نصر بالقبض عليه وحمله إلى الحضرة، فعرف ابن حماد ذلك وهرب، فوجد في عمر يقارب بلد فأُخذ وحمل إلى محمد بن نصر فضربه ضرباً أثخنه، لعداوة كانت بينه وبينه، ثم أنفذه، فتسلمه المحسن وأمر ابن أبي عمر كاتبه وابن حبشي المستخرج بصفعه، فأوقعا به فلم يرض بذلك حتى أحضره بين يديه وصفعه على رأسه إلى أن خرج الدم من فيه ومات في ليلته. وخاف المحسن إنكار المقتدر بالله ما جرى في أمره فأظهر أن محمد ابن نصر أنفذه مثخناً بالضرب فتلف مما ناله منه. بينه، ثم أنفذه، فتسلمه المحسن وأمر ابن أبي عمر كاتبه وابن حبشي المستخرج بصفعه، فأوقعا به فلم يرض بذلك حتى أحضره بين يديه وصفعه على رأسه إلى أن خرج الدم من فيه ومات في ليلته. وخاف المحسن إنكار المقتدر بالله ما جرى في أمره فأظهر أن محمد ابن نصر أنفذه مثخناً بالضرب فتلف مما ناله منه.

стр. 38

وأما علي بن الحسن الباذبيني، وكان رجلاً متسلما، وتقلد ديوان الضياع المقبوضة في أيام علي بن عيسى، فقبض عليه المحسن وصادره على أحد عشر ألف دينار. وأعاد المكروه عليه فبلح في يديه، وأيس من حصول شيء منه. وأخرجه إلى الموصل فلم يزل مقيماً بها إلى أن وزر أبو القاسم عبد الله بن محمد الخاقاني. وأما أبو المنذر النعمان بن عبد الله فقد كان تاب من خدمة السلطان، ولبس الخف والطيلسان، وحضر مجالس الوزراء بهما كان تحضر مشايخ الكتاب إلا أنه كان متحققاً بحامد بن العباس وعلي بن عيسى ونصر الحاجب. فلما تقلد ابن الفرات الوزارة في هذا الوقت لم يجد عليه متعلقاً ولا متسلقاً، وكان يحضر مجلسه فيكرمه، وخاف النعمان على نفسه منه لما كان يشاهده من المحسن وإقدامه على ما يقدم عليه فلازم نصراً الحاجب وثمل القهرمانة، وكان يروح إليهما في أكثر العشيات ويقيم عندهما إلى أن تمضي قطعة من الليل. فاتفق أن خرج في بعض الليالي من دار ثمل القهرمانة ومعه إبراهيم حاجبه فرآه أحد أصحاب الأخبار الذين لابن الفرات، فكتب إليه بخبره، وبأنه سمعه يقول لبعض العمال المعطلين وقد لقيه في طريقه: ما عندك من الأخبار؟ فقال: كثرة الأراجيف بابن الفرات. فقال له النعمان: على أن يكون الوزير من؟ قال: أنت أو محمد بن علي المادرائي أو عبد الله بن محمد الخاقاني، والأقوى في الظنون أنت. فقال له: ومن لهم بأن أساعدهم على ذلك. فلما قرأ ابن الفرات هذا الفصل سلمه إلى المحسن، وأمره بإحضار النعمان وأن

стр. 39

يعرض عليه ولاية الأعمال بالأهواز وفارس، فإن استجاب حمله معه ليكتب له الكتب ويخرج إلى عمله، وإن امتنع أوقفه على الفصل وقال له: ليس يصلح للوزير ولا لي مقامك بالحضرة، فأخرج إلى حيث تختار من غير إخراج ولا توكيل. فأحضره المحسن وخاطبه بذلك فامتنع من العمل، فأقرأه حينئذ الفصل من رقعة صاحب الخبر، وتقدم إليه بالخروج إلى حيث يريد، فاختار واسط، وانحدر إليها لحينه. فلما دخلها قصده العمال والتناء هناك، ولقوه وأكرموه وعظموه. وكتب إلى ابن الفرات بذلك، فكتب إلى محمد بن علي البزوفري بالقبض عليه، فقبض عليه في يوم جمعة من المسجد الجامع، وطالع ابن الفرات بحاله، فرسم له مطالبته بما بقي عليه من مال مصادرته في وزارته الثانية وهو سبعة عشر ألف دينار. ففعل البزوفري ذلك وأدى النعمان سبعة آلاف دينار. وأما أحمد بن محمد بن بسطام فكان مصاهراً لحامد بن العباس ومتقلداً بهرسير والرومقان وإيغار يقطين في وزارة علي بن عيسى. فلما رأى ما الناس فيه مع المحسن بن الفرات واستتر عند الشاه بن ميكال، وعرف المحسن خبره فكبسه وأخذه وقرر عليه ثلاثمائة ألف دينار، وطالبه مطالبة زاد فيها، حتى أخرجه من نعمته وضيعته، ثم عمل على إخراجه إلى واسط عند قرب مؤنس واستيحاشه منه،

стр. 40

وكتب له بولاية بعض النواحي فخاف وقوع حيلة عليه بذلك، فاستتر استتاراً ثانياً حتى زال أمر ابن الفرات. وأما إبراهيم أخو علي بن عيسى فإنه كان ملازماً لمنزله في أيام حامد وعلي ابن عيسى، فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات تأخر عن تهنئته، فوقع إليه توقيعاً جميلاً أمره فيه بالمصير إليه، فجاءه من وقته، وقبض عليه وطالبه بأحد عشر ألف دينار، بقيت عليه من جملة خمسين ألف دينار صادره عليها في وزارته الثانية. فاحتج إبراهيم بأن المقتدر بالله وضعها عنه، وأظهر توقيعاً معمولاً في الدواوين شاهداً على قوله، فلم يقبل ذلك منه، وطالبه حتى أدى المال، فلما أداه أحضره مجلسه، وواقفه على أمور كانت في نفسه عليه منذ أيام العباس بن الحسن، وصادره مصادرة مجددة على عشرين ألف دينار، ثم سلمه إلى المحسن فأوقع به مكروهاً شديداً إلى أن وفى القيمة، ثم نفاه إلى البصرة، وسلمه إلى ابن أبي الأصبغ عاملها، فقيل: إنه سمه فمات. وأما عبيد الله أخوه فإنه كان عليلاً في منزله، فأنفذ المحسن من حمله إليه في محفة وطالبه وأوقع به مكروهاً كرره إلى أن ضمنه أبو الحسين بن روح وجماعة بما قرره عليه. فلما أداه أخرجه إلى الكوفة. وأما أبو علي عبد الرحمن فإنه استتر بعد القبض على أبي الحسن أخيه، فلم يعرف به خبر مع شدة الطلب له، والحرص على حصوله. وأما أبو الحسن علي بن مأمون الإسكافي كاتب ابن الحواري فصودر على مائة ألف دينار، وأدى بعضها، وتلف تحت المكروه.
следующие страницы →