Полный текст (1 636 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تفرط في الخفة فتكون الفرس سفواء، والسفا أيضاً مكروهٌ في الخيل، والجيد ما قال عبيد:
مضبرٌ خلقها تضبيراً ... ينشق عن وجهها السبيب
وروى ذلك عنه أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني.
وقال أيضاً: سمعت الأصمعي يقول: أخطأ امرؤ القيس في قوله:
لها متنتان خظايا كما ... أكب على ساعديه النمر
لأن المتن لا يوصف بكثرة اللحم، ويستحب منه التعريف، وكذلك الوجه كما قال طفيلٌ:
معرقة الألحى تلوح متونها
وأخذ عليه في قوله وصف الفرس:
فللسوط ألهوبٌ، وللساق درةٌ ... وللزجر منه وقع أخرج مهذب
стр. 37
وقال: هذه الفرس بطيئة؛ لأنها تحوج إلى السوط، وإلى أن تركض بالرجل وتزجر؛ ويقال: إن أول من عابه بهذا البيت زوجته لما اجتكم إليها هو وعلقمة الفحل، فغلبت علقمة، فطلقها. وقد أخذ أيضاً عليه قوله:
أغرك مني أن حبك قاتلي
وقال: إذا لم يغر هذا فأي شيء يغر؟ وعيب زهير بن أبي سلمى بقوله:
يخرجن من شرباتٍ ماؤها طحلٌ ... على الجذوع يخفن الغمر والغرقا
وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء خوف الغمر والغرق، وإنما ذلك لأنها تبيض في الشطوط.
وعيب على كعب ابنه قوله:
стр. 38
ضخمٌ مقلدها فعمٌ مقيدها
وقالوا: إنما توصف النجائب برقة المذبح وأخذ على النابغة قوله يصف عنق المرأة بالطول:
إذا ارتعثت خاف الجبان رعثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق
وهذا قريب من قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
بل أبو نواس أعذر؛ لقوله " لتخافك " يريد لتكاد تخافك، والشعراء تسقط " تكاد " في الشعر وهي تريدها.
وجاء في القرآن مثل ذلك، قال الله : " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال "، أي لتكاد تزول.
стр. 39
وقال الشاعر:
يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظراً يزيل مواطئ الأقدام
أي: نظراً يكاد يزيل، فأضمر " يكاد " واللام إذا جاءت كانت أدل عليها، وقال الله : " وبلغت القلوب الحناجر " أي: كادت.
وأخذ على النابغة قوله:
ألكنى يا عيين إليك قولاً ... ستحمله الرواة إليك عني
وقالوا: فاعتذر له الأصمعي، وقال: هذا مما حملته الرواة علىلنابغة! كأنه يدفع أن يكون قوله.
وأخذ على المسيب قوله:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناجٍ عليه الصيعرية مكدم
قال: الصيعرية صفةٌ للنوق، لا للفحول، فسمعة طرفة بن العبد
стр. 40
- وهو صبي - فقال: استنوق الجمل، وضحك منه، ويقال: إن المسيب قال: أخرج لسانك يا فتى، فأخرجه، فقال: ويلٌ لهذا من هذا، يعني رأسه من لسانه.
وأخذ على المرقش قوله:
صحا قلبه عنها سوى أن ذكرةً ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما
قالوا: من إذا ذكر دارت به الأرض ليس بصاحٍ.
وأخذ على عدي بن ويد قوله:
يبذ الجياد فارهاً متتابعاً
وقالوا: لا يقال للفرس فارهٌ، وإنما يقال له: جواد، وكريم، والفاره: البغل والحمار.
وأخذ عليه أيضاً قوله في صفة الخمر:
والمشرف الهيدب يسعى به ... أخضر مطموثاً بماء الحريص
стр. 41
الحريص: سحابة تحرص وجه الأرض: أي تقشره لشدتها، ويقال: الحريص اسم نهر بناحية الحيرة، فوصف الخمر بالخضرة، وما وصفها بذلك أحد غيره.
وأخذ على الأعشى قوله:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاوٍ شلولٌ مشلٌ شلشلٌ شول
وقالوا: هذه الألفاظ كلها التي بعد " شاوٍ " متقاربة في المعنى.
وقرئ على الأصمعي قول أبي ذؤيب الهذلي:
قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالنى فهى تثوخ فيها الإصبع
стр. 42
تأبى بدرتها إذا ما استكرهت ... إلا الحميم فإنه يتبضع
فقال: هذه الفرس تساوى درهمين؛ لأنه جعلها كثيرة اللحم، رخوة، يدخل فيها الإصبع، حرونا، إذا حركت قامت، إلا العرق فإنه يسيل.
وقرئ على الأصمعي قول أبي النجم:
يسبح أولاه ويطفو آخره
فقال: حمار الكساح إذاً أفره منه.
وعاب الأصمعي ذا الرمة في قوله:
حتى إذا دومت في الأرض أدركها ... كبرٌ ولو شاء نجى نفسه الهرب
وقال: الفصحاء لا يقولون دوم في الرض، وإنما يقولون: دوم في
стр. 43
السماء، إذا حلق، ودوى في الأرض، إذا ذهب.
وكان الأصمعي أيضاً يعيبه في قوله:
ونقرى عبيط الشحم والماء جامس
وقال: إنما يقال للجامد من السمن وما أشبهه جامس، وروى ذلك عنه أبو حاتم.
وحكى أبو نصر عن الأصمعي قال: كنا نظن الطرماح شيئاً حتى قال:
وأكره أن يعيب على قومي ... هجائي الأرذلين ذوى الحنات
لأنها إحنةٌ وإحنٌ، ولا يقال حناتٌ.
وأخذ على الآخر قوله:
فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساقٍ وحافرٍ
فسمى رجل الإنسان حافراً، وهذه استعارةٌ في نهاية القبح. وكذلك قول الآخر:
قد أفنى أنامله عضه ... فأضحى يعض على الوظيفا
стр. 44
فجعل له وظيفا مكان الرجل. وكذلك قول الآخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملكٍ أظلافه لم تشقق
وقال الحطيئة:
قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره
وعيب على أيمن بن خريم قوله يمدح بشر بن مروان:
فإنا قد وجدنا أم بشرٍ ... كأم الأسد مذ كاراً ولوداً
وقالوا: أخطأ في أن جعل أم الأسد ولودا؛ لأن الحيوانات الكريمة عسرةٌ نزرة النتاج، والصواب قول كثير:
يغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلاتٌ نزور
وقال جرير:
صارت حنيفة أثلاثاً؛ فثلثهم ... من العبيد، وثلثٌ من مواليها
стр. 45
فقيل لرجل من بني حنيفة: من أي الأثلاث أنت؟ فقال: من الثلث الملغى.
وسمع إسحاق بن إبراهيم الموصلي عمارة بن عقيل ينشد لجرير:
لما تذكرت بالديرين أرقتني ... صوت الدجاج وقرعٌ بالنواقيس
فقال: أخطأ والله أبوك، التأذين لا يكون في أول الليل، وقال من طلب العذر لجرير: أرقني انتظار صوت الدجاج.
وعاب الأخطل الفرزدق في قوله:
أبنى غذانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال
لولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألام أعين وسبال
قال: وكيف وهبهم له وهو يهجوهم بمثل هذا الهجاء؟ وقال عطية حين بلغه الشعر: ما أسرع ما رجع أخي في هبته؟ ومدح الفرزدق الحجاج وقد دخل عليه ببيت واحد، فقال:
ومن يأمن الحجاج والطير تتقيعقوبته إلا ضعيف العزائم؟
فقال له الحجاج: الطير تتقى الثوب، وتتقي الصبى، ما جئت بشيء؟ وإنما أراد الفرزدق الطائر الذي يطير في السماء فليست تناله يدٌ.
стр. 46
وعيب على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان:
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبيض لا عاري الخوان ولا جدب
وهذا لا يمدح به خليفة .. وأراد أن يمدح رجلا من بني أسد كان أجاره، فهجاه؛ وكان يقال لقوم الرجل: القيون، يعيرون بذلك، فقال:
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طير عن أثوابه الشرر
أي: فاليوم نفى ذلك عن نفسه، فما زاد على أن نبه عليه، وقد كان له في الممادح متسعٌ. وأراد أن يهجو سويد بن منحوفٍ فمدحه، وذلك قوله:
فما جذع سوءٍ خرب السوس وسطه ... لما حملته وائلٌ بمطيق
وأخذ على الفرزدق قوله يمدح وكيع بن أبي سويد:
إذا التقت الأبطال أبصرت وجهه ... مضيئاً، وأعناق الكماة خضوع
стр. 47
فقالوا: أساء القسمة، وأخطأ الترتيب؛ وإنما كان يجب أن يقول: أبصرته ساميا وأعناق الملوك خضوع، أو أبصرت لونه مضيئاً وألوان الكماة كاسفة.
ومن خطأ الشعر قول عدي بن الرقاع يذكر الباري ﵎:
وكفك بسطةٌ ونداك سحٌ ... وأنت المرء تفعل ما تقول
فجعل ربه مرءاً، وعابه الأصمعي في قوله:
لهم رايةٌ تهدى الجموع كأنها ... إذا خطرت في ثعلب الرمح طائر
وقال: الراية لا تخطر، إنما الخطران للرمح.
ومن فاسد اللفظ وقبيحه قول ذي الرمة:
فأضحت مباديها قفاراً رسومهاكأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل
أراد: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش.
ومن خطأ المديح قول الكميت يمدح النبي ﷺ :
стр. 48
إلى السراج المنير أحمد لا ... تعدل بي رغبةٌ ولا رهب
عنه إلى غيره، ولو رفع الن ... اس إلى العيون وارتقبوا
وقيل أفرطت، بل قصدت، ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا
لج بتفضيلك اللسان، ولو أكثر فيك الضجاج واللجب
فمن يعنفه ويؤنبه على مدح رسول الله ﷺ حتى يكثر عليه فيه الضجاج واللجب؟ وهذا لو كان قاله بين المشركين وفي صدر الإسلام لعل العذر كان يتسع له فيه، وقد اعتذر له معتذر واحتج بأن قال: لم يرد النبي ﵊ خاصةً بهذا الخطاب، وإنما أراد أهل بيته؛ لأنه قد قال فيهم من الشعر ما قال، ولأن بني أمية كانت تعنف من يمدحهم، وتنكر أشد الإنكار على من يتخونهم، ويغرق في الثناء عليهم والوصف لهم.
وعيب أيضاً الكميت بأن جمع كلمتين لا تشبه إحداهما الأخرى، وذلك قوله:
وقد رأينا بها حوراً منعمةً ... روداً تكامل فيها الدل والشنب
وقال: الدل إنما يكون مع الغنج أو نحوه،
стр. 49
والشنب إنما يكون مع اللعس أو ما يجري مجراه من أوصاف الثغر والفم؛ والجيد ما قاله ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوةٌ لعسٌ ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
ولو استقصينا هذا الباب لطال جداً، وإنما أوردنا ههنا منه مثالا لتعلموا أن فحول الشعراء - الذين غلبوا عليه، وافتتحوا معانيه، وصاروا قدوة، واتبعهم اشعراء، واحتذوا على حذوهم، وبنوا على أصولهم - ما عصموا من الزلل، ولا سلموا من الغلط.
هذا في المعاني التي هي المقصد والمرمى والغرض، فأما ما بوبه النحويون من عيوب الشعر في الإقواء والإكفاء والسناد، وغي رذلك مما هو عيبٌ في اللفظ دون المعنى، فليست
بنا حاجةٌ إلى ذكره، لكثرته وشهرته. وكذلك ما أخذته الرواة على المحدثين المتأخرين - من الغلط والخطأ واللحن - فاشٍ أيضاً وأشهر أيضاً من أن يحتاج إلى أن تبرهنه أو ندل على ذلك؛ فلم يك أحد من متقدم ولا متأخر في خطئه ولا سهوه وغلطه مجهول الحق، ولا بمجحود الفضل، بل عفى عندكم إحسانه على إساءته، وعلا تجويده على تقصيره، فكيف خصصتم أبا تمام دون غيره بالطعن، وعبتموه دون من سواه بالزلل والوهن؟ ولم يك بذلك بدعاً، ولا منفرداً، ولا إليه
стр. 50
سابقاً؛ فبخستم حق الإحسان الذي انتشر في الآفاق، وسارت به الركبان، وتمثل به المتمثل، وتأدب بحفظه وإنشاده المتأدب، مما إن ذكرناه لم تنكروه، وأقررتم بفضله، وأجمعتم على استجادته واستحسانه، فهل الظلم المستقبح والتعصب المستهجن إلا ما أنتم مرتكبوه وخابطون فيه؟ ١٨ - قال صاحب البحتري: أما أخذ السهو والغلط على من أخذ عليه من المتقدمين والمتأخرين؛ ففي البيت الواحد، والبيتين، والثلاثة؛ وربما سلم الشاعر المكنر من ذلك بنة، وتعرى منه، حتى لا تؤخذ عليه لفظة؛ وأبو تمام لا تكاد تخلو له قصيدةٌ واحدةٌ من عدة أبيات يكون فيها مخطئاً، أو محيلا، أو عن الغرض عادلا، أو مستعيراً استعارة قبيحة، أو مفسداً للمعنى الذي يقصده بطلب الطباق والتجنيس، أو مبهماً بسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم، ولا يوجد له مخرج، مما لو عددناه لكان كثيراً فاحشاً، فكيف يكون ما أخذ على الشعراء من الوهم وقليل الغلط عذراً لمن لا تحصى معايبه ومواقع الخطأ في شعره؟ ... وعلى أن أكثر ما عددتموه - مما أخذته الرواة على الشعراء - صحيح، والسهو فيه إنما دخل على الرواة، ولو كان هذا موضع ذكره لذكرناه.
١٧ - قال صاحب أبي تمام: فبم تدفعون قول البحتري يرثى أبا تمام ودعبلاً، ويذم من بقي بعدهما من الشعراء:
стр. 51
قد زاد في كلفي، وأوقد لوعتي ... مثوى حبيبٍ يوم مات ودعبل
وبقاء ضرب الخثعمي وشبهه ... من كل مضطرب القريحة مجبل
أهل المعاني المستحيلة إن هم ... طلبوا البراعة بالكلام المقفل
أخوى لا تزل السماء مخيلةً ... تغشا كما بحيا السحاب المسبل
جدثٌ لدى الأهواز يبعد دونه ... مسرى النعى ورمةٌ بالموصل
فمحال أن يرثى البحتري أبا تمام ويذكر من بعده من الشعراء بأن قرائحهم مضطربة ومعانيهم مستحيلة، وعنده أن أبا تمام تلك صفته، فلم تنكرون فضل من يعترف البحتري بفضله، ويشهد في الشعر له، وتنسبون العيب إليه وهذه صفته عنده، وتلحقونه به وهو يبرئه منه؟
١٨ - قال صاحب البحتري: ولم لا يفعل البحتري ذلك وقد كان هو وأبو تمام - بعد اجتماعهما وتعارفهما - متصافيين على القرب والبعد، متحابين متلائمين على الدنو والشحط، يجمعهما الطلب والنسب والمكتسب، ولم يكن في زمانهما شاعر مشهور يفد على الملوك ويجتدي بالشعر وينتسب
стр. 52
إلى طيء سواهما، فليس بمنكرٍ أن يشهد أحدهما لصاحبه بالفضل، ويصفه بأحسن ما فيه، وينحله ما ليس فيه، وخاصةً في الشعر؛ ثم في تأبين الميت فإن العادة جرت بأن يعطى من التقريظ، والوصف، وجميل الذكر، أضعاف ما كان يستحقه، فلا تدفعوا العيان؛ فلن يمحق وصف البحتري أبا تمام في حياته وتأبينه إياه بعد وفاته ما ظهر من مقابحة وفضائح شعره.
١٩ - قال صاحب أب يتمام: فقد علمتم وسمعتم الرواة وكثيراً من العلماء بالشعر يقولون: جيد أبي تمام لا يتعلق به جيد أمثاله، وإذا كان جيد دون جيده لم يضر ما يؤثر من رديئه.
٢٠ - قال صاحب البحتري: إنما صار جيد أب يتمام موصوفاً لأنه يأتي في تضاعيف الردئ الساقط؛ فيجئ رائقاً لشدة مباينته ما يليه، فيظهر فضله بالإضافة، ولهذا قال له أبو هفان: إذا طرحت درة في بحر خرء فمن الذي يغوص عليها ويخرجها غيرك؟ والمطبوع الذي هو مستوى الشعر قليل السقط لا يبين جيده من سائر شعره بينونةً شديدةً، ومن أجل ذلك صار جيد أب يتمام معلوماً وعدده محصوراً.
стр. 53
وهذا عندي - أنا - هو الصحيح؛ لأني نظرت في شعر أبي تمام والبحتري وتلقطت محاسنهما، ثم تصفحت شعريهما بعد ذلك على مر الأوقات؛ فما من مرة إلا وأنا الحق في اختيار شعر البحتري ما لم أكن اخترته من قبلن وما أعلم أني زدت في اختيار شعر أبي تمام ثلاثين بيتاً على ما كنت اخترته قديما.
٢٣ - قال صاحب أبي تمام: أفتنكرون كثرة ما أخذه البحتري من أب يتمام، وإغراقه في الاستعارة من معانيه؟ فأيهما أولى بالتقدمة: المستعير، أو المستعار منه؟ ٢٤ - قال صاحب البحتري: قد ابتدأنا بالجواب عن هذا في صدر كلامنا، ونحن نتمه في هذا الموضع إن شاء الله تعالى: أما ادعاؤكم كثرة الأخذ منه فقد قلنا إنه غير منكرٍ أن يكون أخذ منه من كثرة ما كان يرد على سمع البحتري من شعر أب يتمام؛ فيعتلق معناه: قاصداً الأخذ، أو غير قاصدٍ، لكن ليس كما ادعيتم وادعاه أبو الضياء بشر بن يحيى ف يكتابه؛ لأنا وجدناه قد ذكر ما يشترك الناس فيه، وتجري طباع الشعراء عليه، فجعله مسروقاً، وإنما السرق يكون في البديع الذي ليس للناس فيه اشتراك، فما كان من هذا الباب فهو الذي
стр. 54
أخذه البحتري من أبي تمام، لا ما ذكره أبو الضياء وحشا به كتابه، وأنا أذكر هذين الشيئين في موضعهما من الكتاب، وأبين ما أخذه البحتري من أبي تمام على الصحة، دون ما اشتركا فيه؛ إذ كان غير منكر لشاعرين متناسبين من أهل بلدين متقاربين أن يتفقا في كثير من المعاني، لا سيما ما تقدم الناس فيه، وتردد في الأشعار ذكره، وجرى في الطباع والاعتياد من الشاعر وغير الشاعر استعماله.
وبعد؛ فينبغي أن تتأملوا محاسن البحتري، ومختار شعره، والبارع من معانيه والفاخر من كلامه؛ فإنكم لا تجدون فيه على غزره وكثرته حرفاً واحداً مما أخذه من أبي تمام، وإذا كان ذلك إنما يوجد في المتوسط من شعره فقد قام الدليل على أنه لم يعتمد أخذه، وأنه إنما كان يطرق سمعه فيلتبس بخاطره فيورده.
تم احتجاج الخصمين بحمد الله.
стр. 55
* منهج الآمدي في الكتاب
وأنا أبتدئ بذكر مساوى هذين الشاعرين؛ لأختم بذكر محاسنهما، وأذكر طرفاً من
سرقات أبي تمام، وإحالاته، وغلطه، وساقط شعره، ومساوى البحتري في أخذ ما أخذه من معاني أب يتمام، وغير ذلك من غلطٍ في بعض معانيه، ثم أوزان من شعريهما بين قصيدتين إذا اتفقتا في الوزن ولاقافية وإعراب القافية، ثم بين معنى ومعنىً؛ فإن محاسنهما تظهر في تضاعيف ذلك، ثم أذكر ما انفرد به كل واحد منهما فجوده من معنى سلكه ولم يسلكه صاحبه، وأفرد بابا لما وقع في شعريهما من الشبيه، وبابا للأمثال، أختم بهما الرسالة، وأتبع ذلك بالاختيار المجرد من شعريهما، وأجعله مؤلفاً على حروف المعجم؛ ليقرب متناوله، ويسهل حفظه، ةتقع الإحاطة به، إن شاء الله تعالى.
стр. 56
* سرقات أبي تمام
كان أبو تمام مشتهراً بالشعر، مشغوفاً به، مشغولا مدة عمره بتخيره ودراسته، وله كتب اختيارات فيه مشهورة معروفة؛ فمنها: الاختيار القبائلي الأكبر اختار فيه من كل قبيلٍ قصيدةً، وقد مر على يدى هذا الاختيار، ومنها اختيارٌ آخر ترجمته القبائلى، اختار فيه قطعاً من محاسن أشعار القبائل، ولم يورد فيه كبير شيء للمشهورين؛ ومنها: الاختيار، الذي تلقط فيه محاسن شعر الجاهلية والإسلام، وأخذ من كل قصيدة شيئاً حتى انتهى إلى إبراهيم بن هرمة، وهو اختيار مشهور معروف باختيار شعراء الفحول، ومنها اختيار تلقط فيه أشياء من الشعراء المقلين ولا شعراء المغمورين غير المشهورين، وبوبه أبواباً، وصدره بما قيل في الشجاعة، وهو أشهر اختياراته، وأكثرها في أيدي الناس، ويلقب بالحماسة، ومنها اختيار المقطعات، وهو مبوب على ترتيب الحماسة، إلا أنه يذكر فيه أشعار المشهورين وغيرهم والقدماء والمتأخرين، وصدره بذكر الغزل، وقد قرأت هذا الاختيار، وتلقطت منه نتفاً وأبياتاً كثيرة، وليس بمشهور شهرة غيره.
стр. 57
ومنها اختيار مجرد في أشعار المحدثين، وهو موجود في أيدي الناس؛ وهذه الاختيارات تدل على عنايته بالشعر، وأنه اشتغل به، وجعله وكده، واقتصر من كل الآداب والعلوم عليه؛ فإنه ما شيء كبير من شعر جاهلي ولا إسلامي ولا محدث إلا قرأه واطلع عليه، ولهذا أقول: إن الذي خفى سرقاته أكثر مما قام منها، على كثرتها.
وأنا أذكر ما وقع إلي في كتب الناس من سرقاته، وما استنبطته أنا منها واستخرجته؛ فإن ظهرت بعد ذلك منها على شيء ألحقته بها، إن شاء الله.
١ - قال الكميت الأكبر، وهو الكميت بن ثعلبة:
ولا تكثروا فيه اللجاج؛ فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
أخذه الطائي فقال:
السيف أصدق أنباء من الكتب
وذلك أن أهل التنجيم كانوا حكموا بأن المعتصم لا يفتح عمورية، وراسلته الروم: إنا نجد في كتبنا أن مدينتنا هذه لا تفتح إلا في وقت
стр. 58
إدراك التين والعنب، وبيننا وبين ذلك الوقت شهورٌ يمنعك من المقام فيها البرد والثلج، فأبى أن ينصرف، وأكب عليها حتى فتحها وأبطل ما قالوه؛ فلذلك قال الطائي:
السيف أصدق أنباء من الكتب
هو أحسن ابتداءاته.
٢ - وقال النابغة يصف يوم الحرب:
تبدو كواكبه والشمس طالعةٌ ... لا النور نورٌ ولا الإظلام إظلام
أخذه الطائي، فقال وذكر ضوء النهار وظلمة الدخان في الحريق الذي وصفه:
ضوءٌ من الناء والظلماء عاكفةٌ ... وظلمةٌ من دخان في ضحى شحب
فالشمس طالعةٌ من ذا، وقد أفلت ... والشمس واجبةٌ من ذا، ولم تجب
٣ - وقال الأعشى:
وإن صدور العيس سوف يزوركم ... ثناءٌ على أعجازهن معلق
أخذه الطائي فقال:
من القلاص اللواتي في حقائبها ... بضاعةٌ غير مزجاةٍ من الكلم
٤ - وقال مسلم بن الوليد في صفة الخمر:
قتلت وعاجلها المدير ولم يقد ... فإذا به قد صيرته قتيلا
стр. 59
أخذه الطائي وأحسن الأخذ فقال:
إذا اليد نالتها بوترٍ توفرت ... على ضغنها ثم استقادت من الرجل
فإن كان أخذها من ديك الجن فلا إحسان له؛ لأنه أتى بالمعنى بعينه، قال ديك الجن:
تظل بأيدينا تقعقع روحها ... وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
كذا وجدته فيما نقلته، وليس ينبغي أن يقطع على أيهما أخذ من صاحبه؛ لأنهما كانا في عصر واحد.
٥ - وقال الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن ارمأ ... فقد الشباب، وقد يصلن الأمردا
أخذ الطائي المعنى والصفة فقال:
أحلى الرجال من النساء مواقعاً ... من كان أشههم بهن خدودا
٦ - وقال البعيث:
وإنا لنعطى المشرفية حقها ... فتقطع في أيماننا وتقطع
فقال الطائي:
فما كنت إلا السيف لا قى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا
стр. 60
٧ - وقال الطائي:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
أخذ صدر البيت الأول من قول كثير:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرجوا ... قلائص في أصلابهن نحول
ويشبه قول البعيث:
أطافت كالأسنة هجدٍ ... بخاشعة الأصواء غبرٍ صحونها
وأخذ معنى البيت الثاني من قول الآخر.
غلام وغى تقحمها فأبلى ... فخان بلاءه الدهر الخؤون
فكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون
٨ - وقال جران العود العود يصف الخيال:
سقياً لزورك من زورٍ أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول
فذكر العلة في طروق الخيال، وهو السابق إلى هذا المعنى، فأخذه العباس ابن الأحنف فقال:
خيالك حين أرقد نصب عيني ... إلى وقت أنتباهى ما يزول
стр. 61
وليس يزورني صلة، ولكن ... حديث النفس عنك هو الوصول
فتبعه الطائي فقال:
زار الخيال لها، لا، بل أزاركه ... فكرٌ إذا نام فكر الخلو لم ينم
وقال في هذا المعنى أيضاً:
نم فما زارك الخيال، ولكن ... ك بالفكر زرت طيف الخيال
٩ - وقال أبو تمام الطائي:
أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح فيك، كما علمت، جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك؛ إنه ... عرضٌ عززت به وأنت ذليل
أخذه من قول هشام المعروف بالحلو أحد الشعراء البصريين يهجو بشار ابن برد:
بذلة والديك كسبت عزا ... وباللوم اجترأت على الجواب
стр. 62
وأخذه إبراهيم بن العباس فقال وأجاد وأحسن:
نجا بك عرضك منجى الذباب ... حمته مقاذره أن ينالا
١٠ - وقال الطائي:
والشيب إن طرد الشباب بياضه ... كالصبح أحدث للظلام أفولا
أراد قول الفرزدق:
والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليلٌ يصيح بجانبيه نار
فقصر عنه.
١١ - وقال قيس بن ذريح:
بليعٌ إذا يشكو إلى غيرها الهوى ... وإن هو لاقاها فغير بليغ
أخذه الطائي فقال:
لم تنكرين مع الفراق تبلدي ... وبراعة المشتاق أن يتبلد؟!
١٢ - وقال الحطيئة:
إذا هم بالأعداء لم يثن همه ... حصان عليها لؤلؤٌ وشنوف
стр. 63
فأخذه كثير فقال:
إذا هم بالأعداء لم يثن همه ... حصانٌ عليها عقد در يزينها
أخذه الطائي فخلط؛ لقصده إلى مجانسة اللفظ، فقال:
عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور، وعن سلسالها الخصب
١٣ - وقال مسلم بن الوليد:
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعته في كل مرتحل
أخذه الطائي فقال:
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش، إلا أنها لم تقاتل
فأتى في المعنى زيادةً، وهي قوله " إلا أنها لم تقاتل " وجاء به فيبتين.
[وأخطأ أيضاَ في المعنى بقوله: ((في الدماء نواهل)) والنهل: هو الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني والعقبان لا تشرب الدماء، وإنما]
стр. 64
تأكل اللحم.
وقد ذكر المتقدمون هذا المعنى؛ فأول من سبق إليه الأفوه الأودى، وذلك قوله:
وترى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار
فتبعه النابغة فقال:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
فأخذه حميد بن ثور فقال يصف الذئب:
إذا ما غدا يوماً رأيت غمامةً ... من الطير ينظران الذي هو صانع
стр. 65
وقال أبو نواس:
تتأيا الطير غزوته ... ثقةً بالشبع من جزره
أي: تتعمد وتقصد.
١٤ - وقال منصور النمري يمدح الرشيد:
وعينٌ محيطٌ بالبرية طرفها ... سواءٌ عليه قربها وبعيدها
أخذه أبو تمام فقال:
أطل على كلى الآفاق حتى ... كأن الأرض في عينيه دار
عجز هذا البيت حسنٌ جداً، وبيت النمري أحب إلى؛ لأن معناه أشرح
١٥ - وقال مسلم بن الوليد:
فلما انتضى الليل الصباح وصلته ... بحاشيةٍ من لونه المتورد
أخذه أبو تمام فقال:
حطت على قبة الإسلام أرحله ... والشمس قد نفضت ورساً على الأصل
[أو أخذه من قول النمري:
أجد ولما يجمع الليب شمله ... فما حل إلا وهو ورد المغارب]
стр. 66
هذا ما ذكره ابن المنجم، والذي أظنه أنه أخذه من قول الآخر:
والشمس صفراء ... كلون الورس
١٦ - وقال مرار الفقعسي في وصف الأثافي:
أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهن كأنه لطم
أخذه أبوتمام فقال:
أثافٍ كالخدود لطمن حزناً ... ونؤيٌ مثملا انقصم السوار
أورد المعنى في مصراع، وأتى بالمصراع الثاني بمعنى آخر يليق به فأجاد، إلا أن بيت المرار أشرج وأوضح معنىٍ، لقوله " أثر الورود على جوانبها " فأبان المعنى الذي من أجله أشبه الخدود الملطومة.
١٧ - وقال أبو نواس:
فالخمر ياقوتةٌ والكأس لؤلؤةٌ ... من كف لؤلؤةٍ ممشوقة القد
أخذه أبو تمام فقال وأساء:
أوردةٌ بيضاء بكرٌ أطبقت ... حبلا على ياقوتةٍ حمراء
لأن قوله " أطبقت حبلا " كلام قبيح مستكره جداً.
стр. 67
١٨ - وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
أخذه من قول كثير:
إذا وصلتنا خلةٌ كي تزيلها ... أبينا، وقلنا: الحاجبية أول
وذكر محمد بن داود بن الجراح في كتابه أنه أخذ المعنى من قول ابن الطثرية إذ يقول:
أتاني هوها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
وهذا أجود ما قيل في هذا المعنى؛ لأنه ذكر الصلة.
١٩ - وقال أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدوالك راحلتي وزادي
مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد
أخذه من قول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
стр. 68
وقد كان ابن أبي دؤاد سأله عن هذا المعنى أنشده القصيدة، فقال: أهو مما اخترعته؟ فقال: أخذته من قول ابن هاني:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ
٢٠ - وقال ابن الخياط في قصيدة يمدح بها المهدي، فأجازه بجائزة ففرقها في الدار، فبلغه فأضعف له الجائزة، فقال:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدى
أخذه أبوتمام فقال:
علمني جودك السماح؛ فما ... أبقيت شيئاً لدى من صلتك
وبيت ابن الخياط أبلغ وأجود.
٢١ - وقال دعبل بن علي:
وإن امرأ أسدى إلى بشافعٍ ... إليه ويرجو الشكر مني لأحمق
شفيعك فاشكر في الحوائج؛ إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
فأخذه أبو تمام فقال وألطف المعنى وأحسن اللفظ:
فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدي مر سؤاله
стр. 69
وإذا امرءٌ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنها من ماله
٢٢ - وقال مسلم بن الوليد ف يالحجاب، وأخطأ ف يالمعنى:
كذلك الغيث يرجى في تحجبه ... حتى يرى مسفراً عن وابل المطر
أخذه أبو تمام فقال:
ليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملاً ... إن السماء ترجى حين تحتجب
إلا أن لبيت أبي تمام وجهاً من الثواب، وقد ذكرته في بابٍ ف يهذا الكتاب مع ما أخذ على مسلم بن الوليد في بيته من العيب.
٢٣ - وقال النابغة الجعدي:
وتستلب الدهم التي كان ربها ... ضنيناً بها، والحرب فيها الحرائب
فأخذه أبو تمام فقال وقصر عنه:
لما رأى الحرب رأى العين نوفلسٌ ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب
أو أخذه من قول إبراهيم بن المهدي:
وسعروا الحرب واسم الحرب قد علموالو ينفع العلم مشتقٌ من الحرب
стр. 70
٢٤ - وقالت مريم بنت طارق ترثى أخاها، في أبيات أنشدها ابن الأنباري في أماليه:
كنا كأنجم ليلٍ بينها قمرٌ ... يجلو الدجى، فهوى من بينها القمر
أخذ أبو تمام اللفظ والمعنى، فقال:
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء من بينها البدر
أو أخذه من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
ولست أدري أيهما أخذ من صاحبه؟ أمريم أخذت من جرير، أم جرير أخذ منها؟ وروى دعبل بن علي الخزاعي لأبي سلمى المونى، من ولد زهير، واسمه مكنفٌ وهو الذي كان يهجو بني القعقاع آل ذفافة العبسي فيقول:
إن الضراط به تعاظم مجدكم ... فتعاظموا ضرطاً بني القعقاع
قال دعبل: فلما مات ذفافة رثاه أبو سلمى فقال:
أبعد أبي العباس يستعتب الدهر ... وما بعده للدهر عتبي ولا عذر؟
[إذا ما أبو العباس خلى مكانه ... فلا حملت أنثى ولا مسها طهر].
стр. 71
ألا أيها الناعي ذفافة ذا الندى ... تعست وشلت من أناملك العشر
ولا مطرت أرضاً سماءٌ، ولا جرت ... نجومٌ، ولا لذت لشاربها الخمر
كأن بني القعقاع بعد وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
توفيت الآمال بعد ذفافةٍ ... فأصبح في شغلٍ عن السفر السفر
يعزون عن ثاوٍ تعزى به العلا ... ويبكى عليه البأس والمجد والشعر
وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخراً لمن أمسى وليس له ذخر
قال أبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح: قال أبو محمد اليزيدي: أنشدني دعبلٌ هذه القصيدة، وجعل يعجبني من الطائي في ادعئه إياها، وتغييره بعض أبياتها.
٢٥ - وقال مسلم بن الوليد يرثي:
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةٍ ... أثنى عليها السهل والأوعار
أخذ أبو تمام المعنى وقصر ف يالعبارة، فقال:
وقفنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى ... به ما يقال في السحابة تقلع
وتقصيره عن مسلم أن مسلماً قال " أثنى عليها السهل والأوعار " فأراد أن هذه السحابة عمت بنفعها، وفي قول أبي تمام " ما يقال في السحابة تقلع " إبهام؛ لأنه لم يفصح بالثناء عليها وأنها نفعت، وقد يقال في السحابة إذا أقلعت ما هو غير
стр. 72
المدح والثناء، إذا نزلت في غير حينها، وف يغير وقت الحاجة إليها، وكثيراً ما يضر المطر إذا كانت هذه حاله، وإن كان أبو تمام لم يرد هذا القسم، وإنما أراد القسم الآخر فقط؛ فقصر في العبارة والشرح، ألا ترى إلى قول الشاعر الأول ما أحسن ما شرط، وهو طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمةٌ تهمى
قال " غير مفسدها " لما دعا لها بالسقيا التي تدوم، وقال البحتري:
ألح جوداً فلم تضرر سحائبه ... وربما ضر عند الحاجة المطر
وقول أبي تمام " ما يقال في السحابة تقلع " يحتاج إلى تفسير مع سرقته المعنى.
٢٦ - وقال العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
أخذه الطائي فقال:
أآلفة النحيب، كم افتراقٍ ... أظل فكان داعية اجتماع؟
وبيت الأعرابي وهو عروة بن الورد - أجود من بيتهما، ومنه أخذا
стр. 73
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنى للمقام أطوف
٢٧ - وقال أبو تمام:
أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذاً لهجاني عنه معروفه عندي
أخذ المعنى من قول بعض الخوارج وسامه قطري بن الفجاءة قتال الحجاج، لأن الحجاج كان من عليه، فقال:
أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيدٍ تقر بأنها مولاته
إني إذاً لأخو الدناءة، والذي ... غطت على إحسانه جهلاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف فاحتجت له فعلاته
أأقول جار علي؟ لا، إني إذاً ... لأحق من جارت عليه ولاته
وتحدث الأقوام أن صنائعاً ... غرست لدي فحنظلت نخلاته
٢٨ - وقال قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الخ ... الق أن لا يكنها سدف
أخذه أبو تمام فقال:
فعجبت من شمسٍ إذا حجبت بدت ... من نورها، فكأنها لم تحجب
стр. 74
أو أخذه من قول أبي نواس:
ترى ضوءها من ظاهر الكأس ظاهراً ... عليك، ولو غطيتها بغطاء
٢٩ - وقال مسلم بن الوليد:
يصيب منك مع الآمال طالبها ... حلماً وعلماً ومعروفاً وإسلاماً
أخذه أبو تمام فقال وبرز عليه وإن كان بيت مسلم أجمع للمعنى:
نرمي بأشباحنا إلى ملكٍ ... نأخذ من ماله ومن أدبه
٣٠ - وقال أبو نواس:
تبكي البدور لضحكه ... والسيق يضحك إن عبس
أراد ههنا بالبدور حمع بدرة، فأخذه أبو تمام فقال وقصر عنه:
كل يومٍ له وكل أوان ... خلٌ ضاحكٌ ومالٌ كئيب
فبإزاء هذا البيت قول أبي نواس " تبكي البدور لضحكه " وقوله " والسيف يضحك إن عبس " فضلٌ.
٣١ - وقال جرير:
وهن أضعف خلق الله أركانا
أخذه أبو تمام فجعله في الخمر، فقال:
стр. 75
وضعيفةٍ فإذا أصابت فرصةً ... قتلت، كذلك قدرة الضعفاء
٣٢ - وقال رجل من بني أسد، وكان أبو عبد الله الجرشي - أحد شعراء الشاميين - أنشدنيه لبعض شعراء بني أسد:
تغيبت كي لا تجتويني دياركم ... ولو لم تغب شمس النهار لملت
وظننته مصنوعا حتى وجدت عبد الله بن المعتز بالله ذكر في كتابه المؤلف في سرقات الشعر عجز هذا البيت:
ولو لم تغب شمس النهار لملت
للكميت بن زيد فأخذه الطائي فقال:
فإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد
فأما قول الإيادي:
فإني رأيت القطر يسأم دائباً ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
فمن أبي تمامٍ أخذه؛ لأنه متأخر بعده.
٣٣ - وقال مسلم بن الوليد:
موفٍ على مهجٍ واليوم ذو رهجٍ ... كأنه أجلٌ يسعى إلى أمل
следующие страницы →