Полный текст (73 стр.). Показаны 36–73 · переход к 41.
стр. 36
من راقب الله نزع ... عن قبح ما كان صنع
قال أحمد بن يحيى قرف القمع ما كان عليه من الوسخ، فيقول أبو زيد لأصحابه: اقتربوا يا أوساخ.
وحدثنا أبو بكر بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال حدثني أبو زيد قال قلت لأعرابي: ما المتكأكئ قال: المتأزف. قلت: ما المتأزف؟ قال: المحبنطئ يا أحمق. وتركني ومضى وذلك كله القصير.
وذكر أبو العباس محمد بن يزيد قال حدثني أبو عثمان المازني والتوزي وغيرهما أن الكسائي كتب إلى أبي زيد جواب كتاب كان كتبه إليه: شكوت إلي مجانينكم فأشكو إليك مجانيننا لئن كان أقذاركم قد نموا لأقذر وأنتن بمن عندنا فلولا المعافاة كنا كهم ولولا البلاء لكانوا كنا.
وذكر محمد بن يزيد قال حدثني المازني عن أبي زيد قال: قدم الكسائي البصرة فأخذ عن أبي عمرو ويونس وعيسى بن عمر علماً كثيراً صحيحاً ثم خرج إلى بغداد فقدم إعراب الحطمة فأخذ عنهم شيئاً فاسداً فخلط هذا بذاك فأفسده ولا نعلم أحداً من علماء
стр. 37
البصريين بالنحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة شيئاً من علم العرب إلا أبا زيد فإنه روى عن المفضل الضبي. قال أبو زيد في أول كتاب النوادر أنشدني المفضل لضمرة بن ضمرة النهشلي جاهلي.
بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسلٌ عليك ملامتي وعتابي
أأصرها وبني عمي ساغبٌ ... فكفاك من إبةٍ علي وعاب
هل تخمشن إبلي على وجوهها ... أم تعصبن رؤوسها بسلاب
معنى بكرت أي قدمت الوقت والوهن الساعة من الليل، والبسل الحرام، أأصرها يعني أشد أخلافها والساغب الجائع، والإبة العيب وما يستحي منه والعاب العيب والسلاب عصابة سوداء تلبسها المرأة في المصيبة، وعامة كتاب النوادر لأبي زيد عن المفضل.
ذكر أخبار الأصمعي
قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: كان الأصمعي أسد الشعر والغريب والمعاني وكان أبو عبيدة كذلك وبفضل على الأصمعي بعلم النسب وكان الأصمعي أعلم منه بالنحو وهو عبد الملك بن قريب ويكنى أبا سعيد واسم قريب عاصم ويكنى بأبي بكر بن عبد الملك
стр. 38
بن أصمع بن مطهر بن رياح بن عمرو بن عبد الله الباهلي وقد هجاه أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي بهذا النسب في قصيدة أولها:
ألا هبلت كل من ينتمي ... غلى أصمعٍ أمه الهابله
فكيف بمن كان ذا دعوةٍ ... وكفة نسبته شائله
وفيها:
أبِنْ لي دعى بني أصمعٍ ... أقفرٌ رباعك أم آهله
ومن أنت هل أنت إلا امروءٌ ... إذا صح أصلك من باهله
وحدثنا أبو علي الكوكبي قال حدثني محمد بن سويد قال أخبرني محمد بن هبيرة قال: قال الأصمعي للكسائي وهما عند الرشيد ما معنى قول الراعي:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ... ودعا فلم أر مثله مخذولا
قال الكسائي: كان محرماً بالحج. قال الأصمعي فقوله:
قتلوا كسرى بليلٍ محرما ... فتولى لم يمتع بكفن
стр. 39
هل كان محرماً بالحج، فقال هارون للكسائي: يا علي إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي. قوله محرماً كان في حرمة الإسلام.
قال محمد بن سويد قال ابن السكيت قال الأصمعي: ومن ثم قيل مسلم محرمٌ أي لم يحل من نفسه شيئاً يوجب القتل وقوله محرماً في كسرى يعني حرمة العهد الذي كان له في أعناق أصحابه.
وحدثنا محمد بن سهل الكاتب قال حدثنا أبو جعفر أحمد بن عبيد قال سمعت ابن الأعرابي قال: شهدت الأصمعي وقد أنشد نحواً من مائتي بيت ما فيا بيت عرفناه.
وكان الأصمعي صدوقاً في الحديث. عنده عن ابن عون وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم. وعنده القرآن عن أبي عمرو ونافع وغيرهما ويتوقى تفسير شيء من القرآن والحديث على طريق اللغة.
حدثنا أبو علي الصفار قال حدثنا أبو عمرو الصفار قال حدثنا نصر بن علي قال: حضرت الأصمعي وقد سأله سائل عن معنى قول
стр. 40
النبي صلى الله عليه: (جاءكم أهل اليمن وهم أبخع أنفساً) قال: يعني أقتل أنفساً ثم أقبل متندماً على نفسه كاللائم لها فقال: ومن أخذني بهذا وما علمي به. فقلت له: لا عليك فقد حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيع عن مجاهد في قوله: لعلك باخعٌ نفسك، أي قاتل نفسك فكأنه سرى عنه.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد أخبرني أبو قلابة الجرمي قال صرت إلى الأصمعي ومعي كتاب المجاز لأبي عبيدة فقال لي: هاته. فأعطيته وانصرفت فنظر فيه حتى انتهى إلى آخره. ثم رجعت إليه فقال لي: قال أبو عبيدة في أول كتابه: آلم ذلك الكتاب لا ريب فه. أي لا شك فيه فما يدريه أن الريب الشك. قال فقلت له: أنت فسرت لنا في شعر الهذليين.
فقالوا تركنا القوم قد حصروا به
فلا ريب أن قد كان ثم لحيم، قال: فأمسك ولم يقل شيئاً ورد الكتاب.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: كان الأصمعي كثيراً ما يذاكر أصحابه بمعاني الشعر، قال: فمر به رجلان كانا يتناظران في المعاني فلما رأياه قال أحدهما لصاحبه متمثلاً ببيت:
стр. 41
وما ينجي من الغمرات إلا ... براكاء القتال أو الفرار
وقال ابن أخي الأصمعي: كان عمي إذا ورد عليه شيء ينكره قال: جحفل به. ومعناه أرم به. يقال جحفلت به إذا صرعته.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: كان الأصمعي إذا أنشد هذه الأبيات يومئ كأنه يقوم على أرع. والأبيات له:
يا أمة الله ألم تسمعي ... ما قال عبد الملك الأصمعي
واحدة أثقلتني حملها ... فكيف لو قمت على أربع
وذكر أبو العباس قال: دخل الأصمعي يوماً على الرشيد بعد غيبة كانت منه فقال ل: يا أصمعي كيف كنت بعدي؟ فقال: ما لاقتني بعدك أرضٌ، فتبسم الرشيد فلما خرج الناس قال له: ما معنى قولك ما لاقتني أرض. قال: ما استقرت بي أرض كما يقال فلان لا يليق شيئاً أي لا يستقر معه شيء. فقال له: هذا حسن ولكن لا ينبغي أن تلكمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه فإذا خلوت فعلمني فإنه يقبح بالسلطان أن لا يكون عالماً إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم إذا لم أجب وإما أن أجيب بغير الجواب فيعلم من حولي أني لم أفهم ما قلت. قال الأصمعي: فعلمني أكثر مما علمته.
стр. 42
قال أبو العباس نمى إلي أن الرشيد مازح أم جعفر فقال لها: كيف أصبحت يا أم نهر؟ فاغتمت لذلك ولم تدر ما معناه فوجهت إلى الأصمعي تسأله عن ذلك فقال لها: الجعفر النهر الصغير وإنما ذهب إلى هذا. فطابت نفسها.
قال أبو العباس كان رجل يألف حلقة الأصمعي فإذا صار إلى منعته أهدى مما يحمل منها. فترك حلقة الأصمعي فألف حلقة أبي زيد وكان أبو زيد لا يقبل شيئاً، فمر الرجل يوماً بالأصمعي فأنشده الأصمعي للفرزدق.
ولح بك الهجران حتى كأنما ... ترى الموت في البيت الذي كنت تألف
وكان يقول اليسير من الشعر فمن ذلك ما يروى عنه أنه قال: كنت أجالس أمير المؤمنين وأسامره فوجه إلي ليلة في ساعة يرتاب فيها البريء فتناولت أهبة الدخول عليه فمنعت من ذلك وأعجلت فدخلني من ذلك رعب شديد وخوف وجعلت أتذكر ذنباً فلا أجده وجعلت نفسي تظن الظنون. فلما دخلت عليه سلمت ومثلت بين يديه قائماً وهو مطرق فرفع رأسه إلي فأمرني بالجلوس فجلست فقال: يا عبد الملك قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال:
стр. 43
لو أن جعفر خاف أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمر ملجم
ولكان من حذر المنون بحيث ... لا يرجو اللحاق به العقاب القشعم
لكنه لما تقارب يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجم
قال وكان بين يديه طست مغطى بمنديل فأمر بكشفه فكشف فإذا رأس جعفر بن يحيى ثم قال: الحق بأهلك يا ابن قريب. فنهضت ولم أحر جواباً للرعب. فلما أفرخَ روعي فكرت في ذلك فوجدته أحب يعلمني مكره ونكره ودهاءه ليتحدث به عنه. قال الأصمعي فخرجت وأنا أقول:
أيها المغرور هل لك ... عبرةٌ في آل برمك
غرهم عن قدر الله حساب الهشتمرك
وهي أبيات كثيرة آخرها؟ عبرةً لم ترد أنت ولا قبل أبٌ لك وأكثر سماعه من الأعراب وأهل البادية.
حدثنا أبو بكر بن السراج قال حدثنا أبو العباس المبرد قال
стр. 44
قال الأصمعي: رآني أعرابي وأنا أكتب كل ما يقول فقال: ما تدع شيئاً إلا نمصته. أي نتفته. وقال له بعض الأعراب وقد رآه يكتب: كل شيء ما أنت إلا الحفظة تكتب لفظ اللفظة. وقال له آخر: أنت حتف الكلمة الشرود.
قال أبو العيناء: توفي الأصمعي بالبصرة وأنا حاضر في سنة ثلاث عشرة ومائتين وصلى عليه الفضل بن إسحاق. وسمعت عبد الرحمن ابن أخيه في جنازته يقول: إنا لله وإنا إليه من الراجعين. فقلت: ما عليه لو استرجع كما علمه الله.
ويقال مات الأصمعي في سنة سبع عشرة ومائتين أو سنة ست عشرة والله أعلم وأحكم.
؟
ذكر أخبار أبي عبيدة
كان أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي تيم قريش لا تيم الرباب وهو مولى لهم ويقال هو مولى لبني عبيد الله بن معمر التيمي.
وحدثنا أبو بكر بن مجاهد قال حدثنا الكديمي أو أبو العيناء الشك من أبي سعيد قال: قال رجل لأبي عبيدة: يا أبا عبيدة قد
стр. 45
ذكرت الناس وطعنت في أنسابهم فبالله إلا عرفتني من كان أبوك وما أصله. فقال: حدثني أبي أن أباه كان يهودياً بباجروان.
وكان أبو عبيدة من أعلم الناس بأنساب العرب وبأيامهم وله كتب كثيرة في أيام العرب وحروبها مثل كتاب مقاتل الفرسان وكتب في الأيام معروفة.
قال أبو العباس المبرد: كان أبو عبيدة عالماً بالشعر والغريب والأخبار والنسب وكان الأصمعي يشركه في الغريب والشعر والمعاني وكان الأصمعي أعلم بالنحو منه، وكان أبو عبيدة والأصمعي يتقارصان كثيراً ويقع كل واحد منهما في صاحبه.
أخبرنا أبو بكر بن السراج قال حدثنا أبو العباس المبرد قال حدثنا التوزي قال سألت أبا عبيدة عن قول الشاعر:
وأضحت رسوم الدار قفراً كأنها ... كتابٌ تلاه الباهلي ابن أصمعا
فقال: هذا يقول له في جد الأصمعي كان يقرأ الكتب على المنبر كما يقرأه الخراساني. قال التوزي: فسألت الأصمعي عن هذا فتغير وجهه ثم قال: هذا كتاب عثمان ورد على ابن عامر فلم يوجد له من يقرؤه إلا جدي.
стр. 46
ويروى أنه قيل لأبي عبيدة: أن الأصمعي يقول: بينا أبى يساير سلم بن قتيبة على فرس له. فقال أبو عبيدة: سبحان الله والحمد لله والله أكبر المتشبع بما لم يؤت كلابس ثوبي زور والله ما ملك أبو الأصمعي قط دابة إلا في ثوبه.
وحمل أبو عبيدة والأصمعي إلى الرشيد فاختار الأصمعي لمجالسته لأنه كان أحسن منشأ منه وأصلح لمجالسة الملوك.
قال أبو العباس محمد بن يزيد قال أبو عبيدة: لما حملت إلى الرشيد أنا والأصمعي تغدينا عند الفضل بن يحيى فجاؤونا بأطعمة والله ما سمعت بها قط وإذا بين يدي الأصمعي سمك كنعد وكامخ شبت. فقال لي: كل من هذا يا أبا عبيدة فإنه كامخ طيب. قال فقلت: والله ما فررت من البصرة غلا من الكامخ والكنعد.
وحدثنا أبو علي الصفار قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا التوزي عن أبي عبيدة قال سمعت ابن دأب يقول: فخرج حمزة كأنه جملٌ محجوم. فصاح به صائح، يا أبا الوليد ما المحجوم؟ قال
стр. 47
الذي به عضاض. قال: فرفعت رأسي فقلت له: للمحجوم ثلاثة مواضع اخترت لحمزة شرها. قال أبو العباس: الحجم حجم الشيء الذي له لَمْس يقال رأيتُ حجم صرته فعلمت ما فيها أي لمستها. قال أبو العباس وثلاثة المواضع التي يحتمل المحجوم أحدها هو الذي له جسم ولحم يقال جمل محجوم إذا كان جسيماً والمحجوم الذي كان المحجم على فيه يمنعه من الكلام، والمحجوم من العضاض.
وممن اختص بالأخذ عنه حتى نسب إليه التوزي ودماذ أبو غسان ويقال أنه مات سنة ثمان ومائتين وقيل سنة تسع ومائتين والله أعلم وأحكم؟ وبعد هذه الطبقة أبو عمر الجرمي وأبو عثمان المازني واليهما انتهى النحو في زمانهما وفي عصرهما التوزي والزيادي والرياشي وأبو حاتم السجستاني.
أخبار أبي عمر الجرمي
أبو عمر اسمه صالح بن إسحاق وهو مولى لجرم بن زمان وجرم من قبائل اليمن.
стр. 48
قال أبو العباس محمد بن يزيد هو مولى لجبلة بن أنمار بن إراش بن الغوث، قال أبو العباس: كان أبو عمر الجرمي أغوص على الاستخراج من المازني وكان المازني أحد منه.
وأخذ أبو عمر النحو عن الأخفش وغيره وقرأ كتاب سيبويه على الأخفش ولقى يونس بن حبيب ولم يلق سيبويه وأخذ اللغة عبد أبي عبيدة وأبي زيد والأصمعي وطبقتهم وكان ذا دين وأخاً ورع وقد روى عن محدثي أهل البصرة.
حدثنا أبو بكر بن السراج قال حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد قال حدثنا أبو عمر الجرمي عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي عن محمد بن إسحاق عن يونس عن الزهري في قول الله : (وما علمناه الشعر وما ينبغي له). قال: معناه ما الذي علمناه شعراً وما ينبغي له أن يبلغ عنا شعراً. قال الزهري: وكان رسول الله صلى الله عليه لا يقول من الشعر إلا ما قد قيل قبله.
وحدثنا أبو مزاحم الخاقاني قال حدثنا ابن أبي سعد قال
стр. 49
حدثنا مسعود بن عمرو قال حدثني أبو عمر النحوي صالح بن إسحاق الجرمي قال: ما رأيت فقيهاً قط أفصح من مزاحم قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني مسعود بن عمرو قال حدثني أبو عمر الجرمي قال: رأيت يونس النحوي ومر بحلقة من حلاق المسجد فقام إليه رجل فسأله عن قول الله جل ذكره (وإنى لهم التناوش من مكان بعيد) قال فقال بيده التناول وأنشد:
وهي تنوش الحوض نوشاً من علا ... نوشاً به تقطع أجواز الفلا
أخبار أبي عثمان المازني
وهو بكر بن محمد من بني مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن كعب بن علي بن بكر بن وائل. وقد كان أشخص إلى الواثق وكان السبب في ذلك أن جارية غنت.
أظليم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم
فرد بعض الناس عليها نصب رجلاً وظن أنه خبر إن وإنما
стр. 50
هو مفعول المصدر ومصابكم في معنى إصابتكم وظلم خبر إنّ فقالت: لا أقبل هذا أو لا أغيره وقد قرأته كذى على أعلم الناس بالبصرة أبي عثمان المازني فتقدم بإحضاره.
قال أبو العباس محمد بن يزيد حدثني المازني قال: لما قدمت سر من رأى دخلت على الخليفة فقال لي: يا مازني من خلفت وراءك؟ فقلت: خلفت يا أمير المؤمنين أخية لي أصغر مني أقيمها مقام الوالد. فقال لي: فما قالت حين خرجت. قلت: طافت حولي وقالت وهي تبكي أقول لك يا أخي كما قالت بنت الأعشى لأبيها:
تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواءٌ ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلاد ... نُجفى ويقطع فينا الرحم
قال لي: فما قلت لها؟ قال قلت: أقول لك أخية كما قال جرير لابنته:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال: لا جرم إنها ستنجح. وأمر لي بثلاثين ألف درهم.
стр. 51
وفي غير هذه الرواية أنه لما أدخل عليه قال له: بسمك. يريد ما اسمك. قال المازني: وكأنه أراد أن يعلمني معرفته بإبدال الباء مكان الميم في هذه اللغة. فقلت: بكر بن محمد المازني. قال: أمازن شيبان أم مازن تميم؟ قلت: مازن شيبان. فقال: حدثنا، قلت: يا أمير المؤمنين هيبتك تمنعني عن ذلك وقد قال الراجز:
لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا
قال: فسره لنا، قلت: لا تقلواها لا تعنفانها في السير، يقال قلوته إذا سرت به سيراً عنيفاً، ودلوت إذا سرت سيراً رفيقاً، ثم أحضر التوزي فكان في دار الواثق وكان التوزي يقول إن مصابكم رجلٌ ويظن أن مصابكم مفعول به ورجل خبر. فقال المازني: كيف تقول إن ضربك زيداً ظلمٌ. فقال التوزي: حسبي. وفهم.
وكان دِماذ أبو غسان صاحب أبي عبيدة قد قرأ من النحو إلى باب الواو والفاء ومن قول الخليل وأصحابه أن ما بعدها ينتصب بإضمار أن فنبأ فهمه عنه. قال عبد الله بن أبي سعد حدثنا عبد الله بن ماهان المروزي قال حدثنا عبد الله بن جبان النحوي قال كتب دماز إلى المازني:
стр. 52
فكرت في النحو حتى مللت ... وأتعبت نفسي له والبدن
وأتعبت بكراً وأًحابه ... بطول المسائل في كل فن
فكنت بظاهره عالماً ... وكنت بباطنه ذا فطن
خلا أن باباً عليه العفا ... للفاء يا ليته لم يكن
وللواو بابٌ إلى جنبه ... من المقت أحسبه قد لعن
إذا قلت هاتوا لماذا يقا ... ل لست بآتيك أو تأتين
أأجيبوا لما قيل هذا كذا ... على النصب قالوا الإضمار أن
فقد كدت يا بكر من طول ما ... أفكر في بابه أن أجن
وكان أبو عثمان مع علمه بالنحو متسعاً في الرواية.
أخبرنا أبو بكر السراج قال أبو العباس النحوي محمد بن يزيد قال أخبرنا المازني عن العتبي عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس: الكامل من عدت سقطاته، وأخبرنا أبو بكر قال أخبرنا أبو العباس قال أخبرنا أبو عثمان قال أخبرني أبو الحسن المدائني قال: قيل لامرأة من بني نمير وحضرتها الوفاة: أوصى بثلثك فإن ذاك لك. قالت: وما أوصى
стр. 53
وما أوصي بشيء. قيل بل تقربي إلى الله بذلك. قالت: من الذي يقول:
لعمرك ما رماح بني نمير ... بطائشة الصدور ولا قِصار
قالوا: زياد الأعجم. قالت: وممن هو؟ قالوا: من عبد القيس. قالت: فثلثي لعبد القيس.
حدثنا أبو مزاحم قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا أبو عثمان المازني قال حدثنا الأصمعي عن عيسى بن عمر قلا: كنا نمشي مع الحسن ومعنا عبد الله بن أبي إسحاق قال فقال: حادثوا هذه النفوس فإنها طلعة ولا تدعوها فتنزح بكم إلى شر غاية. قال: فأخرج عبد الله بن أبي إسحاق ألواحه فكتبها فقال: استفدنا منك يا أبا سعيد طلعة.
حدثنا أبو مزاحم قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني أبو عثمان المازني قال سمعت أبا زيد يقول: قيل للحسن يا أبا سعيد أيدالِك الرجل امرأته. قال: لا بأس إذا كان ملفجاً. والمفلج المفلس والمدالكة المماطلة.
حدثنا أبو مزاحم قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا أبو عثمان المازني حدثنا الأصمعي عن خلف الأحمر قال سمعت
стр. 54
رؤبة يقول: ما في القرآن أعرب من قوله: (فاصدع بما تؤمر).
وبهذا الإسناد قال حدثنا أبو عثمان قال حدثني أبو زيد قال سمعت رؤبة قرأ: فأما الزبد فيذهب جفالاً. قال قلت: جفاء قال: لا إنما تجفله الريح أي تقلعه.
وبهذا الإسناد قال حدثنا أبو عثمان قال حدثنا الأصمعي قال سمعت عيسى بن عمر ينشد:
حييت عنا أيها الوجه ... ولغيرك البغضاء والنجه
النجه اسوأ الرد.
وبهذا الإسناد قال حدثنا أبو عثمان المازني قال أخبرني أحمد بن عبد الله بن علي السدوسي قال سمعت سعيد بن سلم يقول لأبي زياد الكلابي: هلم أناضلك. قال له أبو زياد: لا محمد لي بتنضال كفاى كالشن البالي. وقال المازني مرة: كفى كالشن البالي.
وبهذا الإسناد قال حدثنا أبو عثمان المازني قال: حدثني عثمان بن ثرمدة رجل من بني ذهل بن ثعلبة قال: شهدت شبيب بن شبة وهو يخطب إلى رجل من الأعراب بعض حرمته فطول وكانت
стр. 55
للأعرابي حاجة تنزعه يخاف فوتها فاعترض الأعرابي على شبيب وقال له: يا هذا إن الكلام ليس للمكثر المطنب ولكنه للعقل المصيب وأنا أقول الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين أما بعد فقد أدليت بقرابة وذكرت حقاً وعظمت مرعياً فقولك مسموع وحبلك موصول وبذلك مقبول وقد زوجنا صاحبك على اسم الله.
وقال أبو عثمان سألني الأصمعي عن هذا.
يا بئر يا بئر بني عدي ... ليمخضن جوفك بالدلي
حتى تعود أقطع الولي
فقلت حتى تعودي قليباً اقطع الولي كان حقه أن يقول قطعاء الولي لقوله تعودي. وكان عبد الصمد بن المعذل قد وجد من شيء كان أنكره المازني و كلام تكلم به فيه فقال يهجوه وأفحش.
стр. 56
بنت ثمانين بفيها لثغه ... شوهاء ورهاء كطين الردغه
ممشوطة لمتها المثمغه ... ملوية أصباغها المصمغه
مخضوبة في قمص مصبغه ... مثلبة للصاحب منزغه
فيها يعاف الخفرات ميلغه ... ملسبةٌ بالناقرات ملدغه
أعارها الغضون منه الوزغه ... والظربان كشحه وأزفغه
والديك أحذى الجيد منها النغنغه ... ألقت حليساً لي وألقت مردغه
وهامستني بحديث فغفغه ... وحلف منها وإفك مغمغه
إنك إن ذقت حمدت الممضغه ... فقلت ما هاجك قالت دغدغه
فقلت من أنت فقالت لي دغه ... وابني أبو عثمان ذو علم اللغه
стр. 57
فاطوِ حديثي دونه أن يبلغه ... هممت أعلو رأسها فأدمغه
فبلغ أبا عثمان فقال: قولوا له الجاهل بم نصبت فأدمغه لو لزمت مجالسة أهل العلم كان أعود عليك.
أخبار التوزي
واسمه عبد الله بن محمد مولى لقريش. قال أبو العباس كنا ندعوه أبا محمد القرشي. وقرأ التوزي كتاب سيبويه على أبي عمر الجرمي. قال أبو العباس أوما رأيت أحداً أعلم بالشعر من أبي محمد التوزي كان أعلم من الرياشي والمازني وأكثرهم رواية عن أبي عبيدة وقد قرأ على الأصمعي وغيره.
وحدثنا أبو علي الصفار قال محمد بن يزيد أبو العباس قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير لأبي محمد التوزي كلمة جرير التي أولها:
طرب الحمام بذي الأراك فشاقني ... لا زلت في فنن وأيك ناضر
حتى صرت إلى قوله:
أما الفؤاد فلن يزال موكلاً ... بهوى جمانة أو برياً العاقر
стр. 58
فقال له التوزي: ما هما. فقال عمارة: ما يقول صاحبكم يعني أبا عبيدة. فقال التوزي قال: هما امرأتان. فضحك عمارة ثم قال: هما والله رملتان تمتدان بيتي من عن يمينه وعن شماله. فقال التوزي: اكتب. فاستكبرت ما قال إجلالاً لأبي عبيدة. فقال لي اكتب فإن أبا عبيدة لو حضر هذا لأخذ هذا الضرب عنه هذا بيت الرجل.
وحدثنا أبو علي قال حدثنا أبو العباس قال سأل التوزي عمارة عن بيت الفرزدق هذا وما سمعته سئل قط عن شيء من شعر الفرزدق غير هذا فلم يجبه فقال التوزي معناه الحمرة من الدم. والبيت:
ومنا غداة الروع فتيان غارة ... إذا متعت بعد الأكف الأشاجع
متعت احمرت من الدم ويقال نبيذ ماتع أي شديد الحمرة.
قال أبو العباس وحدثني التوزي قال: كنت أقرأ على الأصمعي أنا وحيان وكان لقب حيان عينين. قال فكان الأصمعي إذا رآنا تمثل.
وشريكين في كثير من الو ... د وكانا محالفي إقلال
وتزوج التوزي بأم أبي ذكوان النحوي فكان أبو ذكوان إذا قيل له: من كان التوزي منك. قال: كان أبا اخوتي وكان في جمل الواثق.
стр. 59
أخبار الزيادي
هو أبو إسحاق إبراهيم بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه وكان قد قرأ كتاب سيبويه ولم يتمه وله نكت في كتاب سيبويه وخلافٌ له في مواضع قد ذكرناها في شرحه. وقرأ على الأصمعي وروى عنه وعن غيره. وحدثنا أبو بكر بن السراج قال حدثنا أبو العباس المبرد عن الزيادي قال: قرأت مرة على الأصمعي في صفات الإبل وأردت منها المُكَرّي فقلت المَكَرّي. فقال: هذه بالمولتانية أي بالسندية. وهو في شعر القطامي
وكل ذلك منها كما رفعت ... منها المُكَرِّي ومنها اللين السادي
قال وقرأ عليه يوماً هذا البيت:
أغنيت شأني فاغنوا اليوم شأنكم ... واستحمقوا في لقاء الحرب أو كيسوا
فصحفت فقال أغنيتُ شاتي. فقال الأصمعي: فأغنوا اليوم تيسكم.
стр. 60
أخبار الرياشي
هو أبو الفضل عباس بن الفرج مولى محمد بن سليمان بن علي الهاشمي ورياش رجل من جذام كان أبو عباس عبداً له فبقي عليه نسبه إلى رياش. وكان عالماً باللغة والشعر كثير الرواية عن الأصمعي وروى أيضاً عن غيره. وقد أخذ عنه أبو العباس محمد بن يزيد وأبو بكر بن دريد. وحدثني أبو بكر بن أبي الأزهر وكان عنده أخبار الرياشي قال: كنا نراه يجيء إلى أبي العباس المبرد في قدمة قدمها من البصرة وقد لقيه أبو العباس ثعلب وكان يفضله ويقدمه.
حدثنا أبو بكر بن دريد قال: رأيت رجلاً في الوراقين بالبصرة يفضل كتاب المنطق ليعقوب بن السكيت ويقدم الكوفيين فقيل للرياشي وكان قاعداً في الوراقين قال فقال: إنما أخذنا اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد أصحاب الكواميخ وأكلة الشواريز أو كلام يشبه هذا.
حدثنا أبو بكر ابن السراج قال حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد
стр. 61
قال أول ما سمعت الرياشي ينشد شعراً لمالك بن أسماء بن خارجة.
يا ليت لي خصاً بداركم ... بدلا بداري في بني أسد
الخص فيه تقر أعيننا ... خيرٌ من الآجر والكعد
قال وأنشدني له أيضاً يقول لأخيه عيينة:
أعيين هلا إذ شفغت بها ... كنت استغثت بفارغ العقل
أرسلت تبغي الغوث من قبلي ... والمستغاث إليه في شغل
وحدثنا أبو بكر بن السراج قال حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد قال حدثنا الرياشي أحسبه عن الأصمعي قال قال رؤية: خرجت مع أبي أريد سليمان بن عبد الملك فلما صرنا ببعض الطريق قال لي أبي: أبوك راجز وجدك كان راجزاً وأنت مفحم. قلت: أفأقول. قال نعم. قال فقلت.
كم حسرنا من علاة عنس، ثم أنشدته إياها فقال: اسكت فض الله فاك. قال: فلما انتهينا إلى سليمان قال له: ما قلت. فأنشده أرجوزتي فأمر له بعشرة آلاف. فلما خرجنا من عنده قلت: أتسكتني وتنشد أرجوزتي. قال: اسكت ويلك فإنك أرجز الناس. قال: فالتمست منه أن يعطيني نصيباً مما أخذه بشعري فأبى أن يعطيني منه شيئاً فنابذته. فقال:
стр. 62
لطال ما جرى أبو الجحاف ... لنية بعيدة الإيجاف
ناء عن الأهلين والألاف ... سرهفته ما شئت من سرهاف
حتى إذا ما آض ذا أعراف ... كالكودن المشدود بالإكاف
قال الذي عندك لي صواف ... من غير ما كسب ولا احتراف
فقال رؤبة يجيبه:
إنك لم تنصف أبا الجحاف ... وكان يرضى منك بالإنصاف
ظلمتني غيرك ذو الإسراف ... يا ليت حظي من نداك الضاف
والفضل أن تتركني كفاف
ومات الرياشي فيما حدثني به أبو بكر بن دريد سنة سبع وخمسين ومائتين بالبصرة قتله الزنج.
أخبار أبي حاتم السجستاني
هو سهل بن محمد وكان كثير الرواية عن أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي عالماً باللغة والشعر. قال أبو العباس وسمعته يقول قرأت كتاب سيبويه على الأخفش مرتين. وكان حسن العلم بالعروض وإخراج المعمى ويقول الشعر الجيد ويصيب المعنى ولم يكن
стр. 63
بالحاذق في النحو. قال أبو العباس: ولو قدم بغداد لم يقم له منهم أحد. وله كتاب في النحو. قال أبو العباس: وكان إذا التقى هو والمازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي تشاغل أو بادر خوفاً من أن يسأله المازني عن النحو وكان جماعة للكتب يبحر فيها وكان كثير تأليف الكتب في اللغة. قال أبو العباس جئت السجستاني وأنا حدث فرأيت بعض ما ينبغي أن تهجر حلقته له فتركته مدة ثم صرت إليه وعميت له بيتاً لهارون الرشيد وكان يجيد استخراج المعمى فأجابني.
أيا حسن الوجه قد جئتنا ... بداهيةٍ عجب في رجب
فعميت بيتاً وأخفيته ... فلم يخف بل لاح مثل الشهب
فاظهر مكنونه الطيطوي ... وهتك عنه الحمام الحجب
فذلل ما كان مستصعباً ... لنا فتناولته من كثب
أيا من إذا ما دنونا له ... نأى وإذا ما نأينا اقترب
عذرناك إذ كنت مستحسناً ... وبيتك ذو الطير بيت عجب
سلام على النازح المغترب ... تحية صب به مكتسب
стр. 64
ومن شعره أيضاً أنشدناه أبو بكر بن السراج قال: أنشدنا أبو العباس لأبي حاتم:
كبد الحسود تقطعي ... قد بات من أهوى معي
وله:
نفسي فداؤك يا عبيد ... الله حل بك اعتصامي
فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادي السقام
وأنله ما دون الحرام ... فليس يقصد للحرام
وعليه يعتمد في اللغة أبو بكر بن دريد وخبرني أنه مات في سنة خمس وخمسين ومائتين.
وفي هذه الطبقة جماعة ليسوا بنباهة من ذكرنا فتركناهم.
أخبار أبي العباس محمد بن يزيد الأزدي
الثمالي المعروف بالمبرد انتهى علم النحو بعد طبقة الجرمي والمازني إلى أبي العباس محمد بن يزيد
стр. 65
الأزدي وهو من ثمالة قبيلة من الأزد. وأنشدنا أبو بكر بن السراج عن أبي العباس لعبد الصمد بن المعذل يعاتبه.
سألنا عن ثمالة كل حي ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
وقد حدثنا عنه أبو بكر بن أبي الأزهر بشيء ظريف في هذا المعنى. حدثنا ابن أبي الأزهر قال حدثني محمد بن يزيد قال قال لي المازني: يا أبا العباس بلغني أنك تتصرف من مجلسنا فتصير إلى المخيس وإلى مواضع المجانين والمعالجين فما معناك في ذاك؟ قال: فقلت: إن لهم أعزك الله طرائف من الكلام وعجائب من الأقسام. فقال: خبرني بأعجب ما رأيته من المجانين. قال فقلت: دخلت يوماً إلى مستقرهم فرأيت مراتبهم على مقدار بليتهم وإذا قوم قيام قد شدت أيديهم إلى الحيطان بالسلاسل ونقبت من البيوت التي هم بها إلى غيرها مما يجاورها لأن علاج أمثالهم أن يقوموا الليل والنهار لا يقعدون ولا يضطجعون ومنهم من يحلب على رأسه وتدهن أرداؤه ومنهم من ينهل ويعل بالدواء حسب ما يحتاجون، فدخلت يوماً مع ابن أبي خميصة وكان المتقلد للنفقة عليهم
стр. 66
ولتفقد أحوالهم فنظروا وأنا معه فأمسكوا عما كانوا عليه لولاء موضعه فمررت على شيخ منهم تلوح صلعته وتبرق للدهن جبهته وهو جالس على حصير نظيف ووجهه إلى القبلة كأنه يريد الصلاة. فجاوزته إلى غيره فناداني: سبحان الله أين السلام من المجنون ترى أنا أم أنت. فاستحيت منه وقلت: السلام عليكم. فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الرد عليك على أنا نصرف سوء أدبك إلى أحسن جهاته من العذر لأنه كان يقال: إن لله إخاء على القوم دهشة اجلس أعزك الله عندنا. وأومى إلى موضع من حصيره ينفضه كأنه يوسع لي. فعزمت على الدنو منه فناداني ابن أبي خميصة: إياك إياك! فأحجمت عن ذلك ووقفت ناحية أستحلب مخاطبته وأرصد الفائدة منه. ثم قال لي وقد رأى معي محبرة: يا هذا أرى معك آلة رجلين أرجو أن لا تكون أحدهما أتجالس أصحاب الحديث الأغثاث أم الأدباء من أصحاب النحو والشعر. قال: أتعرف أبا عثمان المازني. قلت: نعم معرفة ثاقبة. قال: أفتعرف الذي يقول فيه:
وفتى من مازنٍ ساد أهل البصره ... أمه معروفة وأبوه نكره
стр. 67
قلت: لا أعرفه، قال: أفتعرف غلاماً له قد نبغ في هذا العصر معه ذهن وله حفظ وقد برز في النحو وجلس في مجلس صاحبه وشاركه فيه يعرف بالمبرد، قلت: أنا والله عين الخبير به. قال: فهل أنشدك شيئاً من عبثات أشعاره؟ قلت: لا أحسبه يحسن قول الشعر. قال: سبحان الله أليس هو الذي يقول:
حبذا ماء العناقيـ ... ـد بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي ... ودمي أي نبات
أيها الطالب أشهى ... من لذيذ الشهوات
كل بماء المزن تفـ ... ـاح خدود الناعمات
قلت: قد سمعته ينشد هذا في مجلس الأنس. قال: يا سبحان الله أويستحيا أن ينشد مثل هذا حول الكعبة ما تسمع الناس يقولون في نسبه. قلت: يقولون هو من الأزد أزد شنؤة ثم من ثمالة. قال: قاتله الله ما أبعد غوره أتعرف قوله:
سألنا عن ثمالة كل حيٍ ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
فقال لي المبرد خل قومي ... فقومي معشر فيهم نذاله
стр. 68
قلت: أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذل يقوله لها فيه. قال: كذب من ادعاها غيره هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت بهذا الشعر له نسباً. قلت أنتم أعلم. قال: يا هذا قد غلبت بخفة روحك على قلبي وتمكنت بفصاحتك من استحساني وقد أخرت ما كان يجب أن أقدمه. الكنية أصلحك الله؟ قلت: أبو العباس. قال: فالاسم. قلت: محمد. قال: فالأب. قلت: يزيد. قال: قبحك الله أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدمت ذكره. ثم وثب باسطاً يده لمصافحتي. فرأيت القيد في رجله قد شد إلى خشبة في الأرض فأمنت عند ذلك غائلته. فقال لي: يا أبا العباس صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع فليس يتهيأ لك في كل وقت أن تصادف مثلي في مثل هذه الحال الجميلة أنت المبرد. وجعل يصفق وقد انقلبت عينه وتغيرت حليته. فبادرت مسرعاً خوفاً أن تبدرني منه بادرة وقبلت قوله فلم أعاود الدخول إلى مخيس ولا غيره.
وأخذ أبو العباس النحو عن الجرمي والمازني وغيرهما وكان على المازني يعول ويقال أنه بدأ بقراءة كتاب سيبويه وختمه على المازني. وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي وهو أقدم مولداً منه
стр. 69
ورأى الناس بالبصرة يقول: ما رأى محمد بن يزيد مثل نفسه. وسمعت أبا بكر بن مجاهد يقول: ما رأيت أحسن جواباً من المبرد في معاني القرآن فيما ليس فيه قول لمتقدم. وسمعته يقول: لقد فاتني منه علم كثير لقضاء ذمام ثعلب. وسمعت نفطويه يقول: ما رأيت أحفظ للأخبار بغير أسانيد منه ومن أبي العباس بن فرات. وكذلك خبرنا أبو بكر بن السراج عن محمد بن خلف وكيع. وكان بينه وبين أبي العباس ثعلب من المنافرة ما لا خفاء به وأكثر أهل التحصيل يفضلونه.
أنشدنا أبو بكر بن أبي الأزهر قال أنشدني أحمد بن عبد السلام وكان أكبر من خالد الكاتب سناً يقول في محمد بن يزيد:
رأيت محمد بن يزيد يسمو ... إلى الخيرات في جاه وقدر
جليس خلائف وغذى ملكٍ ... وأعلم من رأيت بكل أمر
وفتيانية الظرفاء فيه ... وأبهة الكبير بغير كبر
وينثر إن أجال الفكر دراً ... وينثر لؤلؤاً من غير فكر
وكان الشعر قد أودى فأحيا ... أبو العباس دائر كل شعر
стр. 70
وقالوا ثعلب رجل عليمٌ ... وأين النجم من شمس وبدر
وقالوا ثعلب يفتي ويملي ... وأين الثعلبان من الهزبر
وهذا في مقالك مستحبلاً ... تشبه جدولاً وشلاً ببحر
قال وأنشدني فيه:
وأنت الذي لا يبلغ الوصف مدحه ... وإن أطنب المداح مع كل مطنب
رأيتك والفتح بن خاقان راكباً ... وأنت عديل الفتح في ل موكب
وكان أمير المؤمنين إذا رنا ... إليك يطيل الفكر بعد التعجب
وأوتيت علماً لا تحيط بكنهه ... علوم بني الدنيا ولا نحو ثعلب
يروح إليك الناس حتى كأنهم ... ببابك في أعلى منى والمحصب
وأنشدنا ابن أبي الأزهر لنفسه:
شكا ما به من هوىً منصب ... إلى إلفه الأوصب الأنصب
فبات يخدان حر الخدود ... بفيض دموعِهما السكب
ويعتنقان وقلباهما ... على مثل جمر الغضا الملهب
إلى أن بدا في الدجى ساطعٌ ... من الصبح يسطو على الغيهب
стр. 71
فيا حسنها ليلة لو تمد ... طوال الدهور فلم تذهب
وهل ترجعن بلذاتها ... على حال أمن من الرقب
أيا طالب العلم لا تجهلن ... وعذ بالمبرد أو ثعلب
تجد عند هاذين علم الورى ... ولا تك كالجمل الأجرب
علوم الخلائق مقرونة ... بهاذين بالشرق والمغرب
ومن شعر أبي العباس وكان مليح الطبع أخبر أبو بكر بن أبي الأزهر قال كتب طاهر بن الحارث كاتب محمد بن عبد الله بن طاهر إليه رقعة في درجها تسبيب له على مصر قد فرغ منه وأحكمه وكان الغلام الموصل للرقعة يسمى نصراً فأجابه عن رقعته وكتب في آخر الجواب.
بنفسي أخ برٌّ شددت به أزري ... فألفيته حراً على العسر واليسر
أغيب فلي منه ثناءٌ ومدحة ... وأحضر منه أحسن القول والبشر
وما طاهرٌ إلا جمالٌ لصحبه ... وناصر عافيه على كلب الدهر
تفردت يا خير الورى فكفيتني ... مطالبةٌ شنعاء ضاق لها صدري
فأحسن من وجه الحبيب ووصله ... كتابٌ أتاني مدرجاً بيدي نصر
стр. 72
سررت به لما أتى ورأيتني ... غنيت وإن كان الكتاب إلى مصر
وقلت رعاك الله من ذي مودة ... فقد فت إحساناً وقصر بي شكري
وكان مولده فيما خبرنا أبو بكر بن السراج وأبو علي الصفار في سنة عشر ومائتين ومات سنة خمس وثمانين ومائتين.
وقد كان من نظرائه في عصره ممن قرأ كتاب سيبويه على المازني جماعة لم يكن لهم كنباهته مثل أبي ذكوان ووقع إلى سيراف في أيام الزنج وكان التوزي زوج أمه وعسل بن ذكوان وخرج إلى الأهواز وأقام بعسكر مكرم من كور الأهواز. وأبو يعلى بن أبي زرعة بصري من أصحاب المازني مقدم وقد عمل كتاباً في النحو لم يتمه.
ومن أصحاب أبي العباس محمد بن يزيد أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج وأبو الحسن بن كيسان واليهما انتهت الرياسة
стр. 73
في النحو بعد أبي العباس محمد بن يزيد غير أن أبا إسحاق كان أشد لزوماً لمذهب البصريين وكان ابن كيسان يخلط المذهبين.
وكان بعدهما أبو بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج وأبو بكر محمد بن علي المعروف بمبرمان وعنهما أخذت أكثر النحو وعليهما قرأت كتاب سيبويه.
وفي طبقتهما ممن يخلط علم البصريين بعلم الكوفيين أبو بكر بن شقير وأبو بكر بن الخياط.