Полный текст (793 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَالرَّفِيقِ الرَّقِيقِ حِينَ يُسَافِرُ وَحِينَ يُقِيمُ , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي عَمَّرَ مِنَ الدِّينِ مَا عَمَّرَ وَدَفَعَ الْكُفْرَ فَدَبَّرَ بِأَحْسَنِ تَدْبِيرٍ وَأَكْمَلِ تَقْوِيمٍ، وَعَلَى عُثْمَانَ الشَّرِيفِ قَدْرُهُ الْكَثِيفِ سِتْرُهُ الَّذِي احْتَسَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَبْرَهُ عَلَى مَا ضِيمَ , وَعَلَى عَلِيٍّ مَدَارِ الْعُلَمَاءِ وَقُطْبِهِمْ , وَمُقَدَّمِ الشُّجْعَانِ فِي حَرْبِهِمْ وَالْمُؤْمِنُونَ
مِنْ كَرْبِهِمْ فِي مَقْعَدٍ مُقِيمٍ , وَعَلَى الْعَبَّاسِ عَمِّهِ وَصِنْوِ أَبِيهِ , أَقْرَبِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ نَسَبًا يَلِيهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ يُونُسُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ. وَفِيهِ سِتُّ لُغَاتٍ: ضَمُّ النُّونِ وَفَتْحُهَا وَكَسْرُهَا وَالْهَمْزُ مَعَ اللُّغَاتِ الثَّلاثِ.
وَكَانَ يُونُسُ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ , وَكَانَ عَابِدًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ , فَخَافَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ عُقُوبَةٌ , فَخَرَجَ هَارِبًا بِنَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَكَانُوا بِنِينَوَى قَرْيَةٍ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ , فَبَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولا إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ , وَكَانَ رَجُلا فِيهِ حِدَّةٌ , فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُهُمْ بَعْدَ ثَلاثٍ. فَأَقْبَلَ الْعَذَابُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الْعَذَابِ وَبَيْنَهُمْ إِلا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ وَوَجَدُوا حَرَّهُ عَلَى أَكْتَافِهِمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: غَشِيَهُمُ الْعَذَابُ كَمَا يَغْشَى الثَّوْبَ الضَّفْرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: غَامَتِ السَّمَاءُ غَيْمًا أَسْوَدَ يُظْهِرُ دُخَانًا شَدِيدًا فَغَشَّى مَدِينَتَهُمْ فَاسْوَدَّتْ أَسْطِحَتُهُمْ , فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالْهَلاكِ لَبِسُوا المسوح وحثوا على رُءُوسَهُمُ الرَّمَادَ , وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا مِنَ النَّاسِ وَالأَنْعَامِ وَعَجُّوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ وَقَالُوا: آمَنَّا بِمَا جَاءَ بِهِ يُونُسُ. فَكُشِفَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ فَقِيلَ لِيُونُسَ: ارْجِعْ إليهم فقال: كيف أرجع إليهم فيجدون كاذباً , وكان مَنْ يَكْذِبُ فِيهِمْ يُقْتَلُ.
فَرَكِبَ السَّفِينَةَ مُغَاضِبًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَنْ غَاضَبَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ غَاضَبَ قَوْمَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَاشْتَهَى أَنْ يَنْزِلَ بِهِمُ الْعَذَابُ لِمَا عَانَى مِنْ تَكْذِيبِهِمْ , فَعُوتِبَ عَلَى كَرَاهِيَةِ الْعَفْوِ عَنْهُمْ , فَلَمَّا
стр. 317
رَكِبَ السَّفِينَةَ وَقَفَتْ فَقَالَ: مَا لِسَفِينَتِكُمْ؟ قَالُوا: لا نَدْرِي. قَالَ: لَكِنِّي أَدْرِي , فِيهَا عَبْدٌ أَبَقَ مِنْ رَبِّهِ وَإِنَّهَا وَاللَّهِ لا تَسِيرُ حَتَّى تُلْقُوهُ. قَالُوا أَمَّا أَنْتَ وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لا نُلْقِيكَ. قَالَ: فَاقْتَرَعُوا فَقُرِعَ يونس. وهو معنى قوله تعالى: ﴿فساهم﴾ فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ
وَهُوَ مليم﴾ أَيْ مُذْنِبٌ ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أَيْ مِنَ الْمُصَلِّينَ قَبْلَ الْتِقَامِ الْحُوتِ. وَقِيلَ: بَلْ فِي بَطْنِ الْحُوتِ.
وَفِي قَدْرِ مُكْثِهِ في بطن الحوت خمسة أقوال: أحدها: أربعون يَوْمًا. قَالَهُ أَنَسٌ وَكَعْبٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَالثَّانِي: سَبْعَةَ أَيَّامٍ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَالثَّالِثُ: ثلاثة أيام. قاله مجاهد وقتادة. والرابع: عشرون يَوْمًا. قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَالْخَامِسُ. بَعْضَ يَوْمٍ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا مَكَثَ إِلا أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ , الْتَقَمَهُ الْحُوتُ ضُحًى فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَقَارَبَتِ الشَّمْسُ الْغُرُوبَ تَثَاءَبَ الْحُوتُ فَرَأَى يُونُسُ ضَوْءَ الشَّمْسِ فَقَالَ: " ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ ".
﴿فنبذناه بالعراء﴾ وَهِيَ الأَرْضُ الَّتِي لا يُتَوَارَى فِيهَا بِشَجَرٍ ولا غبرة ﴿وهو سقيم﴾ أَيْ مَرِيضٌ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَهَيْئَةِ الْفَرْخِ الْمَمْعُوطِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ رِيشٌ ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شجرة من يقطين﴾ وَهِيَ الدُّبَّاءُ وَإِنَّمَا أُنْبِتَتْ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهَا لِيُغَطِّيَهُ وَرَقُهَا وَيُمْنَعَ الذُّبَابُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لا يَسْقُطُ عَلَى وَرَقِهِ ذُبَابَةٌ. وَقَيَّضَ اللَّهُ تَعَالَى أَرْوِيَةً مِنَ الْوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً فَيَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ الدُّبَّاءَ فَأَظَلَّتْهُ , وَرَأَى خُضْرَتَهَا فَأَعْجَبَتْهُ , ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ يَبِسَتْ فَحَزِنَ عَلَيْهَا فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ لَمْ تَخْلُقْ وَلَمْ تَسْقِ وَلَمْ تُنْبِتْ تَحْزَنُ عَلَيْهَا , وَأَنَا الَّذِي خَلَقْتُ مِائَةَ أَلْفٍ مِنَ النَّاسِ أَوْ يَزِيدُونَ ثُمَّ رَحِمْتُهُمْ فَشَقَّ عَلَيْكَ!
стр. 318
قوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف﴾ الْمَعْنَى: ﴿وَكُنَّا أَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يزيدون﴾ الْمَعْنَى: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ تَقْدِيرُهُ: وَيَزِيدُونَ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَفِي زِيَادَتِهِمْ أَرَبْعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: عِشْرُونَ ألفاً. رواه أبي ابن كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّانِي: ثَلاثُونَ أَلْفًا. وَالثَّالِثُ: بِضْعَةٌ
وَثَلاثُونَ أَلْفًا. وَالْقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالرَّابِعُ: سَبْعُونَ أَلْفًا. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ وَلَمْ يُقْبَلْ إِيمَانُ فِرْعَوْنَ.
فَالْجَوَابُ مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا لَهُمْ. كَمَا فِي الآيَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ فِرْعَوْنَ بَاشَرَهُ الْعَذَابُ , وَهَؤُلاءِ لَمْ يُبَاشِرْهُمْ. ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مِنْهُمْ صِدْقَ النِّيَّاتِ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ.
فَانْظُرُوا [إِخْوَانِي] إِلَى التَّوْبَةِ [النَّصُوحِ] الصَّادِقَةِ كَيْفَ أَثْرَتْ , وَقَاوَمَتِ الْعَذَابَ فَدَفَعَتْ وَنَفَعَتْ , فَلْيَلْجَإِ الْعَاصِي إِلَى حَرَمِ الإِنَابَةِ , وَلْيَطْرُقْ بِالأَسْحَارِ بَابَ الإِجَابَةِ , فَمَا صَدَقَ صَادِقٌ فَرُدَّ , وَلا أَتَى الْبَابَ مُخْلِصٌ فَصُدَّ , وَكَيْفَ يُرَدُّ مَنْ قَدِ استدعي فقيل لهم ﴿توبوا﴾ إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي صِدْقِ التَّوْبَةِ.
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ نُطْقَ اللِّسَانِ إِنَّمَا هِيَ نَدَمُ الْقَلْبِ وَعَزْمُهُ أَنْ لا يَعُودَ , وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا: أَنْ تَكُونَ قَبْلَ مُعَايَنَةِ أُمُورِ الآخِرَةِ , فَمَنْ بَاشَرَهُ الْعَذَابُ أَوْ عَايَنَهُ فَقَدْ فَاتَ مَوْسِمُ الْقَبُولِ , فَاسْتَدْرِكُوا قَبْلَ الْمُفَاجَأَةِ بِالْفَوَاتِ الَّذِي لا يُؤْمَنُ نَسْأَلُ اللَّهَ يَقَظَةً تُحَرِّكُنَا إِلَى الْبِدَارِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْفَوْتُ وَالْخَسَارُ.
стр. 319
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(يَأْتِي عَلَى النَّاسِ إِصْبَاحٌ وَإِمْسَاءٌ ... وَكُلُّنَا لِصُرُوفِ الدَّهْرُ نَسَّاءُ)
(يَثْوِي الْمُلُوكُ وَمِصْرٌ فِي تَغَيُّرِهِمْ ... مِصْرٌ عَلَى الْعَهْدِ وَالأَحْسَاءُ أَحْسَاءُ)
(خَسَسْتِ يَا دَارَ دُنْيَانَا فَأُفٍّ لِمَنْ ... يرضى الخسيسة أو ناس أَخِسَّاءُ)
(لَقَدْ نَطَقْتُ بِأَصْنَافِ الْعِظَاتِ لَنَا ... وَأَنْتَ فِيمَا يَظُنُّ النَّاسُ خَرْسَاءُ)
(إِذَا تَعَطَّفْتِ يَوْمًا كُنْتِ قَاسِيَةً ... وَإِنْ نَظَرْتِ بِعَيْنٍ فَهِيَ شَوْسَاءُ)
(أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ وَمَنْ ... كَانَتْ لَهُمْ عِزَّةٌ فِي الْمُلْكِ قَعْسَاءُ)
(نَالُوا يَسِيرًا مِنَ اللَّذَّاتِ وَارْتَحَلُوا ... بِرَغْمِهِمْ فَإِذَا النَّعْمَاءُ بَأْسَاءُ)
الدُّنْيَا دَارُ كَدَرٍ , بِذَلِكَ جَرَى الْقَدَرُ , فَإِنْ صَفَا عَيْشٌ لَحْظَةً نَدَرَ , ثُمَّ عَادَ التَّخْلِيطُ فَبَدَرَ , الْوُرُودُ فِيهَا كَالصَّدْرِ , وَدَمُ قَتِيلِهَا هَدَرٌ , بَلاؤُهَا مُتَتَابِعٌ مُتَوَاصِلٌ وَسَيْفُهَا إِذَا ضَرَبْتَ سَيْفَ فَاصِلٍ , وَحِرْصُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ مُفَاصِلٌ , وَخَيْرُهَا مَظْنُونٌ وَشَرُّهَا حَاصِلٌ.
(نَوَائِبُ إِنْ حَلَّتْ تَخَلَّتْ سَرِيعَةً ... وَإِمَّا تولت في الزمان توالت)
(ودنياك إن قلت أقلت وإن قلت ... فمن قلة فِي الدِّينِ نَجَّتْ وَعَلَّتْ)
(غَلَتْ وَأَغَالَتْ ثُمَّ غَالَتْ وَأَوْحَشَتْ ... وَحَشَّتْ وَحَاشَتْ وَاسْتَمَالَتْ وَمَلَّتْ)
(وَصَلَّتْ بِنِيرَانٍ وَصَلَّتْ سُيُوفَهَا ... وَسَلَّتْ حُسَامًا مِنْ أَذَاةٍ وَسَلَّتْ)
(أَزَالَتْ وَزَلَّتْ بِالْفَتَى عَنْ مَقَامِهِ ... وَحَلَّتْ فَلَمَّا أُحْكِمَ الْعَقْدُ حَلَّتْ)
أَيْنَ أَرْبَابُ الْبِيضِ وَالسُّمْرِ , وَالْمَرَاكِبِ الصُّفْرِ وَالْحُمْرِ , وَالْقِبَابِ وَالْقُبِّ الضُّمْرِ , مَا زَالُوا يَفْعَلُونَ أَفْعَالَ الْغَمْرِ إِلَى أَنْ تقضى جَمِيعُ الْعُمْرِ , لَوْ رَأَيْتَ مُرْتَفِعَهُمْ بَعْدَ النَّصَبِ قَدْ جُرَّ إِلَى بَيْتٍ لا يَدْرِي فِيهِ الْحَرَّ وَالْقُرَّ , وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ لا خَيْطٌ وَلا زِرٌّ , الْمِحْنَةُ أَنَّهُ مَا انْتَقَلَ بِمَا يَسُرُّ , تَاللَّهِ لَقَدْ حَالَ حُلْوُهُمْ إِلَى الْمُرِّ وَصَارَ مَا كَانَ يَنْفَعُ يَضُرُّ , بَاعُوا بِمِخْشَابِ الْهَوَى ثَمِينَ الدُّرِّ , وَلا يَمْكُنُ أَنْ يُقَالَ الْبَائِعُ غَرَّ لأَنَّهُ بَاعَ وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ حُرٌّ.
стр. 320
(الْمَشِيدَاتُ الَّتِي رُفِعَتْ ... أَرْبَعٌ مِنْ أَهْلِهَا دُرُسُ)
(أَقَامَ لِلأَيَّامِ فِي أُذُنِي ... وَاعِظٌ مِنْ شَأْنِهِ الْخَرَسُ)
(مُهْجَتِي ضِدٌّ تُحَارِبُنِي ... أَنَا مِنِّي كَيْفَ أحترس)
(إنما دنياك غانية ... لم يهنأ زوجها العرش)
(فَالْقَهَا بِالزُّهْدِ مُدَّرِعًا ... فِي يَدَيْكَ السَّيْفَ وَالتُّرُسُ)
(لَيْسَ يَبْقَى فَرْعُ نَائِبَةٍ ... أَصْلُهَا فِي الْمَوْتِ مُفْتَرِسُ)
إِخْوَانِي: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ الْحِسَابِ وَأَعِدُّوا لِلسُّؤَالِ صَحِيحَ الْجَوَابِ , وَاحْفَظُوا بِالتَّقْوَى هَذِهِ الأَيَّامَ , وَاغْسِلُوا عَنِ الإِجْرَامِ هَذِهِ الأَجْرَامَ , قَبْلَ نَدَمِ النُّفُوسِ فِي حِينِ سِيَاقِهَا , قَبْلَ طَمْسِ شَمْسِ الْحَيَاةِ بَعْدَ إِشْرَاقِهَا قَبْلَ ذَوْقِ كَأْسٍ مُرَّةٍ فِي مَذَاقِهَا , قَبْلَ أَنْ تَدُورَ السَّلامَةُ فِي أَفْلاكِ مَحَاقِهَا , قَبْلَ أَنْ تُجْذَبَ النُّفُوسُ إِلَى الْقُبُورِ بِأَطْوَاقِهَا , وَتَفْتَرِشَ فِي اللُّحُودِ أَخْلاقَ أَخْلاقِهَا , وَتَنْفَصِلَ الْمَفَاصِلُ بَعْدَ حُسْنِ اتِّسَاقِهَا , وَتَشْتَدَّ شَدَائِدُ الْحَسْرَةِ حَاسِرَةً عَنْ سَاقِهَا , وَتَظْهَرَ مُخَبَّآتُ الدُّمُوعِ بِسُرْعَةِ انْدِفَاقِهَا , وَتَتَقَلَّبُ الْقُلُوبُ فِي ضَنْكِ ضِيقِ خَنَاقِهَا , وَيَطُولُ جُوعُ مَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا فَاكِهًا , وَتَبْكِي النُّفُوسُ فِي أَسْرِهَا عَلَى زَمَانِ إِطْلاقِهَا.
إِخْوَانِي: الأَيَّامُ مَطَايَا بِيَدِهَا أَزِمَّةُ رُكْبَانِهَا , تَنْزِلُ بِهِمْ حَيْثُ شَاءَتْ , فَبَيْنَا هُمْ عَلَى غَوَارِبِهَا أَلْقَتْهُمْ فَوَطِئَتْهُمْ بِمَنَاسِمِهَا.
قَالَ الْحَسَنُ: يُعْرَضُ عَلَى الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَاتُ عُمُرِهِ , فَكُلُّ سَاعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ فِيهَا خَيْرًا تَتَقَطَّعُ نَفْسُهُ عَلَيْهَا حَسَرَاتٍ.
وَكَانَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ فَنَظَرَ فِي وُجُوهِهِمْ وَقَالَ: لَقَدْ ذَهَبَ مِنْ أَجْلِي وَأَجْلِكُمْ سَاعَةً.
وَكَتَبَ الأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أُحِيطَ بِكَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ , وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسَارُ بِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَرْحَلَةٌ , فَاحْذَرِ اللَّهَ تَعَالَى وَالْمَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِكَ بِهِ وَالسَّلامُ.
стр. 321
(خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ... وَكَبِيرَهَا فَهُوَ التُّقَى)
(كُنْ مِثْلَ مَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ ... الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى)
(لا تُحَقِّرَنَّ صَغِيرَةً ... إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى)
قَالَ أَعْرَابِيٌّ: لا تَأْمَنْ مَنْ جَعَلَ فِي ثَلاثَةِ دَرَاهِمَ قَطْعَ خَيْرِ عُضْوٍ مِنْكَ أَنْ يَكُونَ عِقَابُهُ غَدًا هَكَذَا.
قَالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تُسِيءَ إِلَى مَنْ تُحِبُّ. قَالَ: وَهَلْ يُسِيءُ أَحَدٌ مَنْ يُحِبُّ؟ قَالَ: نَعَمْ تَعْصِي فَتُعَذَّبُ فَتَكُونُ مُسِيئًا إِلَى نَفْسِكَ.
(أَعْطَيْتَ سَيْفًا لَكَ بَعْضَ الْعِدَا ... وَلَيْسَ فِي كَفِّكَ غَيْرُ الْقِرَابِ)
(فَاهْرُبْ مِنَ الْغَيِّ وَأَشْيَاعِهِ ... وَحِنَّ لِلنُّسْكِ حَنِينَ الضِّرَابِ)
(تَزْجُرُ هَذِي النُّفْسَ عَنْ طَبْعِهَا ... وَالأُسْدُ لا تَتْرُكُ قَصْدَ الرَّوَابِ)
\
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿أفرأيت إن متعناهم سنين﴾ اعْلَمْ أَنَّ الآدَمِيَّ ابْنُ وَقْتِهِ , لأَنَّ مَا مَضَى لا لَذَّةَ لَهُ , لا تَغْتَرِرْ بِمَدِّ المهل ولا تنس قرب الأجل , فالأيام راحل وَسَتَصِلُ الرَّوَاحِلُ , تَأَهَّبْ لِحَوْضٍ سَتَرِدُهُ , يَا خَاسِرًا رَأْسَ الْمَالِ وَمَا يَفْتَقِدُهُ , يَا طَالِبًا طُولَ الْبَقَاءِ وَمَا يَجِدُهُ.
(دَهْرٌ يُشَيِّعُ سَبْتَهُ أَحَدُهْ ... مُتَتَابِعٌ مَا يَنْقَضِي أَمَدُهْ)
(يَوْمٌ يُبْكِينَا وَآوِنَةً ... يَوْمٌ يُبْكِينَا عَلَيْهِ غَدُهْ)
(نَبْكِي عَلَى زَمَنٍ وَمِنْ زَمَنٍ ... فَبُكَاؤُنَا مَوْصُولَةٌ مُدَدُهْ)
(وَنَرَى مَكَارِهَنَا مُخَلَّدَةً ... وَالْعَمْرُ يَذْهَبُ فَائِتًا عَدَدُهْ)
стр. 322
(لا خَيْرَ فِي عَيْشٍ تَخَوَّنُنَا ... أَوْقَاتُهُ وَتَغَّوَلَنَا مُدَدُهْ)
(مَنْ أُقْرِضَ الأَيَّامَ أَتْلَفَهَا ... وَقَضَى جَمِيعَ قُرُوضِهَا جَسَدُهْ)
(حَتَّى يُغَيَّبَ فِي مُطَمْطَمَةٍ ... لا أهله فيها ولا ولده)
تدبروا أموكم تَدُبَّرَ نَاظِرٍ , أَيْنَ السُّلْطَانُ الْكَبِيرُ الْقَاهِرُ , كَمْ جَمَعَ فِي مَمْلَكَتِهِ مِنْ عَسَاكِرَ , وَكَمْ بَنَى مِنْ حُصُونٍ وَدَسَاكِرَ , وَكَمْ تَمَتَّعَ بِحُلَلٍ وَأَسَاوِرَ , وَكَمْ عَلا عَلَى الْمَنَابِرِ ثُمَّ آخِرَ الأَمْرِ إِلَى الْمَقَابِرِ , الْعَاقِلُ مَنْ يَنْظُرُ فِيمَا سَيَأْتِي وَيَقْهَرُ بِعَزْمِهِ شَرَّ الْهَوَى الْعَاتِي , وَإِذَا قَالَتِ النَّفْسُ حَظِّي قَالَ حَظِّي نَجَاتِي.
(عَجِبْتُ لِمَا تَتُوقُ النَّفْسُ جَهْلا ... إِلَيْهِ وَقَدْ تَصَرَّمَ لانْبِتَاتِ)
(وعصياني العذول وقد دعاني ... إلى رشدي وَمَا فِيهِ نَجَاتِي)
(أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وَكُلَّ يَوْمٍ ... بِسَمْعِي رَنَّةٌ مِنْ مُعْوِلاتِ)
(وَأَيْدِي الْحَافِرِينَ تَكِلُّ مِمَّا ... تُسَوِّي مِنْ مَسَاكِنَ مُوحِشَاتِ)
(نُرَاعُ إِذَا الْجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا ... وَنَسْكُنُ حِينَ تَخْفَى ذَاهِبَاتِ)
(كَرَوْعَةِ قِلَّةٍ لِظُهُورِ ذِيبِ ... فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ)
(فَإِنْ أَمَّلْتَ أَنْ تَبْقَى فَسَائِلْ ... بِمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْخَالِيَاتِ)
(فَكَمْ مِنْ ذِي مَصَانِعَ قَدْ بَنَاهَا ... وَشَيَّدَهَا قَلِيلُ الْخَوْفِ عَاتِي)
(قَلِيلُ الهم ذوبال رَخِيٍّ ... أَصَمَّ عَنِ النَّصَائِحِ وَالْعِظَاتِ)
(فَبَاتَ وَمَا تَرَوَّعَ مِنْ زَوَالٍ ... صَحِيحًا ثُمَّ أَصْبَحَ ذَا شِكَاتِ)
(فَبَاكَرَهُ الطَّبِيبُ فَرِيعَ لَمَّا ... رَآهُ لا يُجِيزُ إِلَى الدّعَاةِ)
(فَلَوْ أَنَّ الْمُفَرِّطَ وَهْوَ حَيٌّ ... تَوَخَّى الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ)
(لَفَازَ بِغِبْطَةٍ وَأَصَابَ حَظًّا ... وَلَمْ يَغْشَ الأُمُورَ الْمُوبِقَاتِ)
(فَيَا لَكِ عِنْدَهَا عِظَةٌ لِحَيٍّ ... وَيَا لَكِ مِنْ قُلُوبٍ قَاسِيَاتِ)
(وَكُلُّ أَخِي ثَرَاءٍ سَوْفَ يُمْسِي ... عَدِيمًا وَالْجَمِيعُ إِلَى شَتَاتِ)
(كَأَنْ لَمْ يَلْفَ شَيْئًا مَا تَقَضَّى ... وَلَيْسَ بِفَائِتٍ مَا سَوْفَ يَأْتِي)
كَأَنَّكَ بِكَ وَقَدْ مَلَّ النَّاعِتُ , وَحَلَّ بِمَحِلِّكَ الْمُسْتَلَبِ الْبَاغِتُ , وَرَدَّكَ مِنْ
стр. 323
مَقَامٍ نَاطِقٍ إِلَى حَالِ صَامِتٍ , وَبَقِيتَ مُتَحَيِّرًا كَالأَسِيرِ الْبَاهِتِ , وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ تَخْرُجٌ وَنَفْسُ هَافِتٍ , وَقَدْ مَضَى فَمَنْ يَرُدُّ الْفَائِتَ , وَصِرْتَ فِي حَالَةٍ يَرْثِي لَهَا الشَّامِتُ , يَا عَجَبًا كَيْفَ يَفْرَحُ هَالِكٌ فَائِتٌ.
عِبَادَ اللَّهِ: النَّظَرَ النظر إلى العواقب , فإن اللبيب لها يراقب , أَيْنَ تَعَبُ مَنْ صَامَ الْهَوَاجِرَ , وَأَيْنَ لَذَّةُ الْعَاصِي الْفَاجِرِ , رَحَلَتِ اللَّذَّةُ مِنَ الأَفْوَاهِ إِلَى الصَّحَائِفِ , وَذَهَبَ نَصَبُ الصَّالِحِينَ بِجَزَعِ الْخَائِفِ , فَكَأَنْ لَمْ يَتْعَبْ مِنْ صَابَرَ اللَّذَّاتِ وَكَأَنْ لَمْ يَلْتَذَّ مَنْ نَالَ الشَّهَوَاتِ.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا يَزِيدُ , حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ ثَابِتٍ , عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يقال له: يا بن آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً ثم يقال له: يا بن آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ ".
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.
وَقِيلَ: حَبَسَ بَعْضُ السَّلاطِينَ رَجُلا زَمَانًا طَوِيلا ثُمَّ أخرجه قفال لَهُ: كَيْفَ وَجَدْتَ
مَحْبِسُكَ؟ قَالَ: مَا مَضَى مِنْ نَعِيمِكَ يَوْمٌ إِلا وَمَضَى مِنْ بُؤْسِي يَوْمٌ , حَتَّى يَجْمَعَنَا يَوْمٌ.
وَرُوِّينَا أَنَّ دَاوُدَ ﵇ رَأَى رَاهِبًا فِي قُلَّةِ جَبَلٍ فَصَاحَ بِهِ: يَا رَاهِبُ مَنْ أَنِيسُكَ. فَقَالَ: اصْعَدْ تَرَهْ. فَصَعِدَ دَاوُدُ فَإِذَا مَيِّتٌ مُسَجًّى قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: قِصَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ. فَدَنَا دَاوُدُ ﵇ فَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحٌ عَلَيْهِ
стр. 324
مكتوب فقرأه فإذا فيه: أنا فلان ابن فُلانٍ مَلِكُ الأَمْلاكِ , عِشْتُ أَلْفَ عَامٍ , وَبَنَيْتُ أَلْفَ مَدِينَةٍ , وَهَزَمْتُ أَلْفَ عَسْكَرٍ , وَأَحْصَنْتُ أَلْفَ امْرَأَةٍ , وَافْتَضَضْتُ أَلْفَ عَذْرَاءَ , فَبَيْنَمَا أَنَا فِي مُلْكِي أَتَانِي مَلَكُ الْمَوْتِ فَأَخْرَجَنِي , مِمَّا أَنَا فيه أنذا: التُّرَابُ فِرَاشِي وَالدُّودُ جِيرَانِي. قَالَ: فَخَرَّ دَاوُدُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
(حَصلُوا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الأَحْدَاثِ ... مِنْ كُلِّ مَا عُمرُوا عَلَى الأَجْدَاثِ)
(فَإِذَا الَّذِي جَمَعُوهُ طُولَ حَيَاتِهِمْ ... نَهْبُ الْعِدَى وَقَسِيمَةُ الْوُرَّاثِ)
(حَالَتْ مَنَازِلُهُمْ عَلَى طُولِ الْمَدَى ... وَوُجُوهُهُمْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ ثَلاثِ)
(يَا مَنْ يُسَرُّ بِبَيْتِهِ وَأَثَاثِهِ ... لَكَ فِي الثَّرَى بَيْتٌ بِغَيْرِ أَثَاثِ)
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ , حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ روسب , حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ جُمْهُورٍ , حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرِهِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ , عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: افْتَتَحْنَا بِفَارِسَ مَدِينَةً فَدُلِلْنَا عَلَى مَغَارَةٍ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِيهَا أَمْوَالا. فَدَخَلْنَاهَا وَمَعَنَا مَنْ يَقْرَأُ بِالْفَارِسِيَّةِ فَأَصَبْنَا فِي تِلْكَ الْمَغَارَةِ مِنَ السِّلاحِ وَالأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا , ثُمَّ صِرْنَا إِلَى بَيْتٍ يُشْبِهُ الأَزَجَ عَلَيْهِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ فَقَلَبْنَاهَا , وَإِذَا فِي الأَزَجِ سَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ حُلَلٌ قَدْ تَمَزَّقَتْ وَعِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحٌ فِيهِ مَكْتُوبٌ فَقُرِئَ لَنَا فَإِذَا [فِيهِ] : أَيُّهَا الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ لا تَتَجَبَّرْ عَلَى خَالِقِكَ , وَلا تَعْدُ قَدْرَكَ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكَ , وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْتَ غَايَتُكَ وَإِنْ طَالَ عُمْرُكَ وَأَنَّ الْحِسَابَ أَمَامَكَ , وَأَنَّكَ
إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ تُتْرَكُ ثُمَّ تُؤْخَذُ بَغْتَةً أَحَبَّ مَا كَانَتِ الدُّنْيَا إِلَيْكَ , فَقَدِّمْ لِنَفْسِكَ خَيْرًا تَجِدْهُ مُحْضَرًا , , وَتَزَوَّدْ لِنَفْسِكَ مِنْ مَتَاعِ الْغُرُورِ لِيَوْمِ فَاقَتِكَ. أَيُّهَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ اعْتَبِرْ بِي فَإِنَّ فِيَّ مُعْتَبَرًا , أَنَا بَهْرَامُ بْنُ بَهْرَامَ مَلِكُ فَارِسَ , كُنْتُ مِنْ أَعْلاهُمْ بَطْشًا وَأَقْسَاهُمْ قَلْبًا وَأَطْوَلَهُمْ أَمَلا , وَأَرْغَبَهُمْ فِي اللَّذَّةِ , وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى جَمْعِ الدُّنْيَا , قَدْ جَبَيْتُ الْبِلادَ النَّائِيَةَ , وَقَتَلْتَ الْمُلُوكَ السَّاطِيَةَ , وَهَزَمْتُ الْجُيُوشَ الْعِظَامَ وَعِشْتُ خمسمائة عَامٍ , وَجَمَعْتُ مِنَ الدُّنْيَا مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ قَبْلِي , فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَفْتَدِيَ نَفْسِي مِنَ الْمَوْتِ إِذْ نَزَلَ بِي.
стр. 325
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أَخَذَتْ مُعَاوِيَةُ قُرَّةٌ [أَيْ مِنَ الْبَرْدِ] فَاتَّخَذَ أَغْشِيَةً خِفَافًا فَكَانَتْ تُلْقَى عَلَيْهِ فَلا يَلْبَثُ أَنْ يُنَادِيَ: ادْفَعُوهَا. فَإِذَا أُخِذَتْ عَنْهُ سَأَلَ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: قَبَّحَكِ اللَّهُ مِنْ دَارٍ! مَكَثْتُ فِيكِ عِشْرِينَ سَنَةً أَمِيرًا وَعِشْرِينَ سَنَةً خَلِيفَةً , ثُمَّ صِرْتُ إِلَى مَا أَرَى!
وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ: وَاللَّهِ وَدِدْتُ أَنِّي عَبْدٌ لِرَجُلٍ مِنْ تِهَامَةَ أَرْعَى غُنَيْمَاتٍ فِي جِبَالِهَا , وَلَمْ أَكُنْ أَلِي مِنْ هَذَا الأَمْرِ شَيْئًا.
(كُلُّ حَيٍّ لاقَى الْحِمَامَ فَمُودِي ... مَا لِحَيٍّ مُؤَمِّلٍ مِنْ خُلُودِ)
(لا تَهَابُ الْمَنُونُ شَيْئًا وَلا تُبْقِي عَلَى وَالِدٍ وَلا مَوْلُودِ ... )
(يَقْدَحُ الدَّهْرُ فِي شَمَارِيخِ رَضْوَى ... وَيَحُطُّ الصُّخُورَ مِنْ هَبُّودِ)
(وَلَقَدْ تَتْرُكُ الْحَوَادِثُ وَالأَيَّامُ ... وَهْيًا فِي الصَّخْرَةِ الصَّيْخُودِ)
(وَأَرَانَا كَالزَّرْعِ يَحْصِدُهُ الدَّهْرُ ... فَمِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَحَصِيدِ)
(وَكَأَنَّا لِلْمَوْتِ رَكْبٌ مَخْبُونٌ ... سِرَاعًا لِمَنْهَلٍ مَوْرُودِ)
(أَيُّهَا الْجَاهِلُ الَّذِي أَمِنَ الدَّهْرَ ... وَفِي الدَّهْرِ عَاقِرَاتُ الْخُدُودِ)
(أَيْنَ عَادٌ وَتُبَّعٌ وَأَبُو سَاسَانَ ... كِسْرَى وَأَيْنَ صَحْبُ ثَمُودَ)
(أَيْنَ رَبُّ الْحِصْنِ الْحَصِينِ بِسُورَاءَ ... بناه وشاده بالشيد)
(شد أركانه وصاغ لَهُ الْعِقْيَانَ ... بَابًا وَحَفَّهُ بِالْجُنُودِ)
(كَانَ يُجْبَى إِلَيْهِ مَا بَيْنَ صَنْعَاءٍ ... وَمِصْرَ إِلَى قُرَى بَيْرُودِ)
(وَتَرَى حَوْلَهُ زَرَافَاتِ خَيْلٍ ... حَافِلاتٍ تَعْدُو بِمِثْلِ الأُسُودِ)
(فَرَمَى شَخْصَهُ فَأَقْصَدَهُ الدَّهْرُ ... بِسَهْمٍ مِنَ الْمَنَايَا شَدِيدِ)
(ثُمَّ لَمْ يُنْجِهِ مِنَ الْمَوْتِ حِصْنٌ ... دُونَهُ خَنْدَقٌ وَبَابُ حَدِيدِ)
(وَمُلُوكٌ مِنْ قَبْلِهِ عَمَرُوا الدُّنْيَا أُعِينُوا بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ ... )
(بَيْنَمَا ذَاكَ مَرَّتِ الطَّيْرُ تَجْرِي ... لَهُمْ بِالنُّحُوسِ لا بِالسُّعُودِ)
(وَصُرُوفُ الأَيَّامِ أَسْهَلْنَ بِالْحِينِ ... إِلَيْهِ من المحط الكؤود)
(مَا وَقَاهُمْ مَا حَاوَلُوا لَوْعَةُ الدَّهْرِ ... وَمَا أَكَّدُوا مِنَ التَّأْكِيدِ)
(وَكَذَاكَ الْعَصْرَانِ لا يُلْبِثَانِ الْمَرْءَ ... أَنْ يَأْتِيَاهُ بِالْمَوْعُودِ)
стр. 326
(وَبَعِيدٌ مَا لَيْسَ يَأْتِي وَمَا يُدْنِيهِ ... مِنْكَ الْعَصْرَانِ غَيْرُ بَعِيدِ)
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا فِي اللَّذَّاتِ يَتَقَلَّبُونَ , وَيَتَجَبَّرُونَ على الخلق ولا يغلبون , مزجت لهم كؤوس الْمَنَايَا فَبَاتُوا يَتَجَرَّعُونَ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كانوا يمتعون﴾ .
مَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى الْحَرَامِ , وَأَكْثَرُوا مِنَ الزَّلَلِ وَالآثَامِ , وَكَمْ وُعِظُوا بِمَنْثُورٍ وَمَنْظُومٍ
مِنَ الْكَلامِ , لَوْ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كانوا يمتعون﴾ .
حُمِلَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي كَفَنٍ , إِلَى بَيْتِ الْبِلَى وَالْعَفَنِ , وَمَا صَحِبَهُمْ غَيْرُهُ مِنَ الْوَطَنِ , مِنْ كُلِّ مَا كَانُوا يَجْمَعُونَ ﴿مَا أَغْنَى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ .
ضَمَّهُمْ وَاللَّهِ التُّرَابُ , وَسُدَّ عَلَيْهِمْ فِي ثَرَاهِمُ الْبَابُ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ , وَالأَحْبَابُ يَرْجِعُونَ ﴿مَا أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ .
أَيْنَ أَمْوَالُهُمْ وَالذَّخَائِرُ , أَيْنَ أَصْحَابُهُمْ وَالْعَشَائِرُ , دَارَتْ عَلَى الْقَوْمِ الدَّوَائِرُ , فَفِيمَ أَنْتُمْ تَطْمَعُونَ ﴿مَا أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ .
شُغِلُوا عَنِ الأَهْلِ وَالأَوْلادِ , وَافْتَقَرُوا إِلَى يَسِيرٍ مِنَ الزَّادِ , وَبَاتُوا مِنَ النَّدَمِ عَلَى أَخَسِّ مِهَادِ , وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ حَصَادِ مَا كَانُوا يَزْرَعُونَ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ .
أَيْنَ الْجُنُودُ وَالْخَدَمُ , أَيْنَ الْحِرَمُ وَالْحَرَمُ , أَيْنَ النعم والنعم , بعد ما كَانُوا يَرْبَعُونَ فِيمَا يَرْتَعُونَ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ ما كانوا يمتعون﴾ .
لَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي حُلَلِ النَّدَامَةِ , إِذَا بَرَزُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَعَلَيْهِمْ لِلْعِقَابِ عَلامَةٌ ,
стр. 327
يُسَاقُونَ بِالذُّلِّ لا بِالْكَرَامَةِ , إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَّعُونَ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ .
يَا مَعْشَرَ الْعَاصِينَ قَدْ بَقِيَ الْقَلِيلُ , وَالأَيَّامُ تُنَادِي: قَدْ دَنَا الرَّحِيلُ , وَقَدْ صَاحَ بِكُمْ إِلَى الْهُدَى الدَّلِيلُ إِنْ كُنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴿مَا أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ .
стр. 328
المجلس الرابع والعشرون
فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى ﵉
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَظِيمًا عَلِيًّا , يَخْذِلُ عَدُوًّا وَيَنْصُرُ وَلِيًّا , أَنْشَأَ الآدَمِيُّ خَلْقًا سَوِيًّا , ثُمَّ قَسَمَهُمْ قِسْمَيْنِ رَشِيدًا وَغَوِيًّا , رَفَعَ السَّمَاءَ سَقْفًا مَبْنِيًّا , وَسَطَحَ الْمِهَادَ بِسَاطًا مَدْحِيًّا , وَرَزَقَ الخلائق بحرياً وبرياً , كم أجرى لعباده سرياً أَخْرَجَ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا , كَمْ أَعْطَى ضَعِيفًا مَا لَمْ يُعْطِ قَوِيًّا , فَبَلَغَهُ عَلَى الضَّعْفِ ضِعْفُ الْمُرَادِ وَوَهَبَ لَهُ عَلَى الْكِبَرِ الأَوْلادَ ﴿كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾ .
أَحْمَدُهُ إِذْ فَضَّلَ وَأَعْطَى شِبْعًا وَرِيًّا , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ مَنِ امْتَطَى تبريا , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَنْفَقَ وَما قَلَّلَ حَتَّى تَخَلَّلَ وَيَكْفِي زِيًّا , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَ مُقَدَّمًا فِي الْجِدِّ جَرِيًّا , وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَفِيفًا حَيِيًّا , وَعَلَى عَلِيٍّ أَشْجَعِ مَنْ حَمَلَ خَطِّيًّا , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ المستسقى بشيبته , فانتقعت الأرض ريا.
قال الله تعالى: ﴿كهيعص﴾ لِلْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِهَا قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي انْفَرَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا حُرُوفٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ , فَالْكَافُ مِنَ الْكَافِي , وَالْهَاءُ مِنَ الْهَادِي , وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ وَالصَّادُ مِنْ صادق.
قوله تعالى: ﴿ذكر رحمة ربك﴾ الْمَعْنَى: هَذَا الَّذِي نَتْلُو عَلَيْكَ ذِكْرُ
стр. 329
رحمة ربك ﴿عبده زكريا﴾ وفيه ثلاثة لُغَاتٍ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: هَذَا زَكَرِيَّا قَدْ جاء مقصوراً. وزكريا مَمْدُودًا. وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ زَكَرِيّ فَيَجُرُّونَهُ وَيُلْقُونَ الأَلِفَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خفيا﴾ وَالْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الدُّعَاءُ , وَإِنَّمَا أَخْفَاهُ لِئَلا يَقُولَ
النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يَسْأَلُ الْوَلَدَ عَلَى الْكِبَرِ.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مني﴾ أَيْ ضَعَفَ , وَإِنَّمَا خَصَّ الْعَظْمَ لأَنَّهُ الأَصْلُ فِي التَّرْكِيبِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: شَكَا ذَهَابَ أضراسه. ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ أَيِ انْتَشَرَ الشَّيْبُ فِيهِ كَمَا يَنْتَشِرُ شُعَاعُ النار في الحطب. والمراد " بدعائك ": أي بدعائي إياك ﴿رب شقيا﴾ أَيْ لَمْ أَكُنْ أَتْعَبُ بِالدُّعَاءِ ثُمَّ أُخَيَّبُ , لأَنَّكَ قَدْ عَوَّدْتَنِي الإِجَابَةَ.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ يَلُونَهُ فِي النَّسَبِ , وَهُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَصَبَةُ , فَخَافَ أَنْ يَتَوَلَّوْا مَالَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةِ الْمِيرَاثِ , وَأَحَبَّ أَنْ يَتَوَلاهُ وَلَدُهُ. وَقَرَأَ عُثْمَانُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي سُرَيْجٍ , عَنِ الْكِسَائِيِّ: " خَفَّتِ الْمَوَالِي " بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ عَلَى مَعْنَى: قَلَّتْ. فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ خَافَ عَلَى عِلْمِهِ وَنُبُوَّتِهِ أَلا يُوَرَّثَا فَيَمُوتُ العلم.
قوله تعالى: ﴿وكانت امرأتي عاقرا﴾ وَالْعَاقِرُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الولد , وإنما قال عاقرا وَلَمْ يَقُلْ عَاقِرَةً لأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذَا الْوَصْفِ لِلْمُؤَنَّثِ , وَالْمُذَكَّرُ كَالْمُسْتَعَارِ , فَأُجْرِيَ مَجْرَى طَالِقٍ وَحَائِضٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ سِنُّهُ يَوْمَئِذٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً وَامْرَأَتُهُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
﴿فهب لي من لدنك﴾ من عندك ﴿وليا﴾ أَيْ وَلَدًا صَالِحًا يَتَوَّلانِي. وَسَبَبُ سُؤَالِهِ: أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْفَاكِهَةَ تَأْتِي مَرْيَمَ لا فِي حِينِهَا طَمِعَ فِي الْوَلَدِ عَلَى الْكِبَرِ فَسَأَلَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ المراد البنوة من الكل
стр. 330
﴿واجعله رب رضيا﴾ أَيْ مَرْضِيًّا. فَصَرَفَ عَنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ كَمَا قَالُوا: مَقْتُولٌ وَقَتِيلٌ.
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك﴾ أَيْ نُسِرُّكَ وَنُفَرِّحُكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يُسَمَّ يَحْيَى قَبْلَهُ فَشَرُفَ بِأَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَكِلْ تَسْمِيَتَهُ إِلَى أَبَوَيْهِ.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عاقرا﴾ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِيَعْلَمَ أَيَأْتِيهِ الْوَلَدُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ أَمْ يُرَدُّ هُوَ وَزَوْجَتُهُ إِلَى حَالَةِ الشَّبَابِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عتيا﴾ وهو نحول العظم ويبسه.
﴿قال كذلك﴾ أَيِ الأَمْرُ كَمَا قِيلَ لَكَ مِنْ هِبَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْكِبَرِ ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هين﴾ أَيْ خَلْقُ يَحْيَى عَلَيَّ سَهْلٌ ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ أَيْ أَوْجَدْتُكَ ﴿مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ .
﴿قال رب اجعل لي آية﴾ أَيْ عَلامَةً عَلَى وُجُودِ الْحَمْلِ , وَأَرَادَ أَنْ يستعجل السرور ويبادر بالشكر. ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سويا﴾ وَالْمَعْنَى تُمْنَعُ مِنَ الْكَلامِ وَأَنْتَ سَوِيٌّ سَلِيمٌ من غير خرس.
﴿فخرج على قومه﴾ وَهَذَا فِي صَبِيحَةِ اللَّيْلَةِ الَّتِي حَمَلَتْ فِيهَا امرأته ﴿من المحراب﴾ أي مصلاه ﴿فأوحى إليهم﴾ وَفِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: كَتَبَ إِلَيْهِمْ فِي كِتَابٍ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ وَيَدَيْهِ. قاله مجاهد: ﴿أن سبحوا﴾ أي صلوا.
قوله تعالى: ﴿يا يحيى﴾ الْمَعْنَى: وَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَقُلْنَا لَهُ يَا يحيى ﴿خذ الكتاب﴾ وهو التوراة ﴿بقوة﴾ أَيْ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ فِي الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا ﴿وآتيناه الحكم﴾ وهو الفهم ﴿صبيا﴾ وَفِي سِنِّهِ يَوْمَئِذٍ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: سَبْعُ سِنِينَ. رواه ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , وَالثَّانِي: ثَلاثُ سِنِينَ قَالَهُ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ.
стр. 331
قوله تعالى: ﴿وحنانا﴾ أي آتيناه حنانا أي رحمة ﴿من لدنا وزكاة﴾ أي عملا صالحاً , ﴿وكان تقيا﴾ فلم يفعل ذنبا ﴿وبرا بوالديه﴾ أَيْ جَعَلْنَاهُ بَرًّا بِوَالِدَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَلامٌ عليه﴾ أي سلامة لَهُ ﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حيا﴾ قال سفيان ابن عُيَيْنَةَ: أَوْحَشُ مَا يَكُونُ ابْنُ آدَمَ فِي ثلاث مواطن: يوم يولد فَيَخْرُجُ إِلَى دَارِ هَمٍّ , وَلَيْلَةَ يَمُوتُ مَعَ الْمَوْتَى فَيُجَاوِرُ جِيرَانًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُمْ , وَيَوْمَ يُبْعَثُ فَيَشْهَدُ مَشْهَدًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ , فَسَلَّمَهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا حَمَلَتْ مَرْيَمُ اتَّهَمَتِ الْيَهُودُ زَكَرِيَّا وَقَالُوا هَذَا مِنْهُ. فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ فَتَجَوَّفَتْ لَهُ فَدَخَلَ فِيهَا فَجَاءُوا يَطُوفُونَ بِالشَّجَرَةِ
فَرَأَوْا هُدْبَةَ ثَوْبِهِ فقطعوا الشجرة حتى خلصوا إليه فقتلوه. ونبيء يَحْيَى وَهُوَ صَغِيرٌ فِي زَمَنِ أَبِيهِ , وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ فَسَاحَ فِي الأَرْضِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى , وَكَانَ طَعَامُهُ الْجَرَادَ وَقُلُوبَ الشَّجَرِ.
أَخْبَرَنَا المُحَمَّدَانِ ابْنُ نَاصِرٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي , قَالا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ , أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْفَهَانِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , حَدَّثَنِي سَعِيدُ ابن شُرَحْبِيلَ , حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُطَارِدَ , عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ , قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا لَهُ خَطَّانِ فِي خَدَّيْهِ مِنَ الْبُكَاءِ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ زَكَرِيَّا: إِنِّي إِنَّمَا سَأَلْتُ اللَّهَ وَلَدًا تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي , فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَخْبَرَنِي أَنَّ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَفَازَةً لا يَقْطَعُهَا إِلا كُلُّ بَكَّاءٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ قَتْلِ يَحْيَى.
فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَ عِيسَى يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ , فَكَانَ فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ
стр. 332
نِكَاحُ ابْنَةِ الأَخِ , وَكَانَ لِمَلِكِهِمُ ابْنَةُ أَخٍ تُعْجِبُهُ , فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَكَانَ لَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ حَاجَةٌ مَقْضِيَّةٌ , فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهَا , فَقَالَتْ: إِذَا سَأَلَكِ الْمَلِكُ حَاجَتَكِ فَقُولِي: حَاجَتِي أَنْ تَذْبَحَ يَحْيَى. فَقَالَتْ لَهُ , فَقَالَ: سَلِي غَيْرَ هَذَا. قَالَتْ: مَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَدَعَا يحيى فذبحه , فبدرت قَطْرَةٌ مِنْ دَمِهِ عَلَى الأَرْضِ فَلَمْ تَزَلْ تغلي حتى بعث الله تعالى بخت نصر فَقَتَلَ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْهُمْ حَتَّى سَكَنَ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَتْ لِلْمَلِكِ بِنْتٌ شَابَّةٌ وَكَانَتْ تَأْتِيهِ فَيَسْأَلُهَا حَاجَتَهَا فَيَقْضِيهَا لَهَا , وَإِنَّ أُمَّهَا رَأَتْ يَحْيَى وَكَانَ جَمِيلا فَأَرَادَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا فَأَبَى. فَقَالَتْ لابْنَتِهَا: إِذَا أَتَيْتِ أبَاكِ فَقُولِي لَهُ: حَاجَتِي رَأْسُ يَحْيَى. فَجَاءَتْ فَسَأَلَتْهُ ذَلِكَ فَرَدَهَا فَرَجَعَتْ فَقَالَ: سَلِي حَاجَتَكِ. فَقَالَتْ: رَأْسُ يَحْيَى. فَقَالَ: ذَلِكَ لَكِ. فَأَخْبَرَتْ أُمَّهَا فَبَعَثَتْ إِلَى يَحْيَى: إِنْ لَمْ تَأْتِ حَاجَتِي قَتَلْتُكَ. فَأَبَى فَذَبَحَتْهُ ثُمَّ نَدِمَتْ وَجَعَلَتْ تَقُولُ: وَيْلٌ لَهَا وَيْلٌ لَهَا. حَتَّى مَاتَتْ فَهِيَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ [أَنَّ] اسْمَهَا ربه. وَقِيلَ: أزميلُ. وَقَدْ قَتَلَتْ قَبْلَهُ سَبْعِينَ نَبِيًّا , وَهِيَ مَكْتُوبَةٍ فِي التَّوْرَاةِ مُقَتِّلَةُ الأَنْبِيَاءِ , وَأَنَّهَا عَلَى مِنْبَرٍ مِنَ النَّارِ يَسْمَعُ صُرَاخَهَا أَقْصَى أَهْلِ النَّارِ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(أَيْنَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا أَيْنَ أَيْنَا ... مِنْ رِجَالٍ كَانُوا جَمَالا وَزَيْنَا)
(إِنَّ دَهْرًا أَتَى عَلَيْهِمْ فَأَفْنَى ... عَدَدًا مِنْهُمْ سَيَأْتِي عَلَيْنَا)
(خَدَعَتْنَا الآمَالُ حَتَّى جَمَعْنَا ... وَطَلَبْنَا لِغَيْرِنَا وَسَعَيْنَا)
(وَابْتَنَيْنَا وَمَا نُفَكِّرُ فِي الدَّهْرِ ... وَفِي صَرْفِهِ غَدَاةَ ابْتَنَيْنَا)
(وَابْتَغَيْنَا مِنَ الْمَعَاشِ فُضُولا ... لَوْ قَنَعْنَا بِدُونِهَا لاكْتَفَيْنَا)
(وَلَعَمْرِي لَنَرْحَلَنَّ وَلا نَمْضِي ... بِشَيْءٍ مِنْهَا إِذَا مَا مَضَيْنَا)
(اخْتَلَفْنَا فِي الْمَقْدِرَاتِ وَسَوَّى اللَّهُ ... بِالْمَوْتِ بَيْنَنَا فَاسْتَوَيْنَا)
(كَمْ رَأَيْنَا مِنْ مَيِّتٍ كَانَ حَيًّا ... وَوَشِيكًا يُرَى بِنَا مَا رَأَيْنَا)
стр. 333
(ما لنا نأمن المنون كأنا ... لا نراهن يهتدين إلينا)
(عجبا لامرىء تيقن أن الموت ... حق فقربا بِالْعَيْشِ عَيْنَا)
إِخْوَانِي: مَا الدُّنْيَا لَوْلا الشَّقَاءُ الْمَكْتُوبُ , كُلَّ طُلابِهَا قَتَلَتْ فَبِئْسَ الْمَطْلُوبُ , إِلَى مَتَى مَعَ الدُّنْيَا , أَيْنَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا سِلَعَ الشَّكِّ بِسِلَعِ الْيَقِينِ , يَا مَسْتُورَ الْحَالِ غَدًا تَبِينُ , إِذَا حَشَرَجَتْ فِي الصَّدْرِ وَجَاءَ الأَنِينُ , وَبَرَزَتْ كَمَاةُ الْمَوْتِ مِنَ الْكَمِينِ , وَصِرْتَ بَعْدَ التَّجَبُّرِ أَذَلَّ مِسْكِينٍ , وَذُبِحْتَ وَشِيكًا بِغَيْرِ سِكِّينٍ , وَنُقِلْتَ إِلَى لَحْدٍ
أَنْتَ فِيهِ رَهِينٌ , انْظُرْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُتَقاعِدُ , تَدَبَّرْ عَمَلَكَ قَبْلَ عَرْضِهِ عَلَى النَّاقِدِ , وَتَأَهَّبْ فَكَمْ بَيْنَ يَدَيْكَ شَدَائِدَ , لا لا يَنْفَعُكَ فِيهِ وَلَدٌ وَلا وَالِدٌ.
(سَبِيلُ الْخَلْقِ كُلُّهُمُ الْفَنَاءُ ... فَمَا أَحَدٌ يَدُومُ لَهُ الْبَقَاءُ)
(يُقَرِّبُنَا الصَّبَاحُ إِلَى الْمَنَايَا ... وَيُدْنِينَا إِلَيْهِنَّ الْمَسَاءُ)
(فَلا تَرْكَبْ هَوَاكَ وَكُنْ مُعَدًّا ... فَلَيْسَ مقدرا لَكَ مَا تَشَاءُ)
(أَتَأْمَلُ أَنْ تَعِيشَ وَأَيُّ غُصْنٍ ... عَلَى الأَيَّامِ طَالَ لَهُ النَّمَاءُ)
(تَرَاهُ أَخْضَرَ الْعِيدَانِ غَضًّا ... فَيُصْبِحُ وَهُوَ مُسْوَدٌّ غُثَاءُ)
(وَجَدْنَا هَذِهِ الدُّنْيَا غُرُورًا ... مَتَى مَا تُعْطِ يَرْتَجِعِ الْعَطَاءُ)
(فَلا تَرْكَنْ إِلَيْهَا مُطْمَئِنًّا ... فَلَيْسَ بِدَائِمٍ مِنْهَا الصَّفَاءُ)
عِبَادَ اللَّهِ: عَلَى نِيَّةِ النَّقْضِ وُضِعَ الْبُنْيَانِ , وَعَلَى شَرْطِ الرَّحِيلِ الأَرْوَاحُ فِي الأَبْدَانِ , وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مَعْبَرٌ إِلَى دَارِ الْحَيَوَانِ , وَلَيْسَ لِلإِقَامَةِ فَالْعَجَبُ لاغْتِرَارِ الإِنْسَانِ , أَيْنَ الْعَقْلُ وَالنَّظَرُ , إِلامَ الْجَهْلُ وَالْبَطَرُ , كَمْ مِنْ مَنْزِلٍ دَثَرَ , كَمْ سَاعٍ عَثَرَ وَأَنْتَ فِي الأَثَرِ , إِلامَ هَذَا الأَشَرُ وَقَدْ عَلِمْتَ مَآلَ الْبَشَرِ , أَيْنَ الْعُقُولُ وَالْفِكْرُ , كَمْ وَارِدٍ مَا صَدَرَ , الْبَلايَا مِثْلُ الْمَطَرِ , وَإِنَّكَ لَعَلَى خَطَرٍ , كَمْ حَضَرْتَ لَدَى مُحْتَضَرٍ , وَدَمْعُ الْمَآقِي قَدِ انْهَمَرَ لِقِلَّةِ الزَّادِ وَطُولِ السَّفَرِ , وَيْحَكَ إِلَى مَتَى تَخْتَارُ الضَّرَرَ , لَقَدْ بِعْتَ الدُّرَّ بِالْبَعَرِ , إِنَّ الْعَاقِلَ لَيَخْتَارُ الأَجْوَدَ , وَإِنَّ الْحَازِمَ لا يَرْضَى أَنْ يُسْتَعْبَدَ , يَا مَنْ كُلَّمَا جَمَعْنَاهُ تَبَدَّدَ , يَا مَنْ كُلَّمَا زَجَرْنَاهُ مَدَّ
стр. 334
الْيَدَ , يَا مَنْ إِذَا دَعَوْنَاهُ لَمْ يُسَدَّدْ , كَيْفَ يَخْتَارُ الضَّلالَ مَنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ الأَرْشَدَ , كَيْفَ يُؤْثِرُ النُّزُولَ مَنْ يُقَالُ لَهُ اصْعَدْ , إِنَّ اللَّبِيبَ لَيَرَى بِعَيْنِ الْفِكْرِ مَا فِي غَدٍ , لَوْ سَمِعَتِ الْحِجَارَةُ وَعْظَنَا لانْفَطَرَ الْجَلْمَدُ , كَمْ نَصَبْنَا لَكَ شَرَكًا وَإِلَى الآنَ لَمْ نَصْطَدْ.
(حَتَّى مَتَى لا تَزَالُ مُعْتَذِرًا ... مِنْ زلة منك لا تَزَالُ رَاكِبَهَا)
(تُعْقِبُهَا مِثْلَهَا وَتُعْقِبُكَ الْحَسْرَةَ ... مِنْ مِثْلِهَا عَوَاقِبَهَا)
(لَتَرْكُكَ الذَّنْبِ لا تُقَارِبُهُ ... أَيْسَرُ مِنْ تَوْبَةٍ تُطَالِبُهَا)
أَيُّهَا الْمُعْرِضُ عَنْ شُكْرِ الإِفْضَالِ وَالنِّعَمِ , زَاحَمْتَ عَلَى حَوْضِ الْغَفْلَةِ النَّعَمَ , تَمُدُّ يَدَ الْجَهْلِ بِالإِنْعَامِ إِلَى أَخْذِهِ وَاقْتِبَاسِهِ , وَتَنْسَى عُقُوبَةَ مَا قَدْ جَنَيْتَهُ فِي وَقْتِ بَاسِهِ , أَيْنَ الْهَرَبُ بِخُطَاكَ , عَجَبًا مِنْكَ وَعَيْنِي تَرَاكَ , تُرَاكَ تَسْتَحِي مِنْ غَيْرِي وَمِنِّي لا تُرَاكَ , مَنِ الَّذِي سَتَرَ عَلَى الْقَبِيحِ فِيمَا مَضَى , مَنِ الَّذِي لَطَفَ بِكَ فِي دَيْنِ دِينِهِ إِذَا اقْتَضَى , يَا هَذَا إِنْ وَجَدْتَ مَنْ يَصْلُحُ لَكَ غَيْرَنَا فَاذْهَبْ , وَإِنْ رَأَيْتَ مَشْرَبًا يَلَذُّ غَيْرَ حِلْمِنَا فَاشْرَبْ , لَوْ أعلمت أباك ما نعلم منك أباك , ولو أريت أَخَاكَ مَا أَرَيْتَنَا جَفَاكَ , نِعَمُنَا عَلَيْكَ قَدِيمَةٌ كَمْ نَبْعَثُ لَكَ دِيمَةَ لُطْفٍ بَعْدَ دِيمَةٍ , أَتُرَاكُ تَحِنُّ إِلَى وُدِّنَا , أَوْ تُرَاعِي عَهْدَ عَهْدِنَا.
يَا هَذَا: جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا , فَوَاعَجَبًا مِمَّنْ لَمْ يَرَ مُحْسِنًا سِوَى اللَّهِ كَيْفَ لا يَمِيلُ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَيْهِ , يَا مُنْعَمًا عَلَيْهِ بِالْعَافِيَةِ بِئْسَ مَا أَنْفَقْتَ فِيهِ رَأْسَ الْمَالِ , كَمْ ذَنْبٍ لَكَ فَعَلَهُ غَيْرُكَ فَهَتَكَ ذَاكَ وَسُتِرْتَ.
وَيْحَكَ! احْذَرْ نِفَارَ النِّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ! إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكَ أَطْرَافُهَا فَلا تُنَفِّرْ أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ!
(لَكَ نَفْسٌ يَسُرُّهَا ... كُلُّ شَيْءٍ يَضُرُّهَا)
(هِيَ تَفْنَى عَلَى الزَّمَانِ ... وَيَزْدَادُ شرها)
стр. 335
قوله تعالى ﴿يوم يبعثهم الله جميعا﴾ الْبَعْثُ: إِخْرَاجُ أَهْلِ الْقُبُورِ أَحْيَاءً عِنْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ فِي الصُّورِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ينزل من السماء ماء فتنبت الأجساد فِي الْقُبُورِ , فَتَعُودُ كَمَا كَانَتْ , ثُمَّ يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ فِي الصُّورِ فَتَنْشَقُّ الْقُبُورُ , فَيَقُومُونَ جَمِيعًا إلى العرض والحساب ﴿فينبئهم بما عملوا﴾ من المعاصي وتضييع الفرائض ﴿أحصاه الله﴾ أي حفظه ﴿ونسوه﴾ .
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا عَفَّانُ , حَدَّثَنَا هَمَّامٌ , حَدَّثَنَا قَتَادَةُ , عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ وَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ وَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ ذنب كذا أتعر ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ: فَإِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ , قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ , قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ , عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ , عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيقال: اعرضوا عليه صِغَارَ ذُنُوبِهِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ وَيُخَبَّأُ عَنْهُ كِبَارُهَا. فَيُقَالُ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا وَهُو مُقِرٌّ. لا ينكر ولا مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِهَا فَيُقَالُ أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةً. قَالَ: فَيَقُولُ إِنَّ لِي ذُنُوبًا مَا أَرَاهَا. قَالَ أَبُو ذَرٍّ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.
стр. 336
وَفِي إِفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ وَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالَ: فَقُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى. قَالَ: فَيَقُولُ: إِنِّي لا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلا شَاهِدًا مِنِّي فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا. قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي. قَالَ فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ. ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ.
إِخْوَانِي: مَا مِنَ الْمَوْتِ بُدٌّ , بَابُ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا قَدْ سُدَّ , كَمْ قُدَّ فِي الْقَبْرِ قَدٌّ قُدَّ كَمْ خُدَّ فِي الأخد ود قَدٌّ خُدَّ , يَا مَنْ ذُنُوبُهُ لا تُحْصَى إِنْ شَكَكْتَ عُدَّ , يَا مَنْ أَتَى بَابَ الإِنَابَةِ كَاذِبًا فَرُدَّ , يَا شِدَّةَ الْوَجَلِ عِنْدَ حُضُورِ الأَجَلِ , يَا قِلَّةَ الْحِيَلِ إِذَا حَلَّ الْمَوْتُ وَنَزَلَ , يَا قُوَّةَ الأَسَى إِذَا نُوقِشَ مَنْ أَسَا , يَا خَجَلَ الْعَاصِينَ , يَا حَسْرَةَ الْمُفَرِّطِينَ , يَا أَسَفَ الْمُقَصِّرِينَ , يَا سُوءَ مَصِيرِ الظَّالِمِينَ , كَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ بَضَائِعُهُ الْقَبَائِحُ , كَيْفَ يَفْعَلُ مَنْ شُهُودُهُ الْجَوَارِحُ , عَدِمُوا وَاللَّهِ الْوَسِيلَةَ , وَأَظْلَمَتْ فِي وُجُوهِهِمْ وُجُوهُ الْحِيلَةِ , أَصْبَحُوا جِثِيًّا عَلَى رُكَبِهِمْ , مَأْسُورِينَ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ , لا يَدْرُونَ مَا يُرَادُ بِهِمْ , قَدْ جُمِعُوا فِي صعيد ينتظرون حلول الْوَعِيدِ , وَالأَرْضُ بِالْخَلْقِ كُلُّهُمْ تَمِيدُ , وَالْعَبَرَاتُ عَلَى العثرات تزيد , إن بطش ربك لشديد. زَفَرَتْ وَاللَّهِ الْحُطَمَةَ فِي وُجُوهِ الظَّلَمَةِ فَذُلُّوا بَعْدَ الْعَظَمَةِ , وَخَرَسُوا عَنْ كَلِمَةٍ.
إِخْوَانِي: أَيَّامُ أَعْمَارِكُمْ قَصِيرَةٌ , وَقَدْ ضَاعَتْ عَلَى بَصِيرَةٍ , وَآخِرُ الأَمْرِ حَفِيرَةٌ فِيهَا أَهْوَالٌ كَثِيرَةٌ , يَا مُشَاهِدًا حَالَهُ بِحَالِ الْحِيرَةِ , أَلَكَ عُدَّةٌ أَمْ لَكَ ذَخِيرَةٌ , هَذَا الْمَلِكُ يُحْصِي عَمَلَكَ حَرْفًا حَرْفًا , ويملي فيملأ بالخطايا صحفا، ً يَا مَنْ جَمَرَاتُ حِرْصِهِ عَلَى الْهَوَى مَا تُطْفَى , وَقَدْ أَشْفَى بِهِ مَرَضٌ مَا أَرَاهُ يَشْفَى , إِلامَ هَذَا التَّعْلِيلُ , كَمْ نُقَوِّمُكَ وَتَمِيلُ , مَتَى يَبْرَأُ هَذَا الْعَلِيلُ , يَا مُقَابِلا
стр. 337
جَمِيلَنَا بِغَيْرِ الْجَمِيلِ , آنَ رَحِيلا فَأَعِدَّ الزَّادَ , آنَ مَعَادًا فَاذْكُرِ الْمَعَادَ , أَلا يَهْلِكُ الْعُمْرُ وَإِنْ تَمَادَى.
أَيُّهَا الْمُعْرِضُ عَنَّا تَذَكَّرْ عَرْضَكَ , أَيُّهَا الرَّاقِدُ فِي غَفْلَتِهِ اذْكُرْ غَمْضَكَ , أَيُّهَا الذَّلِيلَ بِالْمَعَاصِي اذْكُرْ عَرْضَكَ , كَمْ عِتَابٍ مَا أَمْرَضَكَ وَلا أَمَضَّكَ.
وَيْحَكَ! اسْتَصْغِرْ أَمَلا يَمْنَعُهُ الْفَوْتُ , اسْتَقْصِرْ أَجَلا يَقْطَعُهُ الْمَوْتُ.
أَقْبِلْ عَلَى الْعَقْلِ مُسْتَشِيرًا فَكَفَى بِهِ نَصِيحًا وَنَذِيرًا , إِنَّهُ لَيَحُلُّ نِقَابَ الشَّبَهِ بِأَنَامِلِ الْبَيَانِ.
أَوَلا يَعْلَمُ الْعَاصِي أَنَّهُ قَدْ غَرَسَ لِنَفْسِهِ شَجَرَةً يَتَسَاقَطُ عَلَيْهِ كُلَّ حِينٍ مِنْهَا ثَمَرَةُ نَدَمٍ مِنْ غير هز , فإذ اقام فِي الْقِيَامَةِ شَاهَدَ أَغْصَانَ مَا غَرَسَ قَدْ تَعَاظَمَتْ حَتَّى أَخَذَتْ برَّ الْبرِّ , فَإِنْ غُفِرَ له لم يذل حبيباً مِمَّا جَنَى , وَإِنْ عُوقِبَ ذَاقَ مُرَّ الْجَنَى , وهذا الأسى الطويل إنما جره جر جرة الهوى , ولو قنع بالطاق التي تسمع بِهَا عَيْنُ الْمُبَاحِ لارْتَوَى , مِنْ غَيْرِ أَذًى.
(الْمَرْءُ فِي تَأْخِيرِ مُدَّتِهِ ... كَالثَّوْبِ يَخْلَقُ بَعْدَ جِدَّتِهِ)
(وَمَصِيرُهُ مِنْ بَعْدِ مَعْرِفَةٍ ... لِلنَّاسِ ظُلْمَةُ بَيْتِ وَحْدَتِهِ)
(مَنْ مَاتَ مَالَ ذَوُو مَوَدَّتِهِ ... عَنْهُ وَحَالُوا عَنْ مَوَدَّتِهِ)
(عَجَبًا لِمُنْتَبِهٍ يَضِيعُ مَا ... يَحْتَاجُ فِيهِ لِيَوْمِ رَقْدَتِهِ)
(أَزِفَ الرَّحِيلُ وَنَحْنُ فِي لَعِبٍ ... مَا نَسْتَعِدُّ لَهُ بِعُدَّتِهِ)
قَالَ عُتْبَةُ الْغُلامُ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ قَهْقَهَ , وَمَا رَأَيْتُهُ قَطُّ تَبَسَّمَ , فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَضْحَكُ؟ فَمَا كَلَّمَنِي لِثِقَلِ حَالِهِ , فَلَمَّا مَاتَ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ مِنْ أي شيء ضحكت؟ قال: مِنْ أَمْرِ مَلَكِ الْمَوْتِ , إِنَّهُ نُودِيَ وَأَنَا أَسْمَعُ: شَدِّدْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ , فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ. فَقُلْتُ: مَا كَانَتْ؟ فَلَمْ يُجِبْنِي.
واأسفا: هَذَا حَالُ الْحَسَنِ وَمَا عُرِفَ مِنْهُ إِلا الْحَسَنُ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إِذَنْ مَعَ مَا لَنَا مِنْ مِحَنٍ.
يَا مَنْ قَدْ لَعِبَ الْهَوَى بِفَهْمِهِ , وَسَوَّدَتْ شَهَوَاتُهُ وَجْهَ عَزْمِهِ , يَا مَبْنِيًّا عَنْ عَزْمِ
стр. 338
الْبَانِي عَلَى هَدْمِهِ , يَا مَحْمُولا إِلَى الْبِلَى لِتَمْزِيقِ لَحْمِهِ , أَمَا يَكْفِيهِ مُنْذِرًا وَهْنُ عَظْمِهِ , كَمْ نُقَرِّبُكَ وَأَنْتَ مُتَبَاعِدٌ , كَمْ نُنْهِضُكَ إِلَى الْعُلا يَا قَاعِدُ , كَمْ نُحَرِّضُكَ وَمَا تُسَاعِدُ سَاعِدٌ , كَمْ نُوقِظُكَ وَأَنْتَ فِي اللَّهْوِ رَاقِدٌ , يَا أَعْمَى الْبَصِيرَةِ وَمَا لَهُ قَائِدٌ , يَا قَتِيلَ الأَمَلِ لَسْتَ بِخَالِدٍ , يَا مُفَرِّقَ الْهُمُومِ وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ , إِنْ لاحَتِ الدُّنْيَا فَشَيْطَانٌ مَارِدٌ , تُقَاتِلُ عَلَيْهَا فَتَكِرُّ وَتُطَارِدُ , فَإِذَا جَاءَتِ الصَّلاةُ فَقَلْبٌ غَائِبٌ وَجِسْمٌ شَاهِدٌ , وَتَقُولُ قَدْ صَلَّيْتُ أَتُبَهْرِجُ عَلَى النَّاقِدِ , مَا تَعْرِفُنَا إِلا فِي أَوْقَاتِ الشَّدَائِدِ , أَمَّا ذُنُوبُكَ كَثِيرَةٌ فَمَا لِلطَّرْفِ جَامِدٌ , مَلَكَكَ الْهَوَى وَنَحْنُ نَضْرِبُ فِي حَدِيدٍ بَارِدٍ.
(وَرُبَّمَا غُوفِصَ ذُو غَفْلَةٍ ... أَصَحَّ مَا كَانَ وَلَمْ يَسْتَقِمِ)
(يَا وَاضِعَ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ ... خَاطَبَكَ الْقَبْرُ فَلَمْ تَفْهَمِ)
كَمْ لَيْلَةٍ سَهِرْتَهَا فِي الذُّنُوبِ , كَمْ خَطِيئَةٍ أَمْلَيْتَهَا فِي الْمَكْتُوبِ , كَمْ صَلاةٍ تَرَكْتَهَا مُهْمِلا لِلْوُجُوبِ , كَمْ أَسْبَلْتَ سِتْرًا عَلَى عَتَبَةِ عُيُوبٍ , يَا أَعْمَى القلب بين القلوب , ستدري دمع من يَجْرِي وَيَذُوبُ، سَتَعْرِفُ خَبَرَكَ عِنْدَ الْحِسَابِ وَالْمَحْسُوبِ , أَيْنَ الْفِرَارُ وَفِي كَفِّ الطَّالِبِ الْمَطْلُوبِ , تَنَبَّهْ لِلْخَلاصِ أَيُّهَا الْمِسْكِينُ , أَعْتِقْ نَفْسَكَ مِنَ الرِّقِّ يَا رَهِينُ , اقْلَعْ أَصْلَ الْهَوَى فَعَرَقُ الْهَوَى مَكِينٌ , احْذَرْ غُرُورَ الدُّنْيَا فَمَا لِلدُّنْيَا يَمِينٌ , يَا دَائِمَ الْمَعَاصِي سِجْنُ الْغَفْلَةِ سِجِّينٌ , تَثِبُ عَلَى الْخَطَايَا وَلا وَثْبَةَ تِنِّينٍ , كَأَنَّكَ بِالْمَوْتِ قَدْ بَرَزَ مِنْ كَمِينٍ , وَآنَ الأَمْرُ فَوَقَعْتَ فِي الأَنِينِ , وَاسْتَبَنْتَ أَنَّكَ فِي أَحْوَالِ عِنِّينٍ , كَيْفَ تَرَى حَالَكَ إِذَا عَبِثَتِ
الشِّمَالُ بِالْيَمِينِ , ثُمَّ نُقِلْتَ وَلُقِّبْتَ بِالْمَيِّتِ الدَّفِينِ , وَا أَسَفَا لِعِظَمِ حِيرَتِكَ سَاعَةَ التَّلْقِينِ , يَا مَسْتُورًا عَلَى الذنوب غداً تنجلى وتبين , متى هَذَا الْقَلْبُ الْقَاسِي يَرْعَوِي وَيَلِينُ , عَجَبًا لِقَسْوَتِهِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ طِينٍ.
(وَقَبْلَ شُخُوصِ الْمَرْءِ يَجْمَعُ زَادَهُ ... وَتَمْلأُ مِنْ قِبْلِ الرِّمَاءِ الْكَنَائِنُ)
(حَصَادُكَ يَوْمًا مَا زَرَعْتَ وَإِنَّمَا ... يُدَانُ الْمَرْءُ يَوْمًا بِمَا هُوَ دَائِنُ)
سَاعَاتُ السَّلامَةِ بَيْنَ يَدَيْكَ مَبْذُولَةٌ , سَابِقْ سُيُوفَ الآفَاتِ فَإِنَّهَا مَسْلُولَةٌ ,
стр. 339
وَبَادِرْ مَا دَامَتِ الْمَعَاذِيرُ مَقْبُولَةً , وَاقْرَأْ عُلُومَ النَّجَاةِ فَهِيَ مَنْقُوطَةٌ مَشْكُولَةٌ , وَافْتَحْ عَيْنَيْكَ فَإِلَى كَمْ بِالنَّوْمِ مَكْحُولَةٍ , وَغَيِّرْ قَبَائِحَكَ الْقِبَاحَ الْمَرْذُولَةَ , يا لها نَصِيحَةً غَيْرَ أَنَّ النَّفْسَ عَلَى الْخَلائِقِ مَجْبُولَةٌ.
سَجْعٌ
وَيْحَ الْعُصَاةِ لَقَدْ عَجِلُوا , لَوْ تَأَمَّلُوا الْعَوَاقِبَ مَا فَعَلُوا , أَيْنَ مَا شَرِبُوا أَيْنَ مَا أَكَلُوا , بِمَاذَا يُجِيبُونَ إِذَا أُحْضِرُوا وَسُئِلُوا ﴿فينبئهم بما عملوا﴾ .
آهٍ لَهُمْ فِي أَيِّ حَزْنٍ مِنَ الْحُزْنِ نَزَلُوا , لَقَدْ جَدَّ بِهِمُ الْوَعْظُ غَيْرَ أَنَّهُمْ هَزَلُوا , مَا نَفَعَهُمْ مَا اقْتَنَوْا مِنَ الدُّنْيَا وَعَزَلُوا , إِنَّمَا كَانَتْ وِلايَةُ الْحَيَاةِ يَسِيرًا ثُمَّ عُزِلُوا , وَانْفَرَدُوا فِي زَاوِيَةَ الأَسَى وَاعْتَزَلُوا , فَإِذَا شَاهَدُوا ذُنُوبَهُمْ مَكْتُوبَةً ذَهَلُوا ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ .
مَا نَفَعَتْهُمْ لَذَّاتُهُمْ إِذْ خَرَجَتْ ذَوَاتُهُمْ , لَقَدْ جُمِعَتْ زَلاتُهُمْ فَحَوَتْهَا مَكْتُوبَاتُهُمْ , فَلَمَّا عَايَنُوا أَفْعَالَهُمْ خجلوا ﴿فينبئهم بما عملوا﴾ .
ذَهَبَتْ مِنْ أَفْوَاهِهِمُ الْحَلاوَةُ , وَبَقِيَتْ آثَارُ الشَّقَاوَةِ , وَحُطُّوا إِلَى الْحَضِيضِ مِنْ أَعْلَى رَبَاوَةٍ , وَحَمَلُوا عَدْلَيِ الْمَوْتِ وَالْفَوْتِ وَالْحَسْرَةَ عِلاوَةً , فَأَعْجَزَهُمْ وَاللَّهِ ما حملوا ﴿فينبئهم بما عملوا﴾ .
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ اجْتَمَعَتْ كَلِمَةٌ إِلَى نَظْرَةٍ , إِلَى خَاطِرٍ قَبِيحٍ وَفِكْرَةٍ , فِي كِتَابٍ يُحْصِي حَتَّى الذَّرَّةَ , وَالْعُصَاةُ عَنِ الْمَعَاصِي فِي سَكْرَةٍ , فَجَنَوْا مِنْ جَنَى مَا جَنَوْا ثِمَارَ مَا غَرَسُوهُ ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ ونسوه﴾ .
كَمْ تَنَعَّمَ بِمَالِ الْمَظْلُومِ الظَّالِمُ , وَبَاتَ لا يُبَالِي بِالْمَظَالِمِ , وَالْمَسْلُوبُ يَبْكِي وَيُبْكِي
стр. 340
الْحَمَائِمَ , وَمَا كَفَاهُمْ أَخْذُ مَالِهِ حَتَّى حَبَسُوهُ ﴿أحصاه الله ونسوه﴾ .
أَيْنَ مَا كَانُوا جَمَعُوهُ , كَمْ لِيمُوا وَمَا سَمِعُوهُ , كَمْ قِيلَ لَهُمْ لَوْ قَبِلُوهُ , ذَهَبَ الْعَرَضُ غَيْرَ أَنَّ الْعِرْضَ دَنَّسُوهُ ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ ونسوه﴾ .
كَمْ كَاسِبٍ لِلْمَالِ مِنْ حَرَامِهِ وَحَلالِهِ , كَانَ يُحَاسِبُ شَرِيكَهُ عَلَى عُودِ خِلالِهِ , وَلا يُنْفِقُ مِنْهُ شَيْئًا فِي تَقْوِيمِ خِلالِهِ , فَلَمَّا وَقَعَ صَرِيعًا بَيْنَ أَشْبَالِهِ اشْتَغَلُوا عَنْهُ بِانْتِهَابِ مَالِهِ , ثُمَّ فِي اللَّحْدِ نَكَسُوهُ ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ .
جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الَّذِينَ عَرَفُوا الْحَقَّ فاتبعوه , وزجروا الهوى عنهم وردعوه , إنه قريب مجيب.
стр. 341
المجلس الخامس والعشرون
في قصة مريم وعيسى ﵍
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا شَأْنٌ يَشْغَلُهُ , وَلا نِسْيَانٌ يُذْهِلُهُ , وَلا قَاطِعٌ لِمَنْ يَصِلُهُ , ولا ناضر لِمَنْ يَخْذُلُهُ , جَلَّ عَنْ مَثَلٍ يُطَاوِلُهُ , أَوْ يشاكله , أو ند نَظِيرٍ يُقَابِلُهُ , أَوْ مُنَاظِرٍ يُقَاوِلُهُ , يُثِيبُ بِالْعَمَلِ القليل ويقبله , ويحلم عن المعاصي فَلا يُعَاجِلُهُ , وَيَدَّعِي الْكَافِرُ شَرِيكًا وَيُمْهِلُهُ , ثُمَّ إِذَا بَطَشَ هَلَكَ كِسْرَى وَصَوَاهِلُهُ , وَذَهَبَ قَيْصَرُ وَمَعَاقِلُهُ , اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَمَا الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ , وينزل لا كالمتنقل تَخْلُو مَنَازِلُهُ , هَذِهِ جُمْلَةُ اعْتِقَادِنَا وَهَذَا حَاصِلُهُ , مَنِ ادَّعَى عَلَيْنَا التَّشْبِيهَ فَاللَّهُ يُقَابِلُهُ , مَذْهَبُنَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَمَنْ كَانَ يُطَاوِلُهُ , وَطَرِيقُنَا طَرِيقُ الشافعي وقد علمت فضائله , وترفض قَوْلَ جَهْمٍ وَقَدْ عُرِفَ بَاطِلُهُ , وَنُؤَمِّلُ رُؤْيَةَ الْحَقِّ وَمَتَى خَابَ آمِلُهُ , لَقَدْ حَنَّتْ حَنَّةً إِلَى وَلَدٍ فَسَأَلَتْ مَنْ لا يُرَدُّ سَائِلُهُ , فَيَا لَهَا مِنْ مَكْفُولٍ مَا تعني كافله , فَلَمَّا بَلَغَتْ حَمَلَتْ بِمَنْ شَرُفَ حَامِلُهُ , فَعَجِبَتْ مِنْ وَلَدٍ لا مِنْ وَالِدٍ يُشَاكِلُهُ , فَقِيلَ هُزِّي إِلَيْكِ فَهَزَّتْ جِذْعًا يَابِسًا تُزَاوِلُهُ , فَأَخْرَجَ في الحال رطبا رطبا يَلْتَذُّ آكِلُهُ , فَاسْتَدَلَّتْ عَلَى تَكْوِينِ وَلَدٍ تُحْمَدُ شَمَائِلُهُ , فَالنَّصَارَى غَلَتْ وَالْيَهُودُ عَتَتْ ﴿فَأَتَتْ بِهِ قومها تحمله﴾ .
أَحْمَدُهُ حَمْدًا أُدِيمُهُ وَأُوصِلُهُ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي ارْتَجَّتْ لَيْلَةَ وِلادَتِهِ أَعَالِي الإِيوَانِ وَأَسَافِلُهُ , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ ثَانِيَ اثْنَيْنِ فَاعْرِفُوا مَنْ قَائِلُهُ , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي صَفَا الإِسْلامُ بِجِدِّهِ وَعَذُبَتْ مَنَاهِلُهُ , وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي زَارَتْهُ الشَّهَادَةُ وَمَا تَعِبَتْ رَوَاحِلُهُ , وَعَلَى عَلِيٍّ بَحْرِ الْعُلُومِ فَمَا يُدْرَكُ سَاحِلُهُ , وَعَلَى الْعَبَّاسِ أَقْرَبِ الْخَلْقِ نَسَبًا فَمَنْ يُسَاجِلُهُ.
стр. 342
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ .
الْكِتَابُ: القُرْآنُ وَمَرْيَمُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ , وَكَانَ اسْمُ أُمِّهَا حَنَّةَ , فَتَمَنَّتْ وَلَدًا فَلَمَّا حَمَلَتْ
جَعَلَتْ حَمْلَهَا مُحَرَّرًا خَادِمًا لِلْكَنِيسَةِ , فَلَمَّا وَضَعَتْهَا أُنْثَى حَمَلَتْهَا إِلَيْهِمْ فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا.
فَلَمَّا بَلَغَتْ خَمْسَ عشرة سنة ﴿انتبذت﴾ أي تنحت عن أهلها ﴿مكانا شرقيا﴾ مما يلي الشرق ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾ أَيْ حَاجِزًا يَمْنَعُ مِنَ النَّظَرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضَرَبَتْ سِتْرًا لِتَطَهَّرَ مِنَ الْحَيْضِ وَتَمْتَشِطَ. وقال السدى: احتجبت بالجدار.
﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ وهو جبريل ﴿فتمثل لها﴾ أَيْ تُصُوِّرَ فِي صُورَةِ الْبَشَرِ التَّامِّ الْخِلْقَةُ , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَاءَهَا فِي صُورَةِ شَابٍّ جَعْدٍ قَطَطٍ حِينَ اخْضَرَّ شَارِبُهُ. ﴿قَالَتْ إِنِّي أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾ الْمَعْنَى: إِنْ كُنْتَ تَتَّقِي اللَّهَ فَسَتَنْتَهِي بِتَعْوِيذِي.
﴿قال إنما أنا رسول ربك﴾ أي فلا تخافي ﴿لأهب﴾ لك أي أرسلني ليهب ﴿لك غلاما زكيا﴾ أَيْ طَاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لي غلام﴾ أي كيف يكون ﴿ولم يمسسني بشر﴾ تعني الزوج ﴿ولم أك بغيا﴾ وَالْبَغِيُّ الْفَاجِرَةُ.
﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ علي هين﴾ أَيْ يَسِيرٌ أَنْ أَهَبَ لَكِ غُلامًا مِنْ غير أب ﴿ولنجعله آية للناس﴾ أي دلالة على قدرتنا ﴿ورحمة منا﴾ أَيْ لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ ﴿وَكَانَ أَمْرًا مقضيا﴾ أَيْ مَحْكُومًا بِهِ مَفْرُوغًا مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَفَخَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي جَيْبِ درعها فاستمر بِهَا حَمْلُهَا.
وَفِي مِقْدَارِ حَمْلِهَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا حِينَ حَمَلَتْ وَضَعَتْ. قَالَهُ ابْنُ عباس.
стр. 343
وَالثَّانِي: حَمَلَتْهُ تِسْعَ سَاعَاتٍ. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالثَّالِثُ: تِسْعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَالرَّابِعُ: ثَلاثَ سَاعَاتٍ , حَمَلَتْهُ فِي سَاعَةٍ , وَصُوِّرَ فِي سَاعَةٍ وَوَضَعَتْهُ فِي سَاعَةٍ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ وَالْخَامِسُ: ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ فَعَاشَ. وَلَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ قَطُّ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ. فَكَانَ هَذَا آيَةً. حَكَاهُ الزَّجَّاجُ. والسادس: ستة. حكاه الماوردي. والسابع: ساعة واحدة. حكاه الثعلبي.
قال وَهْبٌ: أَصْبَحَتِ الأَصْنَامُ لَيْلَةَ وِلادَةِ عِيسَى مُنَكَّسَةً عَلَى رُءُوسِهَا كُلَّمَا رَدُّوهَا انْقَلَبَتْ , فَحَارَتِ الشَّيَاطِينُ وَطَافَ إِبْلِيسُ الأَرْضَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: رَأَيْتُ مَوْلُودًا فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَدْنُوَ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿فانتبذت به﴾ أي بالحمل ﴿مكانا قصيا﴾ أَيْ بَعِيدًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: مَشَتْ سِتَّةَ أَمْيَالٍ فِرَارًا مِنْ قَوْمِهَا أَنْ يُعَيِّرُوهَا بِوِلادَتِهَا من غير زوج ﴿فأجاءها المخاض﴾ [المعنى: فجاء بها] والمخاض وجع والولادة ﴿إلى جذع النخلة﴾ وَهُوَ سَاقُ نَخْلَةٍ يَابِسَةٍ فِي الصَّحَرَاءِ لَيْسَ لَهَا رَأْسٌ وَلا سَعْفٌ. ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مت قبل هذا﴾ الْيَوْمَ وَهَذَا الأَمْرُ , قَالَتْهُ حَيَاءً مِنَ النَّاسِ ﴿وكنت نسيا منسيا﴾ أي ليتيني لم أكن شيئا.
﴿فناداها من تحتها﴾ وَفِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا الْمَلَكُ. وَكَانَتْ عَلَى نَشَزٍ. وَالثَّانِي: عِيسَى لَمَّا وَلَدَتْهُ. وَالسَّرِيُّ: النَّهْرُ الصَّغِيرُ. وكانت قد حزنت لجدب مكانها وخلوه عن مَاءٍ أَوْ طَعَامٍ , فَقِيلَ لَهَا قَدْ أَجْرَيْنَا لَكِ نَهَرًا وَأَطْلَعْنَا لَكِ رُطَبًا , وَفِي ذَلِكَ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ فِي إِيجَادِ عِيسَى. ﴿وَهُزِّي
стр. 344
إليك بجذع النخلة﴾ الباء زائدة ﴿تساقط عليك رطبا جنيا﴾ وهو الطري المجتنى ﴿فكلي﴾ من الرطب ﴿واشربي﴾ من النهر ﴿وقري عينا﴾ بِوِلادَةِ عِيسَى. وَالصَّوْمُ: الصَّمْتُ. وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِالسُّكُوتِ لأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حُجَّةٌ عِنْدَ النَّاسِ.
وَفِي سِنِّهَا يَوْمَئِذٍ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ. وَالثَّانِي: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. وَالثَّالِثُ: ثَلاثَ عَشْرَةَ [سَنَةً] قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَضَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَطَهُرَتْ مِنْ نِفَاسِهَا جَاءَتْ إِلَى قَوْمِهَا بِعِيسَى , فَبَكَوْا , وَكَانُوا صَالِحِينَ , وَقَالُوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جئت شيئا فريا﴾ أي عظيما ﴿يا أخت هارون﴾ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَخٌ لَهَا مِنْ أُمِّهَا , كَانَ أَمْثَلَ
فَتًى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ بَنِي هَارُونَ أَخِي مُوسَى. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَبَّهُوهَا بِهِ فِي الصَّلاحِ. وَهَذِهِ الأَقْوَالُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ فُسَّاقِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَهُ وَهْبٌ.
﴿مَا كان أبوك﴾ يعنون عمران ﴿امرأ سوء﴾ أي زانياً ﴿وما كانت أمك بغيا﴾ أي زانية ﴿فأشارت إليه﴾ أَيْ أَوْمَأَتْ إِلَى عِيسَى أَنْ كَلِّمُوهُ , وَكَانَ عِيسَى قَدْ كَلَّمَهَا قَبْلَ قَوْمِهَا وَقَالَ: يَا أُمَّاهُ أَبْشِرِي فَإِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَلَمَّا أَشَارَتْ أَنْ كَلِّمُوهُ تَعَجَّبُوا وَقَالُوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ من كان في المهد صبيا﴾ وكان زَائِدَةٌ. فَنَزَعَ فَمَهُ مِنْ ثَدْيِهَا وَجَلَسَ وَقَالَ: ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب﴾
стр. 345
قَالَ عِكْرِمَةُ: قَضَى أَنْ يُؤْتِيَنِي الْكِتَابَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عُلِّمَ التَّوْرَاةَ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.
وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الإِنْجِيلَ , وَكَانَ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ , وَكَانَ يَجْتَمِعُ عَلَى بَابِهِ مِنَ الْمَرْضَى خَمْسُونَ أَلْفًا فَيُدَاوِيهِمْ بِالدُّعَاءِ , فَاتَّبَعُوهُ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُحْيِيَ لَهُمْ سَامَ بْنَ نُوحٍ , فَأَتَى قَبْرَهُ فَنَادَاهُ فَانْشَقَّ الْقَبْرُ وَقَامَ فَقَالَ: هَذَا عِيسَى بن مَرْيَمَ فَاتَّبِعُوهُ. ثُمَّ قَالَ: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَرُدَّنِي كَمَا كُنْتُ. فَسَأَلَ [رَبَّهُ] فَعَادَ.
وَكَانَ عِيسَى ﵇ يَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَتَّخِذُ نَعْلَيْنِ مِنَ لِحَاءِ الشَّجَرِ شِرَاكُهُمَا لِيفٌ , وَكَانَتْ مَرْيَمُ تَلْتَقِطُ فَإِذَا عُلِمَ بِهَا نُثِرَ لَهَا فَتَتَحَوَّلُ إِلَى مَكَانٍ لا تُعْرَفُ فِيهِ.
وَكَانَ يَقُولُ: لباسي الصوف , وشعاري الخوف , وبيتي المسجد , وطيبي الْمَاءُ , وَأُدْمِيَ الْجُوعُ , وَدَابَّتِي رِجْلايَ , وَسِرَاجِي بِاللَّيْلِ الْقَمَرُ , وَمُصْطَلايَ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الشَّمْسِ , وَفَاكِهَتِي وَرَيْحَانِي بُقُولُ الأَرْضِ , وَجُلَسَائِيَ الْمَسَاكِينُ.
وَكَانَ يَقُولُ لأَصْحَابِهِ: أَهِينُوا الدُّنْيَا تُكْرِمْكُمُ الآخِرَةُ , إِنَّكُمْ لا تُدْرِكُونَ مَا تَأْمَلُونَ إِلا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ , وَلا تَبْلُغُونَ مَا تُرِيدُونَ إِلا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ.
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِبَاعٍ النُّمَيْرِيِّ , قَالَ: بَيْنَا عِيسَى بن مَرْيَمَ ﵇ يَسِيحُ فِي بَعْضِ بِلادِ الشَّامِ اشْتَدَّ بِهِ الْمَطَرُ وَالرَّعْدُ وَالْبَرْقُ , فَجَعَلَ يَطْلُبُ شَيْئًا يَلْجَأُ إِلَيْهِ فَرُفِعَتْ لَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَعِيدٍ فَإِذَا فِيهَا امْرَأَةٌ فَحَادَ عَنْهَا , فَإِذَا هُوَ بِكَهْفٍ فِي جَبَلٍ فَأَتَاهُ فَإِذَا فِي الْكَهْفِ أَسَدٌ , فَرَفَعَ يَدَهُ ثُمَّ قَالَ: إِلَهِي جَعَلْتَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَأْوَى , وَلَمْ تَجْعَلْ لِي مَأْوَى!
فَأَجَابَهُ الْجَلِيلُ: مَأْوَاكَ عِنْدِي فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِي , لأُزَوِّجَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةَ حَوْرَاءَ حَلَّيْتُهَا [بِيَدِي] . وَلأُطْعِمَنَّ فِي عُرْسِكَ أَرْبَعَةَ آلافِ عَامٍ , كُلُّ عَامٍ مِنْهَا
стр. 346
كَعُمْرِ الدُّنْيَا , وَلآمُرَنَّ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَيْنَ الزَّاهِدُونَ فِي الدُّنْيَا , زُورُوا عُرْسَ الزَّاهِدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَلِدُ: لَقِيَ عِيسَى بن مَرْيَمَ ﵇ إِبْلِيسَ فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي جَعَلَ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ مَا الَّذِي يسل جسمك ويقطع ظهرك! فضرب نفسه الأرض ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: لَوْلا أَنَّكَ أَقْسَمْتَ عَلَيَّ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ مَا أَخْبَرْتُكَ , أَمَّا الَّذِي يَقْطَعُ ظَهْرِي فَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ نَافِلَةً وَفِي الْجَمَاعَةِ , وَأَمَّا الَّذِي يَسُلُّ جِسْمِي فَصَهِيلُ الْفَرَسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ!
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دَخَلَ عيسى ﵇ خوخة فدخل وراء رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسَى فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ.
قَالَ عُلَمَاءُ النَّقْلِ: رُفِعَ لِثَلاثِ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ وَأُلْبِسَ النُّورَ وَكُسِيَ الرِّيشَ وَقُطِعَتْ عَنْهُ لَذَّةُ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ فَأَصْبَحَ إِنْسِيًّا مَلَكِيًّا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رُفِعَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَكَانَ عمره ثلاثاً وَثَلاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا , وَمَاتَتْ أُمُّهُ بَعْدَ رَفْعِهِ بِسِتِّ سِنِينَ , وَكَانَ عُمْرُهَا نَيِّفًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عِيسَى ﵇ يَنْزِلُ عَلَى
الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ بِشَرْقَيِّ دِمَشْقَ , فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإِسْلامِ , وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ وَيَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ , وَيَمْكُثُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِيَّةِ جَارِي ... مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ قَرَارِ)
(بَيْنَا يُرَى الإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا ... حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الأَخْبَارِ)
(طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا ... صَفْوًا مِنَ الأَقْذَارِ وَالأَكْدَارِ)
(وَمُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا ... مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ)
(وَإِذَا رَجَوْتَ الْمُسْتَحِيلَ فَإِنَّمَا ... تَبْنِي الرَّجَاءَ عَلَى شَفِيرٍ هَارِ)
стр. 347
(فَالْعَيْشُ نَوْمٌ وَالْمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ ... وَالْمَرْءُ بَيْنَهُمَا خَيَالٌ سَارِ)
(وَالنَّفْسُ إِنْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ أَوْ أَبَتْ ... مُنْقَادَةٌ بِأَزِمَّةِ الْمِقْدَارِ)
(فَاقْضُوا مَآرِبَكُمْ عِجَالا إِنَّمَا ... أَعْمَارُكُمْ سَفَرٌ مِنَ الأَسْفَارِ)
(وَتَرَاكَضُوا خَيْلَ الشَّبَابِ وَبَادِرُوا ... أَنْ تُسْتَرَدَّ فَإِنَّهُنَّ عَوَارِي)
(وَالدَّهْرُ يَخْدَعُ بِالْمُنَى وَيُغِصُّ إِنْ ... هَنَّا وَيَهْدِمُ مَا بَنَى بِبَوَارِ)
(قَدْ لاحَ فِي لَيْلِ الشَّبَابِ كَوَاكِبُ ... إِنْ أُمْهِلَتْ عَادَتْ إِلَى الأَسْفَارِ)
لَقَدْ خَرَقَتِ الْمَوَاعِظُ الْمَسَامِعَ , وَمَا أَرَاهُ انْتَفَعَ السَّامِعُ , وَلَقَدْ بَدَا نُورُ الْهُدَى فِي الْمَطَالِعِ لَكِنَّهُ قَدْ عَمِيَ الْمُطَالِعُ , وَلَقَدْ بَانَتْ عِبَرُ مَنْ غَبَرَ لِمَنْ عَبَرَ الْمَصَارِعَ , فَمَا بَالُهَا مَا انْسَكَبَتِ الْمَدَامِعُ. يَا مَنْ شَبَابُهُ قَدْ مَضَى هَلْ مَا مَضَى مِنَ الْعُمْرِ رَاجِعٌ , تَيَقَّظْ , الْحَذَرَ ثُمَّ اعْتَذِرْ وَرَاجِعْ , فَالْهَوْلُ شَدِيدٌ وَالْحِسَابُ دَقِيقٌ والطريق شاسع , ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ .
أَيُّهَا الْمُطْمَئِنُّ إِلَى الدُّنْيَا وَهِيَ تَطْلُبُهُ بِذِحْلٍ , قد مرضت عين بصيرته فيها فما يَنْفَعُ الْكُحْلُ، يَتَبَخْتَرُ فِي رِيَاضِهَا وَمَا ثَمَّ إِلا وَحْلٌ , اقْبَلْ نُصْحِي وَاشْدُدِ الرَّحْلَ عَنْ مَحَلِّ الْمَحْلِ , وَتَأَمَّرْ عَلَى نَفْسِكَ فَلِلنَّحْلِ فَحل.
(أَيَا صَاحٍ نَهَى الصَّاحِي ... بِحَبْلٍ مِنْكَ مُدَّارِكْ)
(إلى كم مَعَ دُنْيَاكَ ... وَتِلْكَ الْمُومِسُ الْفَارِكْ)
(تَخُونُ الأَوَّلَ الْعَهْدَ ... فَخَلِّ الْعُرْسَ أَوْ شَارِكْ)
(مَتَى يُلْحِقْنِي بِالرَّكْبِ ... هَذَا الْجَمَلُ الْبَارِكْ)
(أَلا قَدْ ذَهَبَ النَّاسُ ... وَنِضْوِي رَازِمٌ بَارِكْ)
آهٍ لِنَفْسٍ انْفَصَلَتْ سَاعَاتُهَا وَمَا حُصِّلَتْ طَاعَاتُهَا , تَبِعَتُهَا تَبِعَاتُهَا وَمَا نفعتها دعاتها , شهورها وجمعاتها ومجالسها وجماعاتها , ومذكورها ورعاتها وَقَصَائِدُهَا وَمُسَجَّعَاتُهَا , وَالدُّنْيَا وَلَسَعَاتُهَا , وَالْمِحَنُ وَجَزَعَاتُهَا , وَالْمَنُونُ وَوَقَعَاتُهَا , وَما لانَتْ مَعَ هَذَا مُمْتَنِعَاتُهَا , وَلا خَفَّتْ مِنْ رُقَادِ الْغَفْلَةِ هَجَعَاتُهَا.
стр. 348
يَا مَنْ قَدْ شَابَ أَقْبِلْ عَلَى شَأْنِكَ , وَاكْشِفْ هَذَا الْحِجَابَ وَأَسْبِلْ دَمْعَ شَانِكَ , خَلَعْتَ خِلْعَةَ الشَّبَابِ وَكَانَتْ عَارِيَةً , وَلَبِسْتَ ثَوْبًا تَخْلَعُهُ فِي الْبَرِيَّةِ , فَدَعِ الْهَوَى وَدَعْ كُلَّ بَلِيَّةٍ , فَقَدْ أَنَارَ الْهُدَى بِمَصَابِيحَ جَلِيَّةٍ.
(سَارَ الشَّبَابُ فَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ خَبَرًا ... وَلا رَأَيْنَا خَيَالا مِنْهُ مُنْتَابَا)
(وَحَقٌّ لِلْعِيسِ لَوْ نَالَتْ بِنَا بلداً ... فيه الصبا كون عود الند أَقْتَابَا)
(أُلْقِيَ إِلَيْهِ قَمِيصُ الشَّيْبِ رَهْنَ بِلًى ... ثُمَّ اسْتَجَدَّ قَمِيصَ الشَّيْبِ مُحْتَاجَا)
(مَا زَالَ يَمْطُلُ دُنْيَاهُ بِتَوْبَتِهِ ... حَتَّى أَتَتْهُ مَنَايَاهُ وَمَا تابا)
كان الحسن يقول: يا بن آدَمَ بِعْ عَاجِلَتَكَ بِعَاقِبَتِكَ تَرْبَحْهُمَا جَمِيعًا , وَلا تَبِعْ عَاقِبَتَكَ بِعَاجِلَتِكَ فَتَخْسَرَهُمَا جَمِيعًا , الثَّوَاءُ هُنَا قَلِيلٌ , وَقَدْ أُسْرِعَ بِخِيَارِكُمْ فَمَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ الْمُعَايَنَةُ فَكَأَنَّهَا وَاللَّهِ قَدْ كَانَتْ , وَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ أن يلحق بآخركم.
يا بن آدَمَ دِينَكَ دِينَكَ , فَإِنْ سَلِمَ لَكَ دِينُكَ سَلِمَ لَكَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ , وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَإِنَّهَا نَارٌ لا تُطْفَى وَنَفْسٌ لا تَمُوتُ , إِنَّكَ مَعْرُوضٌ عَلَى رَبِّكَ وَمُرْتَهَنٌ بِعَمَلِكَ , فَخُذْ مِمَّا فِي يَدَيْكَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْكَ عِنْدَ الموت يأتيك الخير , يا ابن آدَمَ تَرْكُ الْخَطِيئَةِ أَهْوَنُ مِنْ مُعَالَجَةِ التَّوْبَةِ. يا ابن آدَمَ لا تُعَلِّقْ قَلْبَكَ بِالدُّنْيَا فَتُعَلِّقَهُ بِشَرٍّ مُعَلَّقٍ , قُطِعَ حِبَالُهَا وَأُغْلِقَ عَنْكَ بَابُهَا , حَسْبُكَ مَا بَلَّغَكَ الْمَحَلَّ.
(اسْتَغْفِرِ اللَّهَ مُنِيبًا خَاشِعًا ... وَاهْجُرْ لَمِيسَ وَاجْتَنِبْ دِيَارَهَا)
(مَنْ زَارَهُ عَاتِي الصِّبَا فَإِنَّمَا ... زَارَ مِنَ الأُسْدِ الْجَثُومِ دَارَهَا)
(وَأَفْضَلُ الأُزُرِ إِزَارُ عِفَّةٍ ... إِذَا الرِّجَالُ طَرَحَتْ آزَارَهَا)
(مَنْ أَبَّرَ النَّخْلَ إِبَارَ مُحْسِنٍ ... أَحْمَدَ فِي إِرْطَابِهَا آثَارَهَا)
(وَالْعَقْلُ خَيْرٌ لا يُخَافُ غِشُّهُ ... إِذَا الرِّجَالُ اتَّهَمَتْ أَخْبَارَهَا)
(فَأَجْبِرِ النَّفْسَ على التقوى ولا ... تقل لَمْ أَسْتَطِعْ إِجْبَارَهَا)
стр. 349
الكلام على قوله تعالى
﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قرأ الجمهور: نصوحا بفتح النون. وقرأ أبو بكر عن عَاصِمٍ بِضَمِّهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ فَتَحَ فَعَلَى صِفَةِ التَّوْبَةِ , وَالْمَعْنَى تَوْبَةٌ بَالِغَةٌ فِي النُّصْحِ. وَفَعُولٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلْمُبَالَغَةِ في الوصف. يُقَالُ رَجُلٌ صَبُورٌ وَشَكُورٌ. وَمَنْ قَرَأَ بِالضَّمِّ فمعناه ينصحون بها نصوحاً يُقَالُ: نَصَحْتُ لَهُ نُصْحًا وَنَصَاحَةً وَنُصُوحًا.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ يَتُوبَ الْعَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنْ لا يَعُودَ.
وَسُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنِ التَّوْبَةِ النصوح فقال: ندم بالقلب , وَاسْتِغْفَارٌ بِاللِّسَانِ , وَتَرْكٌ بِالْجَوَارِحِ , وَإِضْمَارٌ أَنْ لا يَعُودَ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تُكَفِّرُ كُلَّ سَيِّئَةٍ. ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ.
اعْلَمْ أَنَّ التَّائِبَ الصَّادِقَ كُلَّمَا اشْتَدَّ نَدَمُهُ زَادَ مَقْتُهُ لِنَفْسِهِ عَلَى قُبْحِ زَلَّتِهِ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَوِيَ مَقْتُهُ لَهَا وَرَأَى تَعْرِيضَهَا [لِلْقَتْلِ] مُبَاحًا فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ فَعَرَّضَهَا لَهُ , كَمَا فَعَلَ مَاعِزٌ وَالْغَامِدِيَّةُ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حدثنا عبد الله ابن أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ , حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رجل يقال له ماعز ابن مَالِكٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي فَطَهِّرْنِي. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ارِجْعِ. فلما كان من الغد أتاه أيضاً فاعترف عنده بالزنا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ارِجْعِ. ثُمَّ أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَقَالَ: مَا تَعْلَمُونَ مِنْ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ الأَسْلَمِيِّ؟ هَلْ تَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا وَمَا تُنْكِرُونَ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا؟ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا نَرَى بِهِ بَأْسًا وَلا نُنْكِرُ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا. ثُمَّ عَادَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الثَّالِثَةَ فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِالزِّنَا وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ طَهِّرْنِي. فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ
стр. 350
أَيْضًا فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا لَهُ كَمَا قَالُوا فِي الْمَرَّةِ الأُولَى: مَا نَرَى بِهِ بَأْسًا وَمَا نُنْكِرُ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّابِعَةَ فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِالزِّنَا , فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَحُفِرَ لَهُ حَفِيرَةٌ فَجَعَلَ فِيهَا إِلَى صَدْرِهِ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرْجُمُوهُ.
قَالَ بُرَيْدَةُ: وَكُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ , إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ارجعي. فلما كانت مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ أَيْضًا فَاعْتَرَفَتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي. فَلَمَّا أَنْ كَانَ
مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ فَاعْتَرَفَتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا وَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَلَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى مِنَ الزِّنَا , فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ارْجِعِي حَتَّى تَلِدِي. فَلَمَّا وَلَدَتْ جَاءَتْ بِالصَّبِيِّ تَحْمِلُهُ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ , هذا قد ولدت. قال: فاذهبي حَتَّى تَفْطِمِيهِ. فَلَمَّا فَطَمَتْهُ جَاءَتْ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ. هَذَا قَدْ فَطَمْتُهُ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّبِيِّ فَدُفِعَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا حَفِيرَةٌ فَجُعِلَتْ فِيهَا إِلَى صَدْرِهَا , ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرْجُمُوهَا , فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رأسها فنضخ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا , فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ: مَهْلا يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِ الْحَدِيثَيْنِ مُسْلِمٌ.
وَقَدْ أُخْرِجَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّ مَاعِزًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : طَهِّرْنِي. فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَقَالَ: وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. فَرَجَعَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: طَهِّرْنِي. حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِمَّ أُطَهِّرُكَ؟ قَالَ: مِنَ الزِّنَا. فَلَمَّا رَجَمَهُ. قَالَ: " لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيَنْ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ ".
стр. 351
فَانْظُرْ إِلَى مَقْتِ هَؤُلاءِ أَنْفُسَهُمْ حَتَّى أَسْلَمُوهَا إِلَى الْهَلاكِ غَضَبًا عَلَيْهَا لِمَا فَعَلَتْ.
وَمِنَ التَّائِبِينَ مَنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّعْرِيضُ بِقَتْلِهَا , فَكَانَ يُنَغِّصُ عَيْشَهَا.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: رَأَيْتُ ضيغماً العابد فد أَخَذَ كُوزًا مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ فَصَبَّهُ فِي الحب وَاكْتَالَ غَيْرَهُ , فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: نَظَرْتُ نَظْرَةً وَأَنَا شَابٌّ فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي
أَلا أُذِيقَهَا الْمَاءَ الْبَارِدَ , أُنَغِّصُ عَلَيْهَا أَيَّامَ الْحَيَاةِ.
يَا نَادِمًا عَلَى الذُّنُوبِ أَيْنَ أَثَرُ نَدَمِكَ , أَيْنَ بُكَاؤُكَ عَلَى زَلَّةِ قَدَمِكَ , أَيْنَ حذرك من أليم الْعِقَابِ , أَيْنَ قَلَقُكَ مِنْ خَوْفِ الْعِتَابِ , أَتَعْتَقِدُ أَنَّ التَّوْبَةَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ , إِنَّمَا التَّوْبَةُ نَارٌ تَحْرِقُ الإِنْسَانَ. جَرِّدْ قَلْبَكَ مِنَ الأَقْذَارِ , ثُمَّ أَلْبِسْهُ الاعْتِذَارَ , ثُمَّ حَلِّهِ حُلَّةَ الانْكِسَارِ , ثُمَّ أَقِمْهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ.
لَهَجَ بَعْضُ الْعُبَّادِ بِالْبُكَاءِ , فَعُوتِبَ عَلَى كَثْرَتِهِ فَقَالَ:
(بَكَيْتُ عَلَى الذُّنُوبِ لِعُظْمِ جُرْمِي ... وَحَقٌّ لِكُلِّ مَنْ يَعْصِي الْبُكَاءُ)
(فَلَوْ أَنَّ الْبُكَاءَ يَرُدُّ هَمِّي ... لأَسْعَدَتِ الدُّمُوعُ مِعَا دِمَائِي)
اعْلَمْ أَنَّ التَّائِبَ الْمُحَقِّقَ يَشْغَلُهُ تَنْظِيفُ مَا وَسِخَ , وَالْحُزْنُ عَلَى مَا فَرَّطَ عَنْ تَصْوِيرِ زَلَّةٍ ثَانِيَةٍ.
[يَا هَذَا] اكْتُبْ قِصَّةَ الرُّجُوعِ بِقَلَمِ النُّزُوعِ بِمِدَادِ الدُّمُوعِ , وَاسْعَ بِهَا عَلَى قَدَمِ الْخُضُوعِ إِلَى بَابِ الْخُشُوعِ , وَأَتْبِعْهَا بِالْعَطَشِ وَالْجُوعِ , وَسَلْ رَفْعَهَا فَرُبَّ سُؤَالٍ مَسْمُوعٍ , كَمْ هَتَكَ سِتْرَ مَنْ فَعَلَ خَطِيئَةً قَدْ فَعَلْتَهَا وَسُتِرْتَ , فَابْكِ عَلَى كَثْرَةِ الذَّنْبِ أَوْ [عَلَى] قِلَّةِ الشُّكْرِ.
(لَئِنْ جَلَّ ذَنْبِي وَارْتَكَبْتُ الْمَآثِمَا ... وَأَصْبَحْتُ فِي بَحْرِ الْخَطِيئَةِ عَائِمَا)
(أُجَرِّرُ ذَيْلِي فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى ... لأَقْضِيَ أَوْطَارَ الْبَطَالَةِ هَائِمَا)
(فَهَا أَنَا ذَا يَا رَبِّ أَقْرَرْتُ بِالَّذِي ... جَنَيْتُ عَلَى نَفْسِي وَأَصْبَحْتُ نَادِمَا)
(أَجَلُّ ذُنُوبِي عِنْدَ عَفْوِكَ سَيِّدِي ... حَقِيرٌ وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبِي عَظَائِمَا)
стр. 352
تَشَبَّثْ بِذَيْلِ الْحِلْمِ , وَصِحْ بِصَاحِبِ الْعَفْوِ لَعَلَّ شَفِيعَ الاعْتِرَافِ يُسْأَلُ فِي أَسِيرِ الاقْتِرَافِ.
(ذَنْبِي إِلَيْكَ عَظِيمٌ ... وَأَنْتَ لِلْعَفْوِ أَهْلُ)
(فَإِنْ عَفَوْتَ بِفَضْلٍ ... وَإِنْ أَخَذْتَ فَعَدْلُ)
[يَا هَذَا] مُنَاجَاتَكَ منجاتك , وَصَلاتَكَ صَلاتَكَ , نَادِ فِي نَادِي الأَسْحَارِ وَالنَّاسُ نَائِمُونَ: يَا أَكْرَمَ مَنْ أَمَّلَهُ الآمِلُونَ.
(عَلَيَّ دَيْنٌ ثَقِيلٌ أَنْتَ قَاضِيَهْ ... يَا مَنْ يُحَمِّلُنِي ذنبي رجائيه)
(الحل مُرْهَقَةٌ وَالنَّفْسُ مُشْفِقَةٌ ... مِنْ دَائِهَا الْمُتَمَادِي أَوْ تَدَاوِيَهْ)
إِنْ طَرَدْتَنِي فَإِلَى مَنْ أَذْهَبُ , وَإِنْ أَبْعَدْتَنِي فَإِلَيْكَ أُنْسَبُ , عَلِمْتَ ذَنْبِي وَخَلَقْتَنِي , وَرَأَيْتَ زَلَلِي وَرَزَقْتَنِي.
(بَرَّنِي مَعْرُوفُكُمْ قَبْلَ أَبِي ... وَغَذَانِي بِرُّكُمْ قَبْلَ اللَّبَنِ)
(وَإِذَا أَنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَنْتُمُ ... لَمْ تَوَلُّونِي وَتُولُونِي فَمَنْ)
يَا هَذَا: مَاءُ الْعَيْنِ فِي الأَرْضِ حَيَاةُ الزَّرْعِ , وَمَاءُ الْعَيْنِ عَلَى الْخَدِّ حَيَاةُ الْقَلْبِ , يَا طَالِبَ الْجَنَّةِ: بِذَنْبٍ وَاحِدٍ أُخْرِجَ أَبُوكَ مِنْهَا , أَتَطْمَعُ فِي دُخُولِهَا بِذُنُوبٍ لَمْ تَتُبْ عَنْهَا , إِنَّ امْرَأً تَنْقَضِي بِالْجَهْلِ سَاعَاتُهُ , وَتَذْهَبُ بِالْمَعَاصِي أَوْقَاتُهُ , لَخَلِيقٌ أَنْ تَجْرِيَ دَائِمًا دُمُوعُهُ , وَحَقِيقٌ أَنْ يَقِلَّ فِي الدُّجَى هُجُوعُهُ.
وَا أَسَفَا لِمَنْ ذَهَبَ عُمْرُهُ فِي الْخِلافِ , وَصَارَ قَلْبُهُ بِالْخَطَايَا فِي غُلافٍ , لَمَّا سُتِرَتْ عَنِ التَّائِبِينَ الْعَوَاقِبُ فَزِعُوا إلى البكاء واستارحوا إِلَى الأَحْزَانِ , كَانُوا يَتَزَاوَرُونَ فَلا تَجْرِي فِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ إِلا دُمُوعُ الْحَذَرِ.
(بَاحَتْ بِسِرِّي فِي الْهَوَى أَدْمُعِي ... وَدَلَّتِ الْوَاشِيَ عَلَى مَوْضِعِي)
(يَا قَوْمُ إِنْ كُنْتُمْ عَلَى مَذْهَبِي ... فِي الْوَجْدِ وَالْحُزْنِ فَنُوحُوا مَعِي)
(يَحِقُّ لِي أَبْكِي عَلَى زَلَّتِي ... فَلا تَلُومُونِي عَلَى أَدْمُعِي)
آهٍ لنفس لا تعقل أمرها ثم قد جهلت قَدْرَهَا , تُضَيِّعُ فِي الْمَعَاصِي عُمْرَهَا
стр. 353
وَتَخُوضُ مِنَ الذُّنُوبِ غَمْرَهَا , إِلَى مَتَى تَعْصِي وَكَمْ تَتَمَرَّدُ , وَأَقْبَحُ مِنْ قَبِيحِكَ أَنَّكَ تَتَعَمَّدُ , يا ردئ العزم يا سيء الْمَقْصَدِ , يَا نَقِيَّ الثَّوْبِ وَالْقَلْبُ أَسْوَدُ , مَا هَذَا الأَمَلُ وَلَسْتَ بِمُخَلَّدٍ , أَمَا تَخَافُ مَنْ أَوْعَدَكَ وَهَدَّدَ , يَا مَسْتُورًا عَلَى الْقَبِيحِ أَتُقِرُّ أَمْ تَجْحَدُ , يَا مَنْ شَابَ وَمَا تَابَ هَذَا الدَّأْبَ مُذْ أَنْتَ أَمْرَدَ , يَا مُشْتَرِيًا لَذَّةً تَزُولُ بِالْعَذَابِ السَّرْمَدِ , يَا مَرْمِيًّا فِي جُبِّ الْهَوَى هَذَا الْحَبْلُ وَمَا تَصْعَدُ , بِاللَّهِ عَلَيْكَ تَأَمَّلْ نُصْحِي وَتَفَقَّدْ , أَمَّا الطَّرِيقُ طَوِيلَةٌ فَاقْبَلْ مِنِّي وَتَزَوَّدْ , تَخَلَّصْ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى فَإِلَى كَمْ مُقَيَّد , مَيِّزْ مَا يَبْقَى بِمَا يَفْنَى ثُمَّ اطْلُبِ الأَجْوَدَ , مَا أَرَى قَوْلِي يُؤَثِّرُ فِيكَ وَلَوْ دَرْسٌ مُجَلَّدٌ , أَظْرَفُ مِنْ فِعْلِكَ قِلَّةُ فَهْمِكَ وَأَنْتَ تَتَبَغْدَدُ , أَسَفًا لأَيَّامٍ مَضَتْ فِي الذُّنُوبِ وَتَوَلَّتْ , تَحَكَّمَتْ فِيهَا النَّفْسُ فَأَفْسَدَتْهَا إِذْ تَوَلَّتْ , وَعَلَى لَيَالٍ كَسَتِ الصَّحَائِفَ لَوْنُهَا فَوُكِسَتْ وَأُذِلَّتْ , وَعَلَى سَاعَاتٍ فِي طِلابِ الْهَوَى هَوَتْ وَاضْمَحَلَّتْ , حَسْرَةٌ عَنْ حَسِيرٍ ذَهَبَتْ وَحَلَّتْ , آهٍ لِشَيْبٍ كَانَ الشَّبَابُ مِنْهُ أَصْلَحَ , وَلِذِي عَيْبٍ مَا قَرَمَهُ الْعِتَابُ وَلا أَصْلَحَ , وَلِمُفَرِّطٍ يَخْسَرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلا يَرْبَحُ , وَلِمُتَخَبِّطٍ فِي ظَلامِ الظُّلْمِ وَالصَّبَاحُ قَدْ أَصْبَحَ.
(قَدْ تَنَاهَتْ فِي بَلائِي حِيلَتِي ... وَبَلائِي كُلُّهُ مِنْ قِبَلِي)
(كُلَّمَا قُلْتُ تَجَلَّتْ غُمَّتِي ... عُدْتُ فِي ثَانِيَةٍ لا تَنْجَلِي)
(لَعِبَتْ بِي شَهَوَاتِي وَانْقَضَتْ ... لِي حَيَاتِي فِي غُرُورِ الأَمَلِ)
(وَأَحَلَّتْ بِي ذنوبي سقما ... كيف بالبرء منه كيف بي)
(قد رمتني سيئاتي والهوى ... بسهام فأصابت مَقْتَلِي)
(وَأَتَى شَيْبِي وَحَالِي كَالَّذِي ... كُنْتُ فِيهِ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ)
لَوْ رَأَيْتَ التَّائِبَ لَرَأَيْتَ جَفْنًا مَقْرُوحًا , تُبْصِرُهُ فِي الأَسْحَارِ عَلَى بَابِ الاعْتِذَارِ مَطْرُوحًا , سَمِعَ قَوْلَ الإِلَهِ يُوحَى فِيمَا يوحى ﴿توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ .
مَطْعَمُهُ يَسِيرٌ , وَحُزْنُهُ كَثِيرٌ , وَمَزْعَجُهُ مُثِيرٌ , فَكَأَنَّهُ أَسِيرٌ قَدْ رُمِيَ مَجْرُوحًا ,
стр. 354
أَنْحَلَ بَدَنَهُ الصِّيَامُ , وَأَتْعَبَ قَدَمَهُ الْقِيَامُ , وَحَلَفَ بِالْعَزْمِ عَلَى هَجْرِ الْمَنَامِ , فَبَذَلَ جَسَدًا وَرُوحًا ﴿توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ .
الذُّّلُّ قَدْ عَلاهُ وَالْحُزْنُ قَدْ وَهَاهُ , يَذُمُّ نَفْسَهُ عَلَى هَوَاهُ , وَبِهَذَا صَارَ مَمْدُوحًا
أَيْنَ مَنْ يَبْكِي جِنَايَاتِ الشَّبَابِ الَّتِي بِهَا اسْوَدَّ الكتاب , أين من يأتي إلى الباب يحد الْبَابَ مَفْتُوحًا ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ . والحمد لله وحده.
стр. 355
المجلس السادس والعشرون
فِي قِصَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا يَتَأَثَّرُ بِالْمَدَى وَلا يَتَغَيَّرُ أَبَدًا , لَمْ يَزَلْ وَاحِدًا أَحَدًا , لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا , اخْتَارَ مَنْ شَاءَ فَنَجَّاهُ مِنَ الرَّدَى , أَنْقَذَ أَهْلَ الْكَهْفِ وَأَرْشَدَ وَهَدَى , وَأَخْرَجَهُمْ بِقَلَقٍ رَاحَ بِهِمْ وَغَدَا , فَاجْتَمَعُوا فِي الْكَهْفِ يَقُولُونَ كَيْفَ حَالُنَا غَدَا , فَأَرَاحَهُمْ بِالنَّوْمِ مِنْ تَعَبِ التعبد مدداً ﴿إذا أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا من لدنك رحمة وهيىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا , فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ في الكهف سنين عدداً , ثم بعثناهم لتعلم أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا , نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ , إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بربهم وزدناهم هدى﴾ .
أَحْمَدُهُ مَا ارْتَجَزَ حَادٍ وَحَدَا , وَأُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ مَتْبُوعٍ وَأَفْضَلِ مُقْتَدَى , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الْمُتَخِّذِ بِإِنْفَاقِهِ عِنْدَ الإِسْلامِ يَدًا , وَعَلَى عُمَرَ الْعَادِلِ الَّذِي مَا جَارَ فِي وِلايَتِهِ وَلا اعْتَدَى , وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى وَقْعِ المُدَى , وَعَلَى عَلِيٍّ مَحْبُوبِ الأَوْلِيَاءِ وَمُبِيدِ الْعِدَى , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَشْرَفِ الْكُلِّ نَسَبًا وَمَحْتِدًا.
قَالَ اللَّهُ : ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آياتنا عجبا﴾ .
سَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا عَنْ أَصْحَابِ الكهف فنزلت.
следующие страницы →