← Адаб

Адаб · id 26382

العبرات للمنفلوطي

المنفلوطي

Полный текст (174 стр.). Показаны 141–174 · переход к 146.

стр. 141

اَلْأَوْرَاق اَلَّتِي أُرْسِلهَا إِلَى مَرْغِرِيت عَائِدَة إِلَيْهِ كَمَا هِيَ وَلَيْسَ مَعَهَا كَلِمَة وَاحِدَة فَحَاوَلَ أَنْ يُعِيدهَا إِلَيْهَا مَرَّة أُخْرَى فَمَنَعَهُ أَبُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ قَدْ وَعَدْتنِي أَلَّا تُخَالِفنِي فِي أَمْر بُدّ لَك مِنْ اَلْإِذْعَان فَأُذْعِن ثُمَّ سَافَرَا مَعًا تِلْكَ اَللَّيْلَة إِلَى نيس. وَكَذَلِكَ قُضِيَ اَللَّه أَنْ يَفْتَرِق ذَلِكَ اَلصَّدِيقَانِ اَلْوَفِيَّانِ وَالْعَاشِقَانِ اَلْمُخْلِصَانِ فَعَادَ اَلْفَتِيّ إِلَى أَحْضَان أَبِيهِ وَعَادَتْ اَلْفَتَاة إِلَى حَيَاتهَا اَلْأُولَى اَلَّتِي كَانَتْ تَأْبَاهَا اَلْإِبَاء كُلّه وَتَخَافهَا اَلْخَوْف اَلشَّدِيد وَفِي نَفْس كُلّ مِنْهُمَا مِنْ اَلْوَجْد بِصَاحِبِهِ وَالْحَسْرَة عَلَيْهِ مَا لَا تَلِيه اَلْأَيَّام وَلَا تَنْتَقِص مِنْهُ اَلسُّنُونَ وَالْأَعْوَام. اَلْأَشْقِيَاء فِي اَلدُّنْيَا كَثِير وَأَعْظَمهمْ شَقَاء ذَلِكَ اَلْحَزِين اَلصَّابِر اَلَّذِي قَضَتْ عَلَيْهِ ضَرُورَة مِنْ ضَرُورِيَّات اَلْحَيَاة أَنْ يَهْبِط بِآلَامِهِ وَأَحْزَانه إِلَى قَرَارَة نَفْسه فَيُوَدِّعهَا هُنَاكَ ثُمَّ يُغَلِّق دُونهَا بَابًا مِنْ اَلصَّمْت وَالْكِتْمَان ثُمَّ يَصْعَد إِلَى اَلنَّاس بَاشّ اَلْوَجْه بَاسِم اَلثَّغْر متطلقا مُتَهَلِّلًا كَأَنَّهُ لَا يَحْمِل بَيْن جَنْبَيْهِ هَمًّا وَلَا كَمَدًا: ذَلِكَ كَانَ شَأْن مَرْغِرِيت بَعْد عَوْدَتهَا إِلَى حَيَاتهَا اَلْأَوْلَى فَقَدْ أَصْبَحَتْ تَعِيش مَعَ اَلنَّاس بِصُورَة غَيْر اَلصُّورَة اَلَّتِي تَعِيش بِهَا مَعَ نَفْسهَا أَمَّا حَيَاتهَا مَعَ اَلنَّاس فَحَيَاة ضَاحِكَة لَاعِبَة مَرِحَة وَثَابِتَة تُضِيء اَلْمَجَامِع وَالْمَحَافِل وَتَمْلَأ اَلْأَنْظَار وَالْأَسْمَاع فَإِذَا ضَمَّهَا مَخْدَعهَا وَخَلَا لَهَا وَجْه اَللَّيْل مَرَّتْ أَمَام عَيْنَيْهَا صُورَة تِلْكَ اَلسَّاعَات اَلسَّعِيدَة اَلَّتِي قَضَتْهَا بِجَانِب أَرْمَان ثُمَّ ذَكَرَتْ أَنَّهَا قَدْ أَفْلَتَتْ مِنْ يَدهَا إِفْلَات اَلطَّائِر مِنْ يَد صَائِده وَصَارَتْ بَعِيدَة عَنْهَا بَعْد اَلشَّمْس عَنْ يَد مُتَنَاوَلهَا وَأَنَّهَا قَدْ أَصْبَحَتْ تَعِيش بَيْن أَقْوَام لَا تَعْرِفهُمْ

стр. 142

وَلَا تَجِد فِي نَفْسهَا لَذَّة اَلْأُنْس بِهِمْ ثُمَّ لَا تَجِد لَهَا بُدًّا مِنْ مماذقتهم وَالتَّحَبُّب إِلَيْهِمْ وَالتَّجَمُّل لَهُمْ بِمَا يُرِيدُونَ وَيَشْتَهُونَ فَتُقَبِّل اَلْأَفْوَاه اَلَّتِي لَا تَشْتَهِيهَا وَتَعْتَنِق اَلْقَامَات اَلَّتِي لَا تُطِيق رُؤْيَتهَا وَتَشْرَب مَعَ كُلّ شَارِب وَالشَّرَاب يَحْرُق أَحْشَاءَهَا وَتَرْقُص مَعَ كُلّ رَاقِص وَالرَّقْص يُمَزِّق أَوْصَالهَا وَتَضْحَك ضِحْكَات اَلسُّرُور مِنْ قَلْب بَاكٍ وَتُنْشِد أَنَاشِيد الهناد مِنْ فُؤَاد مُحْتَرِق فَكَأَنَّهَا فِي يَد اَلنَّاس وَالْعُود فِي يَد اَلْمُغَنِّي يَقْطَع أَوْتَاره ضَرْبًا لِيُطْرِب لِنَغَمَاتِهِ أَوْ اَلزَّهْرَة فِي يَد اَلْمُقْتَطَف يَعْصِر أَوْرَاقهَا عَصْرًا لِيَنْعَم بِشَذَاهَا فَتُهَيِّجهَا ذِكْرَى ذَلِكَ اَلْمَاضِي اَلسَّعِيد وَهَذَا اَلْحَاضِر اَلشَّقِيّ فَتُطْلِق اَلسَّبِيل لِزَفَرَاتِهَا وَعَبَرَاتهَا يَصْعَد مِنْهَا مَا يَصْعَد وَيَنْحَدِر مَا يَنْحَدِر حَتَّى تشتفي نَفْسهَا فَتَقُوم إِلَى خِزَانَة مَلَابِسهَا فَتَسْتَخْرِج مِنْهَا صُورَة تَضَعهَا بَيْن سِحْرهَا وَنَحْرهَا ثُمَّ تَأْوِي إِلَى مَضْجَعهَا فَتَجِدّ بَرْد اَلرَّاحَة فِي صَدْرهَا لِأَنَّهَا صُورَة أَرْمَان. وَلَمْ تَزَلْ تُكَابِد مِنْ اَلشَّقَاء فِي تِلْكَ اَلْحَيَاة اَلسَّاقِطَة وَآلَامهَا مَا لَا طَاقَة لِمَثَلِهَا بِاحْتِمَال مِثْله حَتَّى اِسْتَيْقَظَ فِي صَدْرهَا دَاؤُهَا اَلْقَدِيم بَعْد مَا نَامَ عَنْهَا حِينًا مِنْ اَلدَّهْر فَهَزَلَ جَسَّمَهَا وشحب لَوْنهَا وَغَاضَ مَاء اِبْتِسَامَاتهَا وَانْطَفَأَ شُعَاع نَظَرَاتهَا وَشَغْلهَا شَأْن نَفْسهَا عَنْ شَأْن المركيز فَلَمْ يَلْبَث أَنْ مَلَّهَا وَفَارَقَهَا وَاسْتَبْدَلَ بِهَا أُخْرَى غَيْرهَا ثُمَّ اِخْتَلَفَ عَلَيْهَا مِنْ بَعْده اَلْأَخِلَّاء اَلرُّفَقَاء فَكَانَ شَأْنهمْ مَعَهَا شَأْنه لَا يَلْبَث أَحَدهمْ أَنْ يَعْرِفهَا حَتَّى يَهْجُرهَا فَكَسَدَتْ سِلْعَتهَا فِي سُوق اَلْجِمَال وَطَمِعَ فِيهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ يَطْمَع قَبْل اَلْيَوْم فِي لَثْم مَوَاطِئ أَقْدَامهَا وَخَلَتْ مَنْهَلَا اَلْمَجَامِع وَالْمَحَافِل ثُمَّ خَلَتْ مِنْ ذَكَرَهَا وَحَدِيثهَا وأعوزها اَلْمَال إعواز شَدِيدًا فَمَدَّتْ يَدهَا إِلَى مَا كَانَ بَاقِيًا عِنْدهَا مِنْ جَوَاهِرهَا وَلَآلِئهَا فَبَاعَته فَلَمْ يَفِ بِدِينِهَا فَطَلَبَتْ اَلْمَعُونَة مِنْ كَثِير مِنْ أَصْدِقَائِهَا اَلْمَاضِينَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا قَلِيل

стр. 143

مِنْهُمْ اَلْقَلِيل فَلَمْ يُغْنِ عَنْهَا شَيْئًا وَاخْتَلَفَتْ إِلَيْهَا جَرَائِد اَلْحِسَاب يَطْلُب أَصْحَابهَا سَدَاد مَا فِيهَا فَدَافِعَتهمْ عَنْهَا حِينًا ثُمَّ عَجَزَتْ فَحَجَزُوا عَلَى جَمِيع مُقْتَنَيَاتهَا وَذَخَائِرهَا وَأَثَاث بَيْتهَا ورياشه ولؤموا فِي مُقَاضَاتهَا لُؤْمًا ضَاعَفَ حُزْنهَا وَمَرَّضَهَا وَقُضِيَ عَلَى بَقَّة مَا كَانَتْ تُضْمِرهُ فِي نَفْسهَا مِنْ اَلْأَمَل فِي اَلْحَيَاة وَالسَّعَادَة فِيهَا فَنَسِيَتْ اَلْعَالَم خَيْره وَشَرّه وَالْحَيَاة سَعَادَتهَا وَشَقَاءَهَا وَأَصْبَحَتْ لَا تُفَكِّر إِلَّا فِي أَمْر وَاحِد تَقُوم وَتَقْعُد بِهِ لَيْلهَا وَنَهَارهَا وَهُوَ ان تُرَى أَرْمَان سَاعَة وَاحِدَة قَبْل مَوْتهَا ثُمَّ تَذْهَب إِلَى رَبّهَا. وَلَمْ تَكُنْ قَدْ كَتَبَتْ إِلَيْهِ قَبْل اَلْيَوْم كَلِمَة وَاحِدَة مُنْذُ فَارَقَهَا وَلَا كُتُب إِلَيْهَا فَنَهَضَتْ تَتَحَامَل عَلَى نَفْسهَا حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى مِنْضَدَتهَا فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ هَذَا اَلْكِتَاب تَعَالٍ إِلَى يَا أَرْمَان رَاضِيًا كُنْت أَوْ غَاضِبًا فَإِنَّنِي مَرِيضَة مُشَرِّفَة وَأَحَبَّ أَنْ أَرَاك قَبْل مَوْتَى لِأَقْضِيَ لَك بِسِرّ اَلذَّنْب اَلَّذِي أذنبته إِلَيْك فِيمَا مَضَى وَاَلَّذِي لَا تَزَال واجدا عَلَى بِسَبَبِهِ حَتَّى اَلْيَوْم فَلَعَلَّك تَعْفُو عَنِّي فِي سَاعَتِي اَلْأَخِيرَة فَيَكُون عَفْوك وَرِضَاك هُوَ كُلّ مَا أتزوده مِنْ هَذِهِ اَلْحَيَاة لِقَبْرِي وَاذْكُرْ يَا أَرْمَان أَنَّ أَوَّل عَاطِفَة جَمَعَتْ بَيْنِي وَبَيْنك وَأَلَّفَتْ بَيْن قَلْبِي وَقَلْبك كَانَتْ عَاطِفَة اَلرَّحْمَة وَالشَّفَقَة فَهَا هِيَ اَلْفَتَاة اَلْمَرِيضَة اَلْمِسْكِينَة اَلَّتِي رَحِمَتْهَا بِالْأَمْسِ وَعَطَفَتْ عَلَيْهَا قَبْل أَنْ تُحِبّهَا تَدْعُوك اَلْيَوْم أَنْ تَرْحَمهَا وَتَعْطِف عَلَيْهَا وَإِنَّ تُكِنّ قَدْ سَلْوَتهَا أَمَّا كِتَابك اَلَّذِي كَتَبَتْهُ إِلَيَّ قَبْل سَفَرك فَقَدْ اغتفرت لَك كُلّ مَا فِيهِ حَتَّى قَوْلك إِنَّنِي كُنْت كَاذِبَة فِي حُبُك طَامِعَة فِي مَالِك لِأَنِّي أَعْلَم أَنَّ اَلْمَرْأَة اَلَّتِي كَذَبَ اَلنَّاس فِي حُبّهَا طَوَال حَيَاتهَا لَا يُمْكِن أَنْ تَجِد مَنْ يُصَدِّقهَا إِذْ صَدَقَتْ فِيهِ وَعَدَّلَ مِنْ اَللَّه كُلّ مَا صَنَعَ.

стр. 144

ثُمَّ لَبِثَتْ تَنْتَظِر حُضُوره أَيَّامًا طِوَالًا فَلَمْ يَأْتِ فَأُحْزِنهَا ذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا وَسَاءَ ظَنّهَا بِهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسهَا أَنَّهُ قَدْ سَلَّاهَا وَاطْرَحْهَا وَأَصْبَحَ لَا يَعْبَأ بِهَا وَلَا يُبَالِي بِحَيَاتِهَا أَوْ مَوْتهَا وَسَعَادَتهَا أَوْ شَقَائِهَا وَكَانَتْ مُخْطِئَة فِيمَا ظَنَّتْ فَإِنَّ أَرْمَان لَمْ يَطَّلِع عَلَى اَلْكِتَاب اَلَّذِي أَرْسَلَتْهُ إِلَيْهِ مُنْذُ فَارَقَهَا فِي اَلْعَام اَلْمَاضِي وَسَافَرَ إِلَى نيس وَلَمْ يَسْتَطِعْ اَلْبَقَاء فِيهَا إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِل ثُمَّ مَلِكه اَلضَّجِر وَأَحَاطَتْ بِهِ اَلْوَحْشَة وَضَاقَتْ فِي وَجْهه مَذَاهِب اَلسَّلْوَى فَاسْتَأْذَنَ مِنْ أَبِيهِ أَنْ يُسَافِر إِلَى بَعْض بِلَاد اَلْمَشْرِق تَرْوِيحًا عَنْ نَفْسه وتفريحا مِنْ كُرْبَته فَأَذِنَ لَهُ فَسَافَرَ إِلَى اَلْإِسْكَنْدَرِيَّة فَأَقَامَ بِهَا بِضْعَة أَشْهُر كَاتِب أَبَاهُ فِيهَا قَلِيلًا ثُمَّ تَرَكَهَا وَأَخَذَ يَنْتَقِل فِي أَنْحَاء اَلْبِلَاد لَمْ يَنْزِل بِبَلْدَة حَتَّى يَطِير بِهِ اَلضَّجَر إِلَى غَيْره فَانْقَطَعَتْ رَسَائِله عَنْ أَبِيهِ فَأَصْبَحَ لَا يُعَلِّم مَكَان وُجُوده فَلِمَا أَرْسَلَتْ مَرْغِرِيت إِلَيْهِ كِتَابهَا فِي نيس قَرَأَهُ أَبُوهُ وَحَفَّظَهُ عِنْده وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُرْسِلهُ إِلَيْهِ وَمَرْغِرِيت لَا تَعْلَم بِشَيْء مِنْ ذَلِكَ فَحَزِنَتْ لِخَيْبَة أَمَلهَا حُزْنًا شَدِيدًا وَدُبّ اَلْيَأْس فِي قَلْبهَا رَبِيب اَلْمَوْت فِي اَلْحَيَاة وَوَقَعَ فِي نَفْسهَا أَنَّهَا سَتُخْرِجُ مِنْ اَلدُّنْيَا فَارِغَة اَلْيَد مِنْ كُلّ شَيْء حَتَّى مِنْ هَذِهِ اَلْأُمْنِيَة اَلَّتِي بَقِيَتْ فِي يَدهَا مِنْ بَيْن جَمِيع آمَالهَا اَلضَّائِعَة فَتُنْكِر شَأْنهَا وَاسْتَحَالَتْ جَالَهَا وَلَجَأَتْ إِلَى صَمْت طَوِيل لَا تَقُول فِيهِ خَيْرًا وَلَا شَرًّا وَأَصْبَحَتْ تَنْظُر إِلَى نَفْسهَا وَإِلَى مَا يُحِيط بِهَا مِنْ اَلْأَشْيَاء كَأَنَّهَا تَنْظُر إِلَى شَيْء تَنَكُّره وَلَا تَعَرُّفه فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا طَبِيبهَا وَهِيَ فِي أَشَدّ حَالَات أَلَمهَا فَلَا تَشْكُو لَهُ أَلَمًا أَوْ سَمِعَتْ ضَوْضَاء اَلدَّائِنِينَ وصخبهم مِنْ اَلرَّاحَة وَالسُّكُون رَكِبَتْ عَرَبَتهَا إِلَى بوجيفال فَزَارَتْ اَلْبَيْت اَلَّذِي قَضَتْ فِيهِ أَيَّام سَعَادَتهَا اَلذَّاهِبَة وَكَانَ لَا يَزَال بَاقِيًا عَلَى اَلصُّورَة اَلَّتِي تَرَكْتهَا عَلَيْهَا يَوْم فَارَقَتْهُ وَمَرَّتْ بِغُرَفِهِ وَقَاعَاته وَجَلَسَتْ

стр. 145

فِي كُلّ مَكَان كَانَتْ تَجْلِس فِيهِ مَعَ أَرْمَان وَأَشْرَفَتْ مِنْ كُلّ نَافِذَة كَانَ يُشْرِف مِنْهَا مَعَهَا وَقَبِلَتْ جَمِيع آثَاره وَبَقَايَاهُ وَلَثَمَتْ اَلْكَأْس اَلَّتِي كَانَ يَشْرَب بِهَا وَالزَّهْرَة اَلَّتِي كَانَ يُحِبّهَا وَالْقَلَم اَلَّذِي كَانَ يَكْتُب بِهِ وَالْكُتَّاب اَلَّذِي كَانَ يَقْرَأ فِيهِ فَإِذَا نَالَ مِنْهَا اَلتَّعَب جَلَسَتْ عَلَى بَعْض اَلْمَقَاعِد لِتَأْخُذ لِنَفْسِهَا رَاحَتهَا فَرُبَّمَا طَارَ بِهَا خَيَالهَا إِلَى ذَلِكَ اَلْعَهْد اَلْقَدِيم فَتُمَثِّل لَهَا أَنَّ أَرْمَان جَالَسَ تَحْت قَدَمَيْهَا يَسْرُد عَلَيْهَا حَادِثَة مِنْ حَوَادِث طُفُولَته فِي نيس أَوْ يَبُثّهَا مَا يُضْمِرهُ لَهَا فِي نَفْسه مِنْ اَلْوَجْد وَالْغَرَام فَتَبْتَسِم لِحَدِيثِهِ اِبْتِسَام اَلسَّعِيد اَلْهَانِئ وَتَسْتَشْعِر فِي نَفْسهَا لَذَّة لَا يَشْعُر بِمِثْلِهَا إِلَّا اَلْمُتَّقُونَ فِي جَنَّات اَلنَّعِيم ثُمَّ تَفْتَح عَيْنَيْهَا فَلَا تَرَى أَمَامهَا غَيْر اَلْوَحْشَة وَالسُّكُون وَالْوَحْدَة وَالِانْفِرَاد فَتُبْكِي مَا شَاءَ اَللَّه أَنْ تَفْعَل ثُمَّ تَعُود إِلَى بَيْتهَا فِي بَارِيس فَتَجْلِس عَلَى كُرْسِيّهَا بِجَانِب مِنْضَدَتهَا وَتُنَاجِي أَرْمَان فِي مُذَكِّرَاتهَا جَمِيع مَا تُحَدِّثهَا بِهِ نَفْسه كَأَنَّهُ حَاضِر بَيْن يَدَيْهَا يَرَاهَا وَيَسْمَعهَا

стр. 146

مُذَكِّرَات مَرْغِرِيت أَرْمَان: لَمْ تَكْتُب إِلَى وَلَمْ تَأْتِنِي كَأَنَّمَا ظَنَنْت أَنِّي أُرِيد أَنْ أَسْتَعِيد مَعَك عَهْد اَلْمَاضِي وَأَيْنَ أَنَا مِنْ ذَلِكَ اَلْعَهْد فَلَوْ رَأَيْتنِي لَرَأَيْت اِمْرَأَة ذَاهِبَة مُدَبِّرَة لَا تُصْلِح لِشَأْن مِنْ شُؤُون اَلْحَيَاة وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مِنْ صُورَتهَا اَلْمَاضِيَة إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ اَلزَّهْرَة اَلسَّاقِطَة عَنْ غُصْنهَا بَعْد مَا عَصَفَتْ اَلرِّيح بِأَوْرَاقِهَا وَكُلّ مَا كُنْت أُرِيدهُ مِنْك أَنَّ أَرَاك بِجَانِب فِرَاشِي فِي سَاعَتِي اَلْأَخِيرَة لِأَعْتَذِر لَك عَنْ ذَنْبِي اَلَّذِي أذنبته إِلَيْك ثُمَّ أنظر نَظْرَة وَدَاع أَغْمِضْ عَلَيْهَا جَفْنِي وَاذْهَبْ بِهَا إِلَيَّ قَبْرِي! مَا أَنَا بِخَائِنَة يَا أَرْمَان وَلَا خَادِعَة فَإِنَّ اَلرِّسَالَة اَلَّتِي رَأَيْتهَا فِي يَدِي يَوْم عُدْت إِلَى مَنْ مُقَابِلَة أَبِيك لَيْسَتْ رِسَالَة المركيز كَمَا ظَنَنْت بَلْ رِسَالَة أَبِيك نَفْسه وَصَلَتْ مِنْهُ قَبْل وُصُولك إِلَى بوجيفال بِسَاعَة وَاحِدَة وَهَذَا نَصّهَا اَلَّذِي لَا يَزَال عَالِقًا بِذِهْنِي حَتَّى اَلسَّاعَة: سَيِّدَتِي: أُرِيد أَنْ أُقَابِلك غَدًا فِي مَنْزِلك فِي اَلسَّاعَة اَلْعَاشِرَة صَبَاحًا فِي شَأْن خَاصّ بِي وَبِك وَأُرِيد أَلَّا يَكُون أَرْمَان حَاضِرًا تِلْكَ اَلْمُقَابَلَة وَلَا عَالِمًا بِهَا وَلَا بِأَنِّي أَرْسَلْت هَذِهِ اَلرِّسَالَة إِلَيْك وَلِي مِنْ حُسْن

стр. 147

اَلرَّأْي فِيك مَا يُطْمِعنِي فِي أَنْ يَكُون مَا سَأَلَتْك إِيَّاهُ سِرًّا بَيْنِي وَبَيْنك حَتَّى نَلْتَقِي وَالسَّلَام. فَلَمَّا قَرَأَتْهَا عَلِمَتْ مَاذَا يُرِيد مِنْ تِلْكَ اَلْمُقَابَلَة وَشَعَرَتْ بِمَا وَرَاءَهَا بَلْ عَلِمَتْ بِمَا دَارَ بَيْنك وَبَيْنه مِنْ اَلْحَدِيث وَأَنَّك أمتنعت عَلَيْهِ حَتَّى يَئِسَ مِنْك فَحَاوَلَ أَنْ يُدْخِل عَلَيْك مِنْ بَابِي فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنْ أَرْفُض مُقَابَلَته وَأَنْ أُكَاشِفك بِكُلّ شَيْء ثُمَّ اِسْتَحْيَيْت مِنْ نَفْسِي وَأَكْبَرْت اَلسِّرّ فَلَا يَجْحَدنِي عِنْد ظَنّه وَطَمِعَتْ فِي أَنْ أَنَال مِنْهُ عِنْد اَلْمُقَابَلَة مَا يَطْمَع أَنْ يَنَالهُ مِنِّي فَكَلَّمَتْك أَمْر اَلرِّسَالَة وَكَتَمَتْك مَا فِي نَفْسِي مِنْهَا وَلَمْ أَكُنْ كَاذِبَة فِي شَكَّاتِي وَأَلَمِي حِينَمَا قُلْت لَك فِي تِلْكَ اَللَّيْلَة إِنَّنِي لَا أَسْتَطِيع اَلْبَقَاء بِجَانِبِك وَسَأَلَتْك أَنْ تَقُودنِي إِلَى مَخْدَعِي فَقَدْ قَضَيْت فِي فِرَاشِي بَعْدَمَا فَارَقَتْك لَيْلَة لَمْ أَقْضِ مِثْلهَا فِي جَمِيع مَا مَرَّ بِي مِنْ لَيَالِي اَلْهُمُوم وَالْأَحْزَان حَتَّى اصبح الصابح فَأَلْحَحْت عَلَيْك أَنْ تَذْهَب لِمُقَابِلَة أَبِيك وَأَنَا أَعْلَم أَنَّك ذَهَبْت إِلَيْهِ لَا تَرَاهُ وَلَا تَنْتَفِع بِمُقَابَلَتِهِ إِنْ رَأَيْته وَلَكِنِّي خِفْت أَنْ يَزُورنِي فَيَرَاك عِنْدِي فَأَصْغَر فِي عَيْنَيْهِ وَلَا أَشَدّ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَات قَلِيلَة حَتَّى وَصَلَ إِلَى بوجيفال فِي اَلْمَوْعِد اَلَّذِي ضَرَبَهُ فِي كِتَابه فَاسْتَأْذَنَ عَلَى فَأَذِنَتْ لَهُ فَدَخَلَ فَرَايْت فِي عَيْنَيْهِ جَمْرَة مِنْ اَلْغَضَب تَلْتَهِب اِلْتِهَابًا فَلَمْ أَحْفُل بِهَا وَدَعْوَته لِلْجُلُوسِ فَلَمْ يَفْعَل وَلَمْ يُحْيِنِي بِيَدِهِ وَلَا بِوَلَدِي أَيَّتُهَا اَلسَّيِّدَة وَظَلَّ نَاظِرًا إِلَى نَظَرًا جَامِدًا سَاكِنًا لَا وَلَهْجَته اَلْجَافَّة اَلْخَشِنَة وَامْتَعَضَتْ فِي نَفْسِي اِمْتِعَاضًا شَدِيدًا حَتَّى

стр. 148

كِدْت أَقُول لَهُ وَلَا أَكْتُمك ذَلِكَ تَذْكُر يَا سَيِّدِي أَنَّك فِي مَنْزِلِي وَأَنَّنِي لَمْ أَدْعُك إِلَى زِيَارَتِي بَلْ أَنْتَ اَلَّذِي دَعَوْت نَفْسك بِنَفْسِك ثُمَّ ذَكَرَتْ مَكَانه مِنْك فَأَمْسَكَتْ عَنْ كُلّ شَيْء حَتَّى عَنَّ اَلْجَوَاب عَلَى سُؤَاله فَمَشَى يَضْرِب اَلْأَرْض بِعَصَاهُ وَبِقَدَمِهِ حَتَّى دَنَا مِنِّي وَأَلْقَى عَلَيَّ تِلْكَ اَلنَّظْرَة اَلَّتِي اِعْتَادَ اَلْأَشْرَاف اَلْمُتَرَفِّعُونَ أَنْ يُلْقُوهَا فِي طَرِيقهمْ عَلَى وُجُوه اَلنِّسَاء اَلْعَاهِرَات وَقَالَ لَقَدْ أَنْفَقَ وَلَدَيَّ عَلَيْك جَمِيع مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ اَلْمَال وَكَانَ فِي يَده اَلْكَثِير مِنْهُ ثُمَّ جَمِيع مَا أَرْسَلَتْهُ إِلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ وَقَدْ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَوْق طَاقَتِي فَلَمْ يَبْقَ فِي اِسْتِطَاعَته أَنْ يَمُدّك بِأَكْثَر مِمَّا أَمُدّك وَلَا فِي اِسْتِطَاعَتِي أَنْ استنزل لَهُ مِنْ اَلسَّمَاء ذَهَبًا يُمْطِرهُ عَلَيْك وَلَا فِي اِسْتِطَاعَتِي أَنْ أستنزل لَهُ مِنْ اَلسَّمَاء ذَهَبًا يُمْطِرهُ عَلَيْك فَدَعِيهِ وَشَأْنه فَالْبَلَد مَمْلُوء بِالْأَبْنَاءِ اَلَّذِينَ لَا يَحْتَاج آبَاؤُهُمْ إِلَيْهِمْ فَدَعِيهِ وَشَأْنه وَاَلَّذِينَ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْفُسهمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي فِي حَاجَة إِلَى وَلَدِي لِأَنِّي لَمْ أُرْزَق وَلَدًا سِوَاهُ وَمَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ هَذِهِ اَلثَّرْوَة مِنْ اَلْجِمَال اَلَّتِي تَمْلِكِينَهَا لَا يَضِيق بِهِ مَذْهَب مِنْ مَذَاهِب اَلْعَيْش وَلَا يَتَلَوَّى عَلَيْهِ مَأْرَب مِنْ مَآرِب اَلْحَيَاة فَسَرَّتْ كَلِمَاته فِي نَفْسَيْ سُرْيَان اَلْحُمَّى فِي عِظَام اَلْمَحْمُوم وَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ هَذَا اَلْمَائِل أَمَامِيّ لَا يُحَدِّثنِي وَإِنَّمَا يجزعني اَلسُّمّ بِيَدِهِ تجريعا وَشَعَرَتْ بِذِلَّة لَمْ أَشْعُر بِمِثْلِهَا فِي يَوْم مِنْ أَيَّام حَيَاتِي إِلَّا أَنَّنِي تَجَلَّدَتْ وَاسْتَمْسَكَتْ وَرَدَّدَتْ نَفْسِيّ عَلَى بِالْإِغْوَاءِ وَقَلَّتْ لَهُ بِصَوْت هَادِئ سَاكِن لَا يمازجه غَضَب وَلَا نزق يَا سَيِّدِي نَعَمْ إِنَّنِي أَحَبّ وَلَدك وَلَكِنِّي لَا اطمع فِيهِ وَلَوْ كَانَ اَلَّذِي يَعْنِينَ مِنْهُ اَلطَّمَع فِي مَاله لفارقته مُنْذُ ثَلَاثَة شُهُور أَيْ مُنْذُ خَلَتْ يَده مِنْ اَلْمَال وَأَصْبَحَ لَا يَجِد اَلسَّبِيل إِلَيْهِ بِحَال مِنْ اَلْأَحْوَال بَلْ لفارقته قَبْل ذَلِكَ لِأَنَّ اَلَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يُسَاوِمُونَنِي فِي نَفْسِي مِنْ أَشْرَاف هَذَا اَلْبَلَد وَنُبَلَائِهِ مُنْذُ اِتَّصَلَتْ بِهِ حتي اَلْيَوْم أَفْضَل مِنْهُ وَأَكْثَر رَغَدًا عَلَى أَنَّ وَلَدك لَمْ يُنْفِق عَلَيَّ مِنْ هَذَا اَلْمَال

стр. 149

اَلَّذِي تُذَكِّرهُ إِلَّا اَلنَّزْر اَلْقَلِيل وَرُبَّمَا أَنْفَقَ باقيه عَلَى نَفْسه وَلَوْ اِسْتَطَعْت أَنْ أَرْفُض ذَلِكَ اَلْقَلِيل وَآبَاهُ لَفَعَلَتْ وَلَكِنِّي كُنْت أَضَنّ بِهِ أَنْ يُدَاخِل نَفْسه مَا يُرِيبهَا أَوْ يُؤْلِمهَا فَقَبِلَتْ مِنْهُ هَدَايَاهُ اَلصَّغِيرَة اَلَّتِي كَانَ يُقَدِّمهَا إِلَى مَنْ حِين إِلَى حِين إرعاء عَلَيْهِ وَإِبْقَاء عَلَى عِزَّة نَفْسه وَكَرَامَتهَا وَلَوْ أَنَّ مَا كَانَ بِيَدِهِ مَنْ لِمَال اِنْتَقَلَ إِلَى يَدِي كَمَا تَقُول لَأَصْبَحَتْ غَنِيَّة مَوْفُورَة لَا أَحْمِل هُمَا مِنْ هُمُوم اَلْعَيْش وَلَا أُعَانِي مِنْ بَأْسَاء اَلْحَيَاة وَضَرَّائِهَا مَا أُعَانِيه اَلْيَوْم فَإِنَّنِي لَوْ تَبَيَّنْت أَمْرِي اِمْرَأَة فَقِيرَة معوزة لَا أَمَلّك مِنْ مَتَاع اَلدُّنْيَا إِلَّا حَلَّايَ وَمَرْكَبَتِي وَأَثَاث بَيْتِيّ وَلَيْتَهَا كَانَتْ خَالِصَة لِي فَقَدْ اِمْتَدَّتْ يَد اَلضَّرُورَة إِلَيْهَا مُنْذُ عَهْد قَرِيب فَأَصْبَحَ اَلْكَثِير مِنْهَا سِلْعَة فِي يَد اَلْمُرَابِينَ وَلَا أُعَلِّم مَا يَأْتِي بِهِ اَلْغَد وَإِنْ أَبَيْت إِلَّا أَنْ أَتَعَرَّف ذَلِكَ بِنَفْسِك بِالْإِغْوَاءِ عَلَى مَا كَتَمَتْهُ عَنْ اَلنَّاس جَمِيعًا حَتَّى عَنَّ وَلَدك ثُمَّ قُمْت إِلَى خِزَانَة أَوْرَاقِي فَجِئْته مِنْهَا بِالصُّكُوكِ وَالْوَثَائِق اَلْمُشْتَمِلَة عَلَى بَيْع مَا بِعْت مِنْ جَوَاهِرِيّ وَخُيُولِي وَأَثَاث بَيْتِيّ وَرَهْن مَا رَهَنَتْ مِنْهَا فَظَلَّ يَقْبَلهَا بَيْن يَدَيْهِ سَاعَة وَيَتَأَمَّل فِي تَارِيخهَا طَوِيلًا ثُمَّ طَوَاهَا وَأَعَادَهَا إِلَى مُطْرِقًا صَامِتًا لَا يَقُول شَيْئًا وَمَدّ يَده إِلَى كُرْسِيّ بَيْن يَدَيْهِ فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ مُعْتَمِدًا بِرَأْسِهِ عَلَى عَصَاهُ وَقَدْ هَدَّأَتْ فِي نَفْسه تِلْكَ اَلثَّوْرَة اَلَّتِي كَانَتْ تَضْطَرِم وَتَعْتَلِج مُنْذُ دُخُوله وَطَارَتْ عَنْ وَجْهه تِلْكَ اَلْغَيْرَة اَلسَّوْدَاء اَلَّتِي كَانَتْ تُظَلِّلهُ مِنْ قَبْل فَعُدْت إِلَى حَدِيثِي مَعَهُ أَقُول عَلَى أَنَّنِي يَا سَيِّدِي غَيْر شَاكِيَة وَلَا نَاقِمَة فَقَدْ مَرَّ بِي مِنْ نوب اَلْأَيَّام وأرزائها مَا مَحَا مِنْ نَفْسَيْ كُلّ شَهْوَة مِنْ شَهَوَات اَلْحَيَاة وَأَنْسَانِي جَمِيع مَظَاهِر اَلدُّنْيَا وَمَفَاخِرهَا فَأَصْبَحَتْ لَا أُبَالِي بِمَا تَأْتِي بِهِ اَلْأَيَّام وَسَوَاء لَدَيَّ اَلْفَقْر وَالْغِنَى وَالْحُلِيّ وَالْعِطْر وَسُكْنَى اَلْقَصْر وَسُكْنَى اَلْكُوخ وَرُكُوب اَلْمَرْكَبَة وَرُكُوب

стр. 150

اَلنَّعْل وَكُلّ مَا أَرْجُوهُ مِنْ حَيَاتِي وَأَضْرَع إِلَى اَللَّه وَإِلَيْك فِيهِ أَنْ أَرَى أَرْمَان يُقَاسِمنِي هُمْ اَلْحَيَاة وَبُؤْسهَا وَيَعْنِينِي عَلَى شِدَّتهَا فُسْحَة قَضِيَّتهَا فِي شُكْرك وَحَمْدك وَالْإِخْلَاص لَك فِي سَرَى وَعَلَنِيّ وَإِنْ كَانَتْ اَلْأُخْرَى كَانَ آخَر مَا ; طَلَّقَ بِهِ فِي سَاعَتِي اَلْأَخِيرَة أَنْ أَدْعُو لَك اَللَّه تَعَالَى ضارعة مُبْتَهِلَة أَنْ يُبَارِك لَك فِي نَفْسك وَفِي أَهْلك وَأَنْ يُسْبِل سِتْره الضافي عَلَيْك فِي حَاضِرك وَمُسْتَقْبَلك. ثُمَّ جَثَوْت بَيْن يَدَيْهِ وَتَعَلَّقْت بِأَهْدَاب ثَوْبه وَقَدْ عَجَزَتْ فِي تِلْكَ اَلسَّاعَة عَنْ أَنَّ أَمَلك مِنْ دُمُوعِي مَا كُنْت مَالِكَة مِنْ قَبْل فَظَلِلْت أَبْكِي وَأَقُول. رَحِمَاك يَا مَوْلَايَ إِنَّنِي اِمْرَأَة بَائِسَة مِسْكِينَة قَدْ قَضَتْ عَلَيَّ بَعْض ضَرُورَات اَلْعَيْش فِي فَاتِحَة حَيَاتِي أَنْ أَقِف عَلَى حَافَّة تِلْكَ اَلْهُوَّة اَلَّتِي يَقِف عَلَى رَأْسهَا اَلنِّسَاء اَلْجَائِعَات فَسَقَطَتْ فِيهَا كَارِهَة مُرْغَمَة ثُمَّ أَرَدْت نَفْسِي عَلَى اَلرِّضَا بِتِلْكَ اَلْحَيَاة اَلَّتِي قَدَّرَهَا اَللَّه لِي فَلَمْ أَسْتَطِعْ فَأَصْبَحَتْ فِي مَنْزِلَة بَيْن اَلْمَنْزِلَتَيْنِ لَا أَنَا شَرِيفَة أَنْعَم بِعَيْش اَلنِّسَاء اَلشَّرِيفَات وَلَا مَيِّتَة اَلْقَلْب أَسْعَد سَعَادَة اَلْفَتَيَات اَلسَّاقِطَات وَقَدْ وَجَدَتْ فِي وَلَدك اَلرَّجُل اَلْوَحِيد اَلَّذِي أَحَبَّنِي لِنَفْسِي وَمَنَحَنِي مِنْ وِدّه وَإِخْلَاصه مَا ضَنَّ بِهِ عَلَى اَلنَّاس جَمِيعًا فَأَنِسَتْ بِهِ أُنْسًا أَنْسَانِي سُقُوطِي وَعَارِي وَحَبَّبَ إِلَيَّ اَلْحَيَاة بَعْد مَا أَبْغَضَتْهَا وَبَرَمَتْ بِهَا وَكِدْت أَقْضِي عَلَى نَفْسِي بِالْخَلَاصِ مِنْهَا فَلَا تَحْرِمنِي جِوَاره وَلَا تُفَرِّق بَيْنِي وَبَيْنه فَإِنَّك إِنْ فَعَلْت أَشْقَيْتنِي وَبَرِحْت بِي وَمَلَأْت حَيَاتِي هَمَدَا وَكَمَّدَا وَأَنْتَ أَجْل مَنْ أَنْ تَرْضَيْ لِنَفْسِك بِأَنَّ تَبَنِّي سَعَادَتك وَهَنَاءَك عَلَى شَقَاء اِمْرَأَة مِسْكِينَة مِثْلِي.

стр. 151

مَاذَا يَكُون مَصِيرِيّ غَدًا إِذَا أَصْبَحَتْ وَحَيْدَة مُنْقَطِعَة فِي هَذَا اَلْعَالَم لَا صَدِيق لِي وَلَا مُعَيَّن أَعُود إِلَى حَيَاتِي اَلَّتِي أُبَغِّضهَا وَأَخْشَاهَا فَأَعُود إِلَى جَرَائِمِي وَآثَامِي أَمْ اُقْتُلْ نَفْسِي بِيَدِي فِرَارًا مِنْ شَقَاء اَلدُّنْيَا وبرئها فَأَخْتِم حَيَاتِي بِأَقْبَح مَا خَتَمَ اِمْرُؤ بِهِ حَيَاته لَا استطيع وَاحِدَة مِنْ هَاتَيْنِ فَأُمَدِّد إِلَيَّ يَدك اَلْبَيْضَاء وَأَنْقَذَنِي مِنْ هَذِهِ اَلْهُوَّة اَلْعَمِيقَة اَلَّتِي لَا يَسْتَطِيع أَحَد أَنْ يُنْقِذنِي مِنْهَا سِوَاك. أَنَا أَعْلَم فِي حَاجَة إِلَى وَلَدك وَأَنَّك أَوْلَى بِهِ مِنْ كُلّ مَخْلُوق عَلَى وَجْه اَلْأَرْض وَلَكِنِّي أَعْلَم أَنَّك شفوق رَحِيم لَا تَأْبَيْ أَنْ تَتَصَدَّق عَلَى اِمْرَأَة مَرِيضَة بَائِسَة مِثْلِي بِسَاعَات مِنْ اَلسَّعَادَة تَتَعَلَّل بِهَا فِي مَرَضهَا اَلَّذِي تُكَابِدهُ حَتَّى يُوَافِيهَا أَجْلهَا لَا أَسْأَلك يَا سَيِّدِي مَالًا وَلَا نَسَبًا وَلَا عِرْضًا مِنْ أَعْرَاض اَلْحَيَاة بَلْ أَسْأَلك أَنْ تَأْذَن لِأَرْمَان بِالْبَقَاءِ مَعِي فَإِنَّ بَقَائِهِ بَقَاء حَيَاتِي وَسَعَادَتِي فَتُصَدِّق بِهِمَا عَلَيَّ إِنَّك مِنْ اَلْمُحْسِنِينَ. وَهُنَا شَعَرَتْ كَأَنَّهُ يَتَحَدَّك فِي كرسية فَخَفْق قَلْبِيّ خَفَقَانًا شَدِيدًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه وَنَظَرَ إِلَيَّ نَظْرَة أَهْدَأ نَارًا وَأَقْصَر شُعَاعًا مَنْ نَظَّرَتْهُ اَلْأُولَى وَقَالَ وَمِنْ أَيْنَ تَعِيشَانِ ? قُلْت عِنْدِي بَقِيَّة مِنْ جَوَاهِرِي وَحَلَّايَ سَأَبِيعُهَا وَأَعِيش بِثَمَنِهَا مَعَهُ فِي زَاوِيَة مِنْ زَوَايَا بَارِيس عَيْش اَلْفُقَرَاء اَلْمُقِلِّينَ لَا يَرَانَا أَحَد وَلَا يَشْعُر بِوُجُودِنَا شَاعِر وَحَسْبنَا اَلْحُبّ سَعَادَة نَعْنِي بعا عَنْ كُلّ سَعَادَة فِي هَذَا اَلْعَالَم وَهَنَاءَهُ. قَالَ: ذَلِكَ هُوَ اَلشَّقَاء بِعَيْنِهِ فَإِنَّ اَلْحُبّ نَبَات ظِلِّي تَقْتُلهُ شَمْس اَلشَّقَاء اَلْحَارَة وَكُلّ سَعَادَة فِي اَلْعَالَم غَيْر مُسْتَمَدَّة مِنْ سَعَادَة اَلْمَال أَوْ لَاجِئَة إِلَى ظِلَاله فَهِيَ كَاذِبَة لَا وُجُود لَهَا إِلَّا فِي سوانح اَلْخَيَال.

стр. 152

أَنْتُمَا اَلْيَوْم سَعِيدَانِ لِأَنَّ فِي يَدكُمَا مَالًا تَعِيشَانِ بِهِ وَلِأَنَّكُمَا تَسْكُنَانِ هَذَا اَلْمَنْزِل اَلْبَدِيع فَوْق هَذِهِ اَلْهَضْبَة اَلْعَالِيَة بِجَانِب هَذِهِ اَلْبُحَيْرَة اَلْجَمِيلَة فَإِذَا خَلَتْ يَدكُمَا مِنْ اَلْمَال وَحَرَّمْتُمَا هَذَا اَلنَّعِيم لِذِي تَنْعَمَانِ بِهِ بِالْإِغْوَاءِ وَلَكُمَا شَأْن نَفْسَيْكُمَا عَنْ شَأْن اَلْحُبّ ولذائذه وَسَرَى إِلَى نَفْسَيْكُمَا اَلضَّجَر وَالْمَلَل وَرُبَّمَا اِمْتَدَّتْ تِلْكَ اَلسَّآمَة بَيْنكُمَا إِلَى أَبْعَد غَايَتهَا. إِنَّ لِلْحُبِّ فُنُونًا مِنْ اَلْجُنُون وَأَقْبَح فُنُونه أَنْ يَعْتَقِد اَلْمُتَحَابَّانِ أَنَّ حُبّهمَا دَائِم لَا تُغَيِّرهُ حَوَادِث اَلْأَيَّام وَلَا تَنَال مِنْهُ اَلصُّرُوف وَالْغَيْر وَلَوْ عَقْلَا لَعَلَّمَا أَنَّ اَلْحُبّ لَوْن مِنْ أَلْوَان اَلنَّفْس وَعَرْض مِنْ أَعْرَاضهَا اَلطَّائِرَة تَأْتِي بِهِ شَهْوَة وَتَذْهَب بِهِ أُخْرَى وَلَا يَذْهَب بِهِ اَلْمَثَل مِثْل اَلْفَاقَة إِذَا اِشْتَدَّتْ وَاسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتهَا فَإِنَّ اَلنَّفْس تُطَالِب حَيَاتهَا وَبَقَاءَهَا قَبْل أَنْ تَطْلُب لذائذها وَشَهَوَاتهَا ? أَنَا أَعْلَم مِنْ شَأْن وَلَدِي يَا سَيِّدَتِي مَا لَا تُعَلِّمِينَ وَأَعْلَم أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَعِيش هَذِهِ اَلْعِيشَة النكداء اَلَّتِي تَظُنِّينَ وَهُوَ فَتَى فَقِير لَا يَمْلِك مِنْ اَلدُّنْيَا إِلَّا قِطْعَة صَغِيرَة مِنْ اَلْأَرْض وَرِثَهَا عَنْ أُمّه لَا تُغْنِي عَنْهُ وَلَا عَنْك شَيْئًا وَمَا أَنَا بِذِي ثَرْوَة طَائِلَة استطيع أَنْ أَحْفَظ لَهُ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا هَذَا اَلْعَيْش اَلسَّعِيد اَلرَّغْد اَلَّذِي يَعِيشهُ اَلْيَوْم فِي بَارِيس فَلَمْ يَبْقَ بَيْن يَدَيْهِ إِلَّا أَنْ يَعِيش بِمَالِك وَهُوَ مَا لَا أَرْضَاهُ لَهُ وَلَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ وَاسْمَحِي لِي يَا سَيِّدَتِي أَنْ أَقُول لَك إِنَّ جَمِيع مَصَائِب اَلدُّنْيَا وأرزائها أَهْوَن عَلَيَّ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقُول اَلنَّاس إِنَّ خَلِيلَة أَرْمَان دوفال قَدْ بَاعَتْ جَوَاهِرهَا وَحَلَّاهَا اَلَّتِي أَهْدَاهَا إِلَيْهَا عُشَّاقهَا اَلْمَاضُونَ لِتُنْفِق ثَمَنهَا عَلَيْهِ سَامِحِينِي يَا بُنِّيَّتِي واغتفري لِي حِدَّتِي وَخُشُونَتِي فَإِنَّ شَدِيدًا

стр. 153

جِدًّا عَلَى وَالِد شَيْخ مَثَلِي أَنْ يَرَى وَلَده اَلَّذِي وَضَعَ فِيهِ كُلّ آمَال بَيْته يَهْوَى أَمَام عَيْنَيْهِ فِي هَذِهِ اَلْهُوَّة اَلسَّحِيقَة اَلَّتِي لَا قَرَار لَهَا دُون أَنْ يَطِير قَلْبه خَوْفًا وَهَلَعًا. أَنَّهُ مُنْذُ عَرَفَك نَسِيَنِي وَنَسِيَ أُخْته فَلَا يُذَكِّرنِي وَلَا يُذَكِّرهَا وَقَدْ مَرِضَتْ مُنْذُ شُهُور رِضَا مُشَرِّفًا فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِي لِيَعُودَنِي فَلَمْ يَفْعَل وَلَمْ يُرِدْ عَلَى كِتَابِي أَيّ أَنَّنِي كُنْت عَلَى وَشْك أَنْ أَمُوت وَلَا أَرَاهُ وَلَوْ تَمَّ ذَلِكَ لَذَهَبَتْ إِلَى قَبْرِي بِحَسْرَة لَمْ يَحْمِل مَثَلهَا فِي صَدْره رَاحِل عَنْ اَلدُّنْيَا مِنْ قَبْلِي. أَنْتِ صَادِقَة يَا سَيِّدَتِي فد قَوْلك إِنَّهُ لَمْ يُنْفِق عَلَيْك جَمِيع مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ اَلْمَال لِأَنَّنِي عَلِمْت بِالْأَمْسِ أَنَّهُ قَامَرَ مُنْذُ عَهْد قَرِيب وَخَسِرَ فِي مُقَامَرَته كَثِيرًا كَمَا عَلِمَتْ أَنَّك لَا تُعَلِّمِينَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَمَا يُؤَمِّننِي إِنْ أَنَا تَرَكَتْهُ فِي هَذَا اَلْبَلَد أَلَّا يَسْتَمِرّ فِي هَذِهِ اَلْغَوَايَة اَلْجَدِيدَة اَلَّتِي خَطَا اَلْخَطَوَات اَلْأُولَى فِي طَرِيقهَا وَلَا يَخْسَر فِي بَعْض مَوَاقِفه خَسَارَة عُظْمَى لَا أَجُدْ لِي بَدَا مِنْ أَنَّ آخِذ بِيَدِهِ فِيهَا فَأُقَدَّم إِلَيْهِ ذُخْر شَيْخُوخَتِي وَمَهْر اِبْنَتِي فَنَهْلَك نَحْنُ اَلثَّلَاثَة فِي يَوْم وَاحِد ? مِنْ أَيْنَ لَك يَا بُنِّيَّتِي أَنَّهُ إِنْ طَالَ عَهْده بِك لَا يَمْلِك وَلَا تَمْتَدّ عَيْنه إِلَى اِمْرَأَة سِوَاك فَتَكُون فَجِيعَتك فِيهِ غَدًا شَرًّا مِنْ فَجِيعَتك فِيهِ اَلْيَوْم وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّك لَا تَضِيقِينَ ذَرْعًا يَوْمًا مِنْ اَلْأَيَّام بِعِيشَة اَلْوَحْشَة وَالْوَحْدَة فَتَحِنِّينَ إِلَى حَيَاتك اَلْأُولَى حَيَاة اَلْأُنْس وَالِاجْتِمَاع وَالضَّوْضَاء واللجب وَهُوَ فَتِيّ غَيُور مستطار فَرُبَّمَا أَنِفَتْ نَفْسه أَنْ يُزَاحِمهُ فِيك مُزَاحِم وَرُبَّمَا اِمْتَدَّتْ يَده بَشَر إِلَى ذَلِكَ اَلَّذِي يُزَاحِمهُ فَتَنَازَلَا فَأَصَابَتْهُ مِنْ يَد مَنَازِله ضَرْبَة تَقْضِي عَلَى حَيَاته وَتُفْجِعنِي فِيهِ؟

стр. 154

كَيْفَ يَكُون مَوْقِفك يَا سَيِّدَتِي غَدًا إِنْ نَفَذَ فِيهِ هَذَا اَلسَّهْم مِنْ اَلْقَضَاء أَمَام هَذَا اَلْأَب الثاكل اَلْمِسْكِين إِذَا جَاءَك يَسْأَلك عَنْ دَم وَلَده ? وَكَيْفَ تَكُون آلَام نَفْسك ولواعجها أَمَام مَشْهَد بُكَائِهِ وَتُفْجِعهُ ? ثُمَّ أَرْتَعِش اِرْتِعَاشًا شَدِيدًا وَظَلَّ نَظَره حَائِرًا مُضْطَرِبًا كَأَنَّمَا يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى أَمَام عَيْنَيْهِ ذَلِكَ اَلْمَنْظَر اَلَّذِي يَتَحَدَّث عَنْهُ ثُمَّ سَكَنَ قَلِيلًا وَنَظَر إِلَى نَظْرَة هَادِئَة مَمْلُوءَة عَطْفًا وَحَنَانًا وَأَنْشَأَ يَقُول: مَرْغِرِيت ? أَنْتَ أَعْظَم فِي عَيْنِي مِمَّا كُنْت أَظُنّ وَأَكْرَم نَفْسًا مِنْ أُولَئِكَ اَلنِّسَاء اَللَّوَاتِي يَزْعُمْنَ أَنَّك وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَقَدْ وَجَدْت فِيك مِنْ فَضَائِل اَلنَّفْس وَمَزَايَاهَا مَا لَمْ أَجِدهُ إِلَّا قَلِيلًا فِي أَفْذَاذ اَلرِّجَال وَأَقَلّ مِنْ اَلْقَلِيل فِي فُضْلَيَات اَلنِّسَاء وَلَوْ قِسْم اَلشَّرَف بَيْن اَلنَّاس عَلَى مِقْدَار فَضَائِلهمْ وَصِفَاتهمْ لَكَانَ نَصِيبك مِنْهُ أَوْفَر اَلْأَنْصِبَة وَأَوْفَاهَا. لَا أَنْسَى لَك يَا مَرْغِرِيت مَا دُمْت حَيًّا كِتْمَانك أَمْر اَلْكُتَّاب اَلَّذِي أَرْسَلَتْهُ إِلَيْك وَاحْتِفَاظك بِسِرِّهِ فِي سَاعَة تَتَفَرَّج فِيهَا اَلصُّدُور عَنْ مَكْنُونَاتهَا وَلَا سُكُوتك وإعضاءك وَأَنْتَ فِي مَنْزِلك وَمَوْضِع أَمْرك وَنَهْيك أَمَام حِدَّتِي وَخُشُونَتِي وَجُنُون غَضَبِي وَلَا بِذَلِكَ مَا بِذَلِكَ مِنْ ذَات نَفْسك وَذَات يَدك لِوَلَدِي مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَم وَفَاء لَهُ إِبْقَاء عَلَى عِزَّة نَفْسه وَكَرَامَتهَا. لَقَدْ كَانَتْ ضَحِيَّتك اَلَّتِي قَدَّمَتْهَا لِوَلَدِك بِالْأَمْسِ عَظِيمَة جِدًّا وَالْيَوْم جِئْتُك أَطْلُب إِلَيْك أَنْ تُقَدِّمِي ضَحِيَّة أَعْظَم مِنْهَا لِابْنَتِي وَلَا مُعْتَمِد لِي أَعْتَمِد عَلَيْهِ فِي تَلْبِيَة رَجَائِي عِنْدك إِلَّا شَرَف نَفْسك وَفَضِيلَتهَا.

стр. 155

لَقَدْ تَرَكَتْ سوسان وَرَائِي تَتَقَلَّب عَلَى فِرَاش اَلْمَرَض وَتُكَابِد مِنْهُ فَوْق مَا يَحْتَمِل جِسْمهَا اَلنَّاس اَلْعَضّ لِأَنَّ خَطِيبهَا اَلَّذِي تُحِبّهُ حُبًّا جَمًّا قَدْ هَجَرَهَا مُنْذُ شَهْرَيْنِ فَلَا يَزُورهَا وَلَا تَرَاهُ وَقَدْ كُنْت أَجْهَل قَبْل اَلْيَوْم سَبَب مَرَضهَا إِلَّا اَلظَّنّ وَالتَّقْدِير حَتَّى سَهِرَتْ بِجَانِب أَجْهَل قَبْل اَلْيَوْم سَبَب مَرَضهَا إِلَّا اَلظَّنّ وَالتَّقْدِير حَتَّى سَهِرَتْ بِجَانِب فِرَاشهَا لَيْلَة كَانَتْ اَلْحُمَّى فِيهَا قَدْ نَالَتْ مِنْهَا مَنَالًا عَظِيمًا وَوَصَلَتْ بِهَا إِلَى دَرَجَة اَلْخَيْل وَالْهَذَيَان فَسَمِعْتهَا تَهْتِف بِاسْم خَطِيبهَا مَرَّات كَثِيرَة وَتَبْكِي كُلَّمَا جَرَى ذِكْره عَلَى لِسَانهَا كَأَنَّهَا حَاضِرَة مستفيقة فَعَلِمَتْ مَوْضِع دَائِهَا وَذَهَبَتْ فِي اَلْيَوْم اَلثَّانِي إِلَى وَالِد ذَلِكَ اَلْخَطِيب أَسْأَلهُ عَمَّا وَلَدَهُ مِنْ أَمْر اِبْنَتِي وَقِطَعه عَنْ زِيَارَتهَا فَذِكْر لِي سَبَبًا غَرِيبًا لَك فِيهِ يَا سَيِّدَتَيْ بَعْض اَلشَّأْن فَانٍ أَذِنَتْ لِي حَدَّثَتْك حَدِيثه. فَخَفْق قَلْبِيّ خَفَقَانًا شَدِيدًا وَأَحْسَسْت بِالشَّرِّ يَدْنُو مِنِّي رُوَيْدًا رُوَيْدًا إِلَّا أَنَّنِي تَمَاسَكْت وَقُلْت لَهُ نَعَمْ آذَن لَك يَا سَيِّدِي قَالَ لَقَدْ أَجَابَنِي اَلرَّجُل عَلَى سُؤَالَيْ بُقُوله إِنَّ أُسْرَتَيْ أُسْرَة شَرِيفَة لَا تُصَاهِر إِلَّا أُسْرَة شَرِيفَة مِثْلهَا مِنْ جَمِيع وُجُوههَا وَقَدْ عَرَفَتْ أُسْلُوب اَلْمَعِيشَة اَلسَّافِلَة اَلَّتِي يَعِيشهَا وَلَدك فِي بَارِيس إِنَّهُ يُعَاشِر مُنْذُ عَهْد طَوِيل اِمْرَأَة مُومِسًا مَعْرُوفَة هُنَاكَ مُعَاشَرَة تُهْتَك وَتُبْذَل يَشْهَدهَا اَلنَّاس جَمِيعًا وَلَا أَسْمَح لِنَفْسِي إِنَّ يَكُون مِثْل وَلَدك فِي تَبْذُلهُ وَاسْتِهْتَاره وَصِغَر نَفْسه وفسولتها صِهْرًا لِوَلَدِي وَلَا عَارًا عَلَى اِبْنَتِي فَاسْتَقْبَلَتْ خُشُونَته وَجَفَاءَهُ بِصَبْر وَاحْتِمَال لِأَنَّ اَلْخَوْف عَلَى اِبْنَتِي شَغَلَنِي عَنْ اَلْغَضَب لِنَفْسِي وَقُلْت لَهُ أواثق أَنْتَ مِمَّا تَقُول فَأَدْلَى لِي بِمَا أَقْنَعَنِي فَلَمْ أَرَ بُدًّا مِنْ أَنَّ أَسْلَم لَهُ بِصَوَاب مَا فُعِلَ وَسَأَلَتْهُ أَنْ لَا يَبُتّ فِي

стр. 156

أَمْر اَلْخُطْبَة شَيْئًا حَتَّى أُسَافِر إِلَى بَارِيس وَأَعُود مِنْهَا. ذَلِكَ مَا حَمَلَنِي عَلَى اَلْمَجِيء إِلَى بَارِيس وَهَذِهِ هِيَ قِصَّتِي اَلَّتِي جِئْت أَعْرَضهَا عَلَيْك وَأَنْتَظِر حُكْمك فِيهَا وَقَدْ كَتَمَتْهَا عَنْ اَلنَّاس جَمِيعًا حَتَّى عَنَّ وَلَدِي أَرْمَان فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ? وَهُنَا أَطْرُق بِرَأْسِهِ طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَهَا فَإِذَا عَبْرَة تَتَرَقْرَق فِي عَيْنَيْهِ وَإِذَا هُوَ يُحَاوِل اَلْكَلَام فَلَا يَسْتَطِيعهُ فَرَحْمَته مِمَّا بِهِ وَأَعْظَمَتْ مُصَابه حَتَّى نَسِيَتْ مُصَابِي بِجَانِبِهِ وَسَادَ اَلسُّكُون بَيْننَا سَاعَة لَا يوقل لِي شَيْئًا وَلَا أَدْرِي مَاذَا أَقُول لَهُ حَتَّى هَدَأَ ثَائِره قَلِيلًا فَمَدَّ يَده إِلَى يَدِي فَأَخَذَهَا بَيْن ذِرَاعَيْهِ وَعَاد إِلَى حَدِيثه يَقُول: مَرْغِرِيت إِنَّ حَيَاة اِبْنَتِي بَيْن يَدَيْك فَامْنَحِينِي إِيَّاهَا تَتَّخِذِي عِنْدِي يَدًا لَا أَنْسَاهَا لَك حَتَّى اَلْمَوْت. إِنَّنِي لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَرَاهَا تَمُوت بَيْن يَدِي وَلَوْ تَمَّ ذَلِكَ لَمَّتْ عَلَى أَثَرهَا حُزْنًا وَكَمَدًا وَضِمْنًا فِي يَوْم وَاحِد قَبْر وَاحِد لَقَدْ رَأَيْت مَصْرَع أُمّهَا مُنْذُ خَمْس سِنِينَ وَلَا يَزَال أَثَره بَاقِيًا فِي نَفْسِي حَتَّى اَلْيَوْم وَلَا أَسْتَطِيع أَنْ أَرَى هَذَا اَلْمَشْهَد مَرَّة أُخْرَى فِي اِبْنَتهَا وَصُورَتهَا اَلْبَاقِيَة عِنْد مَنْ بَعْدهَا. إِنَّنِي أُحِبّهَا حُبًّا جَمًّا وَلَا أَسْتَطِيع أَنْ أَرَاهَا فِي سَاعَة مِنْ سَاعَاتهَا حَزِينَة أَوْ مُكْتَئِبَة فَكَيْفَ أَنْ أَرَاهَا تُعَالِج سَكَرَات اَلْمَوْت! إِنَّك لَا تُعَرِّفِينَهَا يَا مَرْغِرِيت وَأَعْتَقِد أَنَّك لَوْ رَأَيْتهَا لأحببتها كَمَا أَحَبَّهَا وَلِرَحْمَتِهَا كَمَا أَرْحَمهَا وَلِفِدْيَتِهَا بِمَا تَسْتَطِيعِينَ رَأْفَة

стр. 157

إِنَّهَا جَمِيلَة جِدًّا وَبَيْضَاء مِثْل اَلْكَوْكَب وَطَاهِرَة طَهَارَة اَلْمَلِك وغريرة غرارة اَلطِّفْل فَاسْمَحِي لِهَذِهِ اَلْحَيَاة اَلْغَضَّة اَلزَّاهِرَة بِالْبَقَاءِ وَالسَّعَادَة فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقّ اَلشَّقَاء. إِنَّهَا اَلْيَوْم تَعِيش بِالْأَمَلِ اَلَّذِي أَوْدَعَتْهُ قَلْبهَا يَوْم سَفَرِي فَإِنْ عُدْت إِلَيْهَا بِالْخَيْبَةِ عُدْت إِلَيْهَا بِالْيَأْسِ اَلْقَاتِل وَالْقَضَاء اَلنَّازِل. إِنَّك تُحِبِّينَ أَرْمَان يَا مَرْغِرِيت وَقَدْ أَصْبَحَتْ أَعْتَقِد أَنَّك مُخْلِصَة فِي حُبّه إِخْلَاصًا عَظِيمًا فَاصْنَعِي مَا يَصْنَع اَلْمُحِبُّونَ اَلْمُخْلِصُونَ وَضَحِّي حُبّك مِنْ أَجْله وَمِنْ أَجْل مُسْتَقْبَله فَإِلَّا تَفْعَلِي ذَلِكَ مِنْ أَجْله فَافْعَلِيهِ مِنْ أَجْلِي. لَقَدْ قُلْت لِي إِنَّهُ اَلرَّجُل اَلْوَحِيد اَلَّذِي أَحَبَّك لِنَفْسِك أَكْثَر مِمَّا أَحَبَّك لِنَفْسِهِ فَبَادِلِيهِ هَذَا اَلْحُبّ بَلْ كَوْنِي خَيْرًا مِنْهُ فِيهِ وَلْيَكُنْ عَزَاؤُك عَمَلَا تَلَاقِيهِ بَعْد فِرَاقه مِنْ حُزْن وَأَلَم أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ سَعِيدًا مَنْ بَعْدك وَأَنَّك قَدْ أَنْقَذْت مِنْ يَد اَلْمَوْت فَتَاة مِسْكِينَة وَمِنْ يَد اَلشَّقَاء شَيْخَا حرينا وَهُنَا أَخْتَنِق صَوْته بِالْبُكَاءِ فَهَبَطَ عَلَى كُرْسِيّه بَيْن يَدِي وَقَالَ بِنَغْمَة اَلْمُشْرِف اَلْمُحْتَضِر: اِرْحَمِينِي يَا مَرْغِرِيت واشفقي عَلَى ضِعْفِي وَشَيْخُوخَتِي وَتَصَدَّقِي عَلَيَّ بِمُسْتَقْبَل وَلَدِي وَحَيَاة اِبْنَتِي. ثُمَّ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُول بَعْد ذَلِكَ شَيْئًا فَأَلْقَى رَأْسه عَلَى كُرْسِيّه اَلَّذِي كَانَ جَالِسَا عَلَيْهِ وَانْفَجَرَ بَاكِيًا. آه لَوْ رَأَيْتنِي يَا أَرْمَان فِي مَوْقِفِي هَذَا وَرَأَيْت لَوْعَتِي وتفجعي

стр. 158

وَدُمُوعِي اَلْمُنْهَمِرَة فِي خَدِّي انهمار الديمة الوطفاء رَحْمَة بِأَبِيك وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِ. لَقَدْ كَانَ يَتَكَلَّم فَتَسِيل مَدَامِعِي مَعَ حُرُوفه وَكَلِمَاته كَأَنَّمَا هُوَ يَنْشُد مريثة مُحْزِنَة أَنَا اَلْمُبْكِيَة عَلَيْهَا فِيهَا ? إِنَّ اَلْعَظِيم عَظِيم فِي كُلّ شَيْء حَتَّى فِي أَحْزَانه وَآلَامه فَلَقَدْ كَانَ يُخَيَّل إِلَى وَأَبُوك يُبْكِي بَيْن يَدِي وَيَنْتَحِب أَنَّ كُلّ دَمْعَة مِنْ دُمُوعه تستنزل غَضَب اَللَّه عَلَى اَلْأَرْض وَكُلّ زَفْرَة مِنْ زَفَرَاته تَلْتَهِب بِهَا آفَاق اَلسَّمَاء. لَقَدْ أَكْبَرَتْ فِي نَفْسِي جَدًّا أَنْ يَجْثُو مِثْل هَذَا اَلشَّيْخ اَلشَّرِيف اَلطَّاهِر بَيْن يَدَيْ فَتَاة سَاقِطَة مَثِّلِي بِالْإِغْوَاءِ مِنْ ذَلِكَ حَيَاء تَمَنَّيْت مَعَهُ أَنْ لَوْ اِنْشَقَّتْ اَلْأَرْض تَحْت قَدَمِي فَسَخَتْ فِيهَا أَبَد اَلدَّهْر. وَبَيْنَمَا هُوَ مُطْرِق صَامِت أَخَذَتْ أُفَكِّر فِيهِ وَفِي مُصَابه وَفِي قِصَّته اَلَّتِي قَصَّهَا عَلَيَّ وَفِي اَلشَّأْن اَلَّذِي لِي فِيهَا فَعَلِمَتْ أَنِّي قَدْ أَصْبَحَتْ شُؤْمًا عَلَى هَذِهِ اَلْأُسْرَة اَلسَّعِيدَة جَمِيعهَا أَبِيهَا وَابْنهَا وَابْنَتهَا فَثَقُلَتْ نَفْسِيّ عَلَيَّ وَسَمِج مَنْظَرهَا فِي عَيْنِي حَتَّى خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَاضِرَة بَيْن يَدِي لَرُمِيَتْ بِهَا مِنْ حَالِق إِلَى حَيْثُ لَا يَجْمَعنِي وَإِيَّاهَا مَكَان بَعْد اَلْيَوْم ثُمَّ قُلْت فِي نَفْسِي إِنَّ حَيَاتِي اَلْمَاضِيَة اَلَّتِي قَضَيْتهَا فِي اَلشُّرُور وَالْآثَام قَدْ قَطَعَتْ عَلَى طَرِيق اَلشَّرَف فَلَا حَقّ لِي فِي أَنَّ أَطْمَع فِي حَيَاة اَلشُّرَفَاء وَلَا أَنْ أُنَازِعهُمْ سَعَادَتهمْ وَهَنَاءَهُمْ وَإِنَّ اَلْإِثْم اَلَّذِي اِقْتَرَفَتْهُ فِي مَاضِي قَدْ بِالْإِغْوَاءِ وَحْدِي فَلَا بُدّ لِي أَنْ أَسْتَقِلّ بِعِبْئِهِ دُون أَنْ أُلْقِيه عَلَى عَاتِق أَحَد غَيْرِي فَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا عَلَيَّ أَنْ أَمُوت مَوْت اَلنِّسَاء اَلسَّاقِطَات

стр. 159

فَذَلِكَ لِأَنَّنِي اِمْرَأَة سَاقِطَة أَوْ أُلَاقِي فِي مُسْتَقْبَل حَيَاتِي شَقَاء وَآلَامًا فَذَلِكَ لِأَنَّ اَلْمُسْتَقْبَل نَتِيجَة اَلْمَاضِي وَثَمَرَته اَلطَّبِيعِيَّة. هُنَا ذَكَّرَتْك يَا أَرْمَان وَذَكَّرَتْ فِرَاقك وَكَيْفَ أَسْتَطِيعهُ وَذَكَّرْت أَنَا اَلَّتِي سَأَتَوَلَّى قَتْل نَفْسِيّ بِيَدِي لِأَنَّ اَلطَّرِيق اَلَّتِي لَا طَرِيق غَيْرهَا إِلَى بُلُوغ رِضَا أَبِيك وَمُوَافَاة رَغْبَته أَنْ أُقَاطِعك وأغاضبك وَاظْهَرْ أَمَامك بِمَظْهَر اَلْخَائِنَة اَلْغَادِرَة وَرُبَّمَا اِضْطَرَرْت إِلَى اَلِاتِّصَال بِغَيْرِك عَلَى مَرْأَى مِنْك وَمَسْمَع حَتَّى تَنْصَرِف عَنِّي اِنْصِرَاف يَائِس مَغْلُوب عَلَى أَمْره مِنْ حَيْثُ لَا يَكُون لِأَبِيك مُدْخَل فِي ذَلِكَ فَأَكُون قَدْ جَمَعَتْ عَلَى نَفْسِي بَيْن فِرَاقك وَغَضَبك فِي آن وَاحِد وَذُكِّرَتْ أَنْ لَا بُدّ لِي متي فَارَقَتْك أَنْ أَعُود إِلَى حَيَاتِي اَلْأُولَى اَلَّتِي أُبْغِضهَا وَأَمْقُتهَا لِأَنَّ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْسَى ذَنْبِي اَلَّذِي أذنبته إِلَيْهِ حَتَّى اَلْيَوْم وَلِأَنِّي فِي حَاجَة إِلَى بسطة مِنْ اَلْعَيْش أَسْتَعِين بِهَا عَلَى مُعَالَجَة مَرَضِي وَوَفَاء دِينِيّ فَدَارَتْ هَذِهِ اَلْخَوَاطِر فِي رَأْسَيْ سَاعَة وَطَالَتْ دَوْرَتهَا حَتَّى كَادَتْ تَغْلِبنِي عَلَى أَمْرِي ثُمَّ وَقَعَ نَظَرِي عَلَى وَجْه أَبِيك المخصل بِدُمُوعِهِ فَتَجَلَّدَتْ وَجَمَعَتْ أَمْرِي وَمَضَيْت قُدُمًا لَا أَلْوِي عَلَى شَيْء مِمَّا وَرَائِي. لَقَدْ كَانَ شَدِيدًا عَلَيَّ جِدًّا أَنْ أُفَارِقك يَا أَرْمَان وَلَكِنَّ كا أَشُدّ عَلَى مِنْهُ أَنْ أَرَى أَبَاك يَبْكِي بَيْن يَدِي وَأَنْ أَكُون سَبَبًا فِي مَوْت أُخْتك أَوْ شَقَائِهَا. إِنَّنِي أُحِبّ يَا أَرْكَان وَأَعْرِف آلَام اَلْحُبّ وَلَوْعَته فِي اَلنُّفُوس وَلَقَدْ كَانَ يُخَيَّل إِلَيَّ وَأَبُوك يُحَدِّثنِي عَنْ أُخْتك وَشَقَائِهَا أَنَّنِي أَرَاهَا مِنْ خِلَال دُمُوعِي طَرِيحَة فِرَاشهَا وَهِيَ تَمُدّ يَدهَا إِلَى ضارعة مُتَوَسِّلَة وَتَقُول بِالْإِغْوَاءِ يَا سَيِّدَتِي وَارْحَمِي ضِعْفِي وَشَبَابِي فَأَجِدّ لِكَلِمَاتِهَا

стр. 160

مِنْ اَلْأَثَر فِي نَفْسِي مَا لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَشْعُر بِهِ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ شَأْن مِثْل شَأْنِي. إِنَّنِي حَرَمْت فِي مَبْدَإِ حَيَاتِي سَعَادَة اَلزَّوْجِيَّة وَهَنَاءَهَا وَلَقِيَتْ بِسَبَب ذَلِكَ مِنْ اَلشَّقَاء مَا لَا أَزَال أُبْكِيه حَتَّى اَلْيَوْم فَلَا يُهَيِّج حُزْنِي وَلَا يَسْتَثِير كَامِن لَوْعَتِي مِثْل أَنْ أَرَى بَيْن اَلنَّاس فَتَاة مَحْرُومَة اَلسَّعَادَة مِثْلِي. إِنَّنِي أُحِبّ وَهِيَ تُحِبّ وَلَا بُدّ لِوَاحِدَة مِنَّا أَنْ تَمُوت فِدَاء عَنْ اَلْأُخْرَى فَلْأَمُتْ أَنَا فِدَاء عَنْهَا لِأَنَّهَا أُخْتك وَلِأَنَّهَا لَمْ تَقْتَرِف فِي حَيَاتهَا ذَنْبًا تَسْتَحِقّ بِسَبَبِهِ اَلشَّقَاء. وَكُنْت كُلَّمَا ذَكَرْت أَنَّهَا سَتُصْبِحُ سَعِيدَة هَانِئَة مِنْ بَعْدِي وَتَرَاءَى لِي شَبَحهَا وَهِيَ لَابِسَة ثَوْب عُرْسهَا اَلْأَبْيَض اَلْجَمِيل وَسَائِرَة إِلَى اَلْكَنِيسَة بِجَانِب خَطِيبهَا طَارَ قَلْبِي فَرَحًا وَسُرُورًا وَهَانَ عَلَيَّ كُلّ شَيْء فِي سَبِيل غِبْطَتهَا وَهَنَائِهَا. نَعَمْ إِنَّ اَلضَّرْبَة اَلَّتِي سَأَسْتَقْبِلُهَا شَدِيدَة جِدًّا وَلَا يَقْوَى عَلَيْهَا قَلْبِي وَلَكِنِّي سَأَحْتَمِلُهَا بِصَبْر وَسُكُون لِأَنَّ أَبَاك سَيُصْبِحُ رَاضِيًا عَنِّي وَلِأَنَّك سَتَعْلَمُ فِي مُسْتَقْبَل اَلْأَيَّام سِرّ تَضْحِيَتِي فَتُحِبّنِي فَوْق مَا أَحْبَبْتنِي وَلِأَنَّ أُخْتك سَتُصْبِحُ سَعِيدَة مُغْتَبِطَة بِعَيْشِهَا وَحُبّهَا وَسَيَكُونُ أَمْسِي بَيْن اَلْأَسْمَاء اَلَّتِي تَدْعُو لَهَا اَللَّه فِي صَلَوَاتهَا بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَان. جَاءَتْ اَلسَّاعَة اَلَّتِي أَقُول فِيهَا لِأَبِيك كَلِمَتِي اَلْأَخِيرَة لَقَدْ كَانَتْ شَدِيدَة هَائِلَة أَسْأَل اَللَّه أَنْ يُعَفِّر لِي بِمَا لَقِيَتْ فِيهَا مِنْ اَلْآلَام مَاضِي ذُنُوبِي وَآتِيهَا كَمَا أَسْأَلهُ أَلَّا يُذِيق مَرَارَتهَا قَلْب اِمْرَأَة عَلَى وَجْه اَلْأَرْض مِنْ بَعْدِي.

стр. 161

قُمْت مِنْ مَكَانِي كَأَنَّنِي أَنْتَزِع نَفْسِي مِنْ اَلْأَرْض اِنْتِزَاعًا وَمَشَيْت إِلَى أَبِيك كَمَا يَمْشِي الحائن إِلَى مَصْرَعه حَتَّى جَثَوْت بَيْن يَدَيْهِ وَأَخَذْت بِيَدِهِ فاستفاق مَنْ غَشِيَتْهُ وَنَظَرَ إِلَيَّ ذاهلا مَشْدُوهًا فَقُلْت لَهُ أَعْتَقِد يَا سَيِّدِي أَنَّنِي أَحَبّ وَلَدك ? قَالَ نَعَمْ قَالَتْ حُبًّا هُوَ مُنْتَهَى مَا تَسْتَطِيع اِمْرَأَة أَنْ تَحْتَمِل قَالَ نِعَم قَلَّتْ وَأَنَّ هَذَا اَلْحُبّ هُوَ كُلّ آمَالِي وَسَعَادَتِي وَمَا أَمَّلَك فِي اَلْحَيَاة قَالَ نَعَمْ يَا بُنِّيَّتِي قُلْت قَدْ ضَحِيَّته مِنْ أَجْل اِبْنَتك فَعَدَّ إِلَيْهَا وَبَشَّرَهَا بِسَعَادَة اَلْمُسْتَقْبَل وَهَنَائِهِ وَقُلْ لَهَا إِنَّ اِمْرَأَة لَا تَعْرِفك وَلَمْ تَتْرُك فِي يَوْم مِنْ أَيَّام حَيَاتهَا وَلَكِنَّهَا تُحِبّك وَتُشْفِق عَلَيْك تَمُوت اَلْآن مِنْ أَجْلك فَاسْأَلِي اَللَّه لَهَا اَلرَّحْمَة وَالْغُفْرَان. فَتَهَلَّلَ وَجْهه بِشْرًا وَسُرُورًا وَلَمْ يَدْعُ كَلِمَة مِنْ كَلِمَات اَلشُّكْر وَالثَّنَاء إِلَّا أُفْضِي بِهَا إِلَيَّ فَأَنْسَانِي سُرُوره وَاغْتِبَاطه أُلِمّ اَلضَّرْبَة اَلَّتِي أَصَابَتْ كَبِدِي وَاسْتَحَالَ حُزْنِي بِالْإِغْوَاءِ إِلَى رَاحَة وَسُكُون فَحَمِدَتْ اَللَّه عَلَى أَنَّ لَمْ يَرَ فِي وَجْهِي فِي تِلْكَ اَلسَّاعَة مَا يُنَغِّص عَلَيْهِ سُرُوره وَاغْتِبَاطه. وَهُنَا شَعَرَتْ بِحَرَكَة عِنْد بَاب اَلْغُرْفَة فَالْتَفَتَ فَإِذَا برودنس تُشِير إِلَى بِيَدِهَا فَذَهَبَتْ إِلَيْهَا فَأَعْطَتْنِي كِتَابًا جَاءَ بِهِ اَلْبَرِيد فَقَرَأَتْ عُنْوَانه فَإِذَا هُوَ بِخَطّ المركيز جَانّ فِيلِيب فَعَلِمَتْ مَا يَتَضَمَّنهُ قَبْل أَنْ أَرَاهُ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّ اَللَّه قَدْ أَوْحَى إِلَى بِمَا أَفْعَل فَذَهَبَتْ مُسْرِعَة إِلَى غُرْفَة مَكْتَبِي كَأَنَّنِي أَخَاف أَنْ يَعْرِض لِي فِي طَرِيقِي مَا يُزَعْزِع عَزِيمَتِي وَهُنَاكَ قَرَأَتْ اَلْكِتَاب وَكَتَبَتْ لِصَاحِبِهِ فِي بِطَاقَة صَغِيرَة هَذِهِ اَلْكَلِمَة سَأَتَعَشَّى عِنْدك اَللَّيْلَة ثُمَّ أَعْطَيْتهَا برودنس لِتَلَقِّيهَا فِي صُنْدُوق اَلْبَرِيد وَعُدْت إِلَى أَبِيك فَوَجَدَتْه

стр. 162

حَيْثُ تَرَكَتْهُ فَقُلْت لَهُ إِنَّ أَرْمَان لَا يَعْلَم شَيْئًا مِنْ أَمْر زِيَارَتك هَذِهِ فَاكْتُمْهَا عَنْهُ حِين نَلْقَاهُ وَسَأَكْتُبُ إِلَيْهِ كُتَّاب مُقَاطِعَة لَا يَشُكّ فِي أَنِّي صَاحِبَة اَلرَّأْي فِيهِ وَأَنْ لَا يَد لَك فِيمَا كَانَ وَسَيَعْلَمُ اَلْيَوْم أَوْ غَدًا أَنَّنِي قَدْ بِرَجُل غَيْره فَيَرَى أَنَّنِي قَدْ خُنْته وَغَدَرْت بِعَهْدِهِ فَلَا يَجِد لَهُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُسَافِر مَعَك قَاطِعًا رَجَاءَهُ مِنِّي وَرُبَّمَا تَأَلَّمَ لِهَذِهِ اَلصَّدْمَة بِضْعَة أَيَّام أَوْ بِضْعَة أَسَابِيع فَلَا تَحْفُل بِذَلِكَ بِالْإِغْوَاءِ حُبِّي فِي قَلْبه كَمَا يَبْلَى كُلّ حُبّ فِي كُلّ قَلْب غَيْر أَنَّ لِي عِنْدك طَلَبَة وَاحِدَة لَا أُرِيد مِنْك سِوَاهَا فَهَلْ تَسْمَح لِي بِهَا قَالَ نَعَمْ أَسُمِحَ لَك بِكُلّ شَيْء قُلْت إِنِّي مَرِيضَة مُشَرِّفَة وَإِنَّ اَلْعِلَّة اَلَّتِي أُكَابِدهَا كَثِيرًا مَا يَتَحَدَّث اَلنَّاس عَنْهَا أَنَّهَا لَا تَتْرُك صَاحِبهَا طَالَتْ أَمْ قَصَرَتْ حتط تَذْهَب بِهِ إِلَى قَبْره فَكُلّ مَا أَسْأَلك إِيَّاهُ أَنْ تَأْذَن لِأَرْكَان فِي اَلْيَوْم اَلَّذِي تَعْلَم فِيهِ أَنَّنِي قَدْ أَصْبَحَتْ عَلَى حَافَّة قَبْرِي أَنْ يَأْتِينِي لِأَرَاهُ وَأُوَدِّعهُ اَلْوَدَاع اَلْأَخِير وَأَعْتَذِر لع عَنْ ذَنْبِي اَلَّذِي أذنبته إِلَيْهِ حَتَّى لَا أَخْسَر حُبّه وَاحْتِرَامه حَيَّة وَمَيِّتَة فَنَظَرَ إِلَيَّ نَظْرَة دَامِعَة وَقَالَ وارحمتاه لَك يَا بُنِّيَّتِي أَنَّنِي أَعِدك بِمَا أَرَدْت وَأَسْأَل اَللَّه لَك اَلشِّفَاء وَالْعَزَاء. ثُمَّ حَاوَلَ أَنْ يَعْرِض عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ اَلْمَعُونَة فَأَبَيْت ذَلِكَ إِبَاء شَدِيدًا وَقُلْت لَهُ إِنَّنِي لِمَ ابع نَفْسِيّ يَا سَيِّدِي بِيعَا بَلْ وَهَبَتْهَا هِبَة فَأَخَذَ رَأْسِي بَيْن يَدَيْهِ وَقُبْلَتِي فِي جَبِينِي قُبْلَة كَانَتْ خَيْر جَزَاء لِي عَلَى تَضْحِيَتِي اَلَّتِي ضَحَّيْت بِهَا وَوَدَّعَنِي وَمَضَى. فَمَا أَبْعَد إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى قُمْت إِلَى خِزَانَتِي فَجَمَعَتْ ثِيَابِي وَمَا بَقِيَ لِي مِنْ حَلَّايَ وَوَضَعَتْهَا فِي حَقِيبَتِي وَسَافَرَتْ مَعَ برودنس إِلَى بَارِيس وَذَهَبَتْ إِلَى مَنْزِلِي هُنَاكَ فَكَتَبَتْ إِلَيْك فِيهِ ذَلِكَ اَلْكُتَّاب اَلَّذِي تَعْلَمهُ وَاَللَّه يَعْلَم كَمْ سَكَبَتْ مِنْ اَلدُّمُوع وَكَمْ وَقَفَ قَلْبِي بَيْن كُلّ كَلِمَة وَمَا يَلِيهَا أَثْنَاء كِتَابَته حَتَّى أَتَمَّتْهُ فَأَعْطَيْته حَارِس

стр. 163

اَلْمَنْزِل وَأَوْصَيْته أَنْ يُسَلِّمهُ إِلَيْك عِنْد مَجِيئك ثُمَّ ذَهَبَتْ لِلْوَفَاءِ بَعْده المركيز. أَمَّا حَيَاتِي مَعَ ذَلِكَ اَلرَّجُل فَلَا استطيع أَنْ أَقُصّ عَلَيْك مِنْهَا شَيْئًا عَلَيْك مِنْهَا سِوَى أَنْ أَقُول لَك إِنَّهُ لَمْ يَرَ فِي اَلْمَرْأَة اَلَّتِي كَانَ يَتَخَيَّلهَا وَيُمَنِّي نَفْسه بِهَا وَلَمْ أَرَ فِيهِ اَلرَّجُل اَلَّذِي يُؤْنِسنِي وَيُخَلِّط نَفْسه بِنَفْسِي فَافْتَرَقْنَا فَأَصْبَحَتْ لَا أَعْرِف لِي فِي اَلْعَالَم صَدِيقًا صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا. هَذِهِ قِصَّتِي يَا أَرْمَان كَمَا هِيَ وَهَذَا ذَنْبِي اَلَّذِي أذنبته إِلَيْك فَهَلْ تَرَى بَعْد ذَلِكَ أَنِّي خَائِنَة أَوْ خَادِعَة ? قَلِّبِي يُحَدِّثنِي أَنَّنِي سَأَمُوتُ قَبْل أَنْ أَرَاك وَأُمْلِي يُخَيَّل إِلَى أَنَّ مَا فِي نَفْسك مِنْ اَلْمُوجِدَة عَلَيَّ يَسْتَمِرّ إِلَى مَا بَعْد اَلْمَوْت وَأَنَّك سَتَعُودُ إِلَى بَارِيس فِي اَلسَّاعَة اَلَّتِي يَنْعَانِي لَك فِيهَا اَلنَّاعِي لِتَزُورَ قَبْر تِلْكَ المزاة اَلْمِسْكِينَة اَلَّتِي تَوَلَّتْ سَعَادَة قَلْبك وهناءة حِقْبَة مِنْ أَيَّام حَيَاتك ثُمَّ خدجت مِنْ اَلدُّنْيَا فَارِغَة اَلْيَد مِنْ كُلّ شَيْء حَتَّى مِنْ حُبّك وَعَطْفك وَرُبَّمَا بَلَغَ بِك اَلِاهْتِمَام بِشَأْنِهَا أَنْ تُحَاوِل مَعْرِفَة مَا تَمَّ لَهَا مِنْ بَعْدك إِلَى أَنَّ ذَهَب بِهَا اَلْمَوْت إِلَى قَبْرهَا. فهأنذا أَكْتُب هَذِهِ اَلْمُذَكِّرَات وَاتْرُكْهَا لَك عِنْد برودنس لَعَلَّك تَقْرَأهَا فِي مُسْتَقْبَل اَلْأَيَّام فَتَنْظُر إِلَيْهَا كَمَا تَنْظُر إِلَى كِتَاب اِعْتِرَاف مُقَدَّس قَدْ أَلْبَسهُ اَلْمَوْت ثَوْب اَلطَّهَارَة وَالْبَرَاءَة فَتُصَدِّق مَا فِيهَا وَتَعْفُو عَنِّي فَيُنِير ثَوْب اَلطَّهَارَة وَالْبَرَاءَة فَتُصَدِّق مَا فِيهَا وَتَعْفُو عَنِّي فَيُنِير عَفْوك ظُلُمَات قَبْرِي وَيُونُس وَحْشَة نَفْسِيّ.

стр. 164

أَيْنَ أَنْتَ يَا أَرْمَان ? أَنْتَ بَعِيد عَنِّي جَدًّا بَعِيد بِجِسْمِك وَبِقَلْبِك لِأَنَّك لَمْ تُهْمِل كِتَابِي اَلَّذِي كَتَبْته لَك وَدَعَوْتُك فِيهِ لِزِيَارَاتِي وَسَمَاع اِعْتِرَافِي اَلْأَخِير إِلَّا لِأَنَّ مَا كَانَ فِي نَفْسك مِنْ العتب وَالْمُوجِدَة عَلَيَّ قَدْ اِسْتَحَالَ إِلَى نِسْيَان وَإِغْفَال فَأَصْبَحَتْ لَا تُذَكِّرنِي كَمَا يَذْكُر اَلْمُحِبّ حَبِيبه وَلَا تَعْطِف عَلَيَّ كَمَا يَعْطِف اَلصَّدِيق عَلَى صَدِيقه فَلْيَكُنْ مَا أَرَادَ اَللَّه وَلْتَدُمْ لَك تِلْكَ اَلسَّعَادَة اَلَّتِي يُنْعَم بِهَا بَيْن أَهْلك وَقَوْمك فَإِنِّي غَيْر واجدة عَلَيْك وَلَا نَاقِمَة مِنْك شَيْئًا وَلَا حَامِلَة لَك فِي نَفْسِي إِلَّا اَلْحُبّ وَالْإِخْلَاص وَالرِّضَا بِكُلّ مَا تَأْتِي وَمَا تَدَع. لِي عِدَّة أَيَّام لَمْ أُرِ فِيهَا أَحَدًا مِنْ اَلنَّاس لِأَنَّ اَلطَّبِيب مَنَعَنِي مِنْ اَلْخُرُوج وَلِأَنَّ أَصْدِقَائِي اَلَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَنِي فِيمَا مَضَى قَدْ أَصْبَحُوا يَقْنَعُونَ مِنْ زِيَارَتِي بِإِرْسَال بِطَاقَاتِهِمْ إِلَيَّ مَعَ خَادِمَتِي ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ مُسْرِعِينَ كَأَنَّمَا يَفِرُّونَ مَنْ أَمْر يُخْفِيهِمْ وَلَقَدْ كَانُوا قَبْل اَلْيَوْم إِذَا أَرْسَلُوهَا لَبِثُوا يَنْتَظِرُونَ اَلسَّاعَات اَلطِّوَال حَتَّى آذَن لَهُمْ بِالْمُقَابَلَةِ فَإِذَا ظَفِرُوا بِهَا طَارُوا بِهَا فَرَحَا وَسُرُورًا وَإِنْ حَرَّمُوهَا عَادُوا آسِفِينَ مَحْزُونِينَ. وَلَا أَدْرِي لِمَ لَا يَقْطَعُونَ بِطَاقَاتِهِمْ كَمَا قَطَعُوا زِيَارَاتهمْ فَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ سَيَرَوْنَنِي بَيْنهمْ فِي مُسْتَقْبَل اَلْأَيَّام صَحِيحَة اَلْجِسْم طَيِّبَة اَلنَّفْس أَصْلُح لِلْمُعَاشَرَةِ والمخادنة كَمَا كَانُوا يَعْهَدُونِي مِنْ قَبْل فَهُمْ فِي ظَنّهمْ مُخْطِئُونَ. لَقَدْ أَحْسَنُوا فِيمَا عَلِمُوا فَإِنَّنِي أَصْبَحَتْ لَا آنَس بِأَحَد فِي اَلْعَالَم سِوَى نَفْسِي وَلَا آنَس بِنَفْسِي إِلَّا لِأَنِّي أَسْتَطِيع مَتَى خَلَوْت بِهَا

стр. 165

أَنْ أُسَائِلهَا عَنْك فَتُذَكِّرنِي بِك وَبِتِلْكَ اَلْأَيَّام اَلسَّعِيدَة اَلَّتِي قَضَيْتهَا مَعَك فِي بوجيفال وَذِكْرَى تِلْكَ اَلْأَيَّام هِيَ اَلْعَزَاء اَلْبَاقِي لِي عَنْ جَمِيع مَا خَسِرَتْ يَدِي. مَا كُنْت أَظُنّ يَا أَرْمَان أَنَّ جِسْم اَلْإِنْسَان يَحْتَمِل كُلّ هَذِهِ اَلْآلَام اَلَّتِي أُكَابِدهَا فَلَقَدْ تَمُرّ بِي سَاعَات أَعْتَقِد فِيهَا أَنَّ اَلْأَلَم اَلَّذِي أُكَابِدهُ إِنَّمَا هُوَ أَلَم اَلنَّزْع وَأَنَّنِي فِي اَلسَّاعَة اَلْأَخِيرَة مِنْ سَاعَات حَيَاتِي فَإِذَا استفقت قُلْت فِي نَفْسِي هَذَا أُلِمّ اَلْمَرَض وَقَدْ عَجَزَتْ عَنْهُ فَمَنْ لِي بِاحْتِمَال أَلَم اَلْمَوْت ? عَلَى أَنَّ نَفْسِي تُحَدِّثنِي أَحْيَانًا أَنَّهُ إِنْ قَدَّرَ لِي أَنَّ أَرَاك بِجَانِبِي فِي يَوْم مِنْ أَيَّام بَرِئَتْ مِنْ مَرَضِي وَتَرَاجَعَتْ نَفْسِي وَعُدْت إِلَى رَاحَتِي وَسُكُونَيْ فَهَلْ يَقْدِر لِي اَللَّه ذَلِكَ ? لَا أَعْلَم فَالْمُسْتَقْبَل بِيَد اَللَّه فَلْيُقَدِّرْ اَللَّه مَا يَشَاء وَلِيَفْعَل مَا يُرِيد. لَمْ أُفَارِق سَرِيرِي مُنْذُ أَيَّام إِلَّا صَبَاح هَذَا اَلْيَوْم فَجَلَسَتْ قَلِيلًا بِجَانِب نَافِذَتِي وَأَشْرَقَتْ مِنْهَا عَلَى اَلْحَيَاة اَلْعَامَّة فَوَقْع نَظَرِيّ عَلَى كَثِير مِمَّنْ كُنْت أَعْرِفهُمْ مِنْ قَبْل شائرين فِي طَرِيقهمْ لَاهِينَ مُغْتَبِطِينَ وَلَمْ أَرَ مَنْ وَقَعَ نَظَره إِلَى نَوَافِذ غُرْفَتِي مَرَّة وَاحِدَة كَأَنَّمَا يَمُرُّونَ بِبَيْت يُعَرِّفْنَهُ وَلَا عَهْد لَهُمْ بِهِ مِنْ قَبْل. مَا اشد وَحْشَتِي وَمَا أُضَيِّق صَدْرِي وَمَا اثقل هَذَا اَلْجِدَار اَلَّذِي يَدُور حَوْلِي؟

стр. 166

لَا أُطِيق اَلنَّظَر إِلَى سَرِيرِي لِأَنَّ نَفْسِي تُحَدِّثنِي أَنَّهُ سَيَكُونُ عَمَّا قَلِيل سِلْم قَبْرِي وَلَا اَلْوُقُوف أَمَام مِرْآتِي لِأَنَّهَا تُحَدِّثنِي نَفْسَيْ أَسْوَأ اَلْأَحَادِيث وأشأمها وَلَا اَلْإِشْرَاف مِنْ نَافِذَتِي لِأَنَّهَا تُذَكِّرنِي بِحَيَاتِي اَلْمَاضِيَة اَلسَّعِيدَة اَلَّتِي حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنهَا فَأَيْنَ أَذْهَب وَكَيْفَ أَعِيش ? لَا آكُل إِلَّا طَعَامًا وَاحِدًا وَلَا أَرَى إِلَّا مَنْظَرًا مُتَكَرِّرًا وَلَا أَسْمَع إِلَّا صَوْت طَبِيبِي وَخَادِمَتِي حِينَمَا يَسْأَلهَا عَنِّي صَبَاح كُلّ يَوْم وَمَسَاءَهُ فَتُجِيبهُ بِجَوَاب وَاحِد حَتَّى مَلِلْت وَسَئِمْت وَأَصْبَحَتْ أَشْعَر أَنَّ نَفَسِي سَجِينه فِي صَدْرِي سَجْن جِسْمِي فِي غُرْفَتِي وَرُبَّمَا مَرَّتْ بِي سَاعَات يَقِف فِيهَا ذِهْنِي عَنْ اَلتَّفْكِير وَخَاطِرِي عَنْ اَلْحَرَكَة وَيَنْقَطِع مَا بَيْنِي وَبَيْن يَوْمِي وَأَمْسِي وَغَدِي. وَكُلّ شَيْء فِي اَلْحَيَاة حَتَّى نَفْسِي. اَلسُّعَال يَهْدِم أَرْكَان صَدْرِي هَدْمًا وَالنَّوْم لَا يُلِمّ بِعَيْنِي إِلَّا قَلِيلًا وَالطَّبِيب يُعَذِّبنِي بمشارطه وَضِمَادَاته عَذَابًا أَلِيمًا وَكُلّ يَوْم أَشْعُر أَنَّ نَفَسِي يَزْدَاد ضَيِّقًا وَبَصَرِيّ يَزْدَاد ظُلْمَة وَأَنَّ اَلْحَيَاة تَبْعُد عَنْ نَاظِرَيْ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى أَكَاد أَحْسَبهَا شَبَحًا مِنْ اَلْأَشْبَاح اَلنَّائِيَة فَمَتَى يَنْقَضِي عَذَابِي ? سَمِعَتْ صَبَاح اَلْيَوْم كَثِيرًا فِي فَنَاء اَلْمَنْزِل فَسَأَلَتْ برودنس:

стр. 167

مَا اَلْخَبَر فَذَهَبَتْ وَعَادَتْ إِلَى تَبْكِي وَتَقُول إِنَّهُمْ يَحْجِزُونَ أَثَاث اَلْمَنْزِل يَا سَيِّدَتِي فَقُلْت دعيهم يَفْعَلُونَ مَا يشاؤون وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَات قَلِيلَة حَتَّى دَخَلُوا غُرْفَتَيْ مُنْدَفِعِينَ متصايحين وَلَمْ يَمُرّ بِخَاطِر وَاحِد مِنْهُمْ أَنْ يَرْفَع قُبَّعَته عَنْ رَأْسه اِحْتِرَامًا لِصَاحِبَة اَلْمَنْزِل أَوْ يَخْفِض صَوْته إِشْفَاقًا عَلَى اَلْمَرِيضَة اَلْمُعَذَّبَة فَمَشَوْا يُسَجِّلُونَ كُلّ مَا وَقَعَ نَظَرهمْ عَلَيْهِ وَخَفَتَ أَنْ يُسَجِّلُوا دَفْتَر مُذَكِّرَاتِي فَأَشَرْت إِلَى برودنس أَنَّ تَخَفِّيه عَنْهُمْ فَفَعَلَتْ فَحَمِدَتْ اَللَّه عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ وَصَلُوا إِلَى سَرِيرِي فَطَلَب أَحَد اَلدَّائِنِينَ حَجَزَهُ وَقَالَ إِنَّهُ ثَمِين سَيَكُونُ لَهُ يَوْم اَلْبَيْع شَأْن عَظِيم فَأَفْهَمَهُ اَلْحَاجِز أَنَّ اَلْقَانُون يَسْتَثْنِي اَلْأُسْرَة وَفَرَشَهَا وَأُلْقِي فِي أُذُنه كَلِمَة أَحْسَب أَنِّي سَمِعْته يَقُول فِيهَا إِنَّك تَسْتَطِيع أَنْ تَفْعَل ذَلِكَ بَعْد مَوْتهَا ثُمَّ اِنْصَرَفُوا بَعْد مَا تَرَكُوا عَلَى بَاب بَيْتِيّ حَارِسًا لَا يُفَارِقهُ لَيْله وَنَهَاره كَتَبَتْ إِلَى اَلدُّوق موهان وَهِيَ أَوَّل مَرَّة كَتَبَتْ إِلَيْهِ فِيهَا أَسْتَغْفِر ذَنْبِي اَلَّذِي أذنبته إِلَيْهِ واشكو لَهُ مَا نَالَتْهُ يَد اَلْأَيَّام مِنِّي وَأَسْتَحْلِفهُ بِذِكْرَى اِبْنَته اَلْكَرِيمَة عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِي لِزِيَارَتِي فَفَعَلَ فَبَكَى عِنْدَمَا رَآنِي وَلَا أَدْرِي هَلْ بَكَانِي أَوْ ذَكَّرَ عِنْد رُؤْيَة مصرعي مَصْرَع اِبْنَته اَلْأَخِير فَبَكَاهَا ثُمَّ قُضِيَ بِجَانِب فِرَاشَيْ سَاعَة مُطْرِقًا صَامِتًا لَا يُحَدِّثنِي إِلَّا قَلِيلًا وَلَا يُذَكِّر اَلْمَاضِي بِكَلِمَة وَاحِدَة ثُمَّ ذَهَبَ وَتَرَكَ فِي يَد برودنس ضَمَّة أَوْرَاق اِسْتَبْقَتْ بَعْضهَا لِلنَّفَقَةِ وَاسْتَعَانَتْ بِالْإِغْوَاءِ عَلَى تَأْجِيل بَيْع اَلْأَثَاث بِضْعَة أَشْهُر. لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَكْتُب إِلَيْك أَكْثَر مِمَّا كَتَبَتْ فَإِنَّ اَلطَّبِيب مَا زَالَ يَلِحّ عَلَى جِسْمِي بِالْقَصْدِ حَتَّى أوها وَاسْتَنْزَفَ فَأَصْبَحَتْ لَا أَتَحَرَّك حَرَكَة إِلَّا شَعَرَتْ بِأَلَم عَظِيم.

стр. 168

إِنَّ هَذَا اَلْيَوْم أَسْعَد أَيَّامِي وأهنؤها فَقَدْ وَصَلَ إِلَيَّ مِنْ أَبِيك كِتَاب هَذَا نَصَّهُ. سَيِّدَتِي: إِنِّي أَتَوَجَّع لَك تَوَجُّعًا شَدِيدًا فَقَدْ عَلِمَتْ بِالْأَمْسِ مِنْ بَعْض اَلْوَافِدِينَ إِلَى نيس أَنَّك مَرِيضَة مَرَضًا شَدِيدًا مُنْذُ شَهْرَيْنِ وَأَنَّك لَا تُخْرِجِينَ مَنْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا قَلِيلًا فَأَسْأَل اَللَّه لَك اَلشِّفَاء وَالْعَزَاء وَأَضْرَع إِلَيْهِ أَنْ يَجْزِيك خَيْرًا بِمَا قَاسَيْت مِنْ اَلْآلَام وَالْأَوْجَاع فِي سَبِيلِي وَابْنَتِي وَأُبَشِّرك أَنَّ اَللَّه قَدْ تَقَبَّلَ قُرْبَانك اَلَّذِي قَدَّمَتْهُ إِلَيْهِ فَإِنَّ سُوزَان قَدْ تَزَوَّجَتْ مِنْ خَطِيبهَا مُنْذُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَأَصْبَحَتْ هَانِئَة بِحُبِّهَا وَعَيْشهَا كَمَا أَرَدْت لَهَا وَأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَعْلَم مِنْ أَمْر تِلْكَ اَلْقِصَّة اَلَّتِي تَعْلَمهَا شَيْئًا فَقَدْ قُلْت لَهَا إِنَّ بَعْض اَلنَّاس وَلِمَ اِسْمه لَهَا قَدْ ضَحَّى بِنَفْسِهِ وَبِسَعَادَتِهِ فِي سَبِيل سَعَادَتك وَهَنَائِك فَلَا تَتْرُكِي اَلدُّعَاء لَهُ فِي جَمِيع صَلَوَاتك بِجَزِيل اَلْأَجْر وَحَسَن اَلْمَثُوبَة فَهِيَ لَا تَزَال تَدْعُو لَك صَبَاحهَا وَمَسَاءَهَا أَنْ يُحْسِن اَللَّه إِلَيْك أَحْسَنْت إِلَيْهَا. أَمَّا اَلْكِتَاب اَلَّذِي أَرْسَلْته إِلَى أَرْمَان فِي أَوَائِل اَلشَّهْر اَلْمَاضِي فَلَمْ يَصِل إِلَيْهِ اَلْيَوْم لِأَنَّهُ مُنْذُ فَارَقَك وَسَافَرَ إِلَى نيس لِمَ يَسْتَطِيع اَلْبَقَاء فِيهَا إِلَّا بِضْعَة أَيَّام ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا إِلَى اَلشَّرْق حَزِينًا مَهْمُومًا مِنْ أَجْلك وَكُنْت لَا أَعْرِف اَلْجِهَة اَلَّتِي

стр. 169

بَقِيَّة اَلْمُذَكِّرَات لَمْ تَسْتَطِعْ مَرْغِرِيت يَا سَيِّدِي أَنْ تَكْتُب لَك أَكْثَر مِمَّا كَتَبَتْ لِأَنَّ اَلطَّبِيب مَنْعهَا اَلْحَرَكَة وَلَوْ إِرَادَتهَا لَعَجَزَتْ عَنْهَا. أَتُذَكِّرُ يَا سَيِّدَيْ ذَلِكَ اَلْجِسْم اَلْغَضّ اَلنَّاعِم اَلَّذِي كَانَ يَمُوج بِالنُّورِ مَوْجًا وَيُشْرِق وَرَاء بَشَرَته إِشْرَاق اَلْخَمْر فِي كَأْسهَا لَقَدْ صَبَّحَ اَلْيَوْم عَظْمًا مُجَلَّدًا وَهَيْكَلًا قَائِمًا لَا يُسَاوِي ثَمَن نَظَر إِلَيْهِ!. وارحمتاه لَك لَقَدْ مَاتَ كُلّ شَيْء فِيهَا إِلَّا قَلْبهَا وَشُعُورهَا وَلَيْتَهُمَا مَاتَا مَعًا فَإِنَّهَا لَا عَذَّبَهَا شَيْء مِثْل خَوَاطِرهَا وَأَفْكَارهَا. وَلَا يَدْخُل مِنْ بَاب غُرْفَتهَا دَاخِل حَتَّى تَرْفَع نَظَرهَا إِلَيْهِ تَظُنّ أَنَّك قَدْ جِئْتهَا فَإِذَا دَنَا وَرَأَتْهُ أَطْبَقَتْ جَفْنَيْهَا عَلَى دَمْعَة تَنْحَدِر مِنْ بَيْنهمَا بِالرَّغْمِ مِنْهَا. إِنَّهَا لَا تَتَكَلَّم كَثِيرًا فَإِذَا تَكَلَّمَتْ كَانَ أَوَّل حَدِيثهَا أَلَمْ يَأْتِ أَرْمَان فَإِذَا أَجَبْتهَا أَنْ لَا سَأَلَتْ عَنْ أَمْر آخَر تَتَلَهَّى بِهِ أَوْ عَادَتْ إِلَى ضَمَّتهَا مَرَّة أُخْرَى. لَقَدْ رَابَهَا اَلْيَوْم أَنَّ طَبِيبهَا لَمْ يَأْتِهَا فَلَمَّا أَرَدْت أَنْ أَعْتَذِر لَهُ عَنْهُ لَمْ تَصْدُقنِي وَقَالَتْ اَلْآن عَرَفَتْ كَلِمَته اَلَّتِي أَلْقَاهَا إِلَيْك

стр. 170

بِالْأَمْسِ فَسَكَتَ وَلَمْ أَعْرِف مَاذَا أَقُول. ٤١ فَبْرَايِر: أَصْبَحَ اَلْيَوْم صَوْتهَا ضَعِيفًا جِدًّا لَا أَكَاد أَسْمَعهُ وَأَظْلِم بَصَرهَا فَهِيَ تَنْظُر إِلَيَّ وَلَا تَرَانِي وَقَدْ أَشَارَتْ إِلَيَّ فِي اَلصَّبَاح مِرَارًا أَنَّ أَفْتَح لَهَا نَوَافِذ اَلْغُرْفَة لِتَسْتَنْشِق اَلْهَوَاء وَتُرَوِّح عَنْ نَفْسهَا وَنَوَافِذ اَلْغُرْفَة مَفْتُوحَة يَجْرِي مِنْهَا اَلْهَوَاء مُتَدَفِّقًا وَلَكِنَّهُ لَا يَصِل إِلَى صَدْرهَا. آه لَوْ أَسْتَطِيع يَا سَيِّدِي أَنْ أَبِيع حَيَاتِي لِأَشْتَرِيَ لَهَا بِضْعَة أَنْفَاس تَتَرَدَّد فِي صَدْرهَا أَوْ بَعْض سنات مِنْ اَلنَّوْم تَأْوِي إِلَى جَفْنهَا فَإِنَّ تَنَفُّسهَا يُؤْلِمنِي وَيُعَذِّبنِي عَذَابًا شَدِيدًا وَقَدْ مَرَّتْ بِهَا ثَلَاث لَيَالٍ لَمْ تَنَمْ فِيهَا لَحْظَة وَاحِدَة. ٥١ فَبْرَايِر بَعْد صَمْت طَوِيل لَمْ تَنْطِق فِيهِ بِحَرْف وَاحِد فَتَحْت عَيْنَيْهَا وَنَادَتْنِي بِصَوْتِهَا اَلْخَافِت اَلضَّعِيف فَدَنَوْت مِنْهَا فَقَالَتْ لِي أُرِيد اَلْكَاهِن فَأْتِينِي بِهِ فَعَلِمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَصْبَحَتْ عَلَى يَقِين مِنْ أَمْرهَا فَغَالَبَتْ عبراتي حتي خَرَجَتْ مِنْ اَلْغُرْفَة فَبَكَيْت مَا شَاءَ اَللَّه أَنْ أَفْعَل ثُمَّ ذَهَبَتْ إِلَى اَلْكَاهِن فَتُرَدِّد عِنْدَمَا ذَكَرَتْ لَهُ اِسْم اَلْمَرْأَة اَلَّتِي يُرِيد اَلذَّهَاب لَا يَسْتَحِقّهَا أَحَد مِثْل اَلْآثِمِينَ اَلْمُسْرِفِينَ فَذَعِنَ بَعْد لِأَيَّ وَجَاءَ مَعِي فَخَلَا بِهَا سَاعَة ثُمَّ خَرَجَ فَسَأَلَتْه

стр. 171

أيرحمها يَا سَيِّدِي قَالَ إِنَّهَا عَاشَتْ عَيْش اَلْآثِمِينَ وَلَكِنَّهَا سَتَمُوتُ مَوْت اَلْمُؤْمِنِينَ فَحَمِدَتْ اَللَّه عَلَى ذَلِكَ: وَمُنْذُ تِلْكَ اَلسَّاعَة لَمْ أَعُدْ أَسْمَع مِنْهَا كَلِمَة وَاحِدَة وَلَا أَرَى عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا يَتَحَدَّك إِلَّا مَا كَانَ فِي صَدْرهَا يترجح بَيْن اَلصُّعُود وَالْهُبُوط. فَبْرَايِر سَاعَة اَلْغُرُوب: إِنَّ مَرْغِرِيت تَتَعَذَّب كَثِيرًا يَا سَيِّدِي وَأَحْسَب أَنَّهَا تُعَالِج سَكَرَات اَلْمَوْت. لَمْ يُقَاسِ إِنْسَان فِي حَيَاته مِثْل مَا تُقَاسِيه اَلْآن مِنْ آلَامهَا وَأَوْجَاعهَا. إِنَّهَا تَصْرُخ مِنْ حِين إِلَى حِين صَرَخَات تَذُوب لَهَا حَبَّات اَلْقُلُوب. وَلَقَدْ اِشْتَدَّ بِهَا اَلْأَلَم اَلسَّاعَة فَهِبْت مِنْ مَكَانهَا صَارِخَة وانتثبت عَلَى قَدَمَيْهَا فِي سَرِيرهَا حَتَّى كَادَتْ تَيَقُّظ عَنْهُ فَأَدْرَكَتْهَا وأضجعتها فِي مَكَانهَا فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا فَسَقَطَتْ مِنْهُمَا دَمْعَتَانِ كَبِيرَتَانِ وَكَأَنَّمَا أَحَسَّتْ بِي فاعتنقتني وَضَمَّتْنِي إِلَيْهَا شَدِيدًا ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ تَرَاخَتْ يَدَاهَا وَعَادَتْ إِلَى نِزَاعهَا وَجِهَادهَا. قُضِيَ اَلْأَمْر وَمَاتَتْ مَرْغِرِيت وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا عَلَى سَرِيرهَا إِلَّا جُثَّتهَا اَلَّتِي سَتَذْهَبُ إِلَى قَبْرهَا تِلْكَ غَايَتهَا وَغَايَة كُلّ حَيّ

стр. 172

فَصَبَرَا عَلَى قَضَاء اَللَّه وَبَلَائِهِ. لَقَدْ هَتَفَتْ بِاسْمِك كَثِيرًا يَا سَيِّدِي فِي سَاعَتهَا اَلْأَخِيرَة وَكَانَ آخِر عَهْدهَا بِالْحَيَاةِ أَنْ نَظَرَتْ إِلَى نَظْرَة طَوِيلَة مَمْلُوءَة حُزْنًا وَدُمُوعًا حَرَّكَتْ أُصْبُعهَا حَرَكَة خَفِيفَة وَأَشَارَتْ إِلَى دَفْتَر مُذَكِّرَاتهَا اَلَّذِي كَانَ مُلْقِي بِجَانِبِهَا وَقَالَتْ أَرْمَان فَفَهِمَتْ أَنَّهَا تُوصِينِي أَنْ أُبَلِّغهُ إِلَيْك ثُمَّ أَسْلَمَتْ رُوحهَا. عَزِيز عَلِيّ يَا سَيِّدَتِي مَا لَقِيَتْ مِنْ اَلْعَذَاب قَبْل مَوْتك وَعَزِيز عَلِيّ أَنْ تَمُوتِي وَلَا تَجِدِي بِجَانِبِك مَنْ يُغْمِض عَيْنَيْك وَيُلْقِي رِدَاءَك عَلَيْك سِوَايَ وَفِي سَبِيل اَللَّه تِلْكَ اَلنَّفْس اَلطَّاهِرَة اَلْكَرِيمَة اَلَّتِي مَا جَمُلَتْ فِي حَيَاتهَا شَرًّا لِمُحْسِن وَلَا لِمُسِيء وَذَلِكَ اَلصَّدْر اَلرَّحْب اَلَّذِي كَانَ يَسَع اَلدُّنْيَا بِأَرْضِهَا وَسَمَائِهَا فَلَا يَضِيق عَنْهَا وَذَلِكَ اَلْقَلْب اَلنَّقِيّ اَلْأَبْيَض اَلَّذِي مَا اضمر فِي حَيَاته غَيْر اَلْخَيْر أَوْ اَلْإِحْسَان وَلَا فَاضَ إِلَّا بِالرَّحْمَةِ وَالْحَنَان. بَكَتْ برودنس بِجَانِب جُثَّة سَيِّدَتهَا مَا بَكَتْ ثُمَّ أَنَارَتْ حَوْلهَا اَلشُّمُوع وَبَعَثَتْ إِلَى اَلْكَاهِن فَجَاءَ وَجَثَا عِنْد رَأْسهَا يَقْرَأ فِي كِتَابه وَمَشَتْ هِيَ إِلَى اَلْمَكْتَب فَجَلَسَتْ إِلَيْهِ تَكْتُب آخِر مُذَكِّرَاتهَا حَتَّى فَرَغَتْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ مِنْ مَكَانهَا فَرَاعَهَا أَنْ رَأَتْ شَبَحًا مَاثِلًا وَقَدْ أُلْقِي مِنْ مَكَانه عَلَى سَرِير اَلْمِيتَة نَظْرَة غَرِيبَة هَائِلَة كَتِلْكَ اَلنَّظْرَة اَلَّتِي تَسْبِق صرعات اَلْجُنُون ثُمَّ اِسْتَرَدَّهَا وَأَقَلَّاهَا عَلَيْهَا وَسَأَلَهَا مِنْ هَذَا المسجي عَلَى هَذَا اَلسَّرِير فَبَكَتْ برودنس وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا فَسَقَطَتْ حَقِيبَة مِنْ يَده وَجَمَّدَ فِي مَكَانه لَحْظَة لَا يَنْطَبِق وَلَا

стр. 173

يَتَحَرَّك. ثُمَّ اِنْدَفَعَ إِلَى سَرِير اَلْمِيتَة صَارِخًا يُرِيد أَنْ يُلْقِي بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ ادركته برودنس وَوَقَفَ اَلْكَاهِن فِي وَجْهه وَقَالَ لَهُ اِحْتَرَمَ اَلْمَوْت أَيُّهَا اَلْفَتِيّ فَاخْتَنَقَتْ عَبَرَاته فِي صَدْره وَارْتَعَدَ اِرْتِعَادًا شَدِيدًا وَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَلَمْ يستفق إِلَّا مَطْلَع اَلْفَجْر حِينَمَا شَعَرَ أَنَّهُمْ قَدْ أَقْبَلُوا يَحْمِلُونَ اَلْجُثَّة فَقَامَ يَتَحَامَل عَلَى نَفْسه حَتَّى دَنَا مِنْ اَلسَّرِير وَقَالَ رَحْمَة بِي أَيُّهَا اَلنَّاس فَقَدْ فَاتَنِي أَنْ أُوَدِّعهَا وَهِيَ حَيَّة فَأَذِنُوا لِي أَنْ أَوَدّهَا مَيِّتَة فَرَحِمُوهُ وَأَفْرَجُوا لَهُ عَنْهَا حَتَّى دَانَاهَا وَرَفَعَ اَلْغِطَاء عَنْ وَجْههَا وَقَبْلهَا فِي جَبِينهَا وَقَالَ اَلْوَدَاع يَا أَعَزّ اَلنَّاس عِنْدِي اَلْوَدَاع يَا خَيْر فَتَاة فِي اَلْأَرْض وَأَشْرَفَ رُوح فِي اَلسَّمَاء ثُمَّ أَعَادَ اَلْغِطَاء عَلَى وَجْههَا وَتَرَاجَعَ عَنْهَا وَأُذُنهمْ بِحَمْلِهَا. ثُمَّ مَشَى وَرَاء نَعْشهَا يَبْكِي وَيَنْتَحِب وَلَمْ يَمْشِ وَرَاء اَلنَّعْش غَيْره وَغَيْر اَلْخَادِمَة برودنس وَالدُّوق موهان وَهُوَ يَتَوَكَّأ عَلَى عَصَاهُ وَيَقُول فِي نَدْبه وَبُكَائِهِ هأنذا أَرَى اِبْنَتِي تَمُوت أَمَامِيّ مَرَّة أُخْرَى وَلَا أَزَال حَتَّى اَلسَّاعَة عَلَى قَيْد اَلْحَيَاة وَبَعْض نِسْوَة بَائِسَات مِنْ ضَحَايَا تِلْكَ اَلْمَقَادِير. وَمَا اِنْقَضِّي اَلنَّهَار حَتَّى اِنْقَضِّي مَلَّ شَيْء وَأَصْبَحَتْ مَرْغِرِيت رَهِينَة قُرْبهَا وَأَرْمَان ضَرِيح فِرَاشه يَقْرَأ فِي مُذَكِّرَاتهَا وَيُبْكِي بُكَاء الثاكل المفجوع. . ثُمَّ اِشْتَدَّ بِهِ اَلْمَرَض بَعْد ذَلِكَ فَلَمْ تَرَ برودنس بَدَا مِنْ أَنْ تَكْتُب إِلَى أَبِيهِ تَشْرَح لَهُ سُوء حَاله فَحَضَرَ وَحَضَرَتْ مَعَهُ اِبْنَته وَزَوْجهَا وَلَبِثُوا بِجَانِبِهِ شَهْرًا يُعَلِّلُونَهُ وَيَسْتَشِفُّونَ لَهُ حَتَّى أَبُلّ وَنَجَا مِنْ خَطَره

стр. 174

ثُمَّ ذَهَبُوا جَمِيعًا إِلَى قَبْر مرغيريت لِيُوَدِّعُوهَا قَبْل سَفَرهمْ فَبَكَوْا حَوْله بُكَاء شَدِيد وَكَانَتْ سوسان أَشَدّهمْ بُكَاء عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَم أَنَّهَا تَبْكِي اَلْمَرْأَة اَلَّتِي ضَحَّتْ بِنَفْسِهَا فِي سَبِيلهَا. ثُمَّ تَقَدَّم المسيو دوفال إِلَى وَلَده وَقَالَ لَهُ أَتُغْفَرُ لِي ذَنْبِي يَا بَنِي قَالَ نَعَمْ يَا أَبَتَاهُ لِأَنَّهَا غَفَرَتْ لَك ذَنْبك إِلَيْهَا ثُمَّ اِنْصَرَفُوا. مَرَّتْ اَلْأَيَّام وَانْقَضَتْ اَلْأَعْوَام وَمَاتَ المسيو دوفال وَسَعْد لده كَمَا أَرَادَ لَهُ أَبُوهُ وَلَكِنْ بَقِيَتْ بَيْن جَبِينه لَوْعَة معتلجة لَا يَرُوحهَا عَنْهُ كُلَّمَا سَاوَرَتْهُ إِلَّا قِرَاءَة مُذَكِّرَات مَرْغِرِيت وَمُحَادَثَة برودنس عَنْهَا وَزِيَارَة قَبْرهَا مِنْ حِين إِلَى حِين.