← Адаб

Адаб · id 26423

البصائر والذخائر

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (2 098 стр.). Показаны 2066–2098 · переход к 2071.

стр. 2066

العجوز وهم يريدون نجعة، فقالت: من أمسى والله في مثل حالي فقد هلك، ومن كان مثل هؤلاء فقد ملك، فقال لها رجال الحي: ما ملكن؟ قالت: ملكن والله عرانين كريمة، من قبائل شريفة، تعني أزواجهن. قال الأصمعي، قال عيسى بن عمر: كنت بالبادية فتضيفت امرأة فدخلت الخباء فجعلت ترقق زوجها عن قرى ويريغها، فسمعتها تقول: أنا ابنة الأقيل، المعم المخول، فإن كنت تجهلني فسل؛ وسمعت الزوج يقول: أنا ابن بلال، الكريم العم والخال. ثم أتتني بقرص مثل فرسن البكر البكر فأكلته. كاتب: قد رأيتك لحقي غامطاً، وللسانك علي باسطاً وأنشد: إذا أنكرت أحوال الصديق ... فلست من التحير في مضيق طريقاً كنت تسلكه زماناً ... فأسبغ فاجتنبه إلى طريق آخر: من يحمد الصبر وأسبابه ... فلست بالحامد للصبر فكم ساقني الصبر من جرعة ... أمر في الطعم من الصبر

стр. 2067

أنشد أحمد بن الطيب لأبي الخطاب الطائي: قالوا تعشقتها سمراء قلت لهم ... لون الغوالي ولن المسك والعود إني امرؤ ليس شأن البيض مرتفعاً ... عندي ولو خلت الدنيا من السود آخر: ألم تر أن المسك قدر حفينة ... بمال وأن الملح حمل بدرهم قال أبو يوسف القاضي لابن نهيك: ما تقول في السواد؟ قال: النور في السواد، يعني: نور العين في سوادها. نظر ابن أبي عتيق إلى جارية سوداء حالكة فقال: لو اقتسمتها الغواني خيلاناً لحظين بها. شاعر يهجو فتى من بني هاشم: أما أبو فهو من هاشم ... وأمه ذات حر عبل مقرفة حصنها منجب ... فضاع فيها كرم الفحل أنشد أحمد بن الطيب: وما الناس إلا خادع ومخدع ... وصاحب إسهاب وآخر كاذب كان أبو بكر الأصم وهشام بن الحكم صاحب الإمامية والتشبيه

стр. 2068

يقولان في المسخ بالقلب ويقولان: جائز أن يقلب الله خردلة في عظم جبل من غير أن يزيد فيها جسماً أو عرضاً، أو ينقص منها جسماً أو عرضاً، والأجسام هي الأشياء ذات الطول والعرض والعمق، والأعراض صفاتها التي لا توجد إلا فيها ولو فارقتها لم تقم بأنفسها. قال أحمد بن الطيب: وأما أنا فأقول: إن الله يمتحن بما شاء من شاء، كيف شاء، ومتى شاء، أين شاء، وليس لنا أن نقترح في شيء من محنة الزمان ولا المكان، ولا الممتحن، ولا صورة الممتحن، لأنه العالم بمصالحنا، القادر على تصريف أحوالنا، الذي يرفع بعضنا فوق بعض ليتخذ بعضنا بعضاً سخرياً، فالممتحن بالعلم والتمكن غير الممتحن بالنقص والتوهين، وليس لأحد على الله حجة، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال أبو العيناء، قال الأصمعي: دخل ابن سعية اليهودي على معاوية فأنشده: ولكنما دهري رواق تحفه ... ثمانون ألفا من كمي ومعلم يقودون قود الخيل أوتارها القنا ... إذا استمطروا جادت سماؤك بالدم سأطلب مجداً ما حييت وسؤدداً ... بماء شبابي أو يولون مأتمي

стр. 2069

فقال معاوية: لمن هذا؟ قال لأبي، فقال: نحن أحق بهذا من أبيك. قال أحمد بن الطيب: قال صاحب كتاب الأخلاق في الحيلة لتقبيح الغضب عند سريع الغضب: إن الغضبان خارج الصورة عن الاعتدال أما تراه جاحظ العينين، بادي العروق، دار الأوداج، مضطرب الأوصال، مشوه البنية، مختلف الحركة، مكدود النفس، حار المزاج، مضطرم الحرارة، مدخول الروية، عامر الفكرة، ظاهر العجز، جاهلاً بقدر الحق. قال أحمد: وإن قال آخر في مقابلة القول في وصف المغضب وتحسين الغضب عنده: أما ترى هذه الحمية، أم ترى حسن الوفاء، أما ترى الليث العادي، كذا والله يحمي الذمار، ويأنف الأحرار، ولهذا قيل، النار ولا العار، هذه والله عين النائم إذا استيقظت الغطارفة الذادة، عين الساكن إذا تحركت القادة، هذا والله كما قال جرير: لا أبتدي ولكن أعتدي وكما قال ابن أم كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا وكما قال الجعدي: ولا خير في حلم إذا مل تكن له ... بوادر تحمي صفوة أن يكدرا قال عبد الله بن صفوان: ما يسرني بملابسة الأمور حمر النعم، قيل له: ولم ذاك؟ قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخصت له تركك، وإذا تطأطأت له تخطاك.

стр. 2070

وقال قيصر لقس: ما أفضل الحكمة؟ قال: معرفة الإنسان بقدره، قال: فما أكمل العقل؟ قال: وقوف الإنسان عند حلمه، قال: فما أوفر الحلم؟ قال: حلم الإنسان عند استماع شتمه، قال: فما أصوت المروءة. قال: استبقاء الإنسان ماء وجهه، قال: فما أكل المال؟ قال: ما أعطي الحق منه، قال: فما أحسن السخاء؟ قال: البذل قبل المسألة، قال: فما أنفع الأشياء؟ قال: تقوى الله وإخلاص العمل له، قال: فأي الملوك خيراً؟ قال: أقربهم من الحلم عند المقدرة، وأبعدهم من الجهل عند الغضب، ومن يرى أنه لايضبط ملكه إلا بالعدل بين رعيته. قال بعض الحكماء: أفضل الحكماء من وهب له علم بلا وعي فاختار الصمت على الكلام إلا في موضعه. وروى أن قساً دخل على هرقل ملك الروم أيضاً فقال: له أخبرني عما بلوت من الزمان وتصرفه، واختبرت من أخلاق أهله؟ قال: قد صحبنا الزمان فوجدناه صاحباً خواناً، ووجدنا الأنساب ليس بالآباء والأمهات ولكنها الأخلاق المحمودة، وفي ذلك أقول: لقد حلبت الزمان أشطره ... ثم شربت الصريح من حلبي

стр. 2071

فلم أر الفضل والتشرف في ... قول الفتى إنني من العرب حتى ترى سامياً إلى خلق ... يزيد محموده على الحسب ما ينفع المرء في فهاهته ... من عقل جد مضى وعقل أب ما المرء إلا ابن نفسه فبها ... يعرف عند التحصيل في النسب حتى إذا الدهر غال مهجته ... الفيته تربة من الترب قال أحمد: وقد قال قس هذا، وأنا لا أقول كما قال، بل أقول إذا كان الفتى في بيت شرف ولم يكن له في نفسه فضيلة، كان شرفه زائداً في نقصه، وإذا كان الفتى في بيت نقص وكانت له فضيلة في نفسه، كان نقص أبيه زائداً في شرفه، ولكن التام الكامل، والشريف الراجح، والأديب الشريف، كما قال الأول: وابن السري إذا سرى أسراهما ومذهب قس العامري الذي يقول:

стр. 2072

إني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المتلاف في كل موكب فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسموا بأم ولا أب ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمقنب وقال آخر: وما الحسب الموروث لا در دره ... بمرتفع إلا بآخر مكتسب إذا العود لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتده الناس في الحطب وللمجد قوم ساوروه بأنفس ... كرام ولم يعلوا بأم ولا بأب دعا أعرابي على آهر فقال: لا رشد قائده، ولا سعد رائده، ولا أورى قادحه، ولا أذكى رائحة، ولا أصاب غيثاً، ولا وافق إلا ليثاً. بعض الكلام ينسب إلى علي ﵁، وهو بالمنسوب إليه أشبه. قال أعرابي: جهل يكفي خير من أدب يحوج، ونقص يمثر خير من علم يخدع. قال أعرابي: من غره السراب، تقطعت به الأسباب. وقال أعرابي: لكل قضاء جالب، ولكل در حالب.

стр. 2073

وقال أعرابي: عداوة ذي القرابة، كالنار في الغابة. وقال أعرابي: لكل كلام وعاء، ولكل بذر مزرع. وقال أعرابي: أي امرىء باشرته فلم ينتصح، وغلق سنيته فلم ينفتح. وقال أعرابي: رب منع أكرم من عطاء، وشوك أمهد من وطاء. وقال أعرابي: ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب. وقال أعرابي: إذا أوقدوا أشبوا، وإذا اصطنعوا أربوا. وقال أعرابي: رحم الله فلاناً، كان يهتدي برأيه الصحب، ويستدل بناره الركب. قال أحمد بن الطيب: وأنا أستحسن قول القائل: إن العزيز يزداد بالعفو عزاً، والذليل يزداد بالعفو ذلاً؛ وهذا شبيه بما يقوله جالينوس في طلاب الأدب وهو قوله: إن ابن الوضيع إذا كان أديباً كان نقص أبيه زائداً في فضله، وابن الشريف إذا كان غير أديب فشرف أبيه زائد في نقصه. والعلة في صحة هذا القول واضحة بينة، وذلك أن الشرف في الآباء دال على مكان

стр. 2074

الأبناء، فإذا دل الشرف على ناقص في نفسه كان الشرف سبباً لوقوف الناس على عيوبه. وفي الباب الآخر أن الناس فيما أتى من غير معدنه في غير منبته أشد كلفاً، ومنه أشد تعجباً، إذ كانت الأسباب دونه منقطعة، وحباله من الفضل منفصمة، فليس يخلص ابن الناقص إلى الزيادة والتقديم بنفسه إلا بنفس قوية، وهمه بعيدة، وعناية شريفة، فلذلك شهد الناس بالتقديم لشريف لو كان أديباً، لأن الممكن أهون مطلباً من المتعذر، والسهل أسهل مراماً من الوعر، فتكلف الصعب صعب، وتكلف الصعب في طلب الجميل أفضل أمراً ممن أتاه الفضل عفواً، إلا السعيد الفاضل والمقدم الكامل الشريف الأديب. للنظام: لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان كاسفة ... لا ذل ضعف ولكن ذل أحلام وإن دعا الجار لبوا عند دعوته ... في النائبات بإسراج وإلجام مستلئمين لهم عند الوغى زجل ... كأن أسيافهم أغرين بالهام قال أعرابي: لايزال الوجه كريماً ما بقي حياؤه، والغصن نضيراً ما بقي لحاؤه.

стр. 2075

قال أعرابي: الوجه المصون بالحياء، كالجوهر المكنون في الوعاء. قال أعرابي: رونق صفحة الوجه عند الحياء، كفرند صفحة السيف عند الجلاء. قال أعربي: ما المتبختر في وشي ردائه، بأحسن من المتقارب في قيد حيائه. قال أعرابي: اشحذ بالعدل على الطاعة قلوب الأوداء، كما ترهف السيف لمقارعة الأعداء. أنشد أحمد بن الطيب: ولا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم ولا تفحش وإن ملئت غيظاً ... على أحد فإن الفحش لوم ولا تقطع أخاك لأجل ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم وما قتل السفاهة مثل حلم ... يعود به على الجهل الحليم إذا استودعت سراً فاكتمنه ... فخير زوامل السر الكتوم قال أعرابي: فوت المعروف أيسر من مراس التسويف. سمع أعرابي كلاماً فقال: هذا كلام لم يغتصب تعسفاً، ولم يقتضب تكلفاً. قال أعرابي: الاستطالة عند النعمة طبع، وعند النكبة ضرع.

стр. 2076

قال أعرابي: أنا أستغني بحفي لحظك عن جفي لفظك. ذكر القدر في مجلس عمر بن عبد العزيز فقال من حضرة: فأعلمنا رأيك فيه، فقال: كما أن بوادي الخير من الله، فكذلك بوادي الشر منه، وقد سبق به علمه. قدم البصرة أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد منهزماً من أبي فديك الحروري، فهاب وجوه أهلها تلقيه وقالوا: ما عسى أن نقول: الحمد لله الذي هزمك، أو الحمد لله الذي نجاك؟ ثم بلغهم أن خالد بن صفوان خرج يتلقاه، فخرجوا إليه ليشهدوا فضيحته، بزعمهم، وقالوا: ما تراه يقول له؟ فلما طلع قال له خالد: بارك الله لك أيها الأمير في مقدمك، والحمد لله الذي نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة جهدك بخذلان من معك لك، فعلم الله فاقتنا إليك. فرجعوا وهم يقولون: لا يعييه كلام بعد هذا. قال أعرابي: هو كالسيف إن مسست متنه كنت راضياً، وإن لمست حده كان ماضياً. قال أعرابي: لكل توبة غرس، ولكل بناء أس، وعند كل مأتم عرس.

стр. 2077

قال أعرابي لصاحب له: استظهر على الدهر بخفة الظهر. قال أعرابي: زلة الجبان في التقصير، وزلة الشجاع في التغرير، وزلة البخيل في التقتير، وزلة السخي في التبذير. قال أعرابي: هجين عاقل خير من هجان جاهل. قال أعرابي: لا تبذل رفدك لمن لا يعرف حقك. قال أعرابي: رب نطق صدع جمعاً، وسكوت شعب صدعاً. قال أعرابي: رب حافظ مضيع. قال أعرابي: هذا غنىً إلا أنه منىً وقال آخر: هذا غناء لولا أنه فناء، وعلاء لولا أنه بلاء، وبقاء لولا أنه شقاء. قال أعرابي في كلام له: رملة حضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها.

стр. 2078

قال أعرابي لصاحب له: قطعت أوصالي إذ صرمت وصالي. وقال آخر: الجهل أخصب رحلاً، والأدب أكثر محلاً. وقال آخر: ثوب السفيه قمل، وقلب الجاهل نغل. وقال آخر: الدنيا منزل نقلة، ومحل مثلة. وقال آخر: أما فلان فركوب للأهوال، وأما فلان فألوف للظلال. لدعبل الخزاعي: إذا غزونا فمغزانا بأنقرة ... وأهل سلمى بسيف البحر من جرت هيهات هيهات بين المنزلين لقد ... أنضيت شوقي وقد أبعدت ملتفتي جلت محلا بقطر الأرض منتبذاً ... تقصر الريح عنه كلما جرت فما ينال بها الهيمان مورده ... إلا بنص وجذب العيس بالبرة أحببت أهلي ولم أظلم بحبهم ... قالوا تعصبت جهلاً، قول ذي بهت أحمي حماهم وأرمي في معارضهم ... وأستقلهم إذا ما رجلهم هوت لهم لساني بتقريظي وممتدحي ... نعم، وقلبي وما تحويه مقدرتي

стр. 2079

دعني أصل رحمي إن كنت قاطعها ... لابد للرحم الدنيا من الصلة لولا العشائر ما رجيت عارفة ... ولا لحقت على الأيام من ترة فاحفظ عشيرتك الأذنين إن لهم ... حقا يفرق بين الزوج والمرة قومي بنو حمير والأسد أسرتهم ... وآل كندة والأحياء من علة ثبت الحلوم فإن سلت حفائظهم ... سلو السيوف فأردوا كل ذي عنت هم أثبت الناس أقداماً إذا بغتوا ... وقل ما تثبت الأقدام في البغت كم نفسوا كرب مكروب وكم صبروا ... على الشدائد من لأواء فانجلت كم عين ذي حول فقأت ناظرها ... وكم قطعت لأهل الغل من حمة كم من عدو تحاماني وقد نشبت ... فيه المخالب يعدو عدو منفلت لو عاش كبشا تميم ثمت استمعا ... شعري لماتا ومات الوغد ذو الرمة وصار بالعدوة القصوى يؤرقه ... خوفي فبات وجاش القلب لم يبت تقدمته بنات القلب طائرة ... خوفاً لضغم أبي شبلين منهرت كالليث لو أزم الليث الهصور به ... ما غض طرفاً ولم يجزع ولم يصت نفسي تنافسني في كل مكرمة ... إلى المعالي ولو خالفتها أبت كم قد وطئت على أحشاء متعبة ... للنفس كانت طريق اللين والدعة وكم زحمت طريق الموت معترضاً ... بالسيف صلتا فأداني إلى السعة والجود يعلم أني منذ عاهدني ... ما خنته وقت ميسوري ومعسرتي والضيف يعلم أني حين يطرقني ... ماضي الجنان على كفي ومقدرتي أهوى هواه ويهوى ما أسر به ... ينال ما يشتهي والنفس ما اشتهت ما يرحل الضيف عني غب ليلته ... إلا بزاد وتشييع ومعذرة قال العواذل أودى المال قلت لهم ... ما بين أجر ألقاه ومحمدة

стр. 2080

أفسدت مالك، قلت المال يفسدني ... إذا بخلت به والجود مصلحتي أرزاق ربي لأقوام يقدرها ... من حيث شاء فيجريهن في هبتي فليشكروا الله ما شكري بزائدهم ... وليحمدوه فإن الحمد ذو مقة لا تعرضن بمزح لامرء سفه ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة فرب قافية بالمزح جارية ... مشبوبة لم ترد إنماءها نمت رد السلى مستتماً بعد قطعته ... كرد قافية من بعدما مضت إني إذا قلت بيتاً مات قائلة ... ومن يقال له والبيت لم يمت قال بعض شيوخ الطب: الطب ينقسم قسمين وهما: العلم، والعمل؛ قال: والعلم ثلاثة: علم الطبائع، وعلم الأسباب، وعلم العلامات. وعلم الطبائع سبعة أقسام: على الأسطقسات، وعلم المزاج، وعلم الأخلاط، وعلم الأعضاء، وعلم القوى، وعلم الأفعال، وعلم الأرواح. قال: والأسباب ثلاثة: البادية والسابقة والواصلة. والعلامات ثلاث: الحاضرة والسالفة والآتية. والاسطقسات أربعة: النار والهواء والماء والأرض؛ قال: والنار حارة يابسة، والهواء حار رطب، والماء بارد رطب، والأرض باردة يابسة. والمزاج تسعة: واحد معتدل وثمانية غير معتدلة، وهذه الثمانية أربعة مفردة، وهي الحار والبارد والرطب واليابس، وأربعة مركبة وهي: الحار

стр. 2081

اليابس، والحار الرطب، والبارد اليابس، والبارد الرطب. والأخلاط أربعة: الدم والمرة الصفراء، والسوداء والبلغم؛ فالدم حار رطب، والمرة الصفراء حارة يابسة، والبلغم بارد رطب، والمرة السوداء باردة يابسة. والأعضاء قسمان: بسيط ومركب؛ فالبسيط كالعظم والعصب والعروق، والمركب كالرأس واليدين والرجلين. ومن الأعضاء أعضاء رئيسة، وأعضاء مرؤوسة، وأعضاء ليست برئيسة ولا مرؤوسة؛ فالرئيسة أربعة: الدماغ والقلب والكبد والأنثيان؛ والمرؤوسة ما يخدم هذه الرئيسة، وذلك أن الدماغ يخدمه العصب، والقلب يخدمه الشرايين، والكبد يخدمه العروق، والانثيان يخدمهما أوعية المني؛ وما ليس برئيس ولا خادم كالعظام والغضاريف والشحم واللحم والأعضاء التي لها قوى رئيسة كالمعدة والكلى. والقوى ثلاث: طبيعية ومسكنها الكبد، والقوى الطبيعية سبع: القوة الجاذبة، والقوة الممسكة، والقوة الهاضمة، والقوة المغيرة، والقوة الدافعة، والقوة المولدة، والقوة الغاذية؛ والقوى النفسانية ثلاث: القوة المحسنة، والقوة المدبرة، والقوة المحركة. فأما القوى المحسنة فهي الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والمذاق واللمس؛ والقوى المدبرة ثلاث: الفكر، والوهم، والحفظ؛ والوهم في مقدم الدماغ، والفكر في وسطه، والحفظ في آخره؛ والقوة المحركة واحدة، وهي التي تكون عنها الحركة الإرادية، والانتقال من مكان إلى مكان. والأفعال صنفان: أحدهما بسيط والآخر مركب؛ فالبسيط ما يكون من قوة واحدة كالجذب والإمساك؛ والمركب ما يكون بقوتين كالشهوة، فإنها تتم بقوتين: إحداهما جاذبة، والأخرى ممسكة، وكنفوذ الغذاء فإنه يتم بالقوة الجاذبة والدافعة. والأرواح ثلاث: الروح الطبيعية التي تكون في الكبد، وتنفذ القوة

стр. 2082

الطبيعية مع الغذاء في العروق إلى جميع الأعضاء؛ والثانية: الروح النفسانية التي تكون في الدماغ؛ والثالثة من الأرواح وأهمها التي تنفذ الحس والحركة في العصب إلى جميع الأعضاء. فهذه أقسام الجزء الأول من قسمي الطب وهو العلم، وسيأتي على أثره بعد قسم العمل كلام رائق، وحكمة معشوقة، ولفظ مطرب، وبلاغة شريفة. وقد يقول العائب: أطلت هذا الفصل في الطب حتى كأن الكتاب نصب لهذا الغرض، أو أريد به هذا الباب؛ واعلم أن الأمر ليس كذلك، ولكن عن هذا الفصل ودل على حسن ونفع، فوجب في الرأي أن يصحب جميع الغرر التي تقدمته ليكون الكتاب آخذاً من كل أدب بنصيب. سمعت الأنصاري يقول: إن الله تعالى جعل على كل كلمة حكمة، وعلى كل قول دليلاً وحجة، ومع كل دعوى برهاناً وبينة، وعند كل شبهة وقفة ومهلة، وفي كل نازلة نصاً أو علة، ولم يسقط شيئاً عن مرتبة البيان، كما لم يرفع أحداً مرتبة التبيين، فمن أحب أن يظفر بالحق فليطمع نفسه فيه، مع التجرد في الطلب، والتحقق بالغرض، ومفارقة العادة وما عليه المنشأ، ولا يأنس بتقليد العالم حتى يتبين كما يتبين العالم، ولا يستوحش من وحدته إذا عرف المطلوب من نفسه بكمال عقله مع وضوح حجته. ويقال: ما الأسودان، والأبيضان، والأسوءان،

стр. 2083

والأعجمان، والأذفران، والأربدان، والأنقصان، والأشهران، والأبخلان، والأكذبان، والأدفعان، والأوحيان، والأوقفان، والأعوران، والأنكدان، والأعذبان، والأقطعان، والأمنعان، والأقويان، والأنفسان، والأعليان، والأشبهان، والأشرفان، والأغرران، والأشنبان، والأهينان؟ وسيمر بك تفسير هذه المثاني مستقصى بعد أوراق يسيرة. قال يحيى بن نصر: سمعت أبا حنيفة يقول: احتجت إلى ماء في البادية فجاء أعرابي ومعه قربة ماء ملأى فقلت: بكم تبيع؟ فقال: بخمسة، فما كسته فأبى النقصان، فدفعت الثمن إليه قم قلت: يا أعرابي هل لك في سويق طيب؟ قال: إي ورب الكعبة، فقدمته إليه في حفنة، فلما استوفى منه قال: اسقني شربة، قلت: والله لا شربتها إلا بخمسة، فما زال كذلك حتى اشترى مني شربة بخمسة، ففضل الماء عندي، وعادت الدراهم. كان أبو سيف القاضي راكباً وغلامه يعدو وراءه، فقال له رجل: أتستحيل أن تعدي غلامك؟ لم لا تركبه؟ قال: أيجوز عندك أن أسلم غلامي مكارياً؟ قال: نعم، قال: فيعدو معي كما يعدو مع الحمار لو كان مكارياً. قيل لربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما رأس الزهادة؟ قال: جمع الأشياء من حلها ووضعها في مواضعها. قال الأصمعي: دخلت البادية فرأيت أعرابية من أحسن الناس وجهاً تحت أقبح الناس وجهاً فقلت: يا هذه، أترضين أن تكوني تحت هذا؟

стр. 2084

قالت: يا هذا، لبئس ما قلت، لعله أحسن فيما بينه وبين الله ربه فجعلني ثوابه، وأسأت فيما بيني وبين ربي فجعله عقوبتي، أفلا أرضى بما رضي الله تعالى لي؟ قال: فأسكتتني والله. قال أبو حنيفة: إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله شيء أخذناه، وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم. قال أبو معاذ: أهل الكوفة صاروا موالي لأبي حنيفة لأن الضحاك الحروري دخل الكوفة عنوة فجلس في الجامع فحكم بقتل الرجال وسبي الذراري، فخرج أبو حنيفة إليه بقميص ورداء فقال: أريد أن أكلمك بكلمة، قال: هات، قال: لأي شيء استحللت دخول هذه البلدة وترويع النساء والصبيان؟ قال: لأن القوم مرتدون، فقال أبو حنيفة: لم يزل كان هذا دينهم، أو كانوا على غير هذا؟ فقال: كيف قلت؟ أعد علي، فأعاد، فقال الضحاك: أخطأنا، أخطأنا، أغمدوا سيوفكم وارجعوا. قال خارجة بن مصعب: دعا أبو جعفر أبا حنيفة إلى القضاء

стр. 2085

فأبى فحبسه، ثم دعا به فقال له: أترغب عما نحن فيه؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، لا أصلح للقضاء، فقال: كذبت، فقال أبو حنيفة: قد حكم علي أمير المؤمنين بأني لا أصلح لأنه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذباً فإني لا أصلح، وإن كنتُ صادقاً فقد قلت: إني لا أصلح، فرده إلى الحبس. قال أبو يحيى الحماني: رأيت نجماً سقط فقيل: هذا أبو حنيفة، ثم سقط آخر فقيل: هذا سفيان، ثم سقط آخر فقيل: هذا مسعر، فمات أبو حنيفة ثم سفيان ثم مسعر. قال عبد الله بن داود: كتب رجل كتاباً على لسان أبي حنيفة إلى والي جرجان فوصله بأربعة آلاف درهم، فقيل لأبي حنيفة فقال: إن كان ذاك مما ينفعكم فافعلوا. كان أبو حنيفة يقول: ما صليت صلاة إلا وأنا أستغفر الله من تركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان أبو حنيفة يقول: ابن أبي ليلى استحل مني ما لا أستحل من سنور.

стр. 2086

أسلم أبو حنيفة ابنه حماداً إلى المعلم فعلمه الحمد فوصله بخمسمائة درهم، فقال المعلم: إن هذا عظيم، فقال أبو حنيفة: يا هذا، ليس للقرآن عندك قدر؟! قال يزيد بن هارون: أدركت الناس فما رأيت أفضل ولا أعقل ولا أورع من أبي حنيفة. قال محمد بن الحسن: قام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية: " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " القمر: ٤٦. قال فيلسوف للإسكندر: أيها الملك، إني مررت بمصور فقلت: إنك قد أكثرت حلي هذه الجارية، فقال: نعم لم يمكني أن أجعلها حسنة فجعلتها غنية. قال فيلسوف: الجمال الظاهر الحسن يقدر المصور أن يحكيه بالأصباغ، فأما الجمال الذي للأنفس فلا يمكن، لأنه للإنسان بالطبع. قال الحسن بن وهب في مجلسه: لو ساعدنا الزمان لجاءت بنات - كذا كان اسمها، جمع بنت، وكانت جارية كاتب راشد - فما تكلم حتى دخلت فقال: ما أحسن ما قال في هذا ابن أبي أمية:

стр. 2087

وفاجأتني والطرف نحوك شاخص ... وذكرك ما بين اللسان إلى القلب فيا فرحة جاءت على إثر ترحة ... ويا غفلتي عنها وقد نزلت قربي هذه رسالة أفادنيها أبو سليمان وزعم أنها لأرسطاطاليسن وقرأها بعض مشايخ الفلسفة فقال: هي من كلام بعض الملوك، ولا أقف منها على أكثر مما حكيت، ولولا جلالتها في نفسها ما سقتها ها هنا، قال: أما بعد، فإن حقاً على المرء أن ينظر إلى محاسن الناس ومساوئهم، وموقعها منهم في منافعها ومضارها، فيلتمس المنافع لنفسه من مثل ما نفعهم، وينفي المضار عنها من مثل ما ضرهم، فيوظف للأمور وظائفها ويجعل بين طبقاتها حدوداً يزايل بينها، ثم يأخذ نفسه بتأديبها في إحياء علم ما يعلم من الأمور بالعمل، واستجلاب علم ما جهل منها بالتعليم، ثم لا يكون تأديبه لنفسه في غير وقت واحد ولا معلوم، فإنه واجد في كل حين من أحايين الدهر، وطبقة من طبقاته التي هو راكبها في كل حال من حالات نفسه التي تتحرك من ضروب النصب واللهو موضع تأديب وتقويم لها حتى لا يكون لأهل طبقة من الطبقات، رفيعة كانت أو وضيعة، عليه في طبقته التي يشاركهن فيها فضل، فإن امرءاً لا يلتمس أن يكون له فضل على طبقة من الطبقات إلا دعاه فضله

стр. 2088

عليهم إلى الرغبة عنهم حتى يترقى في منزلته إلى مشاركة أهل المنزلة التي فوق منزلته، كأن طلب الراحة يذهب بالراحة ويورث النصب، وترك التأديب ضرر، وذو الضرر نصب عليل فقير، فمنهاج التأديب تيقظ المرء لطلب الأدب، ثم لا يمنعك عصيان النفس من إدامة تيقظها، فإن الحاجة إليها مع حبها للراحة سيحملها على طلب الراحة ببعض الطاعة، فإذا همت النفس ببعض الإجابة كان أول ما تؤخذ به إعطاء الدين حقه وإشعار النفس حظها، ثم الاستكثار من فوائد الإخوان، فإن كثرتهم تقيل العثرة، وتنشر المحمدة، وتعهد الإخوان بالملاطفة، فإن التارك متروك، ثم تعهد إخوان الإخوان، فإن إخوان الإخوان من الإخوان بمنزلة العلم المستدل به على الوفاء، ثم تعهد أهل المكاثرة المشبهين بالإخوان بالصبر عليهم، إما طمعا في تحويل ذلك عنهم صدقاً، وإما اتقاء كلمة فاجرة أتت من لفظ مائق، ثم تعهد الضعفاء على المسكنة وأهل الزمانة عند الضعف، والعقب عند الموت، ثم حسن التعاطي إن كان لك فضل بإسقاط المنة وإحراز الفضل، والسخط على نفسك في التقصير، ثم تعهد الملوك بالتقريظ والملازمة، فإن همتها في أنفسها الامتداح، وفي الناس الاستعباد، ثم تعهد النصحاء بالخلوة، فإن نصيبهم منك واستفادتك منهم في الخلوة، ثم تعهد الصلحاء بالمصافاة لتعرف بالخير وتتسم به، ثم تعهد الأكفاء بالمكارم فإنها تحسن العمل وتثمر الإخاء، ثم تعهد الحامد بتفتيش

стр. 2089

الدخلة، ثم تعهد ضعفاء ذوي الرحم بالرحمة وأقويائهم بالتعليم، ثم تعهد الأعداء ذوي التنصل بالمغفرة، وذوي الاعتراف بالرأفة والرحمة، ثم تعهد الحساد بالمغايظة، وأهل البغي بالعزيمة، وأهل المشاتمة بالمحقرة، وأهل المواثبة بالوقار في الأمر في الشبهات بالكف، والمجهولات بالإرجاء، والواضحات بالعزيمة، والمستترات بالبحث، ثم إحياء العذر عند المداهنة، والتجميل عند الغيظ، والكظم عند الغضب، والوقار عند المستجهلات، ثم تعهد الجار بالرفق، والقرين بالمواساة، والصاحب بالمطاوعة، والزائر بالتحفة، ثم صحبة الملوك بكتمان السر، وتقريظ الأفعال، ثم قس بين خيار إخوانك وشرارهم، ثم انظر أي الفريقين تستجمع لك به مودتهم، فإن تشبهك بخيارهم يزيدك عند شرارهم نفاقاً، والسلام. قال أعرابي في وصف قوم: ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام. قال أعرابي: لاتنظر إلى صغر جرمه، وانظر إلى عظيم جرمه. وقال آخر: قد يكدي الجاد ويكل الحاد قال أعرابي في وصف كلام: قد رعى الشيح، واستنشق تلك الريح. قال أعرابي: من شاخ باخ.

стр. 2090

قال أعرابي: علم الكلام في وجهه يلوح، ونشر الجود من ثوبه يفوح، والمجد يغدو معه ويروح. وقال أعرابي: من كره النطاح، لم ينل النجاح. آخر: الصبر مر، لا يتجرعه إلا حر. قال ثعلب في المجالسات: أشرف عبد الملك على أصحابه وهم يذكرون سيرة عمر ﵁، فغاظه ذلك فقال: حسبكم من ذكر عمر فإنه إزراء بالولاة، ومفسدة للرعية. قال ثعلب، قال ابن عائشة: قال قنيع النصري يهجو موسى ابن عمرو بن سعيد بن العاص: كل بني العاصي حمدت عطاءهم ... وإني لموسى في العطاء للائم وليس بمعط نائلاً وهو قاعد ... وحسبك من بخل امرئ وهو قائم فإن يك من قوم كرام فإنه ... ذنابى أبت أن تستوي والقوادم قال ثعلب، قال السدي: أتيت كربلاء أبيع البز بها، فعمل لنا شيخ من طيء طعاماً فتعشينا عنده، فذكرنا قتل الحسين بن علي رضي الله

стр. 2091

عنهما، فقلنا: ما شرك أحد في قتله إلا مات بأسوأ ميتة، فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق قال أنا ممن شرك في ذلك، فلم يبرح حتى دنا من المصباح وهو يتقد بفنط، فذهب ليخرج الفتيلة فأخذت النار في لحيته، فعدا وألقى نفسه في الماء، فرايته كالحممة من ساعته، لا ﵀. قال ثعلب: فلج الرجل على خصمه يفلج فلجاً وفلوجاً. قال ثعلب: نزلت بسحسحه، وعقوته، وعرصته، وعذرته، وعقاته، وعقاره، وعراقه وعيقته، وعراته، وعراه، وعرقانه، وحراه، ليس فيها شيء مهموز الألف. قال ثعلب: سمع هشام بن عبد الملك زيد بن علي يقول: ما أحب أحد الحياة إلا ذل، قال: فخامة منذ سمع ذلك منه. كان الحسين بن زيد يلقب ذا الدمعة وذلك لكثرة بكائه، فقيل له في ذلك فقال: وهل تركت النار والسهمان لي مضحكاً؟ يريد السهمين اللذين أصابا زيد بن علي ويحيى بن زيد بخراسان.

стр. 2092

قال ثعلب: هو يتحوف مالي، أي يأخذ من أطرافه. ويقال: ما في السماء طخاء وطحاء: هو الرقيق من الغيم. قال أبو عبيدة: مخسول: مرذول؛ ويقال: حبج إذا ضرط؛ ويقال: احتمس الديكان واحتمشا إذا اقتتلا؛ ويقال: حمس الشر وحمش إذا اشتد؛ ويقال: جاحس في القتال وجاحش. عن الأصمعي: وتنسمت منه علماً وتنشمت أي أخذت وأتيته بسدفة من الليل وشدفة، وهو السدف والشدف. ويقال: رجل غديان وعشيان وصبحان وقيلان وغبقان، من الصبوح والقيل والغبوق. قال ثعلب: قال معاوية لعتبة يوم الحكمين: يا أخي، أما ترى ابن عباس قد فتح عينيه ونشر أذنيه، ولو قدر أن يتكلم بهما فعل؟ وغفلة أصحابه مجبورة بيقظته، وهو رجلهم، وهي ساعتنا الطولى، فاكفنيه؛ قال: قلت: بجهدي؛ قال: فقعدت بجنبه، فلما أخذ القوم في الكلام أقبلت عليه

стр. 2093

بالحديث، فقرع يدي وقال: ليست ساعة حديث، فأظهرت غضباً وقلت: يا ابن عباس، إن ثقتك بأحلامنا أسرعت بك إلى أعراضنا، وقد والله تقدم فيك العذر، وكثير من الصبر، قم أوزعته؛ فجاش به مرجله حتى ارتفعت أصواتنا، فأخذوا بأيدينا فنحوني عنه ونحوه عني؛ قال: فأتيت عمرو بن العاص فرماني بمؤخر عينه، أي ما صنعت؟ فقلت: كفيتك التقوالة، فحمحم كما تحمحم الفرس للشعير، وفات ابن عباس أول الكلام فكره أن يتكلم به في آخره. قال ثعلب: مر رجل بأعرابية بالمناخ بالكوفة تمرض أخاً لها في شدة أصابتهم، ثم راح بالعشي فسأل عنه فقيل: دفناه، وإذا هي تأكل سويقاً معها قد خلطته باللبن، فقال لها الرجل: ما أسرع ما نسيت أخاك وأكلت، فقالت: على كل حال يأكل المرء زاده ... على البؤس والضراء والحدثان أنشد ثعلب:

стр. 2094

ألا ذهب الشهاب المستنير ... ومدرهنا الكمي إذا نغير ووهاب المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنق الصبور ذهب إلى أن الحدثان والحوادث واحد. قال: الحمولة: الإبل الكبار، والفرش: الصغار؛ وسمعت أبا حامد يقول: عيب على أبي علي الجبائي في كتابه في التفسير حين ذهب في الفرش إلى ما يفرش؛ وسمعت بعد من يقول: الكسائي قال ذلك، والناس على أن الفرش الصغار من الإبل. قال ثعلب: قالت امرأة في ابنها: ظني به له لو قد جثوا على الركب ... وابتدروا الحرب بحد وغضب أن سوف يلفى إربة من الإرب الإربة: الداهية. قال ثعلب: وقالت أخرى في ابنها: لو ظمئ القوم فقالوا من فتى ... يحلف لا يردعه خوف الردى

стр. 2095

فبعثوا سعداً إلى الماء سدى ... في ليلة بيانها مثل العمى بغير دلو ورشاء لأستقى ... أمرد يهدي رأيه رأي اللحى وقال ثعلب: الخبيئة ما خبأته، والبينة ما جعلته بين يديك وقال في قوله تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب " النحل: ١١٦، رده على الألسنة والكذب رد على ما قاله. للحارث بن خالد: لعمري لئن لم يجمع الله بيننا ... بما شاء لا نزداد إلا تماديا أعد الليالي مذ نأيت ولم أكن ... بما نلت من عيشي أعد اللياليا أخاف انقطاع العيش دون لقائكم ... بأرض ولو منيت نفسي الأمانيا إذا ما بكى ذو الشجو أصغيت نحوه ... وآسيته بالشجو ما دام باكيا قال أعرابي وقد سئل عن رجل فقال: إن ملك عسف، وإن أنفق أسف، وإن حدث جزف، وإن صافيته تكبر، وإن أظهرت له النصح أنكر، النظر إليه غيظ، والصبر عليه غصة، والفكر فيه حيرة، والقرب منه معرة.

стр. 2096

قال العتبي: خرج النعمان بن المنذر متنزهاً إلى بادية له، فدعا بطعامه، فأقبل أعرابي يمشي مشي النعامة حتى قعد على السفرة، فجعل يلف العظم باللحم والقوم ينظرون إليه، فقال: لا ينظر إلينا من يشبع، فإن الجائع كالجشع، فقال: النعمان: ما اسمك؟ قال: أبيت اللعن، نعامة، قال: وأي اسم نعامة؟ قال: أبيت اللعن، إن الاسم علامة وليس بكرامة، ولو كان ذلك كذلك لاشترك الناس في اسم واحد. قيل لعيسى بن مريم ﵇: ألا تتزوج؟ قال: وما أصنع بزوجة تموت؟ قيل: أفلا تنبي؟ قال على طريق السبيل أبني. لما زوج شبيب بن شبية ابنه قصده الناس وقالوا: اليوم يهب هبوبه، فما زاد على أن حمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإن المعرفة منا ومنكم وبنا وبكم تمنعنا من الإكثار، وإن فلاناً ذكر فلانة. قال العتبي: قدم أبو علاثة على طلحة بن عبد الله بن خلف وهو صاحب سجستان، فقال: أرثيت أبي؟ قال: نعم، وأنشده: ألم يأت فتيان السماحة أنني ... عقرت على قبر الجواد جوادي فما زاد شيئاً عقره إذ عقرته ... سوى أنني منه شفيت فؤادي

стр. 2097

قال: أو فعلت ذلك؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: كان أعجف، قال: لو فعلت لأعطيتك عطية لم يأخذها شاعر قط، ولكن لا أخيبك، فأعطاه اثني عشر ألفاً. كاتب: أنا في ثوب المسرة أرفل، ونجم الوحشة مني آفل. قال المأمون لطاهر: صف لي عبد الله ابنك؟ قال: إن مدحته هجوته، وإن هجوته ظلمته، ولد الناس ابناً وولدت والدت، يحسن ما أحسن ولا أحسن ما يحسن. قال العتبي: طلب ابن عم لي الولد بعد نيف وتسعين سنة، فقلت له في ذلك فقال: سبقته باليتم قبل أن يسبقني بالعقوق. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله لرجل، ورأى معه صبياً: من هذا؟ قال: ابني، قال: أمتعك الله به، أما إني لو قلت لك: بارك الله لك فيه قدمته. قال ابن الأعرابي: بنات الليل أهواله، والصبر عليه وعلى سراه وشدة الطلب فيه.

стр. 2098

قال المأمون: لم أر أشجى من مرتجز بحدو، ومرتجل يشدو. نظر بعض السلف إلى رجل يسب آخر في كلام جرى بينهما فقال: يا هذا تملي على حافظيك كتاباً، فانظر ما تقول. هذا آخر الجزء التاسع وسنتبعه بالعاشر على ما يعز ويهون، وعلى الله تعالى المعونة فيما أوجب المنة، ونفى الظنة، فقد والله برمت بهذا الكتاب لسوء التأتي في النقل، وقلة الإصابة عند الرواية؛ نعم، ولحال قد وقفت على مدرجة الناس، بين قوم إن بسطت حديثهم، وذكرت خبيثهم، وما يضمرونه ويظهرونه من سوء النيات، وخبث الطويات، والمطالبة لأهل الفضل بالأوتار، وصدودهم عن الأحرار، كنت مجانياً للأدب المرضي، والعادة الحسنة، وإنما أقول هذا لأني قد عدمت من أهل زماني رئيساً يرغب في المكارم، ويتشوف إلى المحامد، ويرى اصطناع الجميل كنزاً، والإحسان إلى الأحرار ذخراً، ويتبجح بالكرم، ويباهي بالمعروف، ويأخذ بالفضل الذي هو به أشكل، وهو منه أجمل، وبه أليق، فيعينني على تمام الكتاب، رغبة في الذكر، وتوخياً للثواب، والسلام. والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً.