← Адаб

Адаб · id 26423

البصائر والذخائر

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (2 098 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ولولا أنتم معشر الملوك ما تأدبنا، قال: فالمنة لنا في ذلك دونكم، قال: صدقت أيها الأمير. قال عطاء بن أبي رباح ليزيد بن معاوية: أغنني عن غيرك، قال: حسبك ما أغناك به معاوية، قال عطاء: فهو والله الحي وأنت الميت؛ فاهتز يزيد لكلمته وأمر له بجائزة. قال بعض البخلاء: والله لا أكلت إلا نصف الليل، قيل: ولم اخترت ذلك؟ قال: يبرد الماء، وينقمع الذباب، وينام الصبيان، وتؤمن فجاءة الداخل، وصرخة السائل. قال بعض الأدباء في رسالة له إلى أخ له: إنك من جوارحي يميني، ومن سوانحي يقيني. ذكر أعرابي قوماً فسد ما بينهم بعد صلاح ومودة فقال: والله ما زالت عيون العداوة تنجم من صدورهم فتمجها أفواههم، وأسباب المودة تخلق في قلوبهم فتخرس عنها ألسنتهم حتى ما تجد للشر مزيداً، ولا للخير مريدا.

стр. 422

كتب أبو داود الوراق إلى أخ له، وأهدى إليه مقلمة: إذا كان اللطف دليل محبة، وميسم قربة، كفى قليله عن كثيره، وناب يسيره عن خطيره، ولا سيما إذا كان المقصود به ذا همة لم يستعظم نفيساً، ولم يستصغر خسيساً، وقد جعلك الله من هذه الصفة بأجل فضائلها، وأرفع منازلها. وقال أبو بشر البرجمي: أنشد مسلم بن قتيبة قول الشاعر: الطويل ذريني فما أعيا بما حل ساحتي ... أسود فأكفي أو أطيع المسودا فقال: لله دره فما أدري في أي حالتيه هو أكرم، أحين يسود فيكفي، أو حين يطيع المسود. قال يونس النحوي: لا تعادين أحداً وإن ظننت أنه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك، فإنك لا تدري متى تخاف عدوك وترجو صديقك، ولا يعتذر إليك أحد إلا قبلت عذره وإن علمت أنه كاذب، وليقل عيب الناس على لسانك. للصولي: الخفيف

стр. 423

إن يكن سار عائداً لدمشق ... وطواه كما طوى الشمس غرب فهو للقلب حيثما كان ذكر ... وهو للطرف حيثما دار نصب كتب الحسن بن وهب إلى صديق له يعلمه صبابته إليه ووحشته لفراقه فقال: وقد قسمك الله بين طرفي وقلبي، ففي مشهدك أنس قلبي، وفي غيبتك لهو طرفي بذكر قلبي. فكتب إليه: وقفت على الفصل الذي أخبرت فيه، فسيان عليك رأيتني أو لم ترني إذ كان بعضك يؤنس بعضاً فينوبوا عني، ولكني أراك فيخشع قلبي، وأغيب عنك فتدمع عيني، فشتان بين ما ساء أبده، ومن حزن أمده. فكتب إليه الحسن: يا حانقاً على الجرة ثم تمثل يقول: الوافر أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني كان بعض أصحابنا ينشد: فلما استد، وهو قريب من الصواب، وقد رأيت من لا يختار غيره، وكلا المعنيين قريب.

стр. 424

قال المازني: سمعت أبا زبد الأنصاري يقول: لقيت أبا حنيفة فحدثني بحديث فيه: يدخل الجنة قوم حفاة عراة منتنين قد أمحشتهم النار، فقلت: قوم منتنون قد محشتهم النار، فقال: من أين أنت؟ فقلت: من البصرة، قال: أكل أصحابك مثلك؟ قلت بل أنا أبخسهم حظاً في العلم، فقال: طوبى لقوم أنت أبخسهم. قال أبو محلم، قيل لجرير: إن الطرماح قد هجا الفرزدق وقد كبر وضعف، فلو أجبت عنه، فقال: صدى الفرزدق يفي بطيء كلها، وقد أردت ذلك فخفت أن يقال: قد اجتمع فحلاً مضر على مخنث طيء. أنشد أبو ذكوان: الطويل سقى دار ليلى حيث حلت وشققت ... عليهن من غر السحاب جيوب فما يقشعر القلب عند حديثها ... ولكنه يحلو له ويطيب

стр. 425

قال ابن سلام، قلت ليونس: كيف ينشد: الرجز ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني لمثل هذا ولدتني أمي قال: على الثلاثة أوجه، بالرفع على الأستئناف، وبالجر على من، وبالنصب على الحال. الرياشي قال: دخل أعرابي البصرة فاشترى خبزاً فأكله الفار فقال: الرجز عجل رب الناس بالعقاب لعامرات البيت بالخراب كحل العيون وقص الرقاب مخززات أحبل الأذناب مثل مدارى الطفلة الكعاب كيف لنا بأنمر الإهاب

стр. 426

منهرت الشدق حديد الناب كأنما برثن بالحراب يفرسها كالأسد الوثاب عزى أعرابي رجلاً عن أبيه فقال: والله ما مات من خلفك، ولا خاب من أملك، ولا توحد من أهلك، إن من كنت بغيته لموفور، ومن كنت ثماله لمحبور، ومن كنت وليه لمنصور. قال أبو هفان: قال المأمون لرجل رآه استضعفه: أبو من؟ قال: أبو القمرين، قال: الكاسفين، لو كان لك عقل كفاك أحدهما. قال أبو حاتم السجستاني: كان رجل يحب الكلام ويختلف إلى حسين النجار، وكان ثقيلاً متشادقاً ما يدري ما يقول حيناً، ثم فطن له مكان يعد له الجواب من جنس السؤال، فينقطع ويسكت، فقال له يوماً: ما تقول - أسعدك الله - في حد تلاشي التوهمات في عنفوان القرب من درك المطال؟ فقال له حسين: هذا من وجود قرب الكيفوفية على طريق الحيثوثية،

стр. 427

وبمثله يقع التنافي والمجانسة على غير تلاق ولا افتراق، فقال الرجل: هذا يحتاج إلى فكر واستخراج، فقال له: أفكر فإنا قد استرحنا. قال سعيد بن خالد اليماني: كان عندنا قاص يكنى بأبي خالد قال في دعائه: يا ساتر عورة الكبش لما علم من فضله وصلاحه، وهاتك عورة التيس لما علم من قذره وفجوره، استر علينا وارحمنا واهتك ستر أعدائنا. فقيل له: وما فضيلة الكبش؟ قال: لأنه يقال: كبش إبراهيم الذي فدى به ابنه، ولأنه يذبح في العقيقة، قيل: فما ذنب التيس؟ قال: يشرب بوله، وينزو على الشاة التي لم تستحق النزو، ويؤذي المسلمين بنتن ريحه، ويعلم الناس الزنا، وهو عيب على أصحاب اللحى الكبار؛ يقال: جاءني بلحية التيس. رفع رجل من العامة إلى كسرى بن قباذ: إن في بطانة الملك جماعة قد فسدت نياتهم وخبثت ضمائرهم بقتله بزرجمهر، وقد هموا بما لم يفعلوا، وهم غير مأمونين على المملكة، منهم فلان وفلان، فإن رأى الملك أن يعاجلهم فعل؛ فوقع: إني إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا

стр. 428

بالرضى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر. ووقع في رقعة وكيل يستحثه على بناء قصر: أنت ماش والأوقات راكضة، والعمل باع والعناية فتر. أنشد لأعرابية: البسيط من آل فارس أخوالي أساورة ... هم الملوك وقومي سادة العرب وجدتي تلبس الديباج ملحفة ... غزل الفريد ولم تركب على قتب ولم تكب على البردات تنسجها ... معاذ ربي ولم تشرب من العلب قال سليمان بن عبد الملك: العجب منا ومن هؤلاء القوم، كانوا فيما كانوا فيه من الملك فلم يحتاجوا إلينا، فلما صار الملك إلينا لم نستعن عنهم. قال بعضهم: من المروءة اجتنابك ما يشينك، واجتباؤك ما يزينك. وقال آخر: لا تجب من لا يسألك، ولا تسأل من لا يجيبك. وقال فيلسوف: كن حذراً كأنك غر، وفطناً كأنك غافل، وذاكراً كأنك ناس. وقال فيلسوف: حسن التدبير مع المال القليل، خير من سوء

стр. 429

التدبير مع المال الكثير، لأن حسن التدبير قد يكثر القليل، وسوء التدبير يمحق الكثير. وقال آخر: المنفقون ثلاثة: كريم مقتدر، ومسرف مبذر، ولئيم مقتر. وقال آخر: العقل أمير والأدب وزير، فإذا لم يكن وزير ضعف الأمير، وإذا لم يكن أمير بطل الوزير. وقال فيلسوف: الناس كالسيوف والشحذ والجلاء كالأدب. قال بعضهم: الدين يعصم والدنيا تسلم. قال علي ﵁: بقية السيف أنمى عدداً. ليته أخبر عن السبب فإنه أعجب من الخبر، لأن السبب سر وهذا علانية، والناس شركاء في العيان ومتباينون في الباطن، وما أكثر ما يطلق اللفظ فيه ولا يحقق شيء منه. للزيات في الفضل بن سهل: البسيط

стр. 430

لم أمتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسني التحجيل والغررا ما كان ذلك إلا أنني رجل ... لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا قيل لرجل شامي: أي الطعام أطيب؟ قال: ثريدة موسعة زيتاً، تأخذ بأدناها فيضرط أقصاها، تسمع لها وجيباً في الحنجرة كتقحم بنات المخاض في الجرف. شاعر: الطويل تكاشرني كرهاً كأنك ناصح ... وعينك تبدي أن صدرك لي دوي قال الحسن: من ازداد علماً فلم يزدد زهداً لم يزدد من الله إلا بعداً. استعمل علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس على البصرة،

стр. 431

فأخذ من بيت المال ما كان فيه وخرج إلى مكة، فكتب إليه علي: أما بعد فقد علمت ما قال الله في الخائنين، فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، كأنك لم تكن تريد الله بجهادك، وكأنك لم تكن على ثقة فيه من ربك، وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم، وتنوي غرتهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة هذه الأمة، أسرعت العدوة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، اختطاف الذئب الأزل دامية المعز الكسير، فحملته إلى الحجاز رحب الصدر غير متأثم من أخذ، كأنك - لا أبا لك - إنما حزت لأهلك تراثك من أبيك وأمك؛ فسبحان الله العظيم! أما تؤمن بالمعاد؟ أما تخاف سوء الحساب؟ أما تعلم أنك تأكل

стр. 432

حراماً وتشرب حراماً؟ أما يكبر عليك أن تنكح النساء وتشتري الإماء بأموال الأيتام والأرامل والمهاجرين، الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد؟ آردد إلى القوم أموالهم فإنك والله إلا تفعل، ثم أمكنني الله منك، لأعذرن إلى الله فيك، فو الله لو أن حسناً وحسيناً فعلا مثل الذي فعلت، لما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا مني برخصة، حتى آخذ الحق لمظلومهما، إن شاء الله. فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد أتاني بأنك تعظم علي ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت مال الله لأكثر مما أخذت، والسلام. فكتب إليه علي: أما بعد، فإن العجب أن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال الله من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم، أو يحل لك ما حرم الله عليك، فلعمري إنك لأنت المهتدي السعيد إذن. قد بلغني أنك اتخذت

стр. 433

مكة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف، تختارهن على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك؛ وإني أقسم بالله ربي وربك ورب العزة رب العالمين، ما أحب أن لي ما أخذت من أموالهم حلالاً أدعه لعقبي ميراثاً، فالعجب لاغتباطك به تأكله حراماً؛ فضح رويداً، فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي فيه المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة، فذلك وما ذلك، ولات حين مناص، والسلام. فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فإنك أكثرت علي وإني والله لأن ألقى الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وفضتها وكل ما فيها أحب إلي من أن ألقاه بدم امرىء مسلم، والسلام. وأنشد لمضرس بن دومي النهدي: الطويل إذا الحرب شالت لاقحاً وتحدمت ... رأيت وجوه الأزد فيها تهلل حياء وحفظاً واصطباراً وإنهم ... لها خلقوا والصبر للموت أجمل

стр. 434

وهم يضمنون الجار من كل حادث ... ويمشون مشي الأسد حين تبسل يرى جارهم فيهم منيعاً مكرماً ... على كل ما حال يحب ويوصل إذا سيم جار القوم خسفاً فجارهم ... عزيز حماه في عماية يعقل في عماية يعقل: يعتصم، هكذا سمعت المتقن الضابط يقول ويوضح، فحدثنا كما أخذنا من غيرنا؛ نفعك الله بالأدب، وخفف عنك فيه التعب، ووقاك عثرة الجاهل، وحيرة العالم، وحسرة المحروم، وذلة المظلوم، وكفاك جميع ما يقطعك عن الحق، ويزين لك الباطل، ولا أخلاك من نصره العزيز، وفتحه المبين. أنشد لمغلس بن لقيط السعدي: الطويل أبقت لي الأيام بعدك مدركاً ... ومرة والدنيا كريه عتابها قرينين كالذئبين يبتدرانني ... وشر صحابات الرجال ذئابها إذا رأيا لي غرة أغريا بها ... أعادي والأعداء تعوي كلابها

стр. 435

وإن رأياني قد نجوت تلمسا ... لرجلي مغواة هياماً ترابها وأعرضت أستبقيهما ثم لا أرى ... حلومهما إلا وشيكاً ذهابها فقد جعلت نفسي تطيب لضغمة ... أعضهماها يقرع العظم نابها وقال موسى بن جابر بن أرقم، وهو حنيفي نصراني يمامي جاهلي، ويعرف بابن ليلى، ويلقب بأزيرق اليمامة، وبه يعرف: الوافر لبست شبيبتي ما رم خلقي ... ولا سمت العدو ولا هفوت وما أدع السفارة بين قومي ... ولا أمشي بغش إن مشيت وما للملك في الدنيا بقاء ... وكيف بقاء ملك فيه موت السفارة: المشي في الصلح، وكأنها كشف ما غمر الحال بين المتنابذين

стр. 436

المتباينين، ويقال للسفرة سفرة لأنها تبسط وتكشف، وكأن السفر أيضاً يكشف عن الأخلاق، والإسفار: ضياء الشمس في ظلام الغلس، والسفر والأسفار: كتب لأنها ضمنت البيان عما يخفى والكشف عما استتر، والمسفرة: المكنسة، كأنها تكشف عن وجه الأرض أي ترفع ما اجتمع عليه. وكما يقال: سفرت بينهم وأنا سفير، يقال: سملت بينهم وأنا سامل، وكأن السامل في الأصل من لاط الحوض، وأصلح المورد، وسهل مكان الشارعة، والكلام كله متداخل، والأشتقاق فيه دائر، ومنه ما يصح ومنه ما يجفى. قال موسى بن عبد الله بن خازم لما قتل أخوه بخراسان وبلغه نعيه - سمعت أبا سعيد السيرافي يقول: النعي مصدر نعى ينعى، والنعي - بالتشديد - الناعي، والناعي هو المخبر بالموت -: الطويل:

стр. 437

ذكرت أخي والخلو مما أصابني ... يغط ولا يدري بما في الجوانح دعته المنايا فاستجاب دعاءها ... وأرغم أنفي للعدو المكاشح فلو ناله المقدار في يوم غارة ... صبرت ولم أجزع لنوح النوائح ولكن أسباب المنايا صرعنه ... كريماً محياه عريض المنادح بكف امرىء كز فصير نجاده ... خبيث نثاه عرضة للفضائح نظر محمد بن المنكدر رجلاً يتبع امرأة في خراب ويناغيها فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. قال المدائني: شاور معاوية الناس في قتل الحارث بن قيس، فقال له يزيد بن قيس: إن قتلت أصبت، وإن عفوت قلنا أحسنت، فقال: الإصابة أحب إلي من الإحسان لشوقي إلى الإصابة؛ قال بعض المشايخ: أخطأ، لأن الإحسان يستوفي معنى الإصابة ثم يوفي عليها. وقال المدائني: أخذ رجل من المنصورية فقيل له: ما تقول في

стр. 438

أبي بكر؟ قال: أتولاه، فخلي عنه، فرجع وقال: إني ذكرت تزويجه أخته الأشعث فأنا أتبرأ منه، فقتل. قال نوح بن جرير بن الخطفى لأخيه بلال: أنا أشرف منك، فقال بلال: أمنا واحدة، فقال: ولدتك وهي أمة وولدتني وهي حرة؛ وكانت ديلمية. قال المدائني، قال ابن عباس في صفين: ليغلبن معاوية، لأن الله تعالى قال وهو أصدق القائلين " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً " الأحزاب: ٣٣. وما أدري كيف صحت هذه الرواية؛ إن ابن عباس لو كان معه هذا البرهان لكان مع من جعل الله له سلطاناً، وفارق من جعل الله عليه سلطاناً، ولكن الرواية خبر، والخبر ينقسم بين التصديق والتكذيب، وبالتوقف عنه وسوء الظن به، ولقد عمت آفته الخلق، وإلى الله الشكوى. أنشد ابن المنزل: المنسرح عيني لحيني تدير مقلتها ... تطلب ما ساءها لترضيني أف لدنيا أبت تواتيني ... إلا بنقضي لها عرى ديني شاعر: الوافر

стр. 439

إذا كثر التجني من خليل ... بلا ذنب فقد مل الخليل كتبت من خط أبي إسحاق: الطويل وكنا إذا نحن التقينا تخالساً ... وسامحت العينين منا شؤونها أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وأوساطها حتى ترق فنونها حديثاً كماء المزن وافقه الصدى ... وأشبهه طيب الحياة ولينها قالت أعرابية: هي أحسن من العقيان، على صدور القيان. قالت أم هشام السلولية في الإبل: إذا حملت أثقلت، وإذا حلبت أروت، وإن سارت أبعدت، وإن نحرت أشبعت. خطب أعرابي إلى قوم فقال: الحمد لله الذي يولي الإنعام، والصلاة على محمد والسلام، أما بعد: فإني إليكم خاطب، وفي الألفة بيننا راغب، ولكم علي في من خطبت أحسن ما يجب لصاحب على صاحب، فأجيبوني جواب من يرى نفسه لرغبتي محلاً، ولما دعتني إليه الطلبة أهلاً. قال أبو عبيدة: أخبرني الزبير بن بكار عن أبيه قال: أهديت

стр. 440

إلى هشام بن عبد الملك حين قدم الحيرة يريد الحج ناقة، فلم يقبلها، فلما قوضت سرادقاته وحجره قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، لم رددت ناقتي، وهي هلواع مرياع مرباع مقراع مسياع مسناع، حلبانة ركبانة؟ فضحك وقال: خذوها منه، وأمر لي بألف درهم. الهلواع: ناقة فيها نزق وخفة؛ والمرياع: التي تقدم الإبل ثم تعود، والمرباع: التي تعجل باللقاح، من قولك: لك المرباع منها والصفايا، والمقراع: التي تعجل باللقاح أول ما يقرعها الفحل، والمسياع: السمينة، والسياع: الطين، والملواح: الخفيفة، والمسناع: الواسعة الخطو. قيل لصوفي: ما مراد الحق منك؟ فقال: مراده في هو مراده مني، قيل له: فمن أين حققت هذا الحكم؟ قال: لأن قولي مني وفي إضافة، ومراد الحق واحد، قيل له: إن المراد منك قيامك بالأمر، والمراد فيك وقوفك مع النهي، قال: صدقتم، ولكن ما هو مني به يتم، وما هو في له يتم، والحظ فيما هو مني لي، والحكم فيما في له، وما هو له مقدم على ما هو مني، ما أشير بهذا إلى رد أمره، ولكنني أضيف إليه خفية سره، على أن واضح عذري

стр. 441

مردود عند مشكل حجته، لأن حجته تنتهي إليه فتقوى بالألهية، وعذري ينسب إلي فيضعف بالعبودية، قيل له: فهذا خلاف العقل، قال: إن فعله بالخلق يسبق إدراكهم بالعقل، لأن العقل أيضاً خلق. وأنشد: الكامل تأسو وتجرح في الحديث جليسها ... بكلام لا هذر ولا إطناب إلا مساقطة تلبس بالحشا ... كتعلق الأحباب بالأحباب قال الجاحظ: قال رجل مبخل لغلامه: هات الطعام وأغلق الباب، فقال: هذا خطأ، بل أقول: أغلق الباب وأت بالطعام، فقال له الرجل: أنت حر لعلمك بالحزم. قال شبيب بن شيبة: لما خلع عبد الله بن عبد الرحمن - وقتل بخراسان - قام خطيب المنصور السكوني فقال: والله يا أمير المؤمنين، لقد كان حسن المكان عظيم السلطان، كثير الأعوان، وكان مع ذلك فيه آية من كتاب الله ، كأنها عليه قصرت وفيه نزلت، وهي: " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم " المنافقون: ٤؛ فالحمد لله الذي أخمد جمرته، وأذل عزته، ولم يقله عثرته.

стр. 442

قال أبو عثمان المازني، عن الأصمعي، عن عيسى بن جعفر، قال: قلت لأعرابي: كم في المسجد من سارية؟ قال: خمسون وخمسمائة بعد الألف؛ قال: وهكذا تقول العرب إذا اجتمع الكثير من العدد والقليل، بدأت بأقل العددين. قال أنس بن أبي شيخ: اجتماع الضعيفين قوة تدفع عنهما، وافتراق القويين مهانة تمكن منهما، وكان أنس هذا معروفاً بالزندقة، والله أعلم. قال أبو العيناء: أحضر لإسحاق بن إبراهيم جارية سكرانة أخذت في العسس، فقال لها: ما خطبك يا جارية؟ فقالت على البديهة: الرجز جارية باكرت المروقا ... تشرب صرفاً وترد رنقا حتى إذا مرت تمشى العنقا ... علقها الشرطي فيمن علقا فقال إسحاق لصاحب الشرطة: أمثل هذه تؤخذ لا بارك الله فيك؟ خل عنها ولا تعرض لها.

стр. 443

قال الأصمعي: ولى جعفر بن سليمان رجلاً بعض البدو، ثم وجه من يسأل عنه، فلقي شيخاً من الأعراب، فقال: كيف واليكم؟ فقال: ما يطبق جفناً، ولا يعرف أفنا، وكل يوم يزداد فعله حسناً، يبرىء بدوائه، ولا يستبد برائه، قد أذكى العيون على عيونه، وتيقظ في جميع فنونه، فهو غائب كشاهد، ومانع كمعط، والمحسن آمن، والمسيء خائف. قال إسحاق: أتي عبد الملك بعود، فقال للوليد بن مسعدة الفزاري: ما هذا يا وليد؟ فقال: خشب يشقق ثم يرقق، ثم يلصق، ثم تمد عليه أوتار، وتضرب به القيان، فتطرب له الفتيان، وتضرب برؤوسها الحيطان. امرأتي طالق إن كان في المجلس أحد إلا وهو يعلم منه مثل ما أعلم، أولهم أنت يا أمير المؤمنين! فضحك، وقال: مهلاً يا وليد. قال قتيبة لنهار بن توسعة: لست تقول فينا كما تقول في آل المهلب؟ قال: إنهم والله كانوا أهدافاً للشعر، قال: هذا والله أشعر مما قلت فيهم.

стр. 444

قال الأصمعي: ذكر أعرابي رجلاً زالت نعمته: والله لقد كان في ظل عيش مثمر فقدحت عليه من الدهر يد غير كابية الزند. أنشد لصقلاب: السريع مل فما تعطفه حرمة ... واتخذ العلات أعوانا إن ساءك الدهر بهجرانه ... فربما سرك أحيانا لا تيأسن من وصل ذي ملة ... أطرف بعد الوصل هجرانا يمل هذا مثل ما مل ذا ... فيرجع الوصل كما كانا وأنشد لشداد بن عقبة الجهني في محمد بن عبد الله بن الحسن: البسيط إني مررت على دار فأحزنني ... لما مررت عليها منظر الدار وحش خلاء كأن لم يغن ساكنها ... بمعتفين وقطان وزوار من للأرامل والأيتام يجمعهم ... شتى الموارد من حلس وأكوار مأوى الغريب وساري الليل معتسفاً ... وعصمة الضيف والمسكين والجار

стр. 445

بها مساكن كان الضيف يألفها ... عند التنسم من نكباء مهمار فيها مرابط أفراس ومعتلج ... وجامل أخريات الليل قرقار فيها معالم إلا أنها درست ... من واردين ونزال وصدار فيها مغان وآيات ومختلف ... في سالف الدهر من باد وحضار ثم آنجلت وهي قد بادت معالمها ... ألقى المراسي فيها وابل سار وخاويات كساها الدهر أغشية ... من البلى بعد سكان وعمار جار الزمان عليها فهي خاشعة ... طورين من رائح يسري وأمطار ففاضت العين لما عيل مجرعها ... فيض القري جفت عنه يد القاري ودارت الأرض بي حتى اعتصمت بها ... واستك سمعي بعرفان وإنكار حتى إذا طار نومي ما يفارقني ... ما أوجع القلب من حزن وتذكار وحان مني أنصراف القلب وانكشفت ... عمياء قلب سراه النوم مهجار لا يبعد الله حياً كان يجمعهم ... مبدى سويقة أخياراً لأخيار الباذلين إذا ما الثقل أعدمهم ... جادت أكفهم بالجود مدرار

стр. 446

والرافعين لساري الليل نارهم ... حتى يجيء على شدو من النار والدافعين عن المحتاج خلته ... حتى يحوز الغنى من بعد إقتار والقائلين له أهلاً بمرحبة ... لج في انفساح ورحب أيها الساري والضامنين القرى في كل راكدة ... فيها سديف شظايا تامك وار والمدركين حلوماً غير عازبة ... والناهضين بجد غير معثار والعاطفين على المولى حلومهم ... حتى يفيء بحلم بعد إدبار والعائدين إذا ضنت بدرتها ... أم الفصيل فلم تعطف بإدرار والياسرين إذا ما شتوة جمدت ... فلم يحس بنار قدر أيسار والمانعين غداة الروع جارهم ... بكل أجرد أو جرداء مخطار والرافعين صدور العيس لاغبة ... تبغي الإله بحجاج وعمار على حراجيج أطلاح معودة ... ترمي الفجاج بركبان وأكوار فليتني قبل ما أمسي لحزنكم ... وكل شيء بميقات ومقدار لفت علي شفاه القبر في جدث ... عرى المنون فرادى تحت أحجار

стр. 447

ولم أر العيش في الدنيا ولم يرني ... ولم يجئني بأنياب وأظفار ولم أفض عبرات من مواكلة ... على كريم بسفح الواكف الجاري سمع ابن مسعود وهو يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من غنى يطغيني، ومن فقر ينسيني، ومن هوى يرديني، ومن عمل يخزيني. ومن كلام العرب، تقول: أعرى من مغزل، وأكسى من بصلة. يقال: معنى قولهم: حين تقلين تدرين، أي غثه من سمينه. العرب تقول: أطعت الوشاة والمشاة. لما اشتدت علة عبيد الله بن سليمان أخذ مغرد غلامه المصحف وفتحه، فخرج " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً " يونس: ٢٤ فمات. يقال: من لم يكن فيه خمس خصال لم يصلح لشيء من أمر

стр. 448

الدنيا والآخرة: من لم تعرف الوثاقة في أرومته، والدماثة في خلقه، والنبل في نفسه، والمخافة من ربه، والأتعاظ بغيره. يقال: التبازي: إخراج الصدور، والتبازخ: إخراج الألية. يقال: رجل به سلال، ولا يقال سل. يقال: احتمل ممن أدل عليك، وأقبل ممن اعتذر إليك. يقال: قد قرعت له العصا، أي نبهته من الغفلة. كان عمرو بن عبيد يوصي الناس بحفظ وصية زياد، وكان أولها: إن الله جعل لعباده عقولاً عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، والناس بين محسن بنعمة الله عليه، ومسيء بخلاف الله

стр. 449

إياه، ولله النعمة على المحسن والحجة على المسيء، فما أولى من تمت عليه النعمة في نفسه، ورأى العبرة في غيره، أن يضع الدنيا بحيث وضعها، فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار فناء لا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله ، وأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العجزة حتى صاروا إلى دار ليس لهم منها أوبة، ولا يقدرون فيها على توبة، وأنا أستخلف الله عليكم، وأستخلفه منكم. العرب تقول: البريء جريء والخائن خائف، ومن أساء استوحش. ويقال: الجراءة من البذاءة. قامت أم سلمة امرأة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى المنصور وهو راكب ومعها ابناها فقال: من تكونين؟ فقالت: أنا أم ولد محمد ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وهذان ابناي منه، أيتمهما سيفك، وأضرعهما خوفك، فإن رأيت أن تعطف عليهما لشوابك القرابة، وأواصر الرحم، ولا تصعر خدك لهما، فتتبع الأولى الأخرى، فافعل، فقال المنصور:

стр. 450

هكذا والله أشتهي أن يكون كلام نساء قريش، يا غلام اردد على ولد محمد ضياع أبيهما، فردت وأحسن إليهما. أنشد لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: الكامل المجزوء إن ابن عمك وابن أم ... ك معلم شاكي السلاح يقص العدو وليس ير ... ضى حين يبطش بالجراح لا تحسبن أذى ابن عم ... ك شرب ألبان اللقاح بل كالشجا تحت اللها ... ة إذا تسوغ بالقراح وانظر لنفسك من يجي ... بك تحت أطراف الرماح من لا يزال يسوؤه ... بالغيب أن يلحاك لاح

стр. 451

قال أبو بكر الواسطي: العارف يعرف عن الله بالله ، والعامل يفهم عن الله بغير الله، والأشياء كلها دالة على وحدانيته، فإذا وجد الواجد استغنى عن الدليل. وقال الواسطي في هذا المعنى: ألا ترى إلى قوله تعالى للعاملين " وأعتصموا بحبل الله " آل عمران: ١٣، وقال للعارفين: " واعتصموا بالله " الحج: ٧٨. كاتب كتب إلى أخ له: ما اتفككت عن ودك، ولا انفركت عن عهدك. قال عبد الملك بن مروان: لأن أخطىء وقد استشرت، أحب إلي من أن أصيب وقد استبددت. قال أحمد بن مهران في كتاب: لا أجمع إلى العجز عن شكر ما أمكن، التسرع إلى الأستبطاء فيما تعذر.

стр. 452

وقال العامري: قاطيغورياس في لغة يونان هو التخاصم والتناصف. سمعت أبا عبد الله الطبري، غلام أبي إسحاق المروزي يقول: القرآن أصل علم الشريعة ونصه ودليله، والحكمة بيان رسول الله ﷺ وسنته، والأمة المجتمعة حجة على من شذ عنها. والأصل كل ما تمكن بنفسه وتفرع عنه غيره، والفرع ما لم يعلم بنفسه. والعلم معرفة الشيء على ما هو به، والكلام على ظاهره وعمومه حتى يقوم دليل الخصوم. والأسماء المفردة ثلاثة: عام لا خاص فيه، كقولك: شيء، قال الله تعالى " والله بكل شيء عليم " النساء: ١٧٥؛ والثاني: عام من وجه خاص من

стр. 453

وجه، كقوله " اقتلوا المشركين " التوبة: ٦ و " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " التوبة: ٣٠ فهذا عام في جميع المشركين إلا أهل الكتاب، وقال " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله " المائدة: ٤١ فهذا عام في من سرق ربع دينار فصاعداً خاص فيما دونه، والعموم لا يقع إلا في هذين؛ والثالث: خاص لا عام فيه كقولك: زيد وعمرو، قال الله تعالى " محمد رسول الله " الفتح: ٢٩ فهذا خاص. وأقل العموم شيئان، وأقل الخصوص شيء واحد. والمطلق ما لم يقيد، والمقيد ما ضمن وصفاً، قال الله تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم " إلى قوله " وأمهات نسائكم " النساء: ٢٢ فأطلق، وقال تعالى في الربائب " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " النساء: ٢٣ فقيد؛ والعموم ما لو كلف إمضاؤه لصح، والجملة ما لو كلف إمضاؤها لم تعلم حتى تفسر. وأمر الله على الوجوب إلا ما أفرده الدليل، وكذلك أم النبي ﷺ ، وأفعال الرسول ﵊ عند طائفة على الندب إلاما قام دليل على وجوبه. والأمر على ضروب: أمر حتم كقوله تعالى " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله والرسول واتقوا الله " النور: ٥٦ وما أشبه هذا؛ وأمر وعيد، كقوله " واعملوا ما شئتم " السجدة: ٤٠ " ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " الكهف: ٢٩ وإذا لم تستح فاصنع ما شئت؛ وأمر تعجيز كقوله تعالى " كونوا حجارة أو حديدا " الإسراء: ٥٠؛ وأمر جزاء كقوله " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " المؤمن: ٤٦ أي هذا عقابكم و " ادخلوا الجنة " الأعراف: ٤٨، أي هذا ثوابكم؛ وأمر

стр. 454

إباحة كقوله " وإذا حللتم فاصطادوا " المائدة: ٣١ " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض " الجمعة: ١٠، وقال " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " البقرة: ١٩٤ أي إن شئتم؛ وأمر إرشاد كقوله " وأشهدوا إذا تبايعتم وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة " البقرة: ٢٨٢. وفي القرآن والسنة آيات أولها ندب وآخرها حتم، كقوله " كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " الأنعام: ١٤١، " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً " النور: ٣٣ " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " النور: ٣٣، وقوله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن " البقرة: ٢٣٥، فهذه كلها أولها ندب وآخرها حتم. وقال النبي ﷺ : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا، وانتبذوا في الظروف واجتنبوا كل مسكر. والقياس قياسان: قياس جلي وقياس خفي: فالجلي ما لا تجاذب فيه، قال الله تعالى " ولا تقل لهما أف " الإسراء: ٢٣ " وذروا البيع " الجمعة: ٩ " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره " الزلزلة: ٧ " ولا تلهكم أموالكم " المنافقون: ٩ " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً " النساء: ٩ والذي يشرب في آنية الذهب والفضة، وإذا ولغ الكلب في الإناء، أو لحم خنزير، ولا تضحوا بالعوراء، ونهى عن الثوب المصبوغ بالورس للمحرم، فكان المسك أشد نهياً. والقياس الخفي ما تتجاذبه الأصول، كالجناية على العبد، فالعبد فيه شبه من الأحرار وشبه من الحيوان، فألحق بالأحرار لغلبة الاشتباه لأنه أشبه الحر في

стр. 455

أنه آدمي وأنه مخاطب بالعبادة وأنه يجري القصاص فيما بينهم وأنه في قتله الكفارة، ويشبه الحيوان من جهة أنه مال. قال العتبي: لما اشتدت شوكة أهل العراق على عبد الملك بن مروان خطب الناس فقال: إن نيران العراق قد علا لهبها، وكثر حطبها، فجمرها ذاك وشهابها وار، فهل من رجل ذي سلاح عتيد، وقلب شديد، ينتدب لها؟ فقال الحجاج: أنا يا أمير المؤمنين، قال: ومن أنت؟ قال: الحجاج بن يوسف بن الحكم بن عامر، قال: اجلس، ثم أعاد الكلام فلم يقم أحد غير الحجاج فقال: كيف تصنع إن وليتك؟ قال: أخوض الغمرات، وأقتحم الهلكات، فمن نازعني حاربته، ومن هرب طلبته، ومن لحقت قتلته، أخلط عجلة بتأن، وصفوة بكدر، وشدة بلين، وتنبيهاً بازورار، وعطاء بحرمان، وما على أمير المؤمنين أن يجربني، فإن كنت للطلى قطاعاً، وللأرواح نزاعاً، وللأموال جماعاً، وإلا آستبدل؛ فقال عبد الملك: من تأدب وجد بغيته، اكتبوا كتابه. عوتب أعرابي على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما صبرت عنه.

стр. 456

قال يونس: لا تعادوا القضاة فيختاروا عليكم المذاهب، ولا العلماء فيصنفوا عليكم المثالب، ولا المياسير فيبذلوا في تلفكم الأموال. قال عمرو بن مسعدة: الأقلام مطايا الفطن. قال أبو سمير: إن الناس ليختصمون في الأمر وفيه وجوه من الحق تغمض عليهم، فيموجون حتى يرجعوا إليها، فتصح سبل حجتهم، وتوري زناد صدقهم، وتقوم بينة طلبتهم، وتعرب الألسنة بما في نيتهم. قال بشر المريسي وقد سئل عن رجل كيف هو، فقال: هو على أحس حال وأهنؤها، فضحك الناس من لحنه، فقال قاسم التمار: ما هذا إلا صواب، هو مثل ابن هرمة: المنسرح إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها

стр. 457

فشغل الناس بتفسير التمار عن لحن بشر. قال أبو عبيدة: أوصت نوار أن يصلي عليها الحسن البصري، فقيل له ذلك فقال: إذا أجنزتموها فأعلموني، فعجب الناس من قوله إذا اجنزتموها. قال يموت بن المزرع: قال لي ابن صدقة المزني: ضربك الله باسمك، فقلت له: أحوجك الله إلى اسم أبيك. صلى الشعبي في مسجد باهلة، فقام أعرابي فسأل، فأمر له إنسان من باهلة برغيفين صغيرين رقيقين فلم يأخذهما، ومضى فجاء برغيف كبير حسن وقال: يا باهلة، استفحلوا هذا الرغيف لخبزكم فلعلكم أن تنجبوا. قال أبو العيناء: ولى المأمون أصرم بن حميد عملاً، فهجاه بعض أهل الأدب فقال: الطويل

стр. 458

فما منبر نجسته باسم أصرم ... بطهر ولو طهرته بابن طاهر فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم وقال له: لم نصلك لهجائك لابن أصرم، فلا تعد لمثلها. قال أعرابي عند ضجره في طلب رزقه: والله لقد تقلبت بي الأسباب، وقرعت جميع الأبواب، واضطربت غاية الاضطراب، وسافرت حتى بلغت منقطع التراب، وحتى رضيت من الغنيمة بالإياب، فما رأيت الحرمان إلا رابضاً، ولا النجح إلا عارضاً. كتب علي بن الهيثم الثعلبي إلى عباد الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أكرمك الله ، فإن الخميس أخو الجمعة، ولا سيما في آخره، فإن كنت غير مختضب ولا محتحب، أتيتك في حاجة هي لي دون صاحبها، وسروري بقضائها فوق سرور المتوسل بي فيها، وإن كنت مشغولاً بما لا بد للعباد من الشغل به، أوحيت بقعودي عنك، إذ كان العذر واقعاً حقاً

стр. 459

مجدداً، وألزمت نفسك قضاء الحاجة مؤكداً. قال الحسن بن وهب: قال المأمون - وكان بليغاً - وقد ذكر التفاح بحضرته: اجتمع في التفاح الصفرة الدرية، والحمرة الذهبية، والبياض الفضي، والنور القمري، يلذها من الحواس ثلاث: العين لحسنها، والأنف لعرفها، والفم لطعمها. شاعر، وهو ابن المعتز: السريع ما بال صبحي لا يرى فجره ... وما لدمعي دائم قطره أستودع الله حبيباً نأى ... ميعاد دمعي أبداً ذكره وقال إبراهيم ابن هرمة: أصحاب السلطان في المثل كقوم رقوا جبلاً ثم وقعوا منه، فأقربهم إلى التلف أبعدهم في المرقى. كان في الخريمي إبرام، فقال له الجماز، وقد أبرمه في مسألة: قد أنفدت الشكر، وأفنيت البر، وجزت التودد، والله لو لقيت مصلوباً

стр. 460

لعانقته، ولو عانيت أبخر لقبلته، ولو رأيت قاتل أبيك لشكرته. أنشد للمؤمل بن طالوت مولى سكينة بنت الحسين: الرجز بدر قريش والذي ... برز في المحافل ذو تدرإ ومدره ... في كل أمر نازل وذو لقاء صادق ... وذو قضاء عادل والناس في ادرائه ... محتلطوا القبائل من راغب وراهب ... ونازل وراحل ومنصف لا يتقي ... في الله عذل عاذل وراجح لا يمتري ... درته بالباطل ليس بخب خادع ... ولا بغر غافل نعم الفتى لخائف ... ونعمة لآمل ونعم مسعار الوغى ... في اليوم ذي البلابل وقد لحن في قوله ونعمه. قال العتبي: من شريف كلام بعض السلف: لا تذكرن لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ زلة، فإنه إن لم يكن في حسناتهم ما يعفى على سيئاتهم، ففي عظيم عفو الله ما يسع سيئاتهم، واعلم أن الله تعالى لم يأمرك باتباعهم وهو يرضى منك بعيبهم، ولا تيأس لمؤمن - مع ما وصف الله
следующие страницы →