Полный текст (118 стр.). Показаны 106–118 · переход к 111.
стр. 106
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: أفشاهدتم جسماً حياً له حياةٌ لا تفارقه الحياة بالاحتراق بالنار؟
فإن زعموا أنهم قد شاهدوا ذلك وعاينوه، أكذبتهم المشاهدة مع ادعائهم ما لا يخفى كذبهم فيه.
٤٦- وإن زعموا أنهم لم يعاينوا ذلك ولن يشاهدوه.
قيل لهم: أفتقرون بأن ذلك كائنٌ، أم تنكرونه؟ فإن زعموا أنهم ينكرونه خرجوا من ملة الإسلام بتكذيبهم محكم القرآن. وذلك أن الله تعالى ذكره قال فيه: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ . فإن قالوا: بل نقر بأن ذلك كائنٌ.
قيل لهم: فما أنكرتم من جواز وجود العلم وحس الألم واللذة مع فقد الحياة؟ وإن لم تكونوا شاهدتم ولا عاينتم عالماً ولا حاساً إلا حيا له حياةٌ، كما جاز عندكم وجود الحياة في جسمٍ تحرقه النار، وإن لم تكونوا عاينتم جسماً تتعاقبه الحياة مع احتراقه بالنار.
فإن قالوا: إنما أجزنا ما أجزنا من بقاء الحياة في الجسم الذي تحرقه النار في حال إحراقه النار، تصديقاً منا بخبر الله –جل ثناؤه-.
стр. 107
قيل لهم: فصدقتم بخبر الله –جل ثناؤه- بما هو ممكنٌ في العقول كونه أو بما هو غير ممكن فيها كونه؟
فإن زعموا أنهم أجازوا ما هو غير ممكنٍ في العقول كونه، زعموا أن خبر الله – بذلك تكذب به العقول وترفع صحته، وذلك بالله كفرٌ عندنا وعندهم. ولا إخالهم يقولون ذلك.
فإن زعموا أنه –تعالى ذكره- أخبر من ذلك بما تصدقه العقول.
قيل لهم: فإذ كان خبره بذلك خبراً يصدقه العقل –وإن لم تكونوا عاينتم مثله- فأجيزوا كذلك أن عذاب الله –تعالى ذكره- ألماً ولذةً وعلماً في جسمٍ لا حياة فيه، وإن لم تكونوا عاينتم مثله فيما شاهدتم، ولا صح بذلك عندكم خبرٌ عن الله –تعالى ذكره- أو عن رسوله ﷺ ، كما كان غير محال عندكم في العقل وجود الحياة في جسمٍ قد أحرقته النار قبل مجيء الخبر به.
وإن كان الخبر قد حقق صحة كون ذلك حتى يصح به عندكم خبرٌ من الله أو من رسوله ﵊.
стр. 108
٤٧- قال أبو جعفر:
والمسألة على من أنكر منكراً ونكيرً، ودفع صحة الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إن الميت ليسمع خفق نعالهم)) ، يعني نعال من حضر قبره، إذا ولوا مدبرين.
والخبر الذي روي عنه ﵇: ((أنه وقف على أهل القليب فناداهم بأسمائهم: يا عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ويا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً. قالوا: يا رسول الله، أتكلم قوماً قد ماتوا وجيفوا؟! فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) . وما أشبه ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ في الموتى، كالمسألة على من أنكر عذاب القبر سواء؛ لأن علتهم في جميع إنكار ذلك علةٌ واحدةٌ، وعلتنا في الإيمان بجميعه والتصديق به علة واحدةٌ؛ وهو
стр. 109
تظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ به، مع جوازه في العقل وصحته فيه، وذلك أن الحياة معنىً، والآلام واللذات والمعلوم معانٍ غيره. وعير مستحيلٍ وجود الحياة مع فقد هذه المعاني، ووجود هذه المعاني مع فقد الحياة، لا فرق بين ذلك.
٤٨- قال أبو جعفر:
قد أوضحت سبيل الرشاد، وبينت طريق السداد لمن أيد بنصح نفسه، وطلب منه السلامة منها لها، والنجاة من المهالك، وترك التعصب للرؤساء، والغضب للكبراء، وإعراضٌ منه عن تقليد الجهال، ودعاة الضلال، في جميع ما اختلفت فيه أمة نبينا ﷺ بعده إلى يوم القيامة هذا، وما عساها أن تختلف فيه بعد اليوم من توحيد الله –جل ثناؤه- وأسمائه وصفاته وعدله ووعده ووعيده، وأحكام أهل الإجرام، والقول في أهل الآثام العظام وأسمائهم وصفاتهم.
والقول في أهل الاستحقاق للإمارة والخلافة، وأحكام المرقة من الخوارج على الأئمة.
والصحيح من القول فيما لا يدرك علمه إلا حساً وسماعاً،
стр. 110
وفيما لا يدرك علمه إلا استدلالاً، وما الذي لا يسع جهله من ذلك، وما الذي يسع جهله منه بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله.
стр. 111
القول في الاختلاف في الرؤية
٤٩- قال أبو جعفر:
اختلف أهل القبلة في جواز رؤية العباد صانعهم:
(أ) فقال جماعة القائلين بقولهم جهم: لا تجوز الرؤية على الله –تعالى ذكره- ومن أجاز الرؤية عليه فقد حده، ومن حده فقد كفر.
стр. 112
(ب) وقال ضرار بن عمرو: الرؤية جائزةٌ على الله تعالى ذكره، ولكنه يرى في القيامة بحاسةٍ سادسة.
(ج) وقال هشامٌ وأصحابه وأبو مالك.. .... .... ....
стр. 113
.... ....النخعي ومقاتل بن سليمان: الرؤية على الله –جل ثناؤه- جائزةٌ بالأبصار التي هي أبصار العيون.
(د) وقال جماعةٌ متصوفةٌ، ومن ذكر ذلك عنه مثل بكر بن
стр. 114
أخت عبد الواحد: الله –جل وعز- يرى في الدنيا والآخرة، وزعموا أنهم قد رأوه، وأنهم يرونه كلما شاءوا – إلا أنهم زعموا أنه يراه أولياؤه دون أعدائه.
стр. 115
ومنهم من يقول: يراه الولي والعدو في الآخرة، إلا أن الولي يثبته إذا هو رآه؛ لأنه يتراءى في صورةٍ إذا رآه بها عرفه، وأن العدو لا يثبته إذا رآه.
(هـ) وقال بعض أهل الأثر: يراه المؤمنون يوم القيامة بأبصارهم، ويدركونه عياناً ولا يحيطون به.
وقال آخرون منهم: يراه المؤمنون بأبصارهم ولا يدركونه.
قالوا: وإنما زعمنا أنهم لا يدركونه؛ لأنه قد نفى الإدراك عن
стр. 116
نفسه بقوله: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ .
فهذه جملة أقاويلهم.
٥٠- واعتل الذين نفوا الرؤية عنه بأن قالوا: إن كل من رأى شيئاً فلن يخلو في حال رؤيته إياه من أن يكون يراه مبايناً لبصره أو ملاصقاً.
قالوا: وغير جائزٍ أن يرى الرائي، ويبصر المبصر ما لاصق بصره؛ لأن ذلك لو كان جائزاً لوجب أن يرى الرائي عين نفسه.
فلما كان ذلك غير جائز في الدنيا، كان كذلك غير جائز في الآخرة، لأن ذلك إن جاز في الآخرة وهو غير جائز في الدنيا جاز أن يرى بسمعه في الآخرة ويسمع ببصره، فإذا كان ذلك في الدنيا
стр. 117
محالاً، وكان ذلك غير جائزٍ كان كذلك رؤية البصر ما لاصقه في الآخرة محالاً كما كان في الدنيا محالاً.
قالوا: وإذا فسد ذلك لم يبق إلا أن يقال: إن العبد في الآخرة يرى ربه مبايناً ببصره؛ إذ كانت الأبصار في الدنيا لا ترى إلا ما باينها، فكذلك الواجب في الآخرة مثلها في الدنيا لا ترى إلا ما باينها؛ وجب أن يكون العبد إذا رآه في الآخرة مبايناً ببصره أن يكون بينه وبينه فضاءٌ.
وإذا كان ذلك كذلك كان معلوماً أن ذلك الفضاء لو كان الصانع فيه كان أعظم مما مر به، وليس هو فيه. قالوا: وفي وجوب ذلك كذلك وجوب حد له.
والقول بأنه يحد لو توهم بأكثر من ذلك الحد كان أعظم مما هو به. قالوا: وذلك صفةٌ لله باللطف والصغر، وإيجاب الحدود له، وذلك عندهم خروجٌ من الإسلام.
قالوا وبعد: بعض من يخالفنا من أهل هذه المقالات ينفون الحدود عنه ويوافقوننا على ذلك.
стр. 118
قالوا: وفي نفيهم ذلك عنه –مع إجازتهم الرؤية عليه- نقضٌ منهم لقولهم: إذا أثبتوه مرئياً على المباينة التي وصفنا، نقضوا قولهم بذلك أنه غير محدودٍ.
وفي قولهم: إنه غير محدود نقضٌ منهم لقولهم: إنه يرى؛ لأنه إذا كان مرئياً لم يكن مرئياً إلا على المباينة التي وصفنا، وذلك إيجاب حد لله تعالى ذكره.
قالوا: فكل قولٍ من ذلك ناقضٌ لصاحبه، ولن يسلم مخالفنا من المناقضة.
قالوا: وفي تناقض القولين الدلالة الواضحة على فساد قول مخالفنا القائل: برؤية الصانع، وصحة قولنا.