Полный текст (537 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
باب التسميط
وهو أن يعتمد الشاعر تصيير بعض مقاطع الأجزاء، أو كلها في البيت على سجع يخالف قافية البيت، كقول مروان بن أبي حفصة طويل:
هم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابو، وإن أعطوا أطابوا، وأجزلوا
فأتت بعض أجزاء هذا البيت مسجعة على خلاف قافيته، لتكون القافية بمنزلة السمط، والأجزاء السجعة بمنزلة حب العقد، لكون التسميط يجمع حب العقد ويربطه، والفرق بين التسميط والتفويف، تسجيع بعض أجزاء بيت التسميط، وخلو كل أجزاء بيت التفويف من السجع بتة، والمراد بأجزاء التسميط بعض أجزاء التقطيع، ويسمى تسميط التبعيض.
ومن التسميط نوع آخر يسمى تسميط التقطيع، وهو أن يسجع جميع أجزاء التفعيل على روى يخالف روى القافية، كقولي بسيط
стр. 212
وأسمر مثمر بمزهر نضر ... من مقمر مسفر عن منظر حسن
فجاءت جميع أجزاء التفعيل في هذا البيت من سباعيها وخماسيها مسجعة على خلاف سجعة الجزء الذي هو قافية البيت، والله أعلم.
стр. 213
باب المماثلة
وهو أن تتماثل ألفاظ الكلام أو بعضها في الزنة دون التقفية، كقول الله : " وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب، إن كل نفس لما عليها حافظ " فالطارق والثاقب وحافظ متماثلات في الزنة دون التقفية، وقد تأتي بعض ألفاظ المماثلة مقفاة من غير قصد، لأن التقفية في هذا الباب غير لازمة، كقول امرئ القيس متقارب:
فتور القيام، قطوع الكلام ... تفتر عن ذي غروب خصر
كأن المدام، وصوب الغمام ... وريح الخزامى، ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر، المستحر
стр. 214
وكقول الشاعر على أصل الباب في التزام الزنة دون التقفية متقارب:
صفوح، كريم، رصين إذا ... رأيت العقول بدا طيشها
نداه سحوح على أنفس ... به اخضر لما سقى عيشها
والبيت الأول أردت.
والفرق بين المماثلة والمناسبة توالي الكلمات المستويات في المماثلة، وتفارقها في المناسبة ومن أمثلة المماثلة قول أبي ذؤيب وافر:
معتقة، مصفقة، عقار ... شآمية، إذا جليت مروح
فقوله: معتقة، مصفقة، شآمية متماثلة لتساوي الكلام في الزنة، وهذا البيت من أقوى دليل على أن التقفية في المماثلة غير لازمة، إذ لو كانت لازمة لأتى بشآمية على سجع معتقة مصفقة.
لكنه لما لم يأت بأول العجز على سجع أول الصدر، علم أن التقفية في هذا الضرب غير لازمة. ومثله قول أوس بن حجر متقارب:
مليح، نجيح، أخو مأقط ... يكاد يخبر بالغائب
стр. 215
باب التجزئة
وهو أن الشاعر يجزئ البيت من الشعر جميعه أجزاء عروضية، ويسجعها كلها على رويين مختلفين، جزء يجزء، إلى آخر البيت الأول من الجزأين، على روى مخالف لروى البيت، والثاني على روى البيت كقول الشاعر " رمل ":
هندية لحظاتها، خطية خطراتها، دارية نفحاتها
ومثال الثاني الذي سجع كل ثان من أجزائه زائداً على قافيته قول أبي تمام طويل:
تجلى به رشدي، وأثرت به يدي ... وطاب به ثمدي، وأورى به زندي
وكقول المتنبي بسيط
فنحن في جذل، والروم في وجل ... والبر في شغل؛ والبحر في خجل
والتجزئة تفارق التسميط من وجهين: أحدهما تقسيم بيتها على ثلاثة أجزاء مسجعة إن كان سداسياً، أو أربعة مسجعة إن كان ثمانيا.
والثاني التزام السجع في الأجزاء على قافية البيت والله أعلم.
стр. 216
باب التسجيع
وهو أن يتوخى المتكلم أو الشاعر في أجزاء كلامه، بعضها غير متزنة بزنة عروضية ولا محصورة في عدد معين، بشرط أن يكون روي الأسجاع روي القافية، والفرق بينه وبين التسميط كون أجزائه على روى قافيته، وبينه وبين التجزئة اختلاف زنة أجزائه، ومجيئها على غير عدد محصور معين، ومثاله قول أبي تمام طويل:
تجلى به رشدي، وأثرت به يدي ... وطاب به ثمدي، وأورى به زندي
وقول ديك الجن كامل:
حر الإرهاب وسميه، بر الإيا ... ب كريمه، محض النصاب صميمه
стр. 217
والأجزاء المسجعة من هذا البيت التي هي بعض أجزائه غير متزنة زنة عروضية، وإن تماثلت في زنة بعضها لبعض، والفرق بينه وبين المماثلة، كون أجزائه المسجعة اتزنت زنة غير زنة عروضية، وأتت مفرقاً ما بينها، وأتى تسجيعها على روي بيتها، بخلاف أجزاء المماثلة، وتسجيع أجزاء المماثلة على غير روي بيتها والله أعلم.
стр. 218
باب الترصيع
الترصيع كالتسجيع في كونه يجزئ البيت إما ثلاثة أجزاء إن كان سداسياً، أو أربعة إن كان ثمانياً وسجع على ثاني العروضين دون الأول، وأكثر ما يقع الجزءان المسجع والمهمل في الترصيع مدمجين إلا أن أسجاع التسجيع على قافية البيت، والفرق بينه وبين التسميط المسمى تسمي التبعيض أن المسجع من قسمي التسميط معاً هي أجزاء عروضية، والمسجع من الترصيع أجزاء غير عروضية لوقوع السجع في بعض الأجزاء، ومثال الترصيع قول أبي صخر من أناشيد قدامة بسيط
وتلك هيكلة خود مبتلة ... صفراء رعبلة في منصب سنم
عذب مقبلها خدل مخلخلها ... كالدعص أسفلها مخضوبة القدم
стр. 219
سود ذوائبها، بيض ترائبها ... محض ضرائبها، صيغت على الكرم
سمح خلائقها، درم مرافقها ... يروي معانقها من بارد شبم
كأن معتقة، في الدن مغلقة ... صفراً مصفقة من رابئ ودم
شيبت بموهبة، من رأس مرقبة ... جرداء مهيبة، في حالق شمم
خالط طعم ثناياها وريقتها ... إذا يكون توالي النجم كالنظم
فهذا القسم من الترصيع يحسن أن يسمى الترصيع المدمج، لا، كل جزء مسجع من أجزائه مدمج في الجزء الذي قبله فرقاً بينه وبين ما ليس كذلك من الترصيع، فإن من الترصيع ما أجزاؤه المسجعة غير مدمجة فيما قبلها، ومثاله قول مسلم بن الوليد بسيط
كأنه قمر، أو ضيغم هصر ... أو حية ذكر، أو عارض هطل
وهذا القسم من الترصيع بلتبس بالتسميط التباساً شديداً، والفرق بينهما أن التسجيع في التسميط على الجزء الأول من الأجزاء العروضية، وفي الترصيع على ثاني العروضيين، ألا ترى التسجيع من التسميط في بيت مروان جاء في الخماسي لما كان من بحر طويل، وجاء التسجيع
стр. 220
من الترصيع في بيت مسلم في الخماسي أيضاً لما كان البيت من بحر البسيط، لكون الخماسي أول الجزأين من الطويل والخماسي ثاني الجزأين من البسيط، وهذا الوضع مما يسأل عنه من يدعي هذا العلم. ويتنخل من ذلك أن الفرق بين التسميط والترصيع من وجهين: أحدهما كن الترصيع يكون بأجزاء مدمجة وغيرها، والتسميط لا يقع فيه الإدماج ألبتة.
والثاني أن ما لا إدماج في أجزائه من الترصيع يقع التسجيع منه في ثاني العروضين، ومن التسميط في أولهما، والله أعلم.
стр. 221
باب التصريع
التصريع على ضربين: عروضي، وبديعي، فالعروضي عبارة عن استواء عروض البيت وضربه في الوزن والإعراب والتقفية، بشرط أن تكون العروض قد غيرت عن أصلها لتلحق الضرب في زنته.
والبديعي استواء آخر جزء في الصدر، وآخر جزء في العجز في الوزن والإعراب والتفقيه، ولا يعتبر بعد ذلك أمر آخر، وهو في الأشعار كثير، لا سما في أول القصائد، وكثير ما يأتي في أثناء قصائد القدماء؛ ويندر مجيئة في أثناء قصائد المحدثين، ووقوعه في الأعشار دليل على غزر مادة الشاعر، وحكمه في الكثرة والقلة حكمن بقية أنواع البديع، إذ كل ضرب من البديع متى كثر في شعر سمج، كما لا يحسن خلو الكلام منه غالباً، وكل ما جاء منه متوسطاً من غير تكلف فهو المستحسن، وقد يأتي بعض أوائل القصائد مصمتاً، ويأتي التصريع في أثنائها بعد ذلك. وقد قسمه أهل الصناعة قسمين: قسم سموه تصريع التكميل، وقسم سموه تصريع التشيطر، ورأيت منهم من جعل هذا القسم الثاني باباً مفرداً يسميه التشيطر من غير أن يضيف إليه لفظة التصريع.
ومثال التصريع العروضي قول امرئ القيس طويل:
стр. 222
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
ومثال التصريع البديعي قوله في أثناء هذه القصيدة:
ألا إنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال
وقوله أيضاً بعد تصريع أول القصيدة المعلقة، وإن كان إطلاق التصريع عليها إطلاقاً بديعياً، لا عروضياً، إذ أولها عند العروضين مقفى لا مصرع طويل:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
ومثال ما وقع في أثناء القصيدة وأولها مصمت قوله متقارب:
تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضيرك لو تنتظر
فإن أول هذه القصيدة على أصح الروايتين
لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر
ثم والى التصريع بعد قوله:
تروح من الحي أم تبتكر
فقال
أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر
وشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر
стр. 223
وأهل البديع يسمون التقفية تصريعاً، إذ لا يعتبرون الفرق بينهما. والتصريع في أثناء القصائد والإصمات في أوائلها يستحسن من القدماء، ويستحسن من المحدثين، لأنه من العرب يدل على قوة العارضة وغزر المادة، وعدم الكلفة وتخلية الطبع على سجيته، وهو من المحدثين دليل على قوة التكلف غالباً، ولا يحسن التصريع لأنه لا يأتي منهم إلا مقصوداً، ولا يحسن التصريع إلى ابتداء شعر غير الشعر الذي تقدم ... ألا ترى إلى كون امرئ القيس لما فرغ من ذكر الحماسة في القصيدة الرائية التي ذكرنا منها الأبيات المتقدمة، وشرع في ذكر النسيب صرع، وإذا استقريت أشعارهم وجدت أكثرها كما ذكرت لك.
стр. 224
باب التشطير
هذا أن يقسم الشاعر بيته شطرين، ثم يصرع كل شطر من الشطرين، لكنه يأتي بكل شطر مخالفاً لقافية الآخر ليتميز من أخيه، فيوافق فيه الاسم المسمى، وذلك كقول مسلم بن الوليد بسيط
موف على مهج، في ويم ذي رهج ... كأنه أجل، يسعى إلى أمل
وكقول أبي تمام بسيط
تدبير معتصم، بالله منتقم ... لله مرتغب، في الله مرتقب
وعندي أن بيت أبي تمام أولى من بيت مسلم بهذا الباب، لأنه عمد إلى كل شطر قدره بيتاً وصرعه تصريعاً صحيحاً، وبيت مسلم شطره الأول مصرع تصريعاً صحيحاً، وشطره الثاني ليس بمصرع لمخالفة روي وسطه روي آخره في الإعراب، اللهم إلا أن يجعل الشطر على ضربين: ضرب يصرع فيه أحد الشطرين دون الآخر، وضرب يصرعان فيه معاً. والله أعلم.
стр. 225
باب التعليل
وهو أن يريد المتكلم ذكر حكم واقع، أو متوقع فيقدم قبل ذكره علة وقوعه، لكون رتبة العلة أن تقدم على المعلول، كقوله سبحانه: " لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم " فسبق الكتاب من الله علة في النجاة من العذاب. وكقوله تعالى: " ولولا رهطك لرجمناك "، فوجود رهطه علة في سلامته من قومه، وكقول الرسول ﷺ : " لولا أخاف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " فخوف المشقة على الأمة هو العلة في التخفيف عنهم من الأمر بالسواك عند كل صلاة.
ومن الأمثلة الشعرية في ذلك قول البحتري متقارب:
ولو لم تكن ساخطاً لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا
فوجود سخط الممدوح هو العلة في شكوى الشاعر الزمان، وكقول أبي القاسم بن هانئ الأندلسي طويل:
стр. 226
ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى ... لما كنت أدري علة للتيمم
فعلل درايته علة التيمم بمصافحة رجل صاحبته صفحة الثرى وهذا من غلو ابن هانئ المعروف فلحى الله غلوه كيف يقول: إنه لم يدر علة التيمم إلا بما ذكر، وقد وردت علة التيمم من نص الكتاب والسنة: أما نص الكتاب فقوله تعالى: " فتيمموا صعيداً طيباً " وما نص السنة فقوله ﷺ : " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " وحديث عمار بن ياسر في التيمم مشهور وأخرجه مسلم.
أراد ابن هانئ الإغراب في هذا المعنى، فوقع فيما عادته أن يقع فيه من الغلو، وأحسن من قوله قول ابن رشيق القيرواني في تعليل قوله ﵇: " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " حيث قال وافر:
سألت الأرض لم جعلت مصلى ... ولم كانت لنا طهراً وطيبا
فقالت غير ناطقة لأني ... حويت لكل إنسان حبيبا
فتخلص مما وقع فيه ابن هانئ لكونه ذكر أنه سأل الأرض عن العلة التي بسببها جعلها الله تعالى لرسوله ﵇ مسجداً وطهوراً، وتلطف في استخراج علة مناسبة لا حرج عليه في ذكرها بنفسه، فكيف وقد ذكرها على لسانها في جواب سؤاله، وأبو تمام الذي فتح له باب هذا المعنى ونبهه على استخراج هذه العلة بقوله طويل:
стр. 227
رباً شفعت ريح الصبا بنسيمها ... إلى الغيث حتى جادها وهو هامع
كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيباً فما ترقا لهن مدامع
والبيت الثاني، أردت لأن أبا تمام تلطف لمعناه غاية التلطف، إذ جعل دوام مطر السحاب على هذا الربا إنما كان بمنزلة البكاء من ثاكل دفن محبوباً له، فهو دائم البكاء على قبره، فكأنه جعل العلة في دوام السقيا كون الحبيب تحت تلك الأرض المسقية، ومن هاهنا جعل ابن رشيق العلة في كون الأرض مسجداً وطهوراً لكافة الناس الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كونها حوت لكل بشر حبيباً، وهذه كلها أمثلة الكلام الذي جاء على وجهه في تقديم علة حكمه على الحكم، وأما ما جاء منه متقدم المعلول على العلة إغراباً وطرفة، فكقول مسلم بن الوليد بسيط
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق
فإن هذا البيت لم يسمع في هذا الباب مثله، لأنه مسلماً أغرب في معناه بتلطفه في تحسين إساءة الوشي، لإنجائه إنسان عينه من الغرق بالدمع، لامتناعه من البكاء لحذره منه، فغاير في ذلك الناس، أعني استحسان الإساءة، وكأنه سئل عن استحسانه إساءة الواشي، ففسر ذلك بنجاة إنسانه من الغرق، وأدمج في هذا المعنى معنى الاعتذار عن عدم البكاء، وتبيين العلة في ذلك من جهة حذره من الواشي بحبه، وفي ذلك فضيحة محبوبه،
стр. 228
واحترس من توهم متوهم أن جمود عينه لغلبة جلده على حبه، وصبره على جزعه، إذ ذلك مناف لصحة مذاهب الناس في الغزل، وجاء في ضمن ذلك الإدماج بالمبالغة، إذ مفهوم كلامه وملزومه أنه لولا حذره من الواشي لبكى بدمع يغرق إنسانه بحيث لا ينحسر عنه الماء أبداً، فإنه أطلق عليه لفظ الغرق، وهذا حكم كل غريق، هذا إلى ما وقع في البيت من مساواة معناه للفظه، وائتلافه معه ومع وزنه، وحصول المطابقة اللفظية فيه، وعذوبة ألفاظه، وسهولة سبكه، وقرب متناوله، وصحة دلالته، وتمكين قافيته، فاشتمل هذا البيت على ثلاثة عشر نوعاً من البديع، وهي الإغراب والطرفة، والتعليق، والإدماج، والاحتراس، والمبالغة، والتعليل، والمطابقة، والمساواة، والتغاير، والتفسير، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع الوزن، والتمكين، وقد تشبث القاضي السعيد ﵀ بأذيال مسلم في هذا المعنى، وأحسن ابتاعه باختيار بعض هذه الأنواع حيث قال خفيف:
علمتني بهجرها الصبر عنها ... فهي مشكورة على التقبيح
فالجامع بين هذا البيت والبيت الذي قبله وقوع الإحسان من الإساءة، فبيت السعيد وإن شارك بيت مسلم في المساواة، والتعليق، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع الوزن، وتمكين القافية، والتفسير والتعليل، فقد أعوزه الإغراب والمغايرة والمطابقة والاحتراس والإدماج والمبالغة، على أن صريح بيت السعيد مأخوذ من قول القائل منسرح:
стр. 229
أعتقني سوء ما صنعت ال؟ ... رق فيا بردها على كبدي
فصرت عبداً للسوء فيك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد
وهذان البيتان في معناهما من أحسن ما سمع، وأكمل وأمتن شعر وأفضل، ولولا الإفراط في الإطالة بينت مانيهما، والله أعلم
стр. 230
باب التطريز
وهو أن يبتدئ المتكلم أو الشاعر بذكر جمل من الذات غير مفصلة، ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قدره في تلك الجملة الأولى، فتكون الذوات في كل جملة متعددة تقديراً والجمل متعددة لفظاً والصفة الواحدة المخبر بها عن تلك الذوات متعددة لفظاً، وعدد الجمل التي وصفت بها الذوات لأعدد الذوات عدد تكرار واتحاد لا تعداد تغير، وذلك كقول ابن الرومي وافر:
أموركم بني خاقان عندي ... عجاب في عجاب في عجاب
قرون في رؤوس في وجوه ... صلاب في صلاب في صلاب
стр. 231
وكقوله وافر:
وتسقيني وتشرب من رحيق ... خليق أن يلقب بالخلوق
كأن الكأس في يده وفيها ... عقيق في عقيق في عقيق
ومثل ذلك قول القائل، وأنا أشك هل هو لأبي نواس أو ابن المعتز وافر:
فثوبي والمدام ولون خدي ... شقيق في شقيق في شقيق
стр. 232
باب التوشيع
هو من الوشيعة، وهي الطريقة في البرد المطلق، فكأن الشاعر أهمل البيت كله إلا آخره، فإنه أتى فيه بطريقة تعد من المحاسن.
وهو عند أهل الصناعة عبارة عن أن يأتي المتكلم أو الشاعر ابسم مثنى في حشو الجز، ثم يأتي تلوه باسمين مفردين هما عين ذلك المثنى، يكون الأخير منهما قافية بيته أو سجعة كلامه، كأنهما تفسير ذلك. وقد جاء من ذلك في السنة ما لا يلحق بلاغة، وهو قوله ﵇: " يشب ابن آدم وتشب فيه خصلتان: الحرص، وطول الأمل ".
ومن أمثلة هذا الباب في الشعر قول الشاعر بسيط
أمسى وأصبح من تذكاركم وصباً ... يرثي لي المشفقان الأهل والولد
قد خدد الدمع خدي من تذكركم ... واعتادني المضنيان الوجد والكمد
стр. 233
وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكم ... وخانني المسعدان: الصبر والجلد
لا غرو للدمع أن تجري غواربه ... وتحته المضرمان: القلب والكبد
كأنما مهجتي شلو بمسبعة ... ينتابها الضاريان: الذئب والأسد
لم يبق غير خفي الروح في جسدي ... فدى لك الباقيان: الروح والجسد
وهذه الأبيات جيدة، لو لم يقع في البيت الأول منها تقصير عما يجب في مثله على الطريقة المحمودة من طرائق النسيب حيث قال: " يرثي لي المشفقان "، فإنه ليس من الكلام البليغ قول من يشكو محنة قد رثى لي المشفق منها، وأبلغ منه قول من يقول رثى لي العدو ورق لي الصخر، وأشباه ذلك وما بشعر قلته في هذا المعنى من بأس، وهو بسيط
بي محنتان ملام في هوى بهما ... رثى لي القاسيان: الحب والحجر
لولا الشفيقان من أمنية وأسى ... أودى بي المرديان: الشوق والفكر
ويحسن أن يسمى ما وقع في بيتي تطريف التوشيع، إذ وقع التوشيع في طرفي كل بيت في أوله وآخره، والله أعلم.
стр. 234
باب العكس والتبديل
وهو أن يأتي الشاعر إلى معنى لنفسه، أو لغيره فيعكسه، فمثال ما عكس الشاعر من المعاني لغيره قول أبي العتاهية يشبه الرايات بالسحاب وافر:
ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب
فعكسه علي بن الجهم فقال يشبه السحابة بالرايات طويل:
فمرت تفوق الطرف حتى كأنها ... جنود عبيد الله ولت بنودها
وما أدري كيف وصف ابن الجهم جنود ممدوحه بالتولي في الحرب! وهو من صفات الذم، فقال الله : " فلا تولوهم الأدبار ".
стр. 235
وقال علي ﵇ وقد قيل له ورثي عيه درع وهي صدر بلا ظهر: ألا وقيت ظهرك، فقال إن وليت فلا وألت هذا الإنكار وقع مني على ما روى لي عنه، فإن الذي روى لي البيت له ذكر أن عبيد الله المذكور فيه هو ممدوحه بهذه القصيدة، والعهدة على الراوي، ومن هذا القسم قول الشاعر بسيط
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
فعكسه غيره فقال بسيط
وربما فات بعض القوم أمرهم ... مع التأني وكان الحزم لو عجلوا
ومن القسم الثاني، وهو عكس الشاعر معنى نفسه قول الأول خفيف:
وإذا الدر زان حسن نساء ... كان للدر حسن وجهك زينا
ومثله قول الآخر طويل:
منعمة الأطراف زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
ولبعض الشعراء فيمن مدحه، فتغير عليه ومطله بسيط
ها قد غدا من ثياب الشعر في كفن ... وقد تعفت معاني وجهه الحسن
وكان يعرض عني حين أبصره ... فصرت أعرض عنه حين يبصرني
стр. 236
والبيت الثاني أردت: ومن هذا الباب قول بعضهم وافر:
فإن أك في شراركم قليلاً ... فإني في خياركم كثير
ويروي للرشيد هارون متقارب:
لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي بسرى نموم مذيع
فلولا دموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع
والبيت الثاني أردت، هو كقول أبي نواس كامل:
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
ومن مليح العكس والتبديل قول عبد الله بن الزبير الأسدي وافر:
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سودا
وقد استشهد قوم بهذا البيت على المطابقة، وهو بهذا الباب أولى لما فيه من عكس مطابقة عجزه لصدره، وتبديل الطباق في العجز.
ومن باب العكس في الكتاب العزيز قوله تعالى " ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عيهم من شيء " والله أعلم.
стр. 237
باب الإغراق
الإغراق فوق المبالغة، ودون الغلو، ولا يقع شيء من الإغراق والغلو في الكتاب العزيز، ولا الكلام الصحيح الفصيح إلا مقروناً بما يخرجه من باب الاستحالة، ويدخله في باب الإمكان، مثل كاد وما يجري مجراها.
ومن أمثلته قول ابن المعتز طويل:
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فموضع الإغراق من البيت قوله: ظالمين يعني أنها استفرغت جهدها في العدو، فيما ضربناها إلا ظلماً، ولا جرم أنها خرجت من الوحشية إلى الطيرية، ولو لم يقل: ظالمين لما حسن قوله فطارت ولكنه بذكر الظلم صارت الاستعارة كأنها حقيقة. وقد أنشد بعض المؤلفين بيتين في هذا الباب مستحسناً لهما وهما متقارب:
أليس عجيباً بأن امرأً ... شديد الجدال دقيق الكلم
يموت وما علمت نفسه ... سوى علمه أنه ما علم
وعندي أن هذين البيتين ليس فيهما إغراق ألبتة، بل لو قيل إنهما ليس فيهما مبالغة لما رد هذا القول، لأن الشاعر أخبر عن نفسه أو نفس
стр. 238
من قصده بذلك أنه عارف بجهله، وأنه يموت وما علم سوى ذلك من نفسه، وهذا أصدق الشعر الذي استحسنه أكثر الفحول، وجاءت أكثر أشعارهم عليه، ولو كان قال: إنه يموت وما علم بجهله لكان ذلك إغراقاً، فلا تثبت له مبالغة إلا بوجه بعيد، وذلك أنه أثبت لنفسه الجهل المحض، ونفى عنها العلم بتة، وهو لا بد وأن يكون عالماً بشيء ما، فنفيه كل العلم عنه وهو يعلم بعضه إنما هو من جهة المبالغة.
ولي في هذا المعنى بيت من أبيات ما به من بأس، وهو من أمثلة الباب طويل:
جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري
وبيت امرئ القيس في صفة النار الذي قدمت ذكره في باب المبالغة هو بالإغراق أولى، وقد أشرت إلى ذلك متقدماً عند ذكره وهو طويل:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي
стр. 239
باب الغلق
وقد رأيت من لا يفرق بين الغلو والإغراق، ويجعل التسميتين لباب واحد، وعندي أن معنى البابين مختلف كاختلاف اسميهما، إلا أن الإغراق أصله في النزع، وأصل الغلو بعد الرمية، وذلك أن الرامي ينصب غرضاً يقصد إصابته، فيجعل بينه وبينه مدى يمكن معه تحيقي ذلك الغرض، فإذا لم يقصد غراً معيناً، ورمى السهم إلى غاية ما ينتهي إليه بحيث لا يجد مانعاً يمنعه من استيفاء السهم قوته في البعد سميت هذه الرمية غلوة فالغلو مشتق منها، ولما كن الخروج عن الحق إلى الباطل يشبه خروج هذه الرمية عن حد الغرض المعتاد إلى غير حد سمي غلواً، قال الله : " قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق " وهو لا يعد من المحاسن إلا إذا اقترن به ما يقربه من الحق، كقد للاحتمال، ولو ولولا للامتناع، وكاد للمقاربة، وأداة التشبيه، وآلة التشكيك، وأشابه ذلك من القرائن اللفظية.
وقد يكون الغلو حقاً من جهة المعنى، كالغلو في الدين، فإنه قسمان:
стр. 240
حق وباطل، فالحق فحص الإنسان عن دينه، وإفراط ورعه وتحرجه، كقول بعضهم: إنما الزهد في الجلال، والغلو: الباطل، كقول النصارى في المسيح ﵇.
وفي قوله تعالى " لا تغلوا في دينكم غير الحق " دليل على أن من الغلو ما هو حق، وهو ما أشرنا إلهي، وإن كان الغلو في الدين دين الله قد يكون في بعض الأحايين حقاً فالتوسط خير منه كقول رسول الله ﷺ " خير الأمور أوساطها ".
ومن شواهده المستحسنة قول مهلهل وافر:
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
وقد قيل: إن هذا البيت أكذب بيت قالته العرب، وإن بيت امرئ القيس في صفة النار أقرب منه إلى الحق، لأن فيه ما يخلص به من الطعن وهو اعترافه ببعد مسافة النار، وأنها لم يدنها إلا النظر العالي، وقالوا: حاسة البصر أقوى من حاسة السمع، لأن أقوى سمع وأصحه إنما يسمع أعظم صوت من ميل واحد، بشرط حمل الريح ذلك الصوت إلى جهة السامع في الليل عند هدوء الأصوات وسكون الحركات، وحاسة البصر تبصر الجواهر الشفافة، والأجسام الصقيلة، والأجرام المضيئة من بعد يتجاوز الحد بغير واسطة، ورؤية النيران العظيمة المرتفعة مواقدها للناظر المرتفع مكانه ممكنة من البعد ما لم يمنع من ذلك ضوء النهار، ويحول مخروط
стр. 241
ظل الأرض دونها، وقد كانت زرقاء اليمامة ترى الجيوش خيلها ورجلها، وتحزر أعدادها من مسيرة ثلاثة أيام، وتنذر به قومها، ويقع الأمر على ما أخبرت به، وقد تواتر الخبر عنها بذلك، وضرب بها المثل، وقد تقدم ذكر النابغة لها في قصة الحمام، فلهذا رجحوا بيت امرئ القيس على بيت مهلهل، وعندي أن بيت مهلهل أقرب إلى الصدق والاستحسان من بيت امرئ القيس على شرطهم، فإنهم شرطوا أن كل كلام تجاوز المتكلم فيه حد المبالغة إلى الإغراق والغلو، واقترن بما يقربه من الإمكان خرج من حد الاستقباح إلى حد الاستحسان، وقد تقدم في بيت مهلهل لولا، وهي من الحروف التي زعموا أن الكلام باقترانه بها يبعد من العيب بتة، وليس في بيت امرئ القيس شيء من ذلك، مع أنه قد صرح في البيت الذي قبله أن النار إنما شبت في وجه النهار، عند رجوع المغيرة، من المغار حيث قال: " تشب لقفال "، وضوء النهار يمنع من رؤية النيران والكواكب وجميع الأجرام المضيئة، وهذا القدر يدخل بيت امرئ القيس في باب الاستحالة، مع خلوه مما يقربه من الإمكان، والبيت الذي هو عندي من عيوب هذا الباب لمجيء الإفراط فيه غير مقترن بما يخلصه به من ذلك، وليس مما يحتمل تأويلاً يقربه من الصدق ميت النمر بن تولب الذي يشبه فيه نفسه بالسيف حيث قال بسيط
стр. 242
أبقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف صقيل أثره باد
تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي
وقد تأول بعضهم هذا البيت تأويلاً لو صح تخلص به قائله من العيب، وهو أن قوله:
بعد الذراعين والساقين والهادي
لم يرد أنك تحفر عنه بعد حفرك على هذه الأعضاء، لأنه لم يرد إلا أعضاء المضروب لا أعضاء الضارب، يعني بعد قده الذراعين والساقين والهادي، وهذا عندي لا يخلصه، فإنه على هذا التأويل لم يخرج عن كونه غلوا غير مقترن بما يخلص. والذي هو أقرب منه بحيث لا يجوز أن يؤتى به في باب الغلو ولا يخرج عن كونه مبالغة قول النابغة في صفة السيوف طويل:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن في الصفاح نار الحباحب
وما تجاوز حد المبالغة فهو غلو، لا سيما وهو غير مقترن، وإذا ثبت أن بيت النابغة أحسن أحواله أن يعد من المبالغة لا من الإغراق، وأن بيت النمر قد تجاوز حدث فهو من الغلو ولما كان ما جاء من الغلو مستحسناً، لا يكون إلا باقترانه بما تقدم، وما جاء منه غير مقترن كان مستقبحاً. وجاء بيت النمر غير مقترن علم أنه من الغلو المستقبح. والله أعلم.
стр. 243
باب القسم
وهو أن يريد الشاعر الحلف على شيء، فيحلف بما يكون له مدحاً، وما يكسبه فخراً، أو ما يكون هجاء لغيره، وأو ويعداً له، أو جارياً مجرى التغزل والترقق.
فأما الأول فمثاله قول الأشتر النخعي كامل:
بقيت وفرى وانحرفت إلى العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشن على ابن هند غارة ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس
وأبيات الأشتر تضمنت فخراً له، ووعيداً لغيره، فحصل فيها الأفتان مقترناً بالقسم، وكقول أبي على البصير كامل:
أكذبت أحسن ما يظن مؤملى ... وهدمت ما شادته لي أسلافي
وعدمت عاداتي التي عودتها ... قدما من الإتلاف والإخلاف
وصحبت أصحابي بعرض معرض ... متحكم فيه ومال واف
стр. 244
وغضضت من نارى ليخفي ضوؤها ... وقريت عذراً كاذباً أضيافي
وإن لم أشن على علي خلة ... تضحى قذى في أعين الأشراف
وقد يقسم الشاعر بما يزيد الممدح مدحاً، كقول القائل كامل:
آثار جودك في الخطوب تؤثر ... وجميل بشرك بالنجاح يبشر
إن كان لي أمل سواك أعده ... فكفرت نعمتك التي لا تكفر
وأما ما جاء من القسم في النسيب فكقول الشاعر طويل:
جنى وتجنى والفؤاد مطيعه ... فلا ذاق من يجني عليه كما يجني
فإن لم يكن عندي كعيني ومسمعي ... فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني
ومما جاء في الغزل من القسم قول ابن المعتز بسيط.
لا والذي سل من جفنيه سيف ردى ... قدت له من عذارية حمائله
ما صارمت مقلتي دمعاً ولا وصلت ... غمضاً ولا سالمت قلبي بلابله
وهذا أحسن ما وقع في الغزل من القسم، إذ القسم والمقسم عليه كله داخل في باب الغزل.
ومن أحسن ما سمعت في القسم على المدح قول ابن خرداذبة طويل:
حلفت بمن سوى السماء وشادها ... ومن مرج البحرين يلتقيان
стр. 245
ومن قام في المعقول من غير رؤية ... بأثبت من إدراك كل عيان
لما خلقت كفاك إلا لأربع ... عقائل لم تعقل لهن ثوان
لتقبيل أفواه وإعطاء نائل ... وتقليب هندي وحبس عنان
وإذا انتهيت إلى بلاغة الكتاب العزيز، انتهيت إلى نهاية البلاغة.
ومنه قوله تعالى: " فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " فإنه قسم يوجب الفخر لتضمنه التمدح بأعظم قدرة، وأكمل عظمة للحاصل من ربوبية السماء والأرض، وتحقق الوعد بالرزق، حيث أخبر سبحانه أن الرزق في السماء، وأنه رب السماء، فيلزم من ذلك قدرته على الرزق الموعود به دون غيره، فعلم أن لا رازق سواه، وأنه لا يحرم رزقه من خلقه، وأما ما حصل من الإيغال إذ قال في الفاصلة سبحان بعد تمام المعنى: " مثل ما أنكم تنطقون " فمثل هذا الوعد بما هو واقع معلوم ضرورة لا يرتاب منها أحد، وكقوله تعالى: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون " أقسم سبحانه بحياة نبيه ﷺ ليعرف الناس عظمته عنده، ومكانته لديه سبحانه، وأخبره بعد القسم بحياته أن المعرضين عنه في سكرتهم تسلية له، كما قال له في غير موضع: " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " وقوله: " قد
стр. 246
نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون "، وهذه نهاية المحبة وغاية الملاطفة، إذ فداه بآيته، وقد كانوا كذلك، فإنه روى أن أبا جهل قال للنبي ﷺ : " إن لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به " والله أعلم.
стр. 247
باب الاستدراك والرجوع
وهو على قسمين: قسم يتقدم الاستدراك فيه تقرير لما أخبر به المتكلم وتوكيد. وقسم لا يتقدمه ذلك، فمن أمثلة الأول قول القائل وافر: هو ابن الرومي:
وإخوان تخذتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي
ولم أسمع في هذا الباب أحسن من أبيات ابن الدويدة المغربي فيمن أودعت عنده وديعة فادعى ضياعها فقال فيه كامل:
إن قال قد ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع
стр. 248
ومن هذا الباب قول القاضي الأرجاني، وهو لطيف جداً " رمل ":
غالطتني إذ كست جسمي ضنى ... كسوة أعرت عن اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما
والبيت الثاني أردت، وقد لطف القائل في شكوى الزمان طويل:
ولي فرس من نسل أعوج سابق ... ولكن على قدر الشعير يحمحم
وأقسم ما قصرت فيما يزيدني ... علواً ولكن عند من أتقدم
هذه كلها شواهد القسم الأول من الاستدراك وأما شواهد القسم الثاني منه، وهو الذي لا يتقدم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد، فمثله قول زهير طويل:
أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
стр. 249
باب الاستثناء
الاستثناء استثناءان: لغوي وصناعي، فاللغوي؛ إخراج القليل من الكثير، وقد فرغ النحاة من ذلك مفصلاً في كتبهم.
الصناعي هو الذي يفيد بعد إخراج القليل من الكثير معنى زائداً، يعد من محاسن الكلام، يستحق به الإيتان في أبواب البديع، ومتى لم يكن في الاستدراك والاستثناء معنى من المحاسن غير ما وضعا له، لا يعدان من البديع.
فمن الاستدراك قول زهير طويل:
أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
لأن العرب كانت تعد إتلاف المال في الخمر من المدح البليغ، قال شاعرهم كامل:
شريب خمر مسعر لحروب
فإنه لو اقتصر على صدر البيت دل على أن ما له موفور، وتلك صفة ذم، فاستدرك ما يزل هذا الاحتمال، وتخلص الكلام للمدح المحض، ومن
стр. 250
ذلك في القرآن قوله تعالى: " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " فإنه سبحانه لو اقتصر على قوله: " ولم تؤمنوا " لكان فيه تنفير لكونهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقادهما إيماناً، فأوجبت البلاغة أن يستدرك ما استدركه، ليعلمهم أن حقيقة الإيمان موافقة الجنان للسان بالتصديق، بدليل قوله: " ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما أشكل عليهم عد من المحاسن، إذ صار الكلام به موصوفاً بحسن البيان لما أقام من الحجة عليهم.
وهذا من الباب الذي قبل هذا، وإنما ذكرته هاهنا لما ذكرت أن الاستدراك والاستثناء الصناعيين لا بد أن يكون في كل واحد منهما معنى زائد غير ما وضع له يدخله في المحاسن.
والاستثناء كقوله تعالى: " فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس " فإن في هذا الكلام معنى زائداً على مقدار الاستثناء، وذلك تعظيم أمر الكبيرة التي أتى بها إبليس من كونه خرق إجماع الملائكة، وفارق جميع الملإ الأعلى، بخروجه مما دخلو فيه من السجود لآدم، وذلك بمثابة قولك: أمر الملك بكذا وكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلاناً، فإن الإخبار عن معصية هذا العاصي بهذه الصيغة مما يعظم أمر معصيته، ويفخم مقدار كبيرته بخلاف قولك: أمر الملك بكذا وكذا
следующие страницы →