← Баляга

Баляга · id 26520

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر

ابن أبي الأصبع

Полный текст (537 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

البيت به متلاحماً شديد ملاءمة الألفاظ وأحسن منه قول ابن رشيق القيرواني طويل: أصح وأقوى ما رويناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم وهذا أحسن شعر سمعته في المناسبة المعنوية، لأنه ناسب فيه بين الصحة والقوة، والرواية والخبر المأثور، والقدم مناسبة معنوية إذ هذه الألفاظ يناسب بعضها بعضاً، وكذلك ناسب في البيت الثاني بين الأحاديث والرواية والعنعنة مناسبة معنوية أيضاً، وأحسن من المناسبة الواقعة في البيت الأول ما وقع في البيت الثاني من صحة ترتيب العنعنة حيث أتى بها صاغراً عن كابر، وآخرا عن أول، كما يقع سند الأحاديث، لأن السيول فرع، والحيا أصله، ولذلك جعلها تروي عن الحيا إذ هي بمنزلة الولد، وهو بمنزلة الوالد، وكذلك الحيا فرع، والبحر أصله، ولذلك جعل الحيا يروي عن البحر، إذ الحيا بمثابة الولد والبحر بمثابة الوالد، ثم نزل البحر بمنزلة الولد، وجود الممدوح بمنزلة الوالد له لقصد المبالغة في المدح، ولذلك جعل البحر راوياً عن جود الممدوح، وهذا الذي تقتضيه الصناعة من الأدب مع الممدوح وحسن المبالغة في وصف جوده وفي الناس من سمى المناسبة المعنوية ملاءمة، إلا قدامة فإنه جعل الملاءمة ائتلاف ألفاظ الكلام بالمعنى الذي المتكلم

стр. 282

آخذ فيه، وقصده بذلك أن يقال في لفظة من ألفاظ المعنى: لو كان موضع هذه غيرها لكان الكلام مؤتلفاً بمعانيه وألفاظه ملائمة له وما ذكرته من المناسبة فيه زيادة على هذا المقدار، إذ غيرها من الألفاظ يوفي بما قاله الناس في تفسير الائتلاف، ويزيد عليه زيادة معلومة عند أرباب النقد. وأما المناسبة اللفظية فهي توخي الإتيان بكلمات متزنات، وهي على ضربين: تامة وغير تامة، فالتامة أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة وأخرى ليست بمقفاة، فالتقفية غير لازمة للمناسبة. ومن شواهد المناسبة التي ليست بتامة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب " ومن شواهد التامة في السنة قول الرسول ﷺ مما كان يرقي به الحسنين ﵉ " أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة " فقال النبي ﷺ " لامة " ولم يقل ملمة، وهي القياس، لمكان المناسبة اللفظية التامة؛ ومثله قوله ﵇ " ارجعن مأزورات غير مأجورات "

стр. 283

والمستعمل موزورات، لأنه من الوزر غير مهموز فلفظ به النبي ﷺ مهموزاً لمكان المناسبة اللفظية التامة، وهذا من الفصاحة العجيبة. وأما ما جاء من السنة من أمثلة المناسبة الناقصة، فكقوله ﷺ : " إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً " فناسب ﷺ بين أخلاق وأكناف مناسبة اتزان دون تقفية. ومما جمع بين المناسبتين قوله ﵇ في بعض دعائه: " اللهم إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء؛ اللهم إني أسألك الفوز في القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء " فناسب ﷺ بين قلبي وأمري، وغائبي وشاهدي، مناسبة غير تامة بالزنة دون التقفية، ثم ناسب بين القضاء والشهداء والسعداء والأعداء مناسبة تامة بالزنة والتقفية، ومن أمثلة المناسبتين الناقصة والتامة الشعرية قول أبي تمام طويل: مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل

стр. 284

فناسب حبيب بين مها وقنا مناسبة تامة، وبين الوحش والخط وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة، وهذا البيت من أفضل بيوت المناسبة لما انضم إليها فيه من المحاسن، فإن فيه مع المناسبتين التشبيه بغير أداة والمساواة، والاستثناء، والطباق الفظي، وائتلاف اللفظ مع المعنى والتمكين، فأما المناسبة فقد ذكرناها، وأما التشبيه ففي قوله: مها وقنا، فإن التقدير كمها وقناً، فحذف الأداة ليدل على قرب المشبه من المشبه به، وأما الاستثناء البديعي ففي قوله: إلا أن هاتا أوانس وقوله: إلا أن تلك ذوابل ليثبت للموصوفات التأنيس والتحبب، وينفي عنهن النفار والتوحش، وكذلك فعل في الاستثناء الثاني، فإنه أثبت به لهن اللين واللدونة؛ ونفى عنهن ما يستهجن، وأما المطالبة ففي قوله الوحش والأوانس، وهاتا وتلك فإن هاتا للقريب، وتلك للبعيد، وأما المساواة فلأن لفظ البيت لا يفضل عن معناه، ولا يقصر عنه، وأما الائتلاف فلكون ألفاظه من واحد متوسطة بين الغرابة والاستعمال، وكل لفظة منها لائقة بمعناها، لا تكاد يصلح موضعها غيرها، وأما التمكين فلأن قافية البيت مستقرة في موضعها، غير نافرة من محلها، ومن غير أن يتقدمها شيء من لفظها يدل عليها، كما يقع في التوشيح والتصدير وقد غلط الأمدي في تغليط أبي تمام في هذا البيت، حيث زعم أنه نفى عن النساء لين القدود، معتقداً أن الرماح سميت ذوابل للينها، والمعروف عند أهل اللسان ضد ذلك، لأن

стр. 285

العرب تقول رمح ذابل إذا كان صلب الكعوب، ومن ذلك قولهم ذبلت شفتاه إذا يبستا، ولا تعرف العرب الذابل إلا اليابس الذي جفت رطوبته، ومن ذلك قولهم: نوارة ذابلة إذا جف ماؤها وأخذت في اليبس، وأوب تمام لا يشك أحد أنه أبصر من الآمدي باللغة، وأقعر منه بمعرفة اللسان العربي، ويقرب من هذا البيت قول البحتري طويل: فأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا فناسب بين أحجم وأقدم مناسبة تامة، وكذلك بين قوله: فيك وعنك، ومطمعاً ومهرباً، إلا أن مناسبة هاتين الجملتين غير تامة، وقد حصل في هذا اللفظ أيضاً المطابقة في أحجم وأقدم، والمساواة والائتلاف والتمكين، فقد استوى هو وبيت أبي تمام فيما ذكرنا وزاد عليه بيت أبي تمام بالتشبيه والاستثناء، ففضل بيت أبي تمام بالمعاني، وفضل بيت البحتري بالألفاظ، لأن ألفاظه أكثر استعمالاً وأعذب مذاقاً، وللمناسبة التامة فيه نصاعة وظهور أكثر من المناسبة التي في بيت أبي تمام، وإذا قست ما بين البيتين بما قدمت من كلام الرسول ﷺ سقطا دون كل جملة منه، إذ كل جملة منه يلي بعضها بعضاً؛ ومفردات الألفاظ تسير إلى معاني شتى، وإلا فانظر إلى قوله ﷺ تهدي بها قلبي، وما يحصل بها من منافع الدنيا والآخرة، ويتوقى من مضار الدنيا والآخرة بهدية القلب، والى قوله " وتجمع

стр. 286

بها أمري " وما يكون من اجتماع الأمر من عدم التذبذب في كل شيء وحصول التثبت وإلى قوله ﷺ : " وتصلح بها غائبي " وما تشير هذه الجملة إليه من إصلاح الباطن، وما يكون في ذلك من الإخلاص، وكذلك قوله: وتدفع بها شاهدي، فإن من أصلح الله سبحانه باطنه أصلح الله تعالى ظاهره، وما وقع في ضمن هاتين الجملتين مع المناسبة من المطابقة بين غائبي وشاهدين وبذلك فاعتبر بقية الدعاء؛ وكذلك قوله ﷺ : الفوز بالقضاء فإنه رب قضاء نزل بغير صابر محتسب، فأوبقه وقل من يفوز عند نزول القضاء وكذلك قوله: ونزل الشهداء، أي قراهم أو منزلتهم، وهي أرفع المنازل، وما أعد لهم، ومثله قوله: وعيش السعداء، والنصر على الأعداء؛ فالحظ بدقيق النظر ما اشتملت عليه الألفاظ من المعاني تجدها لا تدخل تحت الإحصاء إلى سلاسة هذا النظم وعذوبة هذا اللفظ وعلوه مع كونه مستعملاً معروفاً، وفصاحته على كونه متداولاً مألوفاً، ووضوح معانيه، وحسن البيان فيه، بحيث لا يفتقر أحد إلى السؤال عن لفظ فيه قد استوى في فهمه الذكي والبليد والقريب من العل والبعيد، وما فيه من الماء والديباجة التي لا توفى العبارة بها، ولا يقدر البليغ على أن يصفها؛ وهذا أمر يدركه كل ذي ذوق سليم، وذهن مستقيم، والله أعلم.

стр. 287

باب التفريع التفريع نوعان: أحدهما أن يبدأ الشاعر بلفظة هي إما اسم، وإما صفة، ثم يكررها في البيت مضافة إلى أسماء وصفات يتفرع من جملتها أنواع من المعاني في المدح وغيره، كقول أبي الطيب المتنبي متقارب: أنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء ... أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي ... أنا ابن السروج أنا ابن الرعان طويل النجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السنان حديد اللحاظ حديد الحفاظ ... حديد الحسام حديد الجنان وهذا النوع لم أسبق إلى استخراجه، وإنما لم أثبته فيما ابتكرته من الأبواب لكونه نوعاً من التفريع، فالذي يجب أن يسمى به تفريع الجمع، لأن كل بيت ينطوي على فروع من المعاني شتى من المدح تفرعت من أصل واحد؛ والنوع الآخر من التفريع وهو الذي تقدمني الناس باستخراجه وتسميته، إنما يتفرع منه معنى واحد من أصل واحد، إما في بيت

стр. 288

أو أبيات، وإما في جملة من الكلام أو جمل، وهو أن يصدر الشاعر أو المتكلم كلامه باسم منفي بما خاصة ثم يصف الاسم المنفي بمعظم أو صافه اللائقة به إما في الحسن أو القبح، ثم يجعله أصلاً يفرع منه معنى في جملة من جار ومجرور متعلقة به تعلق مدح أو هجاء أو فخر أو نسيب أو غير ذلك، يفهم من ذلك مساواة المذكور بالاسم المنفي الموصوف كقول الأعشى بسيط ما روضة من رياض الحزن معشبة ... غناء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل يوماً بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل وقد سمى بعض المتأخرين هذا القسم من التفريع النفي والجحود لتقدم حرف النفي على جملته. وأكثر ما يقع الأصل في بيت والتفريع منه في بيت آخر إما قريباً منه، وإما بعيداً عنه، وقد يقع منه ما يكون الأصل والفرع معاً في بيت واحد كقول أبي تمام بسيط

стр. 289

ما ربع مية معموراً يطيف به ... غيلان أبهى رباً من ربعها الخرب ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب ومن التفريع نوع غير النوعين الأولين، وهو تفريع معنى من معنى من غير تقدم نفي ولا جحود، كقول ابن المعتز سريع: كلامه أخدع من لفظه ... ووعده أكذب من طيفه وهو مختص بمعاني النفس دون معاني البديع، والله أعلم.

стр. 290

باب التكرار وهو أن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة لتأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو التهويل أو الوعيد، فأما ما جاء منه للذم فكقول عبيد بن الأبرص كامل: هلا سألت جموع كن؟ ... دة يوم ولوا أين أينا وكقول مهلهل بن ربيعة أخي كليب في التهديد والوعيد مديد: يا لبكر أنشروا لي كليباً ... يا لبكر أين أين الفرار وأما ما جاء منه للمدح فكقول كثير عزة في عمر بن عبد العزيز طويل: فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم وكقول أبي تمام خفيف: بالصريح الصريح والأروع الأر ... وع منهم وباللباب اللباب وأما ما جاء منه في النسيب وهو لطيف جداً لبعض المحدثين متقارب: يقلن وقد قيل إني هجعت ... عسى أن يلم بروحي الخيال حقيق حقيق وجدت السلو ... فقلت لهن محال محال

стр. 291

وقد يجيء التكرار بالأسماء المضمرات أو المبهمات، كما يجيء بالمظهرات كقول الهذلي طويل: رفوني وقالوا يا خويلد لاترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم وأما ما جاء منه للمدح منه للمدح في الكتاب العزيز فكقوله سبحانه: " والسابقون السابقون أولئك المقربون " وأما ما جاء منه للتهويل والوعيد فكقوله تعالى: " الحاقة ما الحاقة " وقوله : " القارعة ما القارعة " وأما ما جاء منه للاستبعاد فكقوله تعالى: " هيهات هيهات لما توعدون " ومما جاء في السنة من التكرار قول رسول الله ﷺ حكاية عن أم زرع: " أبو زرع وما أبو زرع " في معرض المدح.

стр. 292

؟ باب نفي الشيء بإيجابه وهو أن يثبت المتكلم شيئاً في ظاهر كلامه وينفي ما هو من سببه مجازاً. والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته كقوله : " ... أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها " فإن ظاهر هذا الكلام يقتضي نفي هذه الجوارح، وملزومه يقتضي إثبات الإلهية لمن يكون له مثل هذه الجوارح؛ وباطن الكلام يوجب نفي الإلهية عمن يكون له، فضلاً عمن لا يكون له، لأنه المراد، وكقوله سبحانه: " لا يسألون الناس إلحفاً " فإن ظاهره نفى الإلحاف في المسألة، لا نفي المسألة، والباطن نفي المسألة بتة، وعليه إجماع المفسرين، وهو منقول عن ابن عباس ﵄ وكقوله تعالى: " ولا شفيع يطاع " فالظاهر نفى شفيع يطاع، والمراد نفي الشفيع مطلقاً. ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول امرئ القيس طويل: على لاحب لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا

стр. 293

وظاهر هذا الكلام يقتضي إثبات منار لهذه الطريق، ونفي الهداية به مجازاً، وباطنه في الحقيقة يقتضي نفي المنار جملة وتقدير المعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار لكان لا يهدي به، فيكفف لا منار لها؟ كما تقول ملن تريد أن تسلبه الخير: ما أقل خيرك، فظاهر كلامك يدل على إثبات خير قليل وباطنه نفي الخير كثيره وقليله. ومن أمثلة هذا الباب أيضاً قول الزبير بن عبد المطلب يمدح عملية بن عبد الدار، وكان نديماً له طويل: صبحت بهم طلقاً يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره ضعيف يحث الكأس قبض بنانه ... كليلاً على وجه النديم أظافره وظاهر البيتين يقتضي أن للممدوح مفاقر لم تحضره إذا انتشى، وأن له أظافر تخمش وجه نديمه خمشاً خفيفاً. وباطن الكلام في الحقيقة نفي المفاقر جملة والأظافر بتة. ومن هذا الباب قسم يوجب فيه المتكلم لنفسه شيئاً وينفيه بعينه عن غيره، أو ينفي عن موصوف ما صفة يوجبه لموصوف آخر،

стр. 294

كقول السموءل طويل: وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول وكقول الآخر طويل: هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج

стр. 295

باب الإيداع هذا الباب يسميه من لا يعرف اصطلاح أهل هذه الصناعة تضميناً، وكذلك يسمى الباب الذي بعده، وقد تقدم الفرق بين هذه الأبواب في باب التضمين، وشرح هذه التسمية أن يعمد الشاعر أو المتكلم إلى نصف بيت لغيره يودعه شعره سواء أكان صدراً أم عجزاً، وأما الناثر فإن أتى في نثره بنصف بيت لغيره سمى إيداعاً، وإن كان لنفسه سمى تفصيلاً، ومثال ما وقع من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " وإن أوقعت الفصاحة مثل هذا غير مقصود، وكان من الأدب ألا يذكر هذا والله أعلم. والموهم أنه مودع في الكتاب العزيز قول امرئ القيس مجزوء الرمل: وجفان كالجواب ... وقدور راسيات إن صحت الرواية أنه كذلك، وإن روى التقديم والتأخير فبطل ذلك ومثال ما وقع من ذلك في النثر قول علي ﵇ في جواب كتابه لمعاوية: " ثم زعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم

стр. 296

بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليست بالجناية عليك، فيكون العذر إليك ". وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وهذا عجز بيت تمثل به أيضاً عبد الله بن الزبير وقد قال أهل الشام له: يا بن ذات النطاقين على سبيل المعيرة لها بذلك، نظر إلى أنها كانت خادمة لا مخدومة، على طريقة الجاهلية في مدح النساء وذمهم، فأنشد طويل: وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها لأن هذا الاسم من فخر أسماء ﵂، فإنه سماها به رسول الله ﷺ عندما أخرجت له ولأبيها ﵁ زاد الهجرة، فأخذ الإمام عجز هذا البيت فأودعه كلامه بعد أن وطأ له توطئة لائقة به. ملائمة له. ومن شواهده في الشعر قول أبي نواس طويل: تغنى وما دارت له الكأس ثالثاً ... تعزى بصبر بعد فاطمة القلب وقد يجتمع الإيداع والتضمين في شعر واحد، كقول علي ابن الجهم في فضل الشاعرة، وبنان المغنى مجزوء الرمل: كلما غنى بنان ... اسمعي أو خبرينا أنشدت فضل ألا ... حييت عنا يا مدينا عارضت معنى بمعنى ... والندامى غافلينا

стр. 297

فوقع التضمين في البيت الأول، والإيداع في البيت الثاني وكنت نظرت إلى بيت لأبي الطيب وهو طويل: تذكرت ما بين العذيب بارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق فأودعت كل قسيم منه بيتاً من قصيدة مطلعها طويل: أعر مقلتي إن كنت غير مرافقي ... دموعاً لتبكي فقد حي مفارق فقد نضبت يوم الوداع مدامعي ... وشابت لتشتيت الفراق مفارقي والبيتان منهما: إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق ويذكرني من قدها ومدامعي ... مجر عوالينا ومجرى السوابق وإن أخذ نصف بيت لغيره، فابتدأ به وثنى عليه تتمة البيت لا غير فذلك تمليط. وإن بنى عليه كل ما يخطر له من أبيات لتمام غرضه، فذلك توطيد، والله أعلم.

стр. 298

باب الاستعانة وهو أن يستعين الشاعر ببيت لغيره، في شعره بعد أن يوطئ له توطئة لائقة به هنا بحيث لا يبعد ما بينه وبين أبياته، وخصوصاً أبيات التوطئة له، وقد شرط بعض النقاد التنبيه عليه، إن لم يكن البيت مشهوراً، وبعضهم لم يشترط ذلك، وهو الصحيح، فإن أكثر ما رأينا ذلك في أشعار الناس غير منبه عليه، وأما الناثر فإن أتى في أثناء نثره ببيت لنفسه سمى ذلك تشهيراً، وإن كان البيت لغيره سمى استعانة، كقول علي ﵇ في خطبته المعروفة بالشقشقية: بينا هو يستقبلها في حياته، إذ عقد لآخر بعد وفاته سريع: شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابر فهذا البيت للأعشى استعان به علي ﵇ كما ترى:

стр. 299

ومثال الاستعانة في الشعر قول الحارثي طويل: وقائله والدمع سكب مبادر ... وقد شرقت بالماء منها المحاجر وقد أبصرت حمان من بعد أنسها ... بنا وهي منا موحشات دواثر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر فقلت له والقلب مني كأنما ... ييقلبه بين الجوانح طائر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر فاستعان هذا الشاعر ببيتي حرقة بنت تبع، وأرشق من هذا وأخصر قول أبي نواس بسيط حتى تغني وما تم الثلاث له ... حلو الشمائل محمود السجيات يا ليت حظى من مالي ومن ولدي ... أني أجالس ليلى بالعشيات ووقع لي من طريق الاستعانة أبيات هجوت بها متطبباً يهودياً طويل: رأيت أبا الخير اليهودي ممسكا ... بقارورة كالورس راق حليبها وقد رش منها فوق صفحة وجهه ... وقال: لقد أحيا فؤادي طيبها

стр. 300

فقلت له: ما هذه؟ قال: بولة ... لأسود يشفى الداء مني قضيبها قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها ولا يضر تصحيف الحرف أو تحريفه من الكلام المتقدم، ليدخل في معنى الكلام المتأخر عند الاستعانة كما فعلت ببيت من الحماسة حيث قلت طويل: إذا ما خليل صد عنك ملالة ... وأصبح من بعد الوفا وهو غادر فلا تحتفل واستغن بالله إنه ... على أن ترى عنه غنياً لقادر وهبه كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر فإن هذا البيت كان نسيباً، وكان أوله وهبها فحرفت ضمير التأنيث لضمير التذكير حتى دخل في معناي. والفرق بين هذا القسم من الاستعانة، وبين المواربة، أن المواربة تكون في كلام المتكلم نفسه، والاستعانة لا تكون إلا بكلام غيره، وإن ابتدأ ببيت غيره وبنى عليه فذلك تأسيس، مشتق من أس البناء، فإن هذا الشاعر يكون قد جعل بيت غيره أساساً بنى عليه شعره، والله أعلم.

стр. 301

باب الموازنة وهو أن تأتي الجملة من الكلام، أو البيت من الشعر متزن الكلمات، متعادل اللفظات في التسجيع والتجزئة معاً في الغالب، كقول امرئ القيس متقارب: أفاد، وساد، وقاد، وزاد ... وشاد، وجاد، وزاد، وأفضل وكقول الآخر متقارب: وهوب، مهيب، رحيب الفناء ... ربيع، مرئ، رفيع الذرا والفرق بين الموازنة والمماثلة التزام التسجيع في الموازنة، وخلو المماثلة عنه، والفرق بينها أعني الموازنة وبين التجزئة مخالفة تسجيع أجزاء التجزئة، ومشابهة تسجيع أجزاء الموازنة.

стр. 302

باب التذييل وهو أن يذيل المتكلم كلامه بجملة يتحقق فيها ما قبلها من الكلام، وتلك الجملة على قسمين: قسم لا يزيد على المعنى الأول، وإنما يؤتى به للتوكيد والتحقيق. وقسم يخرجه المتكلم مخرج المثل السائر ليحقق به ما قبله. وإما أن يكتفي بما يتضمن من زيادة المعنى والفرق بينه وبين التكميل أن التكميل يرد على معنى يحتاج إلى الكمال، ولا كذلك معنى التذييل. ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز متضمناً القسمين معاً قوله تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله " ففي هذه الآية الكريمة تذييلان: أحدهما قوله تعالى: " وعداً عليه حقاً "، فإن الكلام قد تم قبل ذلك، ثم أتى سبحانه بتلك الجملة لتحقق ما قبلها. والآخر قوله سبحانه: " ومن أوفى بعهده من الله "، فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر لتحقيق ما تقدمه، فهو تذييل ثان للتذييل الأول

стр. 303

وقد جاء في السنة من هذا الباب قوله ﷺ : " من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك " فقوله ﷺ : " ولا يهلك على الله إلا هالك "، تذييل في غاية الحسن، خرج الكلام فيه مخرج المثل. ومن هذا الباب في الشعر قول النابغة الذبياني طويل: ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب فقوله: أي الرجال المهذب من أحسن تذييل وقع في شعر. وكقول بعض العرب كامل: ودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل فعجز هذا البيت كله تذييل حسن، وكلا التذييلين من بيت الأعرابي وبيت النابغة من القسم الثاني من التذييل، وهو الذي خرج الكلام فيه مخرج المثل، وتذييل النابغة من القسم الوجيز من البلاغة لاختصار لفظه، وتذييل الأعرابي من القسم البسيط منهما، وإنما بسط الكلام فيه لما تضمن معنى التذييل من المطابقة في قوله أركبه وأنزل وتذييل النابغة خال من ذلك، ولقد أحسن بعض المحدثين في هذا الباب حيث قال المتقارب: صدقتكم الود أبغي الوصال ... وليس المكذب كالصادق

стр. 304

فجازيتموني بطول البعاد ... وكم أخجل الحب من واثق فكل من عجزي البيتين تذييل من القسم الثاني، لخروج الكلام فيهما مخرج المثل. وأحسن من ذلك كله قول الحطيئة طويل: نزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن عجز البيت كله تذييل خرج مخرج المثل في غاية الحسن، لأن صدر البيت استقل بالمعنى المراد على انفراده، وفيه مع اتصاله بالعجز تعطف حسن في قوله: يعطي ويعط، وبالتعطف صار بين العجز والصدر ملاحمة وملاءمة شديدة، ورابطة وثيقة، مع أن العجز إذا انفرد استقل مثلاً وتذييلاً، كما أن الصدر إذا انفرد استقل بالمعنى المقصود من جملة البيت، والغرض المطلوب والتمثيل أيضاً، وقل أن يوجد بيت بين صدره وعجزه مثل هذا التلاحم على استقلال كل قسم بنفسه وتمام معناه ولفظه. ومن التذييل الحسن قول أبي الشيص كامل: وأهنتني فأهنت نفسي عامداً ... ما من يهون عليك ممن أكرم فعجز البيت كله تذييل في ضمنه مطابقة لذكره الهوان والكرامة. ومن بعيد التذييل قول ابن نباتة السعدي بسيط لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل

стр. 305

فإنه لما انقضى ما أراده من المدح بقوله: لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله ثم احتاج إلى تتميم البيت وأراد إتمامه بتكرار المعنى المتقدم فيه استحساناً له وتوكيداً، وكره التكرير لا لمعنى زائد، وعلم أن لا مزيد على معناه في بابه، فأخرجه مخرج المثل حيث قال: تركتني أصحب الدنيا بلا أمل ليحصل ما أراده من التوكيد وزيادة المعنى، لأن المدح إذا خرج مخرج المثل كان أسير في الأرض، وفي ضمن ذلك لهج الناس بالمدح الخارج مخرج المثل، وهذا البيت وإن نظر فيه إلى قول المتنبي بسيط تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فلا يقول لشيء ليت ذلك لي فبيت ابن نباته أفضل من بيت المتنبي، لأنه أحسن الأدب مع ممدوحه، فلم يجعله في حيز من يتمنى شيئاً، وجعل قدرته وجوده أصاراً مادحة قد بلغ كل أمنيته فلم يبق له أمل: وإن كان في بيت المتنبي زيادة من جهة المبالغة في قوله: دون مبلغه واستعارة في اللفظ لقوله: تمسي الأماني صرعى ففي بيت ابن نباتة أن كل ما جعله المتنبي للممدوح، جعله ابن نباتة لشاعر الممدوح من نعمته وزيادة المبالغة في المدح بكونه أخرج المدح مخرج المثل كما بينا، فهو أسير وأبقى، وإذا أنصف الناظر في البيتين وجد معنى بيت المتنبي بكماله في صدر بيت ابن نباتة لأن حاصل بيت المتنبي أن الممدوح قدر على كل الأماني، وهذا قد استقل به صدر

стр. 306

بيت ابن نباتة، والذي في صدر البيت هو الذي في عجزه لأنه ملزومه، أعني بيت المتنبي، وكله في قول ابن نباتة: لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله وعجز بيت ابن نباتة ملزوم صدره، لأن من نال كل أمل صحب الدنيا بلا أمل، غير أن ابن نباتة لكونه أخرج العجز مخرج المثل صار كأنه قد استأنف معنى آخر مستقلاً بجميع معنى بيت المتنبي، مع كونه زاد بأن جعل للممدوح، حسن أدب معه، وبالغ بإخراج المدح مخرج المثل، فقد ترجح بيت ابن نباتة على بيت المتنبي من وجوه شتى، والله أعلم. وقد يختلط على بعض الناس هذه الأبواب الأربعة، وهي باب الإيغال، والتكميل، والتمكين، والتذييل، وأنا أشير إلى الفرق بينها فأقول: الإيغال لا يكون إلا في الكلمة التي فيها الروي وما يتعلق بها، وهو أيضاً مما يأتي بعد تمام المعنى كالتكميل والتذييل وأما التمكين فيفارق هذه الأبواب مزن كونه عبارة عن استقرار القافية في مكانها، لكنها لا تزيد معنى البيت شيئاً، ومتى حذفت القافية نقص المعنى، مع كونها غير نافرة من البيت، والتكميل وإن أتى بعد تمام المعنى فهو يفارق الإيغال من وجهين، أحدهما: كونه يأتي في الحشو والمقاطع، والإيغال التذييل لا يكونان إلا في المقاطع دون الحشو، والإيغال والتذييل

стр. 307

لا يخرجان عن معنى الكلام المتقدم، والتميل لا بد أن يأتي بمعنى يكمل الغرض المتقدم إما تكميلاً بديعياً أو تكميلاً عروضياً، لأنه يكون بمعنى البديع كمطابقة تكمل جناساً، أو مبالغة تكمل تشبيها، أو بالفنون، والفنون عند أهل الصناعة هي ما ينتجها المتكلم من الأغراض والمقاصد كالمديح، والهجاء، والرثاء، والفخر، والوصف، وغير ذلك، والتذييل يفارق الإيغال لكونه يزيد على الكلمة التي تسمى إيغالاً، آخذاً في البيت من الجزء الذي هو الضرب إلى أول العجز والله أعلم.

стр. 308

باب المشاكلة وهي أن يأتي المتكلم في كلامه أو الشاعر في شعره باسم من الأسماء المشتركة في موضعين فصاعداً من البيت الواحد، وكذلك الاسم في كل موضع من الموضعين مسمى غير الأول، تدل صيغته عليه بتشاكل إحدى اللفظتين الأخرى في الخط والفظ، ومفهومهما مختلف، ومن انشادات التبريزي في هذا الباب قول أبي سعيد المخزومي مديد: حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتال وأنشد فيه قول الشماخ بسيط كادت تساقطني والرحل أن نطقت ... ورقاء حين دعت ساقاً على ساق وقال التبريزي: فلفظة الآجال الأولى أسراب البقر الوحشية، والثانية منتهى الأعمال، وبينهما مشاكلة في الخط واللفظ، وكذلك ساق الأولى التي هي ذكر الحمام، والثانية التي هي ساق الشجرة، وعندي أن

стр. 309

ما أنشده التبريزي في هذا الباب داخل في أحد قسمي التجنيس المماثل، والذي ينبغي أن تفسر به المشاكلة قولنا: إن الشاعر يأتي بمعنى مشاكل لمعنى في شعر غير ذلك الشعر، أو في شعر غيره بحيث يكون كل واحد منهما وصفاً أو نسباً أو غير ذلك من الفنون، غير أن كل صورة أبرز المعنى فيها غير الصورة الأخرى، فالمشاكلة بينهما من جهة الغرض الجامع لهما، والتفرقة بينهما من جهة صورتيهما اللفظية، ومثال مشاكلة الشاعر نفسه قول امرئ القيس في صفة الفرس طويل: وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل وقوله في صفة الفرس أيضاً طويل: إذا ما جرى شوطين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب فامرؤ القيس في هذين البيتين قاصد وصف الفرس بشدة العدو، غير أنه أبرز المعنى الأول في صورة الإرداف، حيث قال: قيد الأوابد فجعله يدرك الوحش إدراك المطلق للمقيد، وأبرز الثاني في صورتي وصف

стр. 310

وتشبيه بغير أداة، إذ شبه عدوه بعد جريه شوطين، وعرقه بهزيز الريح تمر بهذا الشجر الذي يسمع للريح فيه هزيز كفيف الفرس الحاد إذا خرق الريح بشدة عدوه، فكل معنى من هذين المعنيين مشاكل لصاحبه إذ الجامع بينهما وصف الفرس بشدة العدو، غير أن قدرة الشاعر تلاعبت به، فأبرزته في صور مختلفة، فهذا ما شاكل الشاعر فيه نفسه. وأما ما شاكل فيه غيره فكقول جرير بسيط إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا فإن مشاكلة قول عدي بن الرقاع كامل: وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم فالمشاكلة بين الرجلين من جهة أن كلا منهما وصف العيون بالمرض والفتور، فأبرز معناه في صورة غير الصورة الأخرى بحسب قوة عارضته في السبك، وحسن اختياره الفظ، وجودة ذهنه في الزيادة والنقص في التفضيل بين هذين الشعرين: شعر جرير، وعدي، بحيث لا يسعه هذا المكان. وقد اعترض على بيت عدي الأول بما اعترض به على بيت أبي تمام الذي يقول فيه طويل:

стр. 311

جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد فإن بعض الناس قال: ظباء جاسم كظباء غيرها من المواضع، فليس لذكرها فائدة إلا كونها قافية ليصير بها الكلام بيتاً من الشعر، كما أن غدوة السبت في بيت أبي تمام كغدوة الأحد وغيره من الأيام، فذكرها دون غيرها لا يفيد معنى زائداً، وإذا لم يفد معنى علم أنه حشو جئ به لإقامة الوزن، وقد اعترض على قول امرئ القيس طويل: ورضت فذلت صعبة أي إذلال باعتراض ظاهره يشبه الاعتراض على بيتي عدي وأبي تمام، وباطنه يخالفهما، فإن ابن سنان الخفاجي خطأ أبا هاشم في كونه ذهب إلى أن بيت امرئ القيس معيب بالحشو الذي لا يفيد معنى، لأنه قال: صعبة، حشو أو لفظة، فذلت، وسب أبا هاشم أقبح سب، والصواب مع أبي هاشم، لأن الذي قاله الخفاجي يردي به عليه قوله لو قال الشاعر، فرضت فذلت لم يكن في الكلام دليل على أن ثم صعوبة، وهذا عين الخطأ من الخفاجي، لأنه دل على وجود الصعوبة مرتين بقوله: فرضت، وقوله: فذلت، إذ لا يراض إلا الصعب، ولا يذل إلا ما كان ذا صعوبة، ولو لم يكن ثم

стр. 312

صعوبة لكان قوله: فذلت، خطأ، لأن ما ليس بصعب فهو ذليل، إذ لا واسطة بين الذل والصعوبة، فبيت امرئ القيس معيب، بخلاف بيتي عدي وأبي تمام. والرد على هذا المعترض الذي اعترض على بيتي عدي وأبي تمام بأن قال: ذكر عدي جاسم دون غيرها من المواضع لأنها معروفة بأدم الظباء، وأدمة اللون دليل على الحرارة واليبس، وذلك يوجب شدة سواد العيون ونقاء بياضها، ولهذا قال: أحور، والحور نقاء بياض العين وشدة سوادها، وكذلك ذكر أبي تمام غدوة السبت وهو الوقت الذي وقعت فيه عطية الممدوح دليل على تعظيم العطية وتفخيم أمرها وجعلها من الغرائب التي لم يقع قبلها مثلها، فلأجل ذلك أرخ يوم وقوعها، وإذ لا يؤرخ إلا الكوائن العظام، والحوادث الجسام، ولو لم يذكر وقت وقوعها معيناً باسمه لم تحصل هذه المبالغات التي تزيد الممدوح مدحاً فدل على أنه قصد بها إفادة هذه المعاني، لا إقامة الوزن، ولو قصد إقامة الوزن فحسب، لما اقتصر على غدوة السبت دون غيرها مما يسد مسدها، فإنه لو قال: جذبت نداه بالمدائح جذبة استقام له الوزن، لو لم يكن أراد ما ذكرت، وقد عيب من هذا البيت قوله: جذبت نداه وما ناسبها من ألفاظ البيت، فإنهم قالوا: هذا دليل على أن نداه عسر على طالبه، صعب على محاوله، كما عابوا على ليلى الأخيلية قولها كامل:

стр. 313

ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الجيوش زعيما وقالوا: لا يتحاج إلى أن يجذب لقضاء الحوائج حتى تتخرق قميصه إلا متقاعد عن الحوائج، وهذا الاعتراض غير جار على طريق الحق، فإن المعطي لا بد وأن يعطى بسبب من نفسه عشقاً في العطاء، فلا يحتاج إلى أحاديث تجذبه، وإما أن يعطي بسبب من خارج، والأول مطاوع لغرض نفسه، مسكن لغليل قلبه، ليست عليه مشقة في عطية، والأجر على قدر المشقة، وقد تقدم ذكر هذا الفصل، ونحن هاهنا مفتقرون إلى إعادته، والمشكور كل الشكر من غالب نفسه الأمارة، وأرغم أنف شيطانه، وأعطى كما قال رسول الله ﷺ : " إن المتصدق لا يخرج الصدقة حتى يفكها من لحيي سبعين شيطاناً " أو كما قال، وقال ﷺ " إنما الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر، وتأمل الغنى "، وخير المعطين من كان السبب الذي يجذبه إلى العطاء، سماع المدح والثناء، فقد ثبت أن بيتي عدي وأبي تمام مبرآن مما وسما به من العيب، وكذلك بيت الأخيلية، وهو يزيد عليهما بما تضمن من وصف الممدوح بالصبر على أذى أرباب الحوائج، والرضا من العيش بأدنى ملبس وأدنى عيش، مع القدرة التي دلت عليها بقولها: ............ رأيته ... تحت اللواء على الجيوش زعيما فلزم من ذلك أن لذته في اقتناء المحامد، لا في انتخاب الملابس، وما قيل إنه أحوج ذوي الحاجات إلى تخريق قميصه مدفوع بوصفها الممدوح

стр. 314

بإفراط الحياء، فإن من كان بهذه المثابة كان أسرع إلى قضاء الحوائج للمحتاجين حال رؤيتهم، ويحمل تخريق القميص إما على كثرة المطالبين، وازدحام المحتاجين، أو على ما قدمناه من الرضا بأدنى العيش، والله أعلم.

стр. 315

باب المواردة وهي توارد الشاعرين المتعاصرين اللذين تجمعهما طبقة واحدة على معنى واحد إما مجرداً، أو ببعض ألفاظه أو بأكثرها أو كلها، فإن كان أحدهما أقدم، أو طبقته أرفع، حكم له على صاحبه بالسبق، وقد رأيت من يجعل اتفاق الشاعرين من طبقتين مختلفتين في عصرين متباينين إذا تقارب ما بينهما بعض التقارب في الأمرين، أو في القوة والقدرة توارداً، فمثال الأول قول امرئ القيس طويل: وقوفاً بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل وقول طرفة طويل: وقوفاً بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد ومثال ما جاء من القسم الثاني ما جرى لابن ميادة وقد أنشد محمد بن زياد الأعرابي قوله طويل: ونواره ميل إلى الشمس ظاهر فقال له محمد: أي يذهب بك؟، هذا للحطيئة، فقال ابن ميادة: الآن علمت أني شاعر حين وافقته، والله أعلم.

стр. 316

باب التهذيب والتأديب التهذيب عبارة عن ترداد النظر في الكلام بعد عمله لينقح، ويتنبه منه لما مر على الناثر أو الشاعر حين يكون مستغرق الفكر في العمل، فيغير منه ما يجب تغييره، ويحذف ما ينبغي حذفه، ويصلح ما يتعين إصلاحه، ويكشف عما يشكل عليه من غريبه وإعرابه، ويحرر ما لم يتحرر من معانيه وألفاظه، حتى تتكامل صحته، وتروق بهجته، فإنه من رزق من أرباب البلاغة وأصحاب الفصاحة جودة ذهن، وغوص فكر، وكمال عقل، واعتدال مزاج، وحسن اختيار، ووقف على أقوال النقاد في حقيقة البلاغة، وكنه الفصاحة، وما عد من محاسن الكلام وعيوبه، ووقى شح نفسه، بحيث يسمح بطرح ما لا يقدر على تغييره من كلامه، كان كلامه موصوفاً بالمهذب، منعوتاً بالمنقح، وإن قل ابتكاره للمعاني، وقد كان زهير معروفاً بالتنقيح، فإنه روى أنه كان يعمل القصيدة في شهر، وينقحها في أحد عشر شهراً حتى سمى شعره الحولي المحكك ولا جرم

стр. 317

أنه قلما يسقط منه شيء، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ على جلالته في العلم، وتقدمه في النقد يقدمه على سائر الفحول من طبقته؛ قال ليلة لعبد الله بن العباس وهم سائرون إلى الشام: أنشدني شعر أشعر القوم، فقال: ومن ذاك؟ قال: زهير، قال: وبم استحق عندك ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيته لا يعاضل بين الكلام، ولا يتبع حوشي الألفاظ، ولا يمدح الرجال إلا بما يكون للرجال، وما ذاك إلا لتنقيحه شعره، وترداد نظره في كلامه ولهذا المعنى أشار أبو تمام بقوله كامل: خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب فإنه إنما خص تهذيب الفكر بالدجى لكون الليل تهدأ فيه الأصوات، وتسكن الحركات، فيكون الفكر فيه مجتمعاً، والخاطر خالياً، ولا سميا في وسط الليل عندما تأخذ النفس حظها من الراحة، وتنال قسطها من النوم، ويخف عليها ثقل الغذاء، فحينئذ يكون الذهن صحيحاً، والصدر منشرحاً، والقلب منبسطاً، واختياره وسط الليل دون السحر مع ما فيه من رقة الهواء، وخفة الغذاء، وأخذ النفس سهمها من الراحة، لما يكون في السحر من انتباه أكثر الحيوان الناطق والبهيم، وارتفاع معظم الأصوات وجرس الحركات، وتقشع الظلماء، بطلائع الأضواء. وببعض ذلك

стр. 318

يتقسم الفكر، ويتذبذب الخاطر ويشتغل القلب، ويتفرق مجتمع الهم، ووسط الليل خال عما ذكرنا، ولهذا خص أبو تمام تهذيب الفكر بالدجى عادلاً عن الطرفين لما فيهما من الشواغل التي ذكرناها، وإنما دخلت لفظة الدجى على وسط الليل، لأنها جمع دجية، وطرف الليل لقربهما من الشمس لا يكون غيهبهما شديد الظلمة، والدجى شدة الظلمة، لأنه مجموع ظلمات، وإن كان الدجى قد يطلق على الليل كله، سواء كان مظلماً أو مقمراً، لكنه إطلاق مجازي حقيقته ما ذكرناه، وأبو تمام أراد هاهنا الحقيقة لا المجاز، لقصد المبالغة، ولما لحظ أبو تمام أن لفظة الدجى لعمومها وصلاحيتها في حالتي المجاز والحقيقة إلى أن تكون اسماً لليل كائناً ما كان احترس من ذلك بما جاء به التذييل حيث قال: ............... والليل أسود رقعة الجلباب ليخلص من الاشتراك الحاصل من لفظة الدجى على انفرادها، وليتبين أنه أراد الليالي السود التي سمتها العرب بالدآرى، لا الليالي البيض، ولا غيرها من الليالي التي فيها وقت مضئ في الجملة فراراً من ليل لا يخلو من الأصوات والحركات، مبالغة في وصف القصيدة بالتنقيح المرضي، في الوقت المختار لذلك، وقد جمع الكتاب العزيز هذه المعاني وأتى بها في أوجز لفظ وأجزله حيث قال سبحانه " إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً " واعلم أن التهذيب لا شاهد له يخصه، لأنه وصف يعم

стр. 319

كل كلام منقح محرر، إلا أنا نلخص فيه ما يعرف به، وهو أن نقول: كل كلام قيل فيه لو كان موضع هذه الكلمة غيرها، أو لو تقدم هذا المتأخر، أو تأخر هذا المتقدم، أو لو تمم هذا النقص، أو تكمل هذا الوصف، أو لو حذفت هذه اللفظة بتة، أو لو طرح هذا البيت جملة، أو لو وضح هذا المقصد أو تسهل هذا المطلب، لكان الكلام أحسن، والمعنى أبين، فهو خال من التهذيب، عار من التنقيح والتأديب. ومن أمثلة ما ذكرناه قول سيف الدولة بن حمدان يخاطب أخاه ناصر الدولة طويل: وما كان لي عنها نكول وإنما ... تجاوزت عن حقي ليغدو لك الحق فإن سيف الدولة كما قيل: كان قد عمل أولاً: وما كان عنها لي نكول ثم فطن إلى أن هذا السبك يستثقل لقرب الحروف المتقاربة المخارج بعضها من بعض، وإذا قدم لفظة " لي " على لفظة عنها سهل التركيب، وحصل التهذيب، فتقول وما كان لي عنها نكول لفصل لفظة عنها بين لي وبين نكول. ومن الأمثلة المبينة لهذا الباب قول القاضي السعيد ابن سناء الملك طويل: تغنى عليها حليها طرب بها ... وفاحت فقلنا: هذه الروضة الغنا

стр. 320

فإنه لو لم يقدم في صدر هذا البيت لفظة مشتقة من الغناء حصل بها في هذا البيت من الرونق ما لا يحصل بدونها، لكان البيت خالياً من التهذيب، فإن بوجودها حصل في البيت تصدير وتجنيس وائتلاف وتهذيب، وانتفى عنه من العيوب عدم الائتلاف، وقلق القافية، وبذلك تقدم التهذيب، وذلك أنه لو كان قال طويل: زهت بأزاهير الجمال وحسنها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا لتبين قلق هذه القافية وتمكن تلك القافية الأولى، بسبب ما في البيت من التصدير. ومما جاء في الكتاب العزيز من أمثلة هذا الباب قوله تعالى: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك " فإن حسن الترتيب في نظم الكلام البليغ أمر مطلوب، ومن حسن الترتيب في الجمل الفعلية تقديم الفعل، وتعقيبه بالفعل، ثم الإتيان بالمفعول، فإن كان في الكلام مفعولان أحدهما تعذر وصول الفعل بنفسه إليه، والآخر تعدى إليه بنفسه قدم ما تعدى إليه الفعل بنفسه، وإذا علم ذلك كان لقائل أن يقول: لو توخى حسن الترتيب في عجز الآية لأتى وزن صدرها، والجواب أن حسن الترتيب منع منه في صدر الآية مانع قوي، وهو مخافة أن تتوالى ثلاثة أحرف متقاربات المخارج، فيثقل الكلام بسبب ذلك، فإنه لو جاء الكلام فيه مرتباً لقيل: لئن بسطت يدك إلي، والطاء والتاء والياء متقاربات المخارج، فلذلك حسن تقديم المفعول الذي تعدى الفعل
следующие страницы →