← Баляга

Баляга · id 26520

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر

ابن أبي الأصبع

Полный текст (537 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد رأى أبا مسعود البدري يضرب عبداً له. " أبا مسعود، لله عليك أقدر منك عليه " وهذه الأقسام الثلاثة فيما الكلام فيه موجب. وفي التصدير قسم رابع ذهب عنه ابن المعتز، وهو يأتي فيما الكلام فيه منفي، واعتراض فيه إضراب عن أوله كقول الشاعر: طويل فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد وقد جاء قدامة من التصدير بنوع آخر غير ما ذكرنا، وسماه التبديل وهو أن يصير المتكلم الآخر من كلامه أولاً وبالعكس، كقولهم: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، ولم أقف لهذا القسم على شاهد شعري فقلت: منسرح. اصبر على خلق من تعاشره ... واصحب صبوراً على أذى خلقك ولم يفرد له قدامة باباً فأذكره في أبوابه. والله أعلم.

стр. 37

باب المذهب الكلامي المذهب الكلامي عبارة عن احتجاج المتكلم على المعنى المقصود بحجة عقلية تقطع المعاند له فيه، لأنه مأخوذ من علم الكلام الذي هو عبارة عن إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية وهو الذي نسبت تسميته إلى الجاحظ، وزعم ابن المعتز أنه لا يوجد في الكتاب العزيز، وهو محشو منه، ومنه فيه قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵇: " وحاجة قومه " إلى قوله : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " وقوله تعالى: " أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى " وقوله سبحانه: " لو كان فيما آلهة إلا الله لفسدتا " وقوله: " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " ومن هذا الباب نوع منطقي، وهو استنتاج النتيجة من مقدمتين، فإن أهل هذا العلم قد ذكروا أن من أول سورة الحج إلى قوله: " وأن الله يبعث من في القبور "

стр. 38

منطو على خمس نتائج من عشر مقدمات، فالمقدمات من أول السورة إلى قوله تعالى: " وأنبتت من كل زوج بهيج " والنتائج من قوله تعالى: " ذلك بأن الله هو الحق " إلى قوله: " وأن الله يبعث من في القبور " وتفصيل ترتيب المقدمات والنتائج أن يقال: الله أخبر أن زلزلة الساعة شيء عظيم، وخبره هو الحق، وأخبر عن المغيب بالحق، فهو حق فالله هو الحق، والله يأتي بالساعة على تلك الصفات، ولا يعلم صدق الخبر إلا بإحياء الموتى، ليدركوا ذلك، ومن يأتي بالساعة يحيي الموتى فهو يحيي الموتى، وأخبر أن يجعل الناس من هول الساعة سكارى لشدة العذاب ولا يقدر على عموم الناس بشدة العذاب إلا من هو على كل شيء قدير فالله على كل شيء قدير، وأخبر أن الساعة يجازي فيا من يجادل في الله بغير علم، ولا بد من مجازاته، ولا يجازي حتى تكون الساعة آتية. ولا تأتي الساعة حتى يبعث من في القبور فهو يبعث من في القبور وأن الله ينزل الماء على الأرض الهامدة فتنبت من كل زوج بهيج والقادر على إحياء الأرض بعد موتها يبعث من في القبور، وأن الله يبعث من في القبور. وقد ساق الرماني في الضرب الخامس من باب المبالغة أن إعجازه إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل، للاحتجاج بقوله تعال: " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " وقوله سبحانه

стр. 39

" وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه " ونظائر هذه الآيات، ومن ذلك في الشعر قول النابغة يعتذر إلى النعمان: طويل حلفت فلم أترك لنفسي ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغشى وأكذب ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا فانظر إلى حذق الشاعر في الاحتجاج بقوله لهذا الملك: أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك، وأنا أحسن إلى قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لا يعد ذنباً فكذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنباً. ومن هذا الباب قول الفرزدق: طويل لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... ونفس يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها يقول هذا الشاعر: لكل إنسان نفسان: مطمئنة تأمر بالخير، وأمارة تأمر بالشر، والإنسان يعاصي الأمارة مرة ويطيعها أخرى، وأنت أيها الممدوح نفسك الأمارة إذا أمرتك بترك الندى شفعت المطمئنة إلى الأمارة في الندى

стр. 40

في الحالة التي يقل الشفيع في الندى من النفوس، فأنت أكرم الناس ومن هذا الباب أيضاً قول ابن المعتز: مديد كيف لا يخضر عارضه ... ومياه الحسن تسقيه كأنه قال: كل نبت يسقى فهو أخضر، وشارب هذا الغلام نبت ومياه الحسن تسقيه، فيكف لا يخضر وعلى هذا فقس. ومن هذا الباب جواب سؤال مقدر، كقوله تعالى: " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ": الآية، لأن التقدير أن قائلاً قال بعد قوله تعالى: " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " الآية، فقد استغفر إبراهيم لأبيه، فأخبر بقوله: " وما كان استغفار إبراهيم " الآية والله أعلم.

стр. 41

باب الالتفات فسر قدامة الالتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذاً في معنى فيعترضه إما شك فيه، أو ظن أن راداً يرده عليه، أو سائلاً يسأله عن سببه، فيلتفت إليه بعد فراغه منه فإما أن يجلي الشك فيه أو يؤكده، أو يذكر سببه كقول الرماح بن ميادة طويل. فلا صرمه يبدو ففي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه فكأن هذا الشاعر توهم أن قائلاً يقول له: وما تصنع بصرمه، فقال: لأن في اليأس راحة. وأما ابن المعتز فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله من القرآن العزيز قوله تعالى بعد الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين: " إياك نعبد وإياك نستعين " وكقوله سبحانه: " إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " وكقوله

стр. 42

تعالى: " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ومثال ذلك من الشعر قول جرير وافر: متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام أو انصراف المتكلم عن الخطاب إلى الإخبار كقوله تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة " ومثال ذلك من الشعر قول عنترة كامل: ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم ثم قال يخبر عن هذه المخاطبة بقوله: كامل كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلم أو انصراف المتكلم من الإخبار إلى التكلم كقوله تعالى: " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه أو انصراف المتكلم من التكلم إلى الإخبار كقوله تعالى: " إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز " وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاثة في ثلاثة أبيات متتاليات، وهي قوله: متقارب تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد

стр. 43

وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود فخاطب في البيت الأول، وانصرف عن الخطاب إلى الإخبار في البيت الثاني وانصرف عن الإخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب. وفي الالتفات نوع غير النوعين المتقدمين، وهو أن يكون المتكلم آخذاً في معنى فيمر فيه إلى أن يفرغ من التعبير عنه على وجه ما، فيعرض له أنه متى اقتصر على هذا المقدار كان معناه مدخولاً من وجه غير الوجه الذي بنى معناه عليه فيلتفت إلى الكلام، فيزيد فيه ما يخلص معناه من ذلك الدخل، كقول شاعر الحماسة: طويل فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد فإن هذا الشاعر بني معناه على أن المقبور قريب من الحي الذي يريد تعاهده بالزيارة، إذ القبور بأفنية البيوت غالباً، فلما فرغ من العبارة عن معناه الذي قدره على هذا التقدير، عرض له كأن قائلاً يقول له: وأي قرب بين الميت المدفون تحت التراب والحي، فالتفت متلافياً هذا الغلط بقوله: .................. بلى كل من تحت التراب بعيد كأن هذا الشاعر بنى معناه على أن المقبور إلى بعد

стр. 44

والفرق بين الاحتراس والالتفات أن الاعتراض والانفصال يكونان في بيت واحد، وفي بيتين، وفي آية، وفي آيتين، والالتفات لا يكونان فيه إلا في بيت واحد وآية واحدة. والله أعلم.

стр. 45

باب التمام وهو الذي سماه الحاتمي التتميم، وسماه ابن المعتز قبله: اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه، وشرح حده: أنه الكلمة التي إذا طرحت من الكلام نقص حسن معناه أو مبالغته، مع أن لفظه يوهم بأنه تام، وهو على ضربين: ضرب في المعاني وضرب في الألفاظ: فالذي في المعاني هو تتميم المعنى، والذي في الألفاظ هو تتميم الوزن، والأول هو الذي قدمنا حده ومجيئه على وجهين للمبالغة والاحتياط، ويجئ في المقاطع كما يجئ في الحشو، مثل قوله تعالى: " وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين " فجاءت الفاصلة كلها تتميماً، لأن المعنى ناقص بدونها، لكنه متى جاء في المقاطع سمي إيغالاً، ويكثر مجيئه في الحشو ومثاله قوله سبحانه " من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة " فقوله تعالى: " من ذكر أو أنثى "، تتميم، وقوله: " وهو مؤمن " تتميم ثان في غاية

стр. 46

البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام، وجرى على الصحة، ولو حذفت هاتان الجملتان نقص معناه واختل من حسن البيان. من هذا القسم قول الرسول ﵊: " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة " فوقع التتميم في هذا الحديث في أربعة مواضع: منها قوله: مسلم، وقوله: لله، وقوله: كل يوم، وقوله: من غير الفريضة، ومن أناشيد قدامة على هذا القسم قول الشاعر طويل: أناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عاذوا بالسيوف القواضب فقوله: ويعطوه تتميم في غاية الحسن، وهذا شاهد ما جاء منه للاحتياط، ومثال ما جاء للمبالغة قول زهير بسيط من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة من والندى خلقاً فقوله على علاته تتميم جاء للمبالغة، وشاهده من كتاب الله تعالى قوله : " ويطعمون الطعام على حبه " إن عاد الضمير على الطعام، وإن عاد على اسم الله فهو للاحتياط. وأما الذي في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت

стр. 47

الكلمة استقل معنى البيت بدونها، وهي على ضربن أيضاً: كلمة لا يفيد مجيئها إلا إقامة الوزن فقط، وأخرى تفيد مع إقامة الوزن ضرباً من المحاسن، والأولى من العيوب، والثانية من النعوت، وهذا موضع الثانية لا الأولى، ومثالها قول المتنبي كامل: وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما فإنه جاء بقوله: " يا جنتي " لإقامة الوزن، وقصدها دون غيرها مما يسد مسدها ليكون بينها وبين قافية البيت مطابقة لو كان موضعها غيرها لم تحصل، والله أعلم.

стр. 48

باب الاستطراد ذكر الحاتمي في حلية المحاضرة أنه نقل هذه التسمية عن البحتري الشاعر، وهو الذي سماه ابن المعتز الخروج من معنى إلى معنى، وفسره بأن قال: هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمن مدحاً أو قدحاً أو وصفاً أو غير ذلك، ورأيت غالب وقوعه في الهجاء، وإن وقع في غيره ولا بد من ذكر المستطرد به باسمه، بشرط ألا يكون جرى له ذكر في الكلام قبل ذلك، ومن أمثلته في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود " ومن أمثلته الشعرية قول حسان بن ثابت: كامل

стр. 49

إن كنت كاذبة التي حدثتني ... فنجوت منجا الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام فهاذ ما وقع من الاستطراد في الهجاء. وأما ما جاء منه في المدح والهجاء معاً فقول بكر بن النطاح طويل: عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى فقالت قم فجئني بكوكب فقلت لها هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب سلي كل شيء يستقيم طلابه ... ولا تذهبى يا بدر بي كل مذهب فأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيا بما رمت مطلبي فتى شقيت أمواله بنواله ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب وهذا أبدع استطراد سمعته في عمري، فإنه قد جمع أحسن قسم وأبدع تخلص، وأرشق استطراد، وتضمن مدح الممدوح بالكرم، وقبيلته بالشجاعة والظفر، وهجاء أعدائهم بالضعف والخور، وهذا لم يتفق لمن قبله ولا لمن بعده إلى وقتنا هذا. ومن ظريف الاستطراد وغريبه قول بعضهم وأتى بالاستطراد في المجون وهو غريب جداً خفيف: اكشفي وجهك الذي أوحلتني ... فيه من قبل كشفه عيناك

стр. 50

غلطي في هواك يشبه عندي ... غلطي في أبي علي بن زاكي وأحسب أن أول من استطرد بالهجاء السموءل حيث يقول طويل: وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول وفي النسيب امرؤ القيس حيث قال كامل: عوجاً على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حمام

стр. 51

باب تأكيد المدح بما يشبه الذم أنشد ابن المعتز فيه قول النابغة الذبياني: طويل ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وقول النابغة الجعدي طويل: فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا وقد رأيت لابن المغربي الوزير مما هو داخل في هذا الباب ما يروق السامع، وهو قوله طويل: ويعدل في شرق البلاد وغربها ... على أنه للسيف والمال ظالم ورأيت أحسن من هذا لبعضهم، وهو طويل: ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا والبأس من كل جانب

стр. 52

فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أباً واحداً أغناهم بالمناقب وقد خلط المتأخرون باب الاستثناء بهذا الباب، وكنت أرى أنهما باب واحد، إلى أن نبهني عليه عند قراءته من ألفت له هذا الكتاب، فرأيت إفراده منه، وسيأتي في موضعه بعد الفراغ من أبواب ابن المعتز وقدامة إن شاء الله.

стр. 53

باب تجاهل العارف وقد سماه من بعد ابن المعتز الإعنات، وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلاً منه به ليخرج كلامه مخرج المدح أو الذم، أو ليدل على شدة التدله في الحب، أو لقصد التعجب، أو التقرير، أو التوبيخ، وهو على قسمين: قسم يكون الاستفهام فيه عن شيئين أحدهما واقع والآخر غير واقع، وقد ينطق بأحد الشيئين ويسكت عن الآخر لدلالة الحال عليه. وهو على قسمين: موجب، ومنفي. وقد جاء منه في الكتاب العزيز ما لا يلحق سبقاً، كقوله تعالى: " أبشراً منا واحداً نتبعه " فهذا خارج مخرج التعجب، وقوله سبحانه: " أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء " وهذا خارج مخرج التوبيخ، وقوله : " أأنت قلت

стр. 54

للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " وقوله تعالى: " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم " وهذان الموضعان خرجا مخرج التقرير. وأما ما جاء منه في المدح فكقول بعض المحدثين بسيط بدا فراع فؤادي حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشخص أم ملك وأما ما جاء منه للذم فكقول زهير بن أبي سلمى وافر: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء وأما ما دل منه على التدله في الحب فكقول العرجي بسيط بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكن أم ليلى من البشر وكل ما أوردناه من الآيات في هذا الباب مما نطق فيه بأحد الأمرين لدلالة القرينة على الآخر، وبيت المدح من القسم الأول، والبيتان الأخيران من القسم الآخر، والله أعلم، وهذا كله مما جاء من القسم الأول. ومما جاء من القسم الثاني في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم " فحصل في فصاحة النسوة من المبالغة والتهذيب

стр. 55

ما لم يقع في فصاحة العرب حيث شبهوا كل من راعهم حسنه بالجن، وتبعهم المتنبي فقال: طويل لجنية أم غادة رفع السجف..................

стр. 56

باب الهزل الذي يراد به الجد وهو أن يقصد المتكلم مدح إنسان أو ذمه، فيخرج ذلك المقصود مخرج الهزل المعجب، والمجون المطرب، كما فعل أصحاب النوادر، مثل أشعب وأبي دلامة وأبي العيناء ومزبد ومن سلك سبيلهم، كما حكى عن أشعب أنه حضر إعذاراً صنعه بعض ولاة المدينة، وكان مبخلاً، فدعا الناس ثلاثة أيام وهو يجمعهم على مائدة عليها جدي مشوي، فيحوم الناس حوله، ولا يمسه منهم أحد لعلمهم ببخله، وأشعب في كل يوم يحضر ويرى الجدي، فقال في اليوم الثالث: زوجته طالق إن لم يكن عمر هذا الجدي بعد أن ذبح وشوي أطول منه قبل ذلك.

стр. 57

ومن شواهد الهزل الذي يراد به الجد من الشعر العربي قول الشاعر: طويل إذا ما تميمي أتاك مفاخراً ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب وقد أنشد ابن المعتز في هذا الباب قول أبي العتاهية بسيط أرقيك أرقيك باسم الله أرقيكا ... من بخل نفسك عل الله يشفيكا ما سلم كفك إلا من يتاركها ... ولا عدوك إلا من يرجيكا والفاتح لهذا الباب امرؤ القيس حيث يقول طويل: وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال وما رأيت أحسن من قوله ملتفتاً: وإن كان بعلها.

стр. 58

باب حسن التضمين وهو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة من بيت، أو من آية، أو معنى مجرداً من كلام، أو مثلاً سائراً أو جملة مفيدة، أو فقرة من حكمة كقول علي ﵇ في جواب كتاب لمعاوية: " وما الطلقاء وأبناء الطلقاء، والتمييز بين المهاجرين الأولين وتبيين درجاتهم، وتعريف طبقاتهم، هيهات لقد حن قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها " فضمن كلامه هذا المثل العربي وهو قوله: " لقد حن قدح ليس منها " وكقوله في آخر هذا الكتاب: وإني مرقل نحوك بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية،

стр. 59

وسيوف هاشمية عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك " وما هي من الظالمين ببعيد " فضمن كلامه هذه الآية. ومن إنشادات ابن المعتز في هذا الباب سريع: عوذ لما بت ضيفاً له ... أقراصه مني بياسين فبت والأرض فراشي وقد ... غنت قفا نبك مصارينى فضمن هذا الشاعر بيته الأول كلمة من السورة، وبيته الثاني جملة من البيت الذي هو أول القصيدة المشهورة. وقد وقع من ذلك في الكتاب العزيز ما تضمنه من التوراة كقوله سبحانه: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " الآية. ومن لطيف التضمين في الشعر قول أبي تمام طويل: لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرق وأحفى منك في ساعة الكرب فضمن بيته كلمات من البيت المشهور وهو بسيط المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار وفي الكتاب العزيز من هذا الباب ما حكاه فيه سبحانه من صفة النبي ﷺ وأصحابه، وذلك قوله: " محمد رسول الله " إلى

стр. 60

قوله: " ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل " فضمن كتابنا صفتهم من الكتابين الأولين، والفرق بين التضمين والإيداع والاستعانة والعنوان أن التضمين يقع في النظم والنثر ولا يكون إلا بالنثر ويكون من المحاسن ومن العيوب، ولكنه لا يكون من العيوب إلا إذا وقع في النظم بالنظم، والإيداع والاستعانة وإن وقعا معاً في النظم والنثر فلا يكونان إلا بالنظم دون النثر. وأما العنوان فإنه يقع في النظم والنثر ولا يقع بالنثر، وهو بخلاف التضمين لا يكون إلا من المحاسن دون العيوب، والتضمين منهما معاً وسيأتي بيان ذلك في موضعه، والله أعلم.

стр. 61

باب الكناية وهي أن يعبر المتكلم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن، وعن الفاحش بالطاهر، كقوله سبحانه: " كانا يأكلان الطعام " كناية عن الحدث. وكقوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط " كناية عن قضاء الحاجة، وكقوله : " ولكن لا تواعدوهن سراً " كناية عن الجماع، قال امرؤ القيس طويل: ألا زعمت بسباسة الحي أنني ... كبرت وألا يحسن السر أمثالي ذهب كل من فسر شعره من العلماء أنه أراد بالسر الوقاع، وكقوله سبحانه: " وقد أفضى بعضكم إلى بعض " يريد به ما يكون بين الزوجين من المباضعة، وكقول الله تعالى: " الخبيثات للخبيثين "،

стр. 62

وهو سبحانه يريد الزنا وعلى الجملة لا تجد معنى من هذه المعاني في الكتاب العزيز يأتي إلا بلفظ الكناية، لأن المعنى الفاحش متى عبر عنه بلفظه الموضوع له كان الكلام معيباً من جهة فحش المعنى، ولذلك عاب قدامة على امرئ القيس قوله طويل: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول وقال أعني قدامة: وعيب هذا الشعر من جهة فحش المعنى، يريد أنه عبر عنه بلفظه، فجاء الكلام فاحشاً، وهو عيب، ولذلك تنزه القرآن عنه، ولو استعار امرؤ القيس لمعناه لفظ الكناية كما فعل في البيت الذي تقدم هذين البيتين لم يكن إلى عيبه سبيل. وفي السنة النبوية من الكناية ما لا يكاد يحصى، كقوله ﷺ : " لا يضع العصا عن كتفه " كناية عن كثرة الضرب أو كثرة السفر. وحكى ابن المعتز أن العرب كانت تقول: " فلان يخبأ العصا لمن به أبنة "، وأنشد رجز مجزوء: زوجك زوج صالح ... لكنه يخبا العصا ومن أناشيد ابن المعتز لبشار في اثنين كانا يتفاعلان خفيف: وإذا ما التقى مثنى وبكر ... زاد في ذا شبر وفي ذاك شبر وأنشد لأبي نواس في الكناية عن جلد عميرة ما لا يدرك شأوه وهو طويل:

стр. 63

إذا أنت أنكحت الكريمة كفؤها ... فأنكح حبيشاً راحة ابنة ساعد وقل بالرفا ما نلت من وصل حرة ... لها ساحة حفت بخمس ولائد ومن أحسن الكنايات في الهجاء قول بعض الشعراء يهجو إنساناً به داء الأسد، فكنى عن ذلك ورمى أمه بالفجور بطريق الكناية أيضاً حيث قال: وافر أراد أبوك أمك حين زفت ... فلم توجد لأمك بنت سعد يريد به عذرة، ثم قال وافر: أخو لخم أعارك منه ثوباً ... هنيئاً بالقميص المستجد يريد: جذاماً فإنه أخو لخم. وأنشد ابن المعتز في الكناية عن حجام لبعض الشعراء: طويل إذا عوج الكتاب يوماً سطورهم ... فليس بمعوج له أبداً سطر ومن نخوة العرب وغيرتهم كنايتهم عن حرائر النساء بالبيض، وقد جاء القرآن العزيز بذلك، فقال سبحانه: " كأنهن بيض مكنون " وقال امرؤ القيس طويل: وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل ومن مليح الكناية قول بعض العرب وافر: ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام

стр. 64

سألت الناس عنك فخبروني ... هنا من ذاك يكرهه الكرام وليس بما أحل الله بأس ... إذا هو لم يخالطه الحرام فإن هذا الشاعر كنى بالنخلة عن المرأة، وبالهناء عن الرفث، فأما الهناءة فمن عادة العرب الكناية بها عن مثل ذلك، وأما الكناية بالنخلة عن المرأة فمن طريف الكناية وغريبها.

стр. 65

باب الإفراط في الصفة وهو الذي سماه قدامة المبالغة، وسماه من بعده التبليغ، وأكثر الناس على تسمية قدامة، لأنها أخف وأعرف، ومن أناشيد ابن المعتز فيها: كامل ملك تراه إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والصفوف قيام وحد قدامة المبالغة بأن قال: هي أن يذكر المتكلم حالاً من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره ما يكون أبلغ في معنى قصده، كقول عمرو بن الأهتم التغلبي وافر:

стр. 66

ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا وأنا أقول: قد اختلف في المبالغة، فقوم يرون أن أجود الشعر أكذبه وخير الكلام ما بولغ فيه، ويحتجون بما جرى بين النابغة الذبياني وبين حسان في استدراك النابغة عليه تلك المواضع في قوله طويل: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما فإن النابغة إنما عاب على حسان ترك المبالغة، والقصة مشهورة، والصواب مع حسان، وإن روى عنه انقطاعه في يد النابغة، وقوم يرون المبالغة من عيوب الكلام، ولا يرون من محاسنه إلا ما خرج مخرج الصدق، وجاء على منهج الحق، ويزعمون أن المبالغة من ضعف المتكلم وعجزه عن أن يخترع معنى مبتكراً، أو يفرع معنى من معنى، أو يحلى كلامه بشيء من البديع، أو ينتخب ألفاظاً موصوفة بصفات الحسن، ويجيد تركيبها، فإذا عجز عن ذلك كله أتى بالمبالغة لسد خلله، وتتميم نقصه، لما فيها من التهويل على السامع، ويدعون أنها ربما أحالت المعاني فأخرجتها من حد الإمكان إلى حد الامتناع. وعندي أن المذهبين مردودان. أما الأول فلقول صاحبه: إن خير الكلام ما بولغ فيه، وهذا قول من لا نظر له، لأنا نرى أن أكثر الكلام والأشعار جارياً على الصدق، خارجاً مخرج الحق، وهو في غاية الجودة ونهاية الحسن وتمام القوة، كيف لا

стр. 67

والمبالغة ضرب واحد من المحاسن، والمحاسن لا تنحصر ضروبها، فكيف يقال: إن هذا الضرب على انفراده يفضل سائر المحاسن على كثرتها؟ وهذا شعر زهير والحطيئة وحسان ومن كان مذهبه توخي الصدق في شعره غالباً ليس فوق أشعارهم غاية لمترق، ألا ترى إلى قول زهير طويل: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم والى قول طرفة طويل: لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه في اليد ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود والى قول الحطيئة بسيط من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس فإنك تجد هذه الأشعار في الطبقة العليا من البلاغة وإن خلت من المبالغة. والذي يدل على أن مذهب أكثر الفحول ترجيح الصدق في أشعارهم على الكذب ما روى عن الحرورية امرأة عمران بن حطان الخارجي أنها قالت له يوماً: أنت أعطيت الله عهداً ألا تكذب في شعرك، فكيف قلت كامل مجزوء: فهناك مجزءة بن ثو ... ر كان أشجع من أسامه

стр. 68

فقال: يا هذه إن هذا الرجل فتح مدينة وحده، وما سمعت بأسد فتح مدينة قط. وهذا حسان يقول بسيط وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيساً وإن حمقاً وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقاً على أن هؤلاء الفحول وإن رجحوا هذا المذهب لا يكرهون ضده، ولا يجحدون فضله، وقلما تخلو بعض أشعارهم منه، إلا أن توخى الصدق كان الغالب عليهم، وكانوا يكثرون منه، ومن أكثر من شيء عرف به، كما أن النابغة ومن شايعه على مذهبه لا يكره ضد المبالغة، وإلا فكل احتجاجاته على النعمان في الاعتذار جار مجرى الحقيقة، كقوله طويل: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب فعائب الكلام الحسن بترك المبالغة فقط مخطئ، وعائب المبالغة على الإطلاق غير مصيب، وخير الأمور أوساطها، وكيف تعاب المبالغة وقد وجدت في الكتاب العزيز على ضروب: منها المبالغة في الصفة المعدولة من الجارية لمعنى المبالغة فإنها جاءت على ستة أمثلة: فعلان كرحمان، عدل عن راحم للمبالغة ولا يوصف به إلا الله تعالى، لأن رحمته وسعت كل شيء، وفعال معدول عن فاعل للمبالغة كقوله تعالى: " لغفار لمن تاب " " تواب رحيم " " علام الغيوب " " فعال لما يريد " وفعول عدل

стр. 69

عن فاعل للمبالغة " كغفور " و " شكور " و " ودود "، وفعيل عدل عن فاعل، " كرحيم " و " حكيم " و " عليم " و " قدير " و " سميع " و " بصير " ومفعل معدول عن فاعل " كمدعس " و " مطعن "، ومفعال معدول عن فاعل للمبالغة " كمطعام " و " مطعان ". والضرب الثاني من المبالغة وهو ما جاء بالصيغة العامة في موضع الخاصة كقولك: أتاني الناس كلهم، ولم يكن أتاك سوى واحد أردت تعظيمه، ومن هذا الضرب قول أبي نواس سريع: وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد ومن هذا الضرب في الكتاب العزيز قوله تعالى: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " فوعدهم سبحانه بجزاء غير مقدر، لمجيئه بالصيغة العامة تعظيماً له " وكل شيء عنده بمقدار " والضرب الثالث من المبالغة إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة، والإخبار عنه مجاز، كقول من رأى موكباً عظمياً أو جيشاً خضماً: جاء الملك نفسه وهو يعلم حقيقة أن ما جاء جيشه، وقد جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وجاء ربك والملك صفاً صفاً " فجعل مجيء جلائل آياته مجيئاً له سبحانه، وكقوله تعالى: " ووجد الله عنده فوفاه حسابه " فجعل نقله بالهلكة من دار العمل إلى دار الجزاء وجداناً للمجازى.

стр. 70

والضرب الرابع من المبالغة إخراج الممكن من الشرط إلى الممتنع، ليمتنع وقوع المشروط، كقوله تعالى: " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ". والضرب الخامس من المبالغة ما جرى مجرى الحقيقة، وهو قسمان: قسم كان مجازاً فصار بالقرينة حقيقة، كقوله تعال: " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار " فإن اقتران هذه الجملة بيكاد صرفها إلى الحقيقة فانقلبت من الامتناع إلى الإمكان. وقسم أتى بصيغة أفعل التفضيل، وهو محض الحقيقة من غير قرينة كقوله تعالى: " أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً ". والضرب السادس من المبالغة ما بولغ في صفته بطريق التشبيه، كقوله تعالى: " إنها ترمي بشرر كالقصر، كأنه جمالات صفر " فهذه ضروب ما ورد من المبالغة في الكتاب العزيز. والمبالغة تأتي في الكلام على ضربين: ظاهرة ومدمجة، وكل ما قدمناه من مبالغات الكتاب العزيز من الظاهرة. ومن المدمجة قوله تعالى: " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار " فإن المبالغة أتت في هذه

стр. 71

الآية مدمجة في المقابلة، والجواب: هذه المبالغة بالنسبة إلى المخاطَب إلى المخاطِب وقد جاء منها في سنة الرسول ﷺ ما لا يحصى كثرة، ولا يلحق بلاغة، كقوله ﵇ مخبراً عن ربه أنه قال سبحانه: " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به " وقوله في بقية هذا الحديث: " والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ". ففي هذا الحديث مبالغتان: أحداهما كون الحق سبحانه أضاف الصيام إلى نفسه دون سائر الأعمال لقصد المبالغة في تعظيمه وتشريفه، وأخبر أنه يتولى مجازاة الصائم بنفسه، مبالغة في تعظيم الجزاء وشرفه، ونحن نعلم أن الأعمال كلها لله سبحانه ولعبده باعتبارين: أما كونها للعبد فلأنه يثاب عليها، وأما كونها لله تعالى فلأنها عملت لوجهه الكريم، ومن أجله فتخصيص الصيام من بينها بالإضافة إلى الرب سبحانه، وتخصيص ثوابه بما خصصه به إنما كان للمبالغة في تعظيمه والحض عليه، والمبالغة الثانية إخبار الرسول ﷺ بعد تقديم القسم لتأكيد الخبر بأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ففضل تغيير فم الصائم بالإمساك عن الطعام والشراب على ريح المسك الذي هو أطيب الطيب على مقتضى ما يفهم من ريح المسك وريح تغير فم الصائم، وأتى المعنى بصيغة أفعل للمبالغة، فجمع هذا الكلام بين قسمي المبالغة المجازي والحقيقي. ومن أمثله المبالغة في الشعر قول امرئ القيس طويل:

стр. 72

فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكاً ولم ينضح بماء فيغسل فإنه أخبر عن هذا الفرس أنه أدرك ثوراً وبقرة وحشية في مضمار واحد، ولم يعرق، ومثله قول أبي الطيب طويل: وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب وما يعاب من المبالغة إلا ما خرج به الكلام عن حد الإمكان إلى الاستحالة وأما إذا كان كقول قيس بن الخطيم طويل: طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائماً من دونها ما وراءها فإن ذلك من جيد المبالغة إذا لم يكن خارجاً مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية في وصف الطعنة، وما سمعت ولا غيري بمستمع مثل قول أبي تمام بسيط تكاد تنتقل الأرواح لو تركت ... من الجسوم إليها حين تنتقل فإنه لم يقنع في تصحيح المبالغة وقربها من الوقوع، فضلاً عن الجوار بتقديم كاد حتى قال: لو تركت؛ وهذا أصح بيت سمعته في المبالغة وأحسنه وأبلغه، وكقول شاعر الحماسة حيث بالغ في مدح ممدوحه بقوله طويل:

стр. 73

رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكن ما لا يستطاع شديد فإن هذا الشاعر ألقى بيده وأظهر عجزه واعترف بقصوره عن شكر بر هذا الممدوح، وفطن إلى أنه لو اقتصر على ذلك لقيل له: عجزك عن شكر هذا الرجل لا يدل على كثرة بره، وإنما يدل على ضعف مادتك عن الشكر إذ لا يلزم من عجز الإنسان عن شيء تعظيم ذلك الشيء على الإطلاق، لاحتمال أن يكون العجز لضعف في الإنسان فاحترس عن ذلك بقوله: وما فوق شكري للشكور مزيد ثم تمم المعنى بأن قال: للشكور أي للمبالغ في الشكر، لأن شكور معدول عن شاكر للمبالغة كما تقدم ثم أظهر عذره في عجزه مع قدرته بأن قال في البيت الثاني: ولو كان مما يستطاع استطعته ثم أخرج بقية البيت مخرج المثل السائر حيث قال: ولكن ما لا يستطاع شديد فهذا أبلغ شعر سمعته في هذا المعنى لجودة مفردات ألفاظه، وسهولة سبكه ومساواة لفظه لمعناه، ومتانة مبناه، وكثرة معانيه، وصحة المبالغة فيه؛ فإن قيل: لم بالغت في وصف هذا الشعر وهو عندك داخل في القسم المعيب من المبالغة لكونه أخرج الكلام من حد الإمكان إلى حد الامتناع حيث جعل شكر هذا الممدوح لا يستطاع؟ فإني أقول: ليس كل بر يمكن شكره، ولا يقوم المدح بحقه، فإنا لو قدرنا أن إنساناً فك إنساناً من الأسر واستنقذه من

стр. 74

القتل لما وفى شكره ببره ولو كان أشكر الناس، واستنفد في شكره بقية عمره، لا سيما لو قدر أن ذلك الممتن ببقاء النفس أضاف إلى ذلك توابع إحسان، وعوارف امتنان، على ممر الزمان، فإن الشكر لا يقوم ببر ذلك الإنسان، ولو تجاوز فيه الشكور حد الإمكان، فقد وضح أن من البر ما لا يؤدي شكره، ومن هذا قول أبي نواس: لا تسدين إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا وهذا سيد المرسلين الذي بعث بجوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد بقول لعظمة نعم ربه عليه: " لا أحصى ثناء عليك ". ومعلوم أن نعم الله سبحانه لا يقوم شكر جميع العباد بمعشارها، ولا كذلك نعم بعضهم على بعض لكن يشبه شكر أحدنا نعمة صاحبه إلى شكر الرسول ﷺ نعمة ربه كنسبة نعم بعضنا على بعض إلى نسبة نعم الله تعالى سبحانه على نبيه أو على عبد من عبيده، وإن كانت نعم الله تعالى على نبيه أعظم من نعمه على سائر خلقه، بدليل قوله تعالى: " وكان فضل الله عليك عظيماً " لأن بين بلاغة أحدنا وبين بلاغة الرسول كما بين نعمة أحدنا ونعمة الله سبحانه، وإذا وقع للقضية مثال واحد في الوجود علم إمكان وقوعها، وخرجت بذلك من حد الاستحالة والامتناع إلى حد الجواز والإمكان.

стр. 75

والمذهب المرضي أن المبالغة ضرب من المحاسن إذا بعدت عن الإغراق والغلو، وإن كان الإغراق والغلو أيضاً ضربين من المحاسن إذا اقترنا، وعيبين إذا أطلقا، ألا ترى كل مبالغة وقعت في الكتاب العزيز كيف أتت على قسمين: قسم ممكن غير مقترن، وقسم غير ممكن لا يأتي إلا مقترناً، كقوله سبحانه: " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار " وفي غير الممكن كقوله سبحانه: " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " الآية، لأن المبالغة فيها عرفية، معناه أن علم ذلك متعذر عندكم، وإلا فهو بالنسبة إلى علم الله سبحانه ليس بمبالغة، وقد قال امرؤ القيس في غير الممكن طويل: من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا ولأن قوة الشعر وضعفه وماءه ورونقه أمر خارج عن البديع جملة، والمحاسن بتة، قرب شعر في غاية الجودة ونهاية القوة مع كونه قد بلغ فيه قائله إلى حد الإغراق أو الغلو، ورب شعر في غاية الرداءة مع الخلو عن هذين الضربين، فإن الكلام يكون جيداً بدون البديع، ورديئاً مع وجوده، فإنكار المبالغة في الكلام القوي الجيد ما لا سبيل إليه.
следующие страницы →