Полный текст (537 стр.). Показаны 526–537 · переход к 531.
стр. 526
" واستوت على الجودي " فإنه عبر عن استقرارها بهذا المكان، وجلوسها جلوساً متمكناً لا زيغ فيه ولا ميل، بلفظ قريب من لفظ المعنى، والتعليل، لأن غيض الماء علة الاستواء، وصحة التقسيم إذ استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض، وغيض الماء الحاصل على ظهرها. والاحتراس في قوله تعالى: " وقيل بعداً للقوم الظالمين " إذ الدعاء يشعر بأنهم مستحقوا الهلاك احتراساً من ضعيف يتوهم أن الهلاك لعمومه ربما شمل من يستحق ومن لا يستحق فتأكد بالدعاء على الهالكين لكونهم مستحقين ذلك، والإيضاح في قوله للقوم ليتبين لهم أن القوم هم الذين سبق ذكرهم في الآية المتقدمة عليها، حيث قال تعالى: " وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه " وفي قوله قبل ذلك " ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون " فأتى سبحانه في آخر هذا الآية بلفظة القوم التي الألف واللام فيها للعهد ليبين أنهم القوم الذين سبق ذكرهم ووصفهم بالظلم كما وصفهم في أول الكلام بالظلم، وذلك مما يوضح المعنى ويبينه، فعلم أن لفظة القوم هاهنا ليست فضلة في الكلام، وأنها يحصل بسقوطها لبس في المعنى، وعدم بيان الكلام محتاج له، والمساواة، لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها، وحسن النسق لأنه سبحانه عطف القضايا بعضها على بعض بحسن ترتيب حسبما ما وقعت
стр. 527
وائتلاف اللفظ مع المعنى، لأن كل لفظة لا يصلح موضعها غيرها، والإيجاز لأنه سبحانه اقتص القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخل منها بشيء في أخصر عبارة، والتسهيم، لأن أول الآية إلى قوله تعالى: أقلعي يقتضي آخرها، والتهذيب، لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن كل لفظة سمحة سهلة، مخارج الحروف عليها رونق الفصاحة، مع الخلو عن البشاعة والتركيب، سليمة من التعقيد وأسبابه، والتقديم والتأخير والحذف المخل والزيادة المسهبة وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف في فهم معنى الكلام، ولا يشكل عليه شيء من هذا النظام، والتمكين، لأن الفاصلة مستقرة في قرارها، مطمئنة في مكانها، غير قلقة ولا مستدعاة، والانسجام، وهو تحدر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء وينساب انسياب العليل من الهواء، وما في مجموع الآية من الإبداع وهو الذي سمى به هذا الباب من أن كل لفظة لا تخلو عن أن يستخرج منها ضرب أو ضربان من البديع، فهذه آية عدة ألفاظها سبع عشرة لفظة تتضمن إحدا وعشرين ضرباً من البديع غير ما يتعدد من ضروبها، فإن الاستعارة وقعت منها في موضعين: وهما استعارة الابتلاع للأرض، والإقلاع للسماء. والمجاز في مكانين، في قوله سبحانه " ويا سماء " وفي الإشارة والتمثيل والإرداف لأن المجاز مجازان: مجاز بالحذف، ومجاز بالتغيير، وقد وقعا معاً فانظر رحمك الله إلى عظمة هذا الكلام، لتعلم ما انطوى عليه نظمه، وما
стр. 528
تضمنه لفظه، وقد وقع لي بيت من قصيدة أشرفية وقع فيه ستة عشر ضرباً من البديع بعد ما تكرر فيه من ضروب البديع، وهو طويل:
فضحت الحيا والبحر جوداً فقد بكى ال؟ ... حيا من حياء منك والتطم البحر
فاتفقت فيه الاستعارة في ثلاثة مواضع: في افتضاح الحياة، وبكائه، وحيائه، والمبالغة إذ جعلت الممدوح يفضح الحيا والبحر بجوده، والتفسير في قولي " جودا " وقولي " من حياء منك "، والإغراق لما في جملة القافية من زيادة المبالغة، والترشيح بذكر الاستعارة الأولى للاستعارة الثانية، والتجنيس بين الحيا والحيا، التورية في قولي والتطم البحر والترشيح للتورية بذكر البكاء، فإن ذكره هو الذي يرشح للتورية، وصحة التقسيم في حصر القسمين اللذين يضرب بهما المثل في الجود، إذ لا ثالث لهما، والتصدير في كون البحر مذكوراً في صدر البيت، وهو قافية، والتعليل في كون العلة في بكاء الحيا والتطام البحر فضيحتهما بجوده، والتسهيم في كون صدر البيت عطف بعضها على بعض بأصح ترتيب، والإرداف، لأني عبرت عن نهاية جوده بفضوح الحيا والبحر، والتمثيل في كوني عبرت عن عظم الجود ببكاء الحيا من الحياء والتطام البحر، فهذا ما في تفاصيل البيت وأما ما في جملته، فالمساواة، لكون لفظه قالباً لمعناه، وائتلاف لفظه مع معناه في كون ألفاظ البيت ملائمة مختارة، لا يصلح موضع كل
стр. 529
لفظة غيرها، ولم يحصل فيه من تعقيد السبك والتقديم وأسبابه وسوء الجوار ما يوجب له الاستثقال. والإبداع هذا بابه، لكون كل لفظة من مفرداته تتضمن نوعاً أو نوعين من البديع، فقد حصل فيه ستة عشر ضرباً من البديع، وتكررت الاستعارة فيه في ثلاثة مواضع، والترشيح في موضعين، والتفسير في موضعين، وهو ثنتا عشرة لفظة، والله أعلم.
стр. 530
؟
باب حسن الخاتمة
يجب على الشاعر والناثر أن يختما كلامهما بأحسن خاتمة، فإنها آخر ما يبقى في الأسماع، ولأنها ربما حفظت من دون سائر الكلام في غالب الأحوال فيجب أن يجتهد في رشاقتها ونضجها وحلاوتها وجزالتها، وقد رأيت القاضي الفاضل عبد الرحيم رحمه الله تعالى كثيراً ما كان يحترز في ذلك ويتوخاه، فيأتي منه بكل نكتة ترقص لها القلوب، وتغنى عن النسيب في المحبوب، فمن ذلك خاتمة كتاب أجاب به القاضي السعيد بن سناء الملك ﵀ حيث قال: وهذا القاضي مسؤول في أن يتخولنا ببدائعه ويؤمننا دثور الفكر بروائعه، ولا يضن علينا بما هو سهل عليه من منافعه وإلا دخل فيمن منع الماعون، وخرج من الذين هم لأمانات الفضيلة وعهدها راعون.
وقوله في خاتمة رسالة كتبها للملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى في حق أولاد ابن أبي اليسر، وقد قصدوه بعد موت أبيهم، فخلع عليهم، فأعلموا الفاضل بذلك، وسألوه كتاباً إليه على يدهم بالوصية
стр. 531
عليهم، والإذن لهم في تقبيل يده، فقال في آخره، وإن يبسط لهم وجهه الكريم عند مثولهم وسلامهم، لينزع بشره حداد الحزن عن قلوبهم كما نزع بره حداد المآتم عن أجسامهم؟ لا زال مولانا عاقلة الدهران جنى على أوليائه وداهم ولا عدموه منعماً إن سألوه أعطاهم، وإن لم يسألوه بدأهم، والمتقدم في جميع فنون البلاغة، وخصوصاً هذا النوع منها على بلغاء البدو والحضر، بل على جميع فصحاء البشر، حاشا رسول الله ﷺ ، ابن عمه علي بن أبي طالب ﵇، فمن خواتم كلامه قوله في آخر جواب أجاب به معاوية: ثم ذكرت أن ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بني عبد المطلب من الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين، لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وإني مرقل نحوك بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، عرفت مواقع نضالها في أخيك وخالك وجدك، " وما هي من الظالمين ببعيد ".
стр. 532
وأما حسن الخاتمة في الشعر فقليل في أشعار المتقدمين، وأكثر ما عني بذلك المحدثون، فمن المجيدين في ذلك أبو نواس، حيث قال في خاتمة قصيدة مدح بها الأمين كامل:
فبقيت للعلم الذي تهدى به ... وتقاعست عن يومك الأيام
وكقوله في خاتمة قصيدة مدح بها الخصيب عامل مصر كامل:
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر
لا تعقدا بي عن مدى أملي ... شيئاً فما لكما به عذر
ويحق لي إذ صرت بينكما ... ألا يحل بساحتي فقر
وكقوله فيه طويل:
وإني جدير إذ بلغتك بالغنى ... وأنت بما أملت منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور
وكقوله للعباس بن الفضل بن الربيع طويل:
إليك غدت بي حاجة لم أبح بها ... أخاف عليها شامتاً فأدراي
فأرخ عليها ستر معروفك الذي ... سترت به قدماً على عواري
وكقول أبي تمام في خاتمة القصيدة التي ذكر فيها فتح عمورية بسيط
إن كان بين ليالي الدهر من رحم ... موصولة وذمام غير منقضب
فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب
стр. 533
أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب
وكقوله في خاتمة قصيدة اعتذر بها إلى ابن الهيثم كامل:
أأقنع المعروف وهو كأنه ... قمر الدجى إني إذا للئيم
مثر من المال الذي ملكتني ... أعناقه ومن الوفاء عديم
فأروح في بردين لم يلبسهما ... قبلي فتى وهما الغنى واللوم
وكقوله في قصيدة استعطف بها ابن الزيات طويل:
أكابرنا عطفاً علينا فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل
وكقوله في خاتمة قصدية اعتذر فيها إلى موسى بن إبراهيم الرافقي طويل:
فإن يك ذنب عن أوتك هفوة ... على خطاء مني فعذري على عمد
وكقوله في خاتمة قصيدة مخاطباً مالك بن طوق بسيط
لا توقظوا الشر عن قوم فقد غنيت ... دياركم وهي تدعي زهرة النعم
هذا ابن خالكم يهدي نصيحته ... من يتهم فهو فيكم غير متهم
وكقول أبي الطيب المتنبي في خاتمة قصيدة من السيفيات وافر:
فلا حطت لك الهيجاء سرجاً ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا
وكقوله في خاتمة أخرى من السيفيات بسيط
لا زلت تضرب من عاداك عن عرض ... يعاجل النصر في مستأخر الأجل
стр. 534
وكقوله أيضاً لسيف الدولة وقد ذكر الخيل بسيط
فلا هممت بها إلا على ظفر ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل
وكقوله فيه أيضاً طويل:
أخذت على الأرواح كل ثنية ... من العيش تعطي من تشاء وتحرم
فلا موت إلا من سنانك يتقى ... ولا رزق إلا من يمينك يقسم
وكقوله في خاتمة القصيدة التي هنأ بها أبا وائل بخلاصه من الأسر متقارب:
فذي الدار أغدر من مومس ... وأخدع من كفة الحابل
تفانى الرجال على حبها ... ولا يحصلون على طائل
وقوله في خاتمة قصيدة ودع بها ابن العميد طويل:
فجد لي بقلب إن رحلت فإنني ... أخلف قلبي عند من فضله عندي
فلو فارقت جسمي إليك حياته ... لقلت أصابت غير مذمومة العهد
وجميع خواتم السور الفرقانية في غاية الحسن ونهاية الكمال، لأنها بين أدعية ووصايا وفرائض، وتحميد وتهليل، إلى غير ذلك من الخواتم التي لا يبقى في النفوس بعدها تطلع ولا تشوف إلى ما يقال، كالدعاء الذي ختمت به سورة البقرة، والوصايا التي ختمت بها آل عمران، والفرائض التي ختمت بها النساء، والتبجيل والتعظيم الذي ختمت بهما المائدة، والوعد والوعيد الذي ختمت بهما، الأنعام، والتحريض على العبادة بوصف حال
стр. 535
الملائكة التي ختمت به الأعراف، والحض على الجهاد وصلة الأرحام اللذين ختمت بهما الأنفال، ووصف الرسول ﷺ ومدحه والاعتداد على الأمم به، ووسيلته ووصيته، والتهليل، الذي ختمت به براءة وتسليته ﵇ التي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختمت به يوسف، والرد على من كذب الرسول ﷺ الذي ختمت به الرعد، ومدح القرآن وذكر فائدته والعلة في إنزاله الذي ختمت به إبراهيم، ووصية الرسول التي ختمت بها الحجر، وتسلية الرسول ﵇ وطمأنينته ووعد الله سبحانه الذي ختمت به النحل، والتحميد الذي ختمت به سبحان وتحضيض الرسول ﷺ على الإبلاغ والإقرار بالبشرية والأمر بالتوحيد الذي ختمت به الكهف، وقد أتيت على نصف القرآن ليكون مثالاً لمن نظر في بقيته ولم أطل بالبقية لكثرة سور النصف الأخير والله أعلم.
هذا آخر الأبواب التي استنبطها، وهي ثلاثون باباً، وبها تكملت عدة أبواب الكتاب مائة وواحد وعشرون باباً سليمة من التداخل والتوارد، بعد ما حذفت من أبواب ليس فيها للمتقدمين سوى الأسماء ومسمياتها
стр. 536
متداخلة في غيرها، ومن أأنعم النظر في الكتب التي نظرت فيها ودقق الفكر في كتابي، وقع على صحة ما ذكرت، فرحم الله من نظر فيه، وسد ما يجده من الخلل، واغتفر ما يقع عليه من السهو الزلل، وعمل بقولي سريع:
ما أحسن الإغضاء من منصف ... يعلم أن الكامل الله
إن أبصرت عيناك عيباً فجد ... بفضل عفوٍ عند رؤياه
قال صاحب الكتاب: كنت قد سودت من هذا الكتاب نسخة قبل هذا النسخة مختصرة جداً حسبما ما رسم لي من ألفته له، ورسم أن يبيضها الفاضل ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب، وفقه الله تعالى، فلما بيضها تفضل وكتب في آخرها بسيط
هذا كتاب بديع ما رأى أحد ... مثلاً له في مبانيه ومعناه
حوى تصانيف هذا العلم أجمعها ... وزادنا جملاً عما سمعناه
لا تعجبوا من لطيف الحجم قام به؟ ... ذا الفن أجمع أقصاه وأدناه
فقد رأيتم عصا موسى كم التقفت ... ولم يزيد قدرها عما عهدناه
لقد عجبت من غفلة السابقين إلى هذا العلم عما اهتدى إليه هذا المصنف، وكيف مروا معرضين عما استخرج من درر هذا المؤلف، وصفوا صورة جواد وتركوا وصف سبق، وشببوا بظبي وأضربوا عن حسن عينيه وعنقه، واشتغلوا عن حمد الغيث، وشكر ودقه، بالإطناب في تشبيه رعده وبرقه، فذكر ما نسوه، وكمل ما نقصوه لا جرم أنه سبق أولهم، وأصبح أفضلهم وكل هذا بسعادة من صنف لأجله كتابه، وقصد به بابه وجنابه، فإن سعادته ترد الآجن عذباً، واليابس رطباً، وتنشر موتى الإملاق قبل المعاد، وتغير
стр. 537
اسمي شر وظلوم بسعدي وسعاد، وهمته تنظر من أعلى العلو إلى الشمس، وقدرته تكاد ترد الماضي وتصير اليوم أمس، لا زال بابه مقصوداً، وقاصده محسوداً، والقدر من أعوانه معدوداً، وإن كان القدر بهذا القدر مسعوداً.
تم الكتاب بحمد الله تعالى وحسن توفيقه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.