← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

حتى إذا اتصل الفرات بدجلة ... وتساوت الوهدات والربوات زحفت جيوش السيل حتى أصبحت ... بالكرخ نازلة لها ضوضاء فسقت بيوت الكرخ شر مقيئ ... منها فقاءت أهلها الأبيات واستنفعت منها المياه فطحلبت ... بالمكث ترغو تحتها الحمآت حتى استحال الكرخ مشهدا بؤس ... تبكي به الفتيان والفتيات طرقاته مسدودة ودياره ... مهدودة وعرا صه قذرات ياكرخ عز على المروءة أنه ... لجج المياه عليك مزحمات فلئن أماتتك السيول فإنما ... أمواجهن عليك ملتطمات من مبلغ المنصور عن بغداده ... خبراً تفيض لمثله العبرات أمست تناديه وتندب أربعاً ... طمست رسوم جمالها الهبوات وتقول يالأبي الخلائف لو ترى ... أركان مجدي وهي منهدمات لغدوت تنكرني وتبرح قائلا ... بتعجب ما هذه الحربات أين البروج بنيتهن مشيدةً ... أين القصور علت بها الشرفات أين الجنان بحيث تجري تحته ... االأنهار يانعة بها الثمرات أترى أبو الأمناء يعلم بعده ... بغداد كيف تروعها النكبات يا دجلة يا للرزية دجلة ... بعد الرشيد ولا الفرات فرات كان الفرات يمد دجلة ماؤه ... بجدأول تسقي بها الجنات إذ بين دجلة والفرات مصانع ... تفتر عن شتب السنوات يا نهر عيسى أين منك موارد ... عذبت وأين رياضك الخضلات ماذا دهى نهر الرفيل من البل ... حيث المجاري منه مندرسات إذا قصر عيسى كان عنده مصبه ... وعليه منه أطلت الغرفات أم أين بركة زلزل وزلزاله ... االسلسال تسرح حوله الظبيات يا نهر طابق لا عدمتك منهلاً ... أين الصراة تحفها الروضات أم أين كرخايا تمد مياهه ... نهر الدجاج فتكثر الغلات أم أين نهر الملك حيث تسلسلت ... فيه المياه وهن مطردات

стр. 1122

قد كان تزدرع الحبوب بأرضه ... فتسح فيه بفيضها البركات أم أين بطا طيا تأتيه من ... نهر الدجيل مياهه المجراة وله فروع أصلهن لشار ... ع الكبش المجاري منه منتهيات تنمو الزروع بسقيه فغلاله ... كل العراق ببعضها يقتات لهفي على نهر المعلى إذ غدت ... لا تستبين جنانه النضرات نهر هو الفردوس تدخل منه في ... قصر الخلافة شعبة وقناة كالسيف منصلتاً تضاحك وجه ... هـ الأنوار وهي عليه ملتمعات إذ نهر بين عند كلواذى به ... ملد الغصون تهزها النسمات وبقربه من نهر بوق دارة ... تنفي الهموم مروجها الخضرات يا قصر باب التبر كنت مقرناً ... والنفي يصدر منك والإثبات أيام تطلعك العدالة شمسها ... وترف فوقك للهدى رايات أيام تنشدك العلوم نشيدها ... فتعود منك على العلوم صلات أيام تقصدك الأفاضل بالرجا ... فتفيض منك لهم جداً وهبات أيام يأتيك الشكي بأمره ... فيروح عنك وما لديه شكاة تمضي الشهور عليك وهي أنيسة ... وتمر باسمة بك الساعات ماذا دهاك من الهوأن فأصبحت ... أثار عزك وهي منطمسات قد ضيعت بغداد سابق عزها ... وغدت تجيش بصدرها الحسرات كم قد سقاها السيل من أنهارها ... ضراً وهن منافع وحياة واليوم قلت بجانبيها أرخوا ... دفق السيول فماجت الأزمات بغداد معروف الرصافي

стр. 1123

اليونان أثينة الشعب الأثيني اتيكيا - فاخر الأثينيون لسكنأهم أبداً بلاداً واحدة وأدعى أجدادهم أنهم ولدوا من الرمل كالزيزان. وقد اجتاز الفاتحون من سكان الجبال بالقرب من بلادهم ولم يهاجموها وقلما دعتهم اتيكيا إلى قتالها. هذه المقاطعة مؤلفة من جبال شاهقة صخرية ناتئة في البحر على شكل مثلث الأضلاع. وهذه الصخور المشهورة بقطع رخامها وبعسل نحلها جرداء مرداء بينها وبين البحر ثلاثة سهول صغيرة قاحلة لا تروى (الجفاف سواقيها في الصيف) ولا تقوم بتغذية أمة كبيرة. أثينة - على فرسخ من البحر في أعظم تلك السهول قامت صخرة عظيمة وحيدة منتصبة وقد أنشئت أثينة في سفحها. أما المدينة القديمة التي كانت تدعى الأكروبول (المدينة الغالية) فإنها كانت في قمة الجبل. وقد أخذ سكان اتيكيا يتفرقون إلى ممالك عديدة فكانت كل قرية تحكم نفسها بنفسها ولها ملك فجمع جميعها تحت زعامته وهو ملك أثينة فيتألفون بذلك مدينة واحدة وليس معنى ذلك أنهم كلهم يحطون رحالهم في المدينة. بل يظل كل معبودة أثينة وخضعوا بأجمعهم لملك واحد. ثورات أثينة - قد رجعت أثينة فنزعت السلطة الملكية واستعاضت عنها بتسعة زعماء (أركون) يتبدلون كل عام. وأنا لنجهل هذا التاريخ كل الجهل إذ لم يبلغنا عن ذاك الوقت أقل كتابة نستند إليها. ويروى أن الأثينيين عاشوا قروناً في شقاق يضطهد إشراف أصحاب الأملاك (أوبا تريد) العملة من أصحاب المياومات في أرضيهم وببيع الدائنون مدينيهم بيع الأرقاء. ولقد عهد الأثينيون حباً بتوطيد الراحة إلى صولون أحد حكمائهم أن يسن لهم قوانين يسيرون عليها فقام بثلاث إصلاحات: أولاً تقليل قيمة السكة وهو مما سهل على المدينون أن يوفوا ما عليهم من أهون سبب. ثانياً جعل الفلاحين ملاكاً للأراضي التي يزرعونها ومن ذاك الحين صار في اتيكيا كثير من صغار أصحاب الأملاك مما لم يعهد مثله في بلاد يونانية. ثالثاً قسم السكان العامة إلى أربع طبقات يحسب مداخليهم وقضى على كل منهم أن يؤدي الضرائب ويقوم بالخدمة العسكرية على نسبة ثروته. أما الفقراء

стр. 1124

فأعفأهم من الضرائب والخدمة. ولقد خضع الأثينيون بعد صولون إلى بيزيستراس أحد أبنائهم العالمين العارفين ثم بدأ الاضطراب سنة٥١٠ إصلاح كليستين - استفاد كليستين أحد زعماء الأحزاب من هذه الاضطرابات فقام بثورة عظيمة. ولقد سكن كثير من الغرباء في اتيكيا وكان معظمهم ملاحين وتجاراً يقطنون مدينة بيرا بالقرب من المرفأ. فأعطأهم كليستين حقوق الوطنيين وساوأهم بالسكان الأقدمين فصار من ثم في تلك المقاطعة شعبان مختلفإن سكان اتيكيا وسكان بيرا وكانا يتميزان إحداهما عن الآخر بعد ثلاثة قرون من هذا الاختلاط باختلاف سحناتهم فيشبه أهل اتيكيا سائر اليونانيين ويشبه أهل بيرا الأسيويين. وهكذا زاد الشعب الأثيني فأصبح أمة جديدة ومن أكثر سكان بلاد اليونان حركة ونشاطاً حتى إذا كان القرن الخامس تألفت الهيئة الاجتماعية في أثينة تأليفها الأخير فكان ثلاث طبقات يقطنون اتيكيا ألا وهم الموالي والأجانب والوطنيون. الموالي - الموالي هم السواد الأعظم من أهل البلاد فلم يكن ثمة رجل مهما بلغ من الفقر المدقع إلا ويملك مولى أما الأغنياء فيملكون منهم كتيبة وملك بعضهم نحو خمسمائة مولى وكان من شأن هؤلاء الموالي أن يبقوا في الدور وشغلهم في الطحن والعجن وحياكة الثياب ونسجها وطبخ الطعام وخدمة سادتهم. ويعمل بعضهم في المعامل حدادين وصباغين أو يشتغلون في المقالع والمناجم الفضية. ويقوم سيدهم بأودهم ولكنه يبيع لنفسه كل ما تنتجه أيديهم ويأتي ثمرة أعمالهم ولا يعطيهم من جميع ذلك إلا الطعام. فكان عامة الخدمة والعاملين في المناجم ومعظم الصناع عبيداً وأرقاء. يعيشون في المجتمع دون أن يعدوا منه بل لا يتصرفون بأنفسهم وهم ملك موإليهم جسماً ومادةً. ولم يعتبروا إلا اعتبار عروض تملك وربما دعوهم أجساداً وليس لهم من شريعة غير أرادة سيدهم. ولسيدهم عليهم كل حق وسيطرة فإن شاء شغلهم وإن شاء حبسهم وإن شاء حرمهم من طعامهم وإن شاء ضربهم وإذا نشأت لأحد الوطنيين قضية يتأتى لخصمه أن يطلب تعذيب موإليه ليقروا بما يعملون. وقد امتدح عدة خطباء أثينيين هذه العادة وعدوها ضرباً من ضروب الحذق لأخذ شهادة صحيحة. قال الخطيب ايزيه أن التعذيب أحسن واسطة لنيل البراهين إلى كشف القناع عن محيا الحقيقة بجعل العبدان في العذاب الشديد.

стр. 1125

الأجانب - هم ناس من أصول مختلفة يقيمون في اتيكيا وهم الذين يدعون الميتيكيين (أي المتساكنين) ولم يكف الرجل كما هو الحال عندنا أن يولد في أرض أثينة ليعد وطنياً بل يجب أن يكون ابن وطني. وعبثاً استوطن الطراء في اتيكيا أجيالاً كثيرة وما عدت قط أسراتهم أثينية. فالميتيكيون والحالة هذه لم يكن لهم أن يشتركوا في الحكومة ولا أن يتزوجوا وطنية ولا أن يقتنوا ملكاً على حين كانوا أحراراً في أشخاصهم ولهم حق السفر في البحر وأن يكونوا صيارف وتجاراً على شرط أن يتخذوا لهم زعيماً ومولى يمثلهم أمام القضاء. وكان في أثينة زهاء عشرة آلاف أسرة من الميتيكيين ومعظمهم صيارف وتجار. الوطنيون - اقتضت الحال أن يكون الإنسان ابن وطني أو وطنية ليكون وطنياً أثينياً ومتى بلغ الفتى الثامنة عشرة من عمره يعد عندهم رأشداً فيقف أمام جموع الشعب ويدفع إليه السلاح الذي يقضي عليه حمله ويقسم يميناً فيقول: أقسم أنني لا أهين هذا السلاح المقدس ولا أغادر موقفي في صفوف الأعداء وأن أخضع للحكام والقوانين وأشرف دين وطني. فيكون بهذا الحلف وطنياً وجندياً معاً ويقضي عليه بعد أن يخدم الجندية إلى سن الستين وله لقاء ذلك حق الجلوس في مجلس الأمة والقيام بوظائف الحكومة وربما رضي الشعب الأثيني بجعل رجل وطنياً على حين ليس هو ابن وطني ولكنه يرضى بذلك على صفة استثنائية وتوسعاً في المكرمة العظيمة. فيوأفق المجلس على قبول الغريب وينبغي أن ينتخبه على الأقل ستة آلاف وطني بعد تسعة أيام من هذا الاقتراع وفي جلسة ثانية وذلك في انتخاب سري. والشعب الأثيني هو كدائرة مطبقة لا يدخل فيه أعضاء جدد إلا إذا رضي الأعضاء القدماء على أنهم لا يقبلون غير أبنائهم. المجلس - يلقب الأثينيون حكومتهم بالحكومة الديمقراطية (أي حكومة الشغب) وليس هذا الشعب ما نعني به عندنا من جمهور السكان بل هو جماعة الوطنيين وخلصاء الإشراف وعددهم بين خمسة آلاف إلى عشرون ألف رجل وهم زعماء الأمة بأسرها. ولهؤلاء الجماعة سلطة مطلقة وكلمة عليا وهم في التحقيق ملوك أثينة فإن مجلسهم يلتئم ثلاث مرات في الشهر للمفاوضة والاقتراع. يجتمعون في الهواء الطلق في ساحة البينكس فيجلس الوطنيون على مقاعد من حجر ذات درجات ويقعد الحكام بإزائهم على مصطبة ويفتحون الجلسة باحتفال ديني وصلاة يصلونها ثم يعلن المنادي بصوت جهوري بالمسألة

стр. 1126

التي يتناقش فيها المجلس قائلاً من منكم يشرع بالكلام أولاً. ولكل وطني الحق أن يطلب ذلك. وعندها يصعد الخطباء المنبر بحسب تفاوت أعمارهم ومتى تكلموا كافة يضع الرئيس المسألة المطلوبة على بساط البحث فيقترع المجلس بأن يرفع أعضاؤه أيديهم ثم ينصرفون. المحاكم - لما كان الشعب حاكماً فهو يقضي في القضايا لذاته وبذاته ولكل وطني بلغ الثلاثين من عمره أن يكون من أعضاء مجلس فيجتمع الحكام في القاعات الكبرى فرقاً كل فرقة مؤلفة من خمسمائة نسوة. وفي كثير من القضايا يلتئم فرقتان أو ثلاث فرق من الحكام فتتألف المحكمة من جمهور يبلغون ألفاً أو الفاً وخمسمائة قاض ولم يكن للأثينيين حكام كما هو الحال عندنا لرفع القضايا بل كانت هذه المهمة من وظيفة الوطني الذي يعهد إليه تجريم المجرمين. فيمتثل المدعي والمدعى عليه أمام المحكمة ويخطب كل منهما خطبة تزيد على وقت حدد بساعة دقاقة مائية. ثم يبدأ القضاة بالموافقة على وضع حصاة بيضاء أو سوداء فإذا توفر للمدعي بضعة آراء (أصوات) زيادة على خصمه يحكم عليه ويجرم. الحكام - كان الشعب الحاكم في حاجة إلى مجلس لوضع المسائل موضعها من البحث وإلى حكام ينفذون ما يقرره ويتألف المجلس من خمسمائة وطني تصيبهم القرعة حولاً كاملاً. وإذا كثر عدد الحكام خص عشرة منهم لتعبئة الجيش وقيادته وثلاثون لإدارة الشؤون المالية وستون منهم يعهد إليهم خطة الحسبة من النظر في الشوارع ونظافتها والأسواق وبياعاتها والأوزان والقياسات وما يتبعها. متعة هذه الحكومة - لم تكن السلطة في أثينة في أيدي الأغنياء والشرفاء كما كانت في إسبارطة بل كانت تقرر كل مسألة بأكثرية الآراء وتتعادل الآراء فيجري انتخاب الحكام وأعضاء المجلس والعمال بالقرعة. إلا القواد فإنهم لا ينتخبون كذلك. والوطنيون يتساوون لا من حيث الأمور النظرية بل من حيث الأمور العملية. ولقد قال الحكيم سقراط لأحد أهالي أثينة المنورين وكان لا يجرأ على الكلام أمام الشعب يا هذا ممن تخاف؟ أمن القصارين أم من السكافين أو من المعمارين أو الحرأثين أم من السوقة والمرتزقين فمن هاته الطبقات يتألف المجلس وكثيرون من هؤلاء الحكام مضطرون إلى الاحتراف ليعيشوا ولم يكن في وسعهم أن يخدموا الحكومة بالمجان ولذلك عينت لهم مشاهرات وأجوراً

стр. 1127

سانتيماً من سكنتا وهو القدر الذي يتأتى لرجل أن يعيشوا به ذاك العصر. من أجل هذا العصر الأعضاء الفقراء في هذه المجالس وجلسوا على دكات المحاكم مع الأغنياء كتفاً إلى كتف ووجهاً إلى وجه. الفوضويون من الشعب_لما كانت تفصل المسائل برمتها في المجلس أو المحاكم بالمناقشة فيها وإلقاء الخطب في مضامينها كان فصحاء القوم هم أرباب المكانة المكينة في الأمة. فاعتادت هذه أن تسمع لأصوات الخطباء وأن تعمل بنصائحهم وتعهد إليهم في السفارات وأن تعينهم قواداً وزعماء. ويدعى هؤلاء الرجال الفوضويينأو زعماء العصاة. أما حزب الأغنياء فيضحك منهم. وقد مثل أريستوفإن الشعب في إحدى الروايات الهزلية في صورة شيخ سخيف فقال: أنت غبي تصدق كل ما تسمع تستسلم لأهل النفاق والدسائس يتلاعبون بك على هوأهم وتغتبط بالسعادة متى خطبوا فيك. وقال أحدهم خطاباً لا حد نزاع الآفاق. أنت يا هذا شقي فظ غليظ وصوتك شديد وفي بلاغتك من القحة وفي حركاتك من السرعة ما يؤهلك على ما رأى إلى كل ما يلزمك لحكم أثينة. الحياة المنزلية اخترع الأثينيون وظائف كثيرة عهد القيام بها إلى فئتين من الوطنيين. فكان الوطني الأثيني كالموظف والجندي في أيامنا مهتماً بالانصراف إلى الأعمال العامة يصرف أيام حياته في إشهار الحرب والحكم على الشعب يقضي أيامه في المجلس أو في المحكمة أو في الجيش وفي محال الرياضة أو في السوق وكان له أبداً امرأة وأولاد لأن الدين يأمره بذلك ولكنه ما كان يعيش البيوت. الأولاد_يحق للوالد عندما يولد له مولود أن يطرحه ويطرده خارج بيته فيموت طريحاً إذا لم يلتقطه أحد أبناء السبيل ويربيه ليجعله مولى له. وأنت ترى أن أثينة اتبعت في هذا خطة جماع الشعوب اليونانية. والبنات كن ينبذن في العراء ويطرحن خارج المنازل أكثر من البنين قال أحد الخطباء الهزليين أن الابن يربى في الغالب ولو كان ذووه في أقصى دركات الفاقة أما الابنة فتهمل ولو كان أهلها من الغنى على جانب. فإن قبل الوالد الولد يعد من الأسرة ويترك أولاً في مساكن النساء بالقرب من الأم حيث يظل البنات إلى أن يتزوجن أما البنين فينفصلون عن تلك البيوت في السابعة من عمرهم فيسلم الطفل الأثيني

стр. 1128

إلى المربي الذي يعهد إليه تعليمه وتحسين هيئته والخضوع والطاعة وكثيراً ما يكون المعلم من طبقة الموالي إلا أن والد الطفل جعله في حل من ضرب ابنه. وهذه كانت عادة عامة في القدم. ثم يذهب الولد إلى الكتاب يتعلم القراءة والكتابة والحساب وإنشاد الأشعار والتغني مع جماعة الموسيقيين على نغمات المزمار ثم يأخذ في سبيل تعلم الألعاب الرياضية وهذه غاية ما يتعلمه الولد فيجيء من هذا التعليم من أبناء الأثينيين رجال صحيحة أجسامهم هادئة أفكارهم يدعوهم اليونانيين أهل الصلاح والجمال. أما الفتاة فتظل بالقرب من أمها لا تتعلم شيئاً. ويذهبون إلى أنه يكفي الابنة الأثينية أن تحسن الخضوع وتتشبث بأهداب الطاعة. وقد مثل كسينوفإن أحد أغنياء الأثينيين المهذبين وهو يخاطب الحكيم سقراط في شأن زوجه قال: لم تكد تبلغ الخامسة عشرة حتى تزوجتها وقد كان ذووها جعلوها إلى ذاك العهد تحت المراقبة الشديدة وأرادوا أن لا تبقى وتعيش ولا تسمع شيئاً على التقريب مما أهلها لأن تكون امرأة تحسن نسيج الصوف وتصنع منها ثياباً ورأت بأي الطرق يستخدم الأماء والخادمات. ولما اقترح عليها زوجها أن تكون شريكة في حياته أجابته مدهوشة: على أي أمر أعينك وهل أنا قادرة على شيء؟ فلطالما قالت لي أمي إن شأني الخاص بي أن أكون عأقلة. فمعنى كون المرأة عأقلة أن تخضع وهذه هي الفضيلة التي تطلب إلى المرأة اليونانية. الزواج - تتزوج الفتاة في الخامسة عشرة من سنها وأهلها يختارون لها زوجها فيكون تارة شاباً من أسرة قريبة أو رجلاً طاعنا في السن من أصدقاء والدها ولا يعدو أبداً أن يكون وطنياً أثينياً وقد تعرفه الفتاة من قبل في بعض الأحوال وما قط أخذ رأيها في معنى زواجها. ولما تكلم المؤرخ هيرودتس عن أحد أبناء يونان قال: إن كالياس هذا جدير بأن يتكلم المتكلمون في أمره للخطة التي يسلكها مع بناته فإنهن متى صلحن للزواج ينحلهن من المال شيئاً كثيراً ويسمح لهن باختيار أزواج لهن من أبناء الأمة ويزوجهن بمن ينتخبنهم. النساء - كان في داخل كل بيت أثيني مسكن منعزل بالنساء يدعى الحرم ولا يختلف إلى هذا المسكن غير الزوج والأنسباء وتبقى فيه ربة البيت دائماً مع صويحباتها وإمائها تراقب أعمالهن وتلقنهن أصول تدبير المنازل وتوزع بينهن الصوف ليحكنه وهي تشغل نفسها بحياكة الثياب أيضاً. وقلما كانت تخرج من دارها إلا في الأعياد الدينية ولا تظهر في

стр. 1129

مجتمعات الرجال قط. قال الخطيب أزيس: حقاً أنه لم يكن لأحد أن يجرأ على الغداء عند امرأة مزوجة فإن النساء المزوجات لا يخرجن لتنأول الطعام مع الرجال ولا يسمحن لأنفسهن أن يأكلن مع الغرباء وغير المحارم. وما كنت لتنأول المرأة التي تخالط الرجال معدودة في جملة النساء المحتشمات المهذبات. وهكذا لم تكن المرأة وهي على حالها من الاعتزال والجهل ذات عشرة مقبولة فيتزوج بها الرجل لا لتكون شريكة حياته بل لتقوم بأمر بيته وتلد له أولاداً ولأن العادة والدين عند اليونانيين يقضيان بأن يكون للمرء حليلة. وقال أفلاطون إذا تزوج المتزوج فليس برضاه وذوقه السليم بل لأن شريعة تقضي عليه بذلك. وقال مياندر الشاعر الهزلي هذه العبارة: إذا شئت التحقيق فقل أن الزواج شر ولكنه شر لا مناص منه. ولذا كان أبداً للنساء في أثينة كما في معظم المدن اليونانية مقام وضيع في المجتمع. الحروب المادية بينما كان اليونان أخذين في تنظيم مدنهم كان الفرس يجمع شتات بلاد الشرق كافة تحت لواء واحد. ولقد تقابل اليونان والمشارقة وكان المصاف بينهم لأول الأمر في آسيا الصغرى. وكان على شاطئ آسيا مستعمرات يونانية غنية مأهولة فطمح قورش ملك فارس في ضمها إلى بلاده فبعثت تلك المستعمرات تستنجد بالإسبارطيين وقد اشتهروا بأنهم أجرأ أبناء اليونان وأنذروا بذلك قورش فأجابهم بقوله: أنني ما خشيت قط هذا الضرب من الناس الذين يجتمعون في ساحة وسط مدنهم ليخدع بعضهم بعضاً بالإيمان والعهود (كلامه على ساحة السوق) فغلب أبناء اليونأن في آسيا وأصبحوا رعايا ذاك الخاقان الأعظم. وبعد ثلاثين سنة تقابل الملك ادوارد مع يونان أوروبا ولكنهم ظهروا عليه هذه المرة فأرسل الأثينيون عشرين سفينة على الأيونيين العصاة فدخل جندهم في ليديا واستولوا عنوة على مدينة ساردس عاصمة ليديا وأحرقوها. فإنتقم دارا عن ذلك بأن خرب المدن اليونانية في آسيا ولم يبق على يونان أوروبا. وقيل أنه أمر أن يتمثل لديه ضابط في كل مأدبة على مسامعه قوله: مولاي تذكر الأثينيين. وقد بعث إلى المدن اليونانية يطلب تراباً وماءً. وهذه الإشارة الشائعة عند الفرس كانت دلالة على أن شعباً يخضع بلاده لسلطة الخاقان الأعظم فأوجس معظم اليونانيين خيفة واستسلموا خاضعين باخعين فطرح الإسبارطيون المندوبين

стр. 1130

من الفرس في بئر قائلين لهم أن يأخذوا منها ماءً وتراباً يحملونهم إلى ملكهم. وهذه كانت فاتحة الحروب المادية. مبادلة الخصمين - أن التباين بين هذين العالمين المتحاربين قد أشار إليه هيرودتس أحسن إشارة في صورة محاورة بين كسيركيس ملك الملوك وديمارات أحد المنفيين من الإسبارطيين فقال هذا: أتجاسر أن أؤكد لك أن الإسبارطيين يعلنون عليك حرباً حتى ولو انحاز سائر أبناء اليونان كافة إلى حزبك ولو لم يبلغ جيشهم ألف رجل. فأجاب كسيركيس ضاحكاً وليت شعري هل في وسع ألف رجل أن يشهروا حرباً على هذا الجيش الكثير العدد والعدد وأني لا أخشى أن يكون في كلامك تحذلق كثير. وهب أن عددهم خمسة آلاف فنحن زهاء ألف لقاء واحد. فلو كان لهم زعيم مثلنا فإن الخوف يحمسهم ويزيد نفوسهم مضاء فيزحفون يضرب السياط على جيوش أكثر مما خصتهم به الفطرة. يقول ديمارات أن ليس الإسبارطيون دون غيرهم في حرب يتلاقى فيه المتحاربون جسداً لجسد حتى إذا انضموا بعضهم إلى بعض صاروا جيشاً برأسه ومن أشجع الناس وإمضأهم. وقصارى القول فإنهم وإن كانوا أحراراً في الظاهر ليسوا كذلك في سائر شؤونهم فلهم حاكم مطلق ألا وهو القانون فهم يخافونه كثيراً ويرهبون بأسه أكثر من رهبة رعايانا لك. يطيعونه والقانون يأمرهم أن يثبتوا في مصافهم أبداً إلى أن يغلبوا أو يموتوا - إليك حال هذين الحزبين أحدهما مع الآخر فترى من جهة عدداً عديداً من الرعايا تضمهم القوة بزعامة رئيس ذي هوى وشهوات. ومن جهة ثانية جمهوريات صغرى محاربة يحكم أبناؤها أنفسهم بأنفسهم بقوانين يحتفظون بها ويرعونها. الحرب المادية الأولى - نشبت حربان ماديتان كأنت الأولى بمثابة حملة على أثينة فأرسل داراً ستمائة سفينة أنزلت جيشاً فارسياً في سهل ماراتون الصغير على سبع ساعات من أثينة. ولقد كان دين الإسبارطيين يحظر عليهم أن يسيروا قبل أن يكون الهلال بدراً وكان القمر إذ ذاك في الربع الأول فقضي على الأثينيين أن يحاربوا وحدهم فجاء عشرة آلاف من الوطنيين مسلحين سلاح الأبطال وأقاموا لهم معسكراً أمام صفوف الفرس بقيادة عشرة قواد يتناوبها كل منهم يوماً حتى إذا كانت نوبة القيادة لملتيادس عبى جيشه للحرب فهاجم الأثينيون صفوف الأعداء على صفوف مشتبكة فلما رأهم الفرس اقتربوا منهم ولم يجعلوا

стр. 1131

في مقدمتهم فرساناً ولا دارعين فظنوهم جنوا وأضاعوا رشدهم. وهذه هي المرة الأولى التي جسر فيها اليونان صفوف الفرس في حرب منظمة. فطفق الأثينيون يحملون على جناحي الجيش ويمزقونه كل ممزق ثم رجعوا إلى القلب وحملوا الفرس على الهزيمة نحو البحر واضطرابهم إلى معاودة ركوب البحر وكان من نصرة اليونأن في حرب الماراتون أن أنقذتهم وأطارت صيتهم في أرض يونان كلها. حرب مادية ثانية - نشبت الحرب بعد عشر سنين بغارة فجمع كسيركيس بن دارا شعوب بلاده كلهم ويقال أن جيشه البري بلغ مليوناً وسبعمائة ألف مقاتل مؤلفاً من ماديين وفرس لابسين قمصاناً ذات أكمام مسلحين بدبأبيس محددة الرؤوس ومن هنود يلبسون ثياباً قطنية يحملون أقواساً ونبالاً من خيزران ومن زنوج يلبسون جلد النمور ومن قبائل رحالة ليس لهم سلاح إلا ما كان من حبل ذي أنشوطه ومن فرنجين مسلحين بحراب قصيرة وأتراس صغيرة ومن ليديين مجهزين على الطريقة اليونانية ومن تراكسيين يحملون حراباً ومدى وقد شغل تعداد صفات الجيش عشرين فصلاً في تاريخ هيرودتس. وكان هؤلاء المحاربون يجرون وراءهم جموعاً توازي الجموع المدربة على القتال من خدمة للجيش وموالي من النساء وكثير من البغال والخيل والجمال والعجلات المشحونة بالأثقال ولقد اجتاز هؤلاء الأخلاط هيلسبون على جسر قام من مراكب في ربيع سنة ٤٨١ وظلوا يتابعون سيرهم سبعة أيام بليإليها تحت ضرب السياط ثم اجتازوا تراكسيا وساروا على بلاد يونان يجرون بالقوة وراءهم من يصادفونه من الشعوب فكان الأسطول الفارسي وهو مؤلف من ألف ومائتي سفينة حربية يمشي على شواطئ تراكسيا مجتازاً ترعة جبل أتوس الذي خرقه كسيركيس عمداً. فدخل الرعب في قلوب اليونانيين وخضع معظمهم لخاقأن الفرس فضموا جندهم إلى الجيش الفارسي. وراح الأثينيون يستشيرون هاتف دلفيس فأجابهم أولا أن أثينة تخرب ويكون عإليها سافلها حتى إذا تضرعوا إليه أن يجيبهم بجواب يبعث على الطمأنينة رد عليهم بقوله: إن زيوس يمنح بالاس (حامية أثينة) جداراً من خشب لا يتأتى الاستيلاء عليه وحده وأنكم لتجدون فيه سلامتكم أنتم وبنوكم. ولقد حث العرافون الذين طلبوا إليهم أن يفسروا كلام هذا الهاتف جماعة الأثينيين على مغادرة اتيكيا وأن يذهبوا ليستوطنوا مكاناً آخر. وفسر تمستوكلس جدار الخشب بالمراكب. فقضت الحال إذا أن يرجعوا على

стр. 1132

الأسطول ويحاربوا الفرس في البحر. وإذ قد عزم أهل أثينة وإسبارطة على المقاومة أخذوا يبحثون في تأليف عصابة اليونأن للحكم على الفرس فاجترأت بعض المدن على الدخول في هذه العصبة وانضموا تحت قيادة إسبارطة ولما نشبت أربع حروب في عام واحد قرروا القتال فسحق الفرس ليونيداس ملك إسبارطة في الترموبيل وكان معسكراً لسد فم أحد المضايق وضرب الأسطول اليوناني الأسطول الفارسي في سلامينة وكان مجتمعاً في خليج يزحم بعضه بعضاً وبدد أبطال اليونأن في بلاتيه الجيش الفارسي الذي بقي في بلاد اليونان ولم ينج من ثلاثمائة ألف رجل سوى أربعين ألفاً ونزل في ذاك اليوم جيش يوناني في ميكال على شاطئ آسيا وهزم الفرس وهكذا غلب اليونأن الخاقان الأعظم صاحب فارس.

стр. 1133

صحف منسية كتاب الأشربة - لابن قتيبة عني بنشره المسيو أرتوركي أحد علماء المشرقيات وحدثني محمد بن داود عن نضير عن سنان عن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار وسئل عن النبيذ فقال: انظر ثمن التمر من أين هو. أراد مالك أنه يجب على المستفتي عن النبيذ حلال أم حرام أن يتنزه عما لا اختلاف فيه من اكتساب الحرام الذي هو ثمن التمر ثم يسأل بعد ذلك عن النبيذ المختلف فيه. قالوا: فلو كان عند خمر ما توقف هذا التوقف. وقد يحتمل أن يكون أراد: إن كان ثمن التمر حلالاً كان النبيذ الذي اتخذ منه حلالاً وإن كان ثمن التمر حراماً كان النبيذ الذي اتخذ منه حراماً. فإن كان ذهب هذا المذهب فالخبز واللباس والإدام على هذا السبيل عنده تحل إن طابت المكسبة وتحرم إن خبثت. وعوتب شعيب بن يزيد في النبيذ فقال: أما أنا فلا أدعه حتى يكون شر عملي. يريد أنه قد يأتي ما هو شربه وأن الواجب على من أراد إصلاح نفسه والانتقال إلى طهارة التوبة أن يبدأ بالأخبث فالأخبث من عمله والأعظم فالأعظم من ذنوبه فينزع عنه فإما أن يدع التزوج بالأماء لما كره منه وهو يزني أو يترك الشرب في آنية الذهب لما نهي عنه من ذلك وهو يشرب الخمر في العساس فهذا من السخف وإفراط الجهل وقال أبو الغالية الرياحي اشرب النبيذ ولا تمزز والتمزز أن يشرب قليلاً قليلاً وهو مثل التمزز. وأراد أبو الغالية أن يشربه دفعة واحدة للري ولا ينأقل الأقداح ويتابعها ليسكر وقيل لمحمد بن واسع: أتشرب النبيذ؟ قال نعم. قيل: وكيف تشربه؟ قال على غداي وعشاي وعند ظمائي. قيل فما تركت منه؟ قال التكاءة ومحادثة الرجال. قال المأمون اشرب النبيذ ما استبشعته فإذا سهل فاتركه. فأراد أنه يسهل على شاربه إذا أخذ في الأسكار. وقيل لسعيد بن سالم: أتشرب النبيذ؟ قال لا. وقيل لم: قال تركت كثيره لله وقليله للناس. حدثني محمد بن عبيد عن إبرأهيمبن أبي بكر بن عياش قال: صام عمي الحسن بن عياش خمسين حولاً متتابعة فكان لا يفطر في السنة إلا خمسة أيام كان أبي يصنع أيام التشريق طعاماً بكثرة وتجودة ويدعو الفقهاء ومشائخنا فيتغذون مع أبي ويسقيهم أو قال من أراد منهم النبيذ

стр. 1134

الصلب؟ وكان سفيأن الثوري يشرب النبيذ الصلب الذي تحمر منه وجنتاه واحتجوا من جهة النظر بأن الأشياء كلها حلال إلا ما حرمه الله. قالوا فلا نزيل يقين الحلال بالاختلاف ولو كان المحللون فرقة من الناس فكيف وهم أكثر الفرق؟ وأهل الكوفة جميعاً على التخليل لايختلفون. حدثني اسحق بن راهويه قال سمعت وكيعاً يقول: النبيذ أحل من الماء ولم يكن أحد من الكوفيين يحرمه غير ابن ادريس وكان بذلك عندنا معيباً وقيل لابن ادريس: من خيار أهل الكوفة؟ فقال ذلك مبلغهم من العلم. وقال لنا اسحق: عيب وكيع بقوله: هو أحل من الماء لأنه إن كان حلالاً فهو بمنزلة الماء فكيف أحل منه عتب ونحن نقول إنهليس يلحق وكيعاً في هذا الموضوع عيب ولا يرجع عليه منه عتب لان كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم في الوصف واستقصائهم بالمدح والذم يقولون هو أشهر من الصبح واسرع من البرق وابعد من النجم. وليس ذلك بكذب لأن السامع له يعرف مذهب القائل فيه وكلهم متواطئون عليه كذلك قوله هو احل من الماء يريد المبالغة في وصفه بالتحليل. وإنما عاب أهل الكوفة ابن ادريس بمخالفته أهل بلده وتغليظه ما ترخصوا فيه. وحدثني محمد بن عبد الله عن إبرأهيمابن أبي بكر بن عياش قال: قلت لابن مبارك: من اين جئت بهذا القول في كراهتك النبيذ ومخالفتك المشائج وأهل المصر؟ فقال: هو شئ اخترته لنفسي. قلت: فتعيب من شربه؟ قال لا. قلت وما اخترت لنفسك وقال عاصم بن أبي النجو: لقد أدركت قوماً يجعلون هذا الليل جملاً يشربون النبيذ ويلبسون المعصفر فهؤلاء أهل الكوفة وأكثر أهل البصرة على مثل مذهبهم. وكان عبد الله بن داوود يقول: ماهو عندي وماء البركة الا سواء. وقال القطمي: قال لي عبد الله بن داوود: لا بأس أن يشربه الرجل على أثر الطعام كما يشرب الماء. وقال: اكره ادارة القدح واكره نقيع الزبيب واكره المعتق واكره نبيذ السقاية. وقال: من ادار القدح لم تجز شهادته. قالوا: وكأن كثيراً من الحجازين بين يترخص فيه حتى غلط فيه مالك وحد في الرائحة والرائحة قد تلتبس وتشتبه بغيرها وكيف يخرق ظهور المسلمين على الظهور وظهر المسلم حمى لا يباح الا بيقين وقد يأكل الرجل الكمثرى والتفاح والسفرجل ويشرب المشبه النبيذ فيوجد منه رائحة النبيذ وكان الا قيشر اخد وقد شرق وأستنكه فوجدوا منه رائحة النبيذ ظاهرة فقال يقولون لي انكه قد شربت مدامة ... فقلت لهم لا بل أكلت سفرجلا

стр. 1135

وقالوا: وجدنا الناس ثلاثة اصناف أصحاب الرأي وهم جميعاً مجمعون على تحليله أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وكل من سلك سبيلهم وأصحاب الحديث وأكثرهم على التحليل. وأصحاب الكلام هم أيضاً على ذلك وكيف نزيل يقين التحليل بطائفة من الناس؟ قالوا: ومثل النبيذ مثل نهر طالوت. حدثني شبابة قال: حدثنا غسان بن أبي الصلاح الكوفي عن أبي سلمة يحيى بن دينار عن أبي المطهر الوراق قال: بينما زيد بن علي على بغلة له بصر برجل من أصحابه محجل الأزار على قميصه ردع من زعفرأن فقال له مهيم فقال له يا ابن رسول الله إني اعرست وقد أحببت أن تكرمني بدخول منزلي. فثنى رجله ونزل فأخذ صاحب المنزل بيده واقعده على الحجلة فما استكبر ذلك واتي بطعام. وبلغ الشيعة مكانه فازدحموا على مائدته فطعم وطعم القوم ثم إنه عطش واستسقى فأتى بعس فيه نبيذ فكر فيه ثم قطب ثم دعا بماء فكسره ثم شرب ونأولني وكنت عن يمينه فشربت ونأولت الذي عن يميني ودار العس على القوم جميعاً فقلت له: يا ابن رسول الله حدثنا بحديث سمعته من آبائك عن رسول الله ﷺ أنه قال: تنزل متى منازل بني إسرائيل حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو أن رجلاً من بني إسرائيل نكحت نساؤها في الأسواق لكان في أمتي من يفعل ذلك. إلا وأن الله ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت أحل منه الغرفة وحرم منه الري ألا وأن الله جعل فيكم النبيذ احل منه الري وحرم منه السكر. وقالوا: لم يحرم الله شيئاً إلا وقد جعل منه عوضاً في مثل معناه فلو كان النبيذ خمراً ما كان العوض من الخمر وإنما خلق الله الأقوات والثمرات قدراً لحاجة الناس إليها فلو كان النبيذ خمراً ما كان يصنع بالتمر والزبيب والدوشاب وأشباه ذلك مما لو ترك الناس اتخاذ الشراب منه لبار وفضل أكثره من مآكل الناس وحاجتهم وقالوا: والله لا يحرم شيئاً إلا لعلة الاستعباد ولو كان تحريم الخمر للسكر لم يطلقها الله تعالى للأنبياء والأمم فقد شربها نوح ﵇ حين خرج من السفينة واغترس الحبلة حتى سكر منها وبدت فخده وشربها لوط ﵇ ليلة رفع وشربها المسلمون في صدر الإسلام. وقالوا: اما قرلهم أن الخمر ما خمر والمسكر مخمر فهو خمر مثله فإن الأشياء قد نتشاكل في بعض المعاني فيسمى بعضها بعلة فيه وهي في آخر ولا يطلق ذلك الاسم على الآخر الا ترى أن اللبن يخمر يروبة تلقى فيه ويترك حتى يروب ولا يسمى اللبن خمراً وإن خمير العجين يسمى خميراً

стр. 1136

ولا يسمى هو ولا ما خمر به من العجين خمراً وإن نقيع التمر يسمى سكراً لا سكاره ولا يسمى غيره سكراً وإن كأن يسكر وهذا أكثر في كلام العرب من أن يحيط به. وقالوا: واما قولهم للرجل مخمور وبه خمار إذا أصابه الصداع والارعاش عقب الشراب فأن ذلك قد يقال لمن أصابه مثله في النبيذ فيقال: به خمار ولا يقال: به نباذ فإن الخمر اسم قديم وكأنت الجاهلية تعرفه وتلفظ به من الخمر والنبيذ محدث إسلامي لم تكن العرب في الجاهلية تعرفه وكان شربة النبيذ من السلف لا يبلغون السكر ولا يقاربونه فيصيبهم عليه ما كان يصيب شرتة الخمر من الخمار وإنما كانوا ينالون منه اليسير على الغداء والعشاء ثم خلف من بعدهم خلف يشربون الخمر ولم يتهيبوا من المسكر فقيل: بهم خمار على ما سبق من الاسم المتقدم ولو كان الله حين احل النبيذ احل من السكر الذي يكون منه الخمار وكان شربة النبيذ من الصحابة والتابعين سكروا فأصابهم ذلك للزمنا أن يقال به نباذ او لا يقال فيجيب ما ذهبوا إليه. وقد فرقت الشعراء بين النبيذ والخمر. قال الاقيشر وكان مغرماً بالشراب: وصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف ولم تنع ربها ساعة قدر أتاني بها يحيى وقد نمت نومة ... وقد غادرت الشعرى وقد خفق النسر فقلت اصطحبها او لغيري فاهدها ... فما أنا بعد الشيب ويلك والخمر فاعلم كان الخمر هي التي لم تغل بها القدور. وقال ابو زيد في الوليد بن عقبة حين عزله عثمان عن الكوفة بشهادة أهلها عليه بشرب الخمر قولهم شربك الحرام وقد كا ... ن شراب سوى الحرام حلال يريد انهم زعموا انك تشرب الخمر وقد كان هناك شراب حلال من النبيذ ويروي (وقد كان حلالاً سوى الحرام فمالوا). يريد كان شراب النبيذ حلال فمالوا عنه وقذفوك بشرب الخمر. ولم نحتج بأبي زبيد وهو نصراني رأيناه حجة في تحليل أو تحريم وإنما أردنا أنه اعتذر له إلى عثمان وإلى الناس بهذا القول ولم يكن ليعتذر إلا بما ينكر الناس. قال جميل بن معمر: فظللنا بنعمة واتكانا ... وشربنا الحلال من قلله اتكانا - طعمنا. ومنه قول الله تعالى: ﴿واعتدنا لهن متكا﴾ وشربنا الحلال يعني النبيذ والقلل

стр. 1137

جمع قلة وهي جرار يكون فيها النبيذ. قال الشاعر: وقد كأن يسقى من قلال وحنتم ولما دخل على الوليد ليقتل قال لهم: ما تنكرون مني؟ الم افعل؟ وجعل يعدد إحسانه إليهم. قالوا: ننكر منك شرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك. فقال: قد جعل الله فيما احل سعة عما تذكرون. وقال: دعوا لي سلمى والنبيذ وقينة ... وكأساً ألا حسبي بذلك مالا خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم ... ثباتاً يساوي ما حييت عقالا إذا ما صفا عيشي برملة عالج ... وعانقت سلمى لا اريد بدالا فما تراه حين اعتذر فرق بين الخمر والنبيذ وقال: قد جعل الله لي فيما احل من النبيذ سعة عن شرب الخمر وفيما احل من النساء سعة عن نكاح الأمهات. وكان أبو الهندي الشاعر مغرماً بالخمر فعاتبته ابنته على ذلك ووعظته فاعلمها أنه غير صابر وأنه إن تركه اعتل فقالت له: اشرب نبيذ التمر فشربه ثم عاد إلى الخمر وقال: أأشرب تمراً ينفخ البطن منتناً ... واتركها صهباء طيبة النشر وقالٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ بعض الإشراف وكان ركبه الدين وخفت حاله أن يك يا جناح علي دين ... فعمران بن موسى يستدين تلم بنا الخصاصة ثم تعفي ... على اقتارنا حسب ودين فما يعدمك لا يعدمك منا ... نبيذ التمر واللحم السمين أما تراه وصف نفسه بالحسب والدين ثم قرن ذلك بشرب الخمر. وأراد عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله وقال يحيى بن نوفل اليماني ويغتبقأن الشراب الذي ... يحل به الخلد للجالد شراب يوأفق فهر اليهود ... ويكره للمسلم العابد يريد إنهما يغتبقأن الخمر الذي يوجب شربه الحد ثم تنبه فقال يوأفق فهر اليهود ويكره للمسلم العابد فهذا يدل على أن غيره لا يكره له ولا يوجب الحد. وفهر اليهود هو موضع مدارسهم الذي يجتمعون فيه ومنه حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه رأى قوماً يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال: كانهم اليهود خرجوا من فهرهم.

стр. 1138

وهذا أبو النواس شاهد الناس على شيء فقال: يا ابنة القوم اصحبينا ... ما الذي تنتظرينا قد جرى في عودة الما ... ء فأجري الخمر فينا إنما نشرب منها ... فاعلمي ذاك يقينا كل ما كان حلالا ... لشراب الصالحينا قال: وأما قولهم الخمر رجس فقد صدقوا في اللفظ وغلطوا في المعنى أن كانوا أرادوا أنها نتن لأن الخمر ليست منتنة ولا قذرة إلا بالتحريم فإنه اوجب النفور منها. قال الأخطل وذكر الخمر كانما المسك نهباً بين أرحلنا ... مما تضوع من ناجودها الجاري وقال آخر: فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف.

стр. 1139

مطبوعات ومخطوطات الدليل في موارد أعالي النيل ألف هذا الكتاب السير وليم جارستن مستشار نظارة الأشغال العمومية في مصر وعربه إبرأهيممصور بك رئيس الترجمة في هذه النظارة. وقد جمع فأوعى في وصف كل ماله علاقة بالنيلين الأبيض والأزرق من منطقة البحيرات في أواسط القارة الأفريقية حتى بلاد السودان. صرف المؤلف سنين في الرحلة إلى تلك البلاد ووصف أحوالها الطبيعية والجيولوجية وأمدته الكومة بالنفقات الطائلة التي لا تقوى عليها إلا الدول العظمى وساعده في مهمته بعض رجال الري والعلماء المخصين في هذا الفن فجاء ما كتب دليلاً على جودة البحث والاستقراء. والكتاب في ٦٣٦ صفحة كبيرة من أجود الطبع والورق وفيه ما عدا الملحقات وذكر ما يمكن القيام به في المستقبل من الأعمال في سبيل زيادة الانتفاع بمياه النيل رسوم شمسية في الأماكن والجبال والجدأول والأنهار التي يمر بها هذا النيل وهي ٤٦ رسماً متقناً. ومن تلاه بالأمعأن الذي يستحقه يدرك غاية الإفرنج في إشباع مصنفاتهم وصرف أقصى الهمة إلى تحسينها وإتقانها ويدرك مبلغ اهتمام المترجم بنقل هذا الكتاب الفني الذي يهم العربية نقل أمثاله من اللغات الإفرنجية. هذا السفر المفيد شاهد عدل على اتساع صدر العربية لترجمة عامة العلوم والفنون بلغة بليغة لا تشوبها شائبة العجمة وتنطبق على الأصل المنقول عنه ولا نغالي إذا قلنا أن لغة الدليل هي من أصبح الإنشاء بلاغة وتحريراً فإن كان ابن النيل لا يجد مندوحة من تنأول هذا الكتاب ليعرف سر ماء يرويه فإن ابن غير هذا الوادي يجب عليه أن يتنأوله ليتخذه أنموذجاً في التعريب الصحيح كما يستفيد منه الفوائد العلمية والفنية التي تكثر في كل صفحة من صفحاته. ولو نقل كل شهر إلى هذا اللسان كتاب استوفى شروط التأليف على الصورة التي ذكرناها في فرع من فروع العلم التي لا عهد بها للعربية لما اتت عليها بضع سنين ألا وهي تحاكي أرقى اللغات العلمية الأوروبية. ومن تصفح كتاب الدليل ممن عانى صناعة التعريب يتجلى له ما عاناه معربه في نقله وخصوصاً بعض المصطلحات التي عمد إلى بحر اللغة واغترف منه ألفاظاً عربية قابل

стр. 1140

بها المفردات الإفرنجي وهي تربو على مئة لفظة ومعظمها مما لم يدر على السن الكتاب والمعربين. تاريخ الأستاذ الأمام هو اسم تاريخ فقيد الشرق الشيخ محمد جمعه له مريده السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار الاغر في ثلاث مجلدات كبيرة الأول في سيرته وهو لا يزال تحت الطبع والثاني في منشآته وهو يحتوي على بعض رسائله ومقالاته التي نشرت في الجرائد والمجلات ولوائحه في إصلاح التربية والتعليم الديني ورسائله إلى العلماء والأدباء وحكمه المنثورة وهو في ٥٦٠ صفحة من قطع الثمن وقد قدم له مؤلفة مقدمة بين فيها منزلة المرحوم المفتي من العلم والعمل ثم أخذ في نقل بعض ما خطته يراعته في خلال حياته على اختلاف اطوارها ومن تلاه يدرك قدر الفقيد العزيز. والجزء الثالث وهو في ٤٣٨ صفحة من قطع الثمن أيضاً يحتوي على تأبين الجرائد وبعض الكبراء والفضلاء ونموذج من التعازي ومراثي الشعراء وفيه شي كثير من ذكر العواطف يدل على مكانته من وضع التاريخ له في قلوب مريديه واحبابه على اختلاف الأمصار والأفكار وفي هذا الجزء مثال من شعر العصر ونثره في موضوع واحد وهو الرثاء وتقييد المناقب والأثار. وثمن الجزء الثاني خمسة عشر قرشاً صحيحاً في مصر وأجرة البريد ثلاثة قروش وفي الخارج ستة فرنكات وثمن الجزء الثالث عشرة قروش صحيحة وثلاثة اجرة البريد وأربعة فرنكات في سائر الاقطار ويبأعان بمكتبة المنار في شارع درب الجماميز وهما من جيد الطبع والورق. فنثني الثناء الاطيب على حسن وفاء رصيفنا جامع هذا التاريخ وعلى ما بذله من الهمة العالية في وضعه وجودة تنسيقه حتى جاء كتاب أدب وحكمة وكنا نود الاقتباس منه لنفع القراء لولا معرفتنا بانه سينشر انتشاراً عظيماً في عامة الاقطار والأمصار. لوائح الانوار البهية كتاب للشيخ محمد بن احمد السفاريني الأثري الحنبلي من أهل القرن الثاني عشر يتضمن شرح منظومته التي ضمنها أمهات مسائل عقائد السلف وهو في مجلدين الأول في ٣٨٨ صفحة والثاني في ٤٨٨ صفحة طبعها على نفقته طبعاً متقناً بعض الراغبين باتحاف

стр. 1141

الخلف بأثار السلف وذلك في مطبعة المنار وبملاحظة صاحبها الفاضل وقد وشحه بفهرست مرتب على الحروف يتيسر به الوقوف على محتويات الكتاب فنحت الأثريين على اقتنائه ونشكر لطابعة ومصححة عنايتهما. مؤلفات السيد البكري سماحة السيد محمد توفيق البكري نقيب الإشراف هو من بيت مذكور بالشرف في مصر وهو معروف باشتغاله بالعلم والأدب وقد طبع في هذه الأيام خمسة كتب مهمة في بابها احدها سماه صهاريج اللؤلؤ وهو سفر وقع في ٣٨٨ صفحة بقطع الثمن جيد الطبعة جمع فيه كثيراً من نثره ونظمه الرائق وسلك فيه مسلكاً جديداً في الوصف جمع إلى فخامة اللفظ براعة المعنى وشرحه الشيخ احمد الشنقيطي والشيخ محمد المصري شرحاً صافياً. الثاني كتاب التعليم والإرشاد جمعه بعض رجال الصوفية في عصرنا بأمره وهو في ٦٧٧ صفحة وفيه ما لا يسع الصوفية جهله من المسائل. والثالث كتاب بيت السادة الوفائية تأليف سماحته واسمه يدل على مسماه ذكر فيه تراجم ما اشتهر من هذا البيت ومناقبهم. والرابع كتاب بيت الصديق تأليفه أيضاً يظم منثورة من أسفار عديدة استقصى فيه تاريخ هذا البيت الظاهر مكانه في الإسلام وهو في ٤١١ صفحة من قطع الثمن. والخامس كتاب المستقبل للإسلام وهو من قلم المؤلف أيضاً ذكر فيه ما يتعلق بهذا الشأن فنثني على همة المؤلف ونرجو أن يوأصل اتحاف القراء بمثل ما اتحفهم به من هذه الأثار الرائعة. مجموعة هي مجموعة مشتملة على الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية وعلى كتاب الحيدة للأمام عبد العزيز الكناني وعلى عقيدة السلف لابن سهيل الصابوني وهذه الرسائل الثلاث مهمة في بابها ولاسيما رسالة الحيدة فإنها صورة مناظرة جرت في حضرة أمير المؤمنين المأمون في مسألة خلق القرآن بين عبد العزيز الكناني وبشر المريسي وكان المأمون هو الحكم قابان عن فضل جم وإنه كان يقصد بمسألة خلق القرآن التي شغلت بعض العلماء في آخر عهده تحقيق حقيقة علمية لا الانتصار لنفسه او لما وقع في ذهنه وهذه الرسالة أعظم مثال في الحرية العربية. طبعها الحاج مقبل الذكير وجعلها وفقاً لا يباع ولا يشرى يمعرفة فرج الله أفندي زكي الكردي الكتبي المعروف في القاهرة فجاءت في ٢٤٩ صفحة جيدة

стр. 1142

الشكل. الجامعة الإسلامية وأوروبا هي رسالة تأليف رفيق بك العظم صاحب كتاب أشهر مشاهير الإسلام وغيره من المصنفات الاجتماعية بحث فيها بحثاً تاريخياً في الجامعة الإسلامية وذكر فيها للمتعصبين من ساسة الاوربيين تحاملهم على بلاد الإسلام بالبراهين التاريخية الدامغة ونصح فيها للشرقيين والغربيين نصيحة من خبر الأمور الحاضرة وقاسها بالغابرة وهي ٥٨ صفحة جيدة الطبع والوضع. الإنسان ابن التربية كتاب أدبي أخلاقي انتقادي لجرجي أفندي نقولا باز المعروف بمقالاته الاجتماعية والأخلاقية وفيه مباحث مفيدة مثل محاسن العصر ومساوئ الحضارة وسوء التربية والوالدين والتربية البيتية والاجتماعية وغير ذلك مما ينفع أرباب البيوت ويؤثر في عقول الناشئة وهو في مئة صفحة أهداه لرصيفنا صاحب الهلال جرجي أفندي زيدان وصدره يرسمه وطبعته جمعية شمس البر في بيروت وخصصت ريعه لأعمالها الأدبية. عبد القادر الجيلاني هي نبذة في تر جمة هذا العالم نشرها بالعربية والإنكليزية الأستاذ مرجليوث مدرس العربية في كلية اكسفورد جمعت فأوعت في هذا الباب وقد نشرت ملحقة في المجلة الآسياوية الإنكليزية. التقيه في الإسلام رسالة من قلم الأستاذ غولد سهير مدرس اللغة العربية في كلية بودابست كتبها بالألمانية ونشرب ملحقاًُ للمجلة الألمانية المشرقية أهدانا إياها مؤلفها عقيب أن طلع على مقالة التقيه في الجزء الثالث من هذه السنة وسنعود إلى الاقتباس منها ما لم نحصل عليه من النقول. مقالات قصر الدوبارة كتاب في ١١٠ صفحات طبعه عبد الله أفندي حسين وصالح أفندي شكري حوى مقالات كتبتها جريدة المؤيد في اللورد كرومر وسياسته وخطابه الوداعي ورد المؤيد عليه وغير

стр. 1143

ذلك مما له صلة بهذا البحث وقد أحسن طابعاه في نشره على هذا الشكل الجميل فإن هذه المقالات من خير ما خطته يراعة كاتب سياسي في معنى الدفاع عن امته وبلاده وهو يطلب من طابعيه في دار المؤيد. لبنان في خمس سنين هو كتاب وقائع في ١٤٠ صفحة شرح فيه كاتبه ما حدث من الحوادث والأخبار في جبل لبنأن في عهده الأخير شرحاً ضافياً يستعان به في المستقبل على وضع تاريخ مفصل لهذا الجبل فجاء ما كتبه الكاتب أشبه بالأخبار اليومية لابن بدير في القرن الثاني عشر في دمشق والجبرتي في القرن الثالث عشر في مصر هذا مع سلاسة في التعبير وتلاعب بالألفاظ والمعاني يدل على بعد غور الكاتب وحسن بيانه. أطباق الذهب لشرف الدين عبد المؤمن بن هبة الله المغربي الأصفهاني مائتا مقالة ومقالة في الحكم والمواعظ على طريقة السجع البديع شرحها الشيخ محمد منير المقدم في الأزهر وضبطها بالشكل الكامل وطبعها طبعاً جيداً فجاءت في زهاء ١٥٠ صفحة صغيرة. رواية الخادعين هي إحدى روايات احمد مدحت أفندي الكاتب التركي عربها حقي بك العظم صاحب كتابي دفاع بلفنا وحرب اليونان وهي تمثل صورة من المدنية الإسلامية في القرن الأول نشرت ملحقة لجريدة الكلمة الحرة وتباع بأربعة قروش في مكتبة القاهرة. الدقائق في الحقائق (أفكاري عن النفس والروح ثم القدرة الإلهية والأديان تأليف يعقوب أفندي جبرائيل مراد) وهو في ١٢٦ صفحة جيدة الورق. نسمات الصباح هذه نبذة من شعر حلمي أفندي مصري صدرها بنبذة بالشعر والعرب وضمنها مقاطيع وتخاميس وقصائد عرب بعضها عن الإفرنسية ونظم بعضها في أغراض عصرية لطيفة فجاءت في ٦٤ صفحة صغيرة.

стр. 1144

اكاذيب السياسة كراسة في الرد على خطبة اللورد كرومر التي القاها في حفلة وداعه التي اقيمت بأمره في دار التمثيل الكبرى بالقاهرة مساء ٤ مايو سنة ١٩٠٧ تأليف (ابنة النيل) وهي فتاة مصرية لم تصرح باسمها وعدد صفحاتها ٧٨ صفحة صغيرة.

стр. 1145

سير العلم سكة حديد جديدة اخترع مهندس ايرلاندي اسمه لوي برنان بعد أن صرف سنين طويلة في النظر والبحث طريقة جديدة لتسيير مركبات السكك الحديدية إذا سلمت له من كل وجه فإنها تقلب أصول النقل المتبعة الأن في اقطار الأرض واختراعه عبارة عن تطبيق ناموس الجير وسكوب (وهي آلة اخترعها فوكول سنة ١٨٥٢ ليستدل بها على دورأن الأرض) على مركبات السكك الحديد بل على جميع المركبات كمركبات الاتوموييل وغيرها. فالسكة الجديدة تسير إذا على خط واحد فتوفر نفقات كثيرة وليس فيها ادنى خطر وتسير بالكهربائية لا بالبخار. التصوير بالألوان منذ أربعين سنة اخترعت طريقة التصوير بالألوان وما برحت تتعاور بالعناية لتبلغ كمالها وقد وفق رجل فرنساوي هذه الأيام اسمه لوميير فاخترع طريقة جديدة اقتصادية لرسم الألوأن الطبيعية كلها على أجمل وجه يتصوره العقل. الانتفاع بالفطر الميكولوجيا هي فرع من فروع علم النبات خاص بمعرفة أنواع الفطر. وتقسم ضروب الفطر إلى نوعين وهما النوع المرئ الجيد والنوع السام الضار. ولما كان الفطر يكثر في تارار من أقليم الرون في فرنسا رأت جمعية تعليم العامة أن تنشئ لها في تارار مكتباً لمعرفة الجيد من هذا النبات من رديئه وكل من جنى فطراً وأتى به ذاك المكتب بفحصه له ويعطيه ورقة باسمه فكان الفطر بذلك لاهالي ذاك الأقليم الجبلي منذ ثلاث سنين أعظم مورد لهم يقتاتون منه ويبيعون لاما فضل منه وتساوت في معرفة جيده من رديئه الطفلة والشيخ الكبير ولم يعد احد يتسمم ببعض أنواعه. سم الغضب ثبت للأستاذ غاتس من واشنطن أن للغضب الذي يثور في رؤوس الناس سماً كما أن للحزن سماً خاصاً به وللخوف كذلك. ذلك لأن التغييرات الباطنية مهما كانت فجائية او زائلة يكون منها رد فعل على المجموع العصبي فنفس السخص الغضبان أو السوداوي يختلف بلونه عن نفس السوداوي الكئيب ولكي يثبت ذلك جعل بعضهم يتنفسون في أنبوب

стр. 1146

برد بالجليد لينحل النفس المستنشق فيه فجاء منه سائل لا لون عند ما كان المتنفس في الانبوب ساكناً غير مضطرب. وسائل اسفع إذا كان المستنشق غضوباً وسائل اسود إذا كان حزيناً وسائل وردي إذا كان وجدانه يتألم. وقال أن نفس الغضب إذا سال على الطريقة التي ابتدعها يكون فيه كمية من القوة الحيوية ومواد كيماوية إذا ابتلعها المرء تورده حتفه وإن هذا السم هو أشد سم عرفه العلم حتى الآن. كتب الأرض قدروا عدد المطبوعات الأدبية في العالم بخمسين مليون مجلد. ولم يكن حتى الأن لغير خزائن الكتب العظمى قوائم مطبوعة بالكتب التي لديها فكان مما يهم المشتغلين بالأمور العلمية وباعة الكتب أن ينظروا في المجلات التي تعنى بذكر الأسفار القديمة والحديثة. وقد جرت العادة في ألمانيا أن يرسل كل طابع إلى مكتب العلوم الاجتماعية في برلين بنسخة مما يطبع وإن يرسل الطابعون مطبوعاتهم في إنكلترا إلى مكتب العلوم الطبيعية. وفي كلتا العاصمتين توضع فهارس كل سنة. وقد ارتأى احد علماء الأوطان أن تضاف فهارس مكتبة الأمة في باريز وهي ثالث مكتبة من مكاتب العالم بكثرة كتبها وتسقط منها المكررات وهكذا يعمل بالأحدى عشرة مكتبة من المكاتب الكبرى في العالم فيأتي من ذلك فهرس عام لجميع الأسفار في الأرض. السيارات صنعت الولايات المتحدة سنة ١٩٠٦ - ٥٨ ألف سيارة (اتوموبيل) وصنعت فرنسا ٥٥ ألفاً وصنعت إنكلترا ٢٧ ألفاً وصنعت ألمانيا وإيطاليا ٢٠ ألفاً. التوفير كان فيما مضي يمدح أهل الطبقة الوسطى في فرنسا لاقتصادهم ولكن ثبت أن الألمانيين من أهل طبقتهم أكثر منهم اقتصاداً فإن ما وضع في صناديق التوفير في فرنسا في سنة ١٩٠٤ قد بلغ أربعة ملايين ونصفاً من الفرنكات وسكان فرنسا ٣٩ مليوناً على حين بلغ ما وضعه الألمانيون وعددهم ٣٧ مليوناً تسعة ملايين ونصفاً وقد زاد المودع في صناديق التوفير في فرنسا من سنة ١٩٠٠ إلى سنة ١٩٠٤ مائتي مليون اما في بروسيا فقد بلغ مليارين من الفرنكات.

стр. 1147

غلاء الحاجيات غلت أسعار الحاجيات في العالم المتمدن مع أن ما يستخرج سنوياً من الذهب قد بلغ ضعفي ما كان عليه منذ عشر سنين. ويؤخذ من إحصاء التجارة العام أن تجارة العالم ارتفعت من ٥٤ مليار فرنك سنة ١٨٦٧ إلى ١٣٦ ملياراً سنة ١٩٠١ أي أن مجموع النقود المتعامل بها قد بلغت ثلاثة أضعاف ما كانت في ٣٤ سنة على أن محصولات العالم لم ترتق ثلاثة أضعاف ما كانت عليه ولا تنسب الزيادة لارتفاع أسعار البضائع بل لبخس أثمأن الذهب لكثرة المستخرج منه. عمال المخازن كتب احد كبار البيوت التجارية التي تبيع بالجملة في شيكاغو نصيحة لمستخدميه وهي: لا تحتقر أصلاً زبوناً ولو كان رث الثياب. ولا تقلم أظافرك على ملاء من الناس ولجعل في جيبك أبداً قلم رصاص ولا تعره لأحد ولا ترتكب غلطة واحدة سبق لك ارتكابها. طواف العالم آخر ما اهتدى إليه البشر من السرعة في الأسفار أن يقطع المرء الأرض في خمسين يوماً بإنفاق ١٤٦ جنيهاً فيسير السائح من باريز إلى موسكو ففلاديفوستك فكويه فيوكوهاما فسيتيل فنيويورك فشربورغ ففرنسا. اتقاء الغش من أحسن الطرق التي سارت عليها الولايات المتحدة في اتقاء الغش في الإعلانات أنه إذا نشرت جريدة إعلاناً ضاراً تنذرها دار البريد بأنها تحرمها من الأمتيازات التي خصتها بها إذا ظلت تنشر هذا الإعلان وترجع جميع الرسائل الواردة باسم المعلن إلى من صدرت عنهم وتكتب عليها (مزورة) وفي ألمانيا وروسيا يتداخل الأطباء في الأمور الضارة بالصحة التي تنشر الجرائد عنها الإعلانات. التربية في يابان كتب احد نبلاء يابان مقالة في إحدى المجلات الإنكليزية ذكر فيها ما توفر الميكادو عليه من العناية منذ خمس وعشرين سنة لإنهاض الآداب في بلاده. قال أنه شرع سنة ١٨٨٠

стр. 1148

بمنع بعض الكتب المدرسية والدساتير وفي سنة ١٨٩٠ جعل بناء التعليم على أسس جديدة وأمر الأمبراطور أن تكون مبادئ التربية مأخوذة عن تربية البيوت وعواطف المربين وعطفهم على من يربون وأن يسعى كل أمرئ إلى توسيع مداركه العقلية بان يتأهل للدفاع عن المصلحة العامة. وصية عالم ترك ادوارد دي هارتمأن الفيلسوف العظيم كتاباً عظيماً سينشر بعده في ثماني مجلدات وهو خلاصة الفلسفة كلها وشرح مبادئها وقد خص كل مجلد بفرع من فروعها كعلم النفس والعلوم الطبيعية والمادية والمبادئ الأولية والأخلاقية وهذه هي وصيته. معونة على العلم كان احد محسني الفرنسيس المسيو كاهن وقف على كلية فرنسا ألوفاً من الفرنكات لتصرفها كل سنة في إعانة أهل العلم والأدب يسيحون في الأرض ليزدادوا علماً ويؤبوا إلى بلادهم لينفعوها بفضل علمهم وقد وفق الآن خمسة عشر الف فرنك تصرف لأمرأتين او فتاتين كل سنة لتطوفا بها إلى أوروبا والولايات المتحدة واشترط أن تكونا معلمتين في المدارس الثانوية وأن تكونا عارفتين بلغة أجنبية. عنصر الفقراء كان الرأي الشائع أن أولاد الفقراء أصبح أجسأما من أولاد الأغنياء وإن هؤلاء دون أولئك بذكاء عقولهم وصحة أحلامهم ولكن العالم نيسفور احد أساتذة كلية لوزأن في سويسرا بما احدثه من الفن الجديد وهو علم تعريف طبقات الفقراء قد أثبت أن الأولاد الأغنياء أرقى فطرة وسحنة عقلاً مما كانوا يوصفون به ففتح بذلك سبيلاً نافعاً في مستقبل الإنسانية وكان بعلمه الجديد القائم على البحث في أحوال الفقراء لا البحث في الفقر أشبه بعلم البحث في الجانين لا البحث في الجنايات قال من بحث له في المجلة الإفرنسية: ويعرف الاختلاف الظاهر في أشكال طبقات أهل السعة وأهل الفاقة من الناس وما بينهما من الفروق التي تكاد تجعلهما المتين متباينتين مع إنهما يعيشأن في ارض واحدة ويتكلمان بلغة واحدة بالبحث في أشكال الطبقات النازلة وتأثيرهما الطبيعية والفسيولوجية. قال توكفيل الكاتب السياسي الفرنسوي (١٨٠٥ - ١٨٥٩) تتألف أمم مختلفة كثيرة من طبقات المجتمع الواحد

стр. 1149

وقالوا أن كل امة تنقسم إلى المتين وهو قول صحيح لأننا لو بحثنا في حياة الفقير وحياة الغني لرأينا أن مبدأ التناقض بينهما على اتمة بيد أن هذا الرأي يعد من غريب الآراء. قامات الفقراء من أرباب الأعسار أصغر من قامات الموسع عليهم من أهل اليسار. فطول بن الفقير في الرابعة عشرة من عمره متر وستة وأربعون سنتيمراً وطول ابن الغني في مثل هذه السن متر ونصف وطول قامات الرجال الفقراء متر وأربعة وستون سنتيمتراً في الغالب وطول الأغنياء في سنهم متر وثمانية وستون سنتيمتراً ووزن جسم الموسرين من الأولاد وهم في الثالثة عشرة ٣٥ كيلو وزنة جسم ابن الفقير في مثل تلك السن ٣٣ كيلو. ومحيط رأس ابن الفقير في الحادية عشرة أصغر من محيط رأس ابن الغني فهو في الأول ٥٢٤ في الثاني ٥٣٣ وابن الغني وهو في سن العشرين ٥٥١. ٩ وابن الفقير ٥٤٧. ٠ وهكذا ارتفاع الجبهة وقوة الجمجمة والدماغ والجمجمة الداخلية وزاوية الوجه كلها في قياسها في الفقراء أصغر مما هي في الأغنياء وسعة الحنك في الفقراء أكثر مماهي في الأغنياء. وإذا قيست قوة أبناء الفقراء بقوة أبناء الأغنياء بمقياس القوة (ديناموتر) نجد أن الغني في السابعة يحمل عشرة كيلو على حين لايقدر ابن الفقير أن يحمل أكثر من ثمانية. والفتاة من بنات اليسار تحمل ١٢ كيلو وهي في الثانية عشرة ومثلها من الفقيرات لا تقوى على حمل أكثر من ٧ كيلو. وأولاد الأغنياء أقل صبراً على التعب من أولاد الفقراء فقد دلت التجارب الكثيرة أن أبناء الأغنياء في الثانية عشرة من اعمارهم تنقص من ١٨ إلى ٧ كيلو. وكذلك الصدر فإنه في أولاد الموسرين أكثر سعة من أبناء المعسرين اللهم إلا فيمن يعملون أعمالاً صناعية من أبناء الفقراء يكبر بها محيط صدورهم. وحركة النمو في أولاد الفقراء أبطأ مما هي في أولاد الأغنياء. وبنات الفقراء لا يبلغن الا بعد سنة او سنتين من السن التي يبلغ فيها امثالهن من بنات الأغنياء. وأثبت كثير من الأطباء أن المولودين حديثاً من أولاد الفقراء أقل وزناً من امثالهم من أبناء الأغنياء والأم المستريحة تلد أولاداً أثقل وزناً من الأم المتعبة إلى آخر يوم من حملها وليس لها غذاء جيد. ومن المؤثرات في صحة المولود سن الأم وزمن بلوغها وتعاقب ولادتها وصحة حالتها وكل هذه الأمور تؤثر في طول الطفل ووزنه.

стр. 1150

ويخطئ من يقول أن الجمال وتناسب الأعضاء موجدان في أولاد الفقراء لأن الجمال والقوة والنشاط تابعة لسعة العيش أبداً ولاسيما لحالة الأم وإن وجد جمال في أبناء الفقيرات وبناتهن فإنه عرض زائل يذبل لأول نضارته وأقل تعب ينالهم. وتكثر الأسقام والموت في الفقراء أكثر من كثرتها بين الأغنياء وذلك لأن الفقير عرضة للأمراض أكثر بالنظر لتركيبه فلا يقوى على مقاومتها ولان معيشته شاقة. وخالف من يقول بان تشويه وجوه الفقراء وسحناتهم ناتج من تعاطيهم بعض الصنائع وأثبت بأن ذلك خلقي فيهم وأن للفقر والانحطاط الطبيعي وما يلحق بذلك من التبدلات والاضطرابات في التغذية يداً كبيرة في التأثير في الطفل قبل أن يحيا. وتكلم على الأخلاق النفسية من الإحساس على اختلاف أنواعه والعواطف الأدبية والتأثرات والذكاء فقال أنها في الفقراء أقل مما هي في الأغنياء واذ يتأخر ابن الفقير في نموه فهو لا يبلغ أشده بدون مساعدة شروط كثيرة من التعليم والمحيط المرتقي والرفاهية الطبيعية والاقتصادية وهو مما لا يحلم أن يراه من كانوا في أدنى سلم الاجتماع. ولئن نشأ من الطبقة النازلة أناس يكذبون هذه القضية كانوا من خيرة العقلاء والأذكياء ولكنهم قلائل جداً لأن الأسباب الصحية والاقتصادية تؤثر في بنية الإنسان وعواطفه وعقله ولاسيما في ذكائه ونبوغه وليس الذكاء والنبوغ مما يستفيد من المحيط بل هما خلقة في المرء. ومما لا ريب فيه أنه كلما كثر في عنصر الانحطاط العقلي والانحطاط المعاشي لا ينشأ وسطه إلا أناس ضعيفة عقولهم منحطون عن غيرهم من أهل السعة. بحث الباحثون في خصائص الشعوب والأجناس والقبائل ولم يبحثوا كثيراً في خصائص الطبقات الاجتماعية في امة واحدة. وما الخصائص التي تميز طبقتين من طبقات شعب واحد غنية وفقير إلا بأكثر تبايناً حتى بين أهل البلد مما هي بين امة في القاصية وامة في الدانية وثبت للباحث بالبراهين المدققة أن الاختلاف في الولادة والموت وسن الزواج والأمراض وغيرها بين البارزين الفقراء وبين أهل طبقتهم من سكان فينا أقل مما هو بين سكان مملكتي إيطاليا ونروج مثلاً وأن الاختلاف يكثر بين طبقتي الفقراء والأغنياء من أهل البلد الواحد ولا يكثر على تلك النسبة بين شعبين متباينين بلغتيهما وأصلهما بعيدين أحدهما عن الآخر مئات من المراحل. والتمدن يبدو في الطبقات النازلة مهما ارتقت بلادهم

стр. 1151

كما يبدو عند الطبقات النازلة في البلاد المنحطة أي أن فقراء بلاد التمدن ينتشر فيهم الجهل ويقل النسل ويكثر الموت والجرائم كما هو الحال بين فقراء البلاد الساقطة. ولا يفوتنا النظر أن التمدن لا ينتشر في الآفاق المنوعة من ارض واحدة على معدل واحد بل أنه يستنير كل الإنارة في أفق ويظلم في آخر أو يكون ذا نور ضئيل ورسم محيل. وهم قوم أن الطوتمية وعبادة الظلام والحيوانات والأحجار والأشجار والمياه والنيران والظواهر الجوية والسحر وغيرها من أنواع التعبد هي من خصائص الأمم المتوحشة القديمة والحقيقة أن هذه العبادات لا تزال حية نامية بين الطبقات النازلة عند أكثر الأمم عراقة في الحضارة على أنك تجد مثل هذه العادات والاوهام والأخلاق شائعة أيضاً عند أرقى الطبقات المتحضرة لهذا العهد وذلك لأن للاموات تأثيراً شديداً في نفوسنا وهي الحاكمة المتحكمة فينا ولكم يحاول المتمدن منا أن ينزع عنه ما كان الفه اسلافه من العادات والعبادات وماهو يبالغ ما أراد لا تحكم ذلك منه وغلبة العادة ولكن ذلك يقل في الطبقات العالية ويكثر في الطبقات النازلة.

стр. 1152

نقد المقتبس كان معظم النقد الذي ورد على هذه المجلة في عامها الأول مقصوراً على الألفاظ والوضع اما نقد هذه السنة فأكثره على المعاني والمقاصد. وقد كتب إلينا احد أهل العلم في القاهرة يقول (كنت آليت على نفسك أن لا تتعرض في المقتبس للمباحث المتعلقة بالدين أو السياسة لئلا يظهر منك ما يشتم منه رائحة التعصب للملة أو الدولة ثم رأيتك كانك نسيت عهدك حتى نبهك احد أدباء بغداد على ذلك. وقد رأيتك عدت إلى مثل ذلك فأكبرت الأمر في مثل مسألة بسيطة لا توجب شدة ولا حدة كمسألة التقية ورحت بنحي فيها على الشيعة وإن كان ما أوردته منقولاً عن غيرك حتى أحرجت بذلك صدورنا دع عنك صدورهم. وكذلك فعلت في مسألة السموأل فإنها مسألة طفيفة فما بالك أعظمت الأمر فيها ولعلك تقول أن المقصد بذلك تنقيح البحث في التاريخ وهو من مباحث العلم على أن الاعتراض جاء من غيري فنشرته. أقول نعم كان الخطب سهلاً لو لم يكن في المقالة شدة. وصاحب المجلة مسؤول عما يكتب في مجلته. والمأمول أن لا تعود إلى مثل ذلك او تبين عذرك المقبول في هذا الشأن والسلام عليك) هذا ما تناولناه بيد المنة لكاتبه وكنا نود أن نكتفي بنشره ونترك الحكم فيه للقراء كما فعلنا حتى الآن في جميع ما جاءنا من هذا القبيل لولا أن كثر مثل هذا النقد علينا وجاءنا شيء من نوعه من مصر والشام والعراق فأصبح السكوت عن الأجابة ضرباً من ضروب الأهمال. وبعد فالمجلة لا تزال جارية على الخطة التي رسمتها في أول جزء صدر من التمحص للعلم المحض والانطلاق في الفكر والتجوز في الاقتباس والنشر. وما يبدر منافي بعض الموضوعات مما قد يحمله بعضهم على نزعة دينية أو سياسية فإنما يكون في الغالب من مؤزاري المجلة الكرام أو مما نقتبسه من غيرنا أو يقع لنا بالعرض لا بالقصد ولا نبرئ النفس من الذهول في بعض الأحيان فالإنسان محل النسيان. ليس معنى نشرنا في السنة الماضية لمقالتين في حريق الأسكندرية أحدهما معربة عن التركية والأخرى عن الإنكليزية مما يستدل منه على أننا نريد الغض من الرفع لآخر فالمسألة تاريخية صرفة تعاورتها الأقلام ولا تزال تتعاورها من أهل كل نحلة وجنس. وكذلك درجنا بحث (شعراء النصرانية في الجاهلية) وهو من المباحث التي لامنا بعضهم على القبول بنشرها ولو علم اللائمون بأن الناقد والمنتقد عليه متحدان في النحلة والمشرب

стр. 1153

لخففوا من اللائمة. وهكذا قل في نشرنا مقالة التقية فإنا لم نقصد إلى الحط من فرقة معينة فيما كتبنا وعذرنا إلى من تألموا مما نقلناه في التقية عند الشيعة أن ليس لدينا كتاب من كتب محققيهم ننقل عنه ما يتم به البحث. ولو تفضل أولئك الناقدون فوافونا بما أثر عن أهل العلم من الشيعة لكانوا أحسنوا صنعاً. وقد كان وعدنا احد أفاضلهم أن يوافينا بما قاله علماؤهم ثم عاد فاعتذر بان شواغل شغلته عن ذلك أهم من هذه المسألة. ولايفوتنا النظر بان تعلق العلوم بعضها ببعض يقضي علينا في الأحايين أن ندخل في مبحث اجتماعي أو علمي شيئاً من مسائل الدين تيمماً للبحث كما وقع لنا في بحث البقية وما كان في وسعنا أن نصور للقارئ هذا الموضوع لو لم نعتمد إلى كتب التفسير والكلام ونقتبس منها ماله اتصال بالبحث. اما قول المنتقد المشار إليه بان صاحب المجلة مسؤول عما ينشر ولا يعذر فكلام لا يخلو على اطلاقه من نظر. ذلك لأنه لا يتيسر تقييد حرية المكاتبين إذا كانوا مخلصين فيما يكتبون ما لم يتجاوز قلمهم الحد في التنكيت والتبكيت فأن ذلك مما يلام فيه الكاتب والناشر على أننا كثيراً ما نعدل مثل هذه السقطات مالم نذهل او نجد الأمر فيه غير جلل على أنا قد اشرنا إلى العذر في مثل ذلك في نبذة نشرناها منذ شهرين تحت عنوان المترجمات وحكم المترجم فيها. فهل فيما أوردناه مقنع؟ اقترحنا منذ مدة على احد أصدقائنا أن يعرب لنا عن الإنكليزية شيئاً من مقالات القاضي أمير علي الهندي نظراً لشهرة المؤلف في بلاد الإنكليز فعرب لنا مقالة المرأة في الإسلام فنشرنا نصفها في الجزء الخامس من هذه السنة وقد وردت علينا من احد فضلاء سورية رسالة شديدة الوطأة ينقد فيها مقال القاضي الهندي وبنى نقده على أمرين أحدهما ضعف الأخبار التي نقلها وأنها لا تعرف في كتب الثقات من علماء الأثر والثاني تعليله بعلل لا تعقل فأن كثيراً من علماء الإسلام بل وغيرهم من المحامين عنه قد أوردوا في ذلك عللاً محكمة فيها مقنع للناظر. ولما كان نشرها برمتها يوجب الدخول في تفصيل قضايا يباين ما أنشئت له المجلة من الأبحاث رأينا أن نكتفي بالإشارة إلى تلك الرسالة شاكرين للمنتقد عنايته منبهين على أن المنتقد عليه حسن النية فيما كتب وكثيراً ما يكبو الجواد.

стр. 1154

العدد ٢١ - بتاريخ: ١٥ - ١٠ - ١٩٠٧

стр. 1155

صدور المشارقة والمغاربة ابن زيدون إذا انتشرت الآداب والعلوم في أمة وكادت تعم أفرادها كافة يأتي من بين أولئك المتعلمين الكثار صفوة من الرجال منهم ينشأ النوابغ لان ارتقاء العلوم في الخصوص يكون على نسبة ارتقائها في العموم. وصاحب الترجمة هو احد أفراد الأندلس المعدودين زكا أصله وسما عقله ورجح بيانه وانفتق لسانه وبعد صيته بين حملة رايات القريض وصواغ عقود الإنشاء جمع إلى تليد مجده طريفاً وإلى آدابه الوهبية آداباً كسبية وقد عد في الطبقة العالية بين شعراء الأندلس ونال من المنثور حظاً كبيراً فهو على التحقيق كما وصفه احد الأدباء (بحتري المغرب) لحسن ديباجته وسهولة معانيه ومتانة تراكيبه تقرأ في منظومة العواطف في أبهى مظاهرها وتتجلى لك أغراضه في أسمى معانيها فشعره جعبة الأدب البارع ودرج الذهب الرائع ومثال الظرف والرقة وعنوان الانسجام والإجادة حتى قال أحدهم فيه: من لبس البياض وتختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وروى شعر ابن زيدون فقد استكمل الظرف كله. وصفه صاحب القلائد بقوله: زعيم الفئة القرطبية ونشأة الدولة الجهورية الذي بهر بنظامه وظهر كالبدر ليلة تمامه فجاء من القول بسحر وقلده أبهى نحر لم يصرفه إلا بين ريحان وراح ولم يطلعه إلا في سماء مؤانسات وأفراح ولا تعدى به الرؤساء والملوك ولا تروى منه إلا حظوة كالشمس عند الدلوك فشرف بضائعه وأرهف بدائعه وروائعه وكلفت به تلك الدولة حتى صار ملهج نسانيها وحل من عينها مكان إنسانها. وفي بعض المجاميع أن الوزير آبا بكر بن عمار وأبا الوليد بن زيدون كانا في حسن الشعر فرسي رهان ورضيعي لبان وقد ذكرا أكثر الأدباء بالأندلس إنهما اشعر أهل عصرهما هذا ما ذكره العماد الكاتب وذكر له القصيدة التي أولها (أما في نسيم الريح عرف يعرف) والرسالة التي كتبها لأستاذه ابن جهور يستعطفه بها وقد اعتقله لما سمع أنه مال إلى المعتضد عباد وذكر لابن عمار الرائية التي استوزره لسببها ابن عباد وهي ادر الزجاجة الخ. ولقد كان ابن زيدون آية في طلاقة لسانه كما كان غاية في حسن بيانه ويحكى أن ابنته

стр. 1156

توفيت وبعد الفراغ من دفنها وقف للناس عند منصرفهم من الجنازة ليتشكر لهم فقيل إنه ما أعاد في ذلك الوقت عبارة قالها لأحد الصفدي وهذا من التوسع في العبارة والقدرة على التفنين في أساليب الكلام وهو أمر صعب إلى الغاية وأرى أنه اشق مما يحكى عن علماء وأصل بن عطاءاته ما سمعت منه راء لإنه كان يلثغ بحرف الراء لثغة قبيحة والسبب في تهوين هذا الأمر وعدم تهوينه أن وأصل بن عطاء كان يعدل إلى ما يرادف تلك الكلمة مما ليس فيه راء وهذا كثير في كلام العرب فإذا أراد العدول عن لفظ فرس قال جواد أو ساع أو صافن أو العدول عن رمح قال قناة أو صعدة أو يزنى أو غير ذلك أو العدول عن لفظ صارم قال حسام أو لهدم أو غير ذلك وأما ابن زيدون فأقول في حقه أقل ما كان في تلك الجنازة وهو وزير ألف رئيس ممن يتعين عليه أن يتشكر له ويضطر إلى ذلك فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها الشكر وهذا كثير إلى الغاية لاسيما من محزون فقد قطعة من كبده ولكنه صوب العقول إذا انبرت ... سحائب منه أعقبت بسحاب وقال ابن بسام في الذخيرة في ترجمة ذي الوزارتين الكاتب أبي الوليد ابن زيدون وصاحب الذخيرة خير من يصور الرجال ومناشئهم وأحوالهم: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم. وخاتمة شعراء مخزوم. احد من جر الأيام جرا. وفات الأنام طرا. وصرف السلطان نفعاً وضراً. ووسع البيان نظماً ونثراً. إلى أدب ليس للجدول تدفقه. ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه. ولا النجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المباني. شعري الألفاظ والمعاني. اخبرني غير واحد من وزراء إشبيلية قال: لما خلص ابن عبد البر من يد عباد. خلوص الفرزدق من يد زياد. بقيت حضرته من أهل هذا الشان. أعرى من ظهر الأفعوان. وأخلى من صدر الجبان. فهم باستخلاف أبي محمد ابن الباجي المشهور أمره الآتي في القسم الثاني من هذا الديوان ذكره فكان أبا الوليد غص بذلك ووطأ أبا محمد بن الجد على الإشارة بالاستغناء عما هنالك فكأنت الكتب تنفذ من إنشاء أبي الوليد إلى شرق الأندلس فيقال: تأتي من إشبيلية كتب هي بالنظم أشبه منه بالنثر. وقد أجرى ذكره أبو مروان بن حيان في وصف من كان اصطنع ابن جهور من رجال دولته فقال: ونوه بفتى الأدب وعميد الظرف الشاعر البديع الوصف أبي الوليد احمد

стр. 1157

بن زيدون ذي الابوة النبيهة بقرطبة والوسامة والدراية وحلاوة المنظوم والسلاطة وقوة العارضة والافتنان في المعرفة وقدمه إلى النظر على أهل الذمة لبعض الأمور المعترضة وقصره بعد على مكانه من الخاصة والسفارة بينه وبين الرؤساء فأحسن التصرف في ذلك وغلب على قلوب الملوك. وقال ابو مروان وكان أبو الوليد من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة في أيام الجماعة والفتنة وبرع أدبه وجاد شعره وعلا شأنه وانطلق لسانه فذهب به العجب كل مذهب وهون عنده كل مطلب وكان علقه من عبد الله بن احمد احد حكام قرطبة ما اداه إلى السجن فالقى نفسه يومئذ على أبي الوليد بن جهور في حياة والده أبي الحزم فشفع له وانتشله من نكبته وصيره في صنائعه ولما ولي الأمر بعد والده نوّه به واسنى خطته وقدمه في الدين اصطنع لدولته واوسع رايته وجلله كرامته ولم يقنعه ذلك فيما زعموا فاتفق أن عن له مطلب بحضرة ادريس الحسني بمالقة فأطال الثواء هنالك واقترب من ادريس وخف على نفسه واحضره مجالس أنسه فعنف عليه ابن جهور وصرفه في السفارة بينه وبين أمراء الأندلس فيما يجري بينهم من التراسل والمداخلة فاستقل بذلك بفضل ما أوتيه من العارضة بالنسب والجاه والمنفعة ولم يغنه ذلك عن التهافت في الترقي لبعد الهمة فهوى عما قليل إلى عباد صاحب إشبيلية فهاجر عن وطنه إليه ونزل في كنفه وصار من خواصه وصحابته يجالسه في خلواته ويسفر له في مهم رسائله على حال من التوسعة وكان ذهابه لعباد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. قال أبو الحسن: فاما سعة ذرعه وتدفق طبعه وغزارة بيانه ورقة حاشية لسانه فالصبح الذي لا ينكر ولا يرد والرمل الذي لا يحصر ولا يعد اخبرني من لا ادفع خبره من وزراء إشبيلية قال: لعهدي بأبي الوليد قائماً على جنازة بعض حرمه والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم فما سمع يجيب أحداً بمثل ما أجاب به غيره لسعة ميدانه وحضور جنانه. وقد اخرجت من أشعاره التي هي حجول وغزر ونوادر أخباره التي هي مأثر وأثر ورسائله التي اخرست السنة الحفل (ما ستتلوه) ثم ذكر له ما يتعلق بذكر وفاة ذي الوزارتين فصل من تاريخ الشيخ أبي مروان ابن حيان رأيت اثباته لنبل مساقه وحسن اتساقه يقول فيه: وفي يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين وستين وأربعمائة سار الحاجب سراج الدولة عباد بن محمد إلى إشبيلية الحضرة الاثيرة لمطالعتها وتأنيس أهلها

стр. 1158

من وحشة خأمرت عامتهم من أجل عدوان رجل منهم على يهودي زعم أنه سب الشريعة فبطش به المسلم وسط السوق وجرحه وحرك عليه العامة فقبض عليه صاحب المدينة عبد الله بن سلام واعتقله فكان لعامة الناس في إنكار حبسه كلام وإكثار فخاطب السلطان بقرطبة بما كان منه ويستأمره في شأنه فعجل انفاذ ولده الحاجب سراج الدولة إلى إشبيلية في جيش كثيف من نخبة غلمانه ووجوه رجاله لمشارقة القصة والاحتياط على العامة وانفذ معه ذا الوزارتين أبا الوليد بن زيدون أحد الثلاثة كابري وزرائه المثناة وزارتهم مع الحاجب على بقية وعك كان متألماً منه ولم يعذره في التوقف من اجلها فمضى لطيته مسوقاً إلى منيته وخلف ولده ابا بكر الفذ الوزارة المرتسم بالكتابة وراء ساداً مكانه بالحضرة فأقر فيها أياماً ثم أمر بالمسير وراء والده لأمر كلفه فعجل بالانطلاق له فمضى غداة يوم السبت من ثمان خلون من المحرم سنة ثلاث وستين فخلت منهم منازلهم بقرطبة وصيرت على سواهم فتحدث الناس بيبو مكان الأديب ابن زيدون لدى السلطان وبما جرى من الحظيين لديه ابن مرتين وابن عمار في ابعاده وابعاد ابنه واحتوائهما على خاصة السلطان وتدبير دولته ولم يطل الأمد بابن زيدون بعد لحاق ابنه به ووجدانه إياه متزايداً في مرضه نازحاً عن ألافه على جهد في استدعائها على أنتهاء المدة وانتهاك القوة فاستقر به وجعه إلى أن قضى نحبه وهلك بدار هجرته إشبيلية صدر رجب سنة ثلاث وستين فدفن فيها مشهوداً مفتقداً واحتوى تربها عليه فيا بعد ما بين قبره وقبر ابنه لدينا رحمة الله عليهما. ولقد اتصل خبر هلكه بعشيرته أهل قرطبة فتنازعوه وسيئوا لفقده وحزنوا عليه إذ كان منهم متعصباً لهم هاوياً إليهم حدباً عليهم والبقاء لمن تفرد به وحده. وقد عزى اخوانه عنه امتداد بقاء فتاه الندب أبي بكر ولده بعده ساداً ثلمه سامياً مسماه غائطاً عداه عاطياً منتهاه مع شماخة ودماثة وحصافة ونزاهة ومعرفة ووفور حظ من أدب بلاغة وكتابة وشركة في التعاليم المعلية واشتداد في رعاية متقادمي الذمة لم يفقد اخوان أبيه معها الا عينه هو. اما شعره فمعروف سائر على الألسن. وقد افضنا في الكلام على ديوانه في غير هذا الموضع من هذا الجزء. واما نثره فقليل في الايدي لم يشتهر منه غير رسالتين مفردتين لم ينسج ناسج على منوالهما إحداهما رسالته في التنكيت على احد وزراء عصره وهي التي

стр. 1159

شرحها الأديب المشهور ابن نباته السعدي. والثانية رسالته التي كتبها وهو في الحبس يستعطف بها أمير مصره وقد شرحها صلاح الدين الصفدي (وطبع هذان الشرحان في الديار الأوروبية) ومتى ساعدنا الوقت نشرناهما لكثرة ما فيهما من التلميح للأمور التاريخية التي يجدر بكل أديب الوقوف عليها وقد أحببنا أن ننشر له بعض الرسائل التي ذكرها صاحب الذخيرة نقرأوها في باب الصحف المنسية.

стр. 1160

ثروة العرب قد يظن من يطالع تاريخ الإسلام بدون أن يعمل نظره معمله أن مايراه في تضاعيف سطوره من أخبار الثروة وطول ارقامها وتفإني الباحثين عنها والمتفإنين في نيلها ضرباً من ضروب الغلو ساق إليه تسرع المؤلف او اختلاق منه ليجعل لمن يتكلم عنه وقعاً في النفوس ويحبب إليها مطالعة كتابه خصوصاً والبشر في كل دور من ادوارهم كادوا يجعلون الدينار معبودهم. لو لم يرد إحصاء الثروة الإسلامية في كتب الثقات ما كان كلام بعضهم عنها بحيث يصبح نقله. فقد لقي الرسول ﵊ ربه وحاله من الزهد في المال والرفاهية حاله واستن معظم أصحابه بسنته وكان من أمر أبي بكر وعمر وعلي من الزهد في المال ماشاع ذكره وظهر أثره وتحدث به السمار في الامصار. قال معاوية وقد ذكر المال (اما ابو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده واما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها واما عثمأن فأصاب منها واما نحن فتمرغنا فيها ظهراً لبطن) على هذا النحو كان التأثل والارتياش راح الخليفة الأول وأسباب الفتوح معدودة ولم يصل قواده إلى أقصى جزيرة العرب ليفتحوا بلاداً عأمرة كفارس ومصر والشام كانت خزانة الثروة والأموال بما كان فيها من حضارة قديمة وإنما تهيأت الفتوحات وكثرت الغنائم أيام الخليفة الثاني ففتح الله للمسلمين تلك البلاد الغنية فعف عنها هو معظم أصحابه وكان يصادر من عماله من يجمع مالاًُ من غير حله. أما الخليفة الثالث فأخذ نصيباً من الدنيا هو وعماله وربما اغرق هؤلاء في نيلها بطرق لم تعهد زمن الخليفتين السالفين لان معظمهم من انسبائه وخاصته لا يحاسبون فيما هم فاعلون حتى إذا جاء الخليفة الرابع أراد إرجاع الخلافة إلى طورها اللائق وقتر على نفسه وعلى خاصته وذويه ولم يتسع له الوقت حتى تظهر فيها أخلاقه بالقول والفعل لاشتغاله بدفع غوائل الفتن. جاء معاوية فإنقلبت الخلافة إلى ملك عضوض وبدأ يستكثر من المال فيعطيه الأديب والطبيب والخطيب والفقيه والكاتب والقائد والعامل ومن ماثلهم يجعلهم عدته في توطيد الملك له ولذريته فكثرت الأموال والناس على دين ملوكهم. ولم يكن الا قليل حتى ابدى عبدة الدرهم نواجذهم من غير نكير وكاد ينسى ما كان عليه أهل الصدر الأول الا قليلاً ففي حوادث سنة اثنتين وثلاثين (أن الدنيا اتسعت على الصحابة حتى كان الفرس يشترى
следующие страницы →