Полный текст (6 802 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
والمسافات وقد دفع بظواهر الحركة الاجتماعية إلى الرُّقيّ فلم تتزايد طرق المواصلات فقط بل اختصرت بحيث استحالت الساعات دقائق والأيام ساعات والشهور أياماً والسنون شهوراً. فقوى الحركة الحية التي لا تنضب قد سهلت الصلات بقصر المسافات في لمحة بين أقطار المسكونة التي تتبادل للحال نتائج نجاحها وأفكارها وأعمالها. ثم رأى المرء نفسه في حاجة تضطره إلى أن يقوم على الصناعات والعلوم بدون وناء وأن يستخدم قواه العقلية بأسرها ويوجهها نحو خصومه في البلاد الأخرى إذ ليست المسابقة مقصورة على شعب واحد ولا على بلد واحد بل قد امتدت شرارتها في أطراف الأرض واتصلت بأمم الكرة الأرضية كلها وخصوصاً بين من توفرت فيهم شروط الإنتاج والعمل. ومع هذا فلم يقف عقل الإنسان عند حد اختراع السلك البرقي والآلات البخارية بل قد تعداهما إلى خرق الأنفاق في الجبال العظيمة وحفر الترع في القفار والأصقاع المستنقعة حبَّ تسهيل الصلات بين أنحاء الأرض المختلفة وتنشيطاً لمقايضة غلات الأرض وثمرات العمل والذكاء.
ومن نتائج المواصلات السريعة العديدة بين الأرجاء الكثيرة والبلاد الشاسعة والأجناس المختلفة الطباع واللغات انتشار أفكار التمدن الحديث بين جمهور الناس والتسامح مع الآراء المتضادة. ثم أن الحاجة مست في تعليم الطبقة النازلة من الناس وتلقينهم احترام الإنسانية والبلوغ بهم إلى تكريم الوطني بتعليمهم حقوقهم وواجباتهم.
ومما تم في هذا القرن الجليل إعطاء المرأة حقوقها وتحريرها من رق العبودية التي رسفت في قيودها من قبل قروناً متطاولة فقد أنالها حقوقاً ساوت بها حقوق الرجل فصارت بذلك جديرة أن تربي أولادها وتلقنهم حب العمل وتطبعهم على بغض الرذيلة لإصلاح ما اختل من أحوال المجتمع البشري. ولم تكن حال النسوة في عصر من الأعصار مشابهة لحالهن اليوم فقد نلن بفضل القوانين المسنونة حظاً من العلم والأدب تشتد به سواعدهن في التغلب على مشاق الحياة. وقد عنيت معظم حكومات أوربا بإنشاء مدارس عالية وابتدائية لتعليم الفتيات العلم وتلقينهن أساليب العمل وإذا صحت عزائم الأفراد على اتباع سيرة الحكومات ومضافرتها في هذا السبيل من إنشاء المدارس للبنات ترتقي آداب المجتمع الإنساني ويحيى نظام العالم حياة طيبة رغيدة.
стр. 142
وقصارى القول فقد علمت مما مر بك بعض حسنات هذا القرن ولا يفوتك علم ما يناقضها. ومن نظر بعين البصيرة يتضح له كل الوضوح أن القرن التاسع عشر أفاد المجموع أكثر من الآحاد وإذا نظرت كل شيء في الوجود نظر المستبصر تراه ذا وجهين وجه النور ووجه الظل وأحدهما نتيجة لازمة للثاني. فإنك ترى الظافر في الحروب العظمى الوطنية يسكره النصر فيحتفل بما يؤيد تاريخه ويترنم بالأناشيد الوطنية ليخلد آثار سلاحه في رقاب الأعداء ويسجل عظمة أمته ناسياً ما أهرقه من الدماء وألوفاً من النفوس التي قضت نحبها في ساحة الوغى وألوفاً من العجزة من جراح أو أمراض أصابتهم في الحرب وكثرة الأيامى واليتامى ممن قضت عليهم أعمال القوة الوحشية أن يرفعوا باستلال أرواح ذويهم مجد أمته وعظمتها.
وبعد فلا يخفى أن كثرة انتشار الذكاء الإنساني في القرن التاسع عشر وازدياد مواد الغلات زيادة لا تنقطع بما تهيأ لها من وسائط العمل الطبيعي والعقلي وجمع الثروات العظيمة وسمو منزلة الذكاء الأدبية قد ولدت كلها سلسلة من الأهواء كانت فيما مضى مقصورة على طبقة قليلة من الناس. ذلك أن الإفراط في حب السلطة والصيت والطمع في الغنى والشرف وشدة الظمأ إلى البذخ والشهوات كان في القديم من خصائص الطبقة العالية والطبقة الغنية في الأمم فتناول اليوم أهل الطبقة الوسطى حتى أرادت السير على مناحي الطبقة العليا حذو القذة بالقذة. إذا عرفت هذا فقد ثبت لك أن الطموح إلى المطالب العالية والذهاب بفضل الشهرة لم يعم قط كما عم في النصف الأخير من القرن التاسع عشر. وقد أهلك هذا المرض الوبيل عدداً من القتلى أكثر مما أهلك من طبقات المجتمع المختلفة في أيامنا. ولئن تولدت الرغبة في الشهرة أحياناً من شعور شريف كريم وحملت المرء أن يفادي بمصلحته بل بحياته الخاصة توقعاً للنجاح فهذا الهوى يتبعه العجب أحياناً فيسود صحيفة صاحبه بحيث يبعده عن غايته المقصودة فيحدث أحياناً هيجاناً عصبياً يستحيل إلى زيغان في العقل واختلال في المدارك.
وهنا سؤال وهو لم كانت هذه الاضطرابات العقلية والأدبية؟ فالجواب عنها جواب لا يحتمل الريبة والمغالطة إن ذلك ينسب إلى ميل أبناء عصرنا فقد افتتن الشبان بأبهة الشهرة كأنها الغاية الأصلية في الجهاد الإنساني وكأنها غاية السعادة التي ينبغي الطموح إليها.
стр. 143
حتى أن الحكومات لتساعد حباً بزيادة نوابغ أبنائها على تنمية العجب وحب الذات في النفوس وتأصلهما في تلك القلوب الفتية الراغبة في المراتب العالية بما ينهال عليها من المكافآت الغرارة والتشريفات الزائلة وبعد أن تلقي أذهانهم خيالات غايتها تحسين مستقبلهم تتركهم وشأنهم على حين يدخلون معترك الحياة الحقيقية للشروع في الجهاد. نعم تسلمهم لقوتهم الخاصة عوضاً عن أن تكفل لهم ما يستطيعون معه أن يقوموا بواجبات صناعة شريفة.
ثم إن ارتقاء الأفكار الدستورية واشتراك الوطنيين كافة في الحقوق المدنية والسياسية والرغبة في الاشتهار بالمجادلات في دور الندوة قد كان من نتائجها الطبيعية الطمع في الزعامة وحب السلطة بحجة الرغبة في تحسين حال الأمة واتخاذ أسباب السعادة العامة. يشترك في الدعوة إلى هذا الأمر جميع طبقات الأمة. وكلما تأصلت الأفكار الجمهورية في العادات والقوانين زادت اللهجة بذلك وتوفر القوم عليه.
وهناك شيء آخر وهو أن الرغبة في المناصب والمراتب زادت زيادة خرجت فيها عن طور التعقل وحدود الاعتدال حتى عند من لم تساعدهم ملكاتهم على تحقيق شيء مما ينالونه. وأن قلة تمييز الحكومات بين مختلف الكفاءات والملكات في رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات قد دق عنق العدل وقتل روح المباراة وأطفأ نور القرائح قبل انبعاثه فصارت تعبث الشفاعة بالكفاءة الشخصية. فنتج من ذلك أن عدداً عظيماً من الفتيان رأوا بلوغ المراتب ومنازل التشريف غاية عملهم الوحيد فراح بعضهم يطمح فيها للوصول إلى الغنى وبعضهم يميل إلى الغنى للوصول إلى المراتب واتخاذ أسباب التصدر وكان عليهم أن يكون العمل سبب السعادة وغايته العالية.
بيد أن العلم والصناعات كانت عند كثيرين القاعدة التي استندوا إليها لبلوغ المناصب الاجتماعية السامية وسهلت لهم أسباب الغنى. وقد تولد من الطمع في التمول حب الشهوات والبذخ التي ما برحت تزداد نمواً في الطبقات الاجتماعية عامة كل يوم. وليس معنى البذخ الذي هو مقياس الثروة والغنى أو مظهر من مظاهر الراحة القائم بإنفاق مبالغ طائلة لامتلاك مجاميع جميلة من الأعلاق والنفائس أو العاديات المجلوبة من أقطار عديدة بل إن معناه الإشارة إلى النجاح والذكاء في كل من يحبون أن يشتهروا بحسن الذوق أو حب
стр. 144
الصناعات والفنون. وما أقبح بذخاً غايته أن يحدث ضرورة ويستر في مطاويه الشقاء تحت رداء جميل من التمويه أو أن تكون غاية من يجعله ديدنه إغواء الناس ليخرج من ضائقة ويستلفت الأنظار إلى غناه فيربح من ذلك ما يسد مخمصته وينيله بغيته.
ومن أعظم الأعمال التي قامت في هذا القرن تأليف الشركات فإنها انتهت بتأسيس مشاريع عظيمة للانتفاع بموارد غلات الأرض وتنمية صناعتها. وهكذا كان من تأليف الشركات المالية وجمعيات الإحسان وأعمال وإن أسفرت عن معاضدة الثروة العامة فقد قطعت أيدي كثيرين عن العمل وأضعفت من همم الأفراد وخربت بيوتاً كانت من قبل عامرة. فإن ما يعمله الجماعة يستحيل على الفرد القيام به. وقد أكثرا اكتشاف ركاز كاليفورنيا وأوستراليا والترنسفال من الذهب في الأيدي وكانت التجارة في غنى عنه فنقص سعر الذهب وزادت قيمة المصنوعات والحاجبات مما جعل الإنسان في أحرج المواقف من جهاد الحياة. ونتج فقر وغنى من جمع رؤوس أموال عظيمة وتأليف جمعيات صناعية ومالية كبرى بل كان من وراء ذلك فراغ يتعذر إشغاله تعذر إملاء فنطيس (برميل) الدنائيد إذ بعدت غاية عملنا بقدر امتداد دائرتها وانفصمت عرى الموازنة بين رغائبنا وأسبابنا فبذلت القوى العصبية وأجهدت القرائح فوق طاقتها فكان من ذلك أمراض عصبية كثيرة.
стр. 145
التصوير والرسم
ما برح أهل الأخصاء في مدينة الإسلام يعجبون من كونها بلغت عند أهله شأوا بعيداً على حين لم يكن لهم هوى في التصوير والرسم كما لأهل المدنية من الأمم الغربية لهذا العهد مثلاً فيحكم أولئك الباحثون حكماً إجمالياً على مجموع ما قام من تلك المدنية بجزء طفيف اطلعوا عليه منها.
نعم حظر الإسلام رسم الأشخاص مجسمة على حجر أو خشب أو نحوه تفادياً من أن يرجع العرب إلى عبادة الأصنام والوثنية التي جاء الإسلام للقضاء عليها. أما الرسم الذي يمثل الأجسام إلى حد ما فهو مباح لا حظر فيه ولا وزر على فاعله. والدليل على ذلك أنه كان يرد على الصحابة أقمشة من بلاد الروم وفارس رسمت عليها صور أشخاص وغيرهم فاستعملوها في ألبستهم وفرشهم وأثاثهم وتحاشوا من وضعها في مكان عال فلم يجعلوها ستائر للنوافذ ولم يعلقوها على الجدر مخافة أن يشعر ذلك بتعظيمها.
أما رسم المسائل العلمية وتصويرها كالنبات والبيطرة والحيوان والهندسة فقد استعمله المسلمون بحسب الحاجة إليه. نرى مثلاً من إجادتهم في هذا الشأن من رسوم كتب أبقتها لنا الأيام ومنها كتاب كليلة ودمنة الذي عرب في القرون الأولى وشاع بين الطبقات كافة مزيناً بصور الأشخاص. وكذلك مقامات الحريري فقد نقل لي من زار مكتبة باريس أن فيها نسخة من المقامات مصورة بأبدع الصور كتبت في القرن السادس. ولابن عربشاه الدمشقي كتاب فارسي اسمه المرزبانامة مزين بالصور أيضاً.
قال أحد العلماء الأعلام في أحوال الإسلام. أفرط الأوربيون في استخدام الصور والرسوم حتى صار مصوروهم يتخيلون من ضروب التصوير ما لا يتحقق في الحس وابتذل التصوير والرسم حتى صرت إذا قلت للغربي أنك زرت البلد الفلاني مثلاً ولم تأته بصور شمسية يكاد لا يفهم منك ولو كنت من الفصاحة بحيث يشترك في درك ما تقوله الكبير والصغير مما يكاد يدل على أن تلك الأمم لا تقبل أذهانها إلا المحسوسات وتدق عن تصور ما لا تراه في صورة مرسوماً رسماً مجسماً. قال وليس من العقل تصوير كل الكتب ولا جعلها خلواً من الرسوم بتة مع مسيس الحاجة إلى التصوير ولاسيما في المسائل العلمية والأدبية وأن الإكثار من الرسوم يضعف قوة التصوير.
ومن العجيب أن المسلمين وأن حظر دينهم التجسيد والهياكل والتماثيل فقد أبقوا في مصر
стр. 146
على ما وجدوه منها مثل تمثال أبي الهول فإنه بقي سالماً إلى قبيل القرن الخامس حتى إذا اشتد التعصب قام بعض الجهلة يتقربون إلى الله بالعبث بها وقد ذكر ذلك عبد اللطيف البغدادي الفيلسوف المشهور في رحلته ورد عليهم رداً تفهم منه أن المسلمين كانوا من التسامح بحيث لا يطيلون يد الأذى حتى لما حرمه شرعهم.
نقل ابن أبي أصيبعة أن الملوك من اليونانية وغيرها كانت تعلم أولادها الحكمة والفلسفة وتؤدبهم بأصناف الآداب وتتخذ لهم بيوت الذهب المصورة بأصناف الصور قال وإنما جعلت الصور لارتياح القلوب إليها واشتياق النظر إلى رؤيتها فإن الصبيان يلازمون بيوت الصور للتأديب بسبب الصور التي فيها وكذلك نقشت اليهود هياكلها وصورت النصارى كنائسها وبيعها وزوق المسلمون مساجدهم.
стр. 147
انحطاط الأخلاق
من البديهي أن للخلق عملاً كبيراً في الحياة الإنسانية يظهر أثره على كل فرد من أفراد النوع والحكم في هذا ثابت بالاستقراء مؤيد بالبداهة لا حاجة بنا إلى الفلسفة فيه وإقامة الدليل عليه. وإنما نريد أن نذكر من أثره في مجموع الأمة ما أصيب به أهل المشرق من الانحطاط الناشئ عن ضعف الأخلاق وفساد ملكات العلم بوسائل الحياة الطيبة التي يتمتع بها أمم غيرهم.
لا خلاف بين الباحثين في طبائع الأمم المشتغلين بتقصي أحوال الاجتماع في أن المدينة وإن كانت أثراً جميلاً من آثار ترقي الشعوب وتخلص العقل من قيود التقليد وتخلصه من أسر البداوة إلا أنها مرتع خصيب لجراثيم الأدواء المفضية إلى انحطاط الأمم التي تنو بنمو الحضارة وتتربى في أحضان المدنية. ومن ثم كانت المدنية أشبه بمرتفع ذي سلمين للصاعد والهابط لا ينتهي صاعده في الصعود حتى يبدأ بالنزول ذلك لأن الاستغراق في المدنية مدعاة للاستغراق في الملاذ بما يتوفر فيها من أسباب الراحة ودواعي الرفاهية وهما مجلبة الفساد الذي يتخلل أعضاء المجتمع فإما أن يتمكن منه فيرديه وإما أن يطاوله فيؤذيه.
وأكثر ما يظهر ذلك الفساد في الأمم العريقة في الحضارة البعيدة العهد بسلامة الفطرة حيث يتناهى بها الضعف الناشئ عن طول عهدها بالملاذ ويتولاها العجز عن مقاومة الفساد المتمكن في النفوس والأخلاق فتصير إلى حالة من الانحطاط تشبه حالة المريض بمرض معد كل من خالطه سرت إليه عدواه.
هذا شأن أمم الشرق التي توغلت في عصور المدنية منذ ابتدأ تاريخ الاجتماع البشري فكانت أقدم الشعوب عهداً بالتمدن لذا صارت إلى ما صارت إليه من الانحطاط وإهمال القيام على التربية الصحيحة التي تقاوم أعراض الضعف المتأتي عن الانغماس في المدنية والإمعان في سبيل الرفاهية وصار الغرب مع ما توفر فيه من أسباب الترف والحضارة أرسخ قدماً في المدنية وأبعد عن مكان الضعف لجدة مدنيته وقيامها على أصول التربية الصحيحة بما تسنى لأهلها من وجود بعض المخترعات النافعة كالمطابع التي أفادت الغربيين في تعميم العلم وتعليمه فوائد لا تحصى مع أن الطبع وجد قبل ذلك عند الصينيين من أهل المشرق ولم يستفيدوا منه ما استفاده الغربيون في رفع بنيان مدنيتهم على دعائم العلم الصحيح. ذلك لما قلناه من أن أمم المشرق الموغلة في الحضارة قد تولاها الضعف
стр. 148
عن النهوض بما أفسد طول أيام حضارتها من أخلاقها منذ عصور بعيدة أو آلاف من السنين حتى صارت من ذلك إلى حال تشبه حال المريض الذي يعدي السليم. وليس فساد الأخلاق في المشرق بقريب عهد بل هو يغلغل فيه من عهد طويل بدليل ما نقل في التاريخ عن أحد قناصل رومية أنه قال إنا وإن غلبنا الشرقيين وهزمناهم ودوخنا ممالكهم إلا أنهم ثأروا منا بأن تركوا لنا مع هذه الممالك أخلاقهم المنحطة.
وفي الحقيقة أن الرومانيين وإن بلغوا من عزة الملك والسلطان باستيلائهم على المشرق ما بلغوه إلا أنهم منذ وطئوا بأقدامهم أرض المشرق خطوا الخطوة الأولى إلى الانحطاط بما تسنى لهم فيه من وسائل الترف التي كانت متوفرة يومئذ عند الشرقيين فغلبت على نفوسهم الشهوات وحب الراحة والتنعم بنعيم أهل المشرق ففسدت فطرتهم البدوية التي مهدت لهم بسلامتها من شائبة الحضارة سبيل الغلبة على القرطاجيين والرفس وغيرهم والتسلط على الغرب والشرق حتى إذا خالطوا أمم المشرق التي كان لها حظ من الحضارة ولم يحتاطوا لأنفسهم من آفات المدنية الشرقية التي تسممت بفساد الأخلاق سقطوا من حالق مجدهم ذلك السقوط المريع وغشيهم بعد ذلك من الضعف والذل ما ذهب بدولتهم. ومحا من عالم الاجتماع اسمهم. وحسبك أن تعلم مبلغ انحطاط الأخلاق في دولة الرومانيين في المشرق من تعاليم عيسى ﵊ التي ترمي إلى الزهادة في نعيم الدنيا لتقف بالقوم عن الإمعان في مذاهب الشهوات والاستسلام لمطالب النفوس الهائمة بحب الانطلاق عن كل قيد. وهذا شأن المشرق أيضاً مع من سبق من الرسل أصحاب الشرائع التي جاءت كلها لتقويم أود النفوس وإنما تنزل هذه الشرائع عند الحاجة كما هو معلوم بالضرورة فكان المشرق لاستحكام الحضارة في أهله وتأصل فساد الأخلاق فيه لم تنقطع حاجته إلى رسول أو شريعة تقوم منآد ساكنيه.
وما أصاب الرومان من مخالطة الأمم المتحضرة من سكان المشرق أصاب العرب أيضاً فهم وإن كانوا من أهل المشرق غير أنهم من شعوبه البدوية التي تسيجت من تطرق الحضارة إليها بسياج واق من الصحاري الشاسعة التي تحيط بجزيرتهم حتى إذا بعث الله نبياً منهم بشريعة تدعو إلى الخير وترمي إلى تهذيب أخلاق الأمم ونهضوا لنشر هذه الدعوة وتقدموا للفتح كان لهم من سلامة الفطرة وطهارة الأخلاق ممهد عظيم لبسط جناح
стр. 149
السلطة على الممالك القديمة وفي جملتها بقايا مملكة الرومان الشرقية. ولما تمكن لهم السلطان في الأرض واختلطوا بأهل الحضارة والترف من أمم المشرق غلبوا على أخلاقهم وأسرعت عدوى الفساد إليهم فلم يلبثوا إلا جيلاً أو بعض جيل حتى أخلدوا إلى الراحة ونسوا حظاً مما ذكروا به وحملوه من دعوة الخير والإرشاد إلى الأمم فانحطت أخلاقهم وزالت سطوتهم، وذهبت مع الذاهبين دولتهم.
يظن بعضهم أن ما منيت به مدينة الغرب لهذا العهد من فشو الفاحشة والتهتك بين أهلها هو نتيجة الإيغال في الحضارة والنزوع إلى الشهوات وأن فساد الأخلاق المؤذن بتلاشي الأمم إنما هو محصور بمثل هذه الرذائل الفاضحة وليس الأمر كذلك إذ أن هذه الرذائل وإن كانت من نتائج الحضارة ولها أثر قبيح في المجتمعات المدنية فهي بعض من كل ما ندعوه فساد الأخلاق ونراه مظنة انحطاط المشرق وأهله. إذ من المعلوم أن الأخلاق الفاضلة وأضدادها كثيرة جداً كالكرم والبخل، والعفة والشره، والشجاعة والجبن، والصدق والكذب، والأمانة والخيانة إلى غير ذلك من الملكات التي منها ما يكون بالفطرة ومنها ما يكتسب بالتربية وتولده في النفوس البيئة أو الوسط الذي يعيش فيه الإنسان. وضرر الكذب مثلاً إذا تفشى بين قوم أشد خطراً على حياتهم الاجتماعية من التهتك. لأن الكذب آلة كبيرة من آلات الفساد تهدم ركناً عظيماً من أركان المدنية وهو الثقة التي هي روح التجارة والصناعة في كل عصر ومصر. وكذلك الجبن مثلاً فإنه إذا استحوذ على النفوس أضعفها وانتزع ملكة الإقدام على جلائل الأعمال وحرم أربابها ثمرة الاعتماد على النفس والمجاهدة في سبيل الحياة. وهكذا يقال في كل خلق من الأخلاق الفاسدة كمال يقال بالعكس في الأخلاق الفاضلة. ومن أطلق على الشر نظر المتأمل ورأى ما تفشى بين أقوامه من ضعف النفوس، ووهن العزائم، وفقد الثقة والأمانة، والنميمة، والرياء، والكبرياء الباطلة، والعيشة الخاملة، والرضا بالقديم، ومعاداة العلم وغير ذلك من الأخلاق السافلة التي قضت بالشقاء على المشرق وأهله علم أن ما أصاب مدنية المغرب من الاستهتار وشيوع الفاحشة ليس بشيء في جانب ما يرى ثمة من الثقة المتبادلة، والأمانة في المعاملة، والاعتماد على النفس في معترك الحياة، والنزوع إلى المزيد من القوة والعلم والثروة، وحب الحرية، والصدق في العمل والقول، والبعد عن المداهنة والرياء، خصوصاً للقادة والزعماء، وغير
стр. 150
ذلك من الأخلاق العالية التي أصبحت سياجاً للمدنية الغربية يقيها سرعة السقوط فيما سقطت فيه المدنية الشرقية من الضعف والفساد.
ورب قائل يقول إن من المحال إذن تخلص الشرقيين من حبائل الانحطاط في الأخلاق واستئصالهم لمرض الضعف الذي نما فيهم بمرور الأجيال، نمو المرض القتال. والجواب عن هذا أن المحال، في الممكنات محال. وإذا نهض أهل المشرق لملافاة ما فات، والنظر فيما هو آت، وانتهجوا سبيل الأناة والتعقل، وكان لهم من القادة ما كان لإخوانهم اليابانيين فليس من المحال حصولهم على مدنية فاضلة تضاهي مدنية المغرب لهذا العهد. ولنا بهذا الصدد كلام آخر نرجئه لفرصة أخرى إن شاء الله.
القاهرة
رفيق العظم
стр. 151
الكتب والجراثيم
العاقل يأخذ من كل كلامه أطيبه ومن كل نصيحة أنفعها فلو أراد مثلاً أن يعمل بجميع ما يشير به علماء البكتريولوجيا ويعتقد بفعل الجراثيم اعتقادهم بها لانقطعت يده عن العمل ولسانه عن الأكل وأنفه عن الشم وجسمه عن الحركة ولكن الحكيم يأخذ الكلام ويزنه بميزان الإنصاف ويقلبه على محك البصيرة فلا يقبله أو يقبل منه إلا بعد عرضه على فيصل العقل ومحكم التجارب.
ارتأى أحد نطس أطباء الفرنسيين مؤخراً أن أحسن واقٍ للمرء من الجراثيم أن يطالع من الكتب ما صدر من المطابع حديثاً ويقطع أوراقها بمقطع من العاج إذ قد ثبت بالفحص البكتريولوجي أن في الكتاب الحديث قليلاً من الجراثيم التي لا تضر ولكن في دفات الكتب وتحت مغابن أوراقها التي تتداولها الأيدي كثيراً كأسفار المكاتب وغرف القراءة ألوفاً من الجراثيم القتالة يتجلى ذلك بالعين المجردة لمن يحدق فيها وفي كل سطح مربع من أمثال هذه الكتب ٤٣ جرثومة فيتكون من كتاب مؤلف من ثلاثمائة إلى أربعمائة صفحة عدد مدهش من الجراثيم. وليست كل هذه الجراثيم مما يضر ويؤذي على رأي علماء البكتريولوجيا بل أن معظمها من النوع الذي يكثر وجوده على سطح جلدنا ورأس أصابعنا وفي غبار الجو. ولكن الخطر كل الخطر آت من أولئك المسلولين أو الناقهين من الحمى الحصبية من ينظرون في تلك الكتب المعدة لقراءة الخاصة والعامة ويودعونها من سموم أمراضهم ما لا يشفى صاحبه. الخطر آت من أولئك المرضى الذين يسعلون ويعطسون ويمرون أصابعهم وهي مبتلة بلعابهم على صفحات تلك الكتب. فإن ما يتركه المسلول أثناء مرضه أو الناقه من الحمى في ثلاثين أو أربعين يوماً من نقاهته أو المصاب بالدفتيريا من الباشلس والجراثيم بين تضاعيف الأوراق لا يقدر مضرته إلا الباحث.
وليست الحوادث التي تدل على انتقال الأمراض المعدية بواسطة الكتب والرسائل والأوراق العتيقة بنادرة فقد أورد بعضها الدكتور لوب الفرنسي في تقريره إلى المجمع الطبي الباريسي ومن أعظم ما قصه من هذا القبيل ما شهدته بلدية خاركوف من أعمال روسيا من فتك السل في مستخدميها فتكاً ذريعاً وبعد البحث ظهر لها أن هذا المرض كان يفتك فيمن كان عهد إليهم العمل في سجلات الإدارة خاصة فسلمت أوراق تلك السجلات للبحث البكتريولوجي فثبت بعد الاستقراء أن أحد موظفي تلك الإدارة وكانت مهمته
стр. 152
الرجوع إلى تلك السجلات أصيب بالسل وكان من عادته أن يبل رأس إبهامه ليقلب أوراق دفاتره فأبقى بين أوراقها كمية وافرة من جراثيم مرضه نمت على الزمن حتى جاء من بعده وأخذت تسري إليهم.
ومن الأمثلة أيضاً أن امرأة وضعت طفلاً فكان الطبيب يطبها ويطبه على أحدث الطرق في منع الفساد فمات الطفل في اليوم الثالث عشر من يوم ولادته بعد أن خرجت له بثور متعددة ثم تناولت هذه البثور والدته فماتت بعد مدة أيضاً وكان سبب ذلك كتاب عتيق استعارته الأم من إحدى غرف المطالعة كانت تقرؤه وهي ترضع طفلها فنزع الطبيب جلد الكتاب وبعض ورقات منه فشهد فيه جراثيم ذاك المرض الذي قضى على النفساء وابنها.
وما برحت مسألة العدوى بالكتب شاغلة بال الباحثين من علماء الصحة. ويقولون أن الخطر في الكتب المدرسية عظيم جداً لأنها تنتقل من يد إلى أخرى حتى تتمزق وتسود ويحشر فيها من ضروب الجراثيم أشكال إلا أن بعضهم يقول إن الجراثيم لا يطول عمرها على صفحات الكتب كثيراً فباشلس السل يعيش مائة وثلاثة أيام وجرثومة الهواء الأصفر ٤٨ ساعة وجرثومة الخناق ٢٨ يوماً وباشلس الحمى التيفوئيدية يعيش من أربعين إلى خمسين يوماً. ويقول قوم أنه لا ينبغي أن يوثق بهذه الأرقام لأنه ثبت أن سم الخناق يعيش كثيراً في الثياب وأن أحسن الطرق أن تطهر الكتب وليس من طريقة لتطهيرها إلا بإمرارها على بخار فورمول إلا أنها إذا مرت عليه تهرأ الورق وتمزق بعد حين ولابد أن يمر الكتاب على هذا البخار صفحة صفحة. وحدث ما شئت أن تحدث عن العناء الذي يلقاه من يعهد إليه تطهير ألوف من الأسفار. وكيفما دارت الحال فإن النظافة مطلوبة شرعاً وعقلاً والوقاية لازمة واختيار الكتب النظيفة خير من القذرة. وعسى أن يكون فيما تقدم عظة لمن اعتادوا أن يعيروا الكتب والمجلات وينقلوها إلى أيدي كثيرين حتى ممن لا يعرفونهم فيقللون بذلك من عدد مبتاعيها ويجلبون بها جراثيم مضرة بهم.
стр. 153
قوة الجنس اللطيف
نظمتها للمقتبس وهي من باب النسائيات من الجزء الثالث من الديوان
هي للنعيم وإن شقينا موعدُ ... في كل يوم مخلف ومجددُ
لعب الزمان بنا على آمالها ... ما إن يحققها ولا هي تنفدُ
وأشد ما لقي امرؤٌ من نفسه ... أملٌ إذا اقتربت إليه يبعدُ
قالوا النسا خدُّ الزمان فهل ترى ... بسوي دماء العاشقين يوَرَّدُ
قالوا بنات الشمس في الدنيا وقد ... صدقوا لأن لظى الهوى لا تخمدُ
قالوا وأمثال النجوم لأنها ... ما حولها إلا ظلام أسودُ
إن النساء هي الوجود أما يرى ... كل الرجال لأجلها ما يُوجَدُ
هي في القلوب وكل شيء راجعٌ ... للقلب فهي لكل شيء موردُ
والقلب في نسج الطبيعة عقدة ... بين الهوى والرأي لم تلها يدُ
فإذا نظرت إلى العظائم لم تجد ... إلا إرادات النسا تتجسدُ
وإذا بحثت وجدت كل عظيمة ... في طيها نظرات أنثى تشهدُ
يدعونه الجنس اللطيف لضعفه ... فسل البخار بلطفه كم يجهدُ
ما الشأن في صغر الأمور وضعفها ... أين الرصاص إذا دَوَى والجلمد
السيف يقطع والردى ذو سطوة ... والنار تحرق والنسا تتودد
وإذا تقلدت الحليَّ فإنما ... مفتاح باب القلب ما تتقلد
ما البحر ملتطماً تضارب موجه ... كالغيظ في صدر امرئ يتردَّد
متواثباً كالشيخ يحرج صدره ... فتقوم (هامته) لذاك وتقعد
متنفساً نفس القتال إذا دَوَى ... وقع المهند يلتقيه مهند
متغيظاً حرداً فلولا أنه ... ماءٌ لسال أشعةً تتوقد
تثب العواصف فوقه وثب الجنو ... ن يظل يبرق إذ يهيج ويرعد
بأشدَّ من أنثى تكلفت الهوى ... وأتت بحيلة ضعفها تتنهد
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 154
روح جديدة
أخذت الأمة تنصبغ بصبغة الغربيين منذ أنشأت تأخذ العلوم عنهم وتختلط بالخاصة والعامة منهم. ومن ذلك إجلال رجال العلم والأدب أحياء كانوا أو أمواتاً. فقد بدأت في الشتاء الماضي بتأبين المرحوم فقيد الأدب محمود سامي البارودي وتلاوة القصائد والخطب على ضريحه يوم دفنه وأربعينه وثنت بتأبين حكيم الشرق الشيخ محمد عبده تأبيناً لم يسبق له نظير كما احتفلت في الصيف المنقضي بمترجم الإلياذة العالم سليمان أفندي البستاني. كل ذلك جرى في هذه العاصمة وهي مبعث العلم من بلاد الشرق العربي وثمال الأدباء وعصمة العلماء.
ولقد شهدت في النصف الأخير من ذي القعدة حفلة ثانية من تكريم الأحياء للأحياء أقامها جماعة من السوريين في نزل كونتننتال احتفاء بشكري أفندي غانم ناقل رواية عنترة إلى الفرنسية والشاعر المجيد بلغة الفرنسيين. وهو من أهل سورية غادر بلاده منذ ٢٥ سنة وصرف معظمها في الديار الفرنسية. فحضر الاحتفال نحو ثلاثمائة رجل من علية المصريين والسوريين والفرنسيين وغيرهم وتليت خطب وقصائد بالعربية والفرنسية فاض منها معين بلاغة العرب والعجم فتكلم بالعربية سليمان أفندي البستاني ومصطفى باشا كامل وخليل أفندي مطران وعبد الفتاح أفندي بيهم وأسعد أفندي داغر وبالإفرنجية يوسف باشا شكور والمسيو البان ديروجا وأيوب أفندي كميد وداود بك عمون وصاحب الحفلة.
احتفلوا بأديب خدم الأدب الإفرنجي. ولما كانت الأمة لم تبرح بعد في طفوليتها من حيث نهضتها العلمية فلا يزال احترامها مقصوراً على الأدباء في الغالب. وقد اذكرني هذا الاحتفال بما كان يجري من أمثاله في عصر الحضارة الإسلامية أيام كانت الأمة مدة العباسيين تكرم العلماء والأدباء كيف كانت نحلتهم ولغتهم. وكان هؤلاء يتحابون ويتآلفون كالأخوة من غير حرج ولا نكير. ومن قرأ كتاب المقابسات لأبي حيان التوحيدي يتجلى له أن العلم يجمع بين المتباعدين وإن كل من خمره العقل وعجنه التهذيب وخبزه العلم يتمسك بالجوهر ويطرح العرض وينظر من الأشياء إلى مقاصدها ومغازيها.
стр. 155
التعليم والتربية
السعي والعمل
نشر هذه الأيام رئيس نظار فرنسا المسيو دومر كتاباً سماه كتاب لا بنائي فاقتبسنا منه الفصل الآتي وهاك تعريبه قال: إن في العمل حياة والفكر والإرادة لا يعدان شيئاً إذا لم يكونا سلماً للعمل. إلا وأن العمل والنشاط والسعي من لوازم التوازن الأدبي والطبيعي في الإنسان وهي من شروط كيانه وفيها بقاء المجتمعات البشرية. ولقد فضت الفطرة أن يكون العمل فرضاً مادياً وجعله قانون الأدب واجباً. رجل العمل هو الرجل النافع لنفسه ولغيره ولبلاده. وتحتاج فرنسا أكثر من قبل إلى رجال عمل من أبنائها فرجال القول فيها كثير. وقد مدح أجدادنا بفصاحتهم منذ عشرين قرناً وينهال عليهم هذا المديح المضحك أيام السقوط والانحطاط خاصة. ولقد كان قيصر يذبح خطباء الغلوا ويجرهم دامية أجسادهم إلى مركبة ظفره ولطالما خطبوا وأجادوا وظلت بلاد الغول مستعبدة.
ومن السعادة أن نرى أهل جنسنا قد أظهروا في تاريخهم الطويل المجيد من القادرين على العمل أكثر من غيرهم تشهد بذلك ألفا سنة قضاها في العمل والحرب والمجد فمن الواجب أن نجد في أبنائنا اليوم ذاك الشعور بالعمل والإرادة فمستقبلنا وحياتنا مناطان بذلك.
فبالعمل المتواصل الفعال يظفر المرء بالنجاح في جهاد الحياة وميدان العالم فالعمل لازم للدلالة على أننا مطبوعون عليه متطالون إليه وذلك بدون وناء دون أن نعرف العنت والتعب. فبالعمل تستحكم قوى جسدنا وعقلنا ونحفظ صحتنا الطبيعية والأدبية. فالعمل هو الحركة والنشاط وإن شئت فقل هو الحياة بعينها. والجمود والبلادة في قلة الحركة وفي قلة الحركة الموت. وإن في العمل على اختلاف أشكاله عقلياً كان أو أدبياً أو طبيعياً لإشارة على الحياة الشديدة. تلك الحياة التي هي أليق بأن تكون شعار النفوس الكبيرة والتي يجدر بالمرء أن يحيا بها. هب يا هذا للعمل أحسن ما في حياتك فليس كل عمل سعياً والسعي هو العمل المستمر القانوني والعمل يوجد ويغير وينتج. ولا يكفى الانصراف إلى العمل جملة واحدة بل لابد لنا من السعي في العمل المنتج للخيرات العقلية والطبيعية. فالسعي هو أول قانون إنساني أبدي يقضي على الجميع أن يتوفروا عليه فبه تكبر النفوس وتشرف الأرواح وهو ضروري للسواد الأعظم وفرض على الجميع.
стр. 156
متع طرفك قليلاً في سير الإنسانية تجد أن السعي كان في كل دور من أدوارها شرطاً في حياتها وأداة في نجاحها فالبسعي والذكاء والنشاط تغلب الإنسان على الحيوان واستعبد قوى الطبيعة فالتمدن عامة وخصوصاً التمدن الأوربي العظيم هو ابن سعي الإنسان ففي السعي الحرية كما جاء في بعض الأناشيد. السعي يضمن لمن ينصرف إليه استقلالاً ووقاراً يتعذر نيلهما على العطل ولا يطمح إليهما. فهو للمعوز ضرورة مطلقة وفرض مادي مشروع كما هو فرض اجتماعي وللغني نافع له من حيث أنه ينتفع من مال حصل عليه غيره وأورثوه إياه والواجب عليه في هذا المعنى كالواجب على الفقير.
وليس عندي من النعوت ما يوصف به من لا يعمل ولا يسعى. أي فضل في الحياة وإعجاب بها عند من لا يود أن يساعد المجتمع بعمله أقل مساعدة وأن يجاري في العمل الاجتماعي والوطني. والغني في سعة من أن يسعى ولا يجب عليه السعي أكثر من غيره لأن الأسباب لديه على العمل أعظم ولأنه غني عما يكتسب به ضرورياته فينصرف إلى المطالب العالية ويسهر على المصلحة العامة. إلا وأن السعي رب الفضيلة والبطالة أم كل الرذائل كما جاء في المثل. ومن ألف الفراغ يصبح وجوده عدماً ضاراً بالمجتمع وبنفسه ولا يمكن الامتناع عن كل عمل فمن لا يعمل الخير يعمل الشر لا محالة فبالسعي الحياة وبالبطالة تفلج الأعضاء وتموت. حديد لا يستعمل يصدأ ودماغ وأعضاء تعفى من العمل تضعف وتسقم. فمن يشغلهم السعي ويعيشون عيش العاملين يسعدون بحفظ قواهم وصحتهم ولا يتأثرون بالمظاهر الخارجية والمناظر التي تدهم الكسل العطل. لا يأتون كل صباح إلى ميزان الحرارة تفكهة ولا ينظرون أحوال الجو ولا يحدقون في المرآة إلى لون ألسنتهم بل يعيشون ويعملون ويبددون ويحرقون الجراثيم المضنية التي تسطو على أجسادهم وعقولهم فهم سالمون طبيعة وأدباً لأنهم عاملون.
السعي يدعو إلى تحمل أعباء الحياة وشقائها القليل بنشاط ويمنح حسن الخلق والسرور وعلى العكس في البطالة فإنها تدعو إلى الافتكار في أقل ما يصادفه المرء من العوائق وتعظمها كما تعظم الآلام والأوجاع فتولد الحزن وسوء الخلق والسويداء وهذا المرض من أمراض النفس وهو مبعث أمراض الجسد.
стр. 157
صحف منسية
شعر فقيه
الشائع على الألسن أن شعر الفقهاء منحط عن شعر الأدباء ولكن هذا الحكم لا يصح على إطلاقه إذ ما كل فقيه جامد القول تافه الأساليب، وليس كل الناس المهذب والأديب. نعم وليس كل الشعراء منحلة قيود تربيتهم، معتلة عهود حميتهم وحماستهم. ومن المذكورين بالرحمة القاضي علي بن عبد العزيز (٣٦٦) الذي وصفه صاحب اليتيمة بأنه: فرد الزمان، نادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، ومجمع خط ابن مقلة، إلى نثر الجاحظ، ونظم البحتري، وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع الأرض وتدويخ بلاد العراق والشام وغيرهما واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلوم علماً وفي الكمال عالماً، وله من أبيات
وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال شيئان حرما ... عليَّ الغنى نفسي الأبية والدهر
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها العسر
وله:
وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسع ... فقلت ولكن موضع الرزق ضيق
إذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... ولم يك لي كسب فمن أين أرزق
وله:
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليساً
ليس شيء أعز عندي من العلم ... فما أبتغي سواه أنيساً
إنما الذل في مخالطة النا ... س فدعهم وعش عزيزاً رئيساً
وقال وهو مما هو يجدر بكل عالم أن يجعله نصب عينه ورهن أذهنه:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس إكراما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سلما
وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
стр. 158
إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما
انهنهها عن بعض ما لا يشينها ... مخافة أقوال العدا فيمَ أولما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لا خدم من لاقيت لكن لا خدما
أأشقى به غرساً واجنيه ذلة ... إذاً فاتباع الجهل قد كان احزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما
стр. 159
مطبوعات ومخطوطات
كتاب الأم
تنبه شعور رجال الأمة لهذا العهد بأن من أعظم أسباب النهوض الإهابة بالناس إلى العمل بما ألف من الكتب في القرون الأولى للإسلام لمحض خدمة المجتمع ونفعه الخالص بدون تقية ولا غرض. ولو رجع أهل كل مذهب من مذاهب أهل السنة إلى أصول مذاهبهم وطرحت كتب المتأخرين واختلافاتهم لضاق مجال الخلاف ولم يجد المماحكون سبيلاً لقول يقولونه. وقد عني حضرة العالم الأصولي ذي المعزة السيد أحمد بك الحسيني من أعاظم أهل العلم والعمل في مصر بأن طبع على نفقته كتاب الأم للإمام الشافعي ﵁. طبعه بالمطبعة الأميرية ببولاق بعد أن كادت تعبث به أيدي الضياع شأن كثير من كتبنا. فأتى من الشام ومصر والحجاز واليمن وألمانيا وغيرها بنسخ من أجزاء هذا الكتاب صار بها الطبع أصح ما ينبغي أن يكون بالطبع. وهو عمل عظيم لو حذا عشرة من رجالنا حذو السيد الحسيني لما بقي لأسلافنا بعد حين كتاب مهم تتوق إلى طلعته نفوس الخاصة والعامة فجزاه الله أحسن جزاء.
ولعل نفوس بعض القراء راغبة في أن تعرف من هو الشافعي وما هو كتاب الأم. فالشافعي لا مجال لترجمته الآن بعد ألفت الكتب الضخمة في ترجمته وتعداد مناقبه ويكفي أن يقال في وصفه أنه كان إماماً قرأ عليه الأئمة في عصر قام فيه أعاظم رجال الإسلام وأنه ألف ما ألف من كتب الفقه والخلاف وغيرها قاصداً به وجه الله فكان أهل مذهبه اليوم ربع أهل الإسلام أو يزيدون. جاء في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ذكر من صنف في مناقب الإمام الشافعي: داود بن علي الأصفهاني الظاهري وزكريا بن يحيى الساجي وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو الحسين الآبري والحاكم أبو عبد الله بن البيع وفي عصره أبو علي الحسن بن الحسين بن حكمان الأصبهاني وأبو عبد الله بن شاكر القطان والإمام إسماعيل السرخسي والأستاذ أبو مسعود عبد القاهر بن طاهر البغدادي كتابين والحافظ أبو بكر البيهقي والحافظ الخطيب والإمام فخر الدين الرازي والحافظ أبو عبد الله الأصبهاني المعروف بابن المقري والحافظ البيهقي وإمام الحرمين أبو المعاني الجويني.
هؤلاء الأئمة صنفوا في مناقب الشافعي ولو شاء الباحث استقصاء من شهدوا له بالعلم
стр. 160
والإخلاص في عصره ومن بعده لاستغرق ذلك أسفاراً برأسها. وقد اعتذر شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في كتابه توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس بأن من يتكلف التأليف في هذا يقع في تعب من غير أرب وكتاب الأم كما قال ابن حجر نقلاً عن البيهقي بنصه: أولها الطهارات، ثم الصلوات، وذكر فيها الجمعة، ثم الخوف، ثم العيد ثم الكسوف، ثم الاستقساء، ثم التطوع، ثم حكم تارك الصلاة، الجنائز، الزكاة، قسم الصدقات، الصيام، الاعتكاف، المناسك، البيوع، الصرف، السلم، الرهن الكبير، والرهن الصغير، والحجر والتفليس وسائر المعاملات ثم الوصايا، والفرائض، ثم إحياء الموات، والوديعة، واللقطة، واللقيط، ثم كتاب النكاح ومتعلقاته، ثم الجنايات ثم كتاب قتال أهل البغي، ثم الجهاد، وسير الأوزاعي، وسير الواقدي، وكتاب الطعام والشراب والضحايا والصيد والذبائح، والقضاء باليمين والشاهد والدعوى والبينات والأقضية، والإيمان والنذوز، والعتق بأنواعه وكتاب الشروط وعدة كتب الأم مائة ونيف وأربعون كتاباً. هذا هو كتاب الأم بل مجموع الشريعة الغراء في صفحات، وقد طبع منه الآن أربعة مجلدات وبقي ثلاثة وجعل الطابع في هامش ما طبع مختصر المزني للإمام الشافعي أيضاً وسيكون على هامش ما سيطبع من الأجزاء مسند هذا الإمام وكتاب اختلاف الحديث له أيضاً وبعد فإن الأمة تتشرف بصدور هذا الكتاب وتنشد ما قاله ابن دريد في مدح الشافعي ﵀
ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع
معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي روافع
مناهج فيها للهدى متصرف ... موارد فيها للرشاد شوارع
ظواهرها حكم ومستنبطاتها ... لما حكم التفريق منه جوامع
جواهر البلاغة
هو كتاب يدخل في ٣٢٦ صحيفة من قطع الوسط في علوم المعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي وفنون الشعر والسرقات والمحاضرات الشعرية لمؤلفه الأستاذ الجهبذ الفاضل الشيخ أحمد الهاشمي أحد العاملين من المؤلفين في هذه العاصمة. سلك فيه مسلك الإيضاح والتقريب على طلاب الأدب ونحا فيه منحى التآليف العصرية في التنسيق ولطف الأداء. ولولا بعض اصطلاحات يتوقف فهمها على شرح معلم لا محالة لقلنا أن جواهر
стр. 161
البلاغة مما يقرؤه المطالع لنفسه، ويفهم لباب هذه الفنون بدرسه، وقد كانت فيما مضى صعبة المتناول إلا على من صرفوا في تحصيلها أعمارهم، ووقفوا على تدبرها ليلهم ونهارهم.
المفرد العلم
كتاب المفرد العلم في رسم القلم من تأليف الأستاذ الهاشمي المشار إليه أهداه إلينا فيما أهدى من تآليفه. سفر جليل لا يستغني عنه العامي فضلاً عن الخاصي لأن فيه بيان لكتابة الحروف العربية وقواعدها وضوابطها وقد عقب عليها بتمارين وأمالي وزاد عليها هذه المرة تمرينات وأمالي لم تكن في الطبعات الماضية وشرح الألفاظ الغريبة فصار الكتاب مفيداً للإملاء والمطالعة والإنشاء نافعاً في الدروس التي قررتها نظارة المعارف المصرية في مدارسها. ويكفي في بيان مزيته أنه طبع الآن للمرة الخامسة ولو لم يكن اقتناؤه من الضروريات لما وجد كتاب في التعاليم من يبتاع منه الطبعة الأولى. فنثني على اجتهاد المؤلف العامل أطيب الثناء لأنه يتوخى فيما يكتب سهولة التعبير، وجودة التصوير، أثابه الله.
الضياء وابن سراج
كراسة نشرها سعادة العالم اللغوي الأمير شكيب أرسلان دفع فيها ما خطأه به حضرة العالم اللغوي الشيخ إبراهيم اليازجي صاحب مجلة الضياء الغراء من وقوع بعض ألفاظ في روايته آخر بني سراج كان انتقدها الشيخ في جملة ما انتقده على كتاب الجرائد من الألفاظ والتراكيب. ومن رأي الأمير أن اللغة العربية يقع فيها الثقل لأدنى ملابسة وقد أورد نصوصاً من اللغة على ذلك كقوله أن الناقوس والشباك والبيت والجريدة لم تطلق عند من دونوا المائة على تلك المسميات التي يعرفها أهل زماننا بل عرفت في كتب اللغة بأن الناقوس خشبة كبيرة تقرع بخشبة صغيرة ويقال لها الوبيل والشباك ما وضع من القصب ونحوه من صنعة الواري والبيت كان يقال لبيت الشعر والجريدة سعفة طويلة رطبة. وعلى الجملة فإنا نشكر للشيخ والأمير عنايتهما باللغة وغيرتهما عليها ونتقدم إليهما باسم العلم وهما من أعز أنصاره أن يقصرا من الجدال على النحو الذي جريا عليه فكلاهما فرد في شأنه أوحد في صحة بيانه والتهكم لا محل له في الأبحاث العلمية وتقرير الحقائق الأدبية
стр. 162
واللغوية.
مجلة الشتاء
اسم مجلة أصدرها بالقاهرة حضرة الشاعر الناثر ذي المعزة سليم بك عنجوري الدمشقي صاحب الدواوين الشعرية والروايات النثرية وهي أدبية علمية تاريخية فكاهية شعرية تظهر شتاء وتحتجب صيفاً وقيمة اشتراكها أربعون قرشاً أميرياً. وقد تصفحنا العدد الأول منها فرأيناه طافحاً بالمقالات والمقاطيع المنظومة والخطوات المنثورة من بنات أفكار صاحبها فنشكر له همته ونشاطه في خدمة الآداب ونسأل له حسن التوفيق كما يحب ويحب له كل مشتغل بالأدب غيور عليه.
كتاب الخير والشر
انصرفت وجوه بعض المتعلمين والمستشيرين من العامة إلى قراءة الروايات على اختلاف مناحيها فانصرف إلى كتابة أمثال هذه القصص جماعة من الأدباء ومنهم الأديبان البارعان محمد أفندي وجيه وحسين أفندي الجمل ترجما في العهد الأخير رواية كاترينا بلوم لاسكندر دوماس القصصي الفرنسي المشهور فنثني على اجتهادهما أجمل ثناء ونتمنى أن يكثر أمثالهما من الكاتبين العارفين فجامعتنا تحتاج كل ضرب من ضروب البضائع العلمية. وثمن النسخة ستة قروش صحيحة.
стр. 163
تدبير المنزل
آفات الغبار
من يدرس كتب الصحة لابد أن يعرف ما يحدث عن الغبار من الآفات والمضنيات. كتب أحدهم يقول أن ليس في السنتمتر المكعب من الهواء الخارجي غير مائة وثلاثين ألف ذرة من ذرات الغبار على حين أثبت الامتحان أن في السنتمتر مليوناً وثمانمائة ألف ذرة وإذا أحصي الغبار بعد الكنس فيكون في كل سنتمتر مكعب خمسة ملايين وأربعمائة وعشرون ألف ذرة. وفي هذه الذرات من أنواع المؤذيات ما لا يطلب غير مستو بل نديّ لتنمو فيه وتتكاثر ولو لم تخل منافذ مشامنا دون دخول هذا الغبار كله إلى الرئتين وتمنع في دخول الذرات الكبيرة لكان تأثيرها في أجسامنا ما كان.
يتنفس الإنسان في الدقيقة من ١٢ إلى ١٥ مرة نحو نصف لتر من الهواء كل مرة أو أربعمائة لتر في الساعة أو من تسعة إلى عشرة آلاف لتر في الأربع وعشرين ساعة. ويعرف علماء التشريح إذا عرضت على أنظارهم رئة الحضري من رئة الريفي لما في الأولى من الجراثيم المختلفة المؤذية ولولا الغبار ما حملت الجراثيم إلى جسم الإنسان ولبقيت في الزوايا. فالغبار يحمل الحمى القرمزية والحميرة والسل والخناق وغيرها من الأمراض. واختلفت العلماء في كون هذه الجراثيم تدخل الجسم من طريق التنفس أم من طريق البلع ومهما يكن من اختلافهم فإن الغبار من أشد أعداء الأجسام وافتكها بها. فحبذا لو عنيت مجالس البلديات في البلاد التي تدعي أنها سائرة على مناهج المتحضرين في شؤونها البيتية والأهلية والمعاشية بأمر الكناسين أن لا يكنسوا الشوارع إلا في الليل بعد انصراف الناس إلى منازلهم ولا ينفض الخدم البسط والطنافس والأثاث والحصر والباري والكلل (ناموسيات) والدثارات من أعلى الشرفات والطنف فينزل الغبار على أبناء السبيل ويكون لهم أسوأ دليل والغبار من أعداء الإنسان إلا في مغزى المثل العربي القائل غبار العمل خير من زعفران العطلة.
стр. 164
تدبير الصحة
الحمامات الشمسية
يوجد نقص تتمة الصفحة ١٥٨ والصفحة ١٥٩ والصفحة ١٦٠ حتى فقرة تغميز القلب.
تغميز القلب
للتغميز (التمسيد) فوائد جزيلة ظهر بعضها مؤخراً في إحدى مستشفيات إنكلترا ذلك أن شيخاً مريضاً تناول جرعة عظيمة من الكلوروفورم فأصيب بإغماء ووقف تنفسه ونبضه فعمد للحال طبيبان من أطباء المستشفى وشرط أثر المحل الذي يسهل أن يتأثر به القلب وشرعا يغمزانه فلم يمر ستون ثانية حتى أفاق المغمى عليه وأخذ القلب يضرب على عادته فعندها أوقفا التنفس الصناعي ولأما الجرح باحتياط عظيم فشفي المصاب تماماً. ويقول هذان النطاسيان أن التغميز ينفع في الإغماء لا محالة.
وشي القنب
تفنن اليابان في الصناعات حتى استبدلوا وشي القنب في العهد الأخير بوشي الحرير لأنه طبيعي أكثر من القنب وقد عرضوا منه في كيوتو صورة أسد ولبوة. اخترع هذا لوشي رجل اسمه سوكافارا معروف بتفنيه وأعماله الصناعية. ومتى انتقلت هذه الصناعية إلى الغرب وجد القنب الذي ينبت في غوطة دمشق مصرفاً عظيماً.
هوام الغابات
في الصحف العلمية أن هامة من الهوام المضرة أخذت تأتي على الغابات الغبياء في آكام داكوتا السوداء. ودا كاتوتا إحدى مقاطعات أميركا الشمالية. فهي تحمل على الأشجار بسرعة حتى أنه يخشى أن يتناول الخراب تلك البقعة برمتها. وقد بذل أصحاب الأملاك ملايين من الدولارات بدون فائدة وقد جعلت إحدى الأندية العلمية جائزة كبرى لمن يدلها على علاج شاف من حملات هذا العدو الهائل.
خازنة الكهربائية
اخترع أديسون خازنة للقوة الكهربائية أكومولاتور جديدة معمولة من صندوق حديد يحتوي صفائح تتبدل من معدن النيكل والحديد عوضاً عن الرصاص الذي كان يستعمل في الآلة
стр. 165
السابقة. ويقدر أن هذه الآلة يقتصد بها ٥٨ في المائة عن الآلة القديمة ويمكن للاتوموبيل أن يسير بهذه الخزانة نحو سبع ساعات أي نحو مائتي كيلومتر دون أن يضطر إلى الإملاء وبقوة دائمة.
مدارس الأزياء
أنشأ الغربيون مدارس لكل ما يتصوره المرء من الأعمال والصناعات وقد قامت هذه الآونة آنسة من أوانس الأمريكان الشهيرات تهرأ بطريقة القصصين في وصفهم أزياء النساء في قصصهم. قالت أن المرأة لو كانت خارجة الآن من مستشفى المجاذيب أو المجذوبات لما لبست الثياب التي يصفها فيها هؤلاء الكتاب ولذلك ارتأت أن يضاف إلى الصفوف الكثيرة في كلية كولومبيا الخاصة بدارسة فن الصحافة صف يدرس فيه علم الأزياء. والولايات المتحدة تحب أن تفوق الأمم في كل حال وشأن.
مثال المدارس
كتب أحد أساتذة العلم في أميركا بحثاً في إحدى المجلات العلمية في نيويورك قال فيه أن من أدل الدلائل على ارتقاء التعليم العام في الولايات المتحدة ارتقاء حالة مدرسة تكساس الجامعة التي أسست سنة ١٨٥٨ ولم يكن فيها عشرين سنة إلا ١٩٩ طالباً وفيها الآن ألفا طالب ولها دخل يربو على ١. ٧٥٠. ٠٠٠ فرنك.
حاضر اليهود
كتب أحد كتاب الأمريكان بحثاً تحت هذا العنوان استند فيه إلى أحدث الإحصائيات فكان عدد بني إسرائيل في العالم ٢٢٤، ١١٨، ١١ نصفهم في روسيا والباقون موزعون بين النمسا وألمانيا ورومانيا وإنكلترا وهولندا وتركيا وفرنسا وإيطاليا وبلغاريا ورومللي الشرقية وسويسرا وبلجيكا واليونان والولايات المتحدة وكندا والأرجنتين وغيرها من جمهوريات أميركا الجنوبية وبعض ممالك آسيا وشمالي إفريقية مثل مراكش والجزائر ومصر وفي هذه منهم ١٠٠، ٢١ فقط ولم تعاملهم دولة معاملة رسمية كسائر رعاياها غير النمسا وألمانيا والبلجيك والدانمارك وفرنسا وبريطانيا العظمى ومستعمراتها وإيطاليا وسويسرا والولايات المتحدة أي ٤١ في المائة من مجموعهم. من هذا العدد عشرة في المائة أغنياء و٣٠ في المائة فقراء وهؤلاء على فقرهم المدقع لا تراهم يسجلون أسماءهم في سائر محاويج
стр. 166
الطوائف لأن أولئك الأغنياء يكفونهم مؤونة التكفف على غيرهم.
стр. 167
المجلات الإفرنجية والعربية
الخط الياباني
أنشأ بعض اليابانيين مجلة تعنى خاصة باستبدال الخط الروماني بالخط الياباني وبعبارة ثانية تدعو إلى طرح الحروف الشرقية القديمة والاستعاضة عنها بالحروف الغربية الحديثة. وفي هذا من الثورة العلمية ما قامت له الأندية العلمية في يابان وقعدت. وأصبح لهذا الفكر أشياع ولكنهم قلائل الآن. تقول المجلة أن استعمال صور الحروف الصينية لا يعتبر إلا بأنه من حب الاتصال مع الماضي كما هو الحال في امتيازات قديمة لم يتوصل بعد إلى نزعها والتخلص منها. وبهذا ترى اليابان أقسمت أو كادت تقسم أن لا تبقي أثراً للتقاليد القديمة التي تعوق سير حضارتها.
تبادل العلم
ذكر أحدهم في مجلة المجلات الأميركية الصورة التي سيجري عليها في مبادلة العلم العالي بين كل من أميركا وألمانيا على الطريقة التي عزم على الاعتماد عليها الإمبراطور غليوم الثاني بالاتفاق مع مدرسة كولومبيا الجامعة. قالت أن أساتذة من هذه المدرسة يذهبون إلى كلية برلين ويشغلون منابر أنشئت لهم خاصة ويأتي أساتذة ألمان من كلية برلين يعهد إليهم بالتدريس في صفوف كثيرة من الكليات الأميركية. وغاية هذه الطريقة في مبادلة الأساتذة أن تتبادل ناشئة الأمة الأفكار والغايات ويتذاكروا في المبادئ والمقاصد. والمظنون أن كلاً من إنكلترا وفرنسا لا يلبثان أن ينحوا هذا النحو فتشترك كليات اكسفورد وكامبردج ولندن مع كلية باريس وهناك بشر العلم بالارتقاء الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ البشر.
التكافل في الأمراض
نشرت إحدى الصحف الباريسية مقالاً في فائدة التكافل الاجتماعي لإيقاف سير السل ومجاهدته قالت أن المسلول أحد منكوبي الوسط الاجتماعي وأن مرضه ينتشر باجتماع الجرثومة مع الأرض فالجرثومة تأتي من المحيط أو الوسط والأرض هي جسم الإنسان وصحته من أصل تركيبه أو أسباب ولادته وارثه وتربيته وسكنه. ولما هدمت في إنكلترا أحياء برمتها وكانت قذرة موبوءة انخفض عدد الوفيات بالسل إلى ٤٥ في المائة على حين يرتفع معدل الوفيات بهذا الداء في فرنسا.
стр. 168
الآلات المنغمة
المشرق - عني حضرة الباحث العالم صاحب هذه المجلة بنشر ثلاث مقالات عربية في الآلات المنغمة انتقاها من مجموع عثر عليه في خزانة كتب مدرسة ثلاثة أقمار في بيروت وفيه رسائل في الهندسة والفلك وتحريك الأثقال والموسيقى وغير ذلك من الآثار العلمية من وضع علماء الإسلام أو من تعريبهم وتعريب طائفة المعربين في عهد الحضارة الإسلامية ويرتقي هذا المجموع بحسب رأي الباحث المشار إليه إلى القرن الثاني عشر للمسيح. وهذه الرسائل في معنى واحد لقدماء اليونان استحق كتبة العرب شكر العلماء إذ حفظوها لهم من أيدي الضياع بنقلها إلى لغتهم.
أما الرسائل فإحداها عمل الآلة التي اتخذها مورسطس يذهب صوتها ستين ميلاً وكانت هذه الآلة تحمل معهم في الحروب لأن بلادهم كانت كثيرة الأعداء فكانوا إذا احتاجوا أن ينذروا أصحابهم أو يسألوا المدد في الحروب لتأتيهم الخيل والمدد أو ينذروا أهل مدينة الملك وأي النواحي أرادوا نفخوا في هذه الآلة وهي الأرغنن الكبير الملقب بالواسع الفم الجهير الصوت وذلك أن صوته يذهب ستين ميلاً. والثاني صنعة الأرغن الجامع لجميع الأصوات وهو أن يسمعك صوتاً عجيباً يبكي بكاء شديداً ويسمعك صوتاً مرقداً ينيم صاحبه على المكان ويسمعك صوتاً يشجي ويلهي ويسمعك صوتاً يطرب ويرقص ويسمعك صوتاً يسحر ويذهب بالعقل. والثالث صنعة الجلجل الذي إذا حرك خرجت منه أصوات مختلفة شجية غنجة وزعم الحكماء أن هذه الآلة عملها ساطس (كذا) القديم في بلاد مصر العتيقة فلما ضرب بها هرب من ذلك الموضع كل سبع وكل هوام وكل طير حتى هربت مواشيهم ودوابهم وكاد أكثرهم أن يجن فاستعفوا من ذلك. فنصبها على موضع مشرف بعيد من المدينة جداً. وبنى في ذلك الموضع هيكلاً وهو يسمى هيكل زواس أي (المشتري) ذي الحسن واتخذوا له عيداً فكانوا يحركون الجلجل في يوم عيدهم ثم يذبحون ويتقربون.
المجتمع وعلومه
المنار - ذكر أن أكمل الجنسيات وأنفعها للبشر ما كانت أعم وأشمل للطوائف والجمعيات المختلفة في النسب والوطن واللغة والدين والحكومة وأن هذه الجنسية هي نهاية ما يمكن وضعه لسعادة البشر كلهم ولكن الناس لما يستعدوا لها تمام الاستعداد وقد وجدت في الجملة
стр. 169
على عهد الخلفاء الراشدين وأن جنسية النسب مزقت الشمل ولولا جنسية اللغة والوطن ما ترفق المسلمون إلى ممالك وقد حاول الإسلام القضاء على عصبية الجنس واللغة والوطن فغيرت بعد. ومن رأيه أن يكون العمل الواجب دائراً على أقطاب هذه المسائل الكلية (١) كون تعليم الدين مؤيداً للعقائد دافعاً للشبهات الرائجة في هذا العصر (٢) كون تعليم التاريخ وعلم الاجتماع والأخلاق والآداب مؤلفاً للرابطة الملية بين شعوب المسلمين وعناصرهم المختلفة (٣) تعليم العبادات مع بيان حكمها وفوائدها في تزكية النفس وتعليم أحكام المعاملات مع بيان انطباقها على مصالح البشر ومنافعهم في هذا الزمان (٤) تعليم العلوم الرياضية والطبيعية بقصد ترقية النفوس ومجموع الأمة بالأعمال الصناعية (٥) إحياء اللغة العربية بإلزام المتعلمين التحاور بها استبدالها لها باللغة العامية وبتعليمهم البلاغة في القول والكتابة ليكونوا كتاباً بارعين وخطباء مؤثرين (٦) تعليم الصنائع التي يمكن العمل بها في البلاد وفنون التجارة (٧) الجمع بين التعليم وبين التربية العملية في المدارس (٨) جعل مدار التعليم والتربية على استقلال الفكر واستقلال الإرادة والاستقلال في العمل الذي يعبرون عنه بالاعتماد على النفس.
стр. 170
طبيب وأديب
فقدت مصر في العهد الأخير رجلين حري بتاريخ العلم والأدب أن يدون ترجمتيهما في صفحاته وأعني بهما الدكتور حسن باشا محمود وإبراهيم بك المويلحي. الأول عالم والثاني كاتب أو طبيب وأديب. ولد الأول في مصر سنة ١٨٤٧م على ما نقل أحد أنجاله ووالده من العرب النازلين في جوار الأهرام ولما ترعرع ظهرت عليه آثار النجابة فدخل القصر العيني ونال شهادته الطبية ثم بعثت به الحكومة المصرية إلى ألمانيا فقضى فيها سنتين ثم انتقل إلى باريس وأحكم الطب علماً وعملاً حتى إذا عاد إلى القطر عين في وظائف مهمة مثل نظارة القصر العيني وطبيب الأمير طوسون باشا وطبيب الخديوي إسماعيل وابنه توفيق ومفتش الصحة العامة. وانتدبته الحكومة في عدة مهمات نائباً عنها في المؤتمرات الطبية الدولية ورأس الجمعيات الطبية في مصر مرات وكان عضواً في عدة جمعيات طبية وعضواً في المجمع العلمي بمصر.
وكان على وفرة مشاغله كبير العناية بالتأليف والتعريب حريصاً على الاستفادة والإفادة أميل في أعماله إلى الجد على ما يظهر من تآليفه محبباً إلى الناس. كتب رسائل وكتباً طبية كثيرة نشر بعضها على حدة وبعضها في المجلات. وأهم كتبه الخلاصة الطبية في الأمراض الباطنية وهو كتاب لطيف الأسلوب والوضع سهل المأخذ ومنها رسالة في الهيضة وأخرى نبذة في مدرسة الطب المصرية ورسالة في خلع المعصم وكتاب في داء الفقاع وكتاب في الاستكشاف العصري في الرمد المصري وكتاب الفوائد الطبية في الأمراض الجلدية ورسالة في منافع مياه حلون ومختصر في البواسير ومعالجتها وطريقة التمدد ورسالة في حمى الدنج ورسالة في داء الطاعون البقري الساري ورسالة في وباء الهيضة وغير ذلك وظل يكتب إلى آخر أيامه ولا يستنكف من نشر ما يكتبه في المجلات تعميماً للفائدة.
أما إبراهيم بك المويلحي فقد ولد في أوائل سنة ١٢٦٢هـ وهو من بيت معروف بالغنى والوجاهة اضطرته الأحوال بعد أن خسر ماله في المضاربات أن يستخدم في الوظائف على عهد الخديوي إسماعيل وكان يحبه ويأتمنه ويحسن إليه وقد قضى معه عشر سنين في نابولي كاتماً لأسراره وقضى نحو هذا الزمن في الأستانة. والذي يهمنا من أمره أنه كان من أعظم النوابغ في الإنشاء. وقد أكد لنا من نثق بذوقه في البلاغة وعلو الكعب في
стр. 171
الاطلاع على أسرار العربية وآدابها أن المويلحي في عصره كالجاحظ في عصره. ولا غرو فقد تأدب الفقيد بكتبه وكان يحرص على دراستها والاستئثار بدررها ليله ونهاره. كتب المترجم به عن الأمراء كتباً كثيرة ومقالات بحسب الحاجة والدواعي وتلون السياسة ومذاهبها كما كتب عدة جرائد منذ أول نشأته وآخرها مصباح الشرق ولو دام المصباح على لطافة أسلوبه وجودة ألفاظه وتراكيبه سنين كثيرة لكان من أهم البواعث على ارتقاء ملكة البيان العربي ولصار العامة ممن يتوفرون على مطالعته اليوم أرقى لهجات من الخاصة منذ قرون.
وبهذا عرفت أن طريقة المويلحي في الإنشاء طريقة السهل الممتنع ساعده على الإجادة فيها أنه لم يكن يكتب إلا في المسائل التي له وقوف على أطرافها ليكون رأساً في معانيه كما هو رأس في مبانيه. وكان مطلعاً كل الاطلاع على أحوال مصر والأستانة رعافاً تاريخ رجالهما بحيث كانت هذه المواد له على خفة روحه ورشاقة قلمه مادة واسعة ليكتب على الطريقة الهزلية المعروفة عند الإفرنج بالاوميريستيك على أن معظم ما كان يكتبه يمتزج فيه الهزل بالجد. كان مجلسه عامراً بالفوائد الأدبية والتاريخية والاجتماعية نادرة النوادر في نكاته آية في الاطلاع على الدخائل. استفاد أشياعه من لسانه أكثر من استفادتهم من قلمه. ولو وجد مجالاً للعمل النافع وقدر أمراء هذه الديار وكبارها أن يحسنوا الانتفاع بمواهبه كما ينتفع الملوك والأمراء بنوابغ بلادهم في العادة لأشبه المويلحي بسمرك وكرسبي وغيرهما من رجال السياسة في هذا القرن ولما رغب في صرف الوقت في الجزيئات ولانصرف عنها إلى الكليات لا محالة.
стр. 172
انتقاد المقتبس
تتابعت كتب التقريظ والانتقاد علينا وها نحن نلخصها فيما يلي مكتفين بما ورد فيها من ضروب النقد. وفي مأمولنا أن نصلح ما يمكن إصلاحه من وضع هذه الصحيفة وموضوعاتها على الزمن حتى يجيء منها ما يفيد ويروق بعون الله وتسديده. ورجاؤنا إلى من يأتوا العلم الرجيح ورزقوا ملكة النقد الصحيح أن يقبسوا المقتبس من أنوارهم كلما عن لهم ذلك. ورحم الله من أهدى إلى عيوبي.
ولقد اختلفت آراء المفكرين والعالمين فمن قائل باختصار مقالات المقتبس ومن قائل بإشباعها وتوفية كل مبحث حقه من الشرح. كما اختلفت المذاهب في أسلوب إنشائه فمن قائل أنه يصعب فهمه على غير المتعلمين أو دون الرجوع إلى المعاجم كما قال بعضهم ومن مصرح أن لغة المجلات ينبغي لها على كل حال أن تكون أرقى من لغة الجرائد لأن قراءها من الخاصة أو ممن يدانيهم ويرى الفريق الأول أنه لا بأس باستعمال ما استعمله العرب من التراكيب أيضاً ويرده بعضهم ويفنده. واعترض بعضهم على استعمال الإشارات الجديدة مثل،؟. وغيرها قائلين أن ذلك لا يجدر إلا بكتب الأطفال والنساء واستحسنها بعضهم وأراد الإكثار منها للإفهام. ورأى بعض العلماء ضبط الكلمات المبهمة. وآخذنا أحد العلماء على كوننا لم ننسب ارتقاء الصحافة العربية للشيخ محمد عبده أيام كان يحرر الوقائع المصرية ويدير المطبوعات ويحتم على الصحف أن تلتزم تصحيح عباراتها أو توقف. كما عاتبنا بعضهم على أننا لم نذكر المعلم بطرس البستاني في عداد من نهضوا بالصحافة. واستنسب بعضهم نشر رواية في كل جزء لأنه يتوقف عليها لفت أنظار أكثر القراء وصرح عالم بأن الروايات لا يليق نشرها في المجلات العلمية التي تتوخى الجد والفائدة.
وانتقدت مجلة الشتاء الغراء اطراد المقتبس في أسلوبه الإنشائي الجد البحت وإرادته على استعمال الهزل الأدبي وقالت أن نكات الوهراني والتعاويذي لا تقوم مقام النكتة الخفيفة وآخذته على تجاوزه الحد في الإيجاز في تلخيص مقالات الجرائد العربية وعلى ما سرى إليه من الغلط من أن سليم النقاش عم مارون النقاش هو الذي أتى بالتمثيل إلى مصر. ولم تر مجلة الشتاء حكم ابن حزم جديرة بالإيثار قالت ولو كانت من مأثور الكلام لأبقاها ناموس بقاء الأنسب في ذاكرة أهل العلم. ونقدت على المقتبس إهماله ذكر العادات الذميمة
стр. 173
ونقائص المجتمع صراحة أو تعريضاً وإطلاقه العنان لأمثال التناسل الغريب الخ.
وكتب إلينا أحد علماء دمشق يقول: استغرب المحققون ذكرك قصة المتنبي في باب التناسل الغريب إذ لم يعلم أن للمتنبي أكثر من ولد أو ولدين على شهرة أحواله فإما بيان المأخذ وإما إصلاح الغلط. وإذا قرأت ترجمته إلى آخرها في ابن خلكان يتضح لك ذلك بأجلى برهان. ثم أن مجلتك لا يليق بها أن تعدل عن جادة الجد وخلو الغرض وقتاً من الأوقات فاستعمالك لألفاظ يستشم من خلالها ريح التعريض والاستهزاء غير جائز مثل الفقاقيع الفارغة وما ذكرته في وصف الشعراء المحدثين عند بحثك عن دواء الأرق. ويا حبذا لو ضربت صفحاً عن نفاضة الجراب وإن راقت الأكثرين لأن الغاية تعليم وتهذيب وترقية عقل. قيل للإمام علي كرم الله وجهه لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين فقال: الخضاب زينة ونحن قوم في مصيبة. وكذلك نحن الآن في دور جد وعمل لا دور هزل وفكاهة. . .
وصحح لنا عالم اجتماعي ف بدمشق بعض أغلاط فقال: جاء في الصحيفة ٧٤ أمطرت رماداً فانكشفت للحال مدينتان رومانيتان كانت مدفونتين والصواب أن يقال فتغطت للحال مدينتان رومانيتان كانتا مكشوفتين لأن البركان غطى حينئذ المدينتين بالحمم والرماد ولم تكشفا إلا من عهد قريب. ومنها ما جاء في الصحيفة ٨٠ خلقوا أولادكم بغير أخلاقكم والصواب لا تكرهوا أولادكم على التخلق بأخلاقكم الخ. ومنها في صحيفة ٧٨ الإنجيل والمكاتبات والنصارى يقولون الإنجيل والرسائل. ومنها في صحيفة ١١٠ التحبيز والصواب التمييز.
ونختم هذا الفصل بقطعة من رسالة لصديقنا الأمير شكيب أرسلان قصد فيها الدعابة الأدبية واعدين أن تلم في فرصة أخرى بما تجود به قرائح المفكرين من نقد هفواتنا قال الأمير سامحه الله: وآنست في نفسك انشراحاً ونشاطاً، وقلة في كمية السوداء وانحطاطاً، يدل على ذلك في مجلتك فكاهات رويتها، ومداعبات أثرتها، وأسجاع ملت إليها، متى كنت يا محمد مولعاً بالسجع عهدي بك لا تطيقه وإذا مررت بالجناس ولو تمثل لك واقفاً رفسته برجلك وأكببته لوجهه. وطالما نقمت علينا التسجيع، وأقمت علينا من النكير بعدد أنواع البديع، وعددت سجع الحمام، من قبل فجع الحمام، واعتبرت نفائس الجناس، من وساوس الخناس، فها أنا ذا أسجع الآن ولا حرج علي منك ولا تثريب، وأجنس وأنت ساكت ساكن
стр. 174
وهذا أمر غريب، فهل هداك الله إلى الصواب الآن حتى صرت في مذاهب المذاهب وطرق الطرق أو هل نزغت بك نزغات جداد، وجدت بك أهواء لم تكن تعتاد، أو لعلك حصرت السجع والجناس في فاتحة المجلة لأنها من المجلة كقاعة الاستقبال من البيت فلا يد فيها من مراعاة الأمور الرسمية والسجع رسمي في المقدمات. . ولا عيب في هذه المقدمة إلا هذا السعدان الذي في آخرها. لا تؤاخذني بالله عليك لي عندك ثارات، وبصدري من حماطة الجلجلان حزازات، وأنت منصف فلا ينبغي أن يثقل عليك الحق كما يثقل على غيرك. . . أما ما استعظمت من روايات التناسل حتى تجاوزت الحد في الاحتراز في نقله فليس بتلك الدرجة فإن الأمثال كثيرة والمرحوم الحاج حسن عبد الله من خيام مرجعيون وعسى أن لا أكون شرقياً في كثرة الأرقام كان له من الولد وولد الولد ما يربو على التسعين وهو والد محمد أفندي الحاج حسن الشاعر الأديب. أما نصائح ابن حزم فقد ذكرتني بحكم ابن المقفع وإن كان لا ينكر أن هذا أعلى طبقة في الكتابة وأما نكات الوهراني فلا بأس بها لكن يا أخي سألت الله لمجلتك أن يدفع عنها آفات التطويل والتكرار، وأنت لم تقصر في تكرار ذكر الشعير مع الأشعار، ففي كتاب الوهراني الذي يخشى من وهر لسانه طلب للشعير مطول برسم البغلة وفي قصيدة التعاويذي أعاذنا الله من مثله كلام عن الشعير لأجل الفرس فهذا كثير على الشعير. . .
стр. 175
العدد ٤ - بتاريخ: ٢٤ - ٥ - ١٩٠٦
стр. 176
صدور المشارقة والمغاربة
جونسون
ولد سنة ١٧٠٩ وتوفي سنة ١٧٨٤
أحد مشاهير كتاب الإنكليز وعلماء الأخلاق قاسى في طفوليته أنواع العذاب من سوء صحته وأصيب بالسويداء. ولد من أبوين فقيرين فتهيأ له رجل محسن علمه على نفقته في كلية اكسفورد لكن بشاعة صورته وفقره وسويداءه جلبت الشكوى منه فاضطر أن يترك دروسه قبل إتمامها وعاش زمناً في مكتبة والده وكان كتبياً ثم عين في إحدى المدارس الخاصة بوظيفة بسيطة وسنة ١٧٣٥ تزوج أيماً أكبر منه بعشرين سنة وكان يحبها على بشاعتها حباً لا يصدق. ففتح له معها مدرسة للشبان في ضواحي لينسفيلد بلده لكن قبح صورته وصورة زوجه كانت تخفيف الأطفال ووالديهم فلا يضعون أبناءهم في تلك المدرسة حتى أنه لم يكن عندهما غير ثلاثة أولاد فاضطر إلى ترك التعليم وجاء لندن يفتش على ما يقوم بأوده فاستخدم في إدارة إحدى المجلات الإنكليزية فكان يأتيها بأخبار مناقشات دار الندوة وفي غضون ذلك نشر تأليفاً له فنبه به قدره وشاع بين الكتاب والقراء ذكره وألف معجماً في ثماني سنين وهو أول معجم بالإنكليزية وكان في خلال تأليفه وضع بعض المصنفات فحازت استحسان بيرون وسكوت العالمين الكاتبين المشهورين وتأفقت شهرته بهذا المعجم كل التأفق على أنه لم يكن من قبل خاملاً بل صار بما صنف الكاتب غير مدافع، وحاول أن ينشئ مجلة إلا أنه لم يفلح فيها فسقطت ثم أنشأ أخرى فسقطت. وكان ينفق على الصدقات كل ما يحصله من المال القليل تقريباً حتى أنه آوى إليه ثلاث نساء عاجزات بعد وفاة والدته مع طبيب يطبهن.
وفي سنة ١٦٧٢ منحته الحكومة ثلاثمائة جنيه مساناة ابيضت بها لياليه السود واستعان بها على شقاء الأيام ولم يقبلها إلا بعد التردد وكافأ الحكومة عليها من باب مقابلة الجميل بمثله بأن كتب بضع كراريس في السياسة خدمها بها ولم يقل إلا ما ينطبق على آرائه فيها وكان أكبر همه تأسيس أندية (كلوب) تجمع كبار الرجال من ممثل إلى مؤرخ إلى خطيب إلى اقتصادي إلى مبشر وكان الملك يتطلب سماع حديثه وكذلك كانت طبقة الأشراف في الأمة الإنكليزية.
стр. 177
وفي خلال تلك المدة تعرف إلى رجل من الأغنياء فاعجب به كل الإعجاب وأكرم مثواه وأحله منه المكان الذي ينبغي أن يحله أمثاله وقام له في داره في لندن بل في مصايفه في ضاحيتها بوسائط العيش ورفاهية الحياة وكانت تلك الأعوام هي غاية سعادته ومجده ومازال على تلك الحال يكتب وينشر ويشتهر أمره حتى توفي صديقه بل حاميه بعد ست سنين من صحبة أتته بفوائد جزيلة أقلها أنه استطاع أن يتجول في البلاد على نفقته فتأخرت صحته لهذا الخطب الجلل وكان ذلك سنة ١٧٨١.
ولما فقد الكاتب حاميه عاد إلى ميله السابق من تأسيس الأندية فأسس له ناديين كانا أشبه بنادي المهووسين السوداويين. ودفن في مقبرة وستمنستر مدفن العظماء من الإنكليز وأقيم له تمثال.
وقد وصف تين العالم الفرنسي صاحب الترجمة فمما قاله فيه بعد أن ذكر قبح صورته وإهمال هندامه وسوء نظامه أنه كان شرهاً أكولاً يجلس إلى المائدة فيخضم ويقضم ولا يستمع لحديث مخاطبه بل يستغرق بما بين يديه من الصحاف والألوان حتى لقد كانت تنتفخ عروق جبهته وتتصبب عرقاً لكثرة إدخال الطعام بسرعة على معدته وبعد أن يستوفي طعامه على هذا النحو حتى يكاد يختنق يأخذ في تعاطي الشاي فيتناول لا أقل من اثني عشر قدحاً. قال الذي عربنا عنه هذا الفصل: وأنت ترى أنه من العجيب فيمن كانت له هذه الأخلاق والعادات كيف كان تمثال مجتمع بأسره مجتمع كان من اللطف على جانب هذا إذا لم يعلم أن صاحبنا كان ذا صفات نادرة فقد كان بين جنبيه على تلك الخشونة في الطباع قلب مليء فضلاً ولطفاً وحناناً على الضعاف والأولاد والفقراء والحيوانات وكان أصحابه وهم كثار يحبونه حباً مازج سويداء قلوبهم ولم تكن خشونته لتحول دون ملاطفة النساء بل كان معهن آية الظرف واللطف يتأدب معهن ويسليهن بأطيب ما في العالم من حديث شهي.
إلا وأن ما اختلط بأجزاء نفس هذا الرجل من قول الحق والتفاني فيه وحياته الشريفة التي قضاها وإعجابه باستقلال أخلاقه وحريتها كل هذا كان له مادة اعتبار لأدبه وإعجاب بمقدرته العقلية وكان لسناً مفوهاً ولم يعد في أرقى طبقات الكتاب ولا في أرقى المفكرين وكان إنشاؤه مستثقلاً فظاً حتى قال له أحدهم يوماً: إنك يا صاح لو نشأت حكاية أسماك
стр. 178
صغيرة لجعلتها تتكلم كلام الحيتان. وبالجملة فلم يكن من الخوارق والنوابغ في علمه وأدبه بل كان من الخوارق في أخلاقه ولذلك يعد في الأخلاقيين أكثر منه في الكاتبين.
стр. 179
مجلة المقتطف
قلما قام في هذه البلاد عمل مادي أو علمي أو غير ذلك أعواماً طويلة إلا وأصابه من خور عزيمة أربابه وتشتت أهوائهم أو قلة بضاعتهم ومناصبة الأحوال لهم ما تتداعى به أركانه وينحل كيانه. قال بعض العلماء أن حياة الإنسان ثلاثون سنة أي أنه يندر أن يعمل عملاً نافعاً طول حياته أكثر من هذه المدة أو ما يقرب منها وبعد ذلك إما أن يضعف أو يعوقه عائق. بيد أن مجلة المقتطف بلغت هذا السن في هذه الآونة والهمة في تحسينها تتجدد والفائدة الناتجة منها تعظم.
قلَّ في المشاريع ولاسيما العلمية منها ما سار به صاحبه على سنة الارتقاء الطبيعي ولذلك قلَّ في أربابها المفلحون. أما صاحب المقتطف فعملاً أولاً تحت نظارة أستاذ لهما عظيم الدكتور كرنيليوس فانديك الأمريكي ولم يخرجا عن حد الخطة التي رسمها لهما فكانت صفحاتهما بادئ بدء قليلة وكتابتهما لا تخلو من ضعف وموضوعاتهما بسيطة تتناولها أذهان الصبيان لأدنى نظر وعلى ما قام من المنشطين لعملهما في ذاك العهد من رجال البلاد لم يبلغ المقتطف الغاية التي كانت ترجى له من الانتشار وكثرة الانتصار.
ولقد خيف عليه السقوط أولاً خصوصاً عندما قام بعضهم في مناصبته. ومن العادة أن ينتقد بل أن يعادي كل من يكتب في الأبحاث الجديدة ويدعو إليها ولاسيما ما كان منها فيما لم تألفه عقول القوم من الفلسفة الطبيعية والمعارف المادية. فثارت مثارات النفوس لأول وهلة واستعظم بعضهم إقدام صاحبيه ولو لم يمزجا عملهما بشيء من التقية والمداراة ويهضما النفس في الأحايين لكانت أقل صعوبة يلقاها مثل هذا المشروع تكفي في إخفاق المسعى وانفضاض الناس من حوله. ولو ظل المقتطف يقبل المناقشة فيما يكتبه وينشره لانصرفت وجهته من الكليات إلى الجزئيات وضاع المقصود من إنشائه فقد نصح لهما أستاذهما بالعدول عن خطة المماحكات على ما أثبتا نصيحته في السنة الثامنة فلم يضيعا بعد الوقت في الجدال سدى. ومذ ذاك أخذت كتابة المقتطف وأبحاثه ترتقي مع الزمن بكثرة مران القائمين به.
وبعد فليس هذا ما هيأ الأسباب لقيام المقتطف بل هي الدروس التي أحسن صاحباه تلقيها في أول أمرهما ومرنا على الكتابة فيها والخبرة التي توفرت لهما بكثرة المعاناة والدرس وذاك النور الذي ما فتئا يقتبسانه من أستاذهما إلى آخر عمره. وقد عرف المقتطف بحسن
стр. 180
التنسيق ولطف الأداء. . . وقلَّ في العهد الأخير من يدانيه في إجادة الترجمة والتعريب في العلميات المجردة وله بذلك ملكة خاصة لم يسم إليها غير أفراد من أهل العلم الكاتبين كما أنه عرف بحسن الاختيار وانتقاء الموضوعات المفيدة حتى يكاد يكون ذلك مزية خاصة به وجرى في توقع المناسبات على قدم المجلات الأميركية والإنكليزية من إعداد مقالات للنشر كل آن ومقالات لا تنشر إلا في أوقات خاصة. فقد نشر لي مقالة بعد ثلاث سنين من إرسالها إليه ونشر أخرى بالمناسبة بعد سنتين.
ويقول منشئ المقتطف أنه يؤلفه من مجلات كثيرة لأهل الأخصاء من علماء السكسونيين وما كل مطلب من مطالبه إلا وهو نتيجة أبحاث عقول كبيرة درسته حق دراسته. دع عنك ما في مكتبته من دوائر المعارف أو الموسوعات (الانسيكلوبيديات) والكتب العلمية الإفرنجية وخل عنك خبرة صاحبيه في معظم الفنون التي يكتبان فيها على ما صرحا بذلك في آخر السنة العشرين.
ومع أن للمقتطف مشرباً يصعب أن تقبله كل النفوس وأشياعاً يغالون في محبته وإجلال ما يصدر عنه نراه إلى اليوم يراعي أكثر الأذواق استحساناً. ومن مزج خدمة العلم بخدمة نفسه في الماديات فاتخذ العلم تجارة والتجارة باباً للعلم قد ينجح في الأعم من حالاته. من أجل هذا اضطر المقتطف في الربع الأخير من عمره أن يجاري بعض المجلات في نشر الأبحاث الأدبية فأجاد في بعض رواياته المترجمة ولم يجد في المختارات الأدبية فجاء من المقتطف صحيفة عامة تبحث في أمور كثيرة يصح أن يقتنيها أهل كل جيل وقبيل ولا مسحة عليها من صحف الاختصاصيين من الغربيين تلك الصحف التي تنصرف إلى علم أو عدة علوم لا تتعداها فتطيل فيها وتتوسع ما شاءت وشاء غرضها. وللمقتطف عذر في ذلك مادام أهل الأخصاء في الشرق لا يعيشون من أقلامهم وما عم العلم بيننا حتى يخص. ولكن كان الأجدر به أن يخص بعض من تفردوا بالآداب وذاقوها كل الذوق ليكتبوا فيه أمثال هذه الموضوعات ويحكموا على ما يرد منها من أقلام المراسلين.
وأقل ما تم على يد المقتطف من الحسنات أن أناساً ممن أعرفهم في مصر والشام علت بالمواظبة على الأخذ منه أفكارهم وأزال عنهم أدران الغباوة وفتح لهم باب البحث وإعمال الفكرة وغرس فيهم الميل إلى المطالعة والتأليف وأوقفهم على إجماليات من العلوم الحديثة
следующие страницы →