← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

النصراني وأبو الحسين سعيد بن إبراهيم التستري النصراني وابو منصور عبد الله بن جبير النصراني وأبو عمر سعيد بن الفرخان النصراني. وفكانوا يحضرون مجلسه في وقته من جانبيه وبين يديه ويقدم إلى كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة في كل وقت من خير كل شي ثم يجعل في الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف وكل طبق فيه سكين يقطع به صاحبه ما يحتاج إلى قطعة من سفرجل وخوج وكمثرى ومعه طست زجاج يرمي فيه الثفل فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفوا كفايتهم شيلت لأطباق وقدمت الطسوت والأباريق فغسلوا أيديهم واحضرت المائدة مغشاة بدبيقي فوق مكبة خيازر ومن تحتها سفرة أدم فاضلة عليها وحواليها مناديل الغمر من الثياب المعصور. فإذا وضعت رفعت المكبة والأغشية وأخذ القوم في الأكل وأبو الحسن ابن الفرات يحدثهم ويباسطهم ويؤانسهم. فلا يزال على ذلك والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين. ثم ينهضون إلى مجلس في جانب المجلس الذي كانوا فيه ويغسلون أيديهم والفراشون قيام يصبون الماء عليهم والخدم وقوف على أيديهم المناديل الدبيقية ورطليات ماء الورد لمسح أيديهم وصبه على وجوههم. وقد ذكرت هذه العبارة لأظهر ما كان للقوم من رفاهة وتأنق في داخليتهم كما كان لهم من عظمة وجلال في خارجيتهم فمصل هذا النظام لو حدثنا به أحد لاتهمناه بأنه يصور لنا شيئاً مما يجري في منازل عظماء أوروبا وأميركا ولولا أنه منقول بالحرف الواحد من كتاب تحفة الأمراء في تاريخ الزوراء للصابيء. ومن المقرر في الشريعة الإسلامية بناءً على ما جاء في القرآن وسنة الرسول وعمل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود ومن ابتعهم من أئمة الهدى أن ذوي الأرحام ترد عليهم مواريثهم. وقد كان العمل في ذلك جارياً على هذه القاعدة بصرف النظر عن ملة الورث سواء أكان مسلماً أو ذمياً. ولكن السنة قد تختفي في بعض الدول فيبطلها الحكام وظلماً وعدواناً. فقد وقع أن بيت المال اغتصب حقوق هؤلاء الوارثين من مسلمين وذميين فأمر المعتضد بالله ثم المستكفي بالله بالرجوع إليها في حق كل منهما ثم تنكرت هذه السنة الشريفة فأعادها المقتدر بالله وأصدر منشوراً جليلاً أمر بإظهاره وقراءته على الناس في المسجدين الجامعين بمدينة السلام وأرسله إلى جميع

стр. 1717

أصحاب الأعمال في الآفاق ومما ورد فيه بنوع التخصيص قوله: وإن يرد تركة من مات من أهل الذمة ولم يخلف وارثاً على أهل ملته. وكان النصارى وأئمتهم يعرفون حق المسلمين عليهم ويؤازرونهم في الشدة كما يستفيدون منهم في الرخاء فقد اتفق في أيام المقتدر بالله في أوائل القرن الرابع للهجرة أن القسطنطينية تولى على ملكها حدثان فعسفا أسارى المسلمين وشددا في التنكيل بهم وأجاعهم وأعرياهم وطالباهم بالتنصر ولم ير الوزير علي بن عيسى مساعدة من جانب الخليفة على إنفاق الأموال وتجهيز الجيوش. فأشار عليه بعض جلسائه لتصريف الهم عنه بأن يوسط عظيم النصارى بإنطاكية وهو البطرك وعظيمهم بالقدس وهو الجاثليق أو القاثليق لأن أمرهما ينفذ على ملوك الروم ولا يتم لهم أمر إلا بهما والطاعة لا تلزم جمهور رعيتهم إلا بقولهما وربما حرم الواحد منهم فيحرم عندهم فما هو إلا أن أرسل إليهما الوزير على يدي عامليه في إنطاكية والقدس حتى بادر عظيما النصرانية إلى إنفاذ رسول عنهما مع رسول من العامل إلى ملكي الروم وكتبا لهما ما نصه: إنكما قد فعلتما بأسارى المسلمين عندكما ما هو محرم عليكما ومخالف لوصية المسيح ﵇ في أمثالهم وأمره فيمن جرى مجراهم. فإما زلتما عن هذه الطريقة وعدلتما عنها إلى ما تقتضيه السنة المأثورة وأحسنتما إلى من في أيديكما وتركتماهم على أديانهم ولم تكرهاهم على خلاف آرائهم وإلا لعناكما وتبرأنا منكما وحرمنا كما فلما وصل الرسولان إلى القسطنطينية أوصل رسول البطرك والقاثليق إلى الملكين وحجب صاحبه. وبعد أيام أذن له الملكان في المثول بين يديهما وقالا له: الذي أدى إلى ملك العرب من فعلنا بأسارى المسلمين كذب وشناعة وقد أذنا في دخولك دار البلاط لتشاهدهم وتسمع شكرهم وتعلم استحالة ما ذكر لكم في أمرهم. فذهب فرآهم كأنما هم خارجون من القبور وقائمون إلى النشور ووجوههم دالة على ما كانوا فيه من الضر والعذاب إلا أنهم في حالة صيانة مستأنفة ورفاهة مستجدة. قال الرسول: فتأملت ثيابهم فكانت جدداً كلها فتبينت أنني أخرت ذلك التأخير حتى غُير أمرهم وجدد زيهم. وقالوا لي: نحن شاكرون للملكين. فعل الله بهما وصنع مع إيمانهم إلي بأن حالهم على ما تأدى إلينا وإنما خفف عنهم وأحسن إليهم بعد حصولي هناك. وقالوا لي في عرض قولهم: كيف عرفت صورتنا ومن تنبه على مراعاتنا حتى أنفذك من أجلنا. فقلك: ولي الوزارة

стр. 1718

والوزير أبو الحسن علي بن عيسى. فبلغه خبركم فأنفذ وفعل كذا وكذا فضجوا بالدعاء له. وسمعت امرأة منهم تقول: مر يا علي بن عيسى لا نسي الله لك ذلك الفعل. فعند ذلك بكى الوزسير بكاءً شديداً ثم سجد لله تعالى شاكراً حامداً. والبلاط المذكور هنا هو دار كانت بالقسطنطينية مخصوصة لأسارى المسلمين ذكره المتنبي وأبو فراس في أشعارهم وقد ذكره أبو العباس الصفوي شاعر سيف الدولة وكان محبوساً وضربه مثلاً: أراني في حبسي مقيماً كأنني ... ولم أغزُ في دار البلاط مقيم ومجمل القول أن أفاضل الروم والسريان والكلدان واليعاقبة والفرس وسائر النصارى على اختلاف مللهم واليهود والمجوس والصابئة كانوا في أيام خلفاء بني العباس موضع التجلة والإعزاز والاحترام ووصلوا بعناية الخلفاء وأكابر الدولة من المسلمين إلى مقام محمود ودرجة لم يكن لها نظير في دولة أخرى شرقية أو غربية ولا حتى في هذه الأيام التي انتشرت فيها أعلام الحرية وانطلقت الأفكار من قيودها القديمة التقليدية. فكان الخلفاء وملوك المسلمين وأمراؤهم يجعلون ثقتهم فيهم ويسلمون إليهم طبهم وطب نسائهم ويأتمنونهم على حريمهم وأموالهم ويفضون غليهم بأسرار الدولة الإسلامية ويودعون عندهم أموالهم وذخائرهم ولا يجعلون بينهم وبينهم حجاباً بل يستقبلونهم في كل وقت وبغير إذن مثل المسيحي نزيل بغداد وإسحق بن حنين بن إسحق ويختيشوع بن جورجيس وأبي الكرم صاعد بن توما المعروف بأمين الدولة وأشباههم ممن لا نرى حاجة لسرد أسمائهم. وكان أكابر علماء المسلمين يتلقون العلم عن أفاضل النصارى وغيرهم عملاً بالحديث الشريف كما كان النصارى واليهود وغيرهم يتلقون العلوم الفلسفية وغيرها من علماء الإسلام فإن محمد بن موسى بن شاكر الذي كان أوفر الناس حظاً في الهندسة والنجوم في أيام المأمون كانت له دار في بغداد ككعبة لطلاب الفضل وعشاق العلم وقد تعلم فيها كثيرون ممن جعلوا لتلك الدولة بهاءً ورواءً وعطروا اسم الشرفق والإسلام. نكتفي الآن بذكر ثابت بن قرة بن مروان الصابئ الحراني نزيل بغداد فإن ابن شاكر المسلم لم يكتف بتخريجه في العلم بنفسه والإنفاق عليه من ماله حتى أكمل دروسه في داره عن الأساتذة

стр. 1719

الذين كان يدر عليهم الأرزاق لتنوير الأذهان بل رأى أن لهذا الصابئ حقاً عليه بهذا الجوار فوصله بالخليفة المعتضد وأدخله في جملة المنجمين فظهر فضله حتى بلغ عنده أجلَّ المراتب وأعلى المنازل وكان يجلس بحضرته في كل وقت ويحادثه طويلاً ويضاحكه والخليفة يقبل عليه دون وزرائه وخاصته. وقريب من ذلك ما وقع في مصر إذ التجأ إليه موسى بن ميمون اليهودي المشهور بعد ما أكره في الأندلس على الإسلام فأظهره وحفظ القرآن واشتغل بالفقه وأسرًّ اليهودية حتى إذا ما تحين الفرصة خرج إلى مصر في أواخر أيام الفاطميين فلما استقر الأمر فيها لصلاح الدين الأيوبي أخذه القاضي الفاضل (عبد الرحيم بن علي البيساني) تحت حمايته واشتمل عليه وقدر له رزقاً من خزينة الدولة لما رآه فيه من العلم الواسع والفضل الكامل. فإنه كان أوحد زمانه في صناعة الطب علماً وعملاً وكان متفنناً في العلوم وله معرفة جيدة بالفلسفة وكان الناصر صلاح الدين وولده الملك الأفضل يجلان قدره كثيراً ويعتمدان على رأيه في الطب وقد تولى الرياسة العامة على جميع اليهود بديار مصر. ولقد ابتلي موسى هذا في آخر زمانه برجل من الأندلس فقيه يعرف بأبي العرب وصل إلى مصر وحاققه على إسلامه وإلزام أذاه فمنعه عنه القاضي الفاضل وقال له: رجل يُكره على الإسلام لا يصح إسلامه شرعاً. وقد مدحه القاضي السعيد بن سناء الملك فقال: أرى طب جالينوس للجسم وحده ... وطب أبي عمران للعقل والجسم فلو أنه طبَّ الزمان بعلمه ... لا يراه من داء الجهالة بالعلم ولو كان بدر التم من يستطبه ... لتم له ما يدعيه من التم وداواه يوم التم من كلف به ... وأبرأه يوم السرار من السقم وأفادنا التاريخ أن الفارابي وهو المعلم الثاني (لأن المعلم الأول هو أرسطو طاليس) دخل العراق واستوطن بغداد وقرأ بها العلم الحكمي على يوحنا بن حيلان النصراني وأنه هو أقرأ يحيى بن عدي النصراني اليعقوبي الذي انتهت إليه رياسة أهل المنطق في زمانه. وقيل أن ابا سهل عيسى بن يحيى المسيحي الجرجاني وهو معلم الشيخ الرئيس ابن سينا صناعة الطب وإن كان الشيخ الرئيس بعد ذلك تميز ومهر فيها وفي العلوم الحكمية حتى صنف كتباً للمسيحي وجعلها باسمه. هذا وأنتم تعلمون أن يحيى بن عيسى بن جزالة

стр. 1720

النصراني قرأ الطب على النصارى وأراد قراءة المنطق فلم يكن فيهم من يقوم بهذا الشأن وذكر له أبو علي بن الوليد شيخ المعتزلة بأنه عالم بعلم الكلام ومعرفة للألفاظ المنطقية فلازمه لقراءة المنطق ثم حسن الشيخ له الإسلام حتى استجاب وكان يطب أهل محلته وسائر معارفه بغير أجرة ولا جعالة بل احتساباً ومروءة ويحمل إليهم الأدوية بغير عوض. وممن درس على شيوخ الأدب المسلمين يحيى بن سعيد ابن مالك النصراني فقد برز في هذا الفن حتى صنف ستين مقامة على مثال البديع والحريري فأحسن فيها وكان فاضلاً في علوم الأوائل وعلم العربية والشعر يرتزق بالطب. وهذا باب كبير جداً يتسع فيه المجال لعشرة أمثال هذا المقال غير أنني ألتمس الإذن من حضرات السامعين لأقص نبأ عليهم من أغرب الأنباء: أعرف في باريس رجلاً يهودياً من الذين توفروا على درس المشرق وآدابه وتواريخه وعنوا بالتنقيب عن كل شؤونه ونشروا كثيراً من مآثره الخالدة وأسفاره الممتعة وترجموا بعضها إلى اللغات الأجنبية. ذلك الرجل هو زميلي وصديقي العلامة الفاضل هرتويغ درنبوغ ولست الآن في مكان تقريظه وتعديد حسناته وإنما أقول لكن أنني رأيته في باريس قائماً بتفسير القرآن الكريم على جماعة من الطلبة الفرنساويين في مدرسة اللغات الشرقية فعجبت في نفسي من أمر هذا اليهودي الذي يشرح للنصارى في باريس وبلسان الفرنسيس كتاب المسلمين. ولكنني تذكرت تاريخ أجدادي وبه سيبطل عجبكم كما بطل عجبي. فقد كان الشيخ المؤرخ تقي الدين أبو العباس المقريزي المشهور صاحب كتاب الخطط المتوفى سنة ٨٤٥ من الهجرة له إلمام تام بمذاهب أهل الكتاب حتى كان أفاضلهم يترددون إليه للاستفادة منه فيما يتعلق بأمور دينهم وشرح مذاهبهم ومعرفة أسرار ملتهم وقد ألف كتاباً سماه شارع النجاة يشتمل على جميع ما اختلف فيه البشر من اصول ديانتهم وفروعها مع بيان أدلتها وتوجيه الحق منها وهذا بخلاف ما نراه في البيانات المفيدة الكثيرة في كتابه المشهور بالخطط الذي طبعه الخواجة روفائيل عبيد القبطي وقد أخذ الفرنساويون يترجمونه في هذه الأيام إلى لغتهم بمعرفة العلامة أوريان بوريان وبمعرفة العلامة كازانوفا المقيم بين ظهرانينا الآن لإكمال هذا العمل الجليل الذي برز في عالم المطبوعات قسم كبير منه.

стр. 1721

ولكن أين المقريزي وأين علمه من الفقيه الشافعي كمال الدين ابن يونس الذي ثقفه في الموصل ثم توجه إلى بغداد ثم رجع إلى الموصل ومات بها رابع عشر شعبان سنة ٦٣٩ فقد كان آية ولا كالآيات وأعجوبة ولا كالأعاجيب وموسوعة ولا كالموسوعات تبحر في جميع الفنون وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وتفرد بعلم الرياضة واتفق الفقهاء على القول بأنه يدري أربعة وعشرين فناً دراية متقنة فمن ذلك مذهب الشافعي فكان فيه أوحد الزمان وكان جماعة من الطائفة الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم ويحل لهم مسائل الجامع الكبير أحسن حل مع ما هي عليه من الإشكال المشهور وكان يتفنن فن الخلاف العراقي (أي على مذهب الشافعي) والبخاري (أي على مذهب الحنفي) وأصول الفقه وأصول الدين ولما وصلت كتب فخر الدين الرازي إلى الموصل وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء لم يفهم أحد منهم اصطلاحه فيها سواه وكذلك كتاب الإرشاد للإمام ركن الدين العميدي لما وقف عليه حل اصطلاحاته في ليلة واحدة وأقرأها على ما قالوه وكان يدري فن الحكمة والمنطق (أي كتب أرسطو طاليس المنطقية الثمانية) والطبيعي والإلهي وكذلك فنون الرياضة من إقليدس (أي كتبه الرياضية) والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي (أي الفلك) وأنواع الحساب: الحساب منه (أي علم العدد) والجبر والمقابلة والأرتماطيقي وطريقة الخطأين والموسيقى والمساحة معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في طواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها واستخرج في علم الأوفاق طرقاً لم يهتد إليها أحد وكان يبحث في العربية والتصريف بحثاً تاماً وكان له في التفسير والحديث وما يتعلق به وأسماء الرجال يد جيدة وكان يحفظ من التاريخ وأيام العرب ووقائعهم والأشعار والمحاضرات شيئاً كثيراً وكان في كل فن من هذه الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه وبالجملة فإن مجموع ما يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه جمعه ولقد كان كبار المشايخ الذين لهم القدم الراسخة في العلوم يأخذون الكتاب ويجلسون بين يديه ويقرؤون عليه مع أنه لهم من الكتب الفائقة ما يشتغل به الناس والطلاب بل كانوا يتركون بلادهم وتدريسهم ويحضرون إليه للتلقي عليه ولقد تخرج عليه خلق كثير في كل فن. وليس كل ذلك شيئاً يذكر بجانب أمر صغير كبير اشتهر عنه وهو الذي أردت أن أتخلص إليه بهذه المناسبة. وذلك أن علماء النصارى واليهود كانوا يقرؤون عليه الطب والفلسفة

стр. 1722

وغيرها من العلوم التي اعتاد أهل ذلك العصر عصر النور أن يقرؤوها لأهل الكتاب ولا يمنعوهم منها. فليس في هذا شيء من الغرابة وإنما الغريب أنه مع كونه معدوداً من الفقهاء والمفسرين كان كما رواه ابن خلكان وهو حجة ثقة يجيء إليه أهل الذمة من اليهو والنصارى ويقرؤون عليه التوراة والإنجيل وقد شرح لهما هذين الكتابين شرحاً يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله. ولو وقع مثل هذا في عصرنا لعد غريباً جداً. وممن قرأ عليه الحكيم تاذري الإنطاكي اليعقوبي الذي أحكم اللغة السريانية واللاطينية بإنطاكية وشدا بها شيئاً من علوم الأوائل ثم هاجر إلى الموصل وقرأ على كمال الدين بن يونس مصنفات الفارابي وابن سينا وحل أوقليدس والمجسطي. ثم عاد إلى إنطاكية ولم يطل المكث فيها لما رأى في نفسه من التقصير في التحصيل فعاد مرة ثانية إلى ابن يونس وأنضج ما استنهأ من علمه وانحدر إلى بغداد وأتقن علم الطب وقيد أوابده وتصيد شوارده وقصد السلطان علاء الدين ليخدمه فاستغربه ولم يقبل عليه فرحل إلى الأرمن وخدم قسطنطين أبا الملك حاتم ولم يستطب عشرتهم فسار مع رسول كان هناك للإمبرور ملك الفرنج وهو (فريدريكوس الثاني) فنال منه أفضالاً ووجد له به نوالاً وأقطعه مدينة بأعمالها. فلم صلح حاله وكثر ماله اشتاق إلى بلده وأهله فلم يؤذن له بالتوجه فأقام إلى أن مكنته الفرصة بخروج الملك في بعض غزواته إلى بلد المغرب فضم أطرافه وجمع أمواله وركب سفينة كان قد أعدها لهربه وسار في البحر مع من معه من خدمه يطلبون بر عكة. فبينا هم سائرون إذ هبت ريح رمت بهم إلى مدينة كان الملك قد أرسى بها فلما أخبر ثاذري بذلك تناول شيئاً من سم كان معه ومات خجلاً لا وجلاً لأن الملك لم يكن يسمح بإهلاك مثله. وممن جرى على هذا النحو العلامة برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفى سنة ٨٨٥ فإنه فسر القرآن في كتاب له اسمه نظم الدرر في تناسب الآي والسور وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد جمع فيه أسرار القرآن ما تحار فيه العقول وهو محفوظ بالمكتبة الخديوية وفي كثير من مكاتب القسطنطينية ولكي يكون هذا المفسر المحقق على بصيرة من أمره استمد كثيراً من الأمور والبيانات من التوراة والإنجيل وقد أشار في أوله إلى التوراة التي اعتمد عليها فقال ما نصه: واعلم أن أكثر ما ذكرته في كتابي هذا من نسخة وقعت لي لم

стр. 1723

أدر اسم مترجمها وعلى حواشي فصولها الأوقات التي تقرأ فيها والظاهر أنها نسخة اليهود وهي قديمة جداً فكان في الورقة الأولى منها محوٌ في أطرف الأسطر فكملته من نسخة السبعين ثم قابلت نسختي كلها مع بعض اليهود الربانيين على ترجمة سعيد الفيومي وهي عندهم أحسن التراجم فوجدت نسختي أقرب إلى حقائق اللفظ العبراني ومترجمها أقعد من سعيد في لغة العرب. وسعيد هو المشهور باسم سعديا. وقد ذكره صاحب كتاب الفهرست. وكان البقاعي كلما ذكر قصة مما ورد في القرآن تتعلق بأهل الكتاب شرح أمرها من التوراة غيرها من صحف الملل المتقدمة مثال ذلك أنه أشار في بعض المواضع إلى إحدى القصص فشرح أمرها من التوراة فقال ما نصه: في آخر السفر الرابع منها في النسخ الموجودة بين أظهر اليهود الآن في هذا القرن التاسع فيما قرأته من نسخة مترجمة بالعربية وخطها كذلك وعليه آثار قرءتهم لها وبيان الأوقات التي يقرأ فيها كل فصل منها ثم قابلتها بالمعنى مع شخص منهم وكان هو القارئ منهم ما نصه: وهذه مظاعن بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر بأجنادهم على يدي موسى وهارون وكتب موسى مخارجهم ومراحلهم عن قول الرب: ظعنوا من رعمسيس (وفي نسخة من عين شمس) في خمسة عشر يوماً من الشهر الأول. ولذلك قام عليه بعض الجهلة من أهل عصره وقبحوا طريقته قبحهم الله وأهانوه وسعوا به لدى الحكام ونفوه واضطهدوه بكل ما في وسعهم ولكن الرجل ثبت غي عمله حتى أتم تفسيره وصنف أيضاً بسبب ذلك كتابين أحدهما مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور والثاني: الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة وهو محفوظ بالكتبخانة الخديوية. تأتي البقية

стр. 1724

حكم منوعة حكم في سيرة الحياة ملخصة من كتب ديانة الهنود القديمة تتطهر النفس بمعرفة الذات وضبطها عن الشر وبالاستقامة والأدب والدين. الأم أثقل من الأرض والأب أعلى من السموات والعقل أسرع من الريح والأفكار أكثر عدداً من العشب. صديق رب البيت الزوجة وصديق الغريب في بلاد بعيدة الرفيق وصديق المريض الطبيب، وصديق المشرف على الموت الصدفة. أعظم خير للفضل الكرم. وللشهرة العطاء وللسماء الحق، وللسعادة السيرة الحسنة. الابن هو نفس الإنسان، والزوجة عطية من الله، وأخص معيشة الإنسان من الغيوم. خير ما يمدح الحذق وخير ما يُقنى العلم وخير ما يكسب العافية وخير أنواع السعادة القناعة. أعظم ما يجب على الإنسان الامتناع عن الإضرار بالناس. إذا أبى الإنسان الكبرياء كان محبوباً وإذا أب الغضب فلا يندم وإذا أبى الهوى صار غنياً وإذا أبى الطمع كان سعيداً. زجر النفس أحق الزجر، الصفح يقوم بالصبر على العداوة، والابتعاد عن كل عمل معيب يخلص من الخجل والعار. والرحمة قائمة بطلب الخير للكل. والبساطة راحة القلب. الغضب عدوٌ لا يغلب والطمع داء لا دواء له، والصادق من يريد الخير للخلق عامة وغير الصادق من لا رحمة فيه. الجهل الحقيقي هو الجهل بما يجب عمله. والكسل عدم القيام بما يجب عمله. الغسل الحقيقي غسل القلب من أوساخه. والصدقة مساعدة كل مخلوق محتاج. العالم من علم ما يجب عليه. والحسد ليس إلا حزن للقلب. الجهل الأعمى هو الكبرياء. ونشر كلام السوء في الغير. من يعد ولا يفي والغني الذي لا يعطي ولا ينفق على نفسه بخلاً كلاهما في النار الخالدة. من يقول قولاً شهياً صار شهياً عند الكل ومن عمل بالحزم نال ما طلب ومن كان له خلان

стр. 1725

كثيرون كان سعيداً ومن تابع الفضل كان له نصيب سعيد في الآخرة. السعيد من لا دين عليه ومن يلازم بيته. يذهب اليوم بعد اليوم أناس لا يحصى عددهم إلى منازل الموتى وأما الأحياء المتأخرون فيظنون أنفسهم خالدين في الحياة. خبر العمل الصالح يبلغ عنان السماء وينتشر في الأرض فما دام هذا الخبر كائناً يدعى الرجل رجلاً. من استوى عنده الطيب والمكروه والخير والشر والماضي والحاضر فهو المالك لعامة أنواع الثروة. من أقوال الفلاسفة القدماء الحواس كالشمس فكما أن الشمس تخفي السموات وتجلي رؤية الأرض هكذا الحواس تخفي الأشياء السماوية وتظهر الأشياء الأرضية. الاسم الحسن كالنار إذا اشتعلت مرة سهل دوام اشتعالها وإذا انطفأت لم تسهل إعادة اشتعالها. الحب الذي لا نهاية له هو الحب الذي لا غرض دنيّ منه. أحوج ما في العلم لفائدة الحياة نسيان ما هو غير صحيح. يتعلم الحكماء من الجهال أكثر مما يتعلم الجهال من الحكماء. ليست الرحمة صفة مغصوبة بل هي آتية من السماء كالمطر الرذاذ إلى ما تحتها وبركتها بركتان، بركة للمعطي وبركة للآخذ، وهي أجدر بالملك الجالس على عرشه من تاجه. وهي صفة ذات الله فتصير القوة الأرضية أشبه بقوة الله متى لطفت الرحمة العدل. وإن كان العدل حجتك فاعلم أن من هذا الوجه لا يرى أحد منا نجاة عند الله إلا أننا نلتجيء إلى رحمته وهذا الالتجاء يعلمنا جميعاً أعمال الرحمة. (شكسبير). بيروت يوحنا ورتبات حكم عصرية للمأسوف عليها العقيلة أنيسة كريمة الشيخ سعيد الخوري الشرتوني

стр. 1726

أحقر الناس جاهل ابن عالم وفقير ابن غني. ميراث كبير تعويد الولد العمل واجتناب المحرمات. من أحرز العلم بلغ ذروة الشرف. أجلّ الناس من جمع بين العلم والمال والفضيلة. أفضل رجال الدين من نمت في جوارهم الفضائل وانتشرت في معاشريهم نفحات الصلاح. معاشرة العلماء ضياءٌ ومعاشرة الجهال ظلام. جرائد كل عصر أصدق شاهد على أخلاق أهله وطبقاتهم في العلم. لا مؤونة للقلم واللسان بعد اللغة كالتاريخ والجغرافية. حافظ التاريخ والجغرافية ولطيف الشعر والأمثال والحكم زينة المجالس وفاكهة المحاضر. لا يضعف العدل والدين إلا متى كان زمامهما في أيدي أعدائهما. ما نظر الحكيم في شيء غلا استخرج منه فائدة. لا يسعد إلا من اعتصم بحبل الله. الفضلاء في الناس كالجواهر في الحجارة. قيمة العلماء في الأمم الشائخة قيمة المصابيح عند العميان. لا يغلب الحق وإن قل أنصاره. من أفظع العار أن يخالف الديانة من يسود باسم الديانة. الوعظ في فم الشرير كالماء الطاهر في المجرى النجس. أفضل ما تعمله المدارس اختيار الفضلاء البارعين للتربية والتعليم. أثمن الهدايا نصائح الحكام. مجاورة الصالحين كمجاورة النباتات العطرية. أملك الناس للقلوب مهذب حميد السيرة. من أحكم علماً عاش به. أولى الناس بالتزام السيرة الصالحة الحاكم والكاهن والطبيب فكل منهم مقتدى. استخدام الفقير أنفع من التصدق عليه. جدَّة المبادئ كالشباب وقدامتها كالشيخوخة فأصحاب المبادئ الجديدة ذوو همم قوية

стр. 1727

وأصحاب المبادئ القديمة ضعاف الهمم. من أحسن وسائل التقويم الترغيب في حسن الذكر. من أفضل الكتب التي تسمن عليها الآداب كتاب تليماك. الدين كاللوزة اجتناب المحرمات لبه والتكاليف قشره والمحافظة على القشر بعد إتلاف اللب رياء. أفضل المنشئين من لا تبلي الدهور كلامهم. جوامع الكلام منقولة عن الإنكليزية خشية الله أصل المعرفة والمجنون من يزدري بها (رأس الحكمة مخافة الله). فطرنا على حب الحياة ولو أنها قليلة اللذات. (جبلنا على حب الحياة وإنها ... مخيفة أحلام أطافت بحالم) جانب الشرير ولا تسر في سبيل أهل الدعارة فهم لا يأكلون غير الطعام الخبث ولا يكرعون إلا من نبيذ القسوة. لكل إنسان أن يعيش الدهر إذا كانت حياته روحية لا جسدية: إذا كانت حياته في طلب الحكمة وتخليد المآثر. وهذه حياة العظماء تؤكد لنا ذلك. الناس دون جهادهم موتى ول ... كن الأُلى عملوا المدى أحياء وفي هذا المعنى قال الرافعي أيضاً: وما غير العظائم باقيات ... يكرر ذكرها في كل آن يعمل المرء في حياته إما أعمالاً حسنة أو سيئة وعلى قدر ذلك يترتب هناؤه أو تعسه في الوجود. النجاح لا يقع اختياره إلا على رجل واحد من الناس لا يصاحب سواه وهذا الرجل هو الذي لا يعمل عملاً قبل أن يُعمل فكره فيه. قال وليم شكسبير: إنما العالم مسرح والناس من رجال ونساء ليسو سوى ممثلين يظهر كل عليه ويختفي. والمرء في حياته يمثل سبعة أدوار. فالدور الأول وهو زمن الطفولة إذ

стр. 1728

يكون رضيعاً يصرخ ويقيء بين ذراعي مرضعه. والثاني حين يصبح تلميذاً يحمل قمطره ووجهه يفيض بشراً وسناءً في الصباح يقفز كطير البجع ويتظلم من الذهاب إلى المدرسة. والثالث دور الهوى وهو الزمن الذي يكون فيه عاشقاً يتنهد تنهدات حارة تحكي زفرات الأفران وهو ينشد أغاني مطربة يخاطب بها لحاظ مالكة فؤاده. والدور الرابع وهو دور الشجاعة والإقدام حين يكون جندياً يقسم الإيمانات ولحيته تشبه لحية النمر: يغار على الشرف ويقتحم الغارات بخفة باحثاً عما يجديه فخاراً ولو في فوهات المدافع. هذا الفخار الذي أراه كجبب الماء لا يدوم ولا يلبث. والخامس وهو الدور الذي يجلس فيه على سرير الأحكام ويقضي بين الناس وبطنه ممتلئ مستدير وبصره حاد ولحيته مقصوصة قصاً مخصوصاً: عقله راجح وفكره ملم بكثير من الحوادث واعٍ لما صدر فيها من الأحكام. والسادس يبدأ باكتسائه الأردية الرفيعة القماش الواسعة الحجم ووضعه المنظار أمام عينيه وتعليقه كيساً بجانبه وقد غدت جواربه التي كان يلبسها وقت الصغر غير ملائمة لرجليه لكبر حجمهما وصوته ضئيلاً متلعثماً يحاكي صوت الأطفال. أما المنظر الأخير الذي ينتهي به هذا التاريخ المحزن الغريب فهو الطفولة الثانية يعني الشيخوخة والخبل المتناهي يتبعه فقد السنان والبصر والذوق بل وتضعضع جميع الجسد وقال كذلك على لسان ماكبيث: انطفئ يا ذا السراج انطفئ ... فإن الحياة خيال يسير وقال أيضاً: تأمل كثيراً وتكلم قليلاً ولا تشرع في تحقيق رأي يعجز عقلك دونه. عامل الناس بالعرف وراع واجبات الصداقة وضم من صادقتهم وتحققت إخلاصهم إلى قلبك وعلقهم بأطواق من الحديد ولاتضع كل إنسان حديث العهد بالمعرفة بك موضعاً علياً فتعلق بيدك الأكدار. حاذر من التشاجر مع أحد وإذا قدر لك هذا فاجتهد في إرهاب خصمك. أعر كل إنسان سمعك ولا تدع صوتك يقرع إلاّ آذان فئة قليلة من الناس. وقال يوحنا رسكن: خلق الإنسان لثلاثة دواع وهي العمل والأسى (الحزن) والسرور وكل من هذه الثلاثة له درجتان: وضيعة ورفيعة. فهناك عمل وضيع وعمل رفيع. وهناك حزن هين وآخر شديد. وكذاك فرح قليل وسرور مفرط فيلزمك أن لا تنأى عن الجمع بين هذي الثلاث ظناً منك أنه يتأتى لك أن تحيا بدونها فليست هناك نفس خلت من التشبث بها

стр. 1729

فانجبر وهيها. والعمل بدون السرور رديء وهو بدون الحزن كذلك. والحزن من غير العمل قتال وكذلك الحبور بدون العمل. وقال: تواضع على قدر ما ترغب فليس التواضع بمؤذ لإنسان ولكن خلّ شرفك في المحل الأول. وقال: لا يتقدم في سبيل الحياة إلا من كان قلبه آخذاً يزداد ليناً ودمه حرارةً وخاطره سرعة ونفسه رغبة في العيش مع السلام وأولئك الذين يوجد فيهم هذا الشعور هم هم ـ لا غيرهم ـ الأمراء والملوك الحقيقيون في الأرض. القاهرة أ. ز. أ

стр. 1730

الساعة وخرساَء لم ينطق بحرفٍ لسانها ... سوى صوت عرق نابض بحشاها حكت لهجة التمتام لفظاً ولم تكن ... لتُفصح إلاَّ بالزمان لُغاها لها ضربانٌ في الحشا قد حكت به ... فؤاداً تغشاه الهوى وحكاها جزت حركات الدهر في ضربانها ... وبانت مواقيت الورى بعماها على وجهها خُطت علائم تهتدي ... بها الناس في أوقاتها لمناها مشت بين آنات الزمان تقيسه ... وما هو إلاَّ مشيها وخُطاها بها يتقاضى الناس ما يوعدونه ... ويرشد ضُلاّل الزمان هداها غدت كأَخي الإيمان تأكل في عاً ... وما أكلها إلاَّ التواءٌ مِعاها تدور عليها عقرب دور حائر ... بتيهاَء غُمت في الظلام صُواها تريك مكان الشمس في دورانها ... إذا حجبت عنك الغيوم ضياها فأعجب بها مصحوبةً جاء صنعها ... نتيجة أفكار الورى وحجاها بَنتها النهى في الغابرين بسيطةً ... فتمَّ على مرّ الزمان بناها تنادي بني اليام في نقراتها ... أن اسعوا بجدّ بالغين مداها ولا تهملوا الأوقات فهي بواترٌ ... تقطع أوصال الحياة شباها بغداد معروف الرصافي

стр. 1731

الشرق رعى الله عهداً بالحمى يرجع ... وهل راجع ما فات والقوم هجع وقد كان فيه من أقاموا بجدهم ... أراكين مجدٍ دونها القوم خشع وشادوا قصور المكرمات واطلعوا ... بدور علوم ما لها اليوم مطلع وقد غربت في الغرب شمس علومهم ... فهل بعد ما تقضي اللبانة تطلع فإنا عهدنا الشمس تحجب ليلةً ... ولو لبثت عنا ليالي نجزع فما بالها تمضي القرون ولا نرى ... جمال محياها على الشرق يسطع فهل لك يا نور الوجود ضغينة ... على أهله أم هم إلى اللهو نُزَّع سلوك فأسلوك المرابع بعد ما ... سفرت لهم دهراً ومالك برقع وما الشرق إلا منزل نام أهله ... طويلاً فما يدرون ما الناس تصنع فيا علماء العصر أشكو إليكم ... فهل عندكم للشكو يا قوم موضع فإن لم يجيبوا داعي الله للعلى ... فللصبر إن لم ينفع الشكو أوسع بيروت الغلاييني

стр. 1732

مطبوعات ومخطوطات مبادئ اللغة للشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي المتوفى سنة ٤٢١ هجري مع شرحه له عني بتصحيحه السيد محمد بدر الدين النعساني الحلبي وطبع على نفقة أحمد أفندي ناجي الجمالي ومحمد أمين أفندي الخانجي وأخيه بمصر عن نسخة جيء بها من بغداد وقد وجد في الأصل المنقول عنه: هذا الكتاب أعني مبادئ اللغة مستخرج من كتاب العين للخليل ونوادر ابن الأعرابي وحروف أبي عمرو الشيباني ومصنف أبي زيد وجمهرة ابن دريد الأزدي. وفي الكتاب كثير من الفصيح الذي أخذه صاحب فقه اللغة وهو مما ينتفع به المترجمون والمؤلفون في هذا العصر وفيه فصح كثيرة وردت في أبواب منه مثل باب الكسوة ويدخل تحتها أصناف الثياب والملابس وباب البسط والفرش ونحوهما وباب الحلي والجواهر وباب الأواني والسراج وأبواب الطعام والطبخ والألبان والشراب وآلات البيت والأدوات وآلات الكتابة والزراع والسلاح وغير ذلك مما يلزم المتخاطبين في سفرهم ومقامهم وليلهم ونهارهم وبيوتهم وأعمالهم وحضارتهم وتأخرهم. وحبذا لو أضاف إليه طابعوه فهرساً بأسماء أبوابه وبيان فوائده وشوراده وأوابده. وقد وقع في ٢٠٤ صفحات وثمنه سبعة قروش مجلداً. توفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية هي رسالة للمرحوم الشيخ محمد الشطي المتوفى سنة ١٣٠٧ ذكر فيها مادة مما وافق فيها القانون العثماني الشرع الإسلامي قال في مقدمته: ولما نشأ من تضييق بعض العلماء على الملوك السابقين جعل الحكم على قسمين شرعي ونظامي تبادر إلى الأذهان أن الحكم النظامي مخالف للشريعة المطهرة المأخوذة من القرآن والسنة ومن تتبع أقوال الأئمة المجتهدين وأحكام الصحابة والتابعين وجد أن الأحكام كلها مأخوذة عن سيد المرسلين والرسالة مطبوعة طبعاً جيداً في مطبعة الشيخ فرج الله زكي بمصر. تقويم المؤيد صدر تقويم المؤيد عن سنة ١٣٢٦ وهي السنة الحادية عشرة له تأليف محمد أفندي مسعود المعروف بسعة اطلاعه وعلمه وأدبه حافلاً بأجل الفوائد التي يحتاج إليها الخاصة والعامة

стр. 1733

والرجال والنساء والمصريون والغرباء ولا عجب إذا قلنا أنه صورة مصغرة من تاريخ مصر وما يلزم لساكنها خصوصاً بل لساكن البلاد العربية عامة من المعلومات الفلكية والفنية والأدبية وأخبار الملوك والممالك والحوادث والمعاهدات الدولية والمسائل السياسية وأحوال الزراعة وتدبير المنزل وما تم من أساليب الارتقاء المادي والأدبي في مصر في السنة الماضية وقد طبع في مطبعة المؤيد طبعاً جميلاً ويطلب من إدارتها وثمنه خمسة قروش فنحث على اقتنائه ونرجو أن يوفق مؤلفه إلى إصداره سنين كثيرة ليزيده ارتقاءً فوق ارتقائه خدمة للغة وأهلها. مجموعة خطب للشيخ جمال الدين القاسمي وهي خطب جمعية منبرية مقتبسة من خطب نبوية وصحابية وأئمة مشاهير موضوعها العقائد والعبادات والمعاملات والشمائل والأوامر والزواجر والآداب والأخلاق والمواعظ وأحوال المعاد وهي في نحو ١٣٠ صفحة صغيرة جميلة الوضع والانتخاب وكنا نود لو كانت كلها مما كتب قبل القرن السادس لتجمع الفائدتين كما هي نافعة في الدارين. تطلب من طابعها محمد أفندي هاشم الكتبي في دمشق. سياحة في التبت ترجم عن التركية حكمت بك شريف سياحة مختصرة في بعض مجاهل آسيا كما ترجم من قبل تاريخ زنجبار وسيام فعساه يترجم أو يؤلف لنا رحلة أو تاريخاً عن هذا الشرق الأدنى أو القريب فيكتب بعد تبت عن العراق ونجد والحجاز واليمن ويحدثنا بعد زنجبار وسيام بأخبار آسيا الصغرى وبلاد الشام. تطلب الرحلة من المكتبة الرفاعية في طرابلس الشام. دليل السلام أصدرت إدارة جريدة السلام التي تطبع بالعربية في بونس أيرس عاصمة الأرجنتين (الجمهورية الفضية) دليلاً يحتوي على أهم الفوائد التجارية والإحصائية والتاريخية والحسابية والأخبار والفكاهات بالعربية والإسبانيولية جاء فيه أن عدد السوريين في تلك البلاد يربو عن ٤٥ ألفاً وأن عدد الجرائد والمجلات التي صدرت بالعربية منذ سنة ١٨٩١ في أميركا الشمالية والجنوبية قد بلغت إلى الآن أربعين بقي منها حياً ٢١ وفي هذا الدليل فهرس عام لتجار السوريين في الأرجنتين وفيه صور كثيرة وفرائد غزيرة وإعلانات جمة

стр. 1734

وجاء فيه أن أحوال الجالية هناك على أحسن ما يكون من الارتقاء فمنذ بضعة سني كان يندر أن تجد محلاً تجارياً قائماً بما يتطلبه نظام التجارة من ضبط دفاتر وحسابات واليوم نرى مثل هذه المحال مئات ومنذ بضع سنوات كان تنقضي السنوات ولا تسمع بجمعية أسست أو مشروع قام وفي أيامنا لا تخلو سنة من عشرات المشاريع يقوم بها المتنبهون عن كفاءة وشعور. اللباب هي مجلة علمية فلسفية طبية زراعية تصدر في القاهرة في أول كل شهر لصاحبها م. ا. ا. ن ومديرها خليل أفندي مولود جاءتنا الأجزاء الثلاثة الأولى منها فقرأنا فيها عدة مقالات مختصرة في المعنى الذي ترمي إليه قالت في مقدمته: إننا نرمي في كلامنا على بطء مسير حركة العلم ونضوب معين الأقلام في التنقير على استجلاء الحقائق والقحط الذي أصاب أدمغة رجال الأقلام وأرباب الكتابة والتأليف ولم يتناول جميع المطالب العصرية التي عقمت بها أرحام الأقلام وأجدبت عن إنباتها رياض الإفهام وغدت بها مجلات العلم والأدب عالة على النقل والتعريب عن منشآت أوروبا حالة أن مجال الكتابة أرحب من الفضاء وموضوع عمراننا أغزر من الدماء ولم الألسنة قد انفتقت إلا لتزيين التقليد والتقاعد عن ركوب خطة التوليد ولم نر الخواطر قد انفدحت إلا لاختراع ضروب النقل والمسخ مكاثرة لهذا النوع من الكتابة الذي جر على العربية وآدابها معرة النقص وأورث صناعة الأدب كساداً وأي كساد. وإنا لندعو أن توفق رصيفتنا الجديدة إلى سد هذا النقص المحسوس في اللغة العربية ونعني به التوليد والاختراع والبعد عن مواطن التقليد والجمود من نقل وتعريب. وفي كل جزء من الأجزاء الثلاثة مقالة للأمير شكيب أرسلان الأولى في الانتقاد والثانية في حقيقة التعريب والثالثة في تركة الفضل أخلد الآثار. والمجلة سلسة العبارة لطيفة المنزع تصدر في ٥٦ صفحة في حرف واضح جلي وطبع سليم نقي وقيمة اشتراكها في القطر خمسون قرشاً وسبعون في سائر القطار فنرحب بها ونتمنى لها الثبات في خدمة اللغة والآداب والإقبال الذي تستحقه. شورا

стр. 1735

هي مجلة علمية أدبية فيها بعض أبحاث تصدر مرتين في الشهر باللغة التركية في مدينة أورنبورغ من أعمال روسيا لصاحبيها محمد شاكر أفندي ومحمد ذاكر أفندي رامبيف ومحررها رضاء الدين أفندي بن فخر الدين صدر منها إلى الآن ستة أجزاء فتلوناها مسرورين من نشاط أخواننا الروسيين في خدمة المعارف والآداب وعبارتها تركية تترية يسعى كابتها إلى تقريبها من التركية العثمانية ليعم الانتفاع بها وفي هذه الأجزاء مقالات لطيفة تدل على سلامة ذوق الكاتب وأدبه الجم وفيها بعض صور لمشاهير الروسيين المسلمين ممن كان لهم أثر في نهوضهم الاجتماعي والعلمي مثل الشيخ شامل وغيره وتراجم موجزة لهم وقيمة اشتراكها أربعة روبلات وإذا اشترك المشترك بها مع جريدة وقت يؤخذ منه سبعة روبلات ويا حبذا لو جعلت هذه المجلة ملزمة واحدة منها باللغة العربية تنقل فيها أهم ما يهم الأمة من أخبار تلك البلاد ونهضتها العلمية والأدبية تجعلها ملحقاً في كل جزء من أجزائها فيكون لها شأن بين قراء العربية كما لها شأن بين قراء التتارية والتركية. المفضليات طبع الشيخ أبو بكر بن عمر داغستاني والشيح حمزة أمين حلواني مختارات المفضل الضبي التي اختارها من شعر العرب للمهدي بطلب من أمير المؤمنين المنصور فجاءت في نحو مئتي صفحة متوسطة مشكولة كلها ما خلا الشرح الخفيف الذي علقه عليها الشيخ أبو بكر الموما إليه والمفضليات غنية عن التعريف وهي تطلب من مكتبة مصطفى أفندي البابي الحلبي وأخويه في مصر بستة قروش. تقرير المجمع العلمي الشمثوني السنوي من أعظم المجامع العلمية في الولايات المتحدة المجمع الشمثوني الذي أُسس في نيويورك سنة ١٨٤٦ بمال جاد به رجل اسمه سمثون ولا تزال أعماله في نجاح سنة بعد سنة كما يفهم من تقاريره السنوية وأمامنا الآن تقريره عن سنة ١٩٠٦ شرحت فيه الجمعية ميزانيتها التي بلغت مئات الدولارات وذكرت أسماء من تبرعوا لها بالأموال وفيه مقالات كثيرة لمشاهير كتاب الطبيعة والكيمياء والفلك والحيوان والنبات من أميركان وفرنسيس وغيرهم مما تنشر مثله كل سنة ليكون عوناً للناس على التعلم والاستنارة والتقرير يقع في

стр. 1736

نحو ٥٥٠ صفحة جيد الطبع جداً نفيس الورق وهو حاو لرسوم علمية ومصورات جغرافية كثيرة فنثني على رجال هذا المجنمع بما هم أهله ونتمنى لشرقنا المسكين ولو مجمعاً واحداً من مثل مجمعهم النافع. نادي دار العلوم أحسن هذا النادي بأن طبع ما ألقي فيه من الخطب هذا الشتاء في موضوع اللغة العربية وتسميته المسميات الحديثة فإن فيها من المباحث ما هو جدير بأن تتناقله كل يد فقي كل بلد وقد قرر النادي حلاً لهذا الإشكال أن يبحث في اللغة العربية عن أسماء المسميات الحديثة بأي طريق من الطرق الجائزة لغة فإذا لم يتيسر ذلك بعد البحث الشديد يستعار اللفظ الأعجمي بعد صقله ووضعه على مناهج اللغة العربية. فنرجو أن يوفق القائمون بهذا المشروع إلى تأليف المجمع الذي ينوون تأسيسه للنظر في هذا الغرض الشريف.

стр. 1737

سير العلوم والاجتماع التعليم والذكاء من المعروف الشائع أن التعليم يزيد الذكاء حدة ويقوي الذهن إلا أن طبيبين نطاسيين قد بحثا بحثاً طويلاً في ذلك فتبين لهما أن الولد ينسى بعد خمس سنين من سنه ما تعلمه من قبل نسياناً تاماً فالذاكرة كما يتوفر على تنميتها في المدارس لا يبقى فيها شيء بل أن العقل لا يحاول أن يعرف ما يجهل وقليل من الأولاد من حازوا من العارف قسطاً مما لم يتعلموه في المدارس وما يعرفونه كله مبادئ ويزول أثره من الذهن في الغالب. وقد سأل أحد الدكتورين تسعة وثلاثين تلميذاً من الصفوف العالية وتسعة وثلاثين تلميذاً من الصفوف الواطئة وثمانية وخمسين تلميذاً من الكليات أسئلة كلها بسيطة فلم يكن الجواب إلا التسجيل عليهم بالجهل المطبق وفي المسائل التي كان ينبغي لها شيء من صحة الحكم كان سكوتهم عليها محزناً فاستنتج من ذلك أن التعليم لا يساعد إلا قليلاً جداً على تقوية العقل وينبغي إصلاحه على صورة عملية أكثر من الآن. وهذا الرأي موافق لرأي هارون غورست الذي يرى المعارف المدرسية للذكاء أشبه بسم حقيقي ولذلك يطلب أن يكون الامتحان محدوداً معيناً وأن كل من يعاني صناعة بموجب شهادة بيده يجب عليه أن يفحص أمام جماعة من المحكمين كل خمس سنين وما هذا إلا لأن التعليم اليوم يقتصر فيه على الإكثار من الكتب والإكثار من الامتحان الشفاهي وتعلم الألفاظ والجمل وإهمال التزود من الأفكار وتمرين العقل على التفنن فيها وإيجادها. التفروزين هو نبات ينبت في جزيرة سيلان وكولومبيا وأميركا الوسطى وهو يستعمل للصباغ ويخرج منه نوع صباغ من النيلة ويكون منه مسهل ويستعمله الأميركان لتدويخ السمك ليسهل صيده وقد قرأ أحدهم في مجمع العلوم الباريزي تقريراً جاء فيه أن هذا النبات من السموم الشديدة وأن الصيادين لا يسكرون به السمك بل يسممونها ورأى أن يناقشوا الحساب في استعماله ويمنع بيعه إن أمكن. بعد الشمس ثبت أن الشمس بعيدة عن الأرض أكثر مما كان معروفاً فبعد رصدها ٢٦٠٠ مرة

стр. 1738

بالتلسكوب و١١٠٠٠ مرة بالصور الشمسية تبين أن الشمس بعيدة عنا ١٤٩٤٧١٠٠٠ كيلومتر وكانوا يقولون منذ عهد كبلر أنها بعيدة ١٤٨٥٠٠٠٠٠ كيلومتر والفضل في هذا التحقيق يرجع إلى ما اكتشفه المرصد الفلكي في برلين سنة ١٨٩٨ من نجم مذنب صغير لم يكن معروفاً من قبل سموه (ايروس) وهو يقترب من الأرض بعد الأحايين فساعد هذا النجم على حساب بعد الشمس. الأرق أثبت أحد روّاد الإنكليز خلال صعوده جبل كون كون في بلاد كشمير شمالي الهند أن النوم على علو سبعة آلاف متر يقل ويحالف السهاد المقل لأن الأوكسجين يندر والتنفس يصعب فلا يلبث المرء أن يغفى حتى يستيقظ كالمذعور. أغنى كلية أغنى كلية في العالم هي كلية هارفرد الجامعة في الولايات المتحدة فإن رأي مالها خمسة وعشرون مليون جنيه فإذا أضيف إليها ثمن أراضيها وأماكنها وخزائن كتبها ومستشفياتها بلغ مجموعها نحو ثمانية وثلاثين مليوناً وهذه المدرسة بعيدة عن مدينة نيو كبردج. وفي هذه الولاية يُحظر بيع المشروبات الروحية. ويقبض رئيسها راتباً في السنة ستة آلاف دولار وكل أستاذ ثمانمائة جنيه وكل مساعد أستاذ أربعمائة جنيه وفيها نحو ٥٠٠ أستاذ و ٤٠٠٠ طالب. تبرج النساء كتب باولو لومبروزو العالم الإيطالي مقالة في هذا الموضوع قال فيها أنه ثبت أن أصل التبرج المشهود في النساء كان في أول الأمر مألوفاً لهن فأخذن يعمدن إليه استمالة لقلوب الرجال وما زلن في تفنينهن حتى صار فيهن على كرور الأعصار عادة وجبلة. فقد شوهد أن النساء المجنونات يفقدن لأول عهدهن بالجنون الرقة والحشمة والطهارة على أن حب التبرج يبقى مغروساً فيهن فيحرصن عليه. والتبرج مما عمت به البلوى كل النساء بدون استثناء فتراه عند الأميرة الكبيرة كما تراه عند الزنجية الحقيرة ولهن في التفنن بذلك أساليب حتى أن إحدى الغنيات الكبيرات في أميركا أراد أن يزورها ذات يوم أحد الأمراء من بعض الأسرات المالكة فتأهبت لذلك بأن أوصت على قفطانين جميلين إحداهما وردي

стр. 1739

والآخر أبيض صرفت فيهما ألفي جنيه. ولكن كيف السبيل إلى أن تظهر أمام الأمير بالقفطانين في آن واحد فأوعزت إلى خادم لها وهي على المائدة أن يلقي عليها شيئاً من المرق من صفحة يحملها فعندها انسلت إلى غرفة تبرجها ولبست القفطان الآخر فتم لها ما أرادت من الظهور أمام الأمير في ثوبين ثمينين في آن واحد. وليست المرأة محبة للتبرج في جميع طبقات المجتمع الآن بل كانت كذلك منذ العصور المتطاولة في زمن يكاد يكون فيه اختراع السكة والمحراث جديداً أي في العصر الذي كان الإنسان يسكن فيه المغاور. فقد عثروا في بعض الكهوف على أقراط وحلق وأساور. وترى النساء المتوحشات لا يبالين بالألم ويفادين بكل عزيز في سبيل تبرجهن فيضعن الوشم على أكثر أطراف أجسمهن تأثراً كالفم والصدر ويثقبن الآذان وأنوفهن وشفاههن ويدخلن في لثاتهن قطعة من الخشب ويقلعن أسنانهن ويضغطن على رؤوسهن لتكون مستطيلة ويصغرن أرجلهن تساوي في ذلك الشابات والعجائز وإنك لترى بنات الستين يذكرن أيام شبابهن ولا يقصرن في التبرج كما ترى الطفلة الصغيرة أول ما تفتح عينها عليه أنواع التبرج والزينة. ومن غريب ما شاهد في تبرج النساء أن امرأتين في إحدى مستشفيات المجاذيب توصلن إلى أن يضعن على وجهيهما الأبيض والأحمر مع أن يُحظر على المجذوبات كثيراً أن يُؤتى إليهن بشيء من الذرور البيض والعطور وغيرها من أدوات الزينة فأخذت إحداهن أو بعضهن ينحتن بأسنانهن كلس حيطان غرفهن وجمعنه فصبغن به وجوههن أبيض ناصعاً أما الحمرة فعمدت إحداهن إلى قميص وهو قميص المستشفى وكان فيه بعض خيوط حمر فأخذت تنسلها حتى أتت عليها ثم وضعتها في إناء وصبت عليها ماء فانحل صباغه فصبغت وجهها وقد توصلت إحدى مختلات الشعور إلى أن صنعت لنفسها مشداً من أسلاك الحديد تشد به خصرها فكانت تذنب مرات عمداً حتى تسجن في مكان بعيد عن رفيقاتها وراء حائط من أسلاك الحديد فتنسل كل مرة سلكاً حتى تجمع لها ما أرادت. وقد جرب بعضهم إدخال ثلاث أصناف من الألبسة إلى إحدى مستشفيات المجذوبات أعلى وأوسط وأدنى وقرر أن من كانت منهن حسنة السلوك تعطى الثوب الأعلى فما كان منهن كلهن إلا أن أحسن سلوكهن ليأخذن ثياباً من النمط الجديد. النساء وإن يكن لا يرين في التبرج حرجاً عليهن إلا أنهن لا يردن أن يقال عنهن

стр. 1740

متبرجات ويتظاهرن بأنهن لا يصرفن في التبرج أوقاتاً كثيرة مع أن أكثر أوقاتهن تصرف في إعداد معدات التبرج وما شأنهن في ذلك إلا شأن أولئك الشعراء الذين يحذفون ويثبتون من قصائدهم عشرين مرة ثم يدعون أنهم ارتجلوها ارتجالاً. ولطالما تحمل النساء صنوف الأوجاع في سبيل ما يورثهن بهجة ويعددنه من آيات التبرج مثل أولئك الصينيات اللائي يضعن أرجلهن في قوالب خاصة ليصغر حجمها ولكن ذلك يورثهن أمراضاً وإصابات أقلها أنهن يمشين قفراً مشية الكركي الأشل. وكذلك النساء في شبه جزيرة ملقة فإنهن يرين من آيات الجمال أن يكون عنق المرأة طويلاً فصنعن لذلك كلابات يضعن فيها رؤوسهن ليورثن بذلك طولاً لأعناقهن حتى تصير كأعناق الزرافة. والنساء الزنجيات في غانية الجديدة وبريطانيا الجديدة في المحيط الكبير يقعلن أسنانهن ليظهرن أكثر جمالاً بزعمهن بل أن النساء في تونس يطعمن الأرز ليصبحن كالأوز السمين بحيث لا يستطعن الحركة وكذلك نساء الإفرنج يتحملن كل مشقة في سبيل وضع المشد على خصورهن. وعلى كثرة تحذير الأطباء لهن عاقبة ضغط المشد ما برح أكثر النساء يستعملنه ويصبن بأمراض الكبد وتشوه الجسم وأحياناً يفضي بهن إلى الموت وهن لا ينتهين بل يصبرن على آلام المشد صبر أيبوب على بلواه ويكدن لا يتنفسن طول ليلة بأسرها وهن مع الرجال في الأندية. كل هذا مما يستدل به على ضبط النساء لهواهن وقمعن أنفسهن. وهذا استنتج بأن التبرج مطلوب للنساء وأنهن في حل مما يقمن به ولأأنهن كن قبل ستمائة سنة لا يقرأن ولا يكتبن في أوروبا ومع هذا كن يعنين بالتبرج ولهن فيه أساليب اخترعنها وتقلبن فيها بحسب الأزمان شأن النساء الموغلات إلى اليوم في التوحش من الأمم فإنك تراهن قد يغيرن أساليب التبرج وإن كانت آنيتهن وماعونهن وخرثيهن على الصورة الأصلية. فالتبرج ضروري للاجتماع يورثه بهجة ونشأة ولولا النساء وتبرجهن ما تجلت لعينيك البيوت والقصور ذات بهجة فالنساء بتبرجهن يدخلن السرور على القلوب والنظام على الأماكن وإذا قارنت بين بيت لا نساء فيه يزدنه بهجة ويزينن غرفه ومقاعده وحوائطه وبين دير ليس فيه إلا الضروريات من لوازم الحياة تجد الفرق بين التبرج وعدمه وزينة النساء ونقيضها مثل الشمس ظاهراً فالتزين والتبرج مطلوبان على كل حال في حياتنا

стр. 1741

الاجتماعية ولها نفع عظيم لأن فيهما من اللذة وسعادة العيش الخضال. مآكل العظماء ومشاربهم بحثت المجلة الباريزية فيما يأكله العلماء والكتاب وارباب الفنون في إنكلترا فقالت أن من صفات الإنكليز والإيكوسيين والغاليين والإيرلانديين ممن تتألف منهم بريطانيا العظمى في الأكثر الثبات وتحمل شدة الهواء فيرون في الأغلب التنزه في الهواء الطلق من الواجبات الصحية مثال ذلك اللورد أفبوري المعروف باسم السير جون لوبوك فإن قوة جسمه ناشئة عن جمعه الرياضات الطبيعية والسياحة إلى الاعتدال والتقلل وقال إن سبب طول حياته عنايته بقواعد فن الحياة فيأكل مآكل بسيطة قليلة ويتناول شيئاً قليلاً من الكحول وأنه يكاد لا يتناولها ولا يدخن وهو مشهور بالسياسة والعلم يتعب كثيراً في أعماله وعمره أربع وسبعون سنة. وقال السير ويليام كروكس وهو من كبار العلماء الذين لا ينفكون عن البحث والدرس والتأليف والاختراع وهو الآن في الخامسة والسبعين من عمره أنه يأكل بسرور كل ما يستطيبه على المائدة ولكن باعتدال ويشرب الخمر ويدخن وكانت صحته في جميع أطوار حياته جيدة جداً. ومثله غي عدم الكلال من العمل فريدريك هاريسون العالم المؤرخ الفيلسوف وهو اليوم في السابعة والسبعين من عمره يقتصر مأكله على اللحم ولكنه مقل في تناوله كما يأكل البقول واللبن والبيض. قال وأرى أن سبب الهرم العاجل الذي يصيب الطبقة العالية الغنية هو ما يتناولونه من المآكل لا ما يتناولونه من المشارب من بلغوا سن السبعين يجب عليهم أن يقللوا كمية طعامهم إلى النصف مما كانوا يأكلونه في فتوتهم. وأول قاعدة في الصحة جربت عليها هي أن أخرج من المائدة بدون أن تكون قابليتي للطعام قد سكنت. وأنا مسلم من حيث تناول الشربة الروحية فلا أتناولها طول نهاري اللهم غلا في المساء فإني أتناول قدحاً أو قدحين من خمر ألمانيا الأبيض أو غيره ولكن لا على أنه يعين القوى الطبيعية أو العقلية. ولا يسعني إلا ن أمدح الاعتدال في تناول الشاي والقهوة في النهار لا في الليل أو المساء. وأنا لا أدخن وأمقت هذه العادة وأعدها مما يتقزز منه ويضر بالحاضرين. فالتدخين كاستعمال السعوط والسكر وحلف الأيمانات كلها من العادات الفاسدة الضارة. وأنا أعرف كثيراً من الناس أثرت في صحتهم عادة استعمال التدخين. أنا اليوم في السابعة والسبعين من عمري لم أمرض في حياتي منذ كنت في التاسعة وقد أصبت

стр. 1742

بالحميراء وما قط عزفت نفسي عن العمل والكتابة فأنا اليوم أقدم المفروض علي للمطابع من الكتابة بنشاط أكثر من نشاطي أيام حياتي الماضية وعندي أن طول حياتي كان لتقللي وعنايتي بالرياضة كل يوم في الهواء الطلق وربما صعدت الجبل إذا اتسع لي الوقت وما قط تعبت من العمل ولا عملت بدون سرور. وقال الكونت روبرتس وهو الآن في السادسة والسبعين خدم الجندية وقاسى الأهوال في حياته وأكل الخشب وشرب العكر وتعرض للملاريا والأمراض وحضر حصار المدن ومعاركة الأبطال ومع هذا فهو في أجود صحة: إن سبب طول حبل أجله ناشئ من أنه يدخن قليلاً أو لا يدخن وأنه يأكل ويشرب باعتدال. والسير ويليام ميكايل روزتي هو الآن في التاسعة والسبعين من عمره عالم وأديب سئل عن القواعد التي يراها لدوام الصحة فقال أن الاعتدال في مأكله ومشربه هو سبب صحته وقد اعتدت التدخين منذ صباي وأنا أعد مكثراً منه وأرى أنه يشوش علي الهضم في الأحايين ولكني لست مصاباً بسوء الهضم وقال السير شارل ستانلي وهو من كبار الممثلين والمغنين وعمره الآن ٧٤ سنة أنه يأكل كل ما يشتهي ويشرب ويدخن كذلك لكن باعتدال. قال المستر جورج برنارشواف وهو في الثانية والخمسين من عمره خطيب كاتب أديب ناقد قصصي وهو ممن يركب الدراجات ويعاني السياحات والسباحات: إني لم أتناول اللحم منذ ٢٧ سنة وإني لا أشرب الكحول وأرى أنها ضارة في أرباب الأقلام فهي ليست مقوية على العمل بل مخدرة وشاربها لا يُفتح عليه بالأفكار بل يضيع منها أما التدخين فلا أتعاطاه وأراه فقذراً. وترى العقيلة الين تري الممثلة وهي الآن في الستين ولكنها إذا ظهرت على محل التمثيل فلا تظن إلا أنها في السابعة عشرة من عمرها إن أحسن قاعدة للصحة أن يأكل الإنسان في أوقات معينة قالت حاولت أن أنقطع مرة عن اللحوم فضعف جسمي بعد شهر ثم حاولت مرة أن أمتنع عنها فلم أقدر فظهرت لي صحة ما يقال من أن ما ينفع واحداً قد يكون سماً لغيره ولا أتناول مشروباً على الطعام وأنا على ثقة من أن الماء أحسن شراب ولكني أشرب كمية قليلة من الخمر والويسكي على أنني أراهما أضر على الإنسان من طبيخه المملوء بالخرطوش في أيدي أناس لا يحسنون أن يضبطوا أنفسهم ولا أدخن وإن حاولت التدخين. وقال الأستاذ الفرد روسل والاس وهو من أبناء التسعين وخصيم داروين في مذهب النشوء اشتغل بمذهب الانتخاب الطبيعي والجغرافية الجيولوجية وبحث

стр. 1743

في المادة والصحة الاجتماعية والتنويم المغناطيبسي فقال أنه إلى السبعين من سنه كان يأكل كما يهوى وكان هضمه جيداً ثم ضعف هضمه فاضطر أن يغير نظام طعامه ويقلل من كميته فاتقى بذلك مرض الربو المزمن وكان لأول أمره يشرب المشروبات الروحية باعتدال وفي الخامسة والعشرين من عمره امتنع عنها كل الامتناع فجادت صحته وقال أن التجارب والنظر دلته على أن المرء إذا قرب أن يشيخ ينبغي له أن يمتنع عن الكحول كل الامتناع لأنها تضر به لا محالة وأن يقلل من الطعام وأنا أتناول الشاي والقهوة وأحسن أوقات عملي في الصباح والمساء بعد أن أتناول كأساً من الشاي ومدة صباي لم أدخن قرفت من التدخين لما رأيت من سوء أثره في المدخن. نوم النباتات ويقظتها يختلف ميعاد نوم النباتات بحسب أجناسها فاللبلاب الأحمر يفتح عند الغسق ونبات زهر الربيع يزهر في الشمس عند مغيبها وأزهار النوفر (عرائس النيل) تطبق زهرتها الملونة في آخر النهار وتغوص في الماء في الليل. الثقاب في يابان يشتغل في صنع الثقاب أو الكبريت في بلاد اليابان ١٣٠ ألف نسمة فتصدر اليابان منه ما قيمته ستة وعشرون مليوناً وربع مليون فرنك هذا مع أن المواد الأولية لصنعه لا توجد في يابان ومع تشدد اليابانيين في أن لا يوقدوا المصابيح التي يوقدونها لأجدادهم إلا من شعلة نار صافية ما برح استعمال الثقاب يزداد في الاستعمال بين اليابانيين. الممثلون في أميركا يشكو الممثلون في أوروبا من قلة أرباحهم بالنسبة للممثلين في أميركا فإن كاروزو يتناول خمسمائة ألف فرنك للتمثيل ثماني ليال وأكثر من مائتي ألف فرنك لأغان تغنى أمام آلة الغرامافون ومثل ذلك في الليالي الخاصة ثم أنه يأخذ في الأسبوع ربع مليون فرنك لنفقته الخاصة في الفندق والمطعم ويربح الممثل بادرفسكي في كل شتاء ٦٢٥ ألفاً وكويليك نصف مليون وبالنظر لكثرة المتفرجين في أميركا ولغلاء أجور التمثيل فالليلة تربح في العالم الجديد عشرة أضعاف ما تربح في العالم القديم. تفاحة هائلة

стр. 1744

عرف علماء النبات أكبر شجرة تفاح في العالم وهي في شسهير من ولاية كنتكتيت في أميركا الشمالية غلظتها خمسة أمتار وعلوها خمسة وعشرون متراً وعمرها مائتا سنة وهي تعطي اثنين وخمسين هيكتولتراً من الثمر في السنة وخمسة من أغصانها تعطي ثمراً سنة واحدة والثلاثة أغصان الباقية تعطي في السنة التالية إلا أن تفاحها صغير ويكاد يكون خالياً من الطعم. سمن قديم عثر أثنءا الحفر في إحدى المحافر في إيرلاندا على عدة أواق من السمن تبين بالفحص أنه قديم جداً ظاهره أبيض وكأن فيه حبوب وباطنه استحال كتلة شمعية وإن ما وجد ثمت من جلود البقر أزال كل شك في أن السمن أصلي لا شائبة فيه. أطباء يابان راجت صناعة الطب في يابان وأي رواج فبينا تجد في فرنسا وهي عش الأطباء خمسين طبيباً لكل مئة نسمة ترى في اليابان تسعين طبيباً لكل مئة ألف وقد زاد أطباء يابان في سنة ١٩٠٧ وحدها ٧٥٠ طبيباً. وقف على العلم وقف حسن بك زايد من سراة مصر زهاء خمسين فداناً من أجود أطيانه في المنوفية على مشروع الجامعة المصرية. وهذه الأطيان تساوي أحد عشر ألف جنيه بارك الله بمانحها وأكثر فينا من أمثاله. هبة محمودة تبرع أحد محسني الأجانب في مصر بخمسمائة جنيه للجمعية الخيرية الإسلامية ولم يحب أن يذكر اسمه مثل الذي كان تبرع لها في السنة الماضية بخمسة آلاف جنيه ولم يحب أن يذكر اسمه. مدرسة صناعية بالفيوم نجز بناء مدرسة صناعية للبنين في الفيوم كلفت عشرة آلاف جنيه جمعها الأهلون ومنها ألف جنيه إعانة من الأوقاف ومدة الدراسة فيها ست سنين ثلاث للقسم العلمي وثلاث

стр. 1745

للصناعي والصنائع التي تعلم فيها النقش والتجارة والبرادة والخراطة والحدادة والسروجية وستدفع المعارف ٨٥٠ جنيهاً إعانة سنوية لإدارتها ويدفع الأهلون ٣٥٠ جنيهاً لهذا الغرض. مناجم البترول مناجم البترول كمناجم الفحم الحجري آخذة بالنضوب شيئاً فشيئاً فقد نزل معدل ما يستخرج من مناجم أبالاش وأوهيو وفيرجينيا والتكساس ولوزيانا في الولايات المتحدة كما قل معدله في غاليسيا في بلاد النمسا وكذلك الحال في القافقاس من بلاد الروسي فإن ما يستخرج منه نزل إلى ثلث ما كان يستخرج منه باديء بدء. ألياف الخشب أخذوا ينسجون من ألياف الخشب نسيجاً يقوم مقام القطن والكتان ويكلف أقل منهما في الثمن بل أقل من الحرير كما أخذوا ينسجون قماشاً أشبه بالصوف من بعض مواد يمزجونها بماء البحر. الزرنيخ والحمى أثبت أحد الأخصائيين من الأطباء أن الزرنيخ هو الدواء الوحيد الذي يقي من الحمى الصفراء فقال أن ألفي شخص في أورليان الجديدة استعملوا الزرنيخ سنة ١٩٠٥ فنجوا كلهم من هذه الحمى الخبيثة وهم معرضون للعدوى من كل جانب. مجهر جديد اخترع مجهر (ميكروسكوب) جديد ترى فيه أدق الدقائق بحيث يكون الانتفاع به ضعفي المجهر الحالي فيه ترى كيف تكبر الجراثيم وكيف تسير العدوى وكيف يسري اللقاح في الجسم. التصوير البارز اخترع أحدهم طريقة للتصوير الشمسي البارز يقولون أنها ستكون داعية لتغيير التصوير ظهراً لبطن إلا أن الصور التي ترسم على هذا النحو لا تصور الطبيعة في منظرها الحقيقي كله.

стр. 1746

عداد جديد كان باسكال أول من اخترع العداد وما زال المشتغلون فتوفرين على تحسينه وآخر عداد اخترع كان لمهندس روسي ظهرت فوائده العديدة لأنه يعد من الأرقام من عشرة إلى عشرين في وقت واحد ولا يحصل فيه خطأ ولا يتعب عقل المشتغل به. القطط والكلاب أخذت المحاجر الصحية منذ مدة تتوفر على إبادة الجرذان والفيران في السفن لأنه تبين أنها ناقلة لعدوى الأوبئة للبشر وقد انتبه أحد أطباء نيويورك إلى الضرار التي تلحق من القطط والكلاب بنقلها في وبرها بعض الجراثيم والديدان التي تجلب الضرر على الصحة وأورد على ذلك عدة أدلة منها أنه حدث سنة ١٨٨٧ وباء كبير بين القطط في لندرا فكان القط يحمل إلى أخيه العدوى وبالتالي تسري إلى الأولاد الذين يلعبون مع تلك القطط وحدث في سنة ١٩٠١ أن الطاعون اشتد في الإسكندرية وما كانت جراثيمه تنتقل أولاً من ملاح إلى ملاح على الباخرة إلا بواسطة قط كانوا يدللونه ويحبونه. وترى بعض الأمم المتمدنة الآن أن تعدل عن حب القطط والكلاب حباً بالتوقي وحرصاً على الصحة وقد بدأن ألمانيا فحظرت دخول والكلاب والقطط إلى الصيدليات ويا حبذا لو حظر دخولها إلى المجازر والمخابز والصيدليات والمطاعم. بطائح أميركا ستوافق حكومة الولايات المتحدة على تجفيف البطائح في ولاياتها فيكون منها من الأرض القابلة للزراعة ما يكفي لإعالة اثني عشر مليوناً من النفوس على أن يكون لكل واحد منهم ستة عشر هكتاراً من الأرض وتساوي هذه الأطيان ملياراً من الجنيهات ويستلزم ذلك إنفاق عشرة ملايين فرنك. حفظ المخطوطات بعد أن احترقت مكتبة تورين في إيطاليا وذهبت فيها ألوف من المخطوطات النادرة أخذ أهل العلم في أوروبا وأميركا يفكرون في طريقة لحفظ المخطوطات لأنها تكون في الغالب غير متعددة فإذا وجد في إحدى المكاتب مخطو يعد في نظر العلماء كنزاً لأنه لا مثيل له

стр. 1747

وقد ارتأى بعضهم في نقل صورة من كل مخطوط نادر تطابق الأصل بشكلها وخطها إلا أن هذا العمل يحتاج إلى نفقات طائلة وتقدم المستر غولي إلى حكومة الولايات المتحدة مؤخراً أن يجعل مصفحات (كليشهات) المخطوطات وأمهات الطوابع والنقود في مكان واحد وأن يجعل منها مسودات (بروفات) يتناولها العلماء ويستعيرونها للاستفادة منها لقاء ثمن بخس والغالب أن مكاتب أوروبا تضطر بعد حين إلى الجري على هذه الطريقة لحفظ الكتب النادرة. مرض جديد اكتشف مرض في إفريقية جديد اسمه البالري ما يشبه النوام أي مرض النوم وهو عبارة عن نقاعيات تصيب الحيوانات كالخيل والكلاب والحمير والقطط والخنازير فيصاب الحيوان بنزلة في أنفه وأذنه فيضعف في الحال. ويشتد هذا المرض بالقرب من الأنهار بحيث لا يتيسر تربية هذه الحيوانات إلا على بعد خمسة عشر كيلومتراً من المياه ولم يجدوا له حتى الآن دواء. سرعة البواخر يتبارى كل من إنكلترا وألمانيا والولايات المتحدة في سرعة البواخر والبوارج التي تنشئها كل واحدة منهن بحيث يتساءل العارفون قائلين: أما لهذه المباراة في السرعة من حد تقف عنده. أما زيادة السرعة فلا تتأتي إلى بزيادة القوة المحركة فإن قطع اثنتي عشرة عقدة وحمل ستة عشر ألف طن تقتضي قوة ٤٥٠٠ حصان وسرعة خمس عشرة عقدة تقتضي قوة ٨٧٠٠ حصان و٢٠ عقدة يلزم لها ٢٠٠٠٠ و٢٢ عقدة يقتضي لها ٢٥٠٠٠ وهكذا يزيد معدل الإنفاق زيادة هائلة. آلة للكتابة اخترع أحدهم آلة سماها الستينوتبيا وهي تنقل الكلام بدون استعمال إشارات الاختزال المعروفة وهذه الطريقة تلغي عدة آلات اخترعت من هذا القبيل لنقل الكلام فيقرأ الإنسان الكلام فيها بسرعة كأنه يقرأ إملاءً صحيحاً أو طبعاً حجرياً عادياً. خسائر مصر

стр. 1748

فقدت مصر في الأشهر الثلاثة الأخيرة ثلاثة رجال كان لهم أثر مهم في الخطابة والكتابة والتأثير وهم إبراهيم بك اللقاني ومصطفى باشا كمال وقاسم بك أمين. زوجان معمران احتفل في إحدى قرى بلاد المجر بمرور مائة سنة على زواج رجل عمره الآن ١٢٦ سنة وامرأة عمرها ١١٦ سنة وقد بلغ عدد أولادهما وأحفادهما وأحفاد أحفادهما ٧١٢ نفساً وهنأهما الإمبراطور فرنسيس يوسف بعيدهما المئوي. الكلاب والكلب أحصيت الكلاب في باريز وضاحيتها فكان عددها ١٦٣٣٥٢ كلباً أصيب بالكب منها ٣٠ عضت ٣٠٨ أشخاص لم يمت منهم أحد وبذلك ثبت أن العضات البشرية تشفى بأقل سرعة مما تشفى عضة الكلاب. أشجار أميركا قدروا أنه لا تمضي خمسون سنة حتى لا يبقى في أميركا الشمالية صقع مشجر لأن المقطوع منها يربى على المغروس فمعدل النمو ٢٣ ونصف في المئة ومعدل النقص ٩٤ في المئة وبعد خمس وعشرين سنة يفنى الصنوبر الأصفر ذو الورق الطويل كل ذلك لما تقتضيه الصناعة هناك من الأخشاب. الحمى التيفوئيدية كان الأطباء يقولون أن إغلاء الماء قبل شربه خير وقاية من الحميات والأوبئة إلا أن أبحاث اللجنة الصحية في نيويورك أدت إلى أن الحمى التيفوئيدية فيها قد انتشرت في الناس بواسطة الذباب إذ ثبت أن ظهور الذباب يسبق انتشار هذه الحمى كل سنة بأيام قلائل وثبت لديها أن هذا المرض الخبيث يكثر حيث يكثر الذباب في المستودعات البحرية الكبرى وعلى الأرصفة ورأت بالمجهر (الميكروسكوب) على رجل كل ذبابة وفمها ألوفاً من الجراثيم الخبيثة فإذا زارت ذبابة وجهك أو طعامك ولو قليلاً تترك فيه أثراً لها وذكرى سيئة وتبقى جرثومة معدية تتبعها حمى مهلكة. الجراد في أفريقية

стр. 1749

ذهب أحد الإنكليز في إفريقية الجنوبية إلى بعض الأماكن التي انتشر فيها الجراد انتشاراً هائلاً فعمي عليه طريقه ولم يعد يعرف أين يذهب وقد حسب الجراد الذي سقط على ساق شجرة واحدة فكان خمسمائة جرادة فإذا انتشر الجراد في قطر بهذه الكثرة لا ينقضي نصف نهار حتى يجرد جميع غلاتها وثمراتها ويجعل حاصلاتها وخيراتها أثراً بعد عين. مدرسة للأمهات أسس بعض أعيان الإنكليز وأطبائهم لجنة ناطوا بها تعليم الأمهات الفقيرات اللاتي لم يسعدهن الحظ أن يتعلمن في صغرهن ما ينفعهن في كبرهن. والتعليم الذي يعلمنه تعليم عملي يلقى عليهن خطباً تدور على تربية الأطفال وحفظ الصحة وتدبير المنزل وتفصيل ثياب أزواجهن بحيث تصلح ليلبسنها أبناؤهن ثم أن الآباء يذهبون أيضاً على تلك المدارس مرة في الأسبوع وتلقى عليهم دروس تنفعهم وتنفع ذويهم كالتي تلقى على أزواجهم وقد أسفرت هذه المدارس عن نفع عظيم في التربية وقللت من الوفيات بين الأطفال ويفكر رجال الإنكليز أن يكثروا من هذه المدارس في جميع أصقاع إنكلترا. صحافة ألمانيا وأميركا بلغت الصحافة في ألمانيا أرقى درجات الارتقاء ففيها بحسب إحصاء أخير ٨٦٦٨ جريدة ومجلة منها ٢٨٩٤ صحيفة تنشر باللغات الأجنبية وأقدم جريدة في ألمانيا هي جريدة فرانكفورت وأنشئت سنة ١٦١٤٥ وجريدة ماكوبورغ أنشئت سنة ١٦٢٦. ويعجب المراقبون للحركة الاجتماعية اليوم من ارتقاء الصحافة الأسبوعية في الولايات المتحدة وهي الجرائد التي تصدر أيام الآحاد فإن ما تطبعه كل واحدة منها يختلف من نصف مليون نسخة إلى مليون وفي نيويورك وحدها من هذا الضرب من الجرائد ١٥ جريدة وفي فيلادلفيا ١١ ومثلها في شيكاغو وهي من أحسن المجلات في الحقيقة لأنها تصدر في مئة صفحة وتحتوي على أربعين صفحة إعلانات والباقي مواد علمية واقتصادية واجتماعية وسياسية وأدبية وغيرها من كل ما يرقي العقل ويهدي السبيل. محاكم الأطفال تألفت في روسيا لجان لحماية الأطفال تقوم بوظيفة مستنطق وهي مؤلفة من أساتذة وقسس

стр. 1750

فإذا ارتكب طفل ذنباً تنظر في جرمه لتحقق فيما إذا كان ارتكبه عن جهل أو خبث فإذا رأته مسؤولاً عما جنت يداه تحيله إلى المحاكم وإذا كان ارتكب ما ارتكب بدون تمييز ترسله إلى الإصلاحية على أن حكومة ألمانيا تفكر في إنشاء محاكم نظامية للأطفال. الكحول والجرائم ثبت لأحد قضاة فرنسا أن الجرائم تزيد في أكثر مقاطعاتها على نسبة ازدياد المشروبات الروحية وأن معدل السن التي كانت ترتكب فيها الجرائم كان ثلاثين فأصبح اليوم عشرين سنة وأن عدد الانتحار يزيد وأن كثرة الجنون زادت زيادة هائلة فكان منذ خمسين سنة في فرنسا ٣٣ مختل الشعور في كل مئة ألف ساكن فأصبح سنة ١٩٠٥ يبلغ ١٤٢ بل بلغ في بعض المقاطعات ٢٣٤ والسبب في ذلك أنه كان في فرنسا خمارة واحدة لكل ١١٣ ساكناً سنة ١٨٨٠ فأصبح هذه السنة خمارة لكل ٧٨ شخصاً.

стр. 1751

العدد ٢٩ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩٠٨

стр. 1752

رسالة عبد الحميد الكاتب في نصيحة ولي العهد قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر في كتابه المنثور والمنظوم ومن الرسائل المفردات رسالة عبد الحميد بن يحيى إلى عبد الله بن مروان حين وجه لمحاربة الضحاك الخارجي في تعبية الحروب فإنه يقال أنها لا مثل لها في معناها: أما بعد فإن أمير المؤمنين عندما اعتزم عليه من توجيهك إلى عدو الله الجلف الجافي الأعرابي المتسكع في حيرة الجهالة وظلم الفتنة ومهاوي الهلكة ورعاعه الذين عاثوا في الأرض فساداً وانتهكوا حرمه لاستخفافاًُ وبدلوا نعم الله كفراً واستحلوا دماء أهل سلمه جهلاً أحب أن يعهد إليك في لطائف أمورك وعوام شؤونك ودخائل أحوالك ومضطر تنقلك عهداً يحملك فيه أدبه ويشرع لك عظته وإن كنت والحمد لله في دين الله وخلافته بحيث اصطنعك الله لولاية العهد مخصصاً لك بذلك دون لحمتك وبني أبيك. ولولا ما أمر الله به دالاً عليه بتقدمة المعرفة لمن كانوا أولي سابقة في (الدين) وخصيصي في العلم لاعتمد أمير المؤمنين منك على اصطناع الله إياك بما يراك أهله في محلك من أمير المؤمنين وسبقك إلى رغائب أخلاقه وانتزاعك محمود شيمه واستيلائك على تشابه تدبيره. ولو كان المؤدبون أخذوا العلم من عند أنفسهم ولقنوه إلهاماً من تلقائهم ولم يتعلموا شيئاً من عند غيرهم لنحلناهم علم الغيب ووضعناهم بمنزلة خالقهم المستأثر بعلم الغيب عنهم بوحدانيته وفردانيته في إلاهيته واحتجاجاً منهم لتعقب في حكمخ وتثبت في سلطانه وتنفيذ إرادته على سابق مشيئته ولكن العالم الموفق للخير المخصوص بالفضل المحبو بمزية العلم ادركه معاداً عليه بلطيف بحثه وإذالال كنفه وصحة فهمه وهجر سآمته. وقد تقدم أمير المؤمنين إليك آخذاُ بالحجة عليك مؤدياً حق الله الواجب عليه في إرشادك وقضاء حقك وما ينظر الوالد المعني الشفيق لولده. وأمير المؤمنين يرجو أن ينزهك الله عن كل شيء قبيح يهش له طمع وأن يعصمك عن كل مكروه حاق بأحد وأن يحصنك من كل آفة استولت على أمريء في دين أو خلق وأن يبلغه فيك أحسن ما لم يزل يعوده ويريه من آثار نعمة سامية بك إلى ذروة الشرف ومنجحة لك ببسطة الكرم لائحة بك في أزهر معالي الأدب. والله استخلف عليك وأسأله حياطتك وأن يعصمك من زيغ الهوى ويحضرك دواعي التوفيق معاناً على الإرشاد فيه فإنه لا يعين على الخير ولا يوفق له إلا هو.

стр. 1753

اعلم أن للحكمة مسالك تقضي مضايق أوائلها بمن أمها سالكاً وركب خيارها قاصداً إلى سعة عاقبتها وأمن سرحها وشرف عزها وأنعها لا تعاف بسخف الخفة ولا تنسى بتقريظ الغفلة ولا يتعدى فيها بأمن حد وقد تلقتك أخلاق الحكمة من كل جهة بفضلها من غير تعب البحث في إدراكها ولا متطاول المنال لذراتها بل تأثلت منها أكرم معانيها واستخلصت منها أعتق جواهرها ثم شمرت إلى لباب مصاصها وأحرزت منفس ذخائرها فأقعدها ما أحرزت ونافس فيما أصبت. واعلم أن احتوائك على ذلك وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله في جميع أمورك مؤثراً لها واصطبارك على طاعته وإعظام ما أنعم به عليك شاكراً لها مرتبطاً للمزيد بحسن الحياطة له والذب عنه أن تدخلك منه سآمة ملال أو غفلة أو ضياع أو سنة تهاون أو جهالة معرفة فإذ ذلك أحق ما بديء به ونظر فيه معتمداً عليه من القوة والآلة والانفراد من الصحاب والحلمة فتمسك به لاجئاً إليه واعتمد عليه مؤثراً له والتجيء إلى كنهه متحرزاً به أنه أبلغ ما طلب به رضا الله وأنجحه مسألة وأجزله ثواباً وأعوده سعياً وأعمه صلاحاً وأرشدك الله لحظك وفهمك وسداده وأخذ بقلبك على محموده. ثم اجعل لله في كل صباح ينعم عليك ببلوغه ويظهر منك السلامة في إشراقة من نفسك نصيباً تجعله لله شكراً على إبلاغه إياك يومك ذلك بصحة وعافية بدن وسبوغ نعمٍ وظهور كرامة وأن تقرأ من كتاب الله جزءاً تردد رأيك في أدبه وتزين لفظك بقراءته ويحضره عقلك ناظراً في محكمه وتفهمه متفكراً في متشابهه فإن فيه شفاء القلوب من أمراضها وجلاء وساوس الشيطان وسفاسفه وضياء معالم النور تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. ثم تعهد نفسك لمجاهدة هواك فإنه مغلاق الحسنات ومفتاح السيئات. واعلم أن كل أعدائك لك عدو يحاول هلكتك ويعترض غفلتك لأنها خدع إبليس وحبائل مكره ومصائد مكيدته فاحذرها مجانباً وتوقها محترساً منها واستعذ بالله من شرها وجاهدها إذا تناصرت عليك بعزم صادق لا ونية فيه وحزم نافذ لا مثنوية لرأيك بعد إصداره عليك وصدق غالب لا مطمع في تكذيبه ومضاءة صارمة لا أناة معها ونية صحيحة لا خلجة شك فيها فإن ذلك ظهري صدق لك على ردها وقطعها دون ما تتطلع إليه منك وهي واقية لك سخطة ربك داعية لك رضا العامة ساترة عليك عيب من دونك فازدن به ملتحفاً وأصب

стр. 1754

بأخلاقك مواضعها الحميدة منها وتوق عليها التي تقطعك عن بلوغها وتقصر بك عن ساميها فحاول بلوغ غايته محرزاً لها بسبق الطلب إلى إصابة الموضع محصناً لأعمالك من العجب فإنه رأس الهوى وأول الغواية ومقاد الهلكة حارساً أخلاقك من الآفات المتصلة بمساويء العادات وذميم إيثارها من حيث أتت الغفلة وانتشر الضياع ودخل الوهن فتوق الآفات على عقلك فإن شواهد الحق ستظهر بإماراتها تصديق رأيك عند ذوي النهى وحال الرأي وفحص النظر. فاجتلب لنفسك محمود الذكر وباقي لسان الصدق بالحذر لما تقدم إليك فيه أمير المؤمنين متحرزاً من دخول الآفات عليك من حيث أمنك وقلة ثقتك بمحكمها. ومنها أن تملك أمورك بالقصد وتصون سرك بالكتمان وتداري جندك بالإنصاف وتذلل نفسك للعدل وتحصن عيوبك بتقويم أودك. وأناتك فوقها الملال وفوت العمل ومصابك فدرعها رؤية النظر واكتنفها بأناة الحلم وخلواتك فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة وصمتك فأنف عنه عيّ اللفظ وخف عليه سوء القالة واستماعك فأرعه حسن التفهم وقوه بإشهاد الفكر وعطاءك فانهد له بيوتات الشرف وذوي الحسب وتحرز فيه من السرف وحياءك فامنعه من الخجل وحلمك فزعه عن التهاون وأحضر قوة الشكيمة وعقوبتك فقصر بها عن الإفراط وتعمد بها أهل الاستحقاق. وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق وخذ به واجب المفترض وأقم به أود الدين. واستئناسك فامنع منه الذاءة وسوء المنافثة وتعهدك أمورك فخذه أوقاتاً وقدّره ساعات لا يستفرغ قوتك ويستدعي سآمتك. وعزمتك فأنف عنها عجلة الرأي ولجاجة الإقدام. وفرحاتك فاشكمها عن البطر وقيدها عن الزهو وروعاتك فحطها من دهش الرأي واستسلام الخضوع وحذارتك (فاصرفها) عن الجبن واعمد بها لمحزم ورجاءك فقيده بخوف الفائت وامنعه من أمن الطلب. هذه جوامع دخائل النقص منها واصل إلى العقل بلطائف الله وتصاريف حوله فأحكمها عارفاً وتقدم في الحفظ لها معتزماً على الأخذ بمراشدها والانتهاء منها إلى حيث بلغت بك عظة أمير المؤمنين وأدبه إن شاء الله. ثم ليكن بطانتك وجلساؤك في خلواتك ودخلاؤك في سرك أهل الفقه والورع من أهل بيتك وعامة قوادك ممن قد حنكته السن بتصاريف الأمور وخبطته فاصلها بين قرائن البزل وقلبته الأمور في فنونها وركب أطوارها عارفاً بمحاسن الأمور ومواضع الرأي مأمون

стр. 1755

النصيحة مطوي الضمير على الطاعة. ثم أحضر من نفسك وقاراً تستدعي منهم بك الهيبة واستئناساً يعطف إليك منهم بالمودة وإنصافاً يغل أقاصيهم عما تكره أن ينتشر عنك من سخافة الرأي ويقطعك دون الفكر. وتعلم إن خلوت بسر فألقيت دونه ستورك وأغلقت عليه أبوابك فذلك لا محالة مكشوف للعامة ظاهر عنك وإن استترت بما ولعل وما أرى إذاعة ذلك. فاعلم بما يرون من حالات من ينقطع به من تلك المواطن فتقدم في أحكام ذلك من نفسك وسد خلله عنك فإنه ليس حد أسرع غليه سوء القالة ولغط العامة بخير أو شر ممن كان في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت فيه من دين الله والأمل المرجو المنتظر. وإياك أن يغمز فيك أحد من عامتك وبطانة خدمك بضعفة يجد بها مساغاً إلى النطق عندك بما لا يعتزلك عيبه ولا تخلو من لائمته ولا تأمن سوء القالة فيه إن نجم ظاهراً وعلن بادياً ولن يجترؤا على تلك عندك إلا أن يروا منك إصغاء إليها وقبولاً لها وترخيصاً بها. ثم إياك أن يفاض عندك بشيء من الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك التي يستخف بها أهل البطالة ويتسرع نحوها ذوو الجهالة ويجد فيها أهل الحسد مقالاً لعيب يرفعونه ولطعن في حق يجحدونه مع ما في ذلك من نقس الرأي ودرن العرض وهدم الشرف وتأثيل الغفلة وقوة طباع السوء الكامنة في بني آدم كمون النار في الحجر الصلد فإذا قدح لاح شرره ولهب في وميضه ووقد تضرمه. وليست في أحد أقوى سطوة وأظهر توقداً أو أعلى كموناً وأسرع إليه بالعيب منها إلى من كان في سنك من إغفال الرجال وذوي العنفوان في الحداثة الذين لم يقع عليهم سمات الأمور ناطقاً عليهم لائحها ظاهراً عليهم وسمها ولم تمحضهم شهامتها مظهرة للعامة فضلهم مذيعة حسن الذكر عنهم ولم يبلغ بهم الصمت في الحركة مستمعات يدفعون به عن أنفسهم نواطق السن أهل البغي ومواد إبصار أهل الحسد. ثم تعهد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة من أقطار الذرع ونخوة التيه فإنها تسرع بهم إلى فساد رأيهم وتهجين عقولهم في مواطن جمة منها قلة اقتدارهم على ضبط أنفسهم في مواكبهم ومسايرتهم العامة. فمن مقلقل شخصه يكثر الالتفات تزدهيه الخفة ويبطره إجلاب الرجال حوله ومن مقبل في موكبه على مداعبة مسايره بالمصاحبة له
следующие страницы →