Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
المتحفان المصريان
المتحف المصري القديم
من طاف في أرجائه وتجول بين معروضاته وحدق نظره في عادياته وغرائب آثاره ـ أدرك لأول وهلة عجزه عن أن يفي تلك الآثار حقها من الوصف وبيان المعنى الذي وضعت له والغرض الذي اتخذت من أجله. وإن ذلك المتحف بما حواه من الآثار الجمة التي كادت تفوق الحصر كالبحر الزاخر المتلاطم الأمواج: ففيه أدوات وهناك (خرداوات) لا يكاد يتبينها الطرف لدقتها وصغر حجمها كما أن فيه من المحاريب والتماثيل الهائلة والعمد الممدة أو الماثلة ما ينوء بالعصبة أولي القوة ويحتلاج في زحزحته من مكانه إلى تعضيد الآلات وأعمال الماكينات فكيف يتسنى للكاتب أن يودع أوصافاً وملاحظات غير محدودة في مقالة محدودة. ذات سطور معدودة سئل بعض الوعاظ عن معنى قوله تعالى ﴿والسماء ذات الحبك﴾ فأحاب بقوله: السماء التي نشاهدها فوق رؤوسنا وأما الحبك فهو شيء لا نعرفه لا نحن ولا أنتم. وهكذا أراني عاملاً في الاعتذار لأديب كلفني وصف المتحف وآثاره: فأقول: المتحف بناء جليل بجوار قصر النيل وأما العاديات التي فيه فشيء لا أعرفه ولا يتيسر لي وصفه: المتحف المصري مكتبة تاريخ ومعجم هيروغليف ومعرض صناعة وهيكل عبادة. والباحث في عادياته يلزمه أن يعرف ـ عدا عما ذكر ـ التاريخ الطبيعي والكيمياء والهندسة وأن يكون له ذوق خاص في الفنون الجميلة كالنحت والنقش والتصوير وإلا كان شأنه أن يدخل فيرى كل شيء ثم يخرج فلا يبقى في ذهنه شيء اللهم إلا وقفة على رأس رعمسيس الثاني تنتزع المرء من عالم الشهادة فغلى عالم الغيب وتقذفه فيها أمواج اليقين على صخور الريب.
إذا دلنا النيل بصراحة على أن الأمة المصرية القديمة أمة زراعية بطبيعتها فإن هذا المتحف يدلنا أكثر صراحة أنها كانت أيضاً أمة صناعية ضربت في إتقان الصنائع وأحكامها بسهم وافر.
أما الكهانة والديانة والعبادة وسر الروح والموت والحساب والعقاب فهذا يكاد ينطق به كل أثر تقع عينيك عليه في هذا المتحف.
وقد راعت الحكومة النظير في البناء الذي شيدته لتلك الآثار. فكان فخماً مفخماً مثلها: بل
стр. 1787
ربما قاسمها إعجاب الزائرين ولفت إليه عنها أنظار المتفرجين.
والمتحف قسمان: وقد وضع في القسم السفلي العاديات الضخمة الهائلة: ففيه ألواح وصفائح حجرية كبيرة جداً وقد رسم عليها بالخط البربائي صور طيور وحيوانات وإشارات ورموز أخر يتخللها صور شخوص أيضاً. وهذه النقوش تراها منبثة على ظاهر التوابيت والنواويس والتماثيل وقلما يخلو أثر منها. وأكثر ما يرى بين تلك النقوش من الحيوانات صور الجعلان والعجول والغربان ثم القرود والبواشق وبنات آوى. ولا أذكر أني رأيت ما بين تلك الصور صورة فرس أو فارس فكأن المصريين القدماء ما كانوا يقتنون الخيول ولا يزاولون الفروسية.
وقد ترى في ظاهر التابوت الحجري صورة بقرة يحلبها رجل وقد ربط عجلها من مقوده بإحدى قوائمها كيلا يفلت ويضل.
والفرق بين التابوت والناووس أن الأول على هيئة صندوق من الحجر أو الخشب ويوضع على الأرض كما يوضع الصندوق. أما الناووس فوضعه عامودي وفتحته على طول الإنسان المقابل له بحيث يمكنه أن يدخل تلك الفتنحة كما يدخل من باب الدار. وترى بين المعروضات موائد من حجر على أشكال مختلفة وهي كمذابح يضع عليها كهنة المصريين الأدوات التي يمارسون بها طقوس عبادتهم.
وترى تماثيل حجرية هائلة جداً منها ما هو على اسم المعبودات ومنها ما هو على اسم الملوك والفراعنة. وشأن المصريين كشأن اليونان الأقدمين من حيث أن القبيلين مزجوا بين معبوداتهم وملوكهم حتى اختلط حابلهم بنابلهم. وقد نحتوا من حجر الغرانيت سفينة سموها مقدسة. وكأن المقدسة عندهم هي التي يتخذونها للجنائز ونقل الموتى من شاطيء إلى آخر. ويوجد في تلك السفن زورقان كبيران كالزوارق الاعتيادية وباقيها مثل صغيرة تمثل الكبيرة في سواريها وأشرعتها وملاحيها. وعي في الدور العلوي وليس الأكثر من التوابيت الحجرية والخشبية والأولى مغطاة بأحجار منحوتة على شكل الإنسان تمثل الميت المودع فيها أما الأخرى الخشبية فيرسم على غطائها صور ذات ألوان وأصباغ تمثل الميت أيضاً. وفي هذا القسم كثير من الأحجار المختلفة في الحجم والشكل فمنها العمودي ومنها الهرمي وكثير منها شظايا حفظت لتجمع مع ما يوائمها ويأتلف معها.
стр. 1788
أما الدور العلوي ففيه معظم العاديات وأنفس ذخائرها وأثمن كنوزها: ومن ذلك مجموعة الحلي والمصوغات ومجموعة المومياوات البشرية وأخرى للمومياوات الحيوانية. ومجاميع للنسيج والخزف وأجناس المعبودات والتوابيت والأمتعة والأدوات والخرثي ـ في نظير ذلك مما كان المصريون القدماء يرتفقون به في منازلهم ويعتمدون عليه في قضاء مصالحهم ومزاولة مختلف مهنهم وأعمالهم. والمومياء كناية عن جثة الميت تعالج بالأدوية والعقاقير ثم تشد وتلف بقطع ولفائف من النسيج شداً ولفاً محكمين على شكل خاص فتحفظ بذلك من البلى وتصل سليمة إلى الدار الأخرى.
ويوجد في المتحف من تلك المومياوات زهاء عشرين مومياء ما بين ملوك وملكات وقواد وكهان وأطفال صغار. وفيها مومياء أعظم وأجل ملك قام في تاريخ مصر القديم وهو رعمسيس الثاني من ملوك العائلة التاسعة عشرة وإذا نظرت إلى تلك الجثث رأيت عجباً وباعثاً على التعاظ والدهشة إلى حد الذهول وانفعال المشاعر. ولم يبق من تلك التجاليد الأرق من جلد على فخ من عظم وقد تترآى لك مزع (قطع) اللحم محمرة أو كامدة اللون لكنها لاطئة على الأعضاء والأفخاذ حتى عادت كالجلد اليابس. ومن تلك الجثث ما هو سليم تام الجوارح ومنها ما تشوه بهتم أسنانه وصلم آذانه أو سمل عينيه أو هشم أنفه ومنها ما أمسى لونه أسود كالزنجي ومنها المحمر والرصاصي اللون وما استولت عليه الكمدة.
وقد قال أبو النجم الشاعر العربي أن جذب الليالي وكرور الأيام عليه حلتت شعر رأسه وميزت عنه قنزعاً عن قنزع فماذا يقول هؤلاء الفراعنة وقد كرت عليهم آلاف السنين فوق الأرض وتحتها ثم فوقها مرة ثانية وإذا رأينا شعورهم مدلاة خصلاً وقنازع ذات ألوان منكرة لا يدري هل هي طبيعية أو نشأت عن جذب دهر الدهارير أو تأثير الأدوية والعقاقير.
وإذا رأى المرء هذه المومياوات تذكر ما قاله ابن خلدون من أن الأقدمين ما كانوا أضخم منا جثة ولا أطول قامة إلى الحد الذي وصفه القصاص والممخرقون وإنما هم أمم أمثالنا بدليل تلك المومياوات التي عثروا عليها في المدافن والنواويس. كما أنتقليب الفكر في هذه الجثث يوحي إلى النفس بأن العذاب الذ أوعد به الكافرون في برازخهم لا يصيب إلا الروح. وإلا فيلزمنا القول بأن أموات المصريين الأقدمين كانوا على عقيدة صحيحة تنجيهم
стр. 1789
من عذاب البرزخ. أو أنهم لم تبلغهم دعوة رسول فما كانوا معذبين. أو يقال أن صناعة التحنيط المصرية كانت تحول بين القدرة افلهية وبين التنكيل بهذه الموميات فلا يصيبها شر ولا يلحقها أذى اللهم غفراً. أما المومياوات الحيوانية فلها مستودع خاص بها. وترى هناك تمساحين طول الواحد زهاء أربعة أمتار. وسمكة طولها أكثر من متر وطيور ماء ودجاج وأفراخ وكلاب وقطط وقرود وغزلان ووعول وخرفان وهذه الأجناس الأخيرة ماثلة أمام النظارة هياكل عظام مجردة عن اللحم. كما أن بعض الطيور والقرود لها نواويس تناسب حجمها قد أودعت فيها. وبين هذه المومياوات كثير من الأصداف والأبواق والقواقع البحرية وعدة قطع من الذبل (عظم السلاحف) ومن بيض الدجاج وبين آخر أكبر منه وأصغر من بيض النعام. وقد ألحقوا بهذه المومياوات الحيوانية موميات نباتية فترى غصوناً وأورقا شجر وأثماراً وضروباً أخرى من النبات وحبوباً وبذوراً وعدة أقراص من الخبز وقرص عسل من شمع النحل. وكلها معالجة بالأدوية والعقاقير ومحفوظة بذلك من الاندثار.
وإذا حفظ المصريون أجساد أمواتهم من البلى لتقوم سليمة ساعة الحشر والنشر فلا بدع إذا تداركوا لهم من أطايب الزاد وشهي الأثمار ما يقوون به على تحمل أعباء الحساب. ولكن ما الغرض من حفظ جثث الكلاب والقطط والقرود يا ترى؟ وقد خصصوا في المتحف مكاناً للحلي وأدوات الزينة وإنك لترى فيها قطعاً نفيسة جداً. وإذا أدركت كنه بعضها وفقهت الغرض الذي تتخذ لأجله كالأسورة والعقود والخواتيم ـ فإنك ترى منها ما لا تعرف له مغزى ولا تفقه له غرضاً بل إذا حاول المرء وصفه بقلمه أو لسانه فلا يقدر عليه. ومن ثمة كانت الزائرات من نساء الإفرنج يصورون ما يستحسنونه من تلك القطع في مذكراتهن تصويراً. وقد رأيت فتاة تصورا خنجراً له مقبض جميل مطوق بالذهب ومرصع بالأحجار الكريمة. وأخرى تصور عقداً مؤلفاً من عدة أسلاك نظزمت فيها الأحجار الكريمة وفصلت بالجمان وخيوط الذهب تفصيلاً. وليست الأحجار الكريمة مما نعهده بيننا اليوم كالماس واللؤلؤ والياقوت والمرجان وإنما هي أجناس أخر ليست منها وليس لها بريقها وبصيصها. ثم إذا طفت في أرجاء ذلك المتحف وقلبت طرفك بين عادياته وذخائره بصرت بأشياء ودوات كثيرة: منها ماله مثال في مرافقنا وتكاليف مدنيتنا كالجرار
стр. 1790
والأسرة والمسارج. ومنها ما ليس له مثال كقطع من خزف أو طين على هيئة مخروط لا يعرف المرء منفعتها مهما قلب فيها الطرف وأخرى متخذة من الخزف والإبريز والزجاج والمرمر والحجر والعاج وغير ذلك بحيث لا يدري إن كانت تستعمل في مرافق منزلية أو صناعية وترى أواني خزفية عليها كتابة فينيقية مما يدل على اتصال المعاملة والمتاجرة بين تيك الأمتين القديمتين وزوارق من خشب لها سواء وأشرعة على غير الوضع المعهود في زماننا وفي تلك الزوارق صور رجال تمثل الملاحين والنواخذة وشراذم الجنود بأيديهم الدرق والرماح وآخرون بأيديهم السهام والسيوف.
وهناك تمثال شخص منحن على ركبتيه ويداه في إجانة أو وعاء أمامه كأنه يعجن أو يغسل وآخر بيده حجر كأنه يسحق به عقاراً. وخدم على رؤوسهم كهيئة الصناديق يمشون بها. ونعال من جلد أو خوص ومراوح من خوص وقماش. وكراسي ومقاعد وعربات على شكل غير معهود عندنا وصحاف وأزيار وأسرة لوضع الموميات في الاحتفالات الجنائزية وأمتعة وأوان غريبة الشكل منقوشة ومكتبة بالقلم البربائي. وأدوات وآلات للصناع وأرباب الحرف كالبنائين والنجارين وموازين ومقاييس ومكاييل ومثاقيل ومغازل وصناديق صغيرة من خشب مطعمة بالعاج والعظم. كما أن أخشاب التوابيت والزوارق مجموعة على طريقة التحشية المعروفة لدى أرباب هذه الصناعة اليوم. ورقوق وأدراج من البردي عليها نقوش وتصاوير ملونة بالأصباغ الزاهية ودمى وتماثيل صغيرة من مواد مختلفة من مثل الذهب إلى مثل الخزف تمثل موميات الأموات كأنهم يحفظونها كتذكار لأمواتهم. وأكثر ما ترى بين التماثيل المبثوثة في جنبات المتحف تمثال الجعل والعجل. وهناك تماثيل أخر على شكل الغراب والباشق وابن آوى والقرد وهم تارة ينحتونها من الخشب والحجر وطوراً يصنعونها من المعادن والفلز وآونة من اللازورد والجزع واليشب. وإنك لترى الحجر الضخم بحجم الرحى الكبيرة وقد نحت فيه من أعلاه صورة جعل كبير طوله نصف ذراع أو أكثر. وقد ينقشون الجعل تذكاراً لبعض الحوادث والأمور كالجعل الذي نقش تذكاراً لاقتران أمنوتس الثالث بتي.
أما العجل أبيس فقد أبدعوا في تمثيله وتصويره وتفننوا في الرمز إلى أحواله وأطواره: أبيس وقف ـ أبيس رابض ـ أبيس على شكل رجل برأس ثور ـ أبيس على يمينه
стр. 1791
أسيس وخلفه نفتيس إلى غير ذلك. وتماثيل المعبودات مختلفات الهيئات متعددات الأشكال: فمعبودة صا الحجر يخالف شكلها معبودة عين شمس وتملاثيل المعبودة سلكيت على وضع غير وضع تماثيل المعبودة صاتحور وغير تماثيل المعبودة نفتيس هنا معبودة في حجرها طفل ترضعه. وهناك معبود له جناحان وقد نجم في رأسه قرنان كقرني الشيطان وقد أشرق من بينهما مثال الشمس والقمر. وثمة آخر يرفع يديه إلى السماء يمنعها أن تسقط على الأرض وأمامه معبود رأس رأس كبش ووراءه آخر برأس سبع. وما هذا المعبود الذي أمسك بكل يد \ من يديه ثعبانين وعقرباً وغزالاً وأسداً وقد وطيء بأخمصيه رؤوس تمساحين. وما هذه المعبودات الأخرى التي نصفها الأسفل أفعى والأعلى امرأة ولها مكان اليدين جناحا نسر وكأن قد بسطهما؟
هذا ما وعته الذكرة أيها الأديب من أمر ذلك المشهد العجيب فإن كان مما يعجبك وإلا فإني قائل ما قاله الواعظ الحبك.
دار الآثار العربية
يتوقف التمكن من علم أو صناعة على معرفة تاريخ ١ذلك العلم أو هذه الصناعة. فإن هذه المعرفة ما يدعو المرء إلى التوسع في علمه أو تحسين صناعته وزيادة البصيرة فيها. وكان التاريخ في القديم مسطوراً ومقروءاً. أما الآن فقد تنبه الإفرنج إلى نوع من التاريخ أقرب تناولاً من الأول وأكثر فائدة منه. ويصلح أن نسميه التاريخ الماثل المنظور ـ ذلك التاريخ هو ما يعرض على طلبة صناعة الكاشاني مثلاً كان عليه أن لا يقتصر على قراءة ذلك في السطور والأسفار بل يزور ما حفظ منها ونضد في دور الآثار: فهي تعرض عليه ما وجد من آثار تلك الصناعة من أول نشأتها وكيف تدرجت إلى أن وصلت إلى حالتها الحاضرة.
وهذا النوع من التاريخ أتقنعه الأوروبيون وشادوا له المباني الفخيمة. والدور العظيمة. وقد تنبهنا نحن إلى ذلك في الأزمنة المتأخرة. فكان في الأستانة وفي القاهرة بعض الشيء من ذلك.
ومن الأسف أن دار الآثار العربية في القاهرة كأنما أنشئت للأوروبيين وللمشتغلين يبالتاريخ والصناعة منهم: فهم الذين يزورونها ويتفقدون معروضاتها ويستفيدون منها وقلما
стр. 1792
نرى زائراً لها من أهل البلاد أو من أهل الحرف والصناعات فيها.
وإذا سألت عن السبب في وضع فهرست لتلك الآثار الإفرنجية من دون العربية اعتذروا إليك بما قلناه من أن الإفرنج هم الذين يتداولن الفهرست ويحرصون على الاستفادة مما فيه. أما ابناء العرب فإذا وجد منهم بضعة آحاد يحذون حذو أولئك فهم في الغالب على معرفة من اللغة الأجنبية تمكنهم من الانتفاع بما سطر في الفهرست. ومعظم الآثار الموجودة في دار الآثار العربية يرجع عهده إلى القرن السابع والثامن والتاسع من الهجرة: أي هي من مخلفات أمراء المماليك والجراكسة الذين عاشوا الدولتين الصلاحية والعثمانية.
فمن نظر في آثار تلك القرون الثلاثة تبين له من حسنها ونفاستها وإتقان العمل فيها ـ ما يحكم معه بأن عصر أولئك المماليك كان عصر عمران وترق في الصناعة والذوق والترف. وأنه امتاز عن العصور التي سبقته وخلفته في ذلك.
ويمكن تقسيم الآثار إلى خمسة مجاميع:
١) مجموعة الحجر والرخام: ومعظمها يتألف من شواهد القبور وأزيار ماء بينها صفيحة حجر ضخمة عثروا عليها في الإسكندرية. ومكتوب عليهاما يفيد أن البناء التي كانت فيه مما أمر بإنشائه السلطان صلاح الدين. وشاهدة قبر محمد بك أبي الذهب مملوك محمد بك الإلفي. وهي مذهبة ومكتوب عليها شعر يدل على اسمه ووفاته في سنة ١١٨٩.
ومعظم الأزيار من رخام. ولها أحواض خاصة بها ترتكز عليها. ومما هو من الغرابة بمكان أن ترى حجراً ضخماً من الرخام نحت منه زير كبير مستطيل أو كروي الشكل. وقد جوف تجويفاً تاماً يحار العقل في الطريقة التي اتخذها صانعوه في تجويفه ثم نحت على ظاهره أشكال نافرة ورسوم متناسبة أو أضلاع مستوية كلها غاية في الحسن ودقة الصنعة. وأحد تلك الأزيار النفيسة اصطنع برسم الخاتون تاتار ابنة السلطان قلاوون وهناك صفائح من الرخام كبيرة حفر على سطوحها نقوش متعرجة متناسبة. وتسمى الصفيحة من تلك الصفائح السلسبيل والغرض منها أن يسيل الماء عليها من أنبوبة فوقها وفي أثناء سيلانه يتكسر بسبب ما تحته من التعاريج ويكون ذلك وسيلة إلى امتزاجه بالهواء ثم يصل إلى حوض رخامي صغير في أسفل الصفيحة فيكون ماء صحياً صالحاً للشرب كذا قالوا. وعندي أن السلسبيل وتحدر الماء عليه مما اتخذ لترويح النفس وإمتاع النظر كما اتخذوا
стр. 1793
لذلك الفساقي ونوافرها. والسلسبيل في اللغة يوصف به الماء والشراب السائغ السهل المدخل في الحلق.
٢) مجموعة الأخشاب: وهي تحتوي على محاريب ومنابر وأبواب وشبابيك ورواشن وكراسي للمصاحف وغيرها منها ما هو جاف غليظ ومنها ما بلغ منتهى الدقة والحسن. وقد ترى أغلاق الأبواب والنوافذ مؤلفة من قطع صغيرة من الخشب ذي الألوان المختلفة بحيث يقوم اختلاف تلك الألوان مقام الدهن بالأصباغ. وتلك القطع متناسقة ومرتبة على أشكال وأوضاع هندسية كصناعة الفسيفساء في الزجاج والرخام. وهي متماسكة الأجزاء لا بالمسامير وإنما بطريق الجمع والتحشية.
فهل كانت المسامير أو مادة الحديد عزيزة وقليلة الوجود في تلك الأعصر إلى هذا الحد؟ أو أن الصناع يريدون أن يظهروا مهارة وبراعة في صناعتهم بحيث يستغنون عما لا غنية عنه في العادة.
٣) مجموعة المعدن والبرونز: وهي تتضمن أدوات كثيرة وأشياء مختلفة من ذلك ـ الثريات النحاسية التي قد تحمل الواحدة منها زهاء ٣٦٠ مصباحاً،. ومنها كرسيان عاليان من نحاس شغل تفريغ مكتب بالذهب والفضة وهما مما صنعهما الصناع برسم ابن قلاوون. ومن الآثار النفيسة في هذه المجموعة مقلمة الغزالي وهي علبة مستطيلة من النحاس كان الإمام يضع فيها دواته وأقلامه ومكتوب على ظاهرها شيخ الإسلام محمد الغزالي الخ وهناك قطعة من الحلي ضخمة محدبة الشكل على هيئة نصف كرة من فضة وذهب ومرصعة بالياقوت والماس أهداها إلى دار الآثار حضرة محمد مجدي بك مستشار الاستئناف بمصر ويقال أن صاحبها في القديم كان يعيرها أو يؤجرها إلى أهل العرس يزينون بها عروسهم ليلة إهدائها إلى زوجها.
٤) مجموعة الكاشاني والزجاج: ومعظم هذه المجموعة يتألف من مشكاوات (جمع مشكاة) وقطع آجر منقوشة ومكتبة وملونة بالأصباغ المختلفة. وقد اختلفوا في معنى المشكاة في القرآن اختلافاً كثيراً وأشهر الأقوال فيها أنها الكوة غير النافذة أما المشكاة في دار الآثار فلا خلاف في أنها وعاء من زجاج منتفخ البطن مخصر العنق له عرى حول عنقه يشد منها بالسلاسل إلى السقف ويوضع في جوفه الزجاجة التي يكون فيها المصباح. والمشكاوات
стр. 1794
في دار الآثار تبلغ المئة. وإنك ترى ظاهرها منقوشاً ومصبغاً بالألوان وبعضها مكتباً بالآيات مثل الله نور السموات إلى قوله تعالى المصباح في زجاجة. ومن نفائس هذه المجموعة قطعة من الكاشاني نصف ذراع في مثله ـ صورت عليها مكة وحرمها ومعاهدها وضواحيها فهي بمثابة خارتة جغرافية لتلك البقاع المباركة وقد نقشت بالأصباغ والألوان المختلفة وعليها كتابات تنبئ بأسماء المعاهد ومكتوب عليها اسم صانعها ـ كل ذلك بمادة المينا أو بالدهان الملون الذي يشوى على سطح الخزف شياً.
وفي هذه المجموعة زير من خزف ضخم كروي الشكل مدهون بدهان قاتم شديد اللمعان وقد عثروا عليه وهم يحفرون في بعض جدران الأزهر وهناك أواني لوضع الزهور (زهريات) وهي كالزير الصغير ولها أعناق مستطيلة على شكل الزهريات التي تصنع في شرقي آسيا وقد صنعت برسم السلطان حسن صاحب الجامع المشهور.
ومما تتضمنه تلك المجموعة هنات مدورة من زجاج كانوا يستعملونها في الموازين مكان الصنوج المعدنية أن هذه يركبها الصدأ أو يأكلها فتزيد أو تنقص وأما تلك فلا تزيد ولا تنقص.
٥) مجموعة النسيج: فيها قطعة من ثوب مكتوب عليه اسم قلاوون. وأنفس ما في هذه المجموعة بل أثمن تحفة تنافس بها دار الآثار العربية سائر الدور الأخرى ـ قطعة من حاشية نسيج كان حيك في مصر برسم الخليفة الأمين العباسي ابن هارون الرشيدي المتوفى في أخريات القرن الثاني من الهجرة وقد كتب على هذا النسيج بخيوط السدا واللحمة ما نصه بسم الله بركة من الله لعبد الله الأمين محمد أمير المؤمنين أطال الله بقاؤه مما أمر بصنعته في طراز العامة بمصر ـ الفضل ابن الربيع مولى أمير المؤمنين والفضل هذا كان وزيراً للأمين. وقد أريد بطراز العامة دار الطراز التي كان يصنع بها. والطراز من شارات الخلفاء وشعائرهم وهو أن ترسم أسماؤهم أو علامات يخصون بها أنفسهم ـ في حواشي أثوابهم التي يلبسونها ـ بخيوط من ذهب أو حرير ملون فيدل الطراز على لابسه كما تدل شرائط القصب والحرير الملون على مراتب ضباط الجند لهذا العهد. وكان لنسيج الطراز مصانع خاصة به تسمى دور الطراز والقيم الذي يشرف عليها يسمى صاحب الطراز. ويؤخذ مما كتب على قطعة النسيج المذكورة أن دار طراز الخلفاء
стр. 1795
العباسيين في زمن الأمين ـ كانت في مصر.
هذا مثال مما يمكن أن يقال عن دار الآثار العربية ومن حسن عناية ولاة الأمور بتلك الدار أن اختاروا لها من أبناء البلاد ذوي الكفاءة ممن يعرف كيف يرتب تلك الآثار ويقرأ الكتابات المختلفة التي عليها ويهتم بحل الرموز التي تتراءى فيها ثم يشرح كل ذلك للوافدين فيكثر إن شاء الله ترددهم إليها وانتفاعهم بها.
(المغربي)
стр. 1796
الفقر والسقام
أيّ مضنى يمدها باكتئاب ... أنة تترك الحشا في التهاب
يتشكى والليل وحف الإهاب ... ضمن بيت جثا على الأعقاب
صفعته فمال كفّ الخراب
تسمع الأذن منه صوتاً حزيناً ... راجفاً في حشا الظلام كمينا
يملأ الليل بالدعاء أنيناً ... ربّ كن لي على الحياة معينا
ربّ إن الحياة أصل عذابي
وجع في مفاصلي دق عظمي ... ودهاني ولم يرق لعدمي
عاقني عن تكسبي قوت يومي ... ربّ فارحم فقري بصحة جسمي
إن فقري أشد من أوصابي
يا طبيباً وأين منّي الطبيب ... حال دون الطبيب فقر عصيب
لا أصاب الفقير داء مصيب ... إن سقم الفقير شيء عجيب
بطلت فيه حكمة الأسباب
رجل معسر يسمى بشيرا ... كان يسعى طول النهار أجيرا
كاسباً قوته زهيداً يسيرا ... مالكاً في المعاش قلباً شكورا
راجياً في المعاد حسن المآب
وله أخت حكته خلقاً نزيهاً ... عانس جاوز الزواج سنيها
لزمت بيت أمها وأبيها ... مع أخيها تعيش عند أخيها
مثله في طعامه والشراب
كل يوم له ذهاب ومأتى ... في معاش من كدّه يتأتى
هكذا دأبه مصيفاً ومشتى ... فاعتراه داء المفاصل حتى
عاقه عن تعيش واكتساب
بينما كان في قواه صحيحاً ... ساعياً في ارتزاقه مستميحا
إذ عراه الضنى فعاد طليحا ... ورمته يد السقام طريحا
جسمه من سقامه في اضطراب
بات يبكي إذا له الليل آوى ... بعيون من السهاد نشاوى
стр. 1797
فترى وهو بالبكا يتداوى ... قطرات من عينه تتهادى
كشهاب ينقض أثر شهاب
إن سقماً به وعدماً ألما ... تركاه يذوب يوماً فيوما
فهو حيناً يشكو إلى السقم عدما ... وهو يشكو حيناً إلى العدم سقما
باكياً من كليهما بانتحاب
ظلّ يشكو للأخت ضعفاً وعجزاً ... إذ تعزّيه وهو لا يتعزى
أيها الأخت عزّ صبري ... إن للداء في المفاصل وخزا
مثل طعن القنا ووخز الحراب
قد تمادى به السقام وطالا ... وتراءى له الشفاء محالا
إذ قلاباً به السقام استحالا ... كان هيناً فصار داء عضالا
ناشباً في الفؤاد كالنشاب
ظل ملقى وأعوزته المطاعم ... موثقاً من سقامه بالأداهم
منفقاً عند ذاك بعض دراهم ... ربحتها من غزلها الأخت فاطم
قبل أن يبتلى بهذا المصاب
قال والأخت أخبرته بأن قد ... كربت عندها الدراهم تنفد
أخبري السقم عله يبتعد ... أيها السقم خل عيشي النكد
لا تعقني في عيشتي عن طلابي
مرضيني شقيقتي مرضيني ... وعلى الكسب في غد حرضيني
وإذا مسك الطوى فارفضيني ... أو على الناس للمبيع اعرضيني
علهم يشتروني مما بي
رام خبزاً والجوع أزكى الأوارا ... في حشاه فعللته انتظارا
ثم جاءت بالماء تبدي اعتذارا ... وهل الماء وهو يطفيء نارا
يطفئ الجوع ذاكيا في التهاب
خرجت فاطم إلى جارتيها ... وهي تذري الدموع من مقلتيها
فأبانت برقة حالتيها ... من سقام ومن سعار لديها
стр. 1798
وشكت بعد ذا خلوّ الوطاب
فانثنت وهي بين ذل وعز ... تحمل التمر في يد فوق الخبز
وبأخرى دهناً وبعض أرز ... منحوها به وذو العرش يجزي
من أعان الفقير حسن الثواب
ليلة تنشر العواصف ذعراً ... في دجاها حيث السحاب اكفهرا
ذا هزيم في الأذن وقرا ... حين تبدي صوالج البرق تترى
كهربائية سرت في السحاب
مدّ فيها ذاك المريض الأكفا ... في فراش به الموت أوفى
طرفه كالسها يبين ويخفى ... حيث يغطي طرفاً ويفتح طرفا
عاجزاً عن تكلم وخطاب
فدعته والعين تذري الدموعا ... أخته وهي قلبها قد ريعا
يا أخي أنت ساكت أفجوعاً ... ساكت أنت يا أخي أم عجوعا
فاشفي يا أخي برجع الجواب
قرأت منه أنه لا يجيب ... فتدانت والدمع منها صبيب
ثم أصغت وفي الفؤاد وجيب ... ثم هابت والموت شيء مهيب
ثم قامت بخشية وارتياب
خرجت فاطم من البيت ليلا ... حيث أرخى الظلام سدلا فسدلا
وهي تبكي والغيث يهطل هطلا ... مثل دمع من مقلتيها استهلا
أو كماء جرى في الميزاب
ربّ أدرك باللطف منك شقيقي ... وامنع الغيث أن يكون معيقي
ومر البرق أن يضيء طريقي ... ببريق أثر بريق
فعسى أهتدي في ذهابي
قرعت في الظلام باب الجار ... وهي تبكي الأسى بدمع الجار
ثم نادت برقة وانكسار ... أم سلمي ألا بحق الجوار
فافتحي إنني أنا في الباب
стр. 1799
فأتتها سعدى وقد عرفتها ... وعن الخطب في الدجى سألتها
ثم سارت من بعد ما أعلمتها ... تقتفيها وبنتها تبعتها
فتخطين في الدجى بانسياب
جئن والسحب أقلعت عن حياها ... وكذاك الرعود قل رغاها
حيث يأتي شبه الأنين صداها ... غير أن البروق كان ضياها
مومضاًَ في السماء بين الرباب
فدخلن المحل وهو مخيف ... حيث أن السكوت فيه كثيف
وضياء السراج نور ضعيف ... وبه في الفراش شخص نحيف
دب منه الحمام في الأعصاب
قالت الأخت أم سلمى انظريه ... ثكلت روح أمه وأبيه
فرأت منه إذ دنت نحو فيه ... نفساً مبطئ التردد فيه
ثم غاله الردى باقتضاب
وجمت حيرة وبعد قليل ... رمقت فاطماً بطرف كليل
فيه حمل على العزاء الجميل ... فعلا صوت فاطم بالعويل
وبكت طول ليلها بانتحاب
فاستمرت حتى الصباح توالي ... زفرات بنارها القلب صال
فأتاها ودمعها في انهمال ... بعض جاراتها وبعض رجال
من صعاليك أهل ذاك الجناب
وقفوا موقفاً به الفقر ألقى ... منه ثقلاً به المعيشة تشقى
فرأوا دمع فاطم ليس يرقا ... وأخوها ميت على الأرض ملقى
مدرج في رثائث الأثواب
فغدت فاطم ترن رنيناً ... ببكاء أبكت به الواقفينا ... أيها الواقفون هل ترحمونا
من مصاب دها وأيّ مصاب
أيها البواقفون لا تهملوه ... دونكم أدمعي بهن اغسلوه
стр. 1800
ثم بالثوب ضافياً كفنوه ... وادفنوه لكن بقلبي ادفنوه
لا تواروا جبينه بالتراب
بعد أن ظلّ لافتقاد المال ... وهو ملقى إلى أوان الزوال
جاد شخص عليه بعد سؤال ... بريال وزاد نصف ريال
رجل حاضر من الأنجاب
كفنوه من بعد ما تم غسلا ... وتمشوا به إلى القبر حملا
فترى نعشه غداة استقلا ... نعش من كان في الحياة مقلا
دون ستر مكسر الأجناب
ناحت الأخت حين سار وصاحت ... أختك اليوم لو قضت لاستراحت
ثم سارت مدهوشة ثم طاحت ... ثم قامت ترنو له ثم راحت
تسكب الدمع أيما تسكاب
أيها الحاملوه لأمشي ركض ... إن هذا يوم الفراق الممض
فاسألوه عن قصده وأين يمشي ... إنه قد قضى ولم يك يقضي
واجبات الصبا وشرخ الشباب
إن قلبي على كريم السجايا ... طاح والله من أساه شظايا
قاتل الله يا ابن أمي المنايا ... أنا من قبل مذ حسبت الرزايا
لم يكن رزء موتكم في حسابي
إن ليلي ولست من راقديه ... كلما جاءني وذكرنيه
قلت والدمع قائل لي إيه ... يافقيداً أعاتب الموت فيه
ببكائي وهل يفيد عتابي
رحت يوماً وقد مضت سنتان ... أتمشي بشارع الميدان
مشي حيران خطوة متدان ... أثقلته الحياة بالأحزان
وسقته كأساً بطعم الصاب
بينما كنت هكذا أتمشى ... عرضت نظرة فأبصرت نعشا
بادياً للعيون غير مغشى ... نقش الفقر فيه للحزن نقشا
стр. 1801
فبدا لوح أبؤس واكتئاب
قلت سراً والنعش يقرب مني ... أيها النعش أنت أنعشت حزني
للأسى فيك حالة ناسبتني ... إن بدا اليوم فيك حزن فإني
أنا للحزن دائماً ذو انتساب
رحت أسعى وراءه مذ تعدى ... مسرعاً في خطاي لم آل جهدا
مع رجال كأنجم النعش عدا ... هم به سائرون سيرا مجدا
فتراه يمرّ مرّ السحاب
مذ لحدنا ذاك الدفين وعدنا ... قلت والدمع بلّ مني ردنا
إن هذا هو الذي قد وعدنا ... فأبينوا من الذي قد لحدنا
فتصدى منهم فتى لجوابي
قال إن الدفين أخت بشير ... أخت ذاك المسكين ذاك الفقير
بقيت بعده بعيش عسير ... وبطرف باك وقلب كسير
وقضت مثله بداء القلاب
قلت أقصر عن الكلام فحسبي ... منك هذا فقد تزلزل قلبي
ثم ناجيت والضراعة ثوبي ... ربّ رحماك ربّ رحماك ربّ
ربّ رشداً إلى طريق الصواب
ربّ إن العباد أضعف أن لا ... يجدوا منك ربّ عفواً وفضلا
فاعف عن أخذهم وإن كنت عدلا ... أنت يا ربّ أنت بالعفو أولى
منك بالأخذ والجزا والعقاب
قد وردنا والأرض للعيش حوض ... واحد كلنا لنا فيه خوض
فلماذا به مشوب ومحض ... عظمت حكمة الإله فبعض
في نعيم وبعضنا في عذاب
أيها الأغنياء كم قد ظلمتم ... نعم الله حيث ما إن رحمتم
سهر البائسون جوعاً ونمتم ... بهناء من بعد ما قد طعمتم
من طعام منوّع وشراب
стр. 1802
كم بذلتم أموالكم في الملاهي ... وركبتم بها متون السفاه
وبخلتم منها بحق الله ... أيها الموسرون بعض انتباه
أفتدرون أنكم في تباب
بغداد
معروف الرصافي
стр. 1803
الفتوة والفتيان
قرأت ما نقلتموه عن تاريخ ابن الساعي من أمر الفتوة والفتيان وذهبتم إلى أنها بجمعية سياسية والأليق أن يقال أنها جمعية للإنسانية تعاهد المنتظمون في سلوكها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقويم المعوج وإغاثة الملهوف وقرى الضيف وما أشبه ذلك من مكارم الأخلاق ولما كان لا بد لمن نصب نفسه للقيام بهذه المقاصد من فرط القوة والنجدة وتوفر الحمية والحفيظة فكان لا بد في هذه الحالة من أن تثور تلك الحمية التي قد تنقلب أحياناً حمية جاهلية وتدخل فيها المنافسات والمناظرات والتساجل بقوة الساعد ووثاقة العضل أو حسن الرماية أو إتقان المضاربة والمطاعنة مما قد يبعد بالجمعية عن أصل وضعها ويصيرها نوعاً مما يقال له مشيخة شباب في بلادنا فيلبس الفتيان سراويلات مخصوصة ويتنافسون في أمور هي محض جهالة ودعارة وإن كان أصل المقصد سامياً شريفاً فقد احتوت هذه الجمعية في وقتها على ما يمدح ويذم شأن سواها من الجمعيات وقد كان يعاب على الخليفة الناصر العباسي اشتغاله بهذه المسائل فقرأت في تاريخ أبي الفداء صاحب حماه في حوادث سنة سبع وستمائة أنه وردت في تلك السنة رسل الخليفة الناصر لدين الله إلى ملوك الأطراف أن يشربوا له كأس الفتوة ويلبسوا لها سراويلها وأن ينتسبوا إليه في رمي البندق ويجعلوه قدوتهم أهـ لا جرم أن هذا مما يترفع عنه الخلفاء ولا يليق بأصحاب هاتيك المقامات ثم أنه يقول عند ذكر وفاة الخليفة المذكور أنه كان قبيح السيرة منصرف الهمة إلى رمي البندق والطيور المناسيب ويلبس سراويلات الفتوة ومنع رمي البندق لا من ينسب إليه فأجابه الناس إلى ذلك إلا إنساناً واحداً يقال له ابن السفت وهرب من بغداد إلى الشام أهـ ثم أننا وجدنا آثار هذه الجمعية في القرون المتأخرة فقد أخبر ابن بطوطة من أهل القرن الثامن بوجودها في الأناضول وهي متلونة هناك بلون أبنائها من كرم الخلق وحسن السريرة فإن الجمعيات تدخل كل البلاد فتتلون في كل بلد بأخلاق أهله وتحمل طباعهم ولهذا امتدحها السائح الطنجي امتداحاً فائقاً في رحلته الشهيرة فقال: ذكر الأخية الفتيان واحد الأخية أخي على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية في كل بلد ومدينة وقرية ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالاً بالغرباء من الناس وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدي الظلمة وقتل الشرط ومن لحق بهم من أهل الشر والأخي عندهم رجل يجتمع أهل صناعته
стр. 1804
وغيرهم من الشبان الأعزاب والمتجردين ويقدمونه على أنفسهم وتلك هي الفتوة أيضاً ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسرج وما يحتاج إليه من الآلات ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معايشهم ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون به الفواكه والطعام إلى غير ذلك مما ينفق في الزاوية فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم وكان ذلك ضيافة لديهم ولا يزال عندهم حتى ينصرف وإن لم يرد وارد اجتمعوا هم على طعامهم فأكلوا وغنوا ورقصوا وانصرفوا إلى صناعتهم بالغدو وأتوا بعد العصر إلى مقدمهم بما اجتمع لهم ويسمون بالفتيان ويسمى مقدمهم كما ذكرنا الأخي ولم أر في الدنيا أجمل من أفعالهم ويشبههم في أفعالهم أهل شيراز وأصفهان إلا أن هؤلاء أحب في الوارد والصادر وأعظمهم إكراماً له وشفقة عليه وفي الثاني من يوم وصولنا إلى هذه المدينة أتى أحد هؤلاء الفتيان إلى الشيخ شهاب الدين الحموي وتكلم معه باللسان التركي ولم أكن يومئذ أفهمه وكان عليه أثواب خلقة وعلى رأسه قلنسوة لبد فقال لي الشيخ: أتعلم ما يقول هذا الرجل فقلت: لا أعلم ما قال فقال لي: إنه يدعوك لضيافته أنت وأصحابك فعجبت منه وقلت له: نعم فلما انصرف قلت للشيخ: هذا رجل ضعيف ولا قدرة له على تضييفنا ولا نريد أن نكلفه فضحك الشيخ وقال لي: هذا أحد شيوخ الفتيان الأخية وهو من الخرازين وفيه كرم نفس وأصحابه نحو مائتين من أهل الصناعات قد قدموه على أنفسهم وبنوا زاوية للضيافة وما يجتمع لهم بالنهار أنفقوه بالليل فلما صليت المغرب عاد إلينا ذلك الرجل وذهبنا معه إلى زاويته فوجدناها زاوية حسنة مفروشة باليسط الرومية الحسان وبها الكثير من ثريات الزجاج العراقي وفي المجلس خمسة متن البياسيس والبيسوس شبه المنارة من النحاس له أرجل ثلاث وعلى رأسه شبه جلاس من النحاس وفي وسطه أنبوب للفتيلة ويملأ من الشحم المذاب وإلى جانبه آنية من نحاس ملآنة بالشحم وفيها مقراض لإصلاح الفتيل وأحدهم موكل بها ويسمى عندهم الخراجي (الجراغجي) وقد اصطف في المجلس جماعة من الشبان ولباسهم الأقبية وفي أرجلهم الأخفاف وكل واحد منهم متحزم وعلى وسطه سكين في طول ذراعين وعلى رؤوسهم قلانس بيض من الصوف بأعلى كل قلنسوة قطعة موصولة بها في طول ذراع وعرض إصبعين فإذا استقر بهم المجلس نزع كل واحد منهم قلنسوته ووضعها بين يديه وتبقى على رأسه قلنسوة أخرى من الزردحاني وسواه حسنة
стр. 1805
المنظر وفي وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين ولما استقر بنا المجلس عندهم أتوا بالطعام الكثير والفاكهة والحلواء ثم أخذوا في الغناء والرقص فراقنا حالهم وطال عجبنا من سماحهم وكرم أنفسهم وانصرفنا عنهم آخر الليل وتركناهم بزاويتهم.
بيروت
ش
стр. 1806
طبوعات ومخطوطات
العمدة
نص ابن خلدون في المقدمة عند كلامه على صناعة الشهر ووجه تعلمه أن كتاب العمدة لابن رشيق (المتوفى سنة ٤٦٣) مستوفى في هذه الصناعة وتعلمها وفيه البغية من ذلك. وقد كان طبع الجزء الأول منه في تونس فأعيد طبعه الآن وأضيف إليه الجزء الثاني مصححاً بقلم الشيخ محمد بدر الدين النعساني وذكر في الصفحة الأولى منه أنه قوبل على ثلاث نسخ وكنا نود لو عرفنا هذه النسخ بأعيانها وتواريخا ليظهر فضل العناية. والكتاب شهل الإنشاء آخذ بطرف الموضوع الذي طرقه ابن رشيق والأدب غضّ والنفوس مولعة به. نشأ مؤلفه في مدينة القيروان خامس مدينة في الإسلام ولما خربت رحل عنها إلى صقلية وناهيك بمن يقول فيه الصلاح الصفدي وفي مصنفاته وأكثرها في الشعر والأدب. وقد وقفت على هذه المصنفات والرسائل المذكورة بجميعها فوجدتها تدل على تبحرة في الأدب وإطلاعه على كلام الناس ونقله لمواد هذا الفن وتبحره في النقد. والكتاب لا يسأم المطالع من النظر فيه خصوصاً مع جودة طبعه الآن لأن مؤلفه لا يطيل الأبواب والفصول وينتقل فيه الناظر من فكاهة إلى أطروفة إلى أدب وعلم وشعر وكله مما يروّح به الإنسان عن نفسه وفيه قصص لطيفة تصور حالة العرب في اجتماعهم وتنافسهم في الشعر والأدب قبل الإسلام وبعده وقد وقع الكتاب في مجلدين ويطلب من مكتبة طابعه أمين أفندي الخانجي بالحلوجي.
ديوان الخليل
أتحفنا خليل أفندي مطران الشاعر المشهور في خدمة الأدب والصحافة بنسخة من الجزء الأول من ديوانه الذي طبعه مؤخراً في زهاء ثلثمائة صفحة في الغزل والنسيب والمديح والرثاء والتهنئة ووقائع أحوال وأحسن ما يقال فيه أن نورد للقراء نموذجاً من هذا الشعر العصري المنسجم قال في وصف قلعة بعلبك:
همّ فجر الحياة بالإدبار ... فإذا مرّ فهي في الآثار
والصبي كالكرى نعيم ولكن ... ينقضي والفتى به غير داري
يغنم المرء عيشه في صباه ... فإذا بان عاش بالتذكار
стр. 1807
إيهِ آثار بعلبك سلام ... بعد طول النوى وبعد المزار
ووقيت العفاء من عرصاتٍ ... مقوباتٍ أو أهل بالفخار
ذكريني طفولتي وأعيدي ... رسم عهد عن أعيني متواري
مستطاب الحالين صفواً وشجواً ... مستحب في النفع والأضرار
يوم أمشي على الطلول السواجي ... لا افترار فيها إلا افتراري
نزقاً بينهن غراً لعوباً ... لاهياً عن تبصر واعتبار
مستقلاً عظيمها مستخفاً ... ما بها من مهابة ووقار
يوم أخلو بهند نلهو ونزهو ... والهوى بيننا أليف مجاري
نتبارى عدواً كأنا فراشاً ... روضةٍ ما لنا من استقرار
نلتقي تارة ونشرد أخرى ... كل ترب في مخباءٍ متواري
فإذا البعد طال طرفة عين ... حثنا الشوق مؤذناً بالبدار
وعداد اللحاظ نصفو ونشقى ... بجوار ففرقة فجوار
ليس في الدهر محض سعد ولكن ... تلد السعد محنة الأكدار
كلما نلتقي اعتنقنا كأنا ... جِدُّ سفر عادوا من الأسفار
قبلات على عفاف تحاكي ... قبلات الأنداء والأسحار
واشتباك كضم غطن أخاه ... بأياد غرّ من النوار
قلبنا طاهر وليس خلياً ... أطهر الحب في قلوب الصغار
كان الهوى سلاماً وبرداً ... فاغتدى حين شب جذوة نار
حبذا هند ذلك العهد لكن ... كل شيءٍ إلى الردى والبوار
هدَّ عزمي النوى وقوض جسمي ... فدمار يمشي بدار دمار
خرب حارت البرية فيها ... فتنة السامعين والنظار
معجزات من البناء كبار ... لأناس ملء الزمان كبار
ألبستها الشموس تفويف در ... وعقيق على رداء نضاء
وتحلت من الليال بشاما ... ت كتنقيط عنبر في بهار
وسقاها الندى رشاش دموعٍ ... شربتها ظوامئ الأنوار
стр. 1808
زادها الشيب حرمة وجلالاً ... توجتها به يد الأعصار
رب شيب أتم حسناً وأولى ... واهن العزم صولة الجبار
معبد للأسرار قام ولكن ... صنعه كان أعظم الأسرار
مثل القوم كل شيء عجيب ... فيه تمثيل حكمة واقتدار
صنعوا من جماده ثمراً يج ... نى ولكن بالعقل والأبصار
وضروباً من كل زهر أنيق ... لم تفتها نضارة الأزهار
وشموساً مضيئة وشعاعاً ... باهرات لكنها من حجار
وطيوراً ذواهباً آيبات ... خالدات الغدوّ والإبكار
في جنان معلقات زواه ... بصنوف النجوم والأنوار
وأسوداً يخشى التحفز منها ... ويروع السكوت كالتزأر
عابسات الوجوه غير غضاب ... باديات الأنياب غير ضواري
في عرانينها دخان مثار ... وبألحاظها سيول شرار
تلك آياتهم وما برحت في ... كل آنٍ روائع الزّوار
ضمها كلها بديع نظام ... دق حتى كأنها في انتثار
في مقام للحسن يعبد بعد ال ... عقل فيه والعقل بعد الباري
منتهى ما يجاد رسماً وأبهى ... ما تحج القلوب في الأنظار
أهل فينيقيا سلام عليكم ... يوم تفنى بقية الأدهار
لكم الأرض خالدين عليها ... بعظيم الأعمال والآثار
خضتم البحر يوم كان عصياً ... لم يسخر لقوة من بخار
وركبتم منه جواداً حروناً ... قلقاً بالممرس المغوار
إن تمادى عدواً بهم كبحوه ... وأقالوه إن كبا من عثار
وإذا ما ظغى بهم أوشكوا أن ... يأخذوا لاعبين بالأقمار
غير صعب تخليد ذكر على الأر ... ض لمن خلدوه فوق البحار
شيدوها للشمس دارة صلاة ... وأتم الرومان حلي الدار
هم دعاة الفلاح في ذلك العص ... ر وأهمل العمران في الأمصار
стр. 1809
نحتوا الراسيات نحت صخور ... وأبانوا دقائق الأفكار
وأجادوا الدمى فحاز عليهم ... أنها الآمرات في الأقدار
سجدوا للذي هم صنعوه ... سجدات الإجلال والإكبار
بعد هذا أغاية فترجى ... لتمام أم مطمع في افتخار
نظرت هند حسنهن فغارت ... أنت أبهى ياهند من أن تغاري
كل هذي الدمى التي عبدوها ... لك يا ربة الجمال جواري
رواية هملت
رواية هملت من الروايات التمثيلية منسوبة لشكسبير شاعر الإنكليز كان نقلها إلى العربية نثراً ونظماً الشيخ أمين الحداد المشهور بشعره ونثره وجرى تمثيلها مرات كثيرة وقد طبعت الآن في ٧٠ صفحة جاء فيها على لسان عملت ما ننشره نموذجاً من شعر الحداد قوله:
نجدُّ والدهر بنا يلعب ... لا مانع منه ولا مهرب
والحب يقتاد الفتى مكرهاً ... فكيف ما يكره يستعذب
تحلو الأماني وتحقيقها ... وهي إذا ما حققت تعطب
ضاعت حقيقات المنى في الورى ... فلم تعد تعرف إذ تنسب
والوحش لو أنصفت درى بها ... إذ أنها عند الظما تشرب
ونحن نستأني بحاجاتنا ... والحس لا يمهل إذ يطلب
فاترك غداً إن غداً مدة ... بعيدة فيها الردى الأقرب
واقض الذي تهوى بدنياك لا ... يمنعك الجاه ولا المنصب
ولا تبت مدخراً فالمنى ... تراح ما بتَّ بها تتعب
إن أنت أعيتك سؤالات من ... ترى فسل في القرب من غيبوا
وقل لمن بات غداً ناظراً ... يرقب الموت له يرقب
المس بكفيك تصدق متى ... شككت أن الحس لا يكذب
أجدادنا هذي واماتنا ... تلك وذا الابن وهذا الأب
لا حلقة مفقودة بينهم ... يطرحها في الجمع من يحسب
стр. 1810
كانوا دليلاً في سبيل الردى ... لنا على آثارهم نذهب
إذا ذوى الأصل غدا فرعه ... يضحك منه المطر الصيب
وقل لمن تاه على غيره ... بنعمة من غيره تسلب
تحت الثرى المثري غدا واغتدى ... في التربة التارب والمترب
هذا هو الحق الذي ما اقتضى ... تفلسفاً ذا العجب الأعجب
دعني أطلب غايتي جاهداً ... أنهبها من قبل أن تنهب
وخذ حياتي وابق لي منه ما ... يمنع ضرَّ الناس إذ أرغب
لو منع الضر الحيا في الورى ... إذن تساوى الكف والمخلب
يا أيها الرأس الذي في يدي ... هل كنت رأساً في الورى ترهب
أم كنت جباراً تذل العدى ... أم كاتباً ينقل ما تكتب
أم فيلسوفاً نافعاً علمه ... تغضبه الدنيا ولا يغضب
أم جاهلاً ما اهتم في دهره ... يخسر فيما عاش أم يكسب
حقيقة الأشياء مجهولة ... كلٌّ على مذهبه يذهب
حقيقة تاهت عقول الورى ... في كنهها واستعجم المعرب
جماجم في التراب مزروعة ... يحصدهن النمل والجندب
بل أنفس في التراب مغروسة ... أثمارها موعظة تخطب
لصورة أخرى تحولتم ... قد كان ماءً في الثرى الطحلب
ثم استحال الكرم حتى اغتدى ... خمراً لأرباب الورى تسلب
دائرة لا ينتهي حدها ... نمشي عليها الدهر ولا نتعب
أعلام الموقعين
للعلامة شمس الدين أبي بكر محمد بن قيم الجوزية المتوفى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة شهرة فائقة بقوة البيان والميل للأخذ بالحجة والبرهان حتى كثر انتفاع الموافق والمخالف بكتبه وله مؤلفات كثيرة في فنون شتى. وكتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين من أهم كتبه أورد فيه علم الفقه على أسلوب قلًّ أن يعهد في كتاب آخر وذلك أنه نقل المسائل المشهورة واختلاف العلماء فيها ثم رجح فيه ما قام عليه الدليل بحسب ما ظهر له بدون
стр. 1811
التزام مذهب معين وقد أكثر من إيراد العلل وكان مولعاً برعاية المصالح. وكتابه هذا أصبح نادر الوجود فسعى في إحيائه أناس من أهل العند قاموا بجمع أجزائه وطبعها غير أن نسخه مع قلة ورودها إلى هذه البلاد منسوجة على الأسلوب المعروف في طبع أهل الهند فتصدى الشيخ فرج الله زكي الكردي بمصر لإعادة طبعه فطبعه على ورق جيد مع استحضار نسخ خطية ليتم تصحيح الكتاب على طريقة حسنة فجاء وافياً بالمراد ظاهرة عليه علائم الجد والاجتهاد وقد جعله في ثلاثة أجزاء تقع في زهاء ١٤٠٠ صفحة كبيرة بحرف واضح جلي وأضاف إليه كتاب حادي الرواح للمؤلف فنثني على الطابع بما تستحقه عنايته وهو يطلب منه بخمسين قرشاً.
تاريخ آداب اللغة العربية
هذا الكتاب في موضوع صعب يحتاج في إلى إطلاع وافر وتضلع من فنون الأدب تصدى لجمعه محمد بك دياب المشهور بالفضل والأدب. في مصر فأودعه من بدائع الفوائد ما تقر به عين المطالع وضمنه مطالب شتى يحتاج إليها طالب الأدب. قال المؤلف في بيان سبب تأليفه أن أحد أصدقائه أخبره أن مستشرقي الألمان وكذلك فعل مستشرقو (الإنكليز والفرنسيس والطليان والروس وغيرهم) عنوا بتاريخ آداب لغتنا فوضعوا فيه كتاباً ذا أسفار مطبوعاً بلغتهم وود لو يؤلف بالعربية مثله فلاح بخاطري أن اشق عباب هذا الموضوع الجليل فسرت في سبيله متجشماً الصعاب بضعة أعوام إلى أن اهتديت إلى وضع مؤلف جامع لأشتاته المتفرقة في بطون مئين من أمهات الكتب ذات الاعتبار وقد شرحت فيه نشأة العلوم الأدبية وسيرها في مختلف العصور والكتب التي ألفت فيها وأزمانها وحياة مؤلفيها وذكرت فصولاً في كل فن اقتضاها سير التأليف. والكتاب يقع في نحو ٤٤٠ صفحة جعلت في مجلدين ويطلب من مؤلفه بالقاهرة فنشكر له هديته وهمته.
أجنيل برنابا
اعترفت الكنيسة بأناجيل أربعة وهي إنجيل متى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا وأبطلت ما عداها من الأناجيل أو عدته مزوراً ومن جملة الأناجيل التي أبطلها البابا في القرن الخامس للمسيح إنجيل برنابا. وبرنابا هذا يهودي من ساكني قبرص دان بالنصرانية وكان من أتراب بولس الرسول طاف آسيا الصغرى وسوريا وبلاد اليونان وقتل في
стр. 1812
قبرص نحو سنة ٦٣ للمسيح. وقد وجدت نسخة من إنجيل ينسب إليه في مكتبة فيينا الإمبراطورية كتب كما رجح العارفون في القرن السادس عشر باللغة الإيطالية القديمة وعليه حواش بالعربية فقال بعضهم أن لهذا الإنجيل أصلاً عربياً نقل عنه إلا أن العارفين من المستشرقين أمثال الأستاذ مرجليوت وغيره نفوا ذلك وقالوا أنه ليس في العربية كتاب من هذا القبيل ولا إشارة إليه. وقد ترجم في السنة الماضية باللغة الإنكليزي ونقله إلى العربية الدكتور خليل بك سعادة ووضع له مقدمة مطوله ونشره السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار الأغر بمصر وقد أحسن المترجم بنقله بالحرف وإن خالف الأسلوب العربي أحياناً لأن اللغة العربية يجب أن يكون فيها كل شيء ولا سيما مثل هذا السفر الذي رددت الألسن ذكره وتشوفت النفوس إلى الوقوف عليه. وقد جاء في ٢٢٥ صفحة مطبوعاً طبعاً حسناً في مطبعة المنار ومنها يطلب بخمسة عشر قرشاً فنشكر للمترجم والناشر همتهما.
стр. 1813
سير العلم والاجتماع
لغات العالم
أحصي عدد المتكلمين باللغات الرئيسية في العالم فكان المتكلمون بالإنكليزية ١٣٦ مليوناً من البشر أي ٢٧ بالمئة من مجموع سكان العالم والمتكلمون بالألمانية ٨٣ ملوناً أي ١٦ في المئة. ويتكلم الصينية ١٤ في المئة والمتكلمون بالإفرنسية ٢٨ مليونا (كذا يجيء عدد المتكلمين باللغات الأخرى فتجيء الروسية والعربية والإيطالية والإسبانية والهولندية).
جهنم الحروب
كتب أحد أطباء نيويورك مقالاً يصف فيه الأمراض الكثيرة التي تسطو على أجسام المتحاربين أكثر من أدوات القتال وأسلحة النزال فأثبت أنه مات في الحرب الروسية العثمانية ثمانون ألفاً بالأوبئة على حين لم يمت سوى عشرين ألفاً مجروحين وأنه هلك في حرب الرقيق في الولايات المتحدة أربعمائة ألف بالأمراض على حين هلك مئة ألف في القتال وأهلك المرض في حرب جنوبي أفريقية عشرة أضعاف ما أهلك المدفع وكان معظم الأسباب التي دعت إلى كثرة الهالكين في الحرب الإسبانية الأميركية قلة العناية الطبية على العكس في الحرب الروسية اليابانية فإن اليابانيين لم يفقد منهم سوى سبعة وعشرين ألفاً في المستشفيات لقاء سبعة وخمسين ألفاً قضوا في ساحة الوغى.
مصور الزمن
أسست ألمانيا منذ سنة ١٩٠٦ ديواناً خاصاً تنقل إليه من أطراف الإمبراطورية الألمانية أخبار الجو والهواء فيؤلف بينها وينشرها في نشرة توزع في أطراف البلاد كما تنشر الأنباء البرقية المهمة وتوزع خاصة على الجرائد وبذلك يتيسر للفلاحين أن يعرفوا أحوال الجو يوماً فيوماً.
بريد الهند
سينتقل بريد الهند عما قريب من البر ليكون أقصد في الوقت منه عن طريق البحر فتتصل لندرا بكلكوتا بالسكك الحديدية عن طريق فرسوفيا في بولونيا فيسافر هذا الخط من كلكوتا حيث تصل صادرات أستراليا بالسفن إلى مدينة دهلي فقندهار فهرات فكوتشكا فسمرقند فمرو فكراسنوفودسك فباكو فكييف ففارسوفيا فبرلين فكالي فلندرا وغندما تصل الركاب
стр. 1814
والبضائع إلى كراسنوفودسك تنقل على سفن سريعة إلى العدوة الثانية من باكو.
السخاء الأميركي
بلغ ما جاد به الكرماء من الأميركان سنة ١٩٠٧ على العلم والتربية ٣٥٤ مليون فرنك وما جادوا به على المعاهد الدينية ٤١ مليوناً وما منحوه للمتاحف ودور الكتب ١٠٠ مليون ولا شك أن هذا السخاء متناسب مع تلك الثروة الهائلة.
مبرة مصرية
وقف مصطفى بك الجوربجي عشرة منازل في كفر الزيات في الوجه البحري لمدرستيه اللتين أنشأهما بماله وبلغ ما أنفق على تشييدهما نحو خمسة آلاف جنيه فلهما الآن إيراد سنوي يربي على ألف جنيه كما أنشأ مدرستين في بريد ووقف عليهما أملاكاً تعيشان به.
ناد للمعارف
تبرع الأمير يوسف كمال بألف ومائتي متر في المنيرة إحدى أحياء القاهرة لينشأ فيها ناد للمعارف يختلف إليه أهل العلم وطلابه وجاد لإنشائه بألفي جنيه وبمكتبة عربية وإفرنجية وهذه المنحة لا تقل عن ثمانية آلاف جنيه.
رواج الكتب
معدل ما يبع سنوياً من كتب شكسبير الشاعر الإنكليزي ثلاثة ملايين نسخة ومن غريب ما يدل على رواج الكتب في ألمانيا أن إحدى جرائد ليبزيك الأسبوعية ستحتفل في أكتوبر المقبل بمرور السنة الخامسة والعشرين على تأسيسها فوضع مديرها ثلاثين ألف مارك جائزة لمن يكتب أحسن رواية ومعلوم أنه إذا لم يكن موقناً بالرواج ما جاد هذا الجود المحمود على أرباب الأقلام والذين يحكمون في الجائزة بعض كبار النقاد من أدباء الألمان.
السلك البرقي النظار
يجرب أحدهم معدن السالانيوم بأن يجعله يتأثر بالنور فإذا تمت تجاربه كما يريد أصبح الإنسان يخاطب صديقه على لسان البرق وهو يراه ويسمعه.
بسطة العيش
افتتح مؤخراً ناد للنساء في نيويورك ليس له مثيل في أندية الأرض ببذخه بل برخاء الحياة
стр. 1815
فيه فإن كل شيء فيه حتى المائدة وما يتبعها تدار بواسطة الكهربائية ففيه غرف باردة توضع فيها الفراء وقد جعلت حشوات المواضع التي تناط بها الثياب من خشب تقتل رائحته العث.
ديون الممالك
تزيد ديون الممالك أوروبية يوماً عن يوم فدين فرنسا أكثر من جميع الممالك فهي مدينة بتسعة وعشرين ملياراً من الفرنكات وتجيء بعدها روسيا تبلغ ديونها ٢٣ ملياراًُ ودين ألمانيا ٢١ ملياراً ودين بريطانيا ١٩ ودين إيطاليا ١٣ ودين النمسا ١٠ مليارات ودين إسبانيا٩.
مدراس الفلاة
فتحت في مدينة شارتونبرغ في ألمانيا منذ بضع سنين في الضواحي أشبه بأن تكون مدارس تشتغل في العطلة المدرسية فهي لا تفتح إلا سبعة أشهر في السنة فقط وتقبل البنين والبنات وتعلمهم معاً كل ما يلزمهم لقاء قرشين في النهار ويأكلون بها ويشربون فيركبون الترامواي الساعة السادسة صباحاً ويعودون بهم في المساء وأكثر الأولاد من الفقراء والغالب أن بعض مدن ألمانيا وغيرها ستنسج على منوال هذه المدرسة.
حركة العالم التجارية
أحصي مجموع الحركة التجارية والبحرية في العالم مدة العشر سنين الأخيرة فكان مجموع صادرات ألمانيا ووارداتها ١١٦٠٣٠٠٠٠٠٠ فرنك سنة ١٨٩٧ فبلغت سنة ١٩٠٦ ١٨٢٢٢٠٠٠٠٠٠ وأنفقت وزارة البحرية لحماية هذه الحركة سنة ٩٧ ـ ١٠٩٤٠٠٠٠٠ فرنك وبلغ ما أنفقته سنة ١٩٠٦ ـ ٣٣١٣٠٠٠٠٠ فرنك وكان مجموع حركة الصادرات والواردات معاً في فرنسا سنة ١٨٩٧ ـ ١٠٧٨٢١٥٠٠٠٠ فرنك وأنفقت بحريتها ٢٦٥٢٥٠٠٠٠ فرنك وبلغ مجموع تلك الحركة فيها سنة ١٩٠٦ ـ ٤٤٨٠٠٧٥٠٠٠٠ فرنك وما أنفقته البحرية في تلك السنة ٤١٢٣٥٢٥٠٠٠ فرنك وبلغ مجموع تجارة إنكلترا سنة ٩٧ ـ ٢٥٣٠٤٧٢٥٠٠٠ فرنك وارتقى سنة ١٩٠٦ إلى ٤٧٦٥٦٩٠٠٠٠٠ وكان مجموع نفقاتها البحرية سنة ١٨٩٧ ـ ٥٥٦٧٧٥٠٠٠ فأصبحت سنة ١٩٠٦ ـ ٨٣٩٣٧٥٠٠٠ وبذلك تبين أن التجارة الألمانية تضاعفت في عشر سنين في حين نفقاتها
стр. 1816
البحرية زادت ثلاثة أضعاف وأن إنكلترا كانت سنة ١٨٩٧ تنفق على بحريتها خمس مرات ما تنفقه ألمانيا ولكنها في سنة ١٩٠٦ لم تنفق في هذا السبيل بالنسبة إلا ثلاثة أضعاف ما كانت تنفقه فزادت من ثم نفقاتها البحرية خمسين في المئة على حين زادت نفقات ألمانيا ثلاثمائة في المئة ولا يزال النمو في ألمانياتزايد وأي زيادة كل سنة.
стр. 1817
العدد ٣٠ - بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩٠٨
стр. 1818
صدور المشارقة والمغاربة
عبد الله بن المقفع وعبد الحميد بن يحيى
نشأ للعربية في أوائل القرن الثاني للهجرة كاتبان بليغان يصح أن يدعيا واضعي أساس الإنشاء العربي وناهجي طريقة الكتابة المرسلة فكانا مناراً يهتدى به إلى يوم الناي هذا ونعني بهما عبد الله بن المقفع وعبد الحميد بن يحيى الكاتب. ظهر هذان الإمامان واللغة في نضرتها الأولى فكان لهما من فطرتهما السليمة أعظم مساعد لهما على النبوغ وزادت شهرتهما مساعد لهما على النبوغ وزادت شهرتهما لاتصالهما بالخلفاء والأمراء ومرانهما على الكتابة في الأغراض الكثيرة التي كانت تطلب إليهما فيخوضان عبابها مجليين مبرزين.
نشأ ابن المقفع في العراق على ما ينشأ عليه أبناء اليسار وكان والده ينتحل نحلة مجرس الفرس ولي خراج فارس للحجاج بن يوسف الثقفي في الدولة الأموية. ولقب المقفع لأن الحجاج ضربه فتقفعت يده أي تشخبت لمدها لأخذ الأموال على ما يقال. وربي ابنه عبد الله تربية إسلامية وأولع بالعلم وهو مكفي المؤونة فجاء منه في سن العشرين ما يندر أن يكون مثله لأبناء الأربعين والخمسين. واتصل بعيسى بن علي عم السفاح والمنصور الخليفتين الأولين من بني العباس وكاتب له واختص به وأراد أن يدين بالإسلام فجاء إلى عيسى ابن علي وقال له: قد دخل الإسلام في قلبي وأريد أن أسلم على يدك. فقال له عيسى: ليكن ذلك بمحضر من القواد ووجوه الناس فإذا كان الغد فاحضر. ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم فجلس ابن المقفع يأكل ويزمزم على عادة المجس فقال له عيسى: أتزمزم وأنت على عزم الإسلام فقال: أكره أن أبيت على غير دين. فلما أصبح اسلم على يده فسمي بعبد الله وكني بأبي محمد.
أهم كتب ابن المقفع التي طار ذكرها كتاب كليلة ودمنة الذي نقله عن الفارسية ورسالته المعروفة باليتيمة في طاعة السلطان. قال القفطي وهو أول من اعتنى في الملة الإسلامية بترجمة الكتب المنطقية لأبي جعفر المنصور وترجم كتب أرسطو طاليس المنطقية الثلاثة وهي كتاب قاطيغورياس وكتاب باري أرمينياس (أوبارميناس) وكتاب أنا لوطيقا وذكر أنه ترجم إيساغوجي تأليف فرفوريوس الصوري. والأرجح أنه نقل هذه الكتب عن الفارسية
стр. 1819
أو نقلها له ناقل عن اليونانية وصاغها هو في قالب عربي فنسبت له إذ لم يثبت أنه كان يعرف غير الفارسية من اللغات. وعبارة ابن أبي أصيبعة في تاريخ الأطباء تشبه قول القفطي في تراجم الحكماء والغالب أنهما نقلا عن مصدر واحد مع تغيير طفيف في عبارتيهما.
قال ابن النديم واسمه بالفارسية روزبة وهو عبد الله بن المقفع ويكنى قبل إسلامه أبا عمرو فلما أسلما اكتنى بأبي محمد والمقفع بن المبارك إنما تقفع لأن الحجاج بن يوسف ضربه بالبصرة في مال احتجنه من مال السلطان ضرباً مبرحاً فتقفعت يده وأصله من خوز مدينة في كور فارس وكان يكتب أولاً لداود بن عمر بن هبيرة ثم كتب لعيسى بن علي على كرمان وكان في نهاية الفصاحة والبلاغة شاعراً فصيحاً وهو الذي عمل شرط عبد الله ابن علي على المنصور وتصعب في احتياطه فيه فاحفظ ذلك أبا جعفر فلما قتله سفيان بن معاوية حرقاً بالنار وقع ذلك من المنصور بالموقع الحسن فلم يطلب بثاره وطل دمه وكان أحد النقلة من اللسان الفارسي إلى العربي مضطلعاً باللغتين فصيحاً بهما وقد نقل عدة كتب من كتب الفرس منها كتاب خداينامة في السير كتاب آيين نامة في الإصر وكتاب كليلة ودمنة وكتاب مزدك كتاب التاج في سيرة أنوشروان كتاب الآداب الكبير ويعرف بماقراحسيس كتاب الأدب الصغير كتاب اليتيمة في الرسائل.
وقال أن أبا الجاموس ثور بن يزيد أعرابي كان يفد البصرة على آل سليمان بن علي وعنه أخذ ابن المقفع الفصاحة ولا مصنف له وقال: بلغاء الناس عشرة ابن المقفع، عمارة بن حمزة، حجر بن محمد، محمد بن حجر، أنس بن أبي شيخ، وعليه اعتمد أحمد بن يوسف الكاتب، سالم بن مسعدة الهرير، عبد الجبار بن عدي، أحمد بن يوسف، وذكره في الشعراء الكتاب فقال أنه مقل وقال وقد كانت الفرس نقلت في القديم شيئاً من كتب المنطق والطب إلى اللغة الفارسية فنقل ذلك إلى العربي عبد الله بن المقفع وغيره وقال في الكتب المصنفة في السماء والخرافات أن عبد الله بن المقفع من جملة من كان يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم.
والراجح أن الحسد غلت مراجله في صدور بعض معاصريه والمعاصرة كما قيل حرمان فنسبوا إليه ما نسبوا من الزندقة لقصورهم عن بلوغ شأوه أو لغرض في أنفسهم قال ابن
стр. 1820
خلكان نقلاً عن الجاحظ: أن ابن المقفع ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد كانوا يتهمون في دينهم قال بعضهم: كيف نسي الجاحظ نفسه. قلنا وعبارة الجاحظ في بعض رسائله بشأن ابن المقفع تشير إلى قصوره في علم الكلام فقط فإنه قال:
فصلٌ ومن المعلمين ثم من البلغاء المتأدبين عبد الله بن المقفع ويكنى أبا عمرو وكان يتولى لآل الأهتم وكان مقدماًُ في بلاغة اللسان والقلم والترجمة واختراع المعاني وابتداع السير وكان جواداً فارساً جميلاً وكان إذا شاء أن يقول الشعر قاله وكان يتعاطى الكلام ولا يحسن منه لا قليلاً ولا كثيراً وكان ضابطاً لحكايات المقالات ولا يعرف من أين غر المغتر ووثق الواثق وإذا أردت أن تعتبر ذلك إن كنت في خلص المتكلمين ومن النظارين فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته الهاشمية فإنك تجده جيد الحكاية لدعوى القوم رديء المدخل في مواضع الطعن عليهم. وقد يكون الرجل يحسن الصنف والصنفين من العلم فيظن نفسه عند ذلك أنه لا يحمل عقله على شيء غلا بعد به. أهـ.
لا جرم أن إطلاق ابن المقفع لسانه في المعتزلة دعا أحد أئمتها إلى أن يصدر عليه هذا الحكم الغريب ولكن الجاحظ أيضاً على ثبوت تدينه لم يسلم من هذا الطعن كما رأيت. وأن مسألة التهمة في الدين من الأمور التي شاعت في كل عصر ومصر ويكون المتهمون بها في معظم الأحوال أبرياء وإلا فكيف تسجل الزندقة على ابن المقفع إذا جرينا مع الدليل. وليست الزندقة بحثاً عما يضمره الإنسان في نفسه لأن مثل هذا لا يطلع عليه إلا الله تعالى ويكفي أن يقال هلاّ شققت عن قلبه. بل الزندقة التي تذكر في الكتب وتترتب عليها الأحكام ويسوء أن يقال عن فلان أنه زنديق أمور تقوم عليها بينات ظاهرة من أقوال وأفعال وكلام ابن المقفع في الدين يدل على شدة تمسكه وفرط ميله على ما يتجلى لك من رسائله.
ولو كان ثم سبيل لما ينسب إليه لاسيما مع غضب المنصور عليه لكان الأقرب أن يتقرب مثل المنصور بمثل ذلك وفيه ما فيه من إرضاء العامة وشفاء الغليل من العدو بحيث ينتقم منه مع إسقاطه ولا يعدم المنصور حينئذ حيلة في قتله جهاراً بهذه التهمة. أما اتهام ابن المقفع بمعارضة القرآن فتنصرف على القاعدة في اتهامه بالزندقة وما نظن القاضي عياض والباقلاني إلا ناقلين عن أناس من أهل السذاجة ومع ذلك فإنهما قالا أنه أناب.
التهمة بالزندقة أمر نشأت منه مضار كثيرة حتى لم يخل منها مثل الإمام الغزالي الذي كان
стр. 1821
أعظم أنصار الدين فانظر إلى كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة الذي ألفه في الرد على أولئك الذين نسبوا إليه ما نسبوا فإن فيه الفناء وأغرب من ذلك القيام على أبي حاتم ابن حيان السبتي إمام المحدثين في عصره وصاحب الصحيح المشهور به والكتب الممتعة الكثيرة واستحصال الأمر بقتله لو لم ينج من ذلك بعوارض لا تخطر في البال.
ومعارضة القرآن أكثر ما تنسب للزنادقة المشهورين بالأدب والفضل يشيع ذلك أناس يقصدون إهلاك عدوهم بأي وسيلة كانت أو ناس هم أقرب إلى الزندقة ممن ينسبونهم إليها حتى أن أبا العلاء المعري على اضطراب الأقوال في نهاية أمره مع ما علم به من أحواله قد عزي إليه كتاب كان معروفاً في بلاد المغرب يسمى بالفصول والغايات ولا يتوقف من كان قريب العهد من عصره في أنه عمله في معارضة السور والآيات وكان كثير ممن يميلون إلى أبي العلاء المعري من أهل المغرب يعجبون مما وقع فيه من سخافة القول الذي ينحط عن جميع كلامه المعروف مع أنه ليس له يد في الكتابة كما علم من كتاب سر الفصاحة وكلامه في رسالة الغفران ينادي بخلاف ذلك.
وعلى الجملة فإن نسبة الزندقة إلى ابن المقفع لا تثبت بوجه من الوجوه التي تعقل في إثباتها وإذا نظرنا إلى ما يتعلق بالغيب فالحكم الشرعي أنه هو والناسبون إليه جميعاً في معرفة ما ينطوون عليه سواء لأنه لم يذهب أحد إلى أن الإيمان يتيسر إثباته بالبرهان إلا إذا ورد عن الشارع في شخص معين إثبات الإيمان أو لوازمه لرجل بعينه.
وتهمة الزندقة الشنعاء كثيراً ما يتهم بها المشتغلون بالفلسفة أمثال ابن رشد والفارابي وابن الصائغ وابن سينا ونسب هذا أنه عارض القرآن وقد كتب رسالة في رد افتراء من افترى عليه ذلك. ومن هنا تظهر لك حسن سياسة المأمون لأن فتح باب البحث عن الزنادقة وقد أوجب من المضار ما لا يحصى كما يعلم من التواريخ وربما كان عصر المأمون أقرب إلى قلة الزندقة في الحقيقة من العصور التي كثر اتهام معظم المفكرين بها وغيرهم ممن يراد الانتقام منهم.
عرفت بهذا أن كلام القائلين بزندقة ابن المقفع مع ما عرف من كلامه هو من ذاك الباب. قال المرتضى في أماليه روى ابن شبة قال: حدثني من سمع ابن المقفع وقد مر ببيت نار للمجوس بعد أن أسلم فلمحه وتمثل:
стр. 1822
يا بيت عاتكة الذي أتعزَّل ... حذَر العذى وبك الفؤاد موكل
لإني لأمنحك الصدود وأنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل
وقال صاحب الأغاني نقلاً عن الجاحظ: كان والبة بن الحباب ومطيع بن إياس ومنقذ ابن عبد الرحمن الهلالي وحفص بن أبي وردة وابن المقفع ويونس بن أبي فروة وحماد عجرد وعلي بن الخليل وحماد بن أبي ليلى الاوية وابن الزبرقان وعمارة بن حمزة ويزيد بن الفيض وجميل بن محفوظ وبشار المرعث وإبان اللاحقي ندماء يجتمعون على الشراب وقول الشعر ولا يكادون يفترقون ويهجو بعضهم بعضاً هزلاً وعمداً وكلهم متهم في دينه. قلنا واجتماع المتشاكلين قديم في الناس والغالب أنهم يتحرجون من إدخال من ليس على شاكلتهم في زمرتهم فيتهمون بما هم منه براء كما اتهم جماعة أبي حيان التوحيدي الذي نقل بعض مجالسهم الفلسفية في مقابساته وكانوا من أهل النحل المختلفة تجمع بينهم جامعة العلم والفلسفة كما جمعت بين ابن المقفع وأصحابه جامعة الأدب فقالوا أنهم كانوا يجتمعون على شراب واتهموهم بالمروق. وفي كتاب البيان والتبيين للجاحظ ذكر أناس كانوا شديد التصافي والالتحام مع شدة التباين في المذاهب.
أما كيفية مقتل ابن المقفع فقد اجمع مترجموه أنه كان بسبب كتابته أماناً لعبد الله ابن علي قال فيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله فنساؤه طواليق ودوابه حبس وعبيده أحرار والمسلمون في حل من بيعته. فاشتد ذلك على المنصور جداً وخاصة أمر البيعة وكتب إلى سفيان بن معاوية المهلبي وهو أمير البصرة من قبله فقتله وكان سفيان شديد الحنق عليه لأن ابن المقفع على ما يقال كان ينال منه ويستخف به حتى عزم على أن يغتاله فجاءه كتاب المنصور بقتله فقتله سراً في داره ويقال أنه عاش ستاً وثلاثين سنة وسأل سليمان وعيسى فقيل أنه دخل دار سفيان سليماً ولم يخرج منها فخاصماه إلى المنصور وأحضره إليه مقيداً وحضر الشهود الذين شاهدوه وقد دخل داره ولم يخرج فأقاموا الشهادة عند المنصور فقال لهم المنصور: أنا أنظر في الأمر. ثم قال لهم: أرأيتم إن قتلت سفيان به ثم خرج ابن المقفع من هذا البيت وأشار إلى باب خلفه وخاطبكم ما تروني صانعاً بكم أأقتلكم بسفيان. فرجعوا كلهم عن الشهادة واضرب عيسى وسليمان عن ذكره وعلموا أن قتله كان برضا المنصور.
стр. 1823
ولابن المقفع شعر قليل ولكنه جيد نقل له صاحب الحماسة ثلاثة أبيات يقال أنه رثى بها يحيى بن زياد وقال الأخفش والصحيح أنه رثى بها ابن أبي العوجا وهي:
رزئنا أبا عمرو ولا حيّ مثله ... فلله ريب الحادثات بمن وقع
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في انسداد لها طمع
لقد جر نفقاً ففقدنا لك أننا ... آمنا على كل الرزايا من الجزع
قال ثعلب البيت الأخير يدل على أن مذهبهم في أن الخير ممزوج بالشر والشر ممزوج بالخير ـ فتأمل.
ومما يذكر عن ابن المقفع ما رواه صاحب الأغاني وغيره قال حدثني اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني أحمد قال سمعت جدي أبا محمد يقول: كنت ألقى الخليل ابن أحمد فيقول لي أحب ن يجمع بيني وبين عبد الله بن المقفع فجمعت بينهما فمر لنا أحسن مجلس وأكثره علماً ثم افترقنا فلقيت الخليل فقلت له يا أبا عبد الرحمن كيف رأيت صاحبك قال: ما شئت من علم وأدب إلا أني رأيت علمه أكثر من عقله. ثم لفيت ابن المقفع فقلت له: كيف رايت صاحبك: قال ما شئت من علم وأدب إلا أن عقله أكثر من علمه. وقال المرتضى أن من جمعهما كان عباد بن عباد المهلبي فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهن.
قال الأصمعي: قيل لابن المقفع من أدبك قال: نفسي إذا رأيت من غيري حسناً أتيته وإن رأيت قبيحاً ابيته. ودعاه عيسى بن علي للغداء فقال: أعز الله الأمير لست يومي للكرام أكيلاً قال: ولم؟ قال: لأني مزكوم والزكمة قبيحة الجوار مانعة من عشرة الأحرار. ومن كلامه شربت من الخطب رياً ولم أضبط لها روياً ففاضت فلا هي نظاماً وليس غيرها كلاماً.
ومما يؤثر عنه وهو ما يدل على رأيه في الإنشاء أنه قال لبعض الكتاب: إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة فإن ذلك هو العي الأكبر. وقال لآخر: عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة. وقيل له ما البلاغة فقال: التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها.
وفي البيان والتبيين عن إسحق بن حسان بن فوهة أنه قال: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد قط. سئل ما البلاغة قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة. فمنها
стр. 1824
ما يكون في السكوت. ومنها ما يكون في الاستماع. ومنها ما يكون في الإشارة. ومنها ما يكون في الحديث. ومنها ما يكون في الاحتجاج. ومنها ما يكون جواباً ومنها ما يكون ابتداءً. ومنها ما يكون شعراً ومنها ما يكون سجعاً وخطباً ومنها ما يكون رسائل فعامة ما يكون في هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة.
فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين فالإكثار من غير خطل والإطالة من غير إملال. قال: وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك كا أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته. كأنه يقول فرق بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد وخطبة الصلح وخطبة المواكب حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك ولا يشير إلى مغزاك. وإلى العمود الذي غليه قصدت والغرض الذي إليه نزعت.
قال فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف قال: إذا أعطيت كل مقام حقه وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك لامقام وأرضيت من يعرف حقوق الكلام فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو فإنهما لا يرضيهما شيء وأما الجاهل فلست منه وليس منك ورضا جميع الناس شيء لا تناله وقد كان يقال رضاء الناس شيء لا ينال.
وقال عبد العظيم بن أبي الإصبع في تحرير التحبير في البديع في باب التهذيب والتأديب: قد كان المتقدمون لا يحفلون بالسجع جملة ولا يقصدونه بتة إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام واتفق من غير قصد ولا اكتساب وإن كانت كلماتهم متوازنة وألفاظهم متناسبة ومعانيهم ناصعة وعباراتهم واثقة وفصولهم متقابلة وتلك طريقة الإمام علي ﵇ ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام كابن المقفع وسهل بن هرون وأبي عثمان الجاحظ وغير هؤلاء من الفصحاء والبلغاء.
وقال الأمين المحبي فيما يعول عليه في المضاف والمضاف إليه: يتيمة ابن المقفع ـ يضرب بها المثل لبلاغتها وبراعة منشئها وهي رسالة في نهاية الحسن تشتمل على محاسن من الأدب وقد ذكرها أبو تمام وأجراها مثلاً في قوله للحسن ابن وهب:
ولقد شهدت والكلام لآلئٌ ... تؤم فبكر في الكلام وثيب
فكأن قساً في عكاظ يخطب ... وكأن ليلى الأخيلية تندب
стр. 1825
وكثير عزّة يوم بين ينسب ... وابن المقفع في اليتيمة يسهب
وقال جلال الدين في المزهر نقلاً عن أبي الطيب عبد الواحد اللغوي في مراتب النحويين قال محمد بن سلام: سمعت مشايخنا يقولون لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع.
وقال المعري في عبث الوليد: كان المتقدمون من أهل العلم ينكرون إدخال الألف واللام على كل وبعض وروى الأصمعي أنه قال كلاماً معناه قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحناً غلا في موضع واحد وهو قوله: العلم أكبر من أن يحاط بكله فخذوا البعض.
وروي أن بعضهم ذكر ابن المقفع فقال: ألفاظه معان ومعانيه حكم فصل خطابه شفاء وخصل بيانه كفاء. وسمع أبو العيناء بعض كلام ابن المقفع فقال: كلامه صريح ولسانه فصيح وطبعه صحيح كأن بيانه لؤلؤ منثور وروض ممطور. وقال جعفر بن يحيى: عبد الحميد أصل وسهل بن هارون فرع وابن المقفع ثمر وأحمد بن يوسف زهر.
وعبد الحميد هذا هو الذي يضرب به المثل في البلاغة حتى قيل فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وكان أحمد بن يوسف يقول في رسائل عبد الحميد الفاظ محككة وتجارب محنكة. قال صاحب الوفيات وكان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماماً وهو من أهل الشام وكان أولاً معلم صبية ينتقل في البلدان وعنه أخذ المترسلون ولطريقته لزموا ولآثاره اقتفوا وهو الذي سهل البلاغة في الترسل ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة.
وقال ابن نباتة: أنه البالغ إلى أعلى المراتب في الكتابة البليغة يقال أنه كان في أول عمره معلم صبيان بالكوفة ثم اتصل بمروان الجعدي قبل أن يصل إلى الخلافة وصحبه وانقطع إليه فما جاء الأمر بالخلافة سجد مروان وسجد أصحابه غلا عبد الحميد فقال له مروان: لم لا سجدت فقال: ولمَ أسجد على إن كنت معنا فطرت عنا يعني بالخلافة فقال: إذاً تطير معي قال: الآن طاب السجود وسجد وكان كاتب مروان طول خلافته.
وهو أول من أخذ التحميدات من فصول الكتب واستعمل في بعض كتبه الإيجاز البليغ وفي بعضها الإسهاب المفرط على اقتضاه الحال. فمن افيجاز أن بعض عمال مروان أهدى إليه عبداً اسود فأمره بالإجابة ذاماً مختصراً فكتب: لو وجدت لوناً شراً من السواد وعدداً أقل
следующие страницы →