← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وينشر كتباً ومفكرات وفي نوهافن مجمع للعلوم والفنون وفي نيويورك مجمع للعلوم. وفي سالم من ولاية مساشوست مجمع للعلوم أنشأه الكريم بابودي فمنحه مائة وأربعين ألف دولار. وفي سان لوي مجمع للعلوم وفي شيكاغو كذلك كما في سنيناتي مجمع للتاريخ الطبيعي وفي كليفورنيا كذلك ومجمع هذه يكبر بكثرة ما يمنح من عطايا الأسخياء. وفي أيوفا مجمع للعلوم الطبيعية أسسته عقيلات دافانبور بمالهن. وفي فلادلفيا مجمع لترقية العلوم غرضه أن يطوف أعضاؤه في البلاد ويتباحثوا ويتبادلوا الأفكار. وفي أميركا أيضاً مجمع للعلوم اسمه مجمع العلوم الوطني أعضاؤه مائة يجتمع في واشنطون وفي هذه المدينة المجمع السميثوني أسس سنة ١٨٤٦ بما وقفه عليه جايمس سيمثون المتوفى سنة ١٨٢٩ وهو من أهم مجامع الولايات المتحدة وله متحف طبيعي من أعظم متاحف العالم قام بفضل سخاء الأسخياء عليه وهناك عشرات من الجمعيات والمجامع في أمهات المدن الأميركية سواء كان في الكليات أو غيرها تنشر الكتب وتعنى ببث العلم والإفراد يمنحونها المنائح السنية. هذه نبذة من المجامع على اختلاف مقاصدها في العالم المتمدن لخصناها عن دائرة المعارف الفرنسوية الكبرى وربما زاد عددها الآن أكثر من ذلك فعسى أن يكون فيها للشرق درس نافع.

стр. 1857

كلمة معتبر أقوى مصيق القوم والمربع ... فالدار قفر بعدهم بلقع سارت بنا الأرض إلى غاية ... لنا وللأرض هي المرجع ونحن كالماء جرى نابعاً ... لكن علينا خفي المنبع والعلم قد أنكر منها جنا ... ولم يبن أين هو المهيع خرقت يا علم رداء لنا ... كنا ارتديناه فهل ترقع فجعتنا يا علم في أمرنا ... أمعتب أنت إذا نجزع لقد طغت حيرة أهل النهى ... هل فيك يا علم لها مردع كم نشرب الظنّ فلا نرتوي ... ونأكل الحدس فلا نشبع والناس ويل الناس في غفلة ... ترتع والموت بهم يرتع والكون قد لاح بمرآته ... للعيش وجه شاحب أسفع وإن في البدر لخطباً به ... في البدر لاحت بقع أربع فالعين ما يورث حزناً ترى ... والأذن ما يزعجها تسمع والأرض في منقلب بالورى ... والشمس من مشرقها تطلع حتى إذا ما بلغت شوطها ... لاحت نجوم في الدجى تلمع وهكذا الظلمة تتلو الضيا ... والضوء للظلمة يستتبع ونحن في ذاك وفي هذه ... بالنوم واليقظة نستمتع ما بين مسعود يميت الدجى ... نوماً ومنكود فلا يهجع ومسرع يسبقه مبطيء ... ومبطيء يسبقه مسرع وشامت يضحك من حادث ... حلّ بباك قلبه موجع لو كان للقسوة عين وقد ... رأته كانت عينها تدمع والكل في شغب لهم دائم ... لم يقلعوا عنه ولن يقلعوا والماء يمسي وشلاً تارة ... وحوضه آونة مترع والريح تجري وهي ريدانة ... حيناً وحيناً عاصف زعزع وبعضهم تمرع وديانه ... وبعضهم واديه لا يمرع قد يحسب الإنسان آماله ... والموت مصغ نحوه يسمع

стр. 1858

حتى إذا أكمل حسبانها ... وافاه ما ليس له مدفع فخرّ للجنب صريعاً به ... وأي جنب ماله يصرع وظلَّ فوق الأرض في حالة ... يزوّر عنها الحسب الأرفع لا تعمل الأقلام في كفه ... وكان من قبل بها يصدع ولم تعد تقطع أسيافه ... من بعد ما كان بها يقطع فاستل مثل السيف من مطرف ... طرائق الوشي به تلمع ولف في ثوب له واحد ... ليس له رقم ولا ميدع واهاً له ثوب البلى إنه ... يبلى مع الجسم ولا ينزع ودس حيث الأرض أمست له ... ملحودة ضاق بها المضجع حيث البلى يرميه حتى إذا ... لم يبق في قوس البلى منزع خالط التراب جثمانه ... مطحونة منها بها الأضلع لله در الموت من خطة ... فيها استوى ذو العي والمصقع يخون فيها القول منطيقه ... كما تخون البطل الأدرع ما أقدر الموت فمن هوله ... لم ينج لا كسرى ولا تبع يا رافع البنيان كم للردى ... من سلم يدرك ما ترفع ويا طبيب القوم لا تؤذهم ... إن دواء الموت لا ينجع لا بد للمغرور من مندم ... بالعض تدمى عنده الإصبع وما عسى تغني وقد حشرجت ... ندامة ليست إذاً تنفع يا برقع الخلقة واهاً لما ... فيك واهاً منك يا برقع قد زاغت الأبصار فيما ترى ... إذ فات عنها سرك المودع وليس في الإمكان عند النهى ... أبدع مما خلق المبدع بغداد معروف الرصافي

стр. 1859

سير العلم والاجتماع مستقبل علم الاجتماع نشرت إحدى المجلات الاجتماعية آراء خمسة عشر عالماً من كبار علماء الاجتماع في أوروبا وأميركا سألتهم عن مستقبل هذا العلم الحديث الذي نشأ في الحقيقة منذ ثلاثة أرباع قرن عندما نشر أوغست كونت الفيلسوف الفرنسوي فلسفته الحسية وكان بها واضع أسس علم الاجتماع فكانت أجوبتهم على أن هذا العلم ما زال في حداثته الأولى ويرجى أن يكون له بعد أجيال أساس راسخ وأن القرن التاسع عشر أورث هذا القرن فيما أورث من تركته الضخمة مشكلة كبيرة فإن ترك له ما تم من الارتقاء في العلوم الطبيعية واكتشاف قوانين النشوء التي تشمل العالم فإن أهم مشكلة علمية ترك للقرن العشرين حلها هي تحديد الصلات بين الأسباب وقوانين النشوء السارية على الإنسانية وإن تقسيم العلوم التي يقوم عليها علم الاجتماع والتوفر على خدمتها سيجعل لهذا العلم شأناً غير شأنه الحاضر ويكون كفيلاً بأعظم النتائج وأخص هذه العلوم هي تاريخ الحقوق وعلم الاقتصاد السياسي وعلم الأديان والصنائع والفنون والتاريخ قال أحدهم أن الغاية من علم الاجتماع أن نفهم منه النظامات الاجتماعية الحاضرة بحيث يتجلى لنا ما يكون من أمرها بعد وما نريد أن نحولها إليه ولا بد أولاً لفهم قانون من القوانين من معرفة كيفية تركيبه فالنظام الاجتماعي مركب من أجزاء فيتحتم حل هذه الأجزاء بمفرداتها ليتأتى الحكم على كل منها على حدته ولا يكفي في إظهار ذلك أن ننظر إلى القانون من حيث انتهى غليه حاله فإنه بذلك لا تعرف العناصر المختلفة المؤلف منها كما أنا لا نرى بالعين المجردة الخلايا التي تتألف منها الأنسجة من الأحياء والذرات التي تتألف منها الأجسام فيقتضي أداة للبحث لإظهار ذلك ولا سبيل إليه إلا بالتاريخ فبه تعرف تلك القوانين التي تألفت قطعة قطعة وكيف جاء بعضها أثر بعض وللتاريخ مقام في نظام الحقائق الاجتماعية يشبه مقام الميكروسكوب في نظام الحقائق الطبيعية. سم الدخان أنشأ باعة الدخان في فرنسا يبيعون دخاناً خالياً من النيكوتين أي المادة السمية الموجودة فيه وقد جرب أحد علمائهم هذا الدخان في اللفافات والغلايين فتبين له أنه لا يضر أصلاً

стр. 1860

كالدخان الإنكليزي الذي حقن بمنقوعه بعض الحيوانات فأصيبت بعد ٣٨ إلى ٥٦ يوماً بالتهاب الشريان (الأبهر الشمالي) المزمن أما المحقونة بالدخان الفرنسوي الخالي من النيكوتين فحقنت ستين مرة فلم تزد به إلا سمناً ولم يظهر عليها عرض من أعراض الأمراض. لغة الاسبرانتو قبلت مدرسة فرنسا في باريز هذه اللغة التي اخترعها الدكتور زمنهوف الروسي منذ نحو عشرين سنة بصفتها لغة مساعدة عامة وقد أصبح الذين قبلوا هذه اللغة ٣٠٧ جمعيات علمية وغيرها كما تعلمها ١٠١١ عالماً من علماء الأرض على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم. حدائق الأطفال أنشئت في منشستر حدائق من الرمل يلعب فيها صغار الأطفال الضعاف البنية فيحضرون إليها يحملون محافر وسطولاً (كرادل) يحفرون ويسقون وتلاحظهم إحدى النساء وفي الأيام الممطرة ينتقلون إلى مكان مسقوف وقد رأى الباحثون أن هذه الطريقة نافعة لتقوية أجسام الضعاف. التمثيل في آسيا قال أحد علماء الاجتماع أن الأمم الكبرى المتمدنة في آسيا ترتاح إلى التمثيل ارتياح الأمم الأوروبية إليه ومع هذا فإن رواياتها التمثيلية منحطة عن روايات الغرب اللهم إلا اليابان ففي الهند والصين لا ترى في الروايات التمثيلية أثراً من الآثار التي تشير إلى المطامع الكبيرة التي تسوق أصحابها إلى الفتن ولا أبطالاً يقدمون على المصاعب ويعاندون الأقدار في أحكامها بل أنهم يكتفون هناك بتمثيل فاجعات عامية تصور اضطرابات الحياة اليومية أو عيشة العملة إلا أن الروايات الأوروبية قد أثرت الآن في الهند وإن كان بعض أدبائها يريدون حباً بوطنيتهم أن يحيوا ما كاد يندثر من آدابهم القديمة مما يدعو إلى الأمل بأن التمثيل الهندي سيرجع عما قريب إلى صورته السالفة التي كان عليها أهل الصين فإن الذي يغلب عليها في التشخيص ذكر الحياة اليومية وأحوالها والفقر ومشاكله المؤثرة وتصوير الصدق والخديعة ويرجى للتمثيل في الصين ارتقاء لاسيما إذا دخلت البلاد بفضل الحركة الثورية التي تهز الآن عصابها في فتن وطنية كبرى. والتمثيل في سيام يجمع إلى

стр. 1861

تمثيل الحقائق كما تمثلها الصين والأفكار الدينية والفنية كما هي في الهند. وكوريا ممتازة بموسيقاها. أما يابان فإن التمثيل فيها صورة صحيحة من صور المطامع التي تجول في صدور اليابانيين والأعمال التي تدور فليها حياتهم فتجده مثالاً من تقاتل الأفكار وعراك الرجال وتأثيرات الجمال والشرف يظهر كل مرة بمظهر أمام المتفرجين. قال ومتى أكثر المترجمون في أوروبا من روايات يابان كثر مما ترجموا تتمثل للأنظار شعور ذاك العنصر وشعره وتمدنه فنرى ذاك العنصر الذي هو أعظم مثال في استقلاله كيف يقترب من تمدننا وشعرنا وشعورنا. مقاومة الكحول قدم أحد علماء الألمان إلى مؤتمر مقاومة المشروبات الروحية الأخير تقريراً قال فيه أن الناس كانوا على أن قليلاً من المسكرات لا يضر إن لم ينفع أما هو فقد بين أن تناولها حتى باعتدال مضر جداً بالنسل وذلك بتجارب كثيرة أجراها على الأرانب والكلاب وكان كل حيوان منمها يتعاوره بالاختبار ويحقنه بالكحول من مائتين إلى ثلثمائة يوم فتبين أن نسلها يضعف عقيب ذلك ضعفاً محسوساً الجمال في الأمم كتب أحد الباحثين رسالة فيما يراه كل عنصر من عناصر الأرض من أسباب الجمال فقال أن الجمال يختلف الحكم عليه وإن مما أجمع الناس على استحسانه قوة الرجال ومرونتهم فقبائل الهوتنوت يرون أن من كانت وجناتها أكثر نتوءاً من غيرها تعد ربة الجمال عندهم وزنوج أفريقيا يعتبرون الأثداء المستطيلة الرخوة والزنجيات في شواطيء بحيرة تنغانيكا يحاولون نفخ صدروهن ليكن بذلك محل الإعجاب ومن العادة أن تكون شفاه السود مبرطمة ولكي تزيد قبائل الكاسونيكي والسيرير شفاهها برطمة يدخلن شوكاً فيحدث فيها التهاب يؤدي إلى انبساط القلب المقرط. والفكوم في قبائل الولف في السنغال ناتئة كثيراً ويزيدها نساؤهم نتوءاً بأن يكرهوا الثنايا عندما تطلع أن تكون بارزة للأمام وذلك بأن يضغطن عليها بألسنتهم. ومع أن أنوف قبائل المالايو والقرغيز والهوتنوت والبوسهمين مفلطحة يزيدها نساؤهم فلطحة وقبائل الآينوس في جزيرة يزو على كثرة شعورهم فإن نساؤهم يزدن إنماء شعور وجوههن بواسطة خضاب لتكون لهن شنبات غزيرة وهنود أميركا على

стр. 1862

أن معظمهم جرد قليلو الشعر يتوفرون على نتف شنباتهم وسبلانهم ولحاهم على ما تفعل الأمم المتمدنة من الإفرنج. وأنف الفارسي أقنى رقيق ومع هذا يزيده من ذلك بالضغط عليه كثيراً وللمصريين القدماء عيون نجل ومع هذا كانوا يزيدون شرطتها بطلاء مخصوص والسياميون أرباب أهداب مقوسة ولا تعد المرأة جميلة عندهم إلا إذا كانت أهدابها كهلال القمر. المعارف في روسيا عرفت روسيا منذ خمسين سنة أنها كلما فتحت مدرسة في بلادها أغلق سجن من سجونها لأن المعارف خير ذريعة إلى التقوى وإصلاح النفس ثم أدركت أن الغلب الحقيقي في معركة سادوفا بين الألمان والفرنسيس كان بفضل معلم المدرسة الجرماني فالمعلم يكوّن الأمة في سياستها واجتماعها ولذلك بدأت في الإنفاق على المعارف ولكن سكانها الآن ١٤٤ مليون وبلادها متنائية الأطراف واسعة المعالم والمجاهل يصعب إعداد معدات تعليمها في بضع سنين وعشرات ولا بد من أيام تمر وأجيال تنقرض حتى يأتي من جمهور الأمة بأناس منورون على النحو الذي تريده الحكومة. كانت روسيا لما بدأت في عدد أمييها دون إسبانيا وإيطاليا وعلى مستوى البلاد العثمانية فكانت مدارسها الابتدائية والثانوية قليلة جداً وإن تكن كلياتها ومدارسها العالية غاصة بطلابها. فكانت روسيا في تعليمها أشبه ببيت زينت ظاهره وبهرجت أدراجه وحوائطه وموهت سقوفه ولكنها لم تنظر إلى أساس الطبقة السفلى منه. بلغت المبالغ التي خصصتها روسيا للمدارس الابتدائية حتى سنة ١٨٩٧ مبلغ ١٤٨٤٦٧٣ روبلاً وهو مبلغ زهيد جداً بالنسبة لذاك الملك الضخم فأصبحت سنة ١٩٠٧ مبلغ ٨٢٨٥٠٠٠ روبل ما عدا الاعتمادات التي تفتحها في الأحايين لإقامة المدارس وصار عدد مدارسها الابتدائية سنة ١٩٠٤ تسعين ألف مدرسة فيها نحو مائتي ألف معلم ومعلمة بين كهنة وعامة (علمانيين أو عالميين) ومجموع ما فيها من التلاميذ خمسة ملايين وثلثمائة وتسعون ألفاً. ومع هذا فإذا حسب حساب المتعلمين بالنسبة للسكان كان الواجب أن يكون عددهم نحو ثلاثة عشر مليوناً. وقد طلب ناظر المعارف من مجلس الأمة الآن أن يقرر في الميزانية ستة ملايين وتسعمائة

стр. 1863

ألف روبل زيادة على ميزانية الكتاتيب لتكون أساسً في جعل التعليم إجبارياً في روسيا كما أن المجمع المقدس يصرف في السنة عشرة ملايين روبل على مدارسه الدينية ويقول الخبيرون أن روسيا إذا ارادت جعل التعليم إجبارياً في بلادها كألمانيا وفرنسا مثلاً كان عليها أن تصرف كل سنة ١٢٠ روبلاً وهو ما لا تقوى ميزانيتها على تحمله هذا عدا ما يلزم لها من الأراضي وإقامة تلك المعاهد اللازمة والألوف من المعلمين ممن يقلون في أبنائها. وكيفما دارت الحال فإن روسيا تلوب على طرق تجبر الأفراد فيها على التعلم قضهم وقضيضهم وذكورهم وإناثهم. حبوب العالم أصدرت الغرافة التجارية في لندرا إحصاءً ذكرت فيه ما يستخرج من الحبوب في العالم فقالت أن محصول الحنظة ٣١٦٠ مليون مكيال تعادل ٨٦٠٠٠٠٠٠ طن (والمكيال عبارة ٣٦ لتراً و٣٥ ووزنه في الحنطة ٢٧ كيلوغراماًَ وكسر قليل) ونصف هذا القدر تخرجه ثلاث ممالك فتغل الولايات المتحدة ٦٦٠ مليون مكيال وتغل أملاك روسيا في أوروبا ٥٤١ مليوناً وتغل فرنسا ٣٢٨ مليوناً وأهم البلاد التي تغل النصف الآخر هي الهند تغلب ٢٨٦ مليوناً وإيطاليا تغل ١٥٩ مليوناً وألمانيا تغل ١٢٨ مليوناً والمجر تغل ١٢٠ مليوناً وإسبانيا ١١٥ مليوناً والجمهورية الفضية ١٠١ مليون والباقي تغله الممالك الأخرى. ويقدر محصول الذرة في العالم بـ ٢٨٩٦ مليون مكيال أو ٧٣٥٠٠٠٠٧ طنات تغل الولايات المتحدة ثلاثة أرباعها أي ٢٢٨٦ مليون مكيال ويغل الهرطمان ٣٣٧١ مليون مكيال أو ٤٩٠٠٠٠٠٠ طن تخرج الولايات المتحدة منها ٨٧١ مليوناً وروسيا ٨٢٥ مليوناً وألمانيا ٤٩٤ وفرنسا ٢٦٨ وكندا ٢٠٤ والنمسا والمجر ١٩٦ وتغل روسيا من الشعير ٢٩٧ مليون مكيال وألمانيا ١٤٥ والولايات المتحدة ١١٤ واليابان ٨٠ وتغل الصين من الأرز ٢٤٥٠٠٠٠٠ طن والهند ١٢٧٠٠٠٠٠ ومحصول الأرز في العالم قريب من محصول الحنطة ويخرج من الدخن من بلاد الهند ٥٤٢ مليون مكيال ومن الصين نحو ٥٠٠ مليون ومن بلاد روسيا في أوروبا ٧٨ ومن بلاد روسيا في آسيا ١٥ ومن اليابان ١٢ ومن الولايات المتحدة ٥ وفي هذا الإحصاء لم يذكر لمصر والشام والعراق وآسيا الصغرى ولا لتونس والجزائر لأن محصولاتها في بعض هذه الحبوب تعد حقيرة جداً

стр. 1864

بالنسبة لتلك المكاييل الضخمة في تلك الممالك الضخمة. ثلاثة علماء فقدت ألمانيا المستشرق إدوارغلازر المعروف بالآثار الكتابية التي استخرجها من جنوبي جزيرة العرب وفقدت فرنسا الأستاذين باربيه دي مينار وهرتويغ دارنبورغ من علماء المشرقيات المعروفين بخدمة اللغة العربية وآدابها. الموسيقى والحيوانات كان ميشله المؤرخ إذا أراد ذكر الحيوانات قال أخواننا المنحطون وقد كتب كاتب مقالة في تأثير الموسيقى في الحيوانات قال من توغل في البحث في التاريخ والسير يشهد بأن الموسيقى طالما كانت تؤثر آثارها في الحيوانات. ومن فتح سفر أيوب يجد أن جواد الحرب يحفر الأرض في حركته واضطرابه ولا يتمالك إذا ضرب البوق. كما يقرأ فيه أيضاً: متى ضرب البوق يصهل الجواد ويشعر بالحرب من بعيد وبقيادة الرؤساء وصوت الأدوات. ومن الأساطير اليوناينة أخبار عن الحيوانات وتأثراتها بالنغمات والألحان. وقد ثبت غير مرة أن العنكبوت تتأثر بالألحان ومن لا يذكر عنكبوتة بيليسون الأديب الفرنسوي الذي سجن في الباستيل فكان يتسلى بضرب الكمنجة فتقترب منه وتتعزى به حتى أنها لكثرة طربها ذات يوم أغمي عليها فجاء السجان وسحقها. ويظهر أن الحشرات وإن تكن قليلة التأثر بألحاننا البشرية إلا أن لها ألحاناً فللجنادب والصراصر والجراد ألحان خاصة بها لا يلذ سماعها لأنها متساوقة الألحان ولا نظام فيها ولكنها تستجيدها وتستلذ بها وكذلك تسمع للنحل في خلاياها دوياً لطيفاً متصلاً ذا نغمات يدعوه المتوفرون على تربيتها صوت الخلية. أما الأسماك فلم يتحقق أمرها فيما إذا كانت تطرب بالموسيقى وادعى أحد المؤلفين أن سمك الشبوط يطرب لسماع نغمات الرباب. وأثبت المؤلف شاتوبريان في قصة رواها أن الدبابات تطرب لنغمات الموسيقى وأن بعض الأمم المتوحشة تستخدم الأغاني لتجلب بها الحيات فتأكلها كما يفعل الهنود في صيد نوع من الزحافات يستطيبون لحمها. والضب يتلذذ كثيراً بصوت الموسيقى ولاسيما الغناء الصغير. وسلحفاة البحر تبتهج للصفير وبه يتأتى صديها. والطيور تطرب كثيراً للأنغام ولا نعني بالطيور تلك التي هي مغنية من طبعها كالشحرور

стр. 1865

والبلبل والعصفور المعدودة بهجة الغابات والحدائق بل هناك كثير من ضروبها تطرب إذا سمعت أنغامنا كالببغاء ومنها أجناس لا تستطيع محاكاة الأصوات البشرية ولكنها مع ذلك تقلد صوت الآلات التي تسمعها. والحباشة الذي يألف البيوت إذا سمع نغماتنا لا يلبث أن يهيج وينفخ صوته ويكرهه كأنه يريد أن يتمكن من الصوت الذي يسمعه وربما أمكن تعليمه بعض الألحان. والزرزور سماع للأنغام وقد علمه أحدهم نشيد المارسليز فلما نقل الزرزور إلى مكان آخر علمه لرفاقه الزرازير. وذوات الأربع من البهائم كالبقر مثلاً تطرب للنغمات. والثور يطرب لصوت الحراث عليه فيمشي على نغماته متلطفاً كما أن الجمل يطرب للحداء. ولا يقتصر الطرب فيها على تموجات صوت الإنسان بل إن أي نوع من الأصوات إذا ردد كثيراً يكون سبب السرور وكذلك الحال في الجواد والخيول فإنها تتقحم المهالك إذا سمعت الأصوات ثم أنها تميز بين أصوات أصحابها وغيرهم. والحصان يتألم من الأصوات الرديئة وهو سريع السمع جداً وإذا عود سماع الصوات الرديئة اعتادها وهو يؤثر نغمات الرباب على نغمات الكمنجة ويطرب جداً للبوق. فإن خيول الجند تظهر الفراهة والنشاط عندما ترى أبواق الأجواق الموسيقية والحمار يحسن السماع والاستماع حتى لقد روي أن حماراً سمع صوت امرأة أطربه فما زال يقترب منه حتى دخل الدار ليسمعها عن أمم. والفيل سماع للأنغام. وقال بعضهم أن الجرذان تستهويها الأنغام وأن الكلب البحري قد يصاد بسماع الموسيقى والذئب لا يطرب للصوت. وربما فزع ولعله يهرب إذا سمع نغم الكمنجة أو بوق مبوق صوتاً شديداً. ومن الدببة ما يرقص على نغمات الأوتار ولكن ليست هذه هي التي تطربها بل تخاف السياط التي تنهال عليها ممن يضربها فترفع قوائمها على ضخامتها وقلما تخربط إلا عن غير قصد. أما الأسود فيقال أنها تطرب للأنغام وفي إنكلترا أسد جال البلاد وكان من أكثر المخلوقات تأثراً بنغمات البيانو وكانت تظهر منه أعاجيب حين يشرع صاحبه في الضرب على هذه الآلة فيزمجر وتقذف عيونه شرراً حتى يخاف المتفرجون ويضطر صاحبه إلى الكف عن الضرب على آلته. والهر قليل التأثر بالموسيقى وقيل أن بعض الهررة تموء عندما تسمع الأنغام. والكلب كثير

стр. 1866

التأثر بالألحان الموسيقية. والقرد يطرب للأنغام بل هو يتعلم الضرب بالآلات فيطرب بها كالإنسان. وقد قال أحد من يكرهون الموسيقى أن الموسيقى هي الصناعة الوحيدة التي يتأثر بها الحيوانات والمجانين والبله. وبالجملة فإن تأثر الحيوانات بالأنغام دليل واضح على أن الموسيقى عامة لجميع من له سمع.

стр. 1867

مطبوعات ومخطوطات معجم الأدباء هو كتاب إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب أو طبقات الأدباء تأليف ياقوت الرومي من أهل القرن السابع وهو صاحب الكتب الكثيرة في التاريخ والجغرافية وأهم كتبه معجم البلدان الذي نشره الأستاذ وستنفيلد الألماني لأول مرة في ألمانيا وهذا الكتاب معجم الأدباء نشره الأستاذ مرجليوث الإنكليزي. فبأي لسان نشكر علماء المشرقيات لخدمتهم لغات المشرق عامة واللغة العربية خاصة فإنهم بفضل بيض أياديهم على لغتنا نزعوا من أذهان الغربيين أن اللغة العربية قاصرة عن مجاراة غيرها من اللغات الحية وعرّفوهم بأنها لغة فنون وحكمة وتاريخ وأدب كما هي لغة دين وفقه وكلام. لا جرم أن نفوس أهل العلم اليوم تهتز سروراً لبشرى طبع الجزء الأول من معجم الأدباء لما يعلمون من إجادة ياقوت في تآليفه وذوقه الغريب في الحكم على بلاد الإسلام وسكانها وتواريخها والمادة الواسعة التي توفرت له في عصره فاغترف منها اغتراف حكيم لا يسقط إلا على الدر ويطرح الخرز والصدف جانباً. وهذا الجزء الأول هو من مخطوطات مكتبة بودلين في أكسفورد وأصله من كتب المطران بارتس في بومبي كتب بخط أعجمي لا يحسن العربية فجاء محرفاً تحريفاً كثيراً وصححه الأستاذ مرجليوث على قدر الإمكان على الأصول المعروفة من دواوين وكتب وأدب ومحاضرات وتاريخ وغيرها فجاء شاهداً بفضله وعلمه وما هي أول حسنة من حسناته في خدمة اللغة العربية ونشر ما نطوى من أقلام مؤلفيها الغابرين وشعرائها المجيدين. وما قولنا لمن يرون في مثل هذه المطبوعات التي ينشرها علماء المشرقيات بعض تحريف خفيف من نقط أو كلمات قد تدرك بالبداهة أنكم إذا توليتم من هذه الكتب ما يتولاه أولئك الأعاجم الغيورون منها لجاءت أكثر تحريفاً وتصحيفاً من مطبوعاتهم وأحرى بمن يبادرون إلى النقد أن ينشروا للناس ولو كتاباً واحداً يكون في صحته على الرسم الذي يرسمونه ليصدقهم أهل العلم. في هذا الجزء نحو ١٣٠ ترجمة لمن اسمهم إبراهيم أو أحمد منهم المشاهير الذين ترجموا في الكتب المطبوعة التي بين أيدينا ومنهم من لم نعثر على تراجم إلا فيه وقد صورهم

стр. 1868

المؤلف تصويراً بديعاً لا يقل عن تصوير ابن خلكان وابن أبي أصيبعة وابن بسام والقفطي والسخاوي لمترجميهم إن لم نقل أنه يمتاز على بعضهم. قال المؤلف: جمعت في هذا الكتاب ما وقع إليّ من أخبار النحويين واللغويين والنسابين والقراء المشهورين والإخباريين والمؤرخين والوراقين المعروفين والكتاب المشهورين وأصحاب الرسائل المدونة وأرباب الخطوط المنسوبة والمعينة وكل من صنف في الأدب تصنيفاً أو جمع في فنه تأليفاً مع إيثار الاختصار والإعجاز في نهاية الإيجاز ولم آل جهداً في إثبات الوفيات وتبيين المواليد والأوفات وذكر تصانيفهم ومستحسن أخبارهم والأخبار بأنسابهم وشيء من أشعارهم فأما من لقيته أو لقيت من لقيه فأورد لك أخباره وحقائق أموره ما لا ترى لك بعده تشوفاً إلى شيء من خبره وأما من تقدم زمانه وبعد أوانه فأورد من خبره ما أدت الاستطاعة إليه ووفقني النقل عليه في تردادي إلى البلاد ومخالطتي للعباد إلى أن قال: ولم أقصد أدباء قطر ولا علماء عصر ولا إقليم معين ولا بلد مبين بل جمعت للبصريين والكوفيين والبغداديين والخراسانيين والحجازيين واليمنيين والمصريين والشاميين والمغربيين وغيرهم على اختلاف البلدان وتفاوت الأزمان. وهذا الجزء في ٤٢٤ صفحة مطبوعة بمطبعة هندية بمصر طبعاً نفيساً وقد طبع باسم جيب المستشرق وقد كانت العقيلة جيب أم الياس جون ولكنسن جيب وقفت وقفاً بعد موت ابنها هذا وكان مغرماً بدرس علوم الشرق وفلسفته وتاريخه ليطبع بريعه ما يعلي شأن المباحث الفلسفية والتاريخية والأدبية سواء كانت تلك المصنفات للترك أو للفرس أو للعرب وقد طبعت منذ سنة ١٩٠١ ستة كتب ومنها معجم الأدباء وهي تعد سبعة عشر كتاباً آخراً للطبع. لا جرم أن إحياء معجم الأدباء مما يقفنا على أمور كثيرة كنا نجهلها من قبل وفيه من الشعر والنثر والمحاضرات والنكات ما هو مسرة للقلب وقرة للعين وإنك لترى ياقوتاً يأتيك بما قيل في المترجم ذماً ومدحاً ويترك للقارئ الحكم في ذلك. فمعجم الأدباء كوفيات الأعيان كلاهما متمم لصاحبه فنشر لأسرة جيب هذه المبرة الخالدة كما نشكر للأستاذ مرجليوت عنايته وغيرته. تقرير مصر والسودان

стр. 1869

صدر تقرير السير ألدون غورست معتمد إنكلترا في هذا القطر عن سنة ١٩٠٧ وهو في المالية والإدارة والحالة العامة في مصر وفي السودان وفيه فوائد كثيرة عن القطرين في السنة الماضية لا يظفر بها الإنسان إلا في المظان البعيدة المنال ويؤخذ منه أن إيرادات الحكومة المصرية زادت في مدة عشرين سنة نحو ستة ملايين جنيه ولكن ثلثي الزيادة حدث في السنوات الخمس الأخيرة والسبب الأكبر في هذا النمو الارتفاع المستمر في أسعار القطن التي تضاعفت في السنوات العشر الأخيرة وكان متوسط قيمة الصادرات ٣٠٩٢٠٠٠٠ ج م والواردات ٢٥٠٦٦٠٠٠ ج م ومتوسط زيادة الوارد على الصادر من النقود ٥٠٦١٠٠٠ ج م ودفع أربعة ملايين ونصف جنيه للأجانب من فوائد الدين المصري يدخل في خراج الدولة العلية ونفقات الخزان ونفقات جيش الاحتلال وكانت إيرادات الحكومة ١٦٣٦٨٠٠٠ج م ومصروفاتها الاعتيادية ١٣٢٣١٠٠٠ والخصوصية ١٠٤٩٠٠٠ ومعظم الإيرادات في زيادة كما أن معظم النفقات كذلك. وبلغ مجموع الدين المصري ٩٦. ١٨١٠٠٠ ج م في ٣١ ديسمبر سنة ١٩٠٦ ومال الفائدة والاستهلاك ٣٦٩٩٠٠٠ ج م وسدد من أصل الدين ٣٤٧٠٠٠ ج م فيكون الدين الباقي على مصر ٩٥٨٣٤٠٠٠ ج م ومال الفائدة والاستهلاك السنوي ٣٦٤١٠٠٠ ج م وعند الحكومة وصندوق الدين سندات من أصل هذا الدين بقيمة ٨٣٦٠٠٠ فائدتها ٣١٧٠٠٠ فمجموع الدين الذي كان الجمهور يتداول سنداته في آخر السنة بلغ ٨٧٤٤٨٠٠٠ ج م والفائدة التي يدفعها سكان القطر ٣٣٢٤٠٠٠ ج م. ومما يدل على ميل الناس إلى التعلم والاستنارة أن عدد من زاروا حديقة الحيوانات في القاهرة بلغوا إلى آخر نوفمبر سنة ١٩٠٧، ٢٢٨٩٢٤ أي بزيادة ٢٤٢٢٨ عن مثله في السنة التي قبلها ومعظم الزائرين مصريون وكثيرون منهم من أهل الأرياف وبلغ عدد الذين دخلوا غرف القراءة في دار الكتب المصرية ١٨٨٣٠ معظمهم مصريون. وبلغت جملة الواردات التجارية ٢٦١٢٠٧٧٧ ج م بعثت منها إنكلترا إلى مصر ٨٤٩٢٨٤٧ وجاء من أملاكها في البحر المتوسط ٢١٣٠٧٠ ومن أملاكها في الشرق الأقصى ١٠٨٦٨١٨ وجاء من فرنسا ٣١٦٦٨٩٠ ومن البلاد العثمانية ٢٩٧٣١٠٨ ومن النمسا والمجر ٢٠٥٩٤٢٣ ومن ألمانيا ١٣٩٢٣٨١ ومن إيطاليا ١٣٦١٤٥٧ ومن البلجيك

стр. 1870

١٠٢٧٥٩٠. وبلغت جملة الصادرات ٢٨٠١٣١٨٥ أصاب بريطانيا منها نحو ٥٤. ٣ في المئة ويختلف نصيب كل من ألمانيا وأميركا والنمسا والمجر وفرنسا وروسيا من الصادرات بين مليون ومليونين وقد زادت جميعها إلا فرنسا فإنها نقصت قليلاً عن السنة التي قبلها. وفي التقرير فوائد لا يستغنى عنها ابن هذا القطر خصوصاً. وهو يطلب من إدارة المقطم بعشرة قروش.

стр. 1871

العدد ٣١ - بتاريخ: ١ - ٨ - ١٩٠٨

стр. 1872

غرائب القصاص لعل بعض النفوس تتأذى بقراءة هذا الموضوع لأنه يدور على التفنن في إزهاق الأرواح على أنه لا بأس بشيء من القسوة يقوون بها قلوبهم للنظر في موضوع علمي تاريخي كان الإفرنج بعد الحروب الصليبية يستعملون من أساليب القتل كل غريب عجيب وخصوصاً في عهد ديوان التفتيش الديني في البلاد اللاتينية التوتونية حتى إذا كانت سنة ١٧٩٢ أخذت بعض البلاد ولاسيما فرنسا عن إيطاليا استعمال آلة يسموها المقصلة تحز رأس المجرم في أقل من ثانية ثم أخذوا يبطلون هذه العادات ولما جاء دور الكهربائية أنشأت بعض بلاد الغرب ولاسيما الولايات المتحدة تعمد إلى إصعاق المجرمين بها ولكن تبين مؤخراً أن المصعوق بإجراء مجرى كهربائي عليه لا يقتل في الحال بل أنه يقاسي أشد العذاب عقيب إصعاقه ولا تزهق روحه حقيقة إلا بعد أن تشرح جثته. وقد قامت الدكتورة روبينوفيتش وحملت حملة منكرة على القتل بالكهرباء قالت: إن كان لا بد من استعمال هذه الطريقة الوحشية فلا أقل من أن يكون فيها شيء من روح الإنسانية بمضاعفة القوة الكهربائية خمسة أضعاف ما يجري الآن ليتم القتل في أقل من لحظة وقد جربت هذه الطريقة في الأرانب فوقع الاستحسان عليها وأخذوا يستعملونها ولكن في عقاب المجرمين والأعضاء المؤلفة من الناس لتسلم بلادهم من شرور الأشرار. وبعد فما برح البشر منذ عرف تاريخهم يقتل كبيرهم صغيرهم ويأكل قويهم ضعيفهم يعاقب في التنازع على المحمدة والمجد والمال والدين والعروض بعضهم بعضاً وآخر عقوباتهم ونتيجة إرهاقاتهم الموت اخترعوا إلى الوصول إليه طرقاً ترتعد لسماع أخبارها اليوم الأعصاب وتاريخ الشرقيين والغربيين على غرار واحد من هذا القبيل ترى كلما فتحت صفحاته دماء أبرياء تعج من جور الأقوياء على الضعفاء فتبلغ عنان السماء وتتمثل لعينيك الأمم في ذلك كأسنان المشط في الاستواء قلما يختلف شرق عن غرب أو أسود عن ابيض. فمن خنق إلى حرق إلى شنق إلى ضرب بالعصي والأكف ورمي بالنبال وهبر بالسيف ودسر بالرمح والحراب والقذائف والبارود والديناميت إلى سم وإجاعة وحز رؤوس وبقر بطون وسمل عيون واستلال لسان وصلم آذان وشتر شفاه وقضقضة أعضاء وجذم أكف وقطع أيد وأرجل وأكحل إلى غير ذلك مما يرجع إلى معنى واحد ألا وهو الإرهاق في العقوبة وبلوغ المرء بأخيه ما يقال له الموت. فكما أن للموات عشرات المترادفات في

стр. 1873

العربية كذلك تجد في كل لغة ألفاظاً تدل على تلك المسميات التي تهدم الهيكل الإنساني وتطفئ سراج الحياة. فقد نهى الرسول ﷺ عن التعذيب والتمثيل ومشى بعض أصحابه على هديه زمناً ولكن كان بعض أهل الصدر الأول يرجعون إلى التوحش وإرضاء الشهوات الغضبية فلا يدخرون وسعاً إذا ظفروا بعداتهم في أن يصبوا عليه سوط العذاب فكان معاوية بن أبي سفيان أول من فتح هذا الطريق كما ابتدع بدعاً كثيرة أتى بها على غير مثال احتذاه ممن سلفه فقد ذكر الثقات أنه كان يقرب ابن أثال الطبيب منه ويفتقده كثيراً لأنه كان خبيراً بتركيب الأدوية ومنها سموم قواتل حتى مات في أيامه كثير من أكابر الناس والأمراء المسلمين بالسم وممن قتل في عهد أتباعه عبد الله بن عمر بعثوا إليه من رماه بسهم مسموم في عقبه. والتاريخ طافح بما قام به من ضروب التنكيل والتمثيل وكذلك فعل بعض ملوك دولته من بعده. ولقد قابل بنو العباس الأمويين ببعض ما عاملوا به غيرهم وعمل السفاح بقول سديف في وصف بعض بني أمية لما ذهب ملكهم. لا يغرََّنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داءً دويا فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا قال ابن الأثير ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية تسعين رجلاً على الطعام فأقبل عليه شبل فقال: أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس طلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وياس لا تُقيلن عبد شمس عثاراً ... واقطعن كل رقلة وغراس ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي ولقد غاظني وغاظ سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها ... الله بدار الهوان والإتعاس واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلاً بجانب المهراس = والقتيل الذي بحران أضحى=ثاوياً بين غربة وتناسي

стр. 1874

فأمر بهم عبد الله فضربوا جميعاً بالعمد وبسط عليهم الإنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنبن بعضهم حتى ماتوا جميعاً. وأمر عبد الله بن علي بنبش قبور بني أمية في الشام فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا جمجمته وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحاً لم يبل منه إلا أرنبة أنفه فضربه بالسياط وصلبه وأحرقه وذراه مع الريح وتتبع بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم ولم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس. وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة جماعة من بني أمية عليهم الثياب الموشية وأمر بهم فجروا بأرجلهم والقوا على الطريق فأكلهم الكلاب. وفي مروج الذهب أن الهيثم بن عدي روى عن معمور بن هانئ الطائي قال: خرجت مع عبد الله بن علي وهو عم السفاح والمنصور فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحاً ما فقد منه إلا خرمة أنفه فضربه عبد الله ثمانين سوطاً ثم أحرقه فاستخرجنا سليمان ابن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه وأضلاعه ورأسه فأحرقناه وفعلنا ذلك بغيرهما من بني أمية وكانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق فأخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره لا قليلاً ولا كثيراً واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شؤون رأسه ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه إلا عظماً واحداً ووجدنا خيطاً أسود كأنما خط بالرماد بالطول في لحده ثم تتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم. وكان سبب فعل عبد الله ببني أمية هذا الفعل أن زيد بن زين العابدين علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب سمت نفسه إلى طلب الخلافة فحاربه يوسف بن عمر الثقفي فانهزم أصحاب زيد وانصرف هذا مثخناً بالجراح ولما مات دفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش وأجروا الماء على ذلك فدل يوسف على موضع قبره فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام فكتب إليه هشام أن اصلبه عرياناً وبني تحت خشبته عمود ثم كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه وتذريته في الرياح وكان ذلك.

стр. 1875

وهكذا تجد ضروباً من المنية في تاريخ هذا القسم الصغير من الأرض فقد قتل أبو الجيش أحمد بن طولون أخاه المسمى بالأمين خنقاً بماء مغلي حتى مات. وقتل نصر بن أحمد صاحب خراسان أخاه زكريا بعصر خصاه. وقتلت أم خالد بن يزيد بن معاوية زوجها مروان بن الحكم أبو عبد الملك بأن أمرت خدمها أن يضعن المخاد على فمه حتى مات. وكم من رجل سم في كمثرى أو رمي الزئبق في أذنه أو فصد بمبضع مسموم قيل أن أحمد بن الموفق ابن أخي المعتمد بن المتوكل قتل عمه في حفرة ملأها من ريش ورماه فيها فمات بها. وقتل الشهاب السهروردي جوعاً. وألقي رفيع الدين الجبلي من أعلى مغارة في بعلبك فتعلق في بعض جوانبه فبقي المبصرون ذلك يسمعون أنينه نحو ثلاثة أيام وعذب أعوانه وكان قاضي قضاة دمشق. ولما غضب الراضي على الوزير أبي علي بن مقله سلمه إلى الوزير أبي علي عبد الرحمن بن عيسى فضربه بالمقارع وأخذ خطه بألف ألف دينار فجرت عليه منه من المكاره والتعليق والضرب والوهق أمر عظيم وقطعت يده اليمنى وكان يقول في سجنه يد خدمت بها الخلافة ثلاث دفعات لثلاثة خلفاء وكتبت بها القرآن دفعتين تقطع كما تقطع أيدي اللصوص ثم زيد في إخفائه وجعل في محبس وقطع لسانه. ولما خرج المصعب بن الزبير في عهد عبد الملك بن مروان في العراق سنة ٧١ ورأى تحيز الجفرية لعبد الملك أرسل إليهم فنسبهم وسبهم قال ابن جرير ثم ضربهم مائة مائة وحلق رؤوسهم ولحاهم وهدم دورهم وصهرهم في الشمس ثلاثاً وحملهم على طلاق نسائهم وجمر أولادهم في البعوث وطاف بهم في أقطار البصرة وأحلفهم أن لا ينكحوا الحرائر. ولما دخل مراكش مأمون الموحدين إدريس بن يعقوب أمر بتقليد شرفاتها بالرؤوس فمتها على اتساع الساحة. ولما استولى الغز على نيسابور أخذوا أبا سعد محي الدين النيسابوري ودسوا في فمه التراب حتى مات. وقبض عز الدولة بن بويه على وزيره ابن بقية وسمل عينيه ولما ملك عضد الدولة طلبه وألقاه تحت أرجل الفيلة فلما قتل صلبه. وكان الوزير ابن الزيات قد اتخذ تنوراً من حديد وأطراف مساميره المحدودة إلى داخل وهي قائمة مثل رؤوس المسال في أيام وزارته وكان يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين والمطلوبين بالأموال فكيفما انقلب واحد منهم أو تحرك نمن حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه

стр. 1876

فيجدون ذلك أشد الألم ولم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة وكان إذا قال له أحد منهم أيها الوزير ارحمني فيقول له: الرحمة خور في الطبيعة. فلما اعتقله المتوكل أمر بإدخاله في التنور وقيده بخمسة عشر رطلاً من الحديد فقال يا أمير المؤمنين: ارحمني فقال له: الرحمة خور في الطبيعة كما كان يقول للناس. قاله ابن خلكان. ولما استولى أبو عبد الله الشيخ على فاس سنة ٩٦١ قتل الفقيهين أبا محمد الزقاق وأبا علي حرزوز ويحكى أنه لما مثل أبو محمد بين يديه قال له: اختر بأي شيء تموت فقال له الفقيه: اختر أنت لنفسك فإن المرء مقتول بما قتل به فقال لهم السلطان: اقطعوا رأسه بشاقور فكان من حكمة الله وعدله في خلقه أن قتل هذا السلطان به أيضاً. قاله في الاستقصا. وقال فيه: لما كان من السلطان أبي عبد الله الشيخ ما كان من غزوة تلمسان مرتين وكان يحدث نفسه بمعاودة غزو تلك البلاد جرت المخابرة بينه وبين حكومة السلطان سليمان ولما لم يلتزم الأدب اتفق رأي الوزراء على أن عينوا اثني عشر رجلاً من فتاك الترك وبذلوا لهم اثني عشر ألف دينار لاغتيال الشيخ فما زالوا حتى وصلوا إليه وتعلقوا بخدمته ثم اغتالوه وضربوا رأسه بشاقور ووضعوه في مخلاة فأوصلوا الرأس إلى الصدر الأعظم وأدخله على السلطان فأمر به أن يجعل في شبكة من نحاس ويعلقه على باب القلعة فبقي هناك إلى أن شفع في إنزاله ودفنه ابنه عبد الملك المعتصم وأحمد المنصور. ومما روى لسان الدين بن الخطيب من فظاظة محمد بن محمد بن يوسف ثالث الملوك من بني نصر أنه هجم لأول أمره على طائفة من مماليك أبيه كان سيء الرأي فيهم فسجنهم في مطبق الري من حمرائه وأمسك مفاتيح قفله عنده وتوعد من يرمقهم بقوت بالقتل فمكثوا أياماً وصارت أصواتهم تعلو بشكوى الجوع حتى خفتت ضعفاً بعد أن اقتات آخرهم موتاً بلحم من سبقه وحملت الشفقة حارساً كان يرأس المطبق على أن طرح لهم خبزاً يسيراً تنقص أكله مع مباشرة بلواهم ونمي إليه ذلك فأمر بذبحه على حافة الجب فسال عليهم دمه. قال ابن الخطيب وقانا الله مصارع السوء وما زالت المقالة عنها شنيعة. والله أعلم بجريرتهم لديه. وقتل يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقيين خالد بن عبد الله القسري على طريقة غريبة

стр. 1877

قيل أن وضع قدميه بين خشبتين وعصرهما حتى انقصفتا ثم رفع الخشبتين إلى ساقيه وعصرهما حتى انقصفتا ثم إلى وركيه ثم إلى صلبه فلما انقصف مات. وقال المقري دخل السلطان أبو الحسن سجلماسة عنوة على أخيه السلطان أبي علي عمر سنة ٧٣٤ وجاء به في الكبل لفاس ثم قتله بالفصد والخنق. ولقد كان رؤساء الناس وولاة الأمر منهم هم الذين لا يبالون بإرهاق النفوس وإزهاق الأرواح وكثيراً ما يكون ذلك لغير سبب سوى الطيش والجهالة وكان بعضهم يلتذ بإراقة الدماء مثل المعتضد بالله العبادي أحد ملوك الأندلس الذي دانت له الملوك من جميع أقطارها وكان قد اتخذ خشباً في ساحة قصره جللها برؤوس الملوك والرؤساء عوضاً عن الأشجار التي تكون في القصور وكان يقول: في مثل هذا البستان فليتنزه. وهو من الملوك الذين هابهم القريب والبعيد خصوصاً بعد أن قتل ابنه وأكبر ولده المرشح لولاية عهده صبراً لأن ابنه كان يريد الوقيعة به. قال لسان الدين وكان المعتضد بالله ابن عباد أبعد ثوار الأندلس صيتاً وأشدهم بأساً وأنجحهم أثراً جمع خزانة مملوءة برؤوس الملوك البائدين بسيفه وكانت وفاته سنة إحدى وستين وخمسمائة. وفي رواية المقري أن بني الأحمر لما ظفروا بأعدائهم من ملوك الإفرنج في الأندلس سلخوا دون بطرة وحشوا جلده قطناً وعلق على باب غرناطة وبقي معلقاً لسنوات. ذكر ابن سعيد أن التتار قتلوا المظفر قطز وخلعوا عظم كتفه وجعلوه في أحد الأعلام على عادتهم في أكتاف الملوك. ولما قتل مروان بن محمد الأموي استخفى عبد الحميد الكاتب بالجزيرة فغمز عليه فأخذ ودفعه أبو العباس السفاح إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب شرطته فكان يحمي له طستاً بالنار ويضعه على رأسه حتى مات وقيل أن ابن المقفع قتله عامل البصرة للمنصور بأن جعله في تنور. ودخل أبو الحسن الملك العادل سيف الدين وزير الظافر العبيدي قبل وزارته بزمان على الموفق أبي الكرم بن معصوم التنيسي وكان مستوفى الديوان. فشكا إليه حاله من غرامة لزمته بسبب تفريطه في شيء من لوازم الولاية بالغربية بمصر فلما أطال عليه الكلام قال له أبو الكرم: والله أن كلامك ما يدخل في أذني فحقد عليه فلما ترقى إلى درجة الوزارة

стр. 1878

طلبه فخاف منه واستتر مرة فنادى عليه في البلد وهدر دم من يخفيه فأخرجه الذي خبأه عنده فخرج في زي امرأة بإزار وخف فعرف وأخذ وحمل إلى العادل فأمر بإحضار لوح من خشب ومسمار طويل فألقي على جنبه وطرح اللوح تحت أذنه ثم ضرب المسمار في الأذن الأخرى فصار كلما صرخ يقول له: دخل كلامي في أذنك بعد أم لا ولم يزل كذلك حتى نفذ المسمار من الأذن التي على اللوح ثم عطف المسمار على اللوح ويقال أنه شنقه بعد ذلك. وروى التاريخ ن أخبار من تلقوا نكباتهم بالصبر العجيب ومن أنباء شجعان الزمان ما لا يكاد يصدق إلا أن أهل الأباء منهم كانوا يؤثرون الموت في الزحف ويتفادون من الوقوع في أيدي عداتهم لئلا يمثلوا بهم فقد جاء عبد الله بن الزبير إلى أمه أسماء ذات النطاقين لما خذله أصحابه في مكة فقال: ما ترين يا أمة فقد خذلني الناس. فقالت: لا يلعب بك صبيان بني أمية عش كريماً أو مت كريماً. فقال: أخشى أن يمثل بي بعد الموت فقالت له: إن الشاه لا تألم بالسلخ بعد الذبح فقبل بين عينيها وودعها وخرج يقاتل إلى أن كان من أمره ما كان. وقلب باسيل الثاني الملقب بقاتل بلغاريا بعد حرب ٣٧ سنة مملكة بلغاريا ومقدونية سنة ١٠١٨ وأسر خمسة عشر ألف بلغاري وسمل عيونهم وكان أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم النديم خصيصاً بالمتوكل ونديماً له غضب عليه المتوكل فأمر بقطع أذنه فقطعت من غضروفها من الخارج. واستعمل القتل بوضع من يراد قتله تحت أرجل الفيلة كما أمر أحد بني بويه بأبي إسحق الصابي لما غضب عليه أن يجعل تحت أرجل الفيلة ولكنهم شفعوا به لديه. وكانوا يعلقون من يريدون قتله أيضاً في ذنب الخيل ويجرونها كما فعل أزدشير بضيزن ابنة الساطرون إذ أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها. ومما ذكر في قانون الصين من أنواع القتل المعروف بلغتهم بالباشب وهو تقطيع الأعضاء إرباً غرباً وصفته أن يشد الذي يراد به ذلك بين خشبتين قائمتين وتربط يداه ورجلاه ووسطه ربطاً محكماً ثم تجزأ أنامله وأصابعه أنملة أنملة وعقدة عقدة ثم تفصل يداه من الرسغين ثم من المرفقين ثم من الكتفين ويفعل برجليه مثل ذلك فإذا قطعت الأطراف جدع

стр. 1879

أنفه وصلمت أذناه وأخرجت عيناه ثم برش لحمه وجلده بأمشاط من الحديد حتى يفرق بين عظمه ولحمه ويصير كالشاة التي جرد القصاب لحمها ويفعل ذلك به حياً وقد أبطل الإمبراطور هذا العقاب مؤخراً. وبالجملة فإن أنواع القتل كثيرة وهذا أهمها فيما انتهى إلينا معرفته وذكر ياقوت في معجم الأدباء أن صولاً جد إبراهيم بن العباس الصولي شهد الحرب مع يزيد بن المهلب وأن يزيد وجد مقتولاً بلا طعنة ولا ضرب انسدت أذناه ومنخراه وامتلأ فمه بغبار العسكر فمات فلا يعرف مثله قتيل غبار. قلنا ومثله قتيل الدخان ونمن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والموت واحد

стр. 1880

المسلمون والذميون والمعاهدون الإحساس دليل الحياة التضامن رائد العمران يا ابن أمي! ويا ابن عمي! نحن صنوان ضمنا عاطف القر ... بى جميعاً في مصر ضم النطاق فوق هام الأهرام منك ومني ... غرّة طكوكبية الإشراق فتقدم يا أخي وصافح أخاً ير ... جو صفاء العيش في رضا واتفاق إنما النجح في اتحاد قلوبٍ ... بولاءٍ ونبذ كل شقاق عرفكم الله حلاوة الانضمام بعد طول الانقسام وأنعم عليكم ببركة الائتلاف والوئام بقدر ما عرَّفتموني لذة الكلام في هذا المقام وبقدر ما أنعمتم عليّ بالتشجيع والاستحسان! فلقد رأيت من التفافكم حولي لاستماع قولي ورأيت من قومي حينما أبلغتكم الصحف كلمي أن نغمتي صادفت منك هوىً في الفؤاد وإن صداها قد تردد في جوانب هذه البلاد حينما جهرت بدعوة أهل الشرق على طريق الحق وناديت على رؤوس الأشهاد بتوثيق علائق الارتباط بين المسلمين والأقباط. نعم نعم! فلقد اهتزت الأمة دانيها وقاصيها وردّدت هذه الكلمة بملء فيها وأصبح شعار كل حي في كل حي: إننا مصريون قبل كل شيء. لم أكن وحقك! َ أنتظر هذا الإقبال من ابن أمي وهذا القبول من ابن عمي ولم يكن يحدثني به وهني حتى ولا في حلمي أثناء نومي. ولكن كان من حظي أن هذه الكلمة تجسدت وقد تنبهت الأمة بعد استسلمت للجمود وأخلدت للخلود في الخمود بحيث كان الناظر لأبنائها وهم في همود يحسبهم أيقاظاً وهم رقود فحيا الله هذا الشعور! الذي جاء آية على استئناف البعث والنشور. وحبذا هذا اليوم الذي سيبقى غرة في جبين الزمان! فلقد علمنا فيه أن الإحساس دليل الحياة وأن التضامن رائد العمران! يقول العرب في أشعارهم: إن المهم لمقدم ويقول الفرنساويون في أمثالهم: الأمير أولى بالتصدير. وأي شيء أولى بالتصدير والتقديم من كلام القديم والتقديم كمن كلام القدير القديم؟ قال

стр. 1881

تعالى في كتابه العزيز: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً﴾ فجعل الوفاء بالقنطار والغدر بالدينار إشارة إلى أن الوفاء أمكثر شيوعاً في أخلاق أهل الكتاب. وحسبهم ذلك مدحاً وفخاراً. وليس لي أن أتوسع في التفسير وإنما أستشهد على صدق هذه الآية بحادثتين وقعتا في بغداد وفي مصر: فمصداق الشطر الأول: أن ابن الفرات وزير العباسيين المشهور كان يودع أمواله عند كثيرين من صنائعه المخلصين له استعداداً للطوارئ واستظهاراً من غدر الأيام. أخبر في إحدى نكباته بأن له عند يوسف بن فيجاس (أو بنجاس) وهرون بن عمران الجهبذين اليهوديين سبعمائة ألف دينار فأقرا في الحال بالمال ودفعاه وقدره ٤٢٠ ألف جنيه مصري. ومصداق الشطر الثاني: أن زوجة الأخشيد كانت قد أودعت عند رجل من اليهود جرة من النحاس وضعت فيها ثوباً منسوجاً بالذهب وبدائره من الجوهر شيء كثير. فلما زالت دولة الإخشيديين واستولى الفاطميون على مصر ذهبت المرأة بعد زوال عزها إلى ذلك الذي جعلته موضع ثقتها واستأمنته على ذخيرتها فأنكر. فقالت: خذ بعض الثوب فلم يفعل. فالتمست أن ينعم عليهم بكم واحد ويأخذ الباقي حلالاً فلم يقبل وكان في الثوب تسع وعشرون درة من الدرر الغوالي فأتت إلى قصر المعز تتعثر في أطمارها وهي أقرب إلى اليأس منها إلى الرجاء ولسان حالها ينشد بيت بنت ملك العرب التي أخنى عليها الدهر مثلها وهي حُرقة بنت النعمان بن المنذر: فبينا نسوس الناس والأمر مرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأفٍ لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف حتى إذا أتت قصر المعز وهي ذليلة بعد ذلك العز. عرضت عليه قصتها. فأحضر الرجل فأنكر. فبعث إلى داره من خرَّب عض حيطانها. فظهرت الجرة في أحد الجدران ورأى المعز الثوب وتعجب من الجوهر واللؤلؤ الذي فيه. ووجدوا أن اليهودي أخذ من صدره درتين فاعترف أنه باعهما بألف وستمائة دينار فسلم الخليفة الثوب إلى صاحبته فحمدت الله الذي أظهر صدقها واجتهدت في أن يأخذه ويعطيها مهما أراد فلم يفعل. فقالت: يا سيدي هذا الثوب كان يصلح لي وأنا زوجة صاحب مصر فأما الآن فلا حاجة لي به وهو لا يليق

стр. 1882

بي فأبى أن يأخذه واستلمته صاحبته. وبهذا التقدير يكون ثمن ما فيه من اللؤلؤ فقط نحواً من ثلاثين ألف جنيه مصري. ومن المعلوم أن العلم من أجلّ الأمانات بين الناس وقد وقف بنا المقال في الجلسة الماضية عند نظرية جديرة بالاعتبار: وهي أن العلم مشاع وأنه ليس له وكن ولا دين بل هو مورد سائغ لكل الأفراد ولجميع الأمم. وقد أطرفتكم بشيء يسير مما وقع في تلك العصور وعصور الحكمة والنور إذ كان المسلمون يأخذون النصارى وغيرهم من أهل الديانات الأخرى وهؤلاء يأخذون عنهم ويتلقون عليهم ما يكسبون به أجراً وفخراً. رأينا علماء النصارى واليهود يأخذون شرائع دياناتهم عن رجلين من فقهاء المسلمين ورأينا أفاضل المسلمين يسعون في طلب الحكمة والفلسفة والطب من نوابغ الذميين. وننتقل الآن على الفقهاء من الطوائف الثلاث الذين استبدلوا علوم الأبدان بعلوم الأديان كما سبق أعشى همدان إلى استبدال الشعر بالفقه فمنهم الإمام العالم الشيخ موفق الدين عبد العزيز بن عبد الجبار بن أبي محمد السلمي المتوفى سنة ٦٠٤ فقد كان أول أمره فقيهاً في المدرسة الأمينية بدمشق عند الجامع الأموي ثم بدا له الاشتغال بالطب فأعاد نفسه دارساً بعد أن كان مدرساً ورجع تلميذاً بعد أن كان أستاذاً. واشتغل على الياس بن المطران بصناعة الطب حتى أتقن معرفتها وحصل علمها وعملها وصار من المتخرجين السابقين بين أربابها والمشايخ الذين يقتدى بهم فيها وأصبح هذا الفقيه سابقاً وله بعد تلك المجالس الفقهية مجلس عام للطب يحضره المشتغلون عليه بهذه الصناعة من المسلمين والنصارى واليهود. وقد اشتهر رجل من فقهاء صقلية (من أعمال إيطاليا اليوم) بالطب بقدر ما اشتهر بالفقه حتى كان الناس يفزعون إليه بالفتيا في الطب كما كانوا يفزعون إليه بالفتيا في الفقه. هذا هو الإمام أبو عبد الله محمد بن علي التميميم المازري نسبة إلى مدينة مازر (بفتح الزاي والراء) من مدن جزيرة صقلية وقد اشتهر باسم الإمام. لأنه كان متقناً للعلوم مقدماً في علم المنطوق والمفهوم. وكان آخر المشتغلين بإفريقية (تونس) بتحقيق العلم ورتبة الاجتهاد ودقة النظر. توفي سنة ٥٣٦ وقد نيف على الثمانين. يحكى أن سبب اشتغاله بالطب أنه مرض فكان يطبه يهودي فقال له: يا سيدي أمثلي يطب مثلك فاشتغل الشيخ حينئذ بالطب وبرع فيه براعة لا يدانيه فيها أحد. فأين الآن هذه الأيام؟ وهل لنا بمثل أولئك الرجال

стр. 1883

الذين يفتخر بهم الإسلام. ولما كان أنشئ بالشيء يذكر فلا أرى بأساً من أن أذكر لكم بمناسبة هذا المسلم المسمى بموفق الدين رجلين يسمى كلاهما بالشيخ موفق الدين أحدهما إسرائيلي والثاني نصراني. فأما الأول: فهو الشيخ الموفق شمس الرئاسة أبو العشائر هبة الله بن زين بن حسن ابن إفرائيم بن جميع الإسرائيلي المصري. نشأ بفسطاط مصر وانقطع لإتقان العلوم وتفرغ لصناعة الطب وألف فيها كتباً نفيسة مفيدة. كان جالساً يوماً في دكانه بالفسطاط وقد مرت عليه جنازة. فلما نظر إليها صاح بأهل الميت وذكر لهم أن صاحبهم لم يمت وأنهم إن دفنوه فإنما يدفنونه حياً. فبهت القوم من قوله وتعجبوا من أمره ولم يصدقوه في خبره ثم أن بعضهم قال لبعض: هذا الذي يقوله ما يضرنا أننا نمتحنه؟ فإن كان حقاً فهذا الذي نريده. وإن لم يكن حقاً فهو الذي يريده الورثة فأمرهم بالمسير إلى البيت وحمله إلى الحمام بعد نزع الأكفان ثم سكب عليه الماء الحار وأحمى بدنه ونطله بنطولات (أي رش عليه سوائل وكمده بالمكمدات) فعطس الميت فرأوا فيه أدنى حس وتحرك حركة خفيفة فقال ابن جميع: أبشروا بعافيته. ثم تمم علاجه إلى أن أفاق وصلح. ثم أنه سئل بعد ذلك عن هذه الكرامة: من أين علمت أن الروح لا تزال فيه وهو محمول وعليه الأكفان. فقال إني نظرت إلى قدميه فوجدتهما قائمتين وأقدام الموتى تكون منبسطة فحدست أنه حي وكان حدسي صائباً. ومن ذلك الوقت اشتهر بجودة الصناعة والعلم فأقبل عليه الناس للتحصيل فكان له مثل ذلك الموفق المسلم مجلس عام يحضره المشتغلون بهذه الصناعة من المسلمين والنصارى واليهود. وكان في مجلسه هذا لا يفارقه كتاب الصحاح فلا تمر كلمة لا يعرفها حق المعروفة إلا ويكشفها منه ويعتمد على ما أورده الجوهري. فبرع حتى صار من الأطباء المشهورين والعلماء المذكورين والأكابر الذين يشار إليهم بالبنان. وأقبلت عليه الدنيا بهذين السببين حتى تقدم في خدمة الملك الناصر صلاح الدين وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة عنده جليل القدر نافذ الأمر عالي الهمة. ولما كان الشعراء هم الغاوين قد دبت عقارب الحسد إلى شاعر اسمه ابن المنجم المصري. وكان مشهوراً خبيث اللسان فانبرى يهجوه بكل قبيح فمن ذلك قوله فيه: لابن جميع في طبه حمق ... يسب طب المسيح من سببه

стр. 1884

وليس يدري ما في الزجاجة من ... بول المريض ولو تمضمض به وأعجب الأمر أخذه ابداً ... أجرة قتل المريض من عصبه دعوا ابن جميع وبهتانه ... ودعواه في الطب والهندسه فما هو إلا رقيع أتى ... وإن حل في بلد أنحسه وقد جعل الشرب من شأنه ... ولكن كما تشرب النرجسه وقال: كذبت وصحفت فيما ادعيت ... وقلت أبوك جميع اليهودي وليس جميع اليهودي أباك ... ولكن أبوك جميع اليهود ولما كانت العدواة في الأهل وفي أرباب الحرفة الواحدة فقد هجاه يهودي تجمعه وابن جميع رابطة الفضل والعلم والدين وهو موفق الدين ابن سوعة الإسرائيلي المصري قال: يا أيها المدعي طباً وهندسة ... أوضحت يا ابن الجميع واضح الزور إن كنت بالطب ذا علم فلم عجزت ... قواك عن طب داءٍ فيك مستور وبقية الأبيات لا أستطيع إيرادها في هذا المقام ولا في غيره. ولكن هذه الخبائث الشعرية لم تمنع أفاضل المسلمين من مدح ابن جميع والاعتراف بحقه والتنويه بذكره حتى أنه لما مات رثاه الشيخ يوسف بن هبة الله بن مسلم بقصيدة غراء في ستة وثلاثين بيت أولها: أعيني بما تحوي من الدمع فاسجمي ... وإن نفدت منك الدموع فبالدم فحق بمن تذري على فقد سيد ... فقد نابه فضل العلا والتكرم ومنها: وأنجد من يممته لملمة ... وأنجد من أملته لتألم ولو كان يفدى من حمام فديته ... بنفسٍ متى تقدم على الموت تقرم ومنها: فقل معلناً الشامتين بموته ... ذروا الجهل إن الجهل منكم بمأتم ومنها أما عجب إذ غاله الحتف رامياً ... وقد كان أرمى الخطوب بأسهم فويح المنايا ما درت كنه حادث ... رمت سيداً يحيا به كل منعم

стр. 1885

أما الثاني: فهو الحكيم الإمام العلامة الفاضل الشيخ موفق الدين أبو بصر أسعد ابن أبي الفتح الياس بن جرجس المطران المتوفى سنة ٥٨٧ فقد كان سيد الحكماء وأوحد العلماء سافر إلى بلاد الروم لإتقان الأصول التي يعتمد عليها في علم النصارى ومذاهبهم. ثم ذهب إلى العراق متشبهاً بموفق الدين المسلم وترك علوم الدين المسيحي واشتغل بعلم الطب على أمين الدولة ابن التلميذ (الذي سنورد شيئاً من أخباره فيما بعد) ثم رجع إلى دمشق وخدم بصناعة الطب السلطان صلاح الدين يوسف الأيوبي فقربه وأدناه وكان عنده رفيع المنزلة عظيم الجاه بحيث كان يقضي حوائج الناس ولا يفارق السلطان في سفر ولا في حضر ولذلك كان الطبيب يدل بمكانته لديه ويتكبر حتى على ملوك المسلمين بل على نفس صلاح الدين وكان صلاح الدين قد عرفها عنه ورضيها منه. ومن أغرب ما تضمنته بطون الدفاتر في هذا الموضوع أن السلطان صلاح الدين بينا كان يحارب الإفرنج ويرد غوائلهم عن سواحل الإسلام كان يستعين بأهل الذمة في مدافعتهم ويستخدمهم في تطبيب جنوده وتقويتهم على رد أعدائه وأعدائهم. وقد فهم أهل الوطن الواحد في عصره المجيد أنهم لا بقاء لهم ولا جاه إلا بالتفاف حول راية واحدة هي راية الوطن. ومما يتعلق بعجب موفق الدين وإدلاله على صلاح الدين أنه كان معه في بعض غزواته وكانت عادة صلاح الدين في وقت حروبه أن ينصب له خيمة حمراء وكذلك دهليزها وشقتها ليتميز عن سائر العسكر وهذا من أبلغ ما يكون من الشهامة في الحروب فاتفق أنه ركب ذات يوم ليتفقد الجيش فإذا بخيمة تشابه خيمته كل الشبه فبقي متأملاً لها وسأل لمن هي؟ فأخبر أنها لابن المطران الطبيب فقال السلطان: والله لقد عرفت هذا من حماقة ابن المطران. وضحك. ثم قال: فلو جاء رسول من الإفرنج ومر بهذه الخيمة أفلا يخطئ ويظنها لي. بل لو جاء باطني للفتك بي أفلا يجوز أن يتخطاني إلى طبيبي. فإذا كان ولا بد فلا أقل من تغيير مستراحها. ثم أمر به فأزيل. فلما رأى موفق الذين صعب عليه الأمر وامتنع عن خدمة السلطان أياماً حتى استرضاه السلطان ووهب له مالاً. وكان في خدمة السلطان طبيب نصراني آخر يقال له أبو الفرج فاحتاج إلى تزويج بناته وتجهيزهن فطلب من صلاح الدين أن يطلق له ما يستعين به على ذلك، ولما كان السلطان فقيراً لا يملك شيئاً من حطام الدنيا حتى أنه عند موته لم يترك في خزانته (بشهادة المؤرخ

стр. 1886

أبي الفرج العبري النصراني) غير دينار واحد وأربعين درهماً. فلذلك أمر أبا الفرج أن يكتب كشفاً ببيان جميع ما يحتاج إليه في تجهيز بناته النصرانيات فكتب من الحلي والقماش والآلات وغير ذلك ما بلغت قيمته ثلاثين ألف درهم. فدفع السلطان هذا الكشف إلى الخزنة دار وأمره بأن يشتري من بيت مال المسلمين جميع ما طلبه أبو الفرج ولا يخل بشيء منه فما هو إلا أن بلغ صاحبنا موفق الدين حتى أخذته الغيرة من زميله فقصر في ملازمة الخدمة وهجر السلطان هجراً ثقيلاً فلم ير صلاح الدين حيلة لاستصلاح موفق الدين سوى إرضائه أيضاً. فأمر الخزنه دار بأن يصرف له من بيت مال المسلمين يوازي جميع النفقة التي صرفت في تجهيز بنات أبي الفرج مهما بلغت قيمتها. ففعل الخزنه دار ورضي صاحب ذلك الدلال. ومن عجيب أمر موفق الدين هذا أن العجب والتكبر الذي كان يغلب عليه كان يفارقه حينما يذهب لطلب العلم. فكان في هذه الحالة آية في التواضع والخشوع شأن ذوي العقول الصحيحة والأحلام الرجيحة. كان هذا المختل الفخور متى تفرغ من الخدمة في دار السلطان ركب في موكب حافل تحف به جماعة كثيرة من المماليك الترك وغيرهم وذهب بهذه الأبهة الفائقة وهذه العظمة الشائقة إلى جامع المسلمين. فإذا اقترب من الجامع ترجل وأخذ الكتاب الذي يشتغل به في يده أو تحت إبطه. ولم يترك أحداً من الغلمان يصبحه. لا يزال ماشياً والكتاب معه إلى حلقة الشيخ الذي يقرأ عليه النحو والأدب واللغة وهو الشيخ الإمام تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي. فيقرؤه السلام ويقعد بين الجماعة بأدب واحتشام إلى أن يفرغ من الدرس والتحصيل فيعود إلى ما كان عليه الأبهة والعظمة والشموخ على الكبير قبل الصغير. وقد كان موفق الدين قدوة في هذا الأمر للملك الناصر داود ابن الملك المعظم ابن الملك العادل ابن أيوب صاحب الكرك. فقد حكى النجيب الراهب المصري الحاسب بدمشق أن هذا الملك كان يتردد إلى شمس الدين الخسروشاهي المتوفى سنة ٦٥٢ يقرأ عليه كتاب عيون الحكمة لابن سينا. وكان إذا وصل إلى رأس المحلة التي بها منزل الخسروشاهي أومأ إلى من معه من الحشم والمماليك ليقفوا مكانهم. ويترجل ويأخذ كتابه تحت إبطه ملتفاً بمنديل ويجيء إلى باب الحكيم ويقرعه فيفتح له ويدخل ويقرأ ويسأل عما خطر له ثم يقوم

стр. 1887

ولم يمكن الشيخ من القيام له. ولله در بني أيوب يرد الله مضاجعهم وطيب ثراهم. فإنهم في هذا الباب خير قدوة لملوك الزمان وخصوصاً ملوك الإسلام. فقد أخذ الحديث برقاب بعضه وجرنا إلى ذكر صاحب مصر وعم الملك المعظم المذكور وأعني به الملك الكامل بن الملك العادل ابن أيوب المتوفى سنة ٦٣٥. وفد عليه أبو العباس ابن دحية من أكابر علماء المسلمين بالأندلس فاتخذه الملك أستاذاً له في العلم والأدب وجعل له من الإكرام والإجلال غاية ليس وراءها مطلب. وبالغ في تعظيمه وتبجيله حتى كان يسوي له بنفسه مداسه حين يقوم. وهو هو الذي خشي بأسه الصليبيون فتقربوا إليه وهادنوه وخطب وده الإمبراطور فريدريك بعد أن أسر القديس سان لوي وأعاده مكرماً معظماً. وكان هذا الملك يبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من فضلاء المسلمين والنصارى واليهود ويشاركهم في مباحثهم كأنه واحد منهم. ومما يؤثر عنه أنه لما تولى سلطنة مصر خفض من ضرائبها بما يقارب الثلث فأفاد بذلك رعيته المسلمين والأقباط على السواء. نرجع إلى صاحبنا موفق الدين ونقول أنه أسلم وحسن إسلامه وأن صلاح الدين زوجه إحدى حظايا داره المقربة لدى زوجته خوند خاتون فأعطتها الكثير من حليها وذخائرها ومولتها وخولتها. فرتبت أمور موفق الدين وهذبت أحواله وحسنت زيه وجملت ظاهره وباطنه. . وصار له ذكر سام في الدولة وتنافس الأمراء في الإنعام عليه وتوقت حاله حتى كاد يكون وزيراً ولكنه ما زال يتعهد زملاؤه فكان يقدمهم ويتوسط في إدرار الأرزاق عليهم. وكانت له دار بدمشق على غاية من الحسن في العمارة والتجميل وفيها بركة يبرز منها الماء من أنابيب ذهب على غاية ما يكون من حسن الصنعة وفيها مكتبة تحتوي على نحو عشرة آلاف مجلد عدا ما استنسخه. فقد كانت له عناية بالغة باستنساخ الكتب وتحريرها وكان في خدمته ثلاثة يكتبون له أبداً ولهم منه الجامكية والجراية المتصلة. وقد كتب بخطه كتباً كثيرة في نهاية حسن الخط والصحة والإعراب. وصحح بنفسه أكثر الكتب التي عنده وأتقن تحريرها. وذلك كله غير الكتب التي كان يهبها لتلاميذه فضلاً عن الإحسان إليهم والاعتناء بأمرهم. وكان أجل تلاميذه الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم ابن علي المسلم ومن أخص أصدقائه الشيخ موفق الدين بن البوري الكاتب النصراني.

стр. 1888

قال الحكمي أوحد الدين عمران الإسرائيلي أنه حضر بيع كتب ابن المطران المذكور فوجدهم قد أخرجوا أجزاء صغيرة من الكتب الصغار أو المقالات المتفرقة في الطب مما استنتسخه أو نسخه ابن المطران بخطه وكان عددها كثيراً جداً بلغ الوفا كثيرة وأن القاضي الفاضل بعث يستعرضها فأرسلوا له بملء خزانة صغيرة منها فنظر فيها ثم ردها. فبلغت في المناداة ثلاثة آلاف درهم واشترى الحكيم عمران أكثرها. وقال أنه حصل الاتفاق مع الورثة أنهم أطلقوا بيعها كل جزء بدرهم. فاشترى الأطباء هذه الأجزاء الصغار على هذا الثمن بالعدد. وهذا الحكيم عمران الإسرائيلي توفي بعد المطران بسنتين وقد أخذ الطب عن الشيخ رضي الدين الرحبي أستاذ أو أستاذ أساتذة الأطباء جميعاً بالشام وتلميذ ابن جميع الإسرائيلي المصري. وقد جرى الحكيم عمران على مذهب شيخه في عدم خدمة الملوك والسفر معهم. ولكنهم (وخصوصاً بني أيوب) غمروه بالإحسان السني والعطايا الجزيلة. حتى حاز من الأموال الجسيمة والنعم ما يفوق الوصف. ولقد حرص الملك العادل أبو بكر بن أيوب أن يستخدمه في الصحبة فما فعل. واجتهد الملك الناصر داود الذي ذكرناه قبل هذا بأن يجعل له في كل شهر ألفاً وخمسمائة درهم وقدم له مرتب سنة ونصف مقدماً فلم يقبل فوهبه مالاً كثيراً وتركه على حريته. وكان السلطان الملك العادل لم يزل يصله بالأنعام الكثير وله منه الجامكية الوافرة والجراية وبقي مرتبه محفوظاً له بعد موت الملك العادل في سلطنة المعظم وليس عليه سوى أن يتردد على الدور السلطانية بالقلعة وإلى البيمارستان الكبير لمقابلة المرضى. وقد بلغ من إكرام اليوبيين لأهل الفضل أن الحكيم موفق الدين أبا شاكر النصراني حظي عند الملك العادل حظوة عظيمة وتمكن منه ومن دولته تمكناً كثيراً فأنعم عليه بضياع كثيرة وغيرها ولم يزل يفتقده بالهبات الوافرة والصلات المتواترة. وجرى الملك الكامل معه على سنة أبيه وزاد فإنه أباح له الدخول راكباً في جميع قلاعه مثل قلعة الكرك وجعبر والرها ودمشق والقاهرة وكان ذلك منتهى التشريف في تلك الأيام خصوصاً لمن كان متمتعاً بالصحة والعافية مثل ذلك الموفق. ولقد بلغ من أمره أن العادل حينما ترك دار الوزارة التي كانت مقراً لبني أيوب بعد ذهاب دولة الفاطميين واستقر بقصر القاهرة في القلعة أنه

стр. 1889

أسكن موفق الدين هذا معه في قصره. ركب السلطان مرة بغلة النوبة وخرج إلى بين القصرين (بالجهة التي بها المشهد الحسيني الآن) فركب فرساً آخر وأرسل البغلة التي كان راكباً عليها إلى دار الحكيم بالقصر وأمر بركوبه عليها وخروجه من القصر راكباً،. ولم يزل واقفاً بين القصرين إلى أن وصل إليه فأخذ بيده وسايره يتحدث معه وسائر الأمراء يمشون بين يدي الملك الكامل. والشيء من معدنه لا يستغرب. فقد كان الكامل كاملاً بأكمل معاني الكلمة لا يفرق بين مسلم وذمي ممن تحلى بالفضيلة والكمال. ذكرت لكم قصة اليهودي الذي أحيا الميت. وبما أنيي في معرض التوفيق بين العناصر المختلفة التي تجمعها راية واحدة هي راية الوطن فأخشى أن يكون المسلمون والنصارى قد نقموا على هذا العاجز أن لا يذكر منهم رجالاً أحيوا الموتى. فاسمحوا لي إذن بذكر حادثتين.؟ وأبدأ بالمسلم لتقدمه في الزمن ليس إلا وأثني بالمثلث وإن كان دينه جاء أولاً. جلس هارون الرشيد في بعض الأيام وقدمت بين يديه الموائد وجبرائيل بن يختيشوع غائب فامتنع أمير المؤمنين عن الأكل حتى يحضر جليسه وسميره. وأمر بطلبه ليحضر الأكل مع صحابته على عادته. فبحثوا عنه في جميع منازل الحرم والأمراء ولم يقع القوم له على أثر. فتكدر الرشيد وطفق يلعنه ويقذفه وإذا بجبرائيل داخل عليه وقد سمع سبه بأذنه فلم يهلع ولم يتروع بل قال: لو اشتغل أمير المؤمنين بالبكاء على ابن عمه إبراهيم بن صالح وترك ما هو فيه من تناولي بالسب كان أشبه فاستفهم الخليفة عن الواقع فأعلمه أنه خلفه وبه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة فاشتد جزع الرشيد وأمر برفع الموائد وأقبل على البكاء حتى رحمه جميع من حضر. فقال جعفر البرمكي: يا أمير المؤمنين إن طب جبرائيل رومي وعندنا صالح بن بهلة وهو في العلم بطريقة أهل الهند مثل جبرائيل في العلم بمقالات الروم. فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضاره وتوجهه إلى إبراهيم بن صالح لنفهم ما يقول مثل ما فهمنا عن جبرائيل. فأمر الرشيد ورجع صالح الهندي المسلم بعد هنيهة وسأله جعفر وشدد في معرفة الخبر فأبى صالح بن بهلة وأصر على القول بأنه لا يكاشف بما ره غير أمير المؤمنين فلما أدخل عليه قال: يا أمير المؤمنين أنت الإمام وعاقد ولاية القضاء للحكام ومهما حكمت به لم يجز لحاكم فسخه. وأنا أشهدك يا أمير المؤمنين وأشهد على نفسي من حضرك أن إبراهيم بن صالح إن توفي في هذه الليلة أو في

стр. 1890

هذه العلة إن كل مملوك لصالح بن بهلة حر لوجه الله وكل دابة له فحبس في سبيل الله. وكل مال له فصدقة على المساكين. وكل امرأة فطالق ثلاثاً بتاتاً فقال الرشيد: حلفت ويحك يا صالح على غيب والغيب لا يعلمه إلا الله. فقال صالح: كلا يا أمير المؤمنين. إنما الغيب ما لا علم لأحد به ولا عليه دليل له. ولم أقل ما قلت إلا بعلم واضح ودلائل بينة. فسري عن الرشيد ما يجحد وأكل وشرب وطرب. ولما كان وقت صلاة العتمة ورد كتاب صاحب البريد بمدينة السلام يخبر بوفاة إبراهيم بن صالح. فاسترجع الخليفة بالبكاء والعويل وأقبل على جعفر باللوم على إرشاده إلى صالح بن بهلة وأقبل يلعن الهند وطبهم ويقول: واسوأتاه من الله! أن يكون ابن عمي يتجرع غصص الموت وأنا أتحين فرص اللهو والقصف. ثم دعا بمقيءٍ فقذف به ما في جوفه من طعام وشراب وبكر إلى دار إبراهيم بكور الغراب ولم يرض الجلوس على النمارق والمساند بل وقف متكئاً على سيفه. وقال للفراشين: لا يحسن الجلوس في المصيبة بالأحبة على أكثر من البسط. وأمر برفع الفرش والنمارق وجلس بعد ذلك على البساط. فصارت سنة في المآتم لبني العباس ولا يزال أثرها باقياً على اليوم في مصر وغيرها من بلاد الشرق خصوصاً في دور الحريم. وبقي القوم في سكوت وسكون كأنما على رؤوسهم الطير حتى إذا سطعت روائح المجامر صاح صالح ورفع عقيرته وهو يقول كالمجنون: الله الله يا أمير المؤمنين أن تحكم بطلاق زوجتي وهي حلال لي وحرام على غيري. الله الله أن تخرجني من نعمتي ولم يلزمني حنث. الله الله أن تدفن ابن عمك حياً فوالله يا أمير المؤمنين ما مات. فأطلق لي الدخول عليه والنظر إليه. وهتف بهذا القول مرات أزعجت الخليفة والحاضرين. فأمر بالإنعام عليه بما يريد. فدخل وحده ولبث الحاضرون يسمعون ضرب بدن بكف ثم كف. وإذا بتكبيرة ارتجت لها جوانب الدار وخرج صالح يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثم قال: قم يا أمير المؤمنين حتى أريك العجب الأكبر. فدخل الرشيد وخواصه فأخرج صالح إبرة كانت معه فأدخلها بين ظفر إبهام يد الميت ولحمه فجذب الميت يده وردها إلى بدنه. فقال صالح: يا أمير المؤمنين هل يحس الميت بالوجع؟ فقال الرشيد: لا. فقال له صالح: لو شئت أن يكلم أمير المؤمنين الساعة لكلمه. فقال له الرشيد: فأنا أسألك أن تفعل ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين أخاف إن عالجته وأفاق وهو في كفن فيه رائحة الحنوط أن ينصدع قلبه فيموت. ويكون الموت حقيقياً ولا

стр. 1891

تكون لي حيلة في إحيائه. ولكن يا أمير المؤمنين تأمر بتجريده من الكفن ورده إلى المغسل وإعادة الغسل عليه حتى يزول رائحة الحنوط عنه ثم يلبس مثل ثيابه التي كان يلبسها في حال صحته ويطيب بمثل ذلك الطيب ويحول إلى فراش من فرشه كالتي كان يجلس وينام عليها حتى أعالجه بحضرة أمير المؤمنين فإنه يكلمه من ساعته فأمر الرشيد بامتثال أمر الطبيب ثم دخل على ابن عمه فدعا صالح بكندس (وهو جذر نبات يشبه الخرشوف) ومنفخة ونفخ في الكندس في أنفه فمكث الميت مقدار سدس ساعة (١٠ دقائق) ثم اضطرب بدنه وعطس وجس قدام الخليفة وقبل يده. فسأله الرشيد عن قصته فذكر أنه كان نائماً نوماً لا يذكر أنه نام مثله قط طيباً إلا أنه رأى في منامه كلباً قد أهوى إليه فتوقاه بيده فعض إبهام يده اليسرى عضة لا يزال يحس بوجعها. وأراه إبهامه التي كان صالح أدخل فيها الإبرة. وعاش إبراهيم بعد ذلك دهراً وتزوج العباسة بنت المهدي وولي مصر وفلسطين وتوفي بمصر وقبره بها لأنه لم يدفن ببغداد حياً. ومن كانت منيته بأرضٍ ... فليس يموت في أرض سواها أما الحكيم النصراني الذي أحيا الموتى فهو رشيد الدين أبو الوحش بن الفارس أبي الخبر ابن أبي سليمان داود بن أبي المنى بن أبي فإنه الذي اشتهر فيما بعد باسم أبي حليقة. كان أبوه الفارس أبو الخير من رؤساء الجيش العاملين فكان يلبس ولده لباس الجندية مثل لباسه ويرشحه للخدمة في العسكرية مع المسلمين في محاربة الصليبيين كما جرت عادة الآباء في الشرق من جعل أبنائهم على حرفتهم. وذلك مصداق لما قاله الإمام النووي في التحفة وللإمام أو نائبه الاستعانة بأهل الذمة والاستئمان على العدو بشرط أن تؤمن خيانتهم بأن يعرف حسن رأيهم فينا. ويشترط في جواز الاستعانة بهم الاحتياج إليهم ولو بنحو خدمة أو قتال لقلتنا. ونفعل بالمستعان بهم الأصلح في إفرادهم أو تفريقهم في الجيش وكانت دار الفارس أبي الخير ملاصقة لدار السلطان العادل بمدينة الرها فاتفق أن الملك الكامل الأيوبي وهو ولي العهد دخل فيها الحمام فأعطى الفارس لولده رشيد الدين فاكهة وماء ورد وأمره بحمله إلى الملك الكامل. فلما خرج من الحمام وقدم الغلام بين تلك الألطاف أخذه معه وفرغ الأطباق من الفاكهة وملأها شققاً سنية وسيرها لوالده. ثم أخذ الكامل بيد الغلام النصراني وعمره يومئذ ثماني سنين ودخل به على السلطان الملك العادل ولم يكن رآه من

стр. 1892

قبل فلما أبصره قال للملك الكامل: يا محمد هذا ابن الفارس لأنه أخذه بالشبه فقال: نعم. قال: هاته فحمله الملك الكامل ووضعه بين يدي السلطان فلاعبه ولاطفه وتحدث معه حديثاً طويلاً ثم التفت إلى والده وقد كان قائماً في خدمته مع جملة القيام وقال له: ولدك هذا ولد ذكي لا تعلمه الجندية فالأجناد عندنا كثير وأنتم بيت مبارك وقد استبركنا بطبكم أرسله إلى الحكيم أبي سعيد (أي عمه مهذب الدين الذي ذكرناه في غير هذا الموضع) ليقرأ عليه الطب بدمشق فامتثل والده فتخرج بها ثم جاء إلى القاهرة وكانت كعبة العلوم فأكمل دروسه بها وبرع حتى صار يشار إليه بالبنان هذا مع مواظبته على العبادة وتفقهه في دينه المسيحي وقرض المرقص المطرب من الشعر الرقيق المعجب ثم تولى السلطنة الملك الكامل واستقر بمصر فقرب رشيد الدين أبا الوحش وكان كثير الاحترام له فحظي عنده كثيراً حتى نال منه الإحسان الكثير والأنعام المتصل وأقطعه على سبيل الجراية نصف بلد عامرة بالشرقية تعرف بالعزيزية والخربة (وتعرف الآن بالعزيزية بمركز مينا القمح وهي منسوبة للعزيز الفاطمي) ولم يزل في خدمة الكامل حتى مات فخدم ولده الملك الصالح ثم ولده الملك المعظم تورانشاه حتى قتل وجاءت دولة المماليك واستولوا على البلاد واحتووا على الممالك الأيوبية فأجروه على ما كان باسمه ثم خدم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي وبقي في خدمته على عادته المستمرة وقاعدته المستقرة وله منه الاحترام التام وجزيل الأنعام والإكرام حتى وفاه الحمام. كانت له اليد الطولى في الطب فقد أمره الملك الكامل بعمل الترياق الفاروقي المشهور فسهر عليه الليالي حتى حتق مفرداته بشهادة أئمة الصناعة أبقراط وجالينوس ولما تعذر عليه حضور أدويته الصحيحة من الآفاق ركب مختصر ترياق توجد أدويته في كل مكان ونوى أن لا يقصد به قرباً من ملك ولا طلب مال ولا جاه في الدنيا ولا يقصد به سوى التقرب من الله بنفع خلقه أجمعين وبذله للمرضى مجاناً فكان يخلص به المفلوجين ويقوم به الأيدي المتقوسة ويسكن وجع القولنج ويفتت الحصى ويزيل ألم الأسنان لوقته وساعته فشاع أمره وتحدث به الخاص والعام حتى سأله السلطان وقال له: يا حكيم إيش هذا الترياق الذي عملته ولم تعلمني به فقال: يا مولانا المملوك لا يعمل شيئاً إلا لمولانا وما تأخرت عن العرض إلا لتجربته أما وقد أصبح هذا لمولانا فصار على ثقة منه فقد حصل المقصود

стр. 1893

فأمره بإحضاره فلم يكن عنده منه إلا شيء يسير لأن الخلائق كانت قد تهافتت عليه فمضى إلى أصدقائه الذين أهداهم منه حتى جمع من وهناك أحد عشر درهماً وجعله في برنية من الفضة فاحتفظ عليها السلطان وكان يشكو من نزلة في أسنانه فما هو إلا أن وضع جزءاً صغيراً منه حتى زايله الألم وكأنه لم يكن. أما إحياؤه الميت: فقد مرضت دار من بعض الآدر السلطانية (أعني إحدى حظايا السلطان فإن السر في السكان) وكانت مقيمة بناحية العباسية وكان الملك الكامل لا يشرك مع هذا الطبيب أحداً في مداواته وفي مداواة من يعز عليه من دوره وأولاده فانقطع للعناية بها أياماً. ثم عرض له ما أوجب عليه الرجوع إلى القاهرة لمدة ثمانية عشر يوماً ثم عاد لعيادة مريضته بالعباسية فوجدها قد تولى علاجها جماعة من الأطباء فاشترك معهم فحكموا بأنها تموت والمصلحة تقضي بإعلام السلطان قبل أن يفجأه أمرها بغتة فقال: إنها ليست عندي في مرض الموت فقال أكبرهم سناً (وكان رشيد الدين شاباً): إنني أكبر منك وقد باشرت من المرضى أكثر منك فتوافقني على كتابة هذه الرقعة. فأبى فقرَّ رأي الأطباء على كتابة الرقعة. فقال: لا أضع اسمي على هذه المطالعة. فلما وصل الخبر للسلطان بعث رسولاً ومعه بجار ليعمل لها تابوتاً تحمل فيه جثتها إلى القاهرة. فقال له الحكيم ما هذا النجار؟ قال لعمل التابوت. قال: تضعونها فيه وهي في الحياة؟ قال: بل بعد موته. قال: ارجع بهذا النجار وقل للسلطان عني خاصة أنها في هذه المرضة لا تموت. فلما كان الليل أرسل إليه السلطان بورقة بخطه يقول فيها: ابن الفارس يحضر إلينا (لأنه لم يكن بعد سمي بأبي حليقة) فلما وصل إليه قال له: أنت منعت من عمل التابوت؟ قال نعم. قال بأي دليل ظهر لك من دون الأطباء كلهم. قال: لمعرفتي بمزاجها وبأوقات مرضها على التحرير من دونهم وليس عليها بأس في هذه المرضة. فقال: امض وطبها واجعل بالك لها. فذهب وداواها حتى عوفيت ثم أخرجها للسلطان فزوجها وولدت من زوجها أولاداً كثيرين. هؤلاء هم الثلاثة الذين أحيوا الموتى على ما وصل إليه علمي. أحدهم مصري وهو يهودي وثانيهم هندي استوطن بغداد وهو مسلم وثالثهم شامي استوطن مصر وهو نصراني. ولعلكم يا بني أمي ويا بني عمي ترشدونني إلى مسلم وقبطي في مصر قاما بهذه الكرامة أو أن يقوم فيكم من يجدد لنا ذكرها والافتخار بها.

стр. 1894

لعل الشام ترضى؟ كأني بها تقول: مني خرج المسيح وهو الذي أحيا الموتى! أفلا تذكر لي طبيباً واحداً من هذا القبيل حتى لا أكون بين الفسطاط والزوراء لا في العير ولا في النفير. كان بها فلاح يرتزق وراء المحراث في قرية يبرود صار اسمه فيما بعد أبا الفرج جرجس اليبرودي. رأى فاصداً قد التوى عليه سد العرق فتوالى الرُّعاف على المفصود. فقال له: يا هذا إني أرى أبي في وقت سقي الكرم إذا نفتح شق في النهر لا يقدر على إمساكه دون أن يفتح فتحاً آخر ينقص به الماء الأول الواصل إلى ذلك الشق ثم يسده بعد ذلك. ففعل الجرائحي بهذه الإشارة وانقطع الرعاف. ثم قال للفلاح: لو أنك تشتغل بالطب لجاء منك طبيب حاذق. فوقرت هذه الكلمة في صدره واقبل على التعلم بدمشق وما كفاه ما حصل عليه حتى أخذ سواراً كان لأمه وذهب إلى بغداد فأنفق ثمنه على استكمال العلم وصار من أكبر النوابغ في هذا الفن. رأى يوماً في سوق جيرون بدمشق إنساناً راهن على أن يأكل أرطالا من لحم فرس مسلوق مما يباع في السوق فوقف ورآه قد أمعن في الأكل بأكثر مما تحتمله قواه ثم شرب بعده فقاعاً كثيراً وماءً بثلج فاضطربت أحواله وتفرس إنه لابد أن يغمى عليه فيصير إلى حالة يكون الموت أقرب إليه أن لم يتلاحق فتبعه إلى منزله واستشرف إلى ماذا يؤول أمره فلم يكن إلا أيسر وقت وأهله يصيحون ويضجون بالبكاء ويزعمون إنه قد مات. فأتى إليهم وقال: أنا أبرئه وما عليه من بأس. ثم أنه أخذه إلى حمام قريب من ذلك الموضع وفتح فكيه كرهاً ثم سكب في حلقه ماءً مغلياً وقد أضاف إليه أدوية مقيئة لطيفة وقيأه برفق ثم عالجه وتلطف في مداواته حتى أفاق وعاد إلى صحته. ولليبرودي هذا كرامة ثانية من هذا القبيل حكاها الطرطوشي في سراج الملوك: مر رجل يبيع المشمش على خباز في دمشق فاشترى منه وجعل يأكله بالخبز الحار فلما فرغ سقط مغشياً عليه فنظروا فإذا هو ميت وقضى الأطباء كلهم بموته فغسله أهله وكفنوه وصلوا عليه. ثم خرجوا به إلى الجبانة فاستقبلهم اليبرودي صدفة على باب البلد وسمع الناس يلهجون بقضيته فقال: حطوه ثم أخذ يقلبه وينظر في إمارات الحياة التي يعرفها. ثم فتح فمه وسقاه أو حقنه فاندفع ما هناك فإذا الرجل قد فتح عينيه وتكلم وعاد كما كان إلى حانوته وأظنه تاب عن أكل المشمش ولو في المشمش. ولا شك أنه يصح لنا أن نقول عن

стр. 1895

اليبرودي أنه فلاح وفلح. وبما أننا طرقنا باب الحياة بعد الموت فاسمحوا أن أنتقل بكم بطريق المجاز إلى عالم هو خير وأبقى. ثم نعود إلى هذه الدار بغاية التعجيل. فإنما كلامنا من باب المحاضرة والتمثيل ونحن اليوم في دار التمثيل. كثيراً ما يمتعض النصارى إذا قال جهال المسلمين عن أحدهم أنه هلك أو أنه هالك وكأني بهم أشبه الناس بعلي بك كشكش. إذ رأى صغار العامة أنه يحرن ويحرد إذا قالوا له: كشكش فصاروا كلما رأوه يقولون له: كشكش كشكش كشكش حتى ضرب أحدهم بحجر فأدماه فأخذه الثؤر والثآرير على رأي الأستاذ البرقوقي والجلواز والجلاوزة على رأيي والشرطة على رأيكم والبوليس على رأينا جميعاً وساقوه كلهم إلى الحاكم فأخذ في تقريعه فقال له: لست بملوم يا سعادة الباشا. فقال: كيف ذلك. قال: صلّ على النبي. قال المحافظ: اللهم صل عليه. قال: زد النبي صلاة. قال: ﵊. قال: ثم زده صلاة: قال: ﷺ . قال: كرر الصلاة فهي عبادة. فانفعل المحافظ وانتهر علي بك. فقال له: ويحك يا مولاي أنت حزنت من الصلاة على النبي وهي خير ما يتقرب به العبد إلى الرب فكيف بي وكلما مشيت خطوة سمعت كشكش كشكش كشكش. تعلموا يا بني عمي أن كل حي إلى الممات يصير وأن هذا الانتقال إما أن يكون بفعل فاعل أو بحكم انتهاء الأجل. ففي الحالة الأولى يستعمل اللفظ الموافق لإزهاق الروح مثل قُتل، صلب، شُنق، خوزق، الخ. . أما في حالة الجهاد والاضطهاد عند المسلمين والنصارى فيقال: استشهد وتنيح. وفي الحالة الثانية يقالك مات وقبض وتوفي وهلك وحضرته الوفاة وغير ذلك من التعبيرات التي تتحلى بأنواع الكنايات. نقطة الخلاف في هلك. ولا أكتمكم أنني مع هذه النقطة مثل بعض علماء النحو مع حتى: أعني أنني أهلك وفي نفسي شيء من هلك بل اللهم شيئان أولهما فلسفي اجتماعي وهو الذي نحن بصدده الآن فإنه أوجب انفراج الخلف وسوء التفاهم بين أبناء الوطن الواحد وثانيهما لغوي إذا أزحنا الريب العالق بسببه تبدد الأول وزال. يقول أهل اللغة في هلك ويهلك (من باب منع وضرب) ثم تكرموا وسوغوا لنا أن نقول في الملك هلك بكسر اللام بشرط أن يكون المضارع مفتوحاً (يهلك) أي من باب علم. ثم
следующие страницы →