Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
الرومان وبقي الأكتيون على الحياد. وبدأت الشعوب المحالفة لرومية تنزع السلطة من يد الأشراف أشياع قيصر وأقاموا زعماء جدداً ودخل هؤلاء في التحالف الغالي.
وكان زعيم الثورة شاباً من أسراف أرفرنا اسمه فرسنجتوريكس وهو فارس يحسن الفروسية خدم في الجيش الروماني وكان صديق قيصر وأحدث ثورة في بلاده أولاً وما هاج سكان القرى حتى نزع السلطة من أيدي الأشراف وأصبح ملكاً على أرفرنا ثم بعث برسل إلى الشعوب الأخرى وجمع جيشاً وجعل من نظامه أن يحرق الخائنين ويصلم آذان الآبقين ويسمل عيونهم، فداهم الغاليون الرومانيين في آن واحد في الجنوب من ولاية بروفنسيا (من إقليم لانكدوك) وفي الشمال من البلاد الواقعة بين هري السين والسون حيث كانت ترابط الفرق الرومانية، واضطر قيصر أن يجتاز جبال سيفين وهي مكللة بالثلوج وأكره فرسنجتوريكس من رجاله أن يعود للدفاع عن بلاده فاتسع الوقت لقيصر أن يجمع جيشه بالقرب من سانس ويذهب فيه إلى إقليم اللوار فخرب فرسنجتوريكس جميع البلاد وجعل المدن قاعاً صفصفاً لتكون قفراً لا يجد فيها العدو سيئاً يطعمه بيد أن البيتوريجيين لم يقبلوا بتخريب مدينتهم أفاريكوم ودافعوا قيصر عنها زمناً.
بعث قيصر في الربيع (٥٢) فيلقاً لمباغتة شعوب السين وذهب بنفسه في معظم جيشه للهجوم على جركوفيا قلعة الأرفرنيين فرد على أعقابه وحرج موقفه إذ لم يكن لديه طعام (لخراب مخازن ذخائره في نرفر) وهو محصور بين شعورب الأرفرنيين والأيدوانيين الذين ذبحوا التجار الطليان ومع ذلك أصر على عدم إخلاء غالياً وتمكن من الوصول إلى سانس. وفي خلال ذلك عين المجلس المؤلف من مندوبي جميع الشعوب الغالية الزعيم فرسنجتوريكس قائداً عاماً على الجيوش الغالية.
فاستدعى قيصر من جرمانيا فرساناً أخذهم لحساب رومية وقاد جيشه من ناحية سون ولعله فعل ذلك ليتمكن من مراسلة بروفنسيا فتبعه فرسنجتوريكس في جيشه وحاول أن يقطع عنه مواد الطعام ورمى الجيش الروماني وهو في مسيره بفرسانه الغاليين فهزمهم فرسان الجيش الغالي ورجع فرسنجتوريكس على أعقابه إلى مدينة أليزيا الحصينة في بلاد الآكام بين نهر السون ومصب نهر السين فتبعه قيصر وحاصره فيها جاعلاً حول أليزيا سوراً تعلوه دائرة مجنحة ذات أبراج يحميها بخندق.
стр. 2137
وصل جيش من الغاليين لرفع الحصار عن جيش فرسنجتوريكس وداهم الرومانيين ولكن حال دون الوصول إليه ذاك السور الذي أقامه قيصر من ناحية الخلاء. وبعد اشتباك القتال بين الجيشين رد الجيش الغالي على أعقابه وتفرق شذر مذر فلم يبق عند الجيش المحاصر في أليزيا شيء من الزاد فسلم فرسنجتوريكس (٥٢) فبعث به قيصر إلى رومية حيث قضى ست سنين سجيناً ثم شهد حفلة انتصار قيصر وضرب عنقه.
وهكذا انتهى العصيان العام. وقضى قيصر سنة أخرى في إخضاع الشعوب التي كانت تقاوم واحداً بعد الآخر فأبادها. وكان يفاخر بأنه ذبح في ثماني سنين مليوناً من السكان وأنه أسر منهم مليوناً آخر باعه بيع العبيد وقضى سنة أخرى لتنظيم شؤون حكومة غاليا وبعد ذلك صفا الجو لرومية بهلاك أعدائها. وقد وسد قيصر الحكم إلى الأشراف أشياع الرومان وألف فرقة من الغاليين لقبوها بالسنونو وكان جيشه المدرب يحبه فحدثته نفسه أن يستخدمه في الاستيلاء على المملكة الرومانية بأشرها فخضعت غاليا لرومية مباشرة وتقسمت ولايات ولكن تنظيمها لم يتم إلا على عهد أغسطس.
стр. 2138
جيران الفراعنة
بقية ما في الجزء السالف
تقدم أن اكتشافات المستر ونكلر في بوغاز كوي كانت ذات شأن سام لعلاقتها بالتاريخ القديم لشعوب البحر المتوسط وها نحن أولاء نشرح نظريتنا من هذه الوجهة المهمة ونبينها على قدر الطاقة.
لما كان من المسلم أن عاصمة مملكة الهيتيين ليست كما ظن حتى الآن جرابيس في شمال الفرات الأوسط بل هي بوغاز كوي من أعمال كابادوسيا لم يبق صعوبة في أن نقول بأن ملك الهيتيين امتد سلطانه إلى ليديا. وهذا التغلب على الساحل الآسياوي من بحر إيجي ظاهر في نفسه لا يحتاج إلى شرح بعد أن عرف بأن كابادوسيا كانت متاخمة لإقليم ميونيا أو تكاد. وإذ ضاق ذرع الهيتيين من اتصال اعتداء الفراعنة على أملاكهم الجنوبية أجمعوا أمرهم بينهم على إشهار الحرب على مصر وطرد الفراعنة منها وإذ لم يتأت كتم استعدادهم للغارة في وسط بلادهم فقد أصبح هجومهم على الفراعنة بحراً ضربة لازب ليحولوا دون اعتداء الفينيقين وهم تابعون لمصر لئلا يكونوا السبب في إخفاقهم في غزوتهم. فبدلاً من أن يستخدموا ثغر تارس مرفأهم الحربي العظيم لإرسال أسطول ضخم اختاروا ثغر أزمير وهي تقع في وسط خليج مشيعين بأنهم رأوا من الضرورة أن يهاجروا لأن السكان نمو كثيراً فضاقت بهم البلاد. ولئن لم يكتب لثغر تارس أن يجتمع المحاربون فيه فإن بحارته وربابنته وفيهم وحدهم كالهيبينيين الثقة التامة تولوا أمرة الأساطيل وإبحارها. ومن هنا جاء اسم تورسها الذي أطلقوه على غارتهم على مصر. ولا شك أنهم بعد انكسارهم قصدوا إيطاليا لاستيطانها مع بقائهم مرتبطين ارتباطاً محكماً ببلادهم الأصلية وذلك لأن دخول السادرسيين والسيكوليين بعد قرن في اتحاد شعوب البحر يحمل على هذا الظن.
وليس التناسب الظاهر بين رواية هيرودتس وآثار الكرنك المزبورة هو من فعل الاتفاق. فقد قال هيرودتس أن عهد أتيس أو الأتيين قد تقدم عهد أرغون مؤسسة الدولة الهيراكلية وفي ذلك مجال إلى القول بأن استيلاء الهيبتيين سبق استيلاء الآشوريين على آسيا الصغرة وأهم نقطة جوهرية في رواية هيرودتس المؤرخ اليوناني هي الصفات المميزة للعمل الذي قام به تورسنوس في توليه زعامة الأسطةل الذي أقلع من أزمير فقد ورد في نصوص
стр. 2139
الآثار المصرية أن التورسهانيين كانوا عقدوا العزم على أخذ أساطيل شعوب البحر المتجمعة تحت حمايتهم.
وهنا ننتقل إلى الكلام على شعب آخر جعله بانتاور في شعره في مصاف الهيتيين على عهد رعمسيس الثاني. وهذا الشعب هو الدرداني الذي تنسب إليه كتابات الكرنك التقدم على جيرانه لأنه قبض على قياد الجيوش للالتحاق بملكهم الخاضعين له في سورية.
والظاهر أن هؤلاء الدردانيين الذين ورد ذكرهم في شعر هوميروس وجاء في تقليد صحيح منذ القدم بأنهم سكنوا شاطيء الدردنيل وأنهم كانوا من أصل تراسي.
ولا نكتم ما يخالج ضميرنا من التردد إذا أردنا أن نحيد عن هذه الوجهة عن تأثيرات التقاليد ولا سيما إذا جاءت متوافقة متناصرة. ومع ذلك فإن اعتقادنا بعدم قبول مثل هذا الأصل راسخ ولكن لا نستنكف من جعله قيد النظر والبحث على ضعف فيه.
وبعد فيظهر لنا أن دخول التراسيين أو الفرغانيين في أصل جميع الشعوب الصغيرة التي كانت تسكن إذ ذاك الشاطيء الآسياوي من بروبوتيد ناشيء كما قلناه من رغبة الآسياويين بالاتصال باليونان عندما أتوا لاستعمار هذا الجزء من آسيا الصغرى بعد حرب تروادة بمئة وأربعين سنة ومن هنا دخل في علم أصول سكان هذه البلاد وامتزاجهم تقليد أصبح له مع الزمن صبغة تاريخية وإن تطرق الشك إليه كثيراً.
نحن نرى أن الدردانيين ليسو تراسيين ولا كربتيين بيلاسجيين بل كانوا إيرانيين ودليلنا على ذلك ما رواه هيرودتس. وفي الحقيقة أن هذا المؤورخ لا يعرف إلا اسم مدينة واحدة باسم الدرداني كانت في عهده على الشاطيء الآسياوي من الدردنيل أما الدردانيون الصرف فقد ذكر أنهم في أودية جبال ماتين التي يجري فيها نهر جينديس الذي يصب في دجلة الوسطى وهو أهم مصب له. ويسوقنا هذا الموطن الأصلي للدردانيين إلى الجزم إلى الجزم بأنهم فرع من العنصر البروتو الأرمني. ويقول ماسبر أن الماتيين الذين ورد ذكرهم في الكتابات الأكادية أو الماتيين الذين ذكرهم هيرودوتس كانوا أنسباء الدردانيين سكنوا أولاً في جنوبي بحيرة أورومية بين أرمينية قديماً وميديا فحدا الميل إلى اقتحام المخاطر بالماتيين وجيرانهم إلى مغادرة جبالهم وأوديتهم منذ القدم وأن يضربوا في شواطئ قزل إيرمق حيث استوطنوا منذ ألفي سنة قبل المسيح. وإن ما يدعونا إلى أن نرتئي بأن تاريخ
стр. 2140
ذلك قديم هو أنه ورد في الكتابة التي ذكرت فيها نصرة توتيمس الثالث أحد الفراعنة فإنه بعد أن نكل بقبرص والآز أرعد أرض ماتان في مرافئها وأنحائها كما ورد في تلك الآثار. إذاً فأي معنى للفظ ماتان إن لم يكن الماتانيون من الذين ذكرهم هيرودتس. إذا صح هذا فيكون الماتيون منذ الزمن الأطول قد اجتازو نهر قزل إيرمق وضربوا إلى البحر المتوسط وذلك قبل أن ينشأ التراسيون حتى في أوروبا. وربما جاء من هناك خلط قدماء المؤلفين في دعواهم بوجود قرابة بين الفرغانيين والأرمن وهي قرابة ينفيها مؤرخ الأرمن موسى بن خورين لأنه يرى أن أصل الأرمن من تيراس لا من كومر. ومن المحتمل كثيراً أن تشابه النطق بتراس وتيراس قد أوقع في الخلط بهذا التفسير وبحسب العلم الحاضر تكون تيراس في إقليم طوروس لا في تراسيا.
ولقد أقمنا زمناً في أزمير كانت لنا في خلالها خلاصات دائمة مع الآباء الميخيتاريستين ولذلك ألفنا اللغة الأرمنية فلم نتبين في هذه اللغة تناسباً لغوياً بين اللسان الفرغاني الذي كتبت به المكتوبات الآسياوية واللغة الأرمنية. وإذا كان ثمة بعض الألفاظ سرت فمنشأوه من وحدة البلاد التي سكنوها بعد عهد نزول التراسيين إلى آسيا الصغرى بزمن طويل بيد أن المصانع الأرمنية كثيرة في أيامنا هذه في هذا الجزء من قارة آسيا وقد قيل أيضاً أن اللغة الأرمنية المدرسية الحديثة قد نشأت في القرن الخامس للميلاد وبذلك كان من المتعذر معرفة أي لغة يتكلم بها البوروتو الأرمن. وهناك خطأ آخر وهو أن اللغة الأرمنية ليست وحدها معروفة في القرن الخامس ب. م بل أن حروف هجائها واللغة الأرمنية متشابهة الأصوات بحيث يعسر أن تكتب بحروف أوروبية ولذلك واقتضى لها إيجاد حروف خاصة للاستعمال.
ومن المحقق أنه لا توجد كتابة صخرية يرد عهدها إلى العهد البورتو الأرمني وجميع الكتابات التي وجدت في مدينة وإن قد رسمت بالخط المسند ولما أراد مسروب في القرن الخامس أن يؤلف لأمته آداباً وطنية لم يجد المواد لتأليفها من أصولا حروف الهجاء الأوروبية كلغة الروم وآسيا الصغرى وإيطاليا بل وجد الأصول لتأليفها في فرع اللغة الآرامية مثل البهلوية والزندية والكرجية وإذ كانت هذه اللغات أيضاً غير كافية للتعبير عن الأصوات الأرمنية اضطر أن يزيد سبعة حروف صوتية وسبعة حروف ساكنة ليمثل بها
стр. 2141
الأصوات التي لا توجد في حروف الهجاء المعروفة من أصل آرامي وبذلك تبينت أن لا علاقة للغة الأرمنية مع اللغة الفرغانية لأن هذه لغة لم يكن لها غير تسعة عشر حرفاً وكانت غير كافية للإعراب عما فيها.
بقي علينا الآن أن نشرح الداعي إلى الاستعمار الإيراني لتروادة وعلاقة هذه مع الدولة التي حكمت في أليون وهي علاقة كانت السبب في تقدم ذاك الاستعمار على غيره من المستعمرات الكريتية البيلاسجية في هذا الجزء من آسيا الصغرى.
وليس غير الاستدلال نعمد إليه في بحثنا في هذا الماضي الذي لا تاريخ له ولا ندعي بأننا نضع نظرية لعرضها كأنها حقيقة أساسية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
ويتيسر لنا الحكم على ذاك الماضي بما تدل عليه بقايا ما عثر عليه من الكتابات التي ورد فيها خبر الانتصارات في الكرنك وفي النصوص اليونانية والظاهر أن أهل الطبقة الحاكمة من الهيتيين كانت لا تنظر إلى تطبيق المبادئ السياسية بالحرف بل تتوخى تطبيقها مع الأحوال والزمن ولذا كان يسكن جزءاً من بلادهم شعب ضعيف كان في إخلاصه له نظر فأدى ذلك إلى خلع ربقة دولتهم الحاكمة وتسليم مقاليد الحكومة إلى دولة أخرى يتيسر الاعتماد على إخلاصها أكثر. ومن صعب مراسهم من الشعوب يطردونهم من بلادهم وهذه السياسة تشرح كيف تنقل الشعوب في بلاد الهيتيين من ناحية إلى أخرى من أنحاء مملكتهم. وبهذه الحجة دخل اللوكوسيريون إلى كابادوسيا لمعاضدة الدولة الهيتية الحاكمة التي هي من جنسهم ودخل الميونيون الذين ردهم الهيتيون على أعقابهم واستعاضوا عنهم بالعنصر السامي اللودي ومثلهم التركريانيون الذين طردوهم للاستعاضة عنهم بادردانيين للمحافظة على ممر الدردانيل ومنع أساطيل الأعداء والمزاحمين من الدخول في البحر الأسود وهو مركز تجارة كبرى لمنافسة الفينيقفيين. كل ذلك يحمل على الظن بأن قبيلة أولية اجتازت خليج الدردنيل على عهد الملك توسر لأن المؤرخ هيرودتس يؤكد أنه رأى في كولشوس مستعمرة مصرية حبشية كانت هناك منذ الزمن الأطول.
وإذا توسعنا في البحث في أصول الشعوب التي تبعث الجيش الهيتي إلى سورية مكن طريق البر نجد ثمة جماعات أخرى وإن كان قدومها آخر الآمر من كريت فليست على ما يظهر كالفيلستيين من أصل ليبي مصري. وهؤلاء الجماعات هم الكاريون والليسيون
стр. 2142
والكوكونيون الذين يظهر أن بينهم قرابة ونسباً. قال هيرودتس فيهم أن الكاريين والكوكونيين والليسيين غادروا الجزائر ليستوطنوا القارة الآسيوية وكانوا في القديم رعايا مينوس (ملك كريت) ولم يكونوا يدفعون خراجاً ولهم في ميلاسا معبد قديم للمشتري الكاري وهو بينهم مشترك لما بينهم من القرابة ولذلك كانوا مستأثرين بهذا المعبد وحدهم دون جيرانهم الذين ليسو وإياهم من أصل واحد. وكانت لهم عادة قلما توجد عند غيرهم من الناس وهو أنهم يدعون الأبناء إلى أمهاتهم لا إلى آبائهم وإذا سئل أحدهم عن نسبه ذكر والدته وسلسلة نسبها. وعندهم إذا تزوجت امرأة وطنية بعبد يجيء أولادها أحراراً أشرافاً وأما إذا تزوج وطني ولو كان سيد قومه من امرأة أجنبية أو من سبية فأولاده ساقطون لا شرف لهم وليسو أحراراً.
وقد ألف البارون دي كستين كتاباً مستوفى في الكاريين قديماً فبحث في أصل حكم المرأة في الأسرة وفي تأثيرها في المجتمع المدني ونفوذها في المملكة وأثبت بأن هذه العادة كانت مستحكمة عند الأمم الليبية القديمة وعند قسم عظيم من شعوب آسيا الصغرى وقد جمع بين هاته الشعوب ليرجعها إلى أصل واحد هو في رأيه الجنس الأسمر النازل في أوساط آسيا المعرف باسم العنصر الطوشي.
وقد كانت عبادة الكوشيين عبادة أرباب البحار كما كانت عبادة الفوتيين والإيبريين ونشأت هذه العبادة عغلى شواطئ المحيط الهندي وانتشرت في عامة أنحاء الخليج الفارسي وبلاد العرب الجنوبية ومن هناك انتقلت إلى بلاد الحبشة ومنها سرت إلى أطراف موريتانيا في المحيط الأطلانطيكي وانتقل مكار وهو معبود الليبيين والإيبريين إلى اليونان مع تعديل كثير فيه وكان حيثما انتشرت عبادته تؤوي المعابد المعمورة باسمه من يمر بها من البحارة.
ومن الصعب أن نصور كيف عمت عبادة مكار في البلاد ذات الأنهار والجزائر الواقعة في البحر المتوسط حتى بلغت جزائر مكار في المحيط الإطلانطيقي. فقد ترك الكاريون والماريون حيثما نزلوا بنايات متسعة صبرت على الدهر بمتانتها. فإذا سرنا من ليبيا نجتاز أولاً واحة عمون الذي سمي أولاً باسم مكارونيسواو جزيرة مكار. وقد كان في برقة نهر اسمه نهر مكار وفي خليج قابس بحيرة مكار وفي زوجيتانيا نهر آخر اسمه نهر مكار.
стр. 2143
وعلى الشاطئ الإطلانطيقي في موريتانيا (شمالي مراكش وغربي الجزائر) نهر وبحيرة باسم مكار. وقد اكتشف هانون القرطاجني في تلك الأصقاع في القرن السابع قبل المسيح نهر لوكوس وخرائب مدينة أسوارها كارية ولا تزال هذه الأسوار موجودة إلى يومنا هذا وإذا تركنا وراء ليبيا ومررنا بأوروبا نجد في مدخل الأرخبيل اليوناني جزيرة لمكار. ونعني بها جزيرة كريت وربما جاء من هنا اسم كانتور أو جزيرة سيفين الكبرى على ما قال ذلك إيبرس الأثري الألماني وإذا تقد إلى الأمام نجد نهراً لمكار في إقليم تساليا وآخر في بيوسيا وثالثاً في بروبوتيدا. ويؤخذ من قول هوميروس أن لسبوس (جزيرة مدللي) كانت مقراً لمكار.
ولا يقف إنشاء عبادجة مكار وراء تخوم بلاد اليونان بل كانت شائعة في إقليم أومبريا بإيطاليا وساردينيا وإبيريا (الأندلس) ولا شك أن أسواء جزيرة تارتاسوس لم يستطع أهل صيدا أن يدكوها إلا باختراع المنجنيق وما تعاصت عليهم إلا لأنها بنيت معبداً لمكار.
وإذا سألت عن مكار هذا الذي يكاد يكون أثراً خالدجاً في كل مكان فهو بحسب الألواح الآشورية المحفوظة في المتحف البريطاني مكار أوانو ـ كما جاء في أحدها ـ سيد المياه ورب الأنهار وسلطان البحار وزعيم الأعماق وربها وحاكمها. وفي الأساطير البابلية أنه أحد الأرباب التي بدت في صورة أسماك يحرس منازله الرجال الذين خلقوا على هيئة أسماك ويتصل نسب مكار كما في الأساطير الهندية بفرع الكوشيين. وإذا عرفت هذا فلا يسوغ لك أن تخلط بين مكار بعد ما ذكرت لك من وصفه وبين بوسيدون وهو رب ليبي صرف رآه اليونان في جميع الحار واتخذوه وصبغوه بصبغتهم. وكان على الشاعر هوميروس أن يعرف تلك الأرباب القديمة التي كان تعبد في ليبيا لأنه كثيراً ما يذكر في الأوديسية اسم الحبشان الآسياويين والحبشان الأفريقيين.
ولغة الكاريين هي لغة البربر وهي لغة أحد الفروع القديمة للجنس البشري كان يطلق عليهم جيرانهم في آسيا وإفريقية بارباروئي. وهذا الاسم القديم (البربري) لم يطلقه على عمومه إلا اليونان واللاتين أما هوميروس فإنه يعني ببربر ذاك الفرع الليبي من الناس المعروف باسم بربر حتى اليوم. وبين بارباروئي كما أطلقه هوميروس بعض ألفاظ تقرب كل القرب من اللغات السامية حتى لقد قال أحد العلماء أنه إذا كان النحو اليوناين يدل على
стр. 2144
تراكيب تشبه النحو السنسكريتي واللاتيني والسلافي فإن معجمه وإن حوى مفردات كثيرة جداً ولاسيما في المصادر الصوتية وهي آرية بالطبع قد أطلعنا على قليل من المعاني الغريبة عن جميع اللغات الهندية الأوروبية والألفاظ السامية. وليست هذه التعابير مقصورة على الألفاظ الدالة على حيوانات ومعادن ونباتات بل أن منها ما يدل على المبادئ الضرورية للحياة المدنية والسياسية وفيها خالف اليونان وحدهم إجماع الأمم الأوروبية. أهـ
وقد تبين أن بين خط ميونيا وخط ليبيا القديم تناسباً وأن هذا الخط ليس له علاقة بالحروف الهيتية أو الحروف الفرغانية في آسيا الصغرى بل هو مشتق من الخط الهندي الحميري. والظاهر على ما قاله نورمان أن الخط الهندي الحميري جاء في الأصل من جنوبي بلاد العرب ومن هناك انتقل إلى أفريقية ـ حيث كان الخط الحبشي والليبي فرعاً خاصاً برأسه ـ مع الخط الحميري أو هجاء سكان اليمن القدماء.
وهذا التعريف الذي عرفه لنورمان من تعيينه سير هذه الحروف الهجائية هو مثل تعريف البارون دي كوستين للخط الكوشي في تنقله إلى أن بلغ البحر المتوسط فساغ لنا من ثم أن نقول أن اللغة الحميرية اشتقت منها الغسانية والغزية والليبية والكريتية والإمحرية والتيفنغية.
стр. 2145
مطبوعات ومخطوطات
العرب قبل الإسلام
ألف جرجي أفندي زيدان منشيء الهلال هذا الكتاب وهو يبحث في أصل العرب وتاريخهم ودولهم وتمدنهم وآدابهم وعاداتهم من أقدم أزمانهم إلى ظهور الإسلام ويدخل هذا الجزء الأول تاريخ دول العمالقة في بابل ومصر وفي بطرا وتدمر وغيرهما وتاريخ العرب القحطانية في اليمن ودولها المعينية والسبأية والحميرية وتمدنهم في مآرب وظفار وحضرموت وفيه أخبار عرب الشمال وعدنان وما كان لهم من الدول في الحجاز ومشارف الشام والعراق وحروبهم وغير ذلك. وقد زينه ببعض الرسوم والخرائط وجعله هدية لمشتركيه عن السنة السادسة عشرة فجاء في زهاء ٢٥٠ صفحة يشهد بطول باع المؤلف وبحثه فنحث على اقتنائه.
فلسفة العمر
قل فينا المؤلفون الذين يؤلفون للذة والفائدة فقط وقل فينا من يحبون العلم للعلم ولا سيما من أهل السعة. وصالح بك حمدي حماد من أهل هذه العاصمة هو من الكتاب الذين وقفوا أيامهم ولياليهم على هذا الغرض الشريف نقل حتى الآن عدة كتب من اللغة الفرنسوية إلى اللغة العربية ولو كان يعمل عمله كل من تعلموا لغة أجنبية منا فينقلون لنا ما يلزمنا لغنيت لغتنا بآداب الأمم الغربية وتاريخها واجتماعها وآخر ما نشره رسالة في فلسفة العمر في أدوار الحياة الأربعة أي الطفولية والشبيبية والكهولة والشيخوخة وما في طيها بحسب الأحوال الاجتماعية الراقية من عبر وحكم أضاف إليها بعض تراجم المشاهير الوردة أسماؤهم في الكتاب وطبعه طبعاً جميلاً في ١٤١ صفحة ويطلب منه.
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
هو كتاب في السيرة النبوية لمؤلفه الشيخ محمد الخضري من أفاضل هذه العاصمة طبعه للمرة الثالثة أجمل طبع حسنين أفندي محمد صاحب مكتبة المؤيد في ٣٣٤ صفحة. وهذه السيرة على إيجازها من أنفع ما كتب في هذا الموضوع الشريف ولذلك راجت وطبعت ثالثة.
عفة الأولاد
стр. 2146
عرب سليم أفندي خوري هذه الرسالة من الإنكليزية فيما يجب على الأولاد معرفته وعي في صورة مخاطبات ورسائل حوت نصائح كثيرة لطيفة وتطلب من معربها بمصر وهذا هو الجزء الأول ويليه ثلاثة أجزاء وفقه الله تعريبها ونشرها.
رحلة ابن جبير
من أجمل الرحلات وأنفعها رحلة ابن جبير الأندلسي من أهل القرن السابع طبعت في أوروبا مرتين وأعيد طبعها ثالثة الآن ونطلب من طابعها مصطفى أفندي فهمي الكتبي بالحلوجي بخمسة قروش أميرية وشهرة ابن جبير تغني عن التنويه بكتابه الذي طار صيته وحلت في الأسماع نغمته.
الدرر السنية
ألف حسين أفندي فتوح ومحمد علي أفندي عبد الرحمن هذه الرسالة باللغة العامية وما يقابلها من العربية وقد اعتمدا على لغة العامة في مصر وقابلاها بما استحسناه وعرفاه من الفصيح فجاءت في ٦٤ صفحة فنثني على همتهما ونرجو أن يتوسعا في هذا الموضوع الجليل هما وسائر المشتغلين به.
الحمويات
هو ديوان الشيخ محمد الحسن الحموي فيه ضروب من شعره وأكثره في المديح وقد صدره بترجمة نفسه وحلاه ببعض الرسوم وهو في زهاء مائتي صفحة صغيرة ويطلب من طابعه بمصر فله الشكر على هديته.
стр. 2147
سير العلم والاجتماع
بنات أميركا
أزهر تعليم البنات في الولايات المتحدة ففيها ١٧٩ مدرسة تضم وراء جدرانها ٣٠ ألف طالبة يعلمهن ٢٦٠٠ معلم ومعلمة وينسب الفضل في تأسيس معظم هذه المدارس لعقائل وأوانس من ربات الخير جدن في هذا السبيل بملايين الريالات دفع إلى ذلك بعضهن دافع علمي وبعضهن دافع إنساني أو ديني أو مدني. قال بعض الاجتماعيين ومن عيوب هذه المدارس كثرة البذخ والإنفاق فيها حتى أنك لا تجد في المتخرجات من مدرسة ولسلي منذ خمس وعشرين سنة وعددهن إثنا عشر ألفاً سوى سبعمائة تعاطين مهنة الصحافة والتدريس والباقيات عانسان ينتظرن أن يتزوجن من رجل غني.
وفرة الأطباء
تشكو ألمانيا الآن من كثرة أطبائها ففيها بحسب التقرير الطبي السنوي ٢١٤١٦ طبيباً وفي بروسيا وحدها ١٩ ألف وفي فرنسا ٢٠ ألفاً ومثلها في كل من إيطاليا وروسيا.
وعدد الأطباء في أوروبا ١٦٢٣٣٤ طبيباً وعددهم في العالم كله ٢٣٠ ألفاً قالت المجلة التي ذوي عنها والظاهر أن هذه الصناعة في أكثر البلاد لا تقوم بنفقة صاحبها.
أوقات الزواج
بحسب إحصاء أخير يتزوج الشبان في ألمانيا وفرنسا نحو السنة التاسعة والعشرين وفي الدانيمرك والسويد نحو الثلاثين ويتزوج الصربيون في الرابعة والعشرين وهم أسرع أعل أوروبا للزواج الباكر. أما أهل المشرق فأسرع بكثير إلى الزواج.
عناصر الولايات المتحدة
في هذه الولايات ١٥ مليون غريب ومعظمهم بقيت بينهم وبين أهلهم في أوروبا صلات مستحكمة فيرسلون إليهم بما يقتصدونه من المال ليعيشوا به وقد قدروا على وجه التقريب ما يخرج من مال أمريكا إلى أوروبا كل سنة بخمسين مليون جنيه تأخذ إيطاليا القسم الأعظم من المال فيصيبها ٧٠ مليون دولار في السنة ويصيب النمسة ٦٥ ويصيب بريطانيا العظمى ٢٥ وروسيا ٢٥ وألمانيا ١٥ مع أن في أميركا مليونين من الطليان وأربعة ملايين من الألمان ولعل الطليان يطول عليهم الأمد حتى ينسوا أهلهم كما ينسى
стр. 2148
الغريب أهله وخلانه إذا طال عهده بهم في العادة أو ينسونه.
المداواة بالجوع
قال الأستاذ كارنجتون من علماء النفس أن عامة الأمراض يتيسر شفائها بالجوع ومن رأيه أن جميع الأسقام على اختلاف أشكالها ونشوئها متشاكلة من حيث أسبابها وعللها وما عدا بعض الأوجاع الناتجة عن جراحات فإن أسباب الأمراض هي انحباس مواد لم تفرغ في التركيب الإنساني لانسداد المصارف الطبيعية أمامها. وما المرض نفسه إلا عمل يجري في الجسم لعمل هذا الدفع وعلى هذا فإذا أزيل السبب زال المسبب. والشياء الضارة تدخل الجسم من طريق الرئة باستنشاق هواء فاسد أو من طريق المعدة بتناول أو شرب ما يضر وينتج من ذلك بأنه ليس ثمة سوى واسطة واحدة لإخراج المواد الضارة ألا وهي إسقاط الفضلات.
فيقتضي ترك الرئتين والمعدة لتتخلص من تلقاء نفسها مما يعوقها أو يلقيها في خطر وليس ما نسميه مرضاً في الحقيقة سوى تنظيف طبيعي نقوم به ولا بد من فعله ومن الخطأ أن نعتقد أنه يجب مكافحة المرض بأدوية وعقاقير وغاية ما يجب علينا في تلك الحالة أن لا ندخل على الجسم مواد أخرى تزيد الكثافة فيه من حيث الهواء أو من حيث الغذاء.
وليس من سبيل إلى ذلك إلا بأن يدفع المرض عن المريض بأن لا يستنشق هواءاً فاسداً وأن يمتنع عن الأكل البتة. ولم يصف الأستاذ المشار إليه طريقته للأصحاء بل وصفها للمرضى فلا يتناول المريض طعاماً أياً كان نوعه فيقل فيه ثقل الرأس الذي يصحبه ثقل المعدة ويصبح بصره حاداً وسماعه أحد وذاكرته أحد فيشعر المريض بالتدريج بأن صحته أحسن.
أعمال الفلاسفة
سئل بعض الفلاسفة كيف يكتبون فقال تيودور ريبو من فلاسفة فرنسا أن يجمع المواد اللازمة ثم يستخرج منها الموضوع الذي يريده ولكنه بطيء في الإنشاء فلا يكاد يكتب أكثر من ساعة في اليوم وعلى العكس لا يفتأ يعمل عقله في النزهة والسكة الحديدية.
وقال الفرد فوليه الفيلسوف الفرنسوي أنه سريع الكتابة فإذا جمع معه الفكر يندفع يكتب ساعات طويلة ولكنه لا يحتمل حصر الذهن طويلاً فيسرع إلى مغادرة مقصورته ويسير
стр. 2149
في الخلاء ركضاً. ويكتب الفيلسوف هوفدنغ الألماني في أوقات متقطعة فيسهل عليه التأليف في الخريف والشتاء أكثر من الصيف والربيع وفي المدينة أكثر من الريف ولا يستطيع الفيلسوف كوميرز الألماني أن يكتب إلا إملاءً إذ يستطيل المسافة بين التفكر والكتابة.
الهند الإنكليزية
بلغت مساحة الهند مع عدن وجزائر أندمان ونيكوبار ٤٥٩٢٥٠٥ كيلومترات مربعة وكان عدد سكانها ١٩٠٦، ٢٩٤٣٦١٠٠٠ أي أن كل كيلومتر مربع ٦٤٠ ساكناً وقد كان فيها ١٨٨١، ١٢٩٩٤١٨٩٠ رجلاً و١٢٣٩٥١٠١٠ امرأة فأصبح فيها سنة ١٩٠١، ١٤٩٩٠٢٥٩٩ رجلاً و١٤٤٣٨٩٨٣٤ امرأة ولا يدخل في ذلك سكان عدن وجزائر أندمان ونيكو بار وهم ٦٨٦٨٣ بل تدخل فيها الممالك الوطنية وأكثر العناصر هناك العنصر الهندي وهو يبلغ ٢٠٧٣٥٠٣٧ ثم المسلمون وعددهم ٦٢٤٢٠٢٩١ والبوذويون والجنيون ١٠٨٠٨٦٥٢ والمسيحيون ٢٩١٨٧٨٦ ومن هذا العدد العظيم ١٩٥٦٦٦٨٤٥ نسمة يتعاطون الزراعة و ١٧٩٥٣٢٣٠ من طبقة العملة في الأعمال الزراعية و٤٥٧١٩٦٤٥ يعيشون من الصناعة و٧٧٢٥٧٣٧ من التجارة وفي الهند ٧٨ مدينة يتجاوز سكان كل منها خمسين ألفاً منها ٢٧ مدينة فيها زهاء مئة ألف وتسع مدن فيها مائتا ألف.
تحسين الأذواق
في أميركا مئات من أرباب النقد والأساتذة آلوا على أنفسهم أن يصرفوا أوقات فراغهم في تحسين أذواق الشعب وغرس الميل فيه إلى الفنون فيزورون خاصة المتاحف ويشرحون للزائرين من العامة ما يجهلونه ويتعرضون لحل سؤال كل من يسأل عن أمر غامض لم يفهمه فيذكرون للسائلين في بضع كلمات تاريخ الفن ويتوسعون في ذكر محاسن الأثر المعروض بحيث يفتح عيون الجاهلين. وفي المدارس ولاسيما الابتدائية منها يعرضون من المصورات وغيرها ما يربي في الأولاد ملكة الميل إلى الفنون والطرائف فيشركون غيرهم فيما تعلموه عند الحاجة. كل هذا يقوم به أهل أميركا لتكثير سواد النوابغ في الفنون الجميلة والصناعات النفيسة.
تماثيل قرطاجنية
стр. 2150
ظفر الباحثون في عرض البحر على سبعة كيلومترات من قرطاجنة بعدد عظيم من التماثيل المصنوعة من القلز وهذا الاكتشاف مهم لأنه يكشف القناع عن أشياء مجهولة في الحضارة القرطاجينية.
معدة غريبة
قدم أحد الأطباء لمؤتمر الجراحة الألماني معدة من أعجب المعد. وهي معدة رجل مريض استخرج منها ١٦٧٠ قطعة من حديد مثل مسامير وكلابات وأسلاك وغيرها.
درس السعادة
قال أحد علماء الألمان في بحث له أن من أحب الاقتراب من معاهد السعادة يجب عليه أن يحسن كيف يستقي من مصادر الحياة الأربعة وهي السعادة الأخلاقية والسعادة العقلية مادة الشعور وسعادة الحواس وأن يكون حراً في باطنه أي يعرف كيف يتخلص من الأفكار والأوهام الموروثة. والتقوى والصلاح والإخلاص مصدر السعادة الحقيقية وعلى منن طالت بنفسه إلى بلوغها أن يهذب نفسه بنفسه.
стр. 2151
العدد ٣٥ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩٠٨
стр. 2152
المجلس العمومي
يا شرق بشراك أبدى شمسك الفلك ... وزال عنك وعن آفاقك الحلك
أضحى بك القوم أحراراً قد اعتصموا ... من النجاة بحبل ليس ينبتك
ماذا أقول وقد فزنا بمؤتمر ... في جانبيه ترى الآراء تشتبك
نادٍ] به القول من أهليه مستمع ... والحق متبع والأمر مشترك
نادٍ إذا نفرت عنا الأمور به ... لهنَّ يمتد من نسج النهى شرك
يصطاد فيه شرود الحق عن كثب ... كالماء يُصطاد في ضحضاحه السمك
إن السحائب لم تظهر بوارقها ... ما لم يكن للقوي فيهن معترك
وللتدابير حرب لا يخيب بها ... قوم بمستنقع الآراء قد بركوا
هذا هو المجلس الرحب الذي وسعت ... أحكامه الناس من عاشوا ومن هلكوا
هو السماء التي تعلو السما بها ... تبدو من العدل في آفاقها حبك
دارت بها شمس عز الملك حيث لها ... حرّية العيش برج والنهي فلك
قد أصبح الأمر شورى بيننا فيه ... على الرعية لا يستأثر الملك
وأصبح الناس في قربى وإن بعدت ... أديانهم ما بهم حقد ولا حسك
هذا الذي جاءنا الدين الحنيف به ... وحياً من الله مبعوثاً به الملك
هذا به نهض الإسلام نهضته ... من قبل إذ قام يستولي ويمتلك
يا قوم قد حان حين تسخرون به ... ممن بكم سخروا من قبل أو ضحكوا
مات الزمان الذي من قبل كان به ... يحيى امرؤٌ لم يكن في السعي ينهمك
هلاَّ نظرتم ما في الغرب من سنن ... كلٌ به سائرٌ طلقاً ومسلك
لم تلق للحق وجهاً فيه محتقراً ... ولم تجد حرمةً للعلم تنتهك
في الغرب أصوات علم يبعثون بها ... من القبور فهل في سمعكم سكك
فشمروا يا رجال الشرق عن همم ... حجابها عند أهل الغرب منهتك
ولست أطلب منكم فعل ما فعلوا ... ولا أحاول منكم ترك ما تركوا
بل فاذكروا أوليكم كيف قد سلفوا ... ثم اسلكوا في المعالي أية سكوا
واستخلصوا عسجد المجد الذي بلغوا ... سبكاً على قالب العلم الذي سبكوا
لا عذر للشرق عند الغرب بعدئذٍ ... إن لم يتم له في شأوه الدرك
стр. 2153
واستنجدوا العلم إن العلم شكته ... في حومة العيش تبلى دونها الشكك
ما المدارس فلترفع قواعدها ... حتى تقوم وطود الجهل مؤتفك
منابع العلم إن غاضت بمملكةٍ ... فاضت بسيل الدواهي حولها برك
من شاد مدرسةً للعلم هدَّ بها ... سجناً لمن أفسدوا في الأرض أو فتكوا
وكم أثارت رياح الجهل من سحب ... تهطالهن دمٌ في الأرض منسفك
فالعلم والجهل كل البون بينهما ... هذا الفسوق وذاك الفوز والنسك
ضدّان ما استويا يوماً ولا اجتمعا ... وهل ترى يتساوى النور والحلك
نادوا البدار البدار اليوم إنكم ... يا قوم ساهون حيث الأمر مرتبك
كم رددت كلمات الناصحين لكم ... حتى لقد ملّ من مضغ لها الحنك
يا قوم قد طلعت شمس الهدى وبها ... للناس قد وضحت من رشدهم سكك
وأنشد الشرق مسروراً يؤرخها ... حرية الملك أهدى شمسها الفلك
بغداد
معروف الرصافي
стр. 2154
منتخب من عبد أزدشير بن بابك الملك
في السياسة
عني بنشره أحمد بك تيمور منقولاً عن نسخة كتبت سنة هـ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من ملك الملوك أزدشير بن بابك إلى من يخلف من الملوك
السلام عليكم إن من أخلاق الملوك الأنفة والجراءة والبطر والعبث وكلما دامت سلامة الملك في ملكه قويت هذه الأخلاق عليه حتى يغلب عليه سكر الملك الذي هو أشد من سكر الخمر فيظن أنه قد أمن من النكبات والعثرات فيبسط يده ولسانه بالقبيح فيفسد باعتماده جميع ما أصلحه قبله فتعود المملكة خراباً.
وأفضل الملوك الذي يتذكر في عزّه الذل وفي أمنه الخوف وفي قدرته العجز فيجمع بين بهجة الملوك وحذر الرعية ولا خير إلا في جمعهما فإن رشاد الملك خير من خصب الزمان.
الدين أساس الملك. والملك حارس الدين فلا يقوم إحداهما إلا بالآخر.
إياكم أن تتهاونوا بمن يطلب الرئاسة بإظهار الزهد والغضب للدين فما اجتمع الناس على رئيس في الدين إلا انتزع ما في يد الملك من ملكه فإن الناس إلى رئيس الدين أميل. فتعهدوا طبقات الناسي وتفقدوا جماعاتهم فإن فيهم من قد حقرتم وجفوتم.
وإذا آذن الملك للعقلاء من مناصحي دولته في إنهاء ما يتجدد عندهم من النصائح التي لا يعلمها خواصه أو يعلمونها ويكتمونها انفتحت له أبواب من الأخبار المحجوبة عنه فيحذر وزراءه وخواصه من الاتفاق على ما يسترونه عنه ولا يقدمون على أمر يكرهه خوفاً من أن يطالع به فيأمن مكايدهم وتسلم الرعية من ظلمهم.
ومن غلبت عليه خواصه حتى منعوا عنه الناس فلا يصل إليه إلا من يحبون أطبقت ظلم الجهالة عليه.
ولا ينبغي للملك أن يعتقد أن تعظيم الناس له هو بترك كلامه ولا أن إجلالهم له هو بالتباعد عنه ولا أن محبتهم هي بموافقته على جميع ما يحبه. وإنما تعظيمهم له بتعظيم عقله وصواب سياسته وإجلالهم له إجلال منزلته من الله بما يجريه على يده ولسانه من
стр. 2155
العدل ومحبتهم له بما يتألفهم بكريم خلقه وصادق المحبة هو الذي يعينه على العدل وحسن التدبير بمحض النصيحة.
إن في الرعية وحملة السلاح من الأهواء الغالبة والفجور ما لا بد للملك معه من أن يقرن بباب الرأفة باب الغلظة وباب الأنعام بباب الانتقام فإن القصاص من المفسدين حياة لبقية الأمة. ومن لم يقم حدود الله تعالى في من له فيه هوى لم تثبت هيبته في قلوب الخاصة والعامة ولن يستطيع الملك أن يقوّم العامة حتى يقوّم الخاصة.
وإن من كان من الملوك قبلنا قد رتبوا الناس أربع طبقات فالأمراء والجند صنف والعباد والفقهاء صنف والكتاب ولحكماء صنف والتجار والفلاحون صنف فلم يمكنوا صنفاً منها أن يدخل في الصنف الآخر لتتفرغ كل طبقة للقيام بما يلزمها.
وليس أضر على الملك من رأس صار ذنباً أو يد مشغولة وجدت فراغاً من شغلها.
وخير الملوك من بعث العيون على نفسه ليعلم عيوبها فيكون أعلم بعيون نفسه من غيره ثم يجتهد في مداواة عيب بعد عيب حتى لا يجد أحداً فيه مطعناً فهذا الذي تمت سيادته.
وإن ابتهاج الملك المسدَّد الرأي القاهر لهواه بوفور عقله وشرف نفسه بارتفاعها من النقائص أعظم من سروره بملكه.
ومن الرعية من يقارب الملك في مأكله وملبسه وشهوته وليس فيهم من يقدر كقدرته على اجتناء المحامد وإصلاح الرعية بالعدل عليها وتأمين السيل وصيانة الحريم وكف أيدي الظالمين فاجتهدوا معشر الملوك في بسط العدل الذي لا تقدر عليه الرعية وتنافسوا في اقتناء الذكر الجميل.
وليس للملك أن يبخل فإنه لا يخاف الفقر وإذا عرف بالبخل انقطع الرجاء من خيره فانسلت الأيدي من طاعته ولا يجتهد أحد في خدمته وانحلت النيات عن مناصحته.
ولا ينبغي له أن يغضب لأن الغضب مع القدرة يوجب السرف في العقوبة ثم يعقب الندامة مع ما فيه من الطيش والخفة وقبح السمعة.
ولا ينبغي له أن يلعب لأن اللعب والعبث من أعمال الفراغ والفراغ من عمل السوقة وفي ذلك من ذهاب الوقار وإسقاط الهيبة ما ينافي جلال السيادة.
وليس له أن يحسد إلا ملوك الأمم على حسن التدبير وإصابة السياسة ومكارم الأخلاق ولا
стр. 2156
ينبغي له أن يجبن عند وجوب الإقدام فإن الشجاعة عز وهي من أهم شروط الملك.
زين الملك أن يحفظ نظام أوقاته المقدرة لأشغاله وركوبه وراحة بدنه فتكون معينة لا تختلف فإن في اختلافها خفة وليس للملك أن يخف.
وينبغي أن يكون حذره لمن بعد عنه أكثر من حذره لمن قرب منه وأن يتقي بطانة السوء أشد من اتقائه لعامة السوء. ومن الناس صنف أظهروا الزهد في الجاه ولم يتقربوا بالخدمة وادعوا التواضع وهم قد أسروا التكبر واستدعوا إلى أنفسهم الجاه بوعظ الملوك وقد ينفعهم ذلك عند المغفلين فيقربون منهم من حسن ظاهره وتلطف حتى اعتقد خواصهم تعظيمه وإن كان ناقصاً في عقله عبداً لشهوته متهافتاً على الرئاسة فإن أسكته الملك قيل قد استقل الموعظة وإن أطلق لسانه قال بوعظه بين الملأ ما أفسد حال الدولة فالرأي أن لا يهمل الملك أمر هذه الطائفة فإنهم أعداء الدولة وآفات قوية على الملوك.
اعلموا أنه لا بد لكم من سخطة على بعض أنصاركم ونصاحكم وأعوانكم ولا بد من رضا يحدث لكم عن بعض أعدائكم المعروفين بالغش لكم إذا فعلتم ذلك فلا تنقبضوا عن المعروف بالنصيحة ولا تسترسلوا إلى المعروف بالغش وقد خلفت عليكم رأيي إذ لم أقدر على تخليف بدني فاقضوا حقي بالتمسك بعهدي والسلام على أهل الموافقة من يأتي عليه هذا العهد من الأمم.
стр. 2157
الرومان
عاقبة الجمهورية
كاتون الأوتيكي: بينا كان القواد يتنازعون بينهم فيمن يستأثر بالسلطان على العالم الروماني اشتهر رجل بتعلقه بالدستور الجمهوري القديم الذي أخذ يمزق لما رآه آخذاً في التداعي لم يلبث أن انتحر وكان كاتون هذا هو الملقب بكاتون الأوتيكي باسم المدينة التي انتحر فيها.
كان هذا الرجل من أسرة شريفة من أخلاف كاتون وزير الإحصاء الشهير والمدافع عن الأخلاق الرومانية القديمة كتب له أن يكون صاحب ثروة طائلة وهو شاب بعد. وكان قد تعلم فلسفة الرواقيين وجرى عليها فأنشأ يعيش عيش الزهاد يأكل قليلاً ويشرب قليلاً ولا يتطيب وعوّد نفسه احتمال الحر والبرد الشديد يسافر ماشياً في كل فصل من فصول السنة حتى مع أصحابه الراكبين خيولهم ولا يلبس إلا ثياباً بسيطة رثة وقد وقع له أن خرج بدون حذاء.
ولما أرسل قائداً لأحد الجيوش إلى إحدى الحروب (بموجب امتياز فتيان الأشراف) أحبه جنده واحترموه إذ رأوه يعيش مثلهم عيشاً بسيطاً ولما وسدت إليه نظارة المالية عُني بالنظر في الحسابات بنفسه على العكس فيمن كان قبله من الأشراف يتولون هذه النظارة فإنهم كانوا يتركون للكتاب ينظرون في شؤون المالية وحدهم وبذلك اكتشف تزويرات الكتبة وحاكم المرتكبين واشتهر بغيرته وكان لا يتأخر عن جلسة من جلسات مجلس الشيوخ أو مجلس الأمة فصار يضرب المثل بشرفه وأصبح القوم يقولون عن الأمر المتعذر لا يمكن تصديق هذا ولو قاله كاتون.
وكان كاتون يقوم بما يعتقد أنه واجب عليه دون أن تأخذه رأفة أو تناله رهبة. وحاول أن يحكم على مورينا لأنه ابتاع أصوات الأمة حتى انتخبته قنصلاً فبرأه شيشرون وكان إذ ذاك قنصلاً بخطاب سخر فيه من فلسفة الرواقيين فقال كاتون: حقاً أن لنا قنصلاً مضحكاً واقترح قيصر في مسألة المشتركين في قتل كاتالينا أن يتأخر إعدامهم لأنهم رفعوا قضية فاشتد كاتون على قيصر وأشار إلى مجلس الشيوخ أن يأمر بإعدام الجناة في الحال فلم يسع المجلس إلا أن يقرر قتلهم.
ولما اقترح بومبي سن قانون يسمح له بإدخال جيشه إلى رومية خلافاً لما رسمه الدستور
стр. 2158
استشاط كاتون غضباً في جلسة مجلس الشيوخ من المحامي متلوس الذي اقترح وضع القانون وصرح بأنه ما دام حياً لا يدخل بومبي إلى المدينة مسلحاً ولما جاء متلوس إلى الساحة في جيش العبية المسلحين للموافقة على القانون اخترق كاتون صفوف جماعة وقعد بالقرب من متلوس ومنعه من قراءة مشروعه فجاء العبيد إذ ذاك صارخين يرمون بالحجارة ويضربون بالعصي فهرب الشعب وبقي كاتون فأنقذه مورينا بأن جره إلى أحد المعابد وعاد الشعب فصعد كاتون على المنبر وخطب في سيئات هذا القانون فأبى متلوس أن يعرضه وذهب إلى آسيا ليلحق ببومبي.
ولما التق قيصر وبومبي وكان قيصر اقترح سن قانون لم يجرأ غير كاتون على قتاله فأنزله قيصر من المنبر بواسطة رجال الشرطة وبعث به إلى السجن وظل كاتون يتكلم في الطريق وقد تبعه جمهور من أعضاء مجلس الشيوخ فعزم قيصر أن يخلي سبيله وللخلاص منه أرسلته الحكومة إلى قبرص ليطرد منها الملك بطليموس دون أن يعطوه جيشاً وإذ كان هذا الملك انتحر لم يبق على كاتون إلا أن ينظم قائمة بما خلف الملك من الكنوز فأتى إلى رومية بمبلغ كبير فاستقبله مجلس الشيوخ أحسن استقبال وتقدم للانتخاب قاضياً وكانت القبيلة الأولى وافقت على انتخابه وإذ كان بومبي رئيس المجلس لم ير بداً من أن يدعي أن السماء ترعد وأعلن بانفضاض الجلسة (والرعد طالع شؤم كما عرفت في بعض الفصول السابقة). وعندما اقترحوا أن يعطوا لقيصر جيشاً تقدم كاتون إلى بومبي ولطالما شغل الأول بقتال الثاني وحضه على الحذر من قيصر فبقي بومبي عدواً لهذا. وهذا لم يمنع كاتون عندما رأى المنافسين في الحكومة يقتتلون في المدينة من معاضدة اقتراح المقترحين أن يعينوا بومبي وحده قنصلاً عندما اقترب أحدهما من صاحبه ولما زحف قيصر على رومية بجيشه نصح كاتون لمجلس الشيوخ أن يلقي إلى بومبي بمقاليد الحكم بأجمعه على من عمل الشر أن يتلافاه. وتبع بومبي إلى خارج إيطاليا ومنذ ذاك العهد أطلق شعره ولحيته علامة على الحزن وأشار بإطالة زمن الحرب وكان يخاف من عاقبة قتال يقتل فيه الرومانيون بعضهم.
ولما بلغته هزيمة فارسال سافر إلى مصر يريد الالتحاق ببومبي ووقف في إفريقية حيث كان لأحد أشياع بومبي جيش وتولى الدفاع عن مدينة أوتيكيا.
стр. 2159
وإذ هزم قيصر جيش إفريقيا اقترح كاتون على الرومانيين النازلين في أوتيكيا أن يحاصروا فأبوا فأطلق كاتون جميع أعضاء الشيوخ الذين لجؤوا إليه ثم استحم وتعشى مع أصحابه وأخذ يخوض في المباحث الفلسفية ولما حان وقت النوم طالع محاورة أفلاطون في خلود النفس والتمس سبفه الذي كان نزعه ابنه عنه مغاضباً فأحضروه إليه فجعل على مقربة منه ونام فاستيقظ عند الفجر ثم طعن نفسه في صدره وكان عمره ٤٨ سنة.
فارسال: لم يبق في البلاد بعد وفاة كراسوس غير بومبي وقيصر وكلاهما يود الاستئثار بالسلطة وكان من تقدم بومبي على صاحبه أنه كان في رومية مستولياً على أزمة مجلس الشيوخ وكان مع قيصر جيش غاليا المدرب على الحروب منذ ثماني سنين قضاها في الحملات.
فاتخذ بومبي خطة الهجوم واستصدر من مجلس الشيوخ أمراً بأن يترك قيصر جيشه ويجيء إلى رومية فعقد قيصر إذ ذاك عزمه على اجتياز حدود ولايته (وكان الحد هو نهر ريبكون) وزحف على رومية. ولم يكن عند بومبي جيش في إيطاليا للدفاع فركن إلى الفرار مع أكثر الشيوخ من الشاطئ الآخر من بحر الأدرياتيك وكان له عدة شيوخ في إسبانيا واليونان وأفريقية شتت قيصر شملهم واحداً بعد الآخر فهزم جيش إسبانيا سنة ٤٨ ثم جيش اليونان في فارسال سنة ٤٨ فجيش إفريقية سنة ٤٦ ولما غلب بومبي في فارسال لجأ إلى مصر فقتله ملكها.
حكم قيصر: ولما رجع قيصر إلى رومية عهد إليه بالأمر لمدة عشر سنين فصار الحاكم المطلق ثم حارب جيوش أشياع بومبي في إفريقية وساد جميع البلاد الخاضعة للرومان واحتفل في رومية بظفره بأربعة أعداء الغاليين والمصريين وملك بحر الخزر في آسيا الصغرى وملك النوميديين حليف البومبيين في أفريقية (لم يكن من اللياقة بأن يفاخر بتغلبه على جيش روماني).
فقام مجلس الشيوخ لقيصر بالتشريفات الدينية فأعطاه أولاً كرسياً أعلى من مقاعد القناصل ولقبه بالأول ثم خوله الحق بأن يحمل تاجاً من الغار (وكان ذلك من حق الأرباب) ومنحه لقب أبو الوطن وابتدع احتفالات وألعاباً إكراماً له وأقام له تمثالاً خطوا فيه ألفاظ التعظيم وعهدوا إلى الكهنة للاحتفال بعبادة رب يوليوس قيصر. ومن الممكن أن يكون قيصر طمع
стр. 2160
في لقب ملك ومع هذا دعا نفسه بالإمبراطور وقبل أن يلبس ثوباً أرجوانياً وأن يجلس على عرش من ذهب ويرسم خوذته على النقود.
واحتفظ قيصر بمجلس الشيوخ وجميع المناصب وهو الذي كان يعين المرشحين الذين يقضي على الشعب انتخابهم وهو الذي وضع قائمة بمجلس الشيوخ وكان هلك كثيرون من الشيوخ فأبلغ عدد الأعضاء إلى تسعمائة ومعظمهم من انتخابه وكثيرون منهم من الغاليين ولم يقض في رومية غير خمسة عشر شهراً من حيث المجموع فما اتسع له الوقت أن يقوم بالإصلاحات التي كان ينويها (ما عدا تقويم السنين) ثم قتله ندماؤه الذين كانوا يرغبون في إعادة حكومة مجلس الشيوخ.
أحد الحكام الثلاثة: اضطر الشعب الروماني وكان يحب قيصر زعيمي قتلته وهما بروتوس وكاسيوس أن يهربا فتنحيا إلى الشرق حيث جيشا جيشاً عظيماً وظل الغرب تحت حكم أنطونيوس الذي اعتمد على جيش قيصر فحكم رومية حكماً استبدادياً.
وكان قيصر تبنى ابن أخته أوكتاف وعمره ثماني عشرة سنة بوصية أوصى بها فسمي بحسب العادة الرومانية باسم متبنيه ودعا نفسه يوليوس قيصر الأوكتافي. فضم إلى حزبه جند قيصر وعهد إليه مجلس الشيوخ أن يحارب أنطونيوس وبعد أن تغلب عليه آثر الاشتراك معه لاقتسام السلطة فاتحدا مع لبيدوس ودخلا ثلاثتهم إلى رومية واستولوا على الأمر استيلاءً مطلقاً مدة خمس سنين تحت اسم الحكام الثلاثة المعهود إليهم تنظيم المسائل العامة. وشرعوا في نفي خصومهم وأعدائهم الخاصة (فأمر أنطونيوس بضرب عنق شيشرون) ثم ذهبوا إلى الشرق لتشتيت جيوش المتحالفين وبعد ذلك اقتسموا المملكة بينهم. ولم يدم الوفاق بينهم طويلاً بل قاتل بعضهم بعضاً في إيطاليا حتى توسط جندهم في الأمر واضطروهم إلى العودة لما كانوا عليه من الاتفاق ثم جرى تقسيم المملكة من جديد فأصبح أنطونيوس ملك الشرق وأوكتاف ملك الغرب.
حرب الأكتيوم: دام السلم بضع سنين فأخذ أنطونيوس يعيش عيش ملك شرقي مصاحباً لكلوبطرة ملكة مصر وشغل أوكتاف بقتال ابن بومبي الذي كان تحت أمره أسطوله يخرب به شواطئ إيطاليا. وانتهت الحال بهذين الملكين بانقطاع علائقهما فنشبت آخر حرب بينهما وكانت حرباً بين الشرق والغرب تمت بحرب أكتيوم البحرية وأسلم أطول كلوباطرة
стр. 2161
أنطونيوس صاحبها فلجأ إلى مصر وانتحر وبقي أوكتاف وحده صاحب المملكة المطلق وكان قد انتهى أمر حكومة مجلس الشيوخ.
تقرير السلطة المطلقة: شكا الناس كلهم من هذه الحروب وكان سكان الولايات يؤخذون فداءً ويسيء الجنود معاملتهم ويقتلهم تقتيلاً يضطرهم كل فريق من الحكام أن ينحازوا إليه ويعاقبهم الغالب على انضمامهم للمغلوب. وكان القواد يعدون الجند بأن يكافئوهم بإعطائهم أراض يستغلونها فيطردون منها عامة سكان مدينة ليحل محلهم قدماء الأجناد. وكان أغنياء الرومان يخاطرون بثرواتهم وحياتهم ومتى غلب حزبهم يصبحون ألعوبة في يد الغالب يتصرف بعم بما يشاء. فقد وضع سيلا مثلاً من المذابح المدبرة (٨١) وبعد أربعين سنة (٤٣) جدد أنطونيوس أوكتاف أمر القتل بدون محاكمة.
ولقد كان شعب رومية نفسه يشكو من سوء هذه الحالة فلا تصل إلى رومية الحبوب التي هي مادة غذائه على طريقة مطردة بل كانت تقع في يد قرصان البحر أو ينهبها أسطول العدو فبعد أن مضى قرن على طريقة هذا الحكم لم يعد للجميع من الرومان وسكان الولايات والأغنياء والفقراء رغبة في غير السلام وعندها تقدم إلى ذاك الشعب المنهوك بالفتن الأهلية وارث قيصر ابن أخته أوكتاف أحد الحكام الثلاثة تقدم إليهم بعد أن تغلب على رصيفيه قال المؤرخ تاسيت وقبض بيده على جميع سلطات الأمة ومجلس الشيوخ والحكام ولم تمض بضع سنين إلا وقد أصبح سيداً على رومية وليس بعد هذا من لقب فلم يعد يفكر أحد في مقاومته وقد أغلق معبد جانوس ونشر في العالم ألوية السلام وهذا ما كان يطلبه العالم بأجمعه وذلك لأن حكومة الجمهورية بواسطة مجلس الشيوخ لم تكن تمثل غير النهب والحروب المدنية فكانت النفوس تطمع في رجل يكون من القوة بحيث يحول دون الحروب والثورات وعلى هذا الوجه أسست الإمبراطورية الرومانية.
أغسطس
تنظيم الحكومة الملكية: يقضي نظام الحكم الجديد الذي وضعه وريث قيصر أن يكون الحكم المطلق بيد رجل واحد يدعى الإمبراطور أي الرجل المدبر الآمر وله الحق أن يتولى السلطات بأسرها التي كانت موزعة بين الحكام القدماء فيرأس مجلس الشيوخ ويجمع الجيوش كلها ويقودها ويضع قائمة بأسماء أعضاء مجلس الشيوخ والفرسان والظنيين
стр. 2162
ويجبي الضرائب وهو القاضي الأكبر والحبر الأعظم وله سلطة القضاة. ولبيان أن هذه السلطة قد جعلته رجلاً فوق الرجال من البشر لقبوه بلقب ديني وهو أغسطس أو أغست ومعناه المحترم.
لم تنتظم شؤون المملكة بثورة أتت على كل اصطلاح قديم ولم يلغ اسم جمهورية وانقضت ثلاثة قرون وأعلام الجنود لا يزال يكتب عليها أربعة حروف من أول أربع كلمات ومعناها مجلس الشيوخ والشعب الروماني ولكن اجتمعت السلطة التي كان يتقاسمها أشخاص كثيرون في يد واحد وبدلاً من أن يتولاها سنة فقط أصبح يتولاها طول حياته فالإمبراطور هو الحاكم الفرد مدى حياته في الجمهورية وفيه يتجسد الشعب الروماني ولذلك كان له مطلق التصرف.
مجلس الشيوخ والشعب: بقي مجلس الشيوخ الروماني على ما كان عليه قديماً مجلس أعيان الأغنياء وأكثر الوجوه حرمة في المملكة فكانت عضوية المجلس تعد من الشرف المرغوب فيه فإذا أرادوا أن يقولوا الأسرة الفلانية كبيرة يقولون هي أسرة شيوخ ولكن مجلس الشيوخ على حرمته لم تعد له سلطة لأنه لا يتأتى للإمبراطور أن يستغني عنه ولم يبرح مع هذا أول قوة حاكمة في الحكومة وإن لم يكن المسيطر عليها وكان يتظاهر الإمبراطور أحياناً بأنه يريد أخذ رأيه ولكنه لا يعمل بمشوراته.
فقد الشعب كل سلطة إذ ألغيت مجالسه منذ عهد تيبر. وأصبح جمهور الأمة المزدحم في رومية لا يتألف إلا من بضعة ألوف من كبار السادة مع عبيدهم ومن خليط من الشحاذين وكانت الحكومة قد تعهدت بإطعامهم ودام الإمبراطرة يوزعون عليهم الحنطة ويرضخون لهم بشيء من النقود فأعطى أغسطس سبعمائة فرنك عن كل رأس سبع مرات وأعطى نيرون ٢٥٠ فرنكاً ثلاث مرات عن كل رأس.
ثم أن الحكومة كانت تقيم مشاهد لتسلية هذا الغوغاء. وكان عدد المشاهد النظامية ٦٦ يوماً في السنة على عهد الجمهورية فبلغت بعد قرن ونصف على عهد مارك أوريل ١٣٥ يوماً وفي القرن الخامس وصلت إلى ١٧٥ يوماً دع عنك الأيام الإضافية.
وتدوم هذه المشاهد منذ شروق الشمس إلى غروبها فيتناول المتفرجون طعامهم في الساحات. وهذا ما كان الإمبراطرة يتخذون منه طريقة أمينة لإشغال العامة. قال أحد
стр. 2163
الممثلين لأغسطس: لفائدتك يا قيصر يعتني الشعب بنا. بل كانت تلك المشاهد واسطة لاستمالة قلوب الأمة للإمبراطور فكثيراً ما كان أقبح الإمبراطرة أكثرهم حظوة عند الشعب فكان نيرون الظالم يعبد لأنه قام بألعاب لطيفة فلم يصدق العامة بأنه مات وكان ينتظر قدومه بعد ثلاثين سنة من موته.
وما كان العامة في رومية يبحثون عن تولي الأمور بل غاية ما تطال إليهم نفوسهم أن يتسلوا أو يأكلوا كما قال جوفينال في عبارة له شديدة: خبز وألعاب الميدان.
التأليه: الإمبراطور وحده سيد المملكة ما دام حياً لأن الشعب الروماني يتخلى له عن كل سلطة ومتى مات يبحث مجلس الشيوخ فيما أتاه في حياته ويحاكمه باسم الشعب فإذا حكم عليه تبطل جميع أعماله وتتحطم تماثيله ويمحى اسمه من المصانع والآثار وإذا أقر على أعماله (وهو يحدث غالباً) يقرر مجلس الشيوخ بأن الإمبراطور مات وقد ارتقى إلى مصاف الأرباب.
وقد غدا معظم الإمبراطرة أرباباً بعد موتهم على هذه الصورة فكانت تقام لهم معابد وعهد إلى كاهن أن يقيم لهم الشعائر الدينية وقد كان في جميع أجزاء المملكة معابد رسمت باسم الرب أغسطس والربة رومية واشتهر عن أشخاص أنهم قاموا بوظائف كاهن للآلهي كلو وللآلهي فنزبازين وهذه العادة في تأليه الإمبراطور المتوفى كانت تسمى التأليه والكلمة يونانية. وانتقلت عادتها من يونان الشرق على ما يظهر.
إدارة الولايات: كان ثلثمائة أو أربعمائة أسرة شريفة في رومية تحكم البلاد وتستثمر باقي المعمورة منذ الفتح الروماني فجاء الإمبراطور ينزع منهم الحكومة ويخضعهم لسلطان ظلمه. حتى أصبح كتاب الرومان يثنون من فقد حريتهم المسلوبة ولم يكن لسكان الولايات ما يأسفون عليه بل ظلوا رعايا ولكن بدلاً من أن يرأسهم عدة مئات من الرؤساء يتناوبون الحكومة على الدوام ويجيئونهم نهمين للغنى أصبح لهم رئيس واحد وهو الإمبراطور يهتم بالنظر في أمرهم. ولقد أوجز تيبر السياسة الإمبراطورية بما يأتي: الراعي الصالح يجز صوف غنمه ولا ينتفه فمضى زهاء قرنين وقد اكتفى الإمبراطرة بجز سكان مملكتهم يسلبون منهم كثيراً من الأموال ولكنهم يحمونهم من العدو الخارجي بل من عمالهم أنفسهم. وعندما كان سكان الولايات يشكون من الفظائع ومن سرقات حكامهم كانوا يستعدون
стр. 2164
الإمبراطور فيعديهم. وكان من المعروف عند القوم أن الإمبراطور يقبل الشكوى على ضباطه وهذا كان يكفي لإدخال الرعب على قلوب الولاة الفاسدين وإدخال الطمأنينة على رعاياهم.
الولايات كلها ملك الإمبراطور لأنه يمثل الشعب الروماني فهو قائد جميع الجنود وسيد الناس طراً ومالك الأراضي كافة (قال الفقيه كايوس ليس لنا في أراضي الولايات إلا التمتع بها والإمبراطور وحده مالك لها. وإذ كان من المتعذر أن ينصب الإمبراطور في كل ولاية عنه الوكلاء الذين يختارهم بنفسه يرسل إلى كل ولاية ضابط يسمونه مندوب أغسطس لتولي وظيفة القضاء) وهذا المندوب يحكم البلاد ويقود الجيش ويطوف في ولايته ليقض المصالح المهمة وبيده الحياة والموت كالإمبراطور. ويبعث الإمبراطور أيضاً بمحافظ لجبي الخراج وإدخال المال في صندوق الإمبراطور (ويسمونه نائب أغسطس).
فالضابط والمحافظ يمثلان الإمبراطور ويحكمان على رعاياه ويقودان جنده ويثبتان ملكيته. ويختارهم الإمبراطور من الفرسان ولهؤلاء العمال مراتب للتشريف على نحو ما كان الحكام في رومية القديمة يتدرجون من ولاية إلى أخرى ذاهبين من طرف المملكة إلى طرفها (فمن سوريا إلى إسبانيا ومن إنكلترا إلى إفريقيا) وإنك لتقرأ في الكتابات المكتوبة على قبور رجال ذاك العهد جميع المناصب التي شغلوها مبينة أحسن بيان وكتابة قبورهم تكفي لبيان تراجمهم وما تولد من أعمالهم.
الحياة البلدية: وكان تحت هؤلاء العمال الكبار الذين يمثلون الإمبراطور وهم لا يسألون عما يفعلون أناس من العامة الخاضعين يديرون شؤون أنفسهم بأنفسهم وللإمبراطور الحق في أن يتداخل في شؤونهم الداخلية إلا أنه لا يسيء في العادة استعمال هذا الحق. فيطلب إليهم فقط أن لا يحاربوا وأن يدفعوا على وتيرة واحدة ما يفرض عليهم من الأموال وأن يحاكموا أمام محكمة الوالي. وكان في كل ولاية كثير من الحكام المحكومين ويسمون أهل المدينة أو البلديون ومن هنا جاءت كلمة الحكم البلدي والمجلس البلدي.
تجري كل مدينة خاضعة للإمبراطورية في ترتيباتها على مثال رومية نفسها فيكون لها مجلس الشعب وتنتخب حكامها لسنة ويقسمون إلى فرق في كل فرقة عضوان ومجلس الشيوخ مؤلف من كبار أرباب الأملاك والأغنياء وأرباب الأسر القديمة وفي الولايات كما
стр. 2165
في رومية ليس مجلس الأمة إلا صورة والحكم لمجلس الشيوخ أي للأشراف.
من العادة أن يكون مقر الولاية مدينة أي مثل مدينة رومية مصغرة ولها معابدها وأقواس نصرها وحماماتها العامة وأحواضها ودور تمثيلها وميادين قتالها والعيشة فيه عيشة مصغرة من عيش رومية فتوزع الحنطة والدراهم على الفقراء وتولم الولائم العامة وتقام الحفلات الدينية الكبرى والألعاب الدموية. إلا أن رومية تقوم بما يجب لذلك من النفقات تأخذه من مال الولايات أما في الولايات فإن الأشراف يقومون بالإنفاق على حكومتهم وأعيادها. والخراج الذي يجيء لحساب الإمبراطور يحمل كله إليه ولذلك يقضى على أغنياء كل مدينة أن يقوموا بما يقتضي من النفقات للاحتفال بالألعاب وإحماء الحمامات وتبليط الشوارع وبناء الجسور والمجاري والساحات. قاموا بذلك مدة تزيد عن قرنين وأنفقوا عن سعة شهدت بذلك المصانع المنبثة في أرض المملكة وألوف من المكتوبات على الأحجار.
المستعمرات: تقيم رومية في البلاد التي تشك في خضوعها جيشاً صغيراً تسكنه فيها فيبني مدينة تكون حصناً حصيناً وتبعث إليه بأناس من الوطنيين الرومانيين يكونون جنداً وفلاحين في آن واحد ويجزئ الجيش الأراضي المجاورة إلى حصص متساوية توزعها عليهم وهذا ما يسمونه مستعمرة.
ويبقى المستعمرون وطنيين رومانيين ويخضعون لجميع ما تأمر به رومية. وتختلف المستعمرة الرومانية عن المستعمرة اليونانية ـ التي كانت كثيراً ما تشق عصا الطاعة حتى أنها لتحارب آثينة نفسها بأن تكون أبداً ابنة خاضعة لأمها فليست المستعمرة إلا حامية رومانية مرابطة بين الأعداء. وكانت أكثر هذه المحطات العسكرية في إيطاليا ولكن كان منها في مكان آخر مثل مستعمرة فاربون وليون وآرك فإنها كانت مستعمرات رومانية.
جيش التخوم: لم يكن في المدن الداخلية جيش روماني لأن سكان المملكة لا يرون الانتقاض على الحمومة فلم يكن للملكة أعداء إلا على الحدود وكان الأجانب أبداً على استعداد من مهاجمتها فالجرمان وراء نهري الرين والطونة ورحالة الصحراء وراء رمال أفريقية ووراء الفرات جيوش المملكة الفارسية.
ولذا كان من اللازم اللازب إقامة جند يكون على قدم الاستعداد على تلك التخوم المعرضة أبداً للتهديد، أدرك أغسطس ذلك فأنشأ جيشاً دائماً فلم يكن جنود الإمبراطورية من أصحاب
стр. 2166
الأراضي يؤخذون من حقولهم ليخدموا في الجندية بعض حملات بل كانوا أناساً من الفقراء جعلوا الحرب صناعة لهم فيدخلون الجندية ليخدموا فيها ست عشرة سنة أو عشرين سنة وربما جددوا هذه المدة.
وعلى هذا كان للإمبراطورية في رومية ثلاثون فرقة من الوطنيين أي ١٨٠ ألفاً ولهم بموجب العادة الرومانية مساعدون فيبلغ مجموعهم نحو ٤٠٠ ألف رجل على التقريب وكان هذا الجيش قليلاً بالنسبة لعظم تلك المملكة.
ولكل ولاية على الحدود جيش صغير بعيد في معسكر دائم يشبه قلعة يجيء الباعة ينزلون بقربها فلا يعتم المعسكر أن يصبح مدينة وهكذا يعسكر الجند بإزاء العدو فيحفظون شجاعتهم ودربتهم. مضت ثلاثة قرون والجند الروماني يدخل في كل حرب زبون مع البرابرة المتوحشين ولا سيما على ضفاف الرين والطونة في بلاد ندية قاحلة مغشاة بالغابات والمستنقعات. وربما بذل الجند الروماني في هذه الحروب التي لا نتيجة لها من الشجاعة والشهامة أكثر مما بذل قدماء اليونان في فتح العالم.
الآداب: لم يكن الرومان بالطبع أمة فنون وقد أصبحوا كذلك فيما بعد مقتفين فيها أثر اليونان. فمن يونان أخذوا نموذجاً من فاجعاتهم وقصصهم الهزلية وملاحمهم وأناشيدهم وأشعارهم الفلسفية والعامية والتاريخية. واقتصر بعضهم على ترجمة الأصل اليوناني (كما فعل هوراس في أناشيده) وكلهم اقتبسوا من اليونان أفكارهم ومناحيهم ومزجوها عندما احتذوا مثالها بما عرف فيهم من صفات الصبر والشهامة حتى صارت بعض آثارهم غريبة الغرائب في أسلوبها.
واتفق الرومان على أن العهد الذي أزهرت فيه الآداب اللاتينية حقيقة كانت الخمسين سنة التي قضاها أغسطس في الحكومة فهو الوقت الذي نبغ فيه فرجيل وهوراس وأوفيد وتيبول وبروري وتيت ليف ولكن عصر أغسطس (كما يسمونه) قد سبقه ولحقه قرنان ربما عادلاه في إخراج النوابغ ففي الجيل الأول (القرن الأول قبل المسيح) ظهر الشاعر الغريب المدهش لوكريس وقيصر رانير ناثر وشيشرون أخطب خطيب وفي الجيل اللاحق كتب سينيك ونوكين وتاسيت وبلين وجوفنال ما كتبوا.
وبعض هؤلاء المؤلفين العظام فقط من أسرة رمانية ومعظمهم إيطاليون وكثيرون من
стр. 2167
الولايات مثل فرجيل من مانتو وتيت ليف من بادو (في غاليا) وسينيك إسباني. وكأن الفصاحة هي الفن الوطني حقاً في رومية فكان الرومان كالطليان في أيامنا يحبون الكلام. وكان الخطباء يأتون إلى ساحات الاجتماع حيث تلتئم مجالس الأمة في أواخر عهد الجمهورية يخطبون ويكثرون من الحركات وسط دوي القوم وشيشرون أعظم أولئك الخطباء وهو الوحيد الذي بقيت بعض قطع من خطبه.
ولما سقطت الجمهورية انقضت أيام المجالس ففقدت الفصاحة لقلة المادة.
اللغة اللاتينية: انتفعت آداب اللغة اللاتينية بفتوحات رومية فنقلها الرومان مع لغتهم إلى رعاياهم المتوحشين في الغرب فتناسى جميع شعوب إيطاليا وغاليا وإسبانيا وإفريقية وضفاف الطونة لغاتهم الخاصة وتعلموا اللغة اللاتينية. ولما لم يكن لهم آداب وطنية خاصة اقتبسوا آداب حاكميهم فتكلم أهل الإمبراطورية إذ ذاك بلغتي الشعبين الكبيرين القديمين فظل الشرق يتكلم اليونانية وأخذ الغرب بأجمعه يتكلم باللغة اللاتينية.
فلم تكن اللاتينية اللغة الرسمية للوطنيين وكبار الرجال فقط كما هي الإنكليزية لعهدنا في الهند بل أن الأمة نفسها تتكلم بها ما أمكن من الصحة بحيث أن القوم في أوروبا اليوم وبعد انقضاء ثمانية عشر قرناً ما برحوا يتكلمون إلى اليوم بخمس لغات مشتقة من اللاتينية وهي الإيطالية والإسبانية والبرتغالية والفرنسوية والرومانية.
وانتشرت الآداب اللاتينية مع اللغة اللاتينية في عامة أنحاء الغرلاب فما كانت يدرس في القرن الرابع في مدارس بوردو وأوتون غير شعراء اللاتين وخطبائهم وظل الأساقفة والقسيسون بعد هجوم البرابرة يكتبون باللغة اللاتينية ونقلوا هذه العادة أيضاً على شعوب إنكلترا وألمانيا الذين احتفظوا بلغتهم الجرمانية. فبللاتينية كتبت في القرون الوسطى السجلات والعقود والشرائع والتواريخ والكتب العلمية. وفي الأديار والمدارس لا تقرلاأ ولا تنسخ ولا تعتبر غير الكتب اللاتينية ما عدا كتب العبادة لم يعرف غير مؤلفي اللاتين أمثال فرجيل وهوراس وشيشرون وبلين لجون وما كانت النهضة العصرية الأوروبية إلا عبارة عن إحياء ما فقد من آثار أقلام كتاب اللاتين وأصبح النسج على منوالهم أكثر من ذي قبل. فكما أن الرومان أنشؤا لأنفسهم آداباً خاصة لتقليدهم اليونان هكذا صار المحدثون من الأوروبيين ينسجون على مثال كتاب اللاتين. وليت شعري هل عاد ذلك بخير أم بشر؟
стр. 2168
ومن يجرؤ أن يفوه بذلك؟ فمما لا جدال فيه إذاً أن لغاتنا الرومانية الأضل في بنات اللاتينية وأن آدابنا طافحة بالأفكار والمنازع الأدبية الرومانية وأن العالم الغربي بأسره مصبوغ بصبغة الآداب اللاتينية.
الصناعات: عثر الباحثون بكثرة على تماثيل وصور بارزة رومانية أبقتها الأيام من عهد تلك الحكومة منها ما نقل عن الآثار المصرية ويكاد يكون معظمها تقليداً لها ولكنها أقل من الأصل لطفاً وذوقاً. ومن أغرب الأنموذجات الباقية النقوش البارزة والصور النصفية.
فالنقوش البارزة كانت تزدان بها المصانع (كالمعابد والعمد وأقواس النصر) والقبور والنواويس تمثل بها أحسن تمثيل مشاهد حقيقية وحفلات ونذور وحروباً ومآتم وكل ما يحيطنا علماً بالحياة السالفة. وأن النقوش البارزة التي جعلت حول أعمدة تراجان ومارك أوريل لتجعلنا كأننا نشاهد مشاهد حروبها العظيمة وبتلك الرسوم تتمثل لك الجنود تقاتل البرابرة ويحاصرون قلاعهم ويأتون بالأسرى كما تشاهد النذور العامة والإمبراطور يخطب شعبة.
والصور النصفية هي في الأكثر صور الإمبراطرة ونسائهم وأولادهم وإذ كثرت تماثيلهم في أطراف المملكة بأسرها وعثر على كثير منها حتى أن عند جميع المتاحف اليوم مجموعة من الصور النصفية الإمبراطورية وهي صور حقيقية وربما كانت شبيهة بأصحابها كل الشبه نرى فيها سيماء كل إمبراطور واضحة أي وضوح وكثيراً ما تكون بشعة مستكرهة بحيث لم يحاول النقاشون أن يزينوها ويخفوا من سحنات المصورين.
فعلم البناء هو الفن الروماني الحقيقي لأنه يقوم بحاجة عملية وفيه أيضاً قلد الرومان اليونان باتخاذ الأروقة والعمد ولكن كانت لهم طريقة لا يستعملها اليونان وهي العقود (الأقبية) أي فن وضع الأحجار المنحوتة تدعم بعضها بعضاً على شكل قوس مربع. فبالعقود تسنى لهم أن ينشئوا أبنية أوسع وأكثر تفنناً من أبنية اليونان.
المصانع: إليك أهم أنواع المصانع الرومانية منها المعبد وهو كثيراً ما يشبه المعبد اليوناني وله دهليز متسع ويكون أحياناً أكثر سعة تعلوه قبة. ومن هذا النوع معبد البانثيون الذي بني في رومية على عهد أغسطس. ومنها الكنيسة الكبرى وهي بناء مستطيل طويل يعلوه سقف وتحيط بها أروقة وفيها يتصدر الحاكم يحيط به نوابه وفيها يجتمع التجار لتيجادلوا
стр. 2169
في ثمن البضائع فالكنيسة هي بورصة ومحكمة معاً. وفي الكنائس الكبرى أقيمت بعد ذلك مجالس المسيحيين وظلت الكنائس النصرانية قروناً محتفظة بأسماء الكنائس الرومانية وأشكالها.
ومنها المرازح (المرسيح) ذات الدرجات (انفتياير) والملعب وهي مؤرلفة من عدة طبقات وأروقة وضعت بعضها فوق بعض تحيط بالملعب وكل طبقة من هذه الأروقة يعلوه عدة صفوف من الدريجات وذلك مثل الكوليزة في رومية ويمادين أرل ونيم. ومنها قوس النصر وهو باب شرف له بعض سعة بحيث يكفي لمرور مركبة منه وهو مزين بعمد ومزخرف بنقوش كثيرة ومن هذا النوع قوس النصر في أورانج. ومنها الجسر وهو يبنى على صف من الحنايا وسط النهر. ومنها المجاري التي تجلب فيها المياه وكثيراً ما تكون على شكل جسر لتمر فوق دار ومن هذا الضرب من المجاري القطعة من الجسر المسماة كارد.
وقد كان الإمبراطور أغسطس يفاخر أنه افتتح في رومية زهاء ثمانين معبداً قال: لقد وجدت مدينة من القرميد وهاآنذا أترك مدينة من الرخال وعمل أخلافه كلهم على زخرفة رومية وقد ازدحمت المصانع حوالي الفوروم (الميدان) خاصة وأصبح الكابتول مع معبده المعروف بمعبد المشتري أشبه شيء بالأكروبول في أثينة. وفي ذاك الحي أنشئوا عدة ساحات ذات مصانع مثل ساحة قيصر وساحة أغسطس وساحة نرفنا وساحة تراجان وهي أزهاهن.
استخدم الرومان في أبنيتهم الحجارة التي وقعت تحت أيديهم في البلاد يرصفونها بملاط متين صنع بالكلس والرمل بحيث أتت عليه آلف وثمانمائة سنة وهو لم يتحتت بما أصابه من الرطوبة. ولا تقرأ في مصانع الرومان تلك البهجة التي تتجلى في المصانع اليونانية بل إنها متسعة متينة راسخة القواعد شأن الفتح الروماني. وما زالت أرض البلاد إلى يومنا هذا طافحة بأنقاض تلك المصانع. ولم يبرح الباحثون يعثرون حتى في قفار أفريقيا والدهشة آخذة منهم على مصانع رومانية محفوظة سالمة. ولما أريد جلب الماء إلى تونس لم يعملوا إلا أن أصلحوا مجرى النهر الذي أنشيء بالعهد الروماني.
التجارة: أصبحت رومية أعظم مدينة في العالم (ويذهبون إلى أن أنه جاء عليها زمن كان فيها مليون نسمة) فكانت بالطبع مركز تجارة المملكة. ولقد مضت العصور القديمة
стр. 2170
والمتاجر تنقل في الماء أي في البحار وفي الأنهار أكثر من الطرق التي يقتضي لها عجلات ثقيلة لنقل تلك المتاجر. فكانت المتاجر تنقل إلى رومية من طريق البحر خاصة فتقلها السفن إلى مرفأ أوستي عند مصب نهر التيبر ومنها توسق في قوارب تصعد النهر حتى تصل إلى سفح جبل أفنتين وتنزل شحنها في مرفأ رومية. وكانت البضائع الخاصة ببقية إيطاليا تفرغ في مرفأ بوزول في خليج نابولي ومنها يرسلونها في الطرق وإذا تيسر لهم يرسلونها في قوارب تسير على الشاطيء أو تجري صعداًَ في الأنهار تجرها الخيول.
وكانت رومية وأيطاليا تصرفان أكثر مما تنتجان فتجارتهما خاصة تجارة واردات وكان تجار من الطليان ينزلون في أهم مرافئ العالم يجمعون فيها حاصلات كل بلد ليبعثوا بها إلى رومية. وكنت تجد في كل بلد مركزاً للتجارة مثل بلرمة في صقلية وقرطاجنة في أفريقية والإسكندرية في مصر ومن هذه البلاد كانت تجلب إلى رومية الحبوب والزيت والفاكهة والقول الناشفة ومن المراكز التجارية أفيز في آسيا الصغرى وإنطاكية في سورية ومنها كانوا يرسلون الأصواف والأقمشة والحنطة التي تخرجها البلاد الداخلية. ومن هذه المراكز أولبيا على شاطئ البحر الأسود وإليها كانت تأتي حنطة روسيا. ومنها قادش في إسبانيا كانت ترسل إلى رومية فضة المناجم وأوباربتنكيا (في الأندلس) ومن هذه المراكز ناربون وأرل في غاليا كانا يجلب إليهما من نهر الرون جلود بلاد الغال وأخشابها (أما مارسيليا فكانت سقطت منزلتها القديمة ومرسى فريجوس أصيح ميناءً حربياً).
وكان الرومانيون يجلبون أيضاً بضائع من خارج فيبعث إليهم الشرق بأدوات الزينة والرفاهية كالعطور والباريز (الفلفل وجوز الطيب والزنجبيل) والنيلة والعاج والأحجار الكريمة وأقمشة الصوف والحرير والعبيد السود والحيوانات النادرة (ولا سيما القرود فكانت تجلب إلى افسكندرية من طريق البحر الأحمر أو في النيل وتأتي إلى إنطاكية من طريق الخليج الفارسي وبادية الشام (مع القوافل) أو إلي أولبيا من طريق بلاد فارس وبحر الخزر وكان الرومان يستخرجون من بلاد الشمال المواد التي لم تهذبها يد الصناعة مثل عنبر البلطيق وقصدير إنكلترا وكان يأتي من طريق غاليا الجلود والأديم والشمع وشعور النساء والعبيد.
أغسطس: مات أغسطس ولم يخلف وريثاً يرثه مباشرة فخلفه ابن زوجته تيبر وهو الذي
стр. 2171
تبناه ومضى نصف قرن والإمبراطور أبداً رجل من أسرة أغسطس وأدرك الرومان منذ ذلك فساد هذه الطريقة.
فكان للإمبراطور مدة حياته سلطة متناهية لا حد لها فهو الحاكم على هواه في الأشخاص والأحوال يحكم بالقتل ويصادر الأموال ويهلك من يريد إهلاكه بدون رقيب ولا يقف أمام إرادته حاجز من نظام ولا قانون. حتى قال المشرعون الرومان: إن لأمر الإمبراطور قوة القانون. وبذلك عرفت رومية الاستبداد الذي لا نهاية له على نحو الاستبداد الذي كان يجري في المدن اليونانية استبداداً لم ينحصر في سور ضيق من مدينة بل كان عظيماً كالمملكة. فكما كان في يونان ظالمون أهل حشمة ووقار كان في رومية إمبراطرة حكماء محتشمون ولكن قل في هؤلاء من لم يستهوهم دوار السلطة عندما يرون أنهم بلغوا أرقى رتبة يصل إليها إنسان. ومن إمبراطرة رومية من لم يستخدموا سلطتهم التي لم يسمع بمثلها إلا لترسل أسماؤهم كالأمثال فضرب المثل بنيرون وظلمه وبكلود خليفة تيبر وسخافته وكاليجولا وجنونه المطبق وتقليده حصانه رتبة قنصل وتطاوله إلى أن يعبد كالأرباب. فكان الإمبراطرة يضطهدون الأشراف خاصة ليحولونهم عن كيد المكايد ويضغطون على الأغنياء ليصادروا أموالهم.
وكانت هذه السلطة المتناهية سيئة النظام وهي تتمثل كلها في شخص الإمبراطور ومتى هلك يبحث فيما أتاه من الأعمال. كان القوم عارفين بأن العالم لا يستغني عن سيد ولكن ليس في شريعة ولا عادة ما يستدل به على ماهية ذاك السيد. فكان من حق مجلس الشيوخ وحده أن يعين الإمبراطور ولكنه يختار أبداً بالقوة من اختاره الإمبراطور السالف أو رضي عنه الجند.
ولقد عثر حراس القصر الإمبراطوري بينا كانوا يبحثون فيه عقيب وفاة الإمبراطور كاليجولا على رجل اختبأ وراش الفرش وهو ترتعد فرائصه فرأوا أنه من أنسباء كاليجولا فعينه الحرس إمبراطوراً وكان هو الإمبراطور كلود.
الحرس الإمبراطوري: كان يحظر زمن الجمهورية على القائد أن يأتي في جيشه إلى المدينة فأصبح الإمبراطور رئيس الجيوش كلها وله في رومية حرس عسكري مؤلف من نحو عشرة آلاف رجل أقاموا منذ عهد تيبر في ثكنة حصينة بالقرب من المدينة. وينتخب
стр. 2172
هذا الحرس من قدماء الأجناد وتدر عليهم الرواتب الكثيرة وتتوالى عليهم الإحسانات وبهؤلاء الجنود يعتز الإمبراطور فلا يخاف بائقة تصيبه من الناقمين عليه من أهل رومية بيد أن الخطر كان يأتي من الحرس نفسه وإذ كانت القوة معهم اعتقدوا بأنه يحل لهم أن يأتوا كل شيء وكان زعيمهم أوسع سلطة من الإمبراطور.
الثورات والحروب: استشاط أشراف الرومان غضباً مما أتاه نيرون من الفظائع وضروب الجنون فحدا سخطهم ببعض الولاة إلى الانتفاض وخلع الطاعة فشعر إذ ذاك مجلس الشيوخ بقوة يستند إليها فأعلن بأن نيرون عدو عام فلم يسعه إلا الهرب ثم الانتحار.
وبعد موته وقع اختيار مجلس الشيوخ على والي إسبانيا المدعو غاليا فعينوه إمبراطوراً ولكن الحرس الإمبراطوري لم يره كريماً جواداً فذبحه ونصب مكانه أحد ندماء نيرون واسمه أُتون ثم أن الجنود المرابطة في تخوم جرمانيا أرادت أن تنصب بنفسها إمبراطوراً فدخلت فرق نهر الراين إلى إيطاليا فصادفوا الحرس الإمبراطوري بالقرب من كريمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة في وقعة شعواء أخذت بطرفي الليل ثم نصبوا الإمبراطور الذي اختاره مجلس الشيوخ وهذا القائد فينليوس.
وفي ذاك الحين انتخب جيش سورية زعيمه فسباسين الذي قاتل فيتليوس وعين مكانه (٦٩) وهكذا نصبت رومية ثلاثة أمبراطرة في سنتين وأنزل الجند ثلاثة أمبراطرة عن عروشهم. وفي خلال هذه الحروب نهب جنود جرمانيا مدينة وحرق معبد الكابتول.
الفلافيون: نصب فسباسين إمبراطوراً فوطد أركان السلم وكان إيطالياً وهو حفيد أحد الفلاحين حافظ على عادات له في الاقتصاد والسذاجة في عيشه. فرأى القسم الأعظم من مجلس الشيوخ قد تمزق شملهم والأسرات القديمة قد بادت أو هلكت فاستعاض عنها بأسرات إيطالية أو من أهل الولايات ولما تجدد مجلس الشيوخ على هذه الصورة كفَّ عن إبداء العداء للإمبراطور فخلف فسباسين أولاً (٧٩) ابنه تينوس الذي مات للحال ثم ابنه دومنسين (٨١) الذي كان قاسياً غداراً مثل ظلمة اليونان.
الأنطونيون: اشتهر الخمسة الإمبراطرة الآتون وهم نرفاوترا جان وأدريان وأنطونين ومارل أوريل (٩٦ ـ ١٨٠) بالحشمة والحكمة ويدعونهم الأنطونيين (وهذا الاسم لا يوافق في الحقيقة إلا الآخرين مهمم) ولم يكونوا من نسل البيوت القديمة في رومية بل كان
стр. 2173
تراجان وأدريتن إسبانيين وولد أنطونين في نيم ولم يكونوا أمراء من أسرات إمبراطورية خلقت لكي تتولى رقاب الناس منذ ولادتها. وقد تولى الحكم أربعة أمبراطرة وهم عقيمون فلم يتسن نقل الحكم بالوراثة. وكان الإإمبراطور يختار كل مرة من قواده وولاته أقدر رجل يخلفه ويتبناه ويعينه باختيار مجلس الشيوخ له وهكذا لم يبلغ عرش الإمبراطورية إلا أناس محنكون يخلفون آباءهم في مركزهم بدون قال وقيل.
ولقد كان عصر الأنطونيين أهدأ العصور التي عرفها العالم القديم والحروب تنشب بعيدة عن تخوم المملكة ولم يحدث في الداخلية شغب عسكري بتاتاً ولا مظلمة ولا أحكام جائرة فكبح النطونيون جماح الجند بتدريبهم على النظام ونظموا المحاكم ومجل الإمبراطورية وهو مؤلف من الفقهاء والمشرعين واستعاضوا عمن حرروهم من العبيد الذين طالما سخط الرومانيون عليهم على عهد الاثني عشر قيصراً بأناس من الموظفين النظاميين اختاروهم من أشرف الطبقة الثانية (يعني الفرسان) وما عاد الإمبراطور ظالماً يخدمه جند بل كان حقاً الحاكم الأول في الجمهورية لا يستعمل سلطته إلا لما فيه نفع شعبه.
حارب الأنطونيون حروباً كثيرة ليدفعوا الشعوب المحاربة التي كانت تحاول مهاجمة الإمبراطور من ناحيتين. فحاربوا في أسفل نهر الطونة الداسيين وهم شعب بربري سكن البلاد الجبلية ذات الغابات التي نسميها الآن ترانسلفانيا كما حاربوا على الفرات حكومة البارثيين العسكرية الكبرى التي جعلت المدائن عاصمتها قرب بابل وكان مملكتهم تمتد على طول بلاد فارس.
ولقد حمل تراجان على الداسيين عدة حملات واجتاز الطونة وربح في ثلاثة مواقع واستولى على عاصمة ملك الداسيين (١٠١ ـ ١٠٢) وتفضل عليهم بالصلح ولما عاود الداسيون الحرب عمد تراجان أن يأتي عليهم فأنشأ على نهر الطونة جسراً من حجر وهاجم ولايتهم فضمها إلى المملكة الرومانية (١٠٦) وأنزل فيها طوارئ \ ومستعمرين أنشئوا فيها مدناً وأصبحت ولاية داسيا بلاداً رومانية تكلم أهلها باللاتينية وتخلقوا بالأخلاق الرومانية.
ولما انجلت الجيوش الرومانية في أواخر القرن الثالث كانت قد استحكمت اللغة اللاتينية من الداسيين وظلت شائعة في بلادهم خلال القرون الوسطى على الرغم من غارات برابرة
стр. 2174
الصقالبة. وقد أطلق على الشعب الذي يسكن اليوم السهول في شمالي الدانوب اسم رمية فيدعى الروماني ويتكلم بلغة مشتقة من اللاتينية كالإفرنسية والإسبانية.
حارب تراجان البارثيين أيضاً فجاز الفرات واستولى على المدائن وهي عاصمتهم وتوغل في إحصاء البلاد إلى فارس ودخل إلى سوس وأخذ منها عرش ملوك فارس المعمول من الذهب الأصم. وأنشأ أسطولاً على دجلة ونزل في النهر حتى مصبه وأبحر في خليج فارس واستخلص من البارثيين البلاد الواقعة بين بلاد الفرات ودجلة وجعلها ولايتين رومانيتين بيد أن هاتين الولايتين انتفضتا بعد سفر الجيش الروماني.
أما الأنطونيان الأخيران وهما أنطونين ومارك أوريل فقد شرفا الإمبراطورية بفضائلهما وكان كلاهما يعيش ببساطة كما يعيش الأفراد على غناهما دون أن يكون لهما ما يشبه قصراً أو سراياً وأن يشعرا بأنه كانت لهم سلطة وسيادة.
ولقد لقب مارك أوريل على العرش بالحكيم وكان يحكم البلاد مدفوعاً بعامل الواجب على غير إرادته ومع أنه كان يؤثر هذا قضى حياته في الحكم وقيادة الجيوش. وإنك لترى فيما خطه في تذكرته البيتية من أفكاره صورة الفيلسوف الرواقي الصالح الزاهد العازف عن العالم وهو على جانب من اللطف والحلم قال: أحسن الأساليب في الانتقام من الأشقياء هو أن لا يعمل المرء عملهم والأرباب أنفسهم يعطفون على الأشقياء فلك أن تقتدي بالأرباب.
ولقد كان مارك أوريل يأخذ برأي مجلس الشيوخ في عامة المسائل ويحضر جلساته بدون انقطاع. ولقد وقف في وجه كثير من الشعوب البربرية الجرمانية يرد غاراتها ويدفع عادياتها تلك القبائل التي اجتازت الطونة على الجليد ودخل إلى شمالي إيطاليا واقتضى له أن يؤلف جيشاً فجند عبيداً وبرابرة (١٧٢) فانسحب الجرمانيون ولكن بينا كان مارك أوريل مشغولاً في سوريا بقتال أحد القواد المتمردين عادوا على أعقابهم وهاجموا الإمبراطورية ومات مارك أوريل على ضفاف الطونة (١٨٠).
ولما وقفت الفتوح (بعد تراجان) كانت الإمبراطورية تمتد على طول جنوبي أوروبا كلها وعلى طول الشمال من إفريقية والغرب من آسيا ولا يقف في سبيلها إلا الحدود الطبيعية فمن الغرب البحر المحيط ومن الشمال جبال إيكوسيا ونهر الرين والطونة وقافقاسيا ومن الشرق بوادي الفرات وبلاد العرب من الجنوب شلالات النيل والصحراء الكبيرة. فكانت
стр. 2175
الإمبراطورية الرومانية عبارة عن البلاد التي تتألف منها اليوم كل من إنكلترا وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا والبلجيك وسويسرا وبافيرا والنمسا والمجر والبلاد العثمانية في أوروبا ومراكش والجزائر وتونس ومصر وسوريا وفلسطين والأناضول أي أنها ضعفا مملكة الإسكندر.
السلم الروماني: أبطل الرومان الحروب في داخلية بلادهم بإخضاع جميع الشعوب لسلطانهم فتوطد السلم الروماني الذي وصفه أحد كتاب اليونان بما يأتي: لكل فرد أن يذهب حيث يشاء فالمرافيء غاصة بالسفن والجبال أمينة على سالكيها أمن المدن لساكنيها ولم يبق داع للخوف وقد طرحت الأرض سلاحها الحديدي القديم وتجلت في ثياب الأعياد وها أنتم أولاء قد حققتم قول هوميروس بأن الأرض ملك للجميع.
وأصبح الناس في الغرب للمرة الأولى في حل من إنشاء بيوتهم وزرعه حقولهم والاستمتاع ب أموالهم وأوقاتهم دون أن يكونوا كل ساعة عرضة لمهدد يتهددهم باستلابها منهم أو أن يذبحوا ويقادوا كالأسرى والعبيد. وهذا أمان قلما نقدره قدره إذ قد تمتعنا به منذ الصغر ولكن الظاهر أنه كان يعد من حسنات الأمور النادرة عند القدماء.
سهلت الرحلة في تلك الإمبراطورية المسالمة وأنشأ الرومان طرقاً في كل مكان مع محطات ومواقف وصنعوا مصورات (خرائط) لطرق المملكة وكان كثير من أرباب الصناعات والتجار يرحلون من طرف إلى طرف آخر من المملكة. ويرحل علماء البيان والفلسفة في بلاد الإمبراطورية ذاهبين من مملكة إلى أخرى وهم يلقون المحاضرات.
وكان ينزل في كل ولاية أناس من أهل الولايات القاصية فقد دلت الكتابات على الأحجار أنه كان في إسبانيا أساتذة ومصورون ونقاشون من اليونان وفي غاليا صياغ وصناع آسياويون.
وجميع هؤلاء كانوا ينقلون عاداتهم وصناعاتهم وأديانهم ويمزجونها بما يرونه عند الأمم التي ينزلون عليها ثم يعتادون بالتدريج على التكلم باللغة الرومانية وما انبلج فجر القرن الثالث عشر حتى غدت اللاتينية لغة بلاد الغرب المشتركة كما أصبحت اليونانية لغة الشرق منذ قام خلفاء الإسكندر. فنشأت في رومية كما نشأت في الإسكندرية حضارة مشتركة سموها الحضارة الرومانية ولم تكن كذلك إلا باسمها ولغتها واجتمعت حضارة
следующие страницы →