Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
البارثيين الذين داهموا بلاد الإمبراطورية فلم يرد الجند أن يبتعدوا عن بلادهم إلى مثل تلك القاصية وأبوا أن يقاتلوا ثم أخذوا جولين ورفعوه على ترس (وكان هذا الأسلوب هو الذي يجري عليه المحاربون الجرمانيون في مبايعة ملوكهم) وحملوه وهم ينادون جولين أغسطس.
فكتب جولين إلى الإمبراطور يريده على أن يرتضيه رصيفاً له فأبى قسطنطين عليه ذلك فزحف جولين في جيشه على القسطنطينية وكان قسطنطين قد قضى نحبه قبل وصوله.
ولما خلا الجو لجولين وأصبح إمبراطور وحده أقام في الشرق وحاول أن يعيد الدين القديم (الوثنية) فأرجع إلى الكهنة أملاكهم ومناصبهم وأعاد تقديم النذور الأرباب بل أصدر أمره إلى المسيحيين بأن يرجعوا المعابد التي كانوا حولوها إلى كنائس.
وأنشأ يناهض النصرانية مباشرة وأبى أن يعين بعض المسيحيين في الوظائف وطرد المعلمين المسيحيين من المدارس قائلاً أنه لا يحق لهم أن يدرسوا كتباً يذكر فيها اسم الأرباب وهم لا يعتقدون فيها. وسعى إلى إعادة الدين القديم إلى حاله بأن عهد إلى الكهنة أن يقرؤوا على العامة مواعظ ودروس دينية إلا أن الزمن خانه فسافر في حملة على البارثيين وغلبهم وأصيب بسهم في إحدى المعارك. وقيل انه صرخ وهو يجود بنفسه (لقد غلبت يا غاليي).
القضاء على الوثنية ـ لم يقض على دين السوقة القديم لأول مرة فقد اهتدى الشرق في الحال أما في الغرب لم يبقى مسيحيين إلا في المدن بل أن الأمة ظلت هنا تعبد الأصنام وذلك لأن الإمبراطورة الأولى المسيحيين لم يريدوا أن يقضوا القضاء الأخير على دين المملكة القديم بل كانوا يحمون القسيسين المسيحيين كما يحمون كهنة الأرباب يرأسون المجامع الدينية ويبقون أحباراً عظاماً.
وكان الإمبراطور فراسين سنة ٣٨٤ أول من أبى بأن يلقب بالحبر الأعظم وإذ عم التسامح في ذاك القرن بدئ باضطهاد الدين الروماني منذ غدا غير رسمي.
وأطفئ الموقد المقدس الذي كان يشتعل في رومية منذ أحد عشر قرناً وطردت الكاهنات اللاتي كن في معبد فستا يوقدون النار كلما خمدت. واحتفل أخر مرة بالألعاب الأولمبية في بلاد اليونان سنة ٣٩٤ وعندئذ خرج النساك في مصر من الصحراء لينقضوا مذبح
стр. 2207
الأرباب المزورة ويجعلوها بقايا في قبور أنوبيس وسيرابيس. وقام وأرسل الأسقف السوري في مقدمة عصابة من الجند والمشعوذين فخرب معبد المشتري في أفامية. وأنشأ يجوب البلاد ويخرب المزارات فقتله الفالحون فجعلته الكنيسة من القديسين.
فما هو إلا قليل حتى لم يبقى عبدة أوثان إلا في القرى يأوون إليها فراراً من المراقبة وهم فلاحون ممن بقوا يعبدون الأشجار المقدسة والينابيع ويجتمعون في المزارات البعيدة.
وأخذ المسيحيون يطلقون اسم الوثنيين (الفلاحين) على من كانوا سموهم إلا ذلك العهد بالظرفاء وبقي ذلك الاسم يطلق عليهم. وهكذا اشتدت الحال على الوثنية في ايطاليا وغاليا واسبانيا إلى أواخر القرن الرابع وطوي بساطتها تحت طي السكوت.
التنظيم الجديد في الإمبراطورية
رومية والقسطنطينية ـ خرب الغرب وقل سكانه في القرن الثالث بما تواتر عليه من الحروب والغارات فأصبح الشرق اليوناني القسم المهم من الإمبراطورية. وكان ديوكلسين قد تخلى عن رومية وجعل عاصمته في نيكوميديا في آسيا الصغرى. أم قسطنطين فتوسع في الأمر أكثر من ذلك فأنشأ رومية جديدة في الشرق وكانت القسطنطينية على رأس من البحر لا يفصل أوربا عن آسيا غير خليج البوسفور الضيق في أرض كثيرة الكروم والغلات وتحت سماء صافية وأنشأ طواري من الروم مدينة بيزانس وكان لها من الإحكام ما يجعلها سهلة على الدفاع ومرفأها المعروف بقرن الذهب من أحسن مرافئ العالم يؤوي ١٢٠٠ سفينة ويمكن سده بسلسة طولها ٢٥٠ متر لئلا تتخطاه أساطيل العدو. فهناك أنشأ قسطنطين مدينته الجديدة القسطنطينية (مدينة قسطنطين) وجعل في أطرافها أسواراً عالية وأنشأ فيها ساحتين تحيط بهما أروقة. وأنشؤوا فيها قصراً وملعباً ودور تمثيل وأقنية وحمامات ومعابد وكنيسة مسيحية.
ونزع قسطنطين من المدن الأخرى ما كان فيها من التماثل والنقوش البارزة المشهورة ليزين بها مدينته ولأجل إسكانها نقل إليها سكان المدن المجاورة بالقوة وقدر مكافأت وألقاب تشريف للأسر الكبرى التي تنتقل إليها وقرر كما كان الحال في رومية توزيع الحنطة والخمر والزيت على الناس وتوفير المشاهد والفرج لهم.
فكان تأسيس تلك العاصمة من السرعة الغريبة على نحو ما يحب القوم في الشرق فبدأ
стр. 2208
العمل بذلك في ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ٣٢٦ واحتفل بافتتاحها في ١١ أيار (مايو) سنة ٣٣٠ ولكن أسست بحيث تبقى على الدهر فقد صبرت القسطنطينية على هجمات المهاجمين عشرة قرون وبقيت بمقام عاصمة أبداً والمملكة الرومانية تمزق ولا تزال إلى اليوم أول مدينة في الشرق.
ولما ترك الإمبراطور رومية لم تعد مقر للحكومة وظل فيها مجلس أعيانها وإن لم تعد له سلطة وبقيت مزاراتها واحتفالاتها كما بقيت إلى أواخر القرن الرابع مركز الحزب الديني القديم.
القصر ـ أخذ الإمبراطورة الذين نزلوا الشرق في التعود بعادته وأنشؤوا يلبسون ثياباً إضافية من الحرير والقصب ويجعلون على رؤوسهم تاجاً مرصعاً باللؤلؤ ويتحجبون في قصورهم حيث كانوا يجلسون على عرش من ذهب يحف بهم وزرائهم ويفصلهم عن الناس جمهور من الحشم والخدم والموظفين والحرس.
وعلى من ينال شرف الحظوة من مواجهتهم أن يسجد أمامهم ويمرغ وجهه في الأرض علامة العبادة والخضوع ويطلقون عليهم ألقاب المولى والجلالة ويعاملونهم معاملة الأرباب وكل ما يمس أشخاصهم مقدس فيقولون القصر المقدس والغرفة المقدسة. ومجلس الإمبراطور المقدس والخزانة المقدسة.
فكان عيش الإمبراطور في الإمبراطورية الغربية (ايطاليا) من القرن الأول إلى الثالث شبيه بحياة حاكم أو قائد أما قصر الإمبراطور في الإمبراطورية الشرقية (القسطنطينية) فهو أشبه بقصر ملك فارس. وقد أطلق على طرقة الحكم في الإمبراطورية الشرقية اسم الإمبراطورية الواطئة معارضة لطريقة الحكم السالفة في القرون الثلاثة التي لقبوها بالإمبراطورية العالية.
الموظفون ـ أصبح الموظفون أكثر عدداً مما كانوا ويحف بالإمبراطور جيش صغير من الخاصة يحرسون قصره وهناك حرس ووكلاء وخدم ومجلس عالي وحجاب وسعاة وأمناء سر ينقسمون إلى أربع مكاتب. وأصبح الموظفون في الولايات أكثر سواداً إذ رأى الإمبراطور ديوكلسين الولايات متسعة فقسمها إلى عدة قطع ففي غاليا مثلاً قسم ولاية ليون إلى أربع واكيتين إلى ثلاث. وبعد أن كان في الإمبراطورية ٤٦ والياً أصبح فيها ١١٧ ثم
стр. 2209
فصلوا الوظائف فجعلوا مع الولاة والوكلاء قواداً عسكريين من دوقات وكنتية في الولايات الواقعة على التخوم.
وأصبح جميع الموظفين لا تصلهم أوامر الإمبراطور مباشرة فلا يخاطبون إلا كبار الموظفون رؤسائهم فيخضع الولاة لقائدي حرس القيصر والموظفون في الأشغال العمومية لحرس المدينة. وجباة الأموال إلى الكونت الذي يتولى الأعطيات المقدسة. والوكلاء للكونت المشرف على الأملاك والضباط إلى موالي الأجناد وجميع موظفي القصر يرجعون إلى مولى التشريفات وخدمة القصر إلى رئيس الخدمة المقدسة. وهؤلاء الرؤساء كالوزراء.
وهذه الطريقة لا يصعب علينا فهمها فقد اعتدنا أن نرى موظفين وقضاة وقواداً وجباة ومهندسين على اختلاف في أعمالهم التي يتولونها ولكل واحد عمله الخاص ويرجع أمرهم إلى ناظر هو رئيس ديوانه بل إن عندنا من النظارات أكثر مما في الأستانة. إلا أن هذه الإدارة الإدارية التي ألفناها لأننا نعرفها منذ الطفولة ليش فيها التباس ولا خروج عن حد الطبيعة. فقد كانت الإمبراطورية الشرقية أنموذجاً في هذا الباب واحتفظت به المملكة البيزنطية ومن ذلك العهد حاولت جميع الحكومات المطلقة أن تنسج على منوالها لأن في ذلك من التسهيل في العمل ما ينتفع به من يتولون أعمال الحكم.
المجتمع في الإمبراطورية الشرقية ـ كانت هذه الإمبراطورية هي الحد الفاصل في تاريخ الحضارة اجتمعت فيها سلطة الحاكم الروماني المطلقة مع فخفخة ملوك الشرق يتألف منها سلطة لم يكن بها عهد إلى ذلك العهد. وهذه السلطة التي لم يسمع بمثلها تأتي على كل شيء في يدها فلم يعد سكان الإمبراطورية وطنيين رومانيين منذ القرن الرابع بل صاروا يدعون باللاتينية الرعايا (الخاضعين) وبالرومية العبيد فكانوا كلهم من ثم عبيد الإمبراطورية ولكنهم يختلفون بالمقام وهم درجات في الشرف الذي يوليهم إياه مولاهم ويورثونه أبنائهم وإليك تلك المناصب حسب درجاتها.
١ ـ أشرف الأشراف وهم لأسرة الإمبراطورية.
٢ ـ المشاهير وهم وزراء ورؤساء الدواوين
٣ ـ المعتبرون وهم كبار أرباب المناصب.
стр. 2210
٤ ـ الممجدون وهم كبار الموظفين (ويدعون الأعيان).
٥ ـ أهل الكمال.
ولكل صاحب شأن مقامه ولقبه ووظائفه. وأكثر الناس احتراما الندماء والموظفون حتى صح أن يدعى ذلك العهد عهد الألقاب والتشريفات. وما قط شوهد إلى حد تبلغ السلطة المطلقة إذا دعمها الجنون في الألقاب والميل إلى ترتيب كل أمر بالإكثار من القوانين وعليه فقد كانت الإمبراطورية الشرقية مثالاً تاماً لمجتمع يدار بالآلة الصماء ولحكومة فنيت في إرادة قيصرها فحازت أقصى ما يتطال إليه حتى اليوم أنصار السلطة المطلقة وسيكافح بعد أشياع الحرية زمناً طويلاً تلك التقاليد التي أبقتها إمبراطورية الشرق.
حكومة المدينة ـ لم يعتن الرومان بجباية الأموال الرعايا بأنفسهم بل كان الإمبراطور يكتفي ببيان الخراج المطلوب من كل ولاية (وذلك كل خمس سنين في الغالب) ويحدده كما يرد. ويعلم الوالي كل مدينة ما يجب عليها أداؤه. فحكومة المدينة هي التي تقدم المبلغ المطلوب. وما دامت المدينة غنية يجبي الوالي خراجها موزعاً له بين السكان فإذا عجزوا عن الدفع يتحتم على من تولوا الخراج أن يسددوا العجز لأنهم مسئولون عن الخرج وخزانة الإمبراطورية لا تتنازل عن حقوقها.
ولقد كان منصب الجباية حتى القرن الثالث مرغوباً فيه كأنه من أسباب الشرف فيعد الجابي في مدينته كأنه كعضو الشيوخ في رومية. وإذا افتقرت البلاد يعود منصب الجباية من المناصب التي تكسر متوليها فترهق النفوس في توليتها.
فرأى الإمبراطرة أن يسنوا قانوناً لعقاب من يأبى جباية الخراج فصار الجابي يتولى ذلك رغم أنفه ويجب على كل من يملك خمسة وعشرين فداناً من الأرض أن يكون أحد الجباة طوعاً أو كرهاً.
وكثير من الجباة كانوا يؤثرون أن يخرجوا عما يملكون من الأراضي ويهربوا ويدخلوا في سلك الرهبنة والخورنة أو الاستخدام والجندية. أصدر الأباطرة أوامرهم بالبحث عن هؤلاء الفارين وأن يعادوا إلى مدنهم بالقوة. وقد جاء في أحد القوانين المسئولة أنهم عبيد الإمبراطورية.
فكانت الحكومة تحاول أن تبقي محابس الشيوخ في المدن على هذه الكيفية وإذا كانت
стр. 2211
تخرب بيوتهم بخراجها أصبح عدد الجباة أبداً في قلة. وكان مجلس الشيوخ يتألف على عهد الإمبراطورية الغربية من مئة عضو. وفي القرن الرابع نشبت فتن في إحدى الولايات فأمر أحد الأباطرة أن يأتوه برؤوس ثلاثة من الجباة من كل مدينة فكتب إليه الوالي (ليسع حلمكم أن يقرر ما الذي يجب أن نعمله في المدينة التي ليس فيها ثلاثة من الجباة).
المستعمرون ـ وقع في الإمبراطورية الرومانية مثلما وقع في عامة المجتمعات القديمة مثل إسبارطة ويونان وايطاليا وهو أن يضمحل الأحرار ويخلفهم العبيد ويبقى في القرى ما يكفيها من الحراثين. لا جرم أن المدينة الرومانية لم تخرب بل كانت أخذة بالنماء. فقد كان عدد الوطنيين في القرن الأول زهاء مليون نسمة وفي القرن الثالث صدر أمر الإمبراطور بمنح جميع سكان الإمبراطورية حق الوطنية فصار الوطنين الرومانيين يعدون بالملايين ويبدءون باضمحلال سائر سكان العالم بيد أن الحكم الروماني كان سبباً في اضمحلال شعوب المملكة كما اضمحل به من قبل أهل ايطاليا وكان يقتضي له كثير من الجنود وكثير من العبيد.
وبهذا الحكم يفلح الأغنياء ويصعب على صغار أرباب الأملاك أن يقفوا أمام الكبراء فيستخدمون في الجندية أو يخربون بيوتهم بأيديهم. ويقتني صاحب الأملاك الواسعة أراضيهم حتى أتى زمن لم يبقى في بعض البلاد غير أملاك واسعة يحرثها العبيد. وهؤلاء السكان من العبيد لا يتجددون فإذا عرض عارض من العوارض المألوفة إذ ذاك من مثل وباء وحرب وغارة برابرة وهلك جمهور من الحارثين في إحدى الأملاك تبقى الأرض بوراً.
فخلت القرى على التدريج ولا سيما ما كان على التخوم من الناس ولم بيقى سكان إلا في المدن بل صار في عدة أنحاء من المملكة قفار حقيقية خلت من السكان والعمران.
فانشأ الأباطرة يسكنون فيها عصابات من البربر ممن ضربوهم وأسروهم ليحيوا بهم موات تلك القرى. إلا أن هؤلاء البرابرة لا يملكون الأراضي بل يستعمرونها فقط مثل الهيلوتبين في إسبارطة ويقضى عليهم أن يبقوا في الأرض التي أنزلوا فيها لا يفارقونها ولا أولادهم بحال يؤدون إلى صاحب الأرض مالاً مقرر فمن ثم كانوا مستأجرين إلى الأبد بالقوة. وليس هذا النظام جديد بل كان في ايطاليا على عهد الإمبراطورية الشرقية أناس من
стр. 2212
الطوارئ من الأحرار الفقراء قيدوا أنفسهم في خدمة صاحب ملك عظيم لينالوا منه أرضاً يزرعونها. وزاد سواد الطوارئ زيادة كبرى لما ضموا إليهم الأسرى من البربر.
وهذه الطريقة الشديدة لم تكف في إحياء أمة لأن أولئك الحراثين كانوا يفرون أو يهلكون. وفي القرن الخامس بعد مرور الجيوش العظيمة من المخربين (داكيز وأتيلا) كان في أراضي المملكة فراغ كبير تعذر على الأباطرة أن يسدوه.
وبقي في غاليا واسبانيا وايطاليا وفي الغرب كله جزء من الأراضي بوراً لقلة العاملين فيها وأقفرت ولايات التخوم وقد اضمحل الشعب الروماني في جميع حوض الطونة من سويسرا إلى البلقان منذ القرن السادس فلم يكن في تلك البلاد إلا الأمم الجرمانية أو السلافية. حتى أن الفرنك لم يجدوا في البلجيك غير قفر.
البرابرة في الجيش الروماني ـ هذه الأراضي الخالية تستدعي سكاناً جدداً فكان البرابرة يحاولون على الدوام أن يتخطوها وما دام للحكومة الرومانية بعض جيش لا يصعب عليها أن تردهم على أعقابهم. إلا أن الأمر في التجنيد صار كالصعوبة كإيجاد المال. وألف سكان الإمبراطورية حياة السكون ولم يعودوا يهتمون بخدمة الجندية. حتى اضطرت الحكومة أن تطلب جنداً من كبار الأملاك فيأخذ هؤلاء بعض الطوارئ الذين يعملون في أراضيهم فكان هؤلاء المساكين المأخوذين بالقوة من وراء محاريثهم جنداً غير كفؤ للقتال. وغدت الجنود منذ القرن الرابع من الضعف بحيث لا تستطيع حمل الدروع واستعاضت عن الخوذ بالقبعات.
وبسلاحهم وزعمائهم ويدعون المحالفين وبلغ الإمبراطور أنه أخذ يقبل منهم في جيشه شعوباً برمتها مثل الوزيغوت والبورغند وكانوا اجتازوا التخوم بالقوة أحياناً ثم أثروا أن يكونوا في خدمته على أن يقاتلوه. فأصبحت إذ ذاك جيوش رومية مؤلفة من شعوب بربرية يقودها قائد بربري. ولفد كان الجيش الروماني الذي رد غارة أتيلا سنة ٤٥١ مؤلفا من الزيغت والبورتمند صار كثير من القواد الرومان منذ القرن الرابع سيلفانوس واريوكست أو معظمهم ف القرن الخامس (مثل ستيلكون ورسيمير وادواركو) من أصل بربري ولم تعد الإمبراطورية الرومانية محمية إلا بأناس من المحاربين البرابرة فاحتلها بعدهم أبناء جنسهم.
стр. 2213
طبقات الأطباء
من الكتب ما لو ظفر به المرء أغناه وكم من مكتبة لا تغني عن كتاب. والكتب كالناس واحد بألف وألف لا يساوي واحد. ومن الكتب التي تعد بألف كتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) لمؤلفه موفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة المتوفى سنة ٦٦٨ بصرخد من أعمال جبل الدروز في بلاد الشام ألفه في دمشق برسم أمين الدولة بن غزال بن أبي سعيد وزير الملك الصالح ابن الملك العادل.
صاحب هذه الطبقات من الأطباء العلماء منقح الفكر والعبارة منظم الأسلوب حسن الطريقة ذكر في كتابه كما قال نكتاً وعيوناً في مراتب المميزين من الأطباء القدماء ونوادرهم ومحاوراتهم وشيئاً من أسماء كتبهم ليستدل بذلك على ما خصهم الله تعالى به من العلم قال فإن كثير منهم وإن قدمت أزمانهم وتفاوتت أوقاتهم فإن لهم علينا من النعم فيما صنفوه والمنن فيما قد جمعوه في كتبهم من هذه الصناعة ما تفضل المعلم على تلميذه والمحسن على من أحسن إليه. وقد أودع كتابه جماعة من الحكماء والفلاسفة ممن لهم نظر وعناية بصناعة الطب وجملاً من أحوالهم ونوادرهم وأسماء كتبهم وجعل ذكر كل واحد منهم في الموضوع الأليق به على حسب طبقاتهم ومراتبهم وقسمه إلى خمسة عشر باباً.
الباب الأول في كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها. الثاني في طبقات الأطباء الذين ظهرت لهم أجزاء من صناعة الطب وكانوا المبتدئين بها وهم ثلاثة.
الثالث في الأطباء اليونانيين الذين هم من نسل اسقيلبيوس وهم ستة. الرابع في الأطباء اليونانيين الذين أذاع أبقراط فيهم صناعة الطب وهم تسعة. الخامس في الأطباء الذين كانوا من زمان جالينوس وقريباً. والسادس في الأطباء الاسكنداريين ومن كان في أزمنتهم من الأطباء النصارى. السابع الأطباء الذين كانوا في أول ظهور الإسلام من أطباء العرب وغيرهم وهم عشرة. الثامن في الأطباء السريانيين الذين كانوا في ابتداء ظهور دولة بني العباس وهم أربعة وثلاثين.
التاسع الأطباء النقلة الذين نقلوا كتب الطب وغيره من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي وذكر الذين نقلوا لهم وهم سبة وثلاثون. العاشر الأطباء العراقيين وأطباء الجزيرة ودياربكر وهم اثنان وثمانون طبيباً. الحادي عشر الأطباء الذين ظهروا في العجم وهم
стр. 2214
ثلاثة وعشرون. الثاني عشر الأطباء الذين كانوا في الهند وهم ستة. الثالث عشر الأطباء الذين ظهروا في بلاد المغرب وأقاموا بها وهم تسعة وثمانون. الرابع عشر الأطباء المشهورون من أطباء مصر وهم سبعة وخمسون.
الخامس عشر الأطباء المشهورون من أطباء الشام وهم تسعة وخمسون. ورتبهم المؤلف على سنين وفياتهم.
كل من استعملوا عقولهم جادت والأطباء هم ممن يستعملون عقولهم ولذلك كان في ما كتبه ابن أبي أصيبعة برهان على صحة العقل وجودة التأليف بحيث أنك تقرأ كتابه وهو في ستمائة صفحة فلا تكاد تجد فيه مغمزاً اللهم إلا بعض ألفاظ وأشعار قليلة بذيئة رواها لبعض المترجم بهم ولعل ذلك لم يكن نكراً في عصره أو إطالة في إيراد بعض التراجم مثل إطالته في ترجمة أبي الحكم الأندلسي ونقل شعره وسديد الدين ابن رقيقة وشعره وأكثر ما رواه من الشعر لأبي القاسم هبة الله ابن الفضل وغيرهم ممن جاد شعرهم ولكنه لا يخلو من بعض سخافات وعذره في ذلك أنه يريد التنويه بالأطباء كيف كان حالهم ويود لو أتى لهم بكل ما قالوه.
قلت مرة لأحد أساطين العلم ما بال ابن أبي أصيبعة استعمل بعض أشعار ونوادر سخيفة نقلها كأنه راضٍ عنها على حين أنه غاية في الكمال والعلم الصحيح فقال إن المؤلف أراد أن يجعل كتابه مرجعاً كبيراً ومورداً فائضاً في كل أطروفة وأطروبة وذلك لما أهدى نسخاً لبعض من يغلب عليهم الوقار حذف هذه الزائدات ومن رآهم يحبون الأشياء على أصلها استنسخ لهم من كتابه نسخة تامة وهذا هو السبب في اختلاف النسخ التي ظفر بها طابع الكتاب.
وقصارى القول أن هذه الطبقات هي من الكتب الممتعة فلا تعد كتاباً للطب والأطباء بل هي كتاب في الحكمة والحكماء والمفننين من العلماء يتمثل فيه المطالع طرفاً من مدنية الإسلام ويقرأ فيه براهين دامغة على إن الناس في تلك القرون السبعة الأولى كانوا سواء على اختلاف مللهم ونحلهم يصف المؤلف المخالف بأنه أوحد العلماء فاضل كامل ويذكر له من الصفات ما يتراءى معه لقليل الخبرة بإخبار تلك الأزمنة أن المؤلف ينقل عن أهل دين المترجم بهم ويأتي بصفاتهم مجردة دون أن يلحقه شيء من تبعتها على أن ذلك كله من
стр. 2215
بنات أفكار المترجم.
ساوى العلم في نظره بين ابن دينه ومخالفه مساواة لم يغم طبها حقاً لمخالف ولم يبالغ بمن يود ويحالف كما يرى في ترجمة جبرئيل بن بختشيوع ويحنا بن ماسويه ومفق الدين بن مطران وأمين الدولة ابن التلميذ وحنين بن اسحق وهناك تجد كثير من تراجم العلماء ممن كان الطب بعض علومهم مثل الرئيس ابن سينا وأبي نصر الفارابي وابن الهيثم ويعقوب ابن اسحق الكندي وثابت بن قرة وكمال الدين ابن يونس وأبي بكر الرازي وأبي بكر ابن زهر وأبي الوليد ابن رشد والسهروردي وعبد اللطيف البغدادي وغيرهم من الأعلام الذين ترجمهم فأحسن ترجمتهم حتى لم يبق حاجة في النفس من أمرهم.
تقرأ في هذا السفر تعريب التراجمة الأول في الإسلام مشفوعاً بنبذة من أخبارهم وتتراوح بين تلاوة الحكم المستعذبة والأشعار اللطيفة والنثر البديع بحيث تحكم بين الطبقات هي كتب أدب ومحاضرة كما هي كتاب حكمة وطب تتنقل بين الاستفادة من هذا وترويح النفس بتلك فمن الحكم ما أوصى به أبقراط الأطباء فقال: ينبغي أن يكون المتعلم للطب في جنسه حراً وفي طبعه جيداً حديث السن معتدل القامة متناسب الأعضاء جيد الفهم حسن الحديث صحيح الرأي عند المشورة عفيفاً شجاعاً غير محب للفضة مالكاً لنفسه عند الغضب ولا يكون تاركاً له في غاية ولا يكون بليداً وينبغي أن يكون مشاركاً للعليل مشفقاً عليه حافظاً للأسرار لأن كثير من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لا يحبون أن يقف عليها غيرهم وينبغي أن يكون محتملاً للشتيمة لأن قوماً من المبرسمين وأصحاب الوسواس السوداوي يقابلونا بذلك وينبغي بنا أن نحتملهم عليه ونعلم أنه ليس منهم وأن السبب فيه المرض الخارج عن الطبيعة وينبغي أن يكون حلق الرأس معتدلاً مستوياً لا يحلقه ولا يدعه كالجمة ولا يستقصي قص أظافر يديه ولا يتركها تعلو على أطراف أصابعه وينبغي أن تكون ثيابه بيضاً نقية لينة ولا يكون في مشيه مستعجلاً لأن ذلك دليل على الطيش ولا متباطئ لأنه يدل على فتور النفس وإذا دعي إلى المريض فليقعد متربعاً ويختبر منه حاله بسكون وتأن لا يقلق واضطراب فإن هذا الشكل والزي والترتيب عندي أفضل من غيره. هذا ما قاله أبو الطب ولو عمل الأطباء طراً بمشورته لما ساءت ظنون العامة والخاصة ببعضهم.
ومن مواعظ أفلاطون: إذا هرب الحكيم من الناس فاطلبه وإذا طلبهم فهرب من.
стр. 2216
وقال من لا يواسي الإخوان عند دولته خذلوه عند فاقته. وسئل من أحق الناس أن يؤتمن على تدبير المدينة فقال من كان في تدبير نفسه حسن المذهب. وقال الملك هو كالنهر الأعظم تستمد منه الأنهار الصغيرة فإن كان عذباً عذبن وإن كان ملحاً ملحت وإذا أردت أن تدوم لك اللذة فلا تستوف الملتذ أبداً بل دع فيه فضلاً تدم لك اللذة. وقال لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده فإن الناس ليس يسألون في كم فرغ من هذا العمل وإنام يسألون عن جودة صنعته وقال إذا طابق الكلام نية المتكلم حرك نية السامع وإن خالفها لم يحسن موقعه مما أريد به. وقال رجل جاهل لأفلاطون كيف قدرت على كثرة ما تعلمت فقال لأني أفنيت من الزيت بمقدار ما أفنيته من الشراب. وقال إذا صادقت رجلاً وجب عليك أن تكون صديق صديقه وليس يجب عليك أن تكون عدو عدوه. وقال الإفراط في النصيحة يهجم بصاحبها على كثير من الظنة.
ومن حكم أرسطو أن من علامة تنقل الدنيا وكدر عيشها أنه لا يصلح منها جانب إلا بفساد جانب أخر ولا سبيل لصاحبها لعز إلا بالإذلال ولا استغناء إلا بافتقار وأعلم ربما أنها أصيبت بغير حزم في الرأي ولا فصل في الدين فإن أصبت حاجتك منها وأنت مخطئ أو أدبرن عنك وأنت مصيب فلا يستخفك ذلك إلى معاودة الخطأ ومجانبة الصواب. وقال لا تبطل لك عمراً في غير نفع ولا تضع لك مالاً في غير حق ولا تصرف قوة في غير غناء ولا تعدل لك رأياً في غير رشد فعليك بالحفظ لما أتيت من ذلك والجد فيه وخاصة في العمر الذي كل شيءٍ مستفاد سواه وإن كان لا بد لك من إشغال نفسك بلذة فلتكن في محادثة العلماء ودرس كنب الحكمة. وقال: العالم أصلح نفسك لنفسك يكن الناس تبعاً لك.
وقال: العلم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلاً والجاهل يعرف العالم لأنه لم يكن عالماً. وقال من نازع السلطان مات قبل يومه. وقال أي ملك نازع السوقة هتك شرفه. وقال أي ملك يسف إلى المحقرات فالموت أكرم له.
كتب إلى الإسكندر في وصايا له أن الأردياء ينقادون بالخوف والأخيار ينقادون بالحياء فميز بين التطبيق واستعمل في أولئك الغلظة والبطش وفي هؤلاء الأفضال والإحسان. وكتب أيضاً أن الأمور التي يشرف بها الملوك ثلاثة سن السنن الجميلة وفتح الفتوح المذكورة وعمارة البلدان المعطلة.
стр. 2217
ومن كلام عبد اللطيف البغدادي: اجعل كلامك في الغالب بصفات أن يكون وجيزاً فصيحاً في معنى مهم أو مستحسن فيه الغاز ما وإيهام كثير أو قليل ولا تجعله مهملاً ككلام الجمهور بل رفعه عنهم ولا تباعده عليهم جداً. وقال وإياك والهذر والكلام فيما لا يعني وإياك والسكوت في محل الحاجة ورجوع النوبة إليك إما لاستخراج حق أو اجتلاب مودة أو تنبيه على فضيلة وإياك والضحك مع كلامك وكثرة الكلام وتبتير الكلام بل اجعل كلامك سرداً بسكون بحيث يستشعر منك أن وراءه أكثر منه وأنه عن خميرة سابقة ونظر متقدم.
وقال: وإياك والغلظة في الخطاب والجفاء في المناظرة فإن ذلك يذهب ببهجة الكلام ويسقط فائدته ويجلب الضغائن ويمحق المودات ويصير القائل مستثقلاً سكوته أشهى من السامع من كلامه ويثير النفوس إلى معاندته ويبسط الألسن بمخاشنته وإذهاب حرمته وقال لا تترع بحيث تستثقل ولا تتنازل بحي وتستحقر.
ومن كلام رشيد الدين بن خليفة: احترم المشايخ ولو سكتوا عن جواب سؤالك فلعل ذلك لبعد العهد وكلال القوى أو لأنك سألت عما لا يعنيك أو معرفتهم بعجز فهمك عن الجواب أو إن فوائدك أكثر من ذلك. وقال: اشتغل بكلام المشهورين الجامعة أولاً فإذا حصلت الصناعة فاشتغل في الكتب الجزئية من كلام كل قائل.
وقال: خذ كلام كل قائل عارياً عن محبة أو بغضة ثم زنه بالقياس وامتحنه إن أمكن بالتجربة وحينئذ اقبل الصحيح وإذا أشكل فأشرك غيرك فيه فإن لكل ذهن خاصية بمعان دون معان.
قال: الأمراض لها أعمار والعلاج يحتاج لمساعدة الأقدار وأكثر صناعة الطب حدس وتخمين وقلما يقع فيه اليقين وجزآها القياس والتجربة لا السفسطة محب الغلبة ونتيجتها حفظ الصحة إذا كانت موجودة وردها إذا كانت مفقودة وفيهما يتبين سلامة الفطر ودقة الفكر ويتميز الفضل من الجاهل والمجد في الطلب عن المتكاسل والعمال بمقتضى القياس والتجربة عن المحتال على اقتناء المال وعلو المراتب. وقال ما أكثر الملتذين بالآمال من غير الشروع في بلوغها.
وقال: الآمال أحلام اليقظان وكنب بعضهم إلى شيخه يشكو إليه تعذر أموره فكتب إليه أنك لن تنجو مما تكره حتى تصبر عن كثير مما تحب ولن تنال ما تحب حتى تصبر على كثير
стр. 2218
مما تكره ومما كاد يخلص إليه كتاب الطبقات أنك قد تأتي على ترجمة الرجل والرجلين لا تفهم مذهبه إذا لم يكن في اسمه أو كنيته أو لقبه ما يشعر بأنه مسلم من غير مسلم وربما اشتبه الاسم أيضاً فإن من الصابئة من اسمه حسن ومن المجوس من اسمه عثمان وعلي والعباس والنصراني يكنى بموفق الدين وقطب الدين.
ومن عجب ما قرأت أن قسطا بن لوقا البعلبكي وكان مسيحي النحلة كتاباً له في علة الموت فجأة لأبي الحسن محمد بن أحمد كاتب بطريقة البطارقة والغالب أن اسم هذا أبو غانم العباس بن سنباط. وقد استفدت منه ألفاظ لم تكن مألوفة لزمننا مثل الجوارشنات للحبوب لمستعمله والأقراباذينيات أي تركيب الأدوية والساعور وهو مقدم النصارى في الطب وفي التاج وأن أصله ساعوراً ومعناه متفقد المريض وقد اشتق منه فعلاً فقال: كان جميعاً يسعران المرضى أي يتفقدانها إلى غير ذلك من الفصح والشوارد مثل قوله عن اسم كتاب لأحد مشاهير (المنمس) أي المحتال بالدين ونحوه على شيء يستره.
والغلاب إن المؤلف لم يدخر وسعاً في تنقيح كتابه وتصحيحه إلى أن هلك فجاء زبده في موضوعه فيه كل ما طالب وحلا فمن منظومة وهو مما تأخذه فيه وخير الشعر ما زاد معناه على لفظه وقصدت به غاية كما قال يعقوب بن اسحق الكني
أناف النابي على الاروس=فغمض جفونك أو نكس
وضائل سوادك واقبض يديك=وفي قعر بيتك فاستحلس
وعند مليكك فبغي العلو=وبالوحدة اليوم فاستأنس
فإن الغني في قلوب الرجال=وأن التعزز بالأنفس
وكائن ترى من خي عسرة=غني وذي ثروة مفلس
ومن قائم شخصه ميت=على انه بعد لم يرمش
فإن تطعم النفس ما تشتهي=تقيك جميع الذي تحتسي
وكما وصى يحيى بن عدي أن يكتب على قبره
رب ميت قد صار حيا ... ومبقى قد مات جهلاً وعيا
فاقتنوا العلك كي لا خلودا ... لا تعدوا الحياة في الجهل شيا
وكما قال أبو طاهر بن البرخشي وقد رأى إنساناً يكتب كتاباً إلى صديق له فكتب في
стр. 2219
صدرة العالم.
لما انمحت سنن المكرم والعلى ... وغدا الأنام بوجه جهل قاتم
ورضوا بأسماء ولا معنى لها ... مثل الصديق تكاتبوا بالعالم
وكما قال العنتري
الحق ينكره الجهول لأنه ... عدم التصور فيه والتصديق
فهو العدو لكل ما هو ... فإذا تصوره يعود صديقا
أو كما قال
كن غنياً إن استطعت وإلا ... كن حكيماً فما عدا ذين غفل
إنما سودد الفتى المال والعمل ... لم وما ساد قط فقر وجهل
وقوله
ومن نكد الدهر الغشوم وصرفه ... يجاور رغماً فيلسوف لأحمق
وكقول أبي بكر الرازي
نهاية أقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في غفلة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبان
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
وكقول أمية بن عبد العزيز
مارست دهري وجربت الأنام فلم ... احمدهم قط في جد ولا لعب
وكم تمنيت أن ألقى به أحداً ... يسلي من الهم أو يعدي على النوب
فما وجدت سوى قوم إذا صدقوا ... كانت مواعيدهم كالآل في الكذب
وكان لي سبب قد كنت أحسبي ... أحظى به وإذا دائي من السبب
فما ملقم أظفاري سوى قلبي ... ولا كتائب أعدائي سوى كتبي
وكقول عبد المنعم الجلياني
من لم يس عنك فلا تسألن ... عنه ولو كان عزيز النفس
стр. 2220
وكن فتى لم تدعه حاجة ... إلى امتهان النفس إلا نفر
وكقوله
قالوا نرى نفراً عند الملوك سموا ... وما لهم همة تسمو ولا روع
وأنت ذو همة في الفضل عالية ... فلم ظمئت وهم في الجاه قد كرعوا
فقلت باعوا نفوساً واشتروا ثمناً ... وصنت نفسي فلم أخضع كما خضعوا
قد يُكرم القرد إعجاباً بخسته ... وقد يهان لفرط النخوة السبع
ومثل قول أمين الدولة بن التلميذ
سق النفس بالعلم نحو الكمال ... تواف السعادة من بابها
ولا ترج ما لم تسبب له ... فإن الأمور بأسبابها
وكقوله
لا تحقرن عدواً لان جانبه ... ولو يكون قليل البطش والجلد
فللذبابة في الجرح المدّ يد ... تنال ما قصرت عنه يد الأسد
وكقوله
وأرى عيوباً العالمين ولا أرى ... عيباً لنفسي وهو من اقرب
كالظرف يستحلي الوجوه ووجهه ... منه قريب وهو عنه مغيب
وكقول سعيد بن عبد ربه وكان جميل المذهب معبضاً عن الملوك
أمن بعد غوصي في علوم الحقائق ... وطول انبساطي في مواهب خالقي
وفي حين إشراف على ملكوته ... أرى طالباً رزقاً إلى غير رازقي
وأيام عمر المرء متعة ساعة ... تجيء حثيثاً مثل لمحة بارق
وقد أذنت نفسي بتقويض رحلها ... وأسرع في سوقي إلى الموت ساقي
وإني وأن أوغلت أو صرت هارباً ... من الموت في الآفاق فالموت لاحقي
وكقول أبي فرج بن هندو
قوض خيامك من أرض تضام بها ... وجانب الذل إن الذل يجتنب
ورحل إذا كانت الأوطان منقصة ... فمندل الهند في أركانه حطب
وكقوله
стр. 2221
أطال بين البلاد تجوال ... قصور مالي وطول آمالي
إن رحت عن بلدة غدوت إلى ... أخرى فما تستقر أحمالي
كأنني فكرة الموسوس لا ... تبقى مدى لحظة على حال
وكقوله وكتبها على عود
رأيت العود مشتقاً ... من العود بإتقان
فهذا طيبٌ أناف=وهذا طيب آذان
وكقوله
لا ملك ما فيه كملوك آلة ... سوى أنه يوم السلاح متوج
وقيم لإصلاح الورى وهو فاسدٌ ... وكيف استواء الظل والعود أعوج
وكقول الرحبي:
إذا تقضى شباب المرء في نغص ... فما له في بقايا العمر من إرب
وهناك من المنظومات الطويلة ما هو السحر الحلال. أما المنثور فطريقته طريقة التسجيع التي غلبت على أهل اقرن الخامس فمن بعدهم إلا أن فيه المرسل مثل كلام لأمين الدولة ابن التلميذ كتبه في ضمن رسالة على ولده وكان يعرف برضي الدولة أبي نصر قال والتفت هناك عن هذه الترهات إلى تحصيل مفهوم لتميز به وخذ نفسك من الطريقة بما كررت بذهنك عليه وإرشادك إليه واغتنم الأماكن واعرف قيمته وتشغل بشكر الله تعالى عليه وفز بحظ نفسي من العلم تثق من نفسك بأن عقلته وملكته لأقرته ورويته فإن بقية الحظوظ تتبع هذا الحظ المذكور وتلزم صاحبه ومن طلبه من دونه فإما أن لا يجدها وإما أن لا يتعمد عليها إذا وجدها ولا يثق بدوامها وأعوذ بالله أن ترضى لنفسك إلا بما يليق بمثلك أن يتسامى إليه بعول همته وشدة أنفته وغيرته على نفسه ومما قد كررت عليك الوصاة به على أن لا تحرص على أن لا تقول شيئاً لا يكون مهذباً في معناه ولفظه ويتعن عليك إيراده فأما معظم حرصك فتصرفه إلى أن تسمع ما تستفيده لا ما يلهيك ويلذ للاغمار وأهل الجهالة نزهك الله عن طبقتهم فإن الأمر كما قال أفلاطون الفضائل مرة الورود حلوة الصدر والرذائل حلوة الورد مرة الصدر وقد زاد أرسطوطاليس في هذا المعنى فقال: عن الرذائل لا تكون حلوة الورود عند ذي فطرة فائق بل يؤذه تصور قبحها إذا يفسد عليه ما
стр. 2222
يسلتذه غيره منها وكذلك الصحة يكفي حسه في تعريفه النافع والضار فلا ترض لنفسك حفظك الله إلا بما تعلم انه يناسب طبقة مثالك واغلب خطرات الهوى بعزمات الرجال الراشدين واطمح بنفسك إليها تتركك في طاعة عقلك فإنك تسر بنفسك وتراها في كل يوم مع اعتماد ذلك في رتبة عليا ومرقاة من سماء.
ومن رسالة في السعادة كتبها المؤلف إلى رشيد الدين الصوري وقد أهدى إليه تأليفاً له يحتوي على فوائد ووصايا طبية وهي من السجع على خلاف عادته: أدام الله أيام الحكيم الأجل الأوحد الأمجد العالم العامل الفاضل الكامل الرئيس رشيد الدنيا والدين معتمد الملوك والسلاطين خالصة أمير المؤمنين بلغه في الدارين نهاية سؤله وكبت حسدته وأعاديه ولا زالت الفضائل مخيمة بفنائه والفواضل صادرة منه إلى أوليائه والألسن مجتمعة على شكره وثنائه والصحة محفوظة بحسن مرعاته والأمراض زائلة بتدبيره ومعالجاته المملوك ينهي ما يجده من الأشواق إلى خدمته والتأسف على الفائت من مشاهدته ووصلت المشرفة الكريمة التي وجد بها نهاية الأمل والإرشاد إلى المطالب الطبية الجامعة للعلم والعمل وقد جعلها المملوك أصلاً يعتمد عليها ودستوراً يرجع إليه لا يخليها من فكره ولا يخص بما تتضمنه في سائر عمره ومال المملوك ما يقابل به إحساناً مولانا إلا الدعاء الصالح والثناء الذي يكتسب من محاسنه النشر العطر الفائح وكيف لا أشكر أنشر محاسن من لا أجد فضيلة إلا به ولا أنال الراحة إلا بسببه فالله يتقبل من المملوك صالح أدعيته ويجزي مولانا كل خير على كمال مروءته إن شاء الله.
وأما فوائد الكتاب الطبية والاجتماعية فما ينبغي أن يفرد بالبحث ولا يسع الطبيب والأديب جهله فمن ذلك ما قال به ثابت بن سنان قال ولما كان سنة تسع عشرة ثلاثمائة اتصل بالمقتدر إن غلطاً جرى على رجل من العامة من بعض المتطببين فمات الرجل فأمر إبراهيم بن محمد___بمنع سائر المتطببين من التصرف إلا من امتحنه والدي سنان بن ثابت وكتب له رقعة بخطه بما يطلق له من الصناعة فصاروا إلى والدي وامتحنهم وأطلق لكل واحد ما يصلح أن يتصرف فيه وبلغ عددهم في جانبي بغداد ثمانمائة رجلاً ونيفاً وستين رجلاً سوى من استغنى عن محنته باشتهاره بالتقدم في صناعته وسوى من كان في خدمة السلطان. قلت وهذه الشهادة الطبية نالها من أطباء بغداد بعد العلم والعمل ولا عجب
стр. 2223
أن يكون لبغداد هذا العدد الدثر من الأطباء والقاهرة على ما بلغت إليه من الحضارة في هذا العهد لا يتجاوز أطباءها نصف هذا القدر. وقد ذكر ابن أبي أصيبعة أن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب وما والاها كان إذا أكل الطعام حضر على مائدته أربعة وعشرون طبيباً وكان فيهم من يأخذ رزقين لأجل تعاطي علمين ومن يأخذ ثلاثة لتعاطيه ثلاثة علوم.
ونقل المؤلف من كلام لأبي نصر الفارابي في معنى اسم الفلسفة قال اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل في العربية وهو على مذهب لسانهم فيلسوفياً وعناه إيثار الحكمة وهو في لسانهم مركب من فيلا ومن سوفيا ففيلا الإيثار وسوفيا الحكمة والفيلسوف مشتق من الفلسفة وهو على مذهب لسانهم فيلسوفوس فإن هذا التغيير هو تغير كثير من الاشتقاقات عندهم ومعناه المؤثر للحكمة والمؤثر بالحكمة عندهم هو الذي يجعل الوكد من حياته وغرضه من عمره الحكمة. وحكى أبو نصر الفارابي في ظهور الفلسفة ما هذا نصه: قال إن أمر الفلسفة اشتهر أيام الملوك اليونانيين وبعد وفاة أرسطوطاليس إلى أخر أيام المرأة وأنه لما توفي بقي التعليم فيها على حاله إلى أن ملك ثلاثة عشر ملكاً وتوالى في مدة ملكهم من معلمي الفلسفة اثنى عشر معلماً أحدهم معروف باندرنيقوس وكان هؤلاء الملوك المرأة فغلبها أوغسطس الملك من أهل رومية وقتلها واستحوذ على الملك فلما استقر له نظر في خزائن الكتب وصنعها فوجد فيها نسخاً لكتب أرسطوطاليس قد نسخت في أيامه وأيام ثاوفرسطس ووجدوا المعلمين والفلاسفة قد عملوا كتباً في المعاني التي عمل فيها أرسطو وتلاميذه وأن يكون التعليم منها وأن ينصرف عن الباقي وحكم أندرونيقوس في تدبير ذلك وأمره أن ينسخ نسخ يحملها معه إلى رومية ونسخاً يبقيها في موضع التعليم في الإسكندرية وأمره أن يستخلف معلماً يقوم مقامه بالإسكندرية ويسير معه إلى رومية فصار التعليم في موضعين وجرى الأمر على ذلك إلى أن جاءت النصرانية فبطل التعليم من رومية وبقي بالإسكندرية إلى أن نظر ملك النصرانية في ذلك واجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا التعليم وما يبطل فرأوا أن يعلم من كتب المنطق إلى أخر الأشكال الوجودية ولا يعلم ما بعده لأنهم أن في ذلك ضرراً على النصرانية وإن فيما أطلقوا تعليمه ما يستعان به على نصرة دينهم فبقي الظاهر من هذا التعليم هذا المقدار وما ينظر فيه من الباقي مستوراً إلى كان الإسلام بعده بمدة طويلة فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية وبقي بها زمناً طويلاً إلى أن
стр. 2224
بقي معلم واحد فتعلم منه رجلان وخرجا ومعهما الكتب فكان أحدهما من أهل حران والآخر من أهل مرو فأما الذي من مرو تعلم منه رجلاً. أحدهما إبراهيم المروزي والأخر يوحنا بن حيلان وتعلم من الحراني إسرائيل وسارا إلى بغداد فتشاغل إبراهيم بالدين وأخذ قدري في التعليم وأما يوحنا فإنه تشاغل أيضاً بدينه وانحدر إبراهيم إلى بغداد وأقام بها وتعلم منه متى بن يونان وكان الذي يتعلم في ذلك الوقت إلى أخر أشكال الوجودية. وكان ما يسمى ما بعد الأشكال الوجودية الجزء الذي لا يقرأ إلا أن قرأ ذلك وصار الرسم بعد ذلك حيث صار الأمر إلى معلمي المسلمين أن يقرأ من الأشكال الوجودية إلى حيث قدر الإنسان أن يقرأ فقال أبو نصرانه قرأ إلى أخر كتاب البرهان.
ومن فوائد التاريخية في الكتاب ما ذكره صاعد بن بشر في مقالته في مرض البراقيا ما عاينه في ذلك الزمان من أهوال وجدها ومخاوف شاهدها. هذا نصه وقال وأنه عرض لنا من نضايق الزمان علينا والتشاغل بالتماس الضروري ولما قد شملنا من الخوف والحذر والفزع واختلاف السلاطين وما قد بلينا به مع ذلك من التنقل في المواضع وضياع كتبنا وسرقتها ولما قد أظلنا من الأمور المذعرة المخوفة التي لا نرجو من كشفها إلا الله نقدس اسمه قال ابن أبي أًصيبعة هذا ما ذكره أي صاعد وما كان في أيامه إلا الاختلاف ملوك الإسلام بعضهم مع بعض وكان الناس سالمين في أنفسهم آمنين من القتل والبغي فكيف لو شاهد ما شاهدناه ونظرا ما نظرناه في زماننا من التتار الذين أهلكوا العباد وخربوا البلاد وكونهم إذا أتوا إلى مدينة فما لهم إلا قتل جميع من فيهم من الرجال وسبي النساء والأولاد ونهب الأموال وتخريب القلاع والمدن لكن استصغر ما ذكره واستقل ما عاينه وحقره ولكن ما الطامة إلا ما فوقها طامة أعظم منها ولا حادثة إلا غيرها تكبر عنها والله الحمد على السلامة والعافية
ومن فوائده التاريخية أيضاً ما ذكره في ترجمة ابن بطلان قال إن مشاهير الوباء في زمانهم وباء سنة ست وأربعين وأربعمائة فإنه دفن في كنسية لوقا بعد أن امتلأت جميع المدافن التي في القسطنطينية أربعة عشر ألف نسمة في الخريف فلما توسط الصيف في سنة سبع وأربعين لم يوف النيل فمات في الفسطاط والشام أكثر أهلهما وجميع الغرباء إلا ما شاء الله وانتقل الوباء من العراق فأتى على أكثر أهله واستولى عليه الخراب بطرق
стр. 2225
العساكر المتعادية واتصل ذلك بها إلى سنة أربع وخمسين وأربعمائة وعرض للناس في أكثر البلاد قروح سوداوية وأورام الطحال وتغيير الترتيب نوائب الحميات واضطراب نظام البحارين قال وتكامل خراب العراق والموصل والجزيرة واختلت ديار بكر وربيعة ومضر وفارس وكرمان وبلاد اليمن والمغرب والفسطاط والشام واضطربت أحوال ملوك الأرض وكثرت الحروب والغلاء والوباء.
ومن فوائده الاجتماعية ما ذكر في ترجمة اسرائيل بن الطيفوري أن الوزير الفتح ابن خاقان كا كثير العناية به فقدمه عند المتوكل ولم يزل حتى انس به المتوكل وجعله في مرتبة بختيشوع وعظم قدره وكان متى ركب إلى دار المتوكل يكون موكبه مثل موكب الامراء وأجلاء القواد وبين يديه أصحاب المقارع. قلت ولعل أصحاب المقارع مثل الذين يمشون أمام عجلات الأعيان والامراء ومركباتهم في هذا القطر وهذه العادة من أبشع العادات التي أبقتها الأيام. كما أنه كان يحمل بين يدي الكبراء مشاعل في الليل كما ذكره في ترجمة أبي الفرج بن توما ومن فوائده الأدبية قوله: ذكروا أن الأصل كان في اسم جالينوس غالينوس ومعناه الساكن او الهادي وقيل أن ترجمة اسم جالينوس معناه بالعربي الفاضل وقال أبو بكر محمئد بن زكريا الرازي في كتاب الحاوي أنه ينطلق في اللغة اليونانية ان ينطق بالجيم غينا وكافا فيقال مثلا جالينوس وغالينوس وكالينوس وكل ذلك جائز وقد تجعل الالف واللام لاماً مشددة فيكون ذلك أصح في اليونانية أقول وهذه فائدة تتعلق بهذا المعنى وهي حدثني القاضي نجم الدين عمر بن محمد الكريدي قال حدثني ابنا غانوس المطران بشوبك وكان أعلم أهل زمانه بمعرفة لغة الروم القديم وهي اليونانية إن في لغة اليونان كل ما كان من الأسماء الموضوعة من أسماء الناس وغيرهم فآخرها سين مثل جالينوس وديسقوريدس وانكساغورس وأرسطو طاليس وديوجانيس واريباسيوس وغير ذلك وكذلك مثل قولهم قاطيغورياس وبارينتياس ومثل اسطوخودس واناغالس فان السين التي في آخر كل كلمة حكمها في لغة اليونان مثل التنوين في لغة العرب الذي هو في آخر الكلمة مثل قولك زيد وعمرو وخالد وبكر وكتاب وشجر فتكون النون التي تتبين في آخر التنوين مثل السين في لغة أولئك أقول ويقع لي أن من الالفاظ التي في لغة اليونانيين وهي قلائل ما لا يكن في آخره مثل سقراط وأفلاطون وأغاثاذيمون واغلوقن
стр. 2226
وتامور وياغاات وكذلك من غير أسماء الناس مثل انالوطيقيا ونيقوماخيا والريطورية ومثل جند بيدستر وترياق فإن هذه الاسماء تكون في لغة اليونانيين لا يجوز عندهم تنوينها فتكون بلا سين وذلك مثل ما عندنا في لغة العرب وأن من الأسماء ما لا ينون وهي الأسماء التي لا تتصرف مثل إسماعيل وإبراهيم وأحمد ومساجد ودنانير هذه كتلك
إما فوائد الكتاب الطبية فكثيرة جداً فمنها ما رواه عن جالينوس إن كل بيت لا تدخله الشمس يكون وبيئاً وهو مثل قول الفرنسيس في أمثالهم حيث لا تدخل الشمس يدخل الطبيب ومما ذكره ابن بختويه في كتاب المقدمات صفة لتجميد الماء في غير وقته زعم أن إذا أخذ الشب اليماني الجيد رطل ويسحق جيداً ويجعل في قدر فخار جديدة ويلقى عليه ستة أرطال ماء صافي ويجعل في تنور ويطين عليه حتى يذهب منه الثلثان ويبقى الثلث لا يزيد ولا ينقص فإنه يشتد ويرفع في قنينة ويسد رأسها جيداً فإذا أردت العمل به أخذت تلجية جديدة وفيها ماء صافي الماء عشرة مثاقيل من الماء المعمول بالشب ويترك ساعة واحدة فإنه يصير ثلجاً وكذلك أيضاً زعم بعض المغاربة في صنعة تجميد الماء في الصيف.
قال: اعمل إلى بذر الكتان فانقعه في خل خمر جديد ثقيف فإذا جمد الماء فألقه في جرة أو اوجب مليء ماء قال فإنه يجمد ما كان فيه من الماء ولو انه في حزيران أو تموز.
بقي في الكتاب كثير من النكات المضحكة ننقل بعضها للأحماض وترويحاً للنفوس فمما رواه يوحنا بن ماسويه العالم الطبيب المشهور وكان فكهاً ادعابة وظرف قال: شكا إليه رجل جرباُ قد اضرّبه فأمره بقصد إلا كحل من يده اليمنى فأعمله أنه قد فعل فأمره بقصد الأكحل أيضا من يده اليسرى فذكراه قد فعل فأمره بشرب الطبوخ فقال قد فعلت فأمره بشرب الاصطمخيقون فاعلمه انه قد فعل فأمره بشرب ماء الجبن أسبوعاً وشرب مخيض البقر أسبوعين فأعلمه انه قد فعل فقال له لم يبق شيءٌ مما أمر به المتطيبون إلا وقد ذكرت انك فعلته وبقي شيءٌ مما لم يذكره بقراط ولا جالينوس وقد رأيناه يعمل على التجربة كثيراً فاستعمله فغني أرجو أن ينجح علاجك إن شاء الله فسأله ما هو فقال ــ زوجي قراطيس وقطعهما رقاعاً صغاراً واكتب في كل رقعة رحم الله من دعا لمبتلى بالعافية والق نصفها في المسجد الشرقي بمدينة السلام والنصف الآخر في المسجد الغربي وفرقها في
стр. 2227
المجلس يوم الجمعة فأني أرجو أن ينفعك الله بالدعاء إذ لم ينفعك بالعلاج.
وعلى الجملة فالكتاب مادة واسعة في علوم واسعة في علوم الحضارة فنشكر لناشره العالم الألماني الذي سمى نفسه امرأَ القيس الطحان وهذا الاسم ترجمة اسمه الحقيقي ماكس ماللر فقد طبعه في مصر وصححه على عدة نسج وأمهات صحيحة وألحقه بفهرس الإعلام بحيث جاء مفيداً يكاد غلطه لا يذكر وبذل وقته وماله فيه حتى نفع العلم والأدب وجلا كثيراً من الحقائق التي كانت مستورة وها قد اخذ الألمان اليوم يترجمونه إلى لغتهم وسيتم طبعه قريباً وأني لأوصي كل طالب علم وعاشق معرفة أن يقتنيه فهو من الكتب التي لا يليق بمنضدة أن تكون خالية من نسخة منه يأخذ كل مطالع منها ما يغلب عليه دع عنك ما هنالك من تاريخ يلقح كل حين فكراً جديداً ولو كان في موضوع هذا المصنف المفيد مئة كتاب من أمهات كتبنا جميلة الطبع والوضع لعدت العربية في التاريخ والسير من أغنى لغات العصر.
стр. 2228
سيرة العلم والاجتماع
تربية الحواس
لم يعن علماء التربية حتى الآن بأن يجعلوا من جملة تربية الحواس ولايعلمون الولد في المدارس الابتدائية كيف يبصر ويسمع ويلمس ويشم ويميز الطعوم فيأتي الطفل من ذلك ما يروقه ويكون الجهل من هذا القبيل عاماً. فقد يبصر المبصرون بدون مبصر فسيعيشون البصر وليس غير العادة من قاعدة للمشمومات والمطعومات ولا يعرف الناس استعمال أصابعهم لتمييز الأشياء بمجرد لمسهم. وقد عني الأستاذ المرغاتس من أعضاء المجمع العلمي السميثوني في أميركا منذ بضع سنين بتلاقي هذا النقص في تربية الحواس فوضع طريقة جربها في أولاده البنين منهم والبنات فجمع إلى تمرين الحواس تهذيب العقل وهو مقر الحواس بل المركز العام لكل باصرة وسامعة ولامة وأخذ يعلم الأطفال على التفكر بسرعة وأن يستخدموا كل حاسة بسرعة فرلي خلايا الدماغ وأول ماكان يعلم الطفل التمييز بين الألوان فإنه استعمل لذلك أطر لذلك منوعة الألوان واطراً من ألوان واحدة تختلف بعض الشيء ويكرر من هذه الأُطر نحو ثلاثين ألف لون على نظر الطفل يعلمه التمييز بين ألوانها بأعيانها بحيث تتربى فيه ملكة النظر فلا يرتكب خطأ بعد في التمييز بينها.
ويبدأ بتعليم الطفل تمييز الألوان وهو في الثانية أو الثالثة عند ما يأخذ يتكلم وينتهي من التعلم في السابعة أو الثامنة وفي الرابعة من عمره تربى فيه ملكة السمع بواسطة آلة الاستماع التي تحقق الأصوات وتقيها الارتجاجات ولتقوية العقل يضعون بين أيدي الطفل ألعاباً عملية من نحو خشبة مثقوبة ثقوباً كثيرة يدخل فيها مسامير مختلفة الحجم على أسرع ما يكون فيتربى بصره على التمييز في الحال بين المسار الصالح للثقب الذي يريده وأن تتناوله يده بسرعة وتدخله في محله. وهناك لعبة الخاتم وهي عبارة عن هدف تجعل فيه كلابات فيقضى على الولد أن يرمي بالخواتم بحيث تعلق في الكلابة الخاصة بها. وقد ذكر الأستاذ غرائس بأن قوة العضلات يمكن إنقاصها وزيادتها بزيادة الحرارة والبرودة في الأعضاء بل بواسطة المنبهات كالشاي والقهوة وذكر أن الصباح خير الأوقات للرياضة العضلية بعد أن يكون الإنسان استوفى حظه من نوم الليل وأنه لابد من أن يعقب تلك الرياضة بعد أن يكون الإنسان استوفى حظه من نوم الليل وأنه لابد من أن يعقب تلك
стр. 2229
الرياضة شيءٌ من الراحة. وقد أخذت هذه الطريقة تسري في الولايات المتحدة وأخذوا هناك يزهدون في أنواع الرياضيات القليلة الجدوى ليستعيضوا عنها بتربية الحواس والقوة فكانت النتيجة باهرة.
الاستقامة في الخط
تألفت في باريز جمعية من كبار العلماء والأطباء تدعو الناس إلى تعليم أولادهم الخط وهم على وضعه مستقيمة في أجسامهم لأن اعوجاج الجسم وانحناء مضران بصحة الكاتبين وهم يرون أن يلاحظ الولد الذي يكتب وهو منحن مستنداً على طرف واحد وذراعه اليسرى بعيدة وذراعه اليمنى قريبة ملصوقة بالجسد ورجله اليسرى موضوعة أمام اليمنى فبدلاً من أن يحمل ثقل الجسد على طرفي الإنسان ينزل على الذراع وحق الفخذ الأيسر وإذ كانت سلسلة الظهر سريعة العطب في الطفل لا تلبث أن تخرج عن اتجاهها الأفقي فتلوى وتنحني ويصيب الفقرات التواء ويقع اليسار من الصدر على طرف المنضدة فيضغط على الرئتين فيتولد من ذلك تشويه في الأعضاء وقص الصدر. وبهذا الوضع المائل يضطر الرأس إلى الانحناء إلى اليسار وإلى الأمام وتقترب العينان من الورق فيضعف البصر فأخط باحناء الجسم يورث انحراف سلسلة الفقار والحسر (ضعف البصر). أما الخط يجعل الجسم مستقيماً والورق أمام الكاتب مستقيماً فتستقيم به بالطبع وضعة الجسم والرأس وسلسلة الفقار ولاينشأ عن ذلك ضيق ولا انحراف ولاعائق يضر بالصدر وقد كاد هذا الرأي يعم الأساتذة والتجار والصناع ولذلك قامت هذه الجمعية تدعو إلى تعليم الكتابة والأجسام مستقيمة والاستقامة شرط في كل شيء لا في الكتابة فقط.
فائدة الدموع
ادعى أحد الأطباء أن إرسال العبرات مفيد لصحة الباكي فكتب أحد مشاهيرهم مقالة في تأييد رأي صاحبه قال فيها: أن الدموع تجري في حالتين متناقضتين الحزن الشديد والفرح العظيم ففي الحزن يصحبها صراخ وعويل وفي السرور يشفعها ضحك وقهقهة وإذا نظرنا في طبيعة الإنسان الضاحك وطبيعة الباكي يتجلى لنا كيف يضحك ويبكي من خد واحد.
ليس الضحك الشديد من حيث النظر الفسيولوجي إلا تأثيراً وجهداً ففي حالتي الجهد والضحك تنقبض الأعصاب فتطبق فتحة الحنجرة ثم تخفض الحجاب الحاجز وتقف حركة
стр. 2230
الأعصاب التي يكون من تحركها تحريك الترقوة ثم يزيد الضحك فنستعين بتحريك أعصاب أخرى فتنثني سوفنا وأفخاذنا وننكث بأرجلنا الأرض.
ويتخلل التنفس شيء من الوقوف ولكنه لايزيل حالة الإغماء التي تحدث في الضاحك ويكفيك أن تنظر إلى عروق جبهته كيف تنتفخ وإلى شفتيه كيف تكلح وإلى وجهه كيف يحمر لتدرك الانقباض الشديد الذي يصيب دماغه وعندما تنقبض الأوداج الخارجة بكثرة الضحك وينقلب الدم من الودج الأصلي إلى الودج الداخلي ويتراكم على الدماغ فيطفح هذا بالدم الذي لايجري بما يحول دونه ودون التنفس وينفجر بما يدفق الدم الشرياني الواصل إليه بواسطة عصب البصر الواقع بين الودجين يتجه الدم نحو الدماغ من جهة العيون ويحقن الملتحمات والغدد الدمعية وعندها تفيض الدموع بتواتر الدم على تلك الصورة بمعنى أن الغدد الدمعية تحيل الدم الذي ينهال عليها إلى دموع لأن تركيب الدموع كتركيب الجزء السائل من الدمع. وفي تلك الحال يؤثر جريان الدمع في الدماغ المحتقن على صورة فصد أبيض يفصل دماغ الضاحك الذي يوشك أن يغمى عليه بما يتواتر إليه من الدم.
والدموع نافعة في حالة الحزن ولكن عملها في تلك الحالة مخالف لعملها في حالة السرور فإن كان الدماغ يحتقن في حالة الضحك فإنه يقل دمه في حالة الحزن فجريان الدموع على صورة فصد لايزيد الدم إلا فقراً في المراكز العصبية ولكن هذا الفقر في الدم ينتج ضرباً من ضروب السبات في الدماغ ونوعاً من الكسل الطبيعي وقلة المبالاة والإحساس في الدماغ فيقل بذلك التأثر من المصاب أو الألم. وقلة الإحساس هذه في تخفيف ما أصاب المرء أشبه بمخدر صناعي كالكلوروفورم والإثير والكحوا فيضيع الحزن في العبرات كما يضيع في الكحول. ومن العجيب أن التقطيب الذي نقطبه عندما نبكي يحدث من انقباض الأعصاب الذي تفعل فعلها في الغدد الدمعية والشرايين البصرية وجميع أعصاب الجفون والأهداب وغيرها إذا انقبضت تؤثر في الغدد الدمعية وهكذا كانت الدموع فرجاً للمحزون كما هي فرج للطفل وسلامة دماغه فهو لها نعم المخدر وأحسن مداوٍ من الاضطرابات كما يرى في النساء أيضاً وهن لا يقللن عن الأطفال بتأثراتهن.
стр. 2231
مكتبة الاسكندرية
لما ظهر (الكتاب الذي تكلمنا عليه في فصلين إضافيين (صفحة ٣٧٦ و ٤٥٧) من مقتبس هذه السنة أُعجبنا به وبما ظهر من أنصاف مؤلفة في كلامه على حريق مكتبة الاسكندرية الذي نسبه بعضهم وزراً لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب فبادرنا إلى كتابة كلمات للمؤلف العالم نشكر له حسن صنيعه فجاءنا منه الكتاب الآتي ننشره بحرفه تتمة لهذا المبحث الذي خبط فيه بعضهم تقليداً وبعضهم تعصباًُ قال حفظه الله:
وهذا تعريبه باريز في ١٤ أغسطس (آب) ١٩٠٨
سيدي
كان لما أظهرتموه في كتابكم وأبديتموه من عواطف ودكم موقع كبير من نفسي على نحو ما كان لما تفضلتم به عليّ في رسالتكم من الثناء على تأليفي (الكتاب) فثقوا كل الثقة من أني أعد هذا المديح أحسن مكافأة على عملي وأغلى باعث على التنشيط الذي أطال إلي نيله.
لشد ما استحكم الوهم التاريخي زمناً بشأن عمر ومكتبه الاسكندرية وهاهو آخذ بالاضمحلال. أما أنا فقد اغتبطت بماسخ لي من الفرصة فكنت من العاملين على مكافحة هذا الوهم وأثبت بالبراهين التي وصلت يدي إليها مااعتقدت أنه هو الحقيقة. وتفضلوا إلخ
التوقيع
البرسيم
стр. 2232
العدد ٣٦ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩٠٩
стр. 2233
الحافظة والحفاظ
أي نعمة ينالها المرء أعظم من أن تعي ذاكرته كل ما تريد وعيه وتدخره إلى ساعة حاجة للانتفاع به. الحافظة من العوامل المؤثرة في ترقية الأفراد والجماعات وبدونها يصعب الوصول إلى إدراك الحقائق وتمحيصها لانا إذا لم نستعن في كل مطلب من مطالب الحياة بتجارب من سبقونا ونحفظ المأثور عنهم لننسج على منواله كنا أشبه بمن يريد أن يبني له يوم بناء وظلت العلوم والصناعات والآداب في طفولتها الأولى تجري على نظام مضطرب إذ يكون كل امرىء وما يختار.
والذاكرة والحافظة حاسة يحفظ بها الذهن على صورة دائمة أموراً مضت وتأثرت وقعت فهي بذلك كما قال مونتين الفيلسوف (١٥٣٢ ـ ١٥٩٢) وعاء العلم وصوان الحكمة. وقال لارشفوكلد الكاتب (١٦١٥ ـ ١٦٨٠) جميع الناس يشكون من حافظتهم وما قط شكا أحد من عقله. وقال آخر: إن الذكاء بدون حافظة أشد بغربال لايكاد يمسك ما تضعه فيه. وقال أحدهم: الحافظة واسطة من وسائط الكمال وبدونها لا يستطيع امرؤ أن يقلد شيئاً وينسج على منواله. وقال لاكورنيل الشاعر: يجب لمن يعتمد الكذب أن يكون ذا ذاكرة جيدة. وهذا مثل قولهم إذا كنت كذوباً كم ذكوراً. وقال بيكته الأديب السويسري (١٧٩٩ـ ١٨٧٥): لقد كان للحافظة شأن مهم جداً عند الناس في العصور الأولى أكثر مما صار لها في القرون اللاحقة. كانت الحافظة قبل اختراع الكتابة هي التي تتولى خاصة نقل التقاليد الوطنية والدينية وعامة القوانين والعادات والشعر ولذلك كانت هذه الحاسة التي قلما نحفل الآن بأمرها عند قدماء الآريين مشابهة للفكر نفسه. اختلفت مذاهب الفلاسفة فيما إذا كانت الحافظة حاسة قائمة بذاتها أو فيما إذا كان لكل حاسة فينا ذاكرة معينة ومعظم الحكماء وعلما النفس على أن الحافظة حاسة مستقلة عن بقية حواس الإنسان ولا يكاد أحد يدرك كيف تعي الحافظة الأرقام والأعداد وتحفظ العبارات والمفردات وتحكم اللغات واللهجات وتردد الألحان والأصوات. ويقول علماء النفس أن الشروط النفسية اللازمة لجودة الذهن متوقفة على جودة تركيب أنسجة الدماغ وحسن تغذية هذه الأنسجة. والتعب والشيخوخة من العوامل المؤثرة في ضعف الحافظة لأنهما ملازمان لضعف تغذية هذه الأنسجة ولذلك قالوا درجة الحافظة لا تختلف بحسب الأشخاص بل تختلف في الشخص الواحد في أدوار مختلفة من حياته وإذا صرفنا النظر عن الآفات العضوية التي تضر بها فمن هناك أيضاً
стр. 2234
أحوالاً أقل منها تزيدها ضعفاً إلى ضعفها مثل اضطرابات المعدة وسوء الهضم والشقيقة فإن جميع هذه العوارض على الجسم تغيرها تغييراً محسوساً.
ولتركيب الدماغ وحالته تأثير ظاهر في الحافظة فقد ذكر بلين الطبيعي الروماني أن رجلاً نسي حتى رسائله بعد أن أصيب بشجة في رأسه. وزعم البابا كليمان السادس أن حافظته قويت قوة عجيبة عقب أن أصيب برضة شديدة في دماغه. وكيفما كانت الحال فللتمرين يد طولي في تخصيص الحافظة بشيء معين فالممثلون تقوى فيهم الملكة الحافظة الشفاهية وهي من اللوازم لهم في صناعتهم ورجال الشرطة تقوى فيهم الحافظة في تذكر صور الأشخاص وليس البشر كلهم سواء في الحفظ والاستظهار فمنهم من يحفظون الأشكال الهندسية وهم اللذين خلقوا رياضيين بالفطرة ومنهم من يرزقون حافظة قوية في الأنغام كالموسيقيين. وغيرهم في ذلك من الناس من يذكرون الكلمات بسرعة غريبة ومن الأطفال من تقرأ لهم بصوت عال عدة صفحات فيستظهرونها في الحال ويتلونها على مسامعك لأول مرة. وتذكر الألفاظ خاصة يمتاز بها الأولاد في العادة أكثر من الكبار في السن ممن لا تكون قويت فيهم حاسة التفكر فيحفظون الكلمات التي يسمعونها على أيسر وجد بدون أن يفهمونها والسبب في سهولة الحفظ عليهم فقدان قوة التفكر فيهم وعندما يبدأ التفكر في معظم الناس تضعف الحافظة فيهم وقد تزول من بعضهم. والحافظة الشفاهية إذا كانت هي وحدها في الإنسان لا تكون له سبيلاً إلى التفكر ومن فقد الأولى فلا يأسف لحاله لأنه يستطيع بقوة التفكر أن يأتي بالجيد من الأفكار ولكن الحافظة وحدها قد تكون من أكبر العوائق عن جودة التصور.
وبعد فإن للحافظة شأناً عرقية الفكر الإنساني وبدونها يكون كل شيء عقيماً لا ثمرة لأنها واسطة لبقاء الأفكار التي صدرت وأحسن ذريعة للحصول على أفكار جديدة ولم يعرف القانون الذي تسير عليه كما أن جوهرها لم يدرك الباحثون حقيقته وغاية ما عرف من أمرها أنها بالانتباه والتمرن وأن الكسل ابن الترف والكسل يجرح الحفظة أن لم نقل يقتلها.
ذكر التاريخ كثيرين من رباب الحافظة النادرة فمنهم في القديم ميتر يدانس الكبير ملك شمالي غربي آسيا الصغرى (١٢٣ـ ٦٣ ق. م) فقد كان يحكم على اثنين وعشرين أمة مختلفة ويخطب أمام كل منها بلغتها ويدعو كل واحد من جنده باسمه. وذكروا مثل ذلك عن
стр. 2235
قورش ملك الفرس وليموسنقلس وسيبيون الآسياوي وإلا إمبراطور أدريان ويقال أن مزية الحافظة هيأت لاوتون الروماني تولي الملك. وتعلم ليموسنقلس اللغة الفارسية في سنة وكان ليبس اللغوي الأديب البلجيكي (١٥٤٧ـ ١٦٠٦) يحفظ تاريخ تاسيت المؤرخ اللاتيني بألفاظه حرفاً بحرف وقد قال أنه يرضى أن يقف جلاد وبيده سيف على رأسه وهو يتلو هذا التاريخ فإذا أخل بحرف واحد يضرب عنقه.
وكان لرينودي بون حافظة سعيدة يذكر جميع الأبيات اللاتينية واليونانية التي قرأها في صباه ويتلو صفحات برمتها من ديوان هوميروس وان كان مضى عليه أربعون سنة وهو لم ينظر فيه نظرة واحدة. وكان هوج دونو الفقيه المشهور في القرن السادس عشر يستظهر القوانين المعروفة في عصره بالحرف الواحد. وحفظ يوسف سكاليجة الأديب (١٥٤٠ـ ١٦٠٩) الإلياذة والاوذيسية في أحد وعشرين يوماً. ومن ألطف ما يروى في باب الحافظة أن أحد الفلاحين في فرنسا جاء إلى باريز يقصد صاحباً قديماً له قد استلف منه خمسة فرنكات منذ خمسة عشرة وطلب إليه أن ينقده ماله فتركه وعاد فدفع إليه ليرة واحدة وخمسة فرنكات وقال له: هذا يا صاح قد كنت نلت وأنا في المدرسة ليرة جائزة عن حافظتي فرأيتك أحد مني ذاكرة وأنك أحق بهذه الجائزة مني.
ليس في الدنيا خير محض فقد اخترعت الطباعة منذ نحو خمسمائة سنة فعم نفعها أهل الأرض كافة ولكن ما عتمت أن نتج عنها بعض شر إذ أصبح الناس يعتمدون على الكتب في جماع علومهم وآدابهم بعد أن كان جل اعتمادهم على محفوظاتهم ومخطوطاتهم. والغالب أن الاعتماد على الحافظة والحفاظ كان في الإسلام على أشد قبل تدوين الكتب وتأليف الرسائل والمصنفات ولما بلغ بعض الأئمة تدوين الكتب أسفوا وعدوه من دواعي تقهقر العلم وانقطاع سند الرواية وما زالت الحال ترتقي بعض الشيء في بعض الأعوام ثم يزهد في الحفظ حتى انتشرت الطباعة في بلادنا بانتشار الصناعات الفكرية فأمسى الناس يستندون إلى السطور بدل الصدور والقراطيس والأسفار بدل الحفظ والاستظهار فضعفت بهذا الضعف الحافظة وان قويت المفكرة وقلت الرواية وان لم تقل الدراية.
انقطع سند الحفظ إلا في بعض ما لا يسع الأمة جهله من القرآن وعلومه فأخذ بعضهم يفتاتون على من عرفوا قديماً بسعة محفوظهم ويزيفون ولكن بدون برهان ما رواه طائفة
стр. 2236
الراوين من أبناء الأذكياء الحافظين. ولو صح الاعتماد على إلقاء الكلام على عواهنه في هذا الباب إذاً لسقط التاريخ وارتفعت الثقة من كل خبر حتى من مجيء الرسم وحروب الملوك ودثور الشعوب والمدن وما إليها. وما أشبه من يكذب بادىء الرأي بلا دليل قاطع بمن يؤثر الهدم على البناء. وشتان بين المخرب والمعمر والمتلف والمخلف والمفسد والمصلح.
ما عُنيت امة بتدين دينها وحفظه ولغتها وضوابطها عناية المسلمين بدينهم ولغتهم فكان أمر حفظة الكتاب العزيز ما اشتهر في كل مصر وعصر ولا يزال في البلاد اثر من آثر تلك العناية. أما الأحاديث فقد عنوا بها قديماً وجمعوا أشتاتها وبينوا صالحها من موضوعها وضعيفها من قويها مما يدركه كل من كان له إلمام بالمراجعة ونظر في كتب القوم.
لم يكن العلم في القرون الأولى للإسلام بالإرث ولا بالمظاهر ولا بالوساطات والشفاعات بل كان بالاستحقاق وكدّ القرائح سير على قوانين بقيود وروابط ولذلك لم يكن ينال لقب حافظ من لم يحفظ ألوفا من الأحاديث بأسانيدها فقد كانوا يطلقون اسم المسند على من يروي الحديث بإسناده سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد رواية ويطلقون اسم المحدث على من كان أرفع منه والعالم على من يعلم المتن والإسناد جميعاً والفقيه على من يعرف المتن ولا يعرف الإسناد والحافظ على من يعرف الإسناد ولا يعرف المتن والراوي على منة يعرف المتن ولا يعرف الإسناد. وكان السلف يطلقون المحدث والحافظ بمعنى. والمحدث من عرف الإسناد والعلل وأسماء الرجال والعالي والنازل وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون وسمع الكتب الستة ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقي ومعجم الطبراني هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثة هذا أقل درجاته فإذا سمع ما ذكر وكتب الطباق ودار على الشيوخ وتكلم في العلل والوفيات والمسانيد كان في أول درجات المحدثين. وكان السلف يستمعون فيقرون فيرحلون ويحفظون فيعملون قال بعضهم.
إن الذي يروي ولكنه ... يجهل ما يروي وما يكتب
كصخرة تنبع أموالها ... تسقي الأراضي وهي لا تشرب
سأل تقي الدين السبكي الحافظ جمال الدين المزي عن حد الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل الذي جاز له أن يطلق عليه الحافظ قال: يرجع إلى أهل العرف فقلت وأين أهل العرف
стр. 2237
قليل جداً قال: اقل ما يكون الرجال اللذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من اللذين لا يعرفهم ليكون الحكم للغالب فقلت له: هذا عزيز في هذا الرمان أدركت أن أحداً كذلك فقال: ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة. قال فتح الدين بن سيد الناس وأما المحدث في عصرنا فهو من اشتغل في الحديث رواية ودراية وجمع رواة واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيخ شيوخه طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من علل طبقته أكثر مما يجهله منها فهذا هو الحافظ وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء فذلك بحسيب أزمنتهم.
وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث قيل له وما يدريك قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب: احفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال الحاكم في المدخل: كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث سمعت أبا جعفر الرازي يقول سمعت أبا عبد الله بن وارة يقول كنت عند اسحق ابن إبراهيم بنيسابور فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل يقول صح من الحديث سبعمائة ألف وكسروا هذا الفتى يعني ابا زرعة قد حفظ سبعمائة ألف حديث. قال البيهقي: أراد ما صح من الأحاديث وأقاويل الصحابة والتابعين وقال غيره: سئل أبو زرعة عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل يحنث قال لا. ثم قال: احفظ مائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان سورة قل هو الله أحد وفي المذاكرة ثلثمائة ألف حديث وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ: كان أبو زرعة يحفظ سبعمائة ألف حديث وكان يحفظ مائة وأربعين ألفاً في التفسير والقرآن. وكان اسحق بن راهوية يملي سبعين ألف حديث حفظاً وأسند ابن عدي عن ابن شبرمة عن الشعبي قال: ما كتبت سواداً في بيضاء إلى يومي هذا ولا حدثني رجل بحديث قط الا حفظته فحدثت بهذا الحديث اسحق بن راهوية فقال: تعجب من هذا قلت: نعم قال: ما كنت لأسمع شيئاً إلا حفظته وكأني أنظر إلى سبعين ألف حديث او قال أكثر من سبعين حديث في كتبي. واسند عن أبي داود الخفاف قال: سمعت اسحق ابن راهوية يقول: كأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي
стр. 2238
وثلاثين ألفاً أسردها. وأسند الخطيب عن محمد بن يحيى بن خالد قال: سمعت اسحق بن راهوية يقول: أعرف مكان مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي. حفظ أربعة آلاف حديث ضرورة وقال عبد الله أحمد بن حنبل قال أبي الداود بن عمرو الضبي وأنا أسمع: كان يحدثكم إسماعيل بن عباس هذه الأحاديث بحفظه قال: نعم ما رأيت معه متاباً قط قال له: لقد كان حافظاً كم كان يحفظ قال شيئاً كثيراً قال: كان يحفظ عشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف فقد كان أبي هذا كان مثل وكيع. وقال يزيد بن هرون احفظ خمسة وعشرين ألف حديث وقال الآجري: كان عبد الله بن معاذ العنبري يحفظ عشرة آلاف حديث.
قال السبكي لم تر عيناي احفظ من أبي الحجاج المزي وأبي عبد الله الذهبي والوالد وغالب ظني أن المزي يفوقهما في العلل والمتون والجرح والتعديل مع مشاركة كل منهم لصاحبه فيما يتميز عليه المشاركة البالغة سمعت شيخنا الذهبي يقول: ما رأيت أحداً في هذا الشأن حفظ من الأمم أبي الحجاج المزي وبلغني عنه أنه قال ما رأيت أحفظ من أربعة: ابن دقيق العيد والدمياطي وابن تيمية والمزي فالأول أعرفهم بالعلل وفقه الحديث والثاني بالأنسب والثالث بالمتون والرابع بأسماء الرجال. وكان الدمياطي يقول: ما رأى شيخنا أحفظ من زكي الدين عبد العظيم وما رأى الزكي أحفظ من أبي الحسن علي بن المفضل ولا رأى ابن المفضل أحفظ من الحافظ عبد الغني ولا رأى عبد الغني أحفظ من أبي موسى المديني ألا أن يكون الحافظ أبا القاسم بن عساكر ولا رأى ابن عساكر والمديني أحفظ من أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي ولا رأى إسماعيل أحفظ من أبي الفاضل محمد بن طاهر المقدسي ولا رأى ابن طاهر أحفظ من أبي نصر بن ماكولا ولا رأى ابن ماكولا أحفظ من أبين بكر الخطيب ولا رأى الخطيب أحفظ من أبي نعيم وأبو نعيم ما لرأى أحفظ من الدارقطني وأبي عبد الله بن مندة ومعهما الحكم مكان ابن مندة يقول: ما رأيت أحفظ من أبي اسحق بن حمزة الأصبهاني وقال ابن حمزة: ما رأيت أحفظ من أبي جعفر أحمد بن يحي بن زهير القشيري وقال: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة الرازي وأما الدارقطني فما رأى أحفظ من نفسه وأما الحاكم فما رأى أحفظ من الدارقطني بل وكان يقول الحاكم ما رأيت أحفظ من أبي علي النيسابوري ومن أبي بكر ابن الجعابي وما رأى الثلاثة أحفظ من
стр. 2239
أبي العباس بن عقدة ولا رأى أبو علي النيسابوري مثل النسائي ولا رأى النسسائي مثل اسحق بن راهويه ولا أرى أبو زرعة احفظ من أبي بكر أبي شيبة وما رأى أبو علي النيسابوري مثل ابن خزيمة وما رأى ابن خزيمة مثل أبي عبد الله البخاري ولا رأى البخاري فيما ذكر مثل على بن المديني أولا رأى أيضاً أبو زرعة والبخاري وأبو حاتم وأبو داود مثل أحمد بن حنبل ولا مثل يحيى بن معين وابن راهويه ولا
رأى أحمد ورفاقه مثل يحيى بن سعيد القطان ولا أرى هو مثل سفيان ومالك وشعبة ولا رأوا مثل أيوب السختياني نعم ولا رأى مالك مثل الزهري ولا رأى الزهري مثل ابن المسيب ولا رأى ابن المسيب أحفظ من أبي هريرة ولا رأى أيوب مثل ابن سيرين ولا رأى مثل أبي هريرة نعم ولا رأى الثوري مثل منصور ولا رأى منصور مثل إبراهيم ولا رأى إبراهيم مثل علقمة ولا رأى علقمة كابن مسعود.
هذا كان مبلغ القوم في حفظ الحديث وروايته على كثرة المتشابه فيه وتوفر الأسانيد والرواة بحيث لو أراد أحد لهذا العهد أن يحفظ شيئاً مما كانوا يحفظونه لاختار استظهار اللغة الصينية واستسلها أكثر وذلك لضعف الحافظة من هذا المعنى وانقطاع سند هذه العلوم الجليلة إلا قليلاً.
كان الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون من أعيان حفاظ الإسلام قال ابن عساكر أنه أحفظ شيخ لقيه وشيوخ ابن عساكر زهاءُ ألف ومائتي شيخ وكان الفقيه أعلم الدين القمني يحفظ ما يسمعه من مرة واحدة. وكان الشافعي من أحفظ أهل دهره قضى عشرين سنة في تعلم الأدب والتاريخ وقال ما أردت بهذا إلا الاستعانة على الفقه ويروى أنه نظر في دريد صاحب المقصورة من علماء اللغة كان آية من آيات الله في اتساع صدره للرواية تقرأ عليه دواوين العرب فيسارع إلى إملائها من محفوظه.
وقيل أن أحمد بن حنبل إمام المحدثين كان يحفظ ألف ألف حديث. قال سعيد بن جبير من أعلام التابعين قرأت القرآن في ركعة البيت الحرام وقال اسمعيل بن عبد الملك كان سعيد بين جبير يؤُمنا في شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود وليلة بقراءة زيد بن ثابت وليلة بقراءَة غيره هكذا أبداً ولا عجب وهو الذي قال فيه أحمد بن حنبل قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا هو مفتقر إلى علمه.
стр. 2240
وكان على الرازي يقول من فهم الكتاب (يعني الجامع الصغير لمحمد) فهو من أصحابنا ومن حفظه كان أحفظ أصحابنا وأن المتقدمين من مشايخنا كانوا لا يقلدون أحداً القضاءَ حتى يمتحنوه فإن حفظه قلدوه القضاء وإلا أمروه بالحفظ. وذكر صاحب نفح الطيب أنه كان خارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية في كل واحدة منبر وفقيه مقلص تكن الفتيا في الأحكام والشرائع له وكان لا يجعل القالص منهم على رأسه إلا من حفظ الموطأ وقيل من حفظ عشرة آلاف حديث والمدوّنة.
كان بديع الزمان الهمذاني يحفظ خمسين بيتاً بسماع واحد ويؤديها من أولها إلى آخرها وينظر في كتاب نظراً خفيفاً ويحفظ أوراقاً ويؤديها من أولها إلى آخرها وينظر الأربعة والخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يهذها عن ظهر قلبه هذّا ويسردها سرداً وهذا حاله في الكتب الواردة وغيرها. وكان أبو رياش أحمد بن إبراهيم من رواة الأدب يحفظ خمسة آلاف ورقة لغة وعشرين ألف بيت شعر إلا أن أبو محمد المافروخي بزَّ عليه لأنهما اجتمعا أول ما تشاهدا بالبصرة فتذاكرا أشعار الجاهلية وكان أبو محمد يذكر القصيدة فيأتي أبو رياش على عيونها فيقول أبو محمد إلا أن تهذها من أولها إلى آخرها فينشد معه ويتناشدان إلى آخرها ثم أتى أبو محمد بعدة قصائد لم يتمكن أبو رياش أن يأتي بها إلى آخرها وفعل ذلك في أكثر من مائة قصيدة حدثني بذلك من حضر ذلك المجلس معهما ـ قاله ياقوت في معجم الأدباء.
وكان الحفظ في كل فن شائعاً بين أهل الأدب وطلاب العلم على اختلاف ضروبه عند العرب على نحو ما يتضح من تصفح سير رجالهم ولو لم يكن استناد المؤلفين في الأغلب الأعلى ما في لوح محفوظهم لما تيسر لهم أن يؤلف أحدهم عشرات من المجلدات يعجز العالم اليوم عن نسخها وعن تصفحها.
فقد كان العرب قبل البعثة يروون قصائد شعرائهم وأغاني حداتهم كما يؤخذ من اجتماعاتهم في سوق عكاظ ومِربد البصرة ولم تكن بضاعتهم من ذلك كثيرة لأن أمراء الكلام لم ينبغوا إلا في الإسلام بظهور نور النبوة وفصاحة الكتاب العزيز. ولقد كان الراوية والنسابة ينشد عشرات بل مئات من القصائد كما يحفظ أحدنا لها العهد الأبيات القليلة غير متعلثم ولا متردد. خذ مثالاً لذلك حماد الرواية المتوفى سنة ١٥٥ فقد كان على قلة بضاعته من
стр. 2241
العربية يروي المئات من القصائد للجاهلين والمخضرمين كما يروي فاتحة الكتاب ويذر أشعار العرب وأيامهم وأنسابهم ولغاتهم كأنه يروي قصة وكان ملوك بني أمية يرجعون إليه في هذا المعنى ويحلونه منزلة عالية من الآجلة والإكرام روى الوليد ابن يزيد الأموي قال له يوماً وقد حضر مجلسه: بم استحققت هذا الاسم فقيل لك الراوية فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به ثم أروي لأكثر منهم ممن تعترف أنك لا تعرفه ولا سمعت به ثم لا ينشدني أحد شعراً قديماً ولا محدثاً إلا ميزت القديم من المحدث فقال: ثم فكم مقدار ما تحفظ من الشعر قال: كثير ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام قال سأمتحنك في هذا ثم أمره بالإنشاد فأنشد حتى ضجر الوليد ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفى عليه فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهلية وأخبر الوليد بذلك فأمر له بمائة ألف درهم ونوادره كثيرة.
وكان الأصمعي المتوفى سنة ٢١١ أو قبلها صاحب لغة ونحو وإماماً في أخبار العرب وملحهم وغرائبهم قال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة وقال اسحق الموصلي: لم أرَ إلا الأصمعي يدعي شيئاً من العلم فيكون أحداً أعلم به منه وحضر يوماً عند الفضل بن الربيع هو وأبو عبيدة معمر بن المثنى فقال له: كم كتابك في الخيل فقال الأصمعي مجلد واحد فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال: خمسون مجلدة فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك عضواً عضواً منه وسمه فقال: لست بيطاراً وإنما هذا شيءٌ أخذته عن العرب فقال للأصمعي: قم وافعل أنت ذلك فقام الأصمعي وامسك ناصيته وشرع يذكر عضواً عضواً ويضع يديه عليه وأنشد من قالت العرب فيه إلى أن فرغ منه قال: أبو حمدون الطيب بن إسماعيل شهدت ابن أبي العتاهية وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي قريباً من ألف جلد عن أبي عمرو بن العلاء خاصة ويكون ذلك نحو عشرة آلاف ورقة لأن تقدير الجلد عشر ورقات.
قال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب منهم الخنساءُ وليلى فما ظنك بالرجال. قلت ولذلك جاء شعر أبي نواس أحسن شعر المولدين كما شهد له بذلك أصحاب الشأن في هذه الصناعة وفي مقدمتهم الجاحظ الذي فضل شعره على شعر العرب
стр. 2242
العرباء قال اسمعيل بن نوبخت: ما رأيت قط أوسع علماً من أبي نواس ولا أحفظ منه مع قلة كتبه ولقد فتشنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلا قمطراً فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب دخل أبو عمرو اسحق بن مراد الشيباني البادية ومعه دستجيتان من حبر فما خرج حتى أفناهما بكتب سماعه عن العرب وكان أبو عمرو علاماً بأيام العرب جامعاً لأشعارها ويروي عن عمرو بن أبي عمر وقال: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفاً وثمانين قبيلة وكان كما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً بخطه ويحكى أنه أخذ عن المفضل الضبي ودواوين العرب وسمعها منه أبو حيان وابنه عمرو بن أبي عمرو وحكى أبو العباس قال كن مع أبي عمرو والشيباني من العلم والسماع أضعاف ما كان مع أبي عبيدة ولم يكن من أهل البصرة مثل أبي عبيدة في السماع والعلم قال سلمة: أملى الفراءُ كتبه كلها حفظاً لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة وكان مقدار الكتابين خمسين ورقة. ويقال أن الأصمعي كان يحفظ ثلث اللغة وكان الخليل يحفظ نصف اللغة وكان أبو فيد يحفظ الثلثين وكان أبو مالك يحفظ اللغة كلها وكان الغالب على أبي مالك حفظ الغريب والنوادر. وكان ابن الأعرابي أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: قال لي ابن الأعرابي: أمليت قبل أن تجيئني يا أحمد حمل جمل وقال ثعلب: انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي سمعت من ألف إعرابي خلاف ما قاله الأصمعي.
وكان قتادة عالماً نحريراً وأجمع الناس في أشعار العرب وأنسابهم وقال أبو عبيدة: ما كنا نفقد في كل يوم راكباً من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة فيسأله عن خبر أو نسب أو شعر وكان من أنسب الناس. وكان ابن الكنبي النسابة واسع الرواية من أعلم النسب بالنسب وكان من الحفاظ المشاهير قال: حفظت ما لم يحفظه أحد ونسيت ما لم ينسه أحد. كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن فدخلت بيتاً وحلفت أن لا أخرج منه حتى أحفظ القرآن فحفظته في ثلاثة أيام وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين تصنيفاً وتوفي سنة ٢٠٤.
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارهم وأشعارهم قال
стр. 2243
الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه ومع أن كان يلحن ويخطي: إذا قرأ القرآن وإذا أنش بيتاً لا يقيم وزنه وإذا تحدث أو قرأ لحن اعتماداً منه لذلك فقد صنف قرابة مائة مصنف وكان يرى رأي الخوارج ولذلك كثر الطاعنون في نسبه ومشربه ومذهبه وتوفي سنة ٢٠٩.
كان أبو المحاسن الرُّوياني المتوفى سنة ٥٠٢ من رؤوس الأفاضل في أيامه يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من خاطري. وقال أبو بكر النحوي: لما قد أحسن بن سهل العراق قال: أحب أن أجمع قوماً من أهل الأدب فأحضر أبا عبيدة والأصمعي ونصر ابن علي الجهضمي وحضرت معهم وأفضنا مرة في ذكر الحفاظ فذكرنا الزهري وقتادة ومررنا فالتفت أبو عبيدة فقال: مال الغرض أيها الأمير في ذكر من مضى وبالحضرة ههنا من يقول ما قرأ كتاباً قط فاحتاج إلى أن يعود فيه ولا دخل قلبه شيءٌ فخرج عنه فالتفت الأصمعي وقال: إنما يريدني بهذا القول أيها الأمير والأمر في ذلك على ما حكى وأنا أقرب إليك قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع ـ وكان نظر قبل أن يلتفت إليهم في رقاع بين يديه للناس في حاجاتهم فوقع عليها فكانت خمسين رقعة ـ وأنا أعيد ما فيها وما وقع به الأمير على رقعة رقعة قال فأمر وأحضرت الرقاع قال: الأصمعي سأل صاحب الرقعة الأولى كذا واسمه كذا فوقع له بكذا والرقعة الثانية والثالثة حتى مر في نيف وأربعين رقعة فالتفت إليه نصر بن علي فقال: أيها الرجل ابقِ على نفسك من العين فكف الأصمعي.
ومالي وتعداد الأسماء على هذا النحو فكتب القوم طافحة بها وإنما يكفي منا التمثيل والقليل يغني. ولقائل أن هذا القدر من الحفظ كان بعضه شائعاً في القرنين الأولين والقرون الثلاثة وقد بالغ فيه الرواة حتى اتصل بنا على هذه الصورة وما حجتي في نقض هذا إلا وقوع أمثال أمثاله في كتب أهل القرون المتأخرة مما تواطأ الثقات على نقله وتحرزوا في إثباته. ولقد كان الغرب في هذه المزية كالشرق إذ قد حذا المغاربة في حضارتهم وعلومهم حذو المشارقة. فقد كان ابن عبدون أحد فحول شعراء الأندلس وكتابها متكثراً من الحفظ. قال الوزير أبو بكر بن زهر فبينما أنا قاد في دهليز دارنا وعندي رجل شيخ أمرته أن يكتب لي كتاب الأغاني فجاءَ الناسخ بالكراريس التي كتبها فقلتُ له: أين الأصل الذي كتبت عنه لأقابل معك به قال: ما أتيت به معي فبينا أنا معه في ذلك إذ دخل رجل بذ الهيئة عليه
стр. 2244
ثياب غليظة أكثرها صوف وعلى رأسه عمامة قد لاثها من غير إتقان وقال لي: يا بني استأذن لي على الوزير أبي مروان فقلت له: هو نائم هذا بعد أن تكلفت جوابه غاية التكلف حملتين على ذلك نزوة الصبا وما رأيت من خشونة هيئة الرجل ثم سكت عني ساعة وقال: ما هذا الكتاب الذي بيديكم فقلت له: ما سؤالك عنه فقال: أحب أن أعرف اسمه فإني كنت أعرف أسماء الكتب. فقلت هو كتاب الأغاني فقال: إلى أين بلغ الكاتب منه قلت: بلغ موضع كذا وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به والضحك على قالبه فقال: وما لكاتبك لا يكتب قلت: طبعت الأصل منه الذي يكتب من لأعارض به هذه الأوراق فقال: لم أجيء به معي فقال: يا بني خذ كراريسك وعارض قلت: بماذا وأين الأصل قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي قال: فتبسمت من قوله فلما رأى تبسمي قال يا بني أمسك عليّ قال: فأمسكت عليه وجعل يقرأ فو الله إن أخطأ واواً ولا فاءً قرأ هكذا نحواً من كراسين ثم أخذت له في وسط السفر وآخره فرأيت حفظه في ذلك كله سواءً فاشتد عجبي وقمت مسرعاً حتى دخلت على أبي فأخبرته بالخبر ووصفت له الرجل فقام كما هو من فوره وكان ملتفاً برداءٍ ليس عليه قميص وخرج حاسر الرأس حافي القدمين لا يرفق على نفسه وأنا بين يديه ويقول: يا مولاي اعذرني فو الله ما أعلمني هذا الخلف إلا الساعة وجعل يسبني والرجل يحفض عليه ويقول: ما عرفني وأبي يقول: هبه ما عرفك فما عذره في حسن الأب. ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلاً ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافياً حتى بلغ الباب وأمر بدابته التي يركبها فأسرجت وحلف عليه ليركبنها ثم لا ترجع إليه أبداً فلما انفصل قلت لأبي: من هذا الرجل الذي عظمته هذا العظيم قال لي: اسكت ويحك هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الأدب هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أيسر محفوظاته كتاب الأغاني ـ رواها المراكشي.
وروى أيضاً قصة تشبهها قال: أنه لزم أبا جعفر الحميري آخر من انتهى إليه علم الآداب بالأندلس المتوفى سنة ٦١٠ نحواً من سنتين فما رأيت أروى لشعر قديم ولا حديث ولا أذكر بحكاية تتعلق بأدب أو مثل سائر أو بيت أو بيت نادر أو سجعة مستحسنة من أدرك جلة من مشايخ الأندلس فأخذ عنهم علم الحديث والقرآن والآداب وأعانه على ذلك طول عمره وصدق محبته وإفراط شغفه بالعلم قال لي ولده عصام وقد رأيت عنده نسخة من
стр. 2245
شعر أبي الطيب قرئت عليّ أو أكثرها فألفيتها شديدة الصحة فقلت له: لقد كتبتها من أصل صحيح وتحرزت في نقلها فقال لي: ما يمكن أن يكون في الدنيا أصح من الأصل الذي كتبت منه فقلت له: أين وجدته قال هو موجود الآن بين أيدينا وعندنا وكنا في المسجد في زاوية فقلت له: أين هو فقال لي: عن يمينك فعلمت أنه يريد الشيخ فقلت: ما على يميني إلا الأستاذ فقال لي: هو أصلي وبإملائه كتبت كان يملي عليَّ من حفظه فجعلت أتعجب فسمع الأستاذ حديثنا فالتفت إلينا وقال: فيم أنتما فأخبره ولده بالخبر فلما رأى تعجبي قال: بعيداً أن تفلحوا يعجب أحدكم من حفظ ديوان المتنبي والله لقد أدركت أقواماً لا يعدون من حفظ كتاب سيبويه حافظاً ولا يرونه مجتهداً.
ومن نظر فيما أُثر عن الأندلسيين وحدهم من هذا القبيل يكتب أوراقاً كثيرة وكنت قرأت في الاستقصا أن من جملة من غرق مع السلطان أبي الحسن لما قصد المغرب في البحر بأسطوله الغريق وكان مؤلفاً من نحو ستمائة قطعة مع من غرق من الفقهاء والعلماء والكتاب والإشراف أبو عبد الله محمد بن الصباغ المكناسي الذي أملى في مجلس درسه بمكناسة على حديث يا أبا عمير ما فعل النغير أربعمائة فائدة.
وقيل أن صدر الدين بن الوكيل ويعرف عند المصريين بابن المرجل من أئمة الشافعية حفظ المفصل في مائة يوم ويوم والمقامات الحريرية في خمسين يوماً وديوان المتنبي على ما قيل في جمعة واحدة.
وذكر المقريزي عن حكايات أهل الأندلس في الحفظ أن الأديب الأوحد حافظ اشبيلية بل الأندلس في عصره أبا المتوكل الهيثم بن أحمد بن أبي غالب كان أعجوبة دهره في الرواية لأشعار والأخبار قال ابن سعيد: أخبرني من أثق به أنه حضر معه ليلة عند أحد رؤساءِ اشبيلية فجرى ذكر حفظه وكان ذلك في أول الليل فقال لهم: إن شئتم تخبروني أجبتكم فقالوا له: بسم الله إنا نريد أن نحدث عن تحقيق فقال اختاروا أي قافية شئتم لا أخرج عنها حتى تعجبوا فاختاروا القاف فابتدأ من أول الليل إلى أن طلع الفجر وهو ينشد وزن (أرق على أرق ومثلي يأرق) وسماره قد نام بعض وضج بعض وهو ما فارق قافية القاف وقال أبو عمران بن سعيد: دخلت عليه يوماً بدار الإشراف باشبيلية وحوله أدباءٌ ينظرون في كتب منها ديوان ذي الرمة فمد الهيثم يده إلى الديوان المذكورة فمنعه من أحد الأدباء فقال:
следующие страницы →