Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
يحظر عليك أن تضع إصبعك أو طرف مظلتك في عين جارك.
كما يحظر عليك أن تضع إصبعك في أنفك حتى ولو كان يحك.
لا تنظف أمام الناس أنفك ولا أذنك ولا أسنانك ولا أظافرك.
لا تدعس على رجل جارك ولا على ثوب جارتك.
لا تجلس على طرف كرسيك ولا تهتز عليه.
لا تعبث بهدب ثوبك ولا بأزرارك.
إذا صافحت فلا تصافح بغصبع واحد بل بجماع راحتك مفتوحة.
لا تدخل إلى قاعة الاستقبال ومعك مظلتك ولا معطفك ولا مشمعك.
غلط الشعر
تختلف ثخانة الشعر من واحد إلى عشرة من الميليمتر إلى أربعين. وقطر خيط الحرير كما تخرجه الدودة هو نحو خمسة مليم من الميليمتر ويمكن أن تحاط الكرة الأرضية بليبرة من خيط العنكبوت كما أن قمحة واحدة من المسك تعطر غرفة مدة عشرين سنة وفي جسمنا ٢. ٣٠. ٤٠٠٠ من المسام.
أثقل تمثال
أثقل تمثال من البرونز تجده في بطرسبرج وهو تمثال بطرس الأكبر ثقله زهاء ألف طن.
الطول البشري
تبين من التجارب التي صنعت لاختبار طول قامات الرجال والنساء أن من يولد في الربيع أو في الشتاء أكبر قامة ممن يولد في الفصلين الآخرين والبنات الطويلات القامة يلدن في آب أما البنون فأطولهم قامة من ولدوا في تموز وأصغرهم من ولدوا في تشرين الثاني.
التفنن في التعليم
ورد في قصة لديكنس أن إحدى المعلمات كانت تكرر على تلميذاتها كلمات برون بريسم بوتاتويس ليمددن شفاههن المنضمات بعضها على بعض ويبدو الظرف على أفواههن. وقد توسعت الآن إحدى العقائل فيهذه الطريقة وقامت تدعي أنها تستطيع أن تعيد القبيحة من النساء مليحة وأن تصير الملاح أعجوبة الأعاجيب فأسست لهذه الغاية في إنكلترا مدرسة
стр. 2487
أخذ الطالبات ينهلن عليها انهيالاً وقد قسمتها صفوفاً فجعلت صفاً لتعليم البنات كيف يلقين نظراتهن الفتانة ويسحرن بها الألباب وصفاً لتعليم البنات تحريك أنوفهن تحريكاً جذاباً خلاباً وصفاً لتعليم الشفاه على الحركة ومتى أتم الفتيات التعليم في هذه الصفوف ينتقلن إلى صف أرقى حيث يعدن نظرة إجمالية على كل ما تعلمن فيأتين فاتنات ساحرات.
النوم الضروري
كلما أمكن ترك الأولاد ينامون كثيراً كلما كان أنفع لصحتهم. ويؤخذ من البحث الذي تم في بلاد السويد أن الأولاد الذين لا ينامون القدر الكافي من النوم تزيد أمراضهم جزئين من خمسة أجزاء. فمعدل ما ينبغي من النوم للطفل الذي يذهب إلى المدرسة اثنتا عشر ساعة لمن كان في الرابعة من سنه وإحدى عشرة لمن كان في السابعة وتسع ساعات لمن كان بين الرابعة عشرة إلى العشرين.
أرجل الصينيات
كنا نسمع بأن من جمال الفتاة الصينية أن تكون صغيرة الرجلين وأن القوم هناك يستعملون لتصغيرهما قوالب مخصوصة وقد ذكرت الصحف أن حكام ولايات كينغ سو وكينغ سي وكينغ هوي وناكان هوي من الولايات الصينية قد أصدروا بياناً يحظرون فيه على النساء أن يعصبن أرجلهن قائلين إن ذلك مما يمس حنان قلب الأم والفتيات يضعن الحياء إذا تكلفن الجمال ويصبحن ضعيفات غير قادرات على العمل ويحسبن فقيرات. وقد وعد أولئك الحكام بمكافآت للصينيات اللاتي يعدلن عن تصغير أرجلهن.
أسماء الأقمشة
سميت كثير من الأقمشة في بلاد الإفرنج بأسماء المدن التي حاكتها أول مرة فعندهم نوع من القماش اسمها دماس نسبة لدمشق حيث كان ينسج الحرير منقوشاً بنقوش بارزة. وعندهم قماش اسمه كاز نسبة لغزة في فلسطين وآخر اسمه أندرينوبل نسبة لأدرنة في الروم إيلي والموسلين وهو الشاش الرفيع صنع لأول مرة أيضاً فيمدينة الموصل فنسب إليها والكاليكو قماش صنع أول الأمر في مدينة كاليكوت من بلاد الهند فنسب إليها.
انقضاء العالم
стр. 2488
نشر أحد علماء الطبيعة مقالة في مدة بقاء الأرض أو انقضاء العالم ومتى صلحت الأرض لسكنى الحيوانات والنباتات فقال أن من الأسهل أبداً السؤال عن هذه الأسئلة ولكن الصعوبة في الإجابة عنها فقد كان النظام الشمسي في البدء عبارة عن كتلة عظيمة من الأبخرة المتأججة أو منطاداً ضخماً من الغاز حامياً يدور بحركة فوق نفسه. فجمد البرد في الفضاء الغيوم الأصلية وانفصلت السيارات من الأجرام الموجودة في الوسط وأخذت السيارات تبرد على الولاء بقدر أجرامها فيبرد الأصغر ثم الأكبر. وقد طال أمد كل سيارة ونمت على توالي الأزمان فجمدت الأرض وتماسك سطحها السائل وعلى هذه الصورة نشأت القشرة الأرضية.
ويهمنا هنا أن نعرف عمر الأرض أو عدد السنيني التي مضت على تكونها والأعوام التي تفصل العصر الحالي من العصر الذي ظهرت فيه على سطحها الأحياء الأولى ولا سبيل إلى ذلك إلا على وجه التقريب. وإذ كان عمر الأرض مرتبطاً بعمر الشمس كان من الواجب أن نعلم أولاً الحدود التي يجب أن نحصر فيها وجود الشمس فقد حسب علماء الهندسة كمية الحرارة التي ادخرها تقلص السديم الأول في السيارة الوسطى وحققوا قوة الحرارة الحالية وما يفقد منها كل سنة واستنتجوا من ذلك مقدار الزمن الذي وجدت الشمس فيه. وبحسب ما حسبوا تبين أن الشمس موجودة منذ خمسة وعشرين مليون سنة على الأقل أو منذ أربعين مليون سنة على الأكثر. ورأى الطبيعي نوكمب بحسب النور الحاضر أن الكوكب يصغر إلى نحو النصف من قطره في خمسة ملايين من السنين على أكثر التقدير وأنه بعد عشرة ملايين سنة يكاد يكون له قشرة فيحتمل إذ ذاك أن تصلح الأرض للأحياء على الوجه الذي نعرفها به.
وإذا كان جرم كرتنا الأرضية أصغر من جرم الشمس بـ٣٥٠٠. ٠٠٠ مرة فظاهر أن الأرض بردت قبل غيرها وثبت لعالم آخر اسمه ويليام طومسون بالتحليل الرياضي أن الأرض جمد سطحها منذ عشرة ملايين من السنين أو منذ خمسة عشر مليوناً على التقدير الأكثر فيرد تاريخ أصل الأحياء على الأرض إلى اثني عشر مليون سنة.
وبالجملة فإن لنا أن نستنتج من هذا أن الأرض موجودة منذ خمسة وعشرين مليون سنة على الأقل وأن الأحياء الأولى التي عاشت على سطحها قد ظهرت منذ اثني عشر مليون
стр. 2489
سنة والغالب أن الكائنات الحية الحاضرة تنقضي أيامها بعد عشرة أو اثني عشر مليوناً من السنين وعلى هذا فآخر أيام الدنيا بعيدة وبحسب ما تقدم تكون الأرض الآن قد قضت نصف حياتها فمضى اثنا عشر مليوناً من السنين وبقي ما يقرب منها بعد وبذلك نطمئن على مستقل الجنس البشري.
جمال النساء
معيار الجمال في الأمم أذواقها ومصطلحاتها فمن الجمال في أوربا أتكون أسنان النساء بيضاء وفي اليابان يؤثرون من اصفرت أسنانهن وفي الهند يصبغنها بالحمرة وفي بوكارات بالسواد والنساء في غروانلاندا يدهن وجوههن بمادة زرقاء صفراء والتاتاريات مهما بلغن من الجمال الطبيعي يرين أنفسهن بشعات إن لم يبيضن وجوههن على مرأى من الناس على حين ترى الأوربيات إذا وضعن الحمرة على وجوههن يخفين أمره ولا يكدن يظهرنه. وفي فرنسا يفضل من النساء الممشوقات القدود وفي البلاد العثمانية يؤثرون السمينات المكتنزات كما يفضلون من استدار وجهها. أما الفرنسيس فيفضلون الوجوه المستطيلة المتناسبة. ويفضل اليونان من النساء من صغرت جبهاتهن أما الفرنسيس فيطلبون أن تكون جبهات النساء عالية مكشوفة. الناس في أوربا يفضلون الشعر الأسود أو الأشقر أو الأسفع ولكن سكان جزائر ماريانا يفضلون من ابيض شعرها من ربات الجمال. وعلى هذا فلا ييسر لامرأة أن تتفق الأمم على جمالها لأن ما يراه قوم حسنة قد يراه غيرهم سيئة فسبحان مقسم العقول والأرزاق.
الآثار العربية
أهدى المسيو كورد مانش لمكتبة الأمة في باريز مجموعة مؤلفة من ١٥٨ متاباً من المخطوطات العربية والفارسية والتركية وكان أهدى مثلها من المخطوطات والمسكوكات العربية إلى تلك المكتبة نفسها فكتبت مجلة العالم الإسلامي مقالة في هذه المناسبة قالت فيها أن هذه المخطوطات لا تروق المشتغلين بالعربية من المستشرقين ممن يرون أن المصنفات التاريخية الشائعة هي وحدها تحتوي على بعض الفوائد مدفوعين إلى ذلك بعامل فهمهم لها من دون سائر ما خطته أيدي مؤلفي العرب وزاعمين أن ما بقي من الأدبيات الإسلامية عبارة عن أحاديث ملفقة وهذيان ليست حرية بنظر رجل تمكن من الطريقة القويمة في
стр. 2490
المعارف وإن مثل هذه الكتب لا يقبل عليها ويصرف أوقاته فيها إلا من تبلد ذهنه أو اختل شعوره فإذا كان التاريخ الإسلامي هو م الفروع المهمة جداً في الآداب الشرقية فإن سائر فروع العلوم كالفقه والنحو (وأكثر مجموعة المسيو كوردمانش منها) ربما لا تقل عنها شأناً لأنها ليست وحدها التي تصور حالة العقل في الرجال الذين أتوا قبل ثلاثة عشر قرناً من الهجرة النبوية وكيف كانوا يفكرون ويذهبون في مذاهب الأمور الذهنية والروحية.
لا جرم أن المشاغل السياسية منذ بضع سنين ولاسيما منذ قتال موكدن قد قلبت الأفكار الإسلامية ظهراً لبطن وأخذ رجال الإسلام يزينون لأبناء دينهم الرجوع إلى الدروس التي انغمس فيها أجدادهم بحيث كادوا يغرقون وتعزوا عن الخيبة التي نالتهم بما قرأوا فيها من الأفكار على أن النظر الصحيح يقضي بأن المهندسين الذين مدوا في بادية بلاد العرب خطوط السكة الحديدية من دمشق إلى المدينة قد أتوا بعمل أنفع مما أتى الزمخشري وجميع شراح الكافية لابن الحاجب. إلا أن الأفكار الحديثة توشك أن تؤدي بالإسلام إلى طرق مخالفة للطرق التي سار عليها إلى أوائل القرن الرابع عشر من الهجرة ويمكن أن يكون المجتمع الإسلامي بعد مائة وخمسين سنة وأعني به الجيل المفكر المهذب من المسلمين مخالفاً للمجتمع الذي عاش على عهد عبد الحميد خان الغازي وناصر الدين شاه قاجار كما نختلف نحن معاشر الفرنسيس اليوم عن أجدادنا زمن لويس الخامس عشر وربما كان اختلاف المسلمين أكثر.
كان المسلمون الذين عاشوا في بلاد ما وراء النهر إلى أواخر القرون الوسطى على عهد أخلاف تيمورلنك قد ورثوا التمدن اليوناني وبلغوا بالعلوم إلى درجة عجيبة من الكمال ثم لم يلبثوا أن ضعف أمرهم وتخلوا عن هذا التراث العلمي وانصرفوا جملة إلى الفقه والنحو فكان ذلك مبدأ سقوط الأمم الإسلامية.
ومهما كانت الطرق التي سيجري عليها أهل الإسلام في ظل العلم والدستور اليوم فإنهم ولا جرم يخالفون المسلمين الذين عاشوا في ظل الاستبداد كل المخالفة ولا يتأتى الآن الوقوف على فكر العالم الإسلامي قبل مضي زمن وتصفح الكتب التي يستخدمونها في تعليم ناشئتهم وطريقة الرجال الذين عاشوا على عهد الخلافة الدينية أو خلافه السلاطين الذين حلوا محل خلفاء بغداد وهكذا فإن هذه الكتب التي تشهد بفضل مؤلفيها وبعنايتهم الفائقة التي بذلوها في
стр. 2491
وضعها وهي تساوي بأسلوبها وتعليمها أقل مما تساوي بدلالتها على الحركة العقلية في مدنية كانت الحاكمة المتحكمة على العالم زمناً ونعني بها مدنية الإسلام. ومكانة هذه الكتب لا تسقط أبد الدهر حتى ولو أدى الارتقاء العلمي الإسلامي إلى طرحها والاستعاضة عنها بمصنفات تؤلف على غير نسقها وعلى أسلوب يغاير أسلوبها ولا سيما متى انصرفت النفوس عن دراسة علوم اللسان والفقه إلى علوم يكون نفعها عملياً ظاهراً.
لا جرم أن علوم المسلمين ودرسها تشبه ما كان لنا منها في عهد الحكومات البائدة وأن من عانوها وأتقنوها إذا تعلموا جميع دقائق النحو العربي وتبحروا في فقه السنة والشيعة لا يتأتى لهم بذلك أن يقفوا على مطالب الحياة الاجتماعية والعالم الخارجي.
وبعد فإن كتب النحو العربي التي هي مصنفات تامة في بابها يجب الرجوع إليها إذا أريد التعمق في هذه العلوم وفهم فكر العربي وهي تشبه كتبنا التي كانت مستعملة في المدارس قبل إصلاح بور رويال. وربما زهد المسلمون في الاعتماد على الطريقة القديمة والكتب القديمة في هذه الفنون لأن بعضهم يرى أن الألفية والأجرومية قبلاً تستدعي انتباه ذهن الطلبة وذاكرة فائقة لاختيار طريقة تشبه طريقة الكتب التي نعول عليها في دراسة اللاتينية وغيرها من اللغات وربما لا يمضي وقت طويل إلا وتتحسن طريقة دراسة الآداب العربية كما تحسنت عندنا في الغرب. على أنه لا يبعد أن تقل الرغبة في هذه الدروس اللسانية كان درس الفقهية التي كانت الدروس المعول عليها فقط في العهد الماضي ولاسيما في البلاد العثمانية والفارسية ويعتبر القوم علوم الدين واللغة التي كانت موضوع اهتمام المتفقهة والمتصوفة من علوم الرجعة لأن القائمين عليها أناس كانوا في الجملة مراعاة لمصالحهم أصدق أنصار عروش السلاطين الذين يدعون الخلافة عن الله في الأرض.
وكيفما كان الحال فإنه لا يتأتى الوقوف على الفكر الإسلامي في كتب ألفت على النسق الأوربي وسارت في أسلوبها على نسق الخطط الغربية كما أنك لا تسقط على الفكر الياباني قديماً من مراجعة الترجمات الإنكليزية والفرنسوية التي تعين رعايا ميكادو واليابان من اجتياز أبواب المدراس الحربية في مملكة الشمس المشرقة.
ولا يتيسر درس الحضارة الإسلامية القديمة بغير الرجوع إلى هذه الكتب في الفقه معاملاته وعباداته والنحو ومتعلقاته. تلك الكتبالتي يهملها علماء المشرقيات لأنها على غير أسلوبهم
стр. 2492
ولأنها من بقايا القرون الوسطى على حين أن نشوء الدروس الذي وقع في الغرب منذ عهد النهضة قد صير الكتب المكتوبة باللاتينية بأقلام أساتذة علم الكلام معقدة غير مفهومة إن لم يصرف فيها المرء وقتاً طويلاً.
وفي المجموعة التي أهداها المستشرق المشار إليه عدة كتب مشهورة منها قطع من القرآن ربما كانت بخط ياقوت المستعمي الخطاط الشهير وقطعة من كشاف الزمخشري وقطعة من تفسير القرآن للبيضاوي من أوائل القرن الرابع عشر وقطعة من الحديث من القرن الثالث عشر ونسخة قديمة جداً من مقامات الحريري وكتاب في القرآات فارسي وشرح كافية ابن الجاحب بالفارسي.
وقد ظفروا بهذه المجموعة في سمرقند وهي تمثل صورة من صور علم الفقه والكلام عند السارتيين والتاجكيين في بخارى وسمرقند وكشغر وبعبارة أخرى صورة من صور علوم المسلمين في التركستان الرمسي والتركستان الصيني وبها يتمثل الناظر حالة المعارف عند كل من كانوا يعيشون في تلك الأنحاء من المسلمين لأن جزءاً كبيراً من الكتب التيتألف منها هذه المجموعة قد نسخت هناك.
وليس في هذه المجموعة إلا كتب خاصة بطائفة مهذبة من طوائف المسلمين إلى حد معلوم والنسخ الحديثة من كتب الفقه والنحو تدل على أن معرفة اللغة العربية التيهي أساس الدروس الإسلامية هي في أقصى دركات الانحطاط في تركستان على أن هذا الانحطاط يرد إلى أبعد من ذاك العهد لأنه وجد في عهد التيموريين في الكتب والمكتوبات على الأحجار من الأغلاط الفادحة ما يستدل منه أن معرفة اللغة العربية هو أحط من ذاك العهد مما هي عليه اليوم في فارس حيث أصبح طلاب الفقه دع عنك المجتهدين ولاسيما في النجف وكربلاء أساتذة في أسرار علوم الصرف والنحو.
وهذه النسخ بالإجمال استنسخها أناس لم يعنوا بها حق العناية وليس لهم فيها ذوق حتى إن بعضها لم يكتبوا عليه اسمه واسم مصنفه لجهلهم في الغالب. وهذا الجهل وهذا الإهمال يكفيان لبيان السقوط المريع الذي أصيب به ذاك الذي يسكن تلك الأقطار التي كانت فيما غبر مهد العلوم والآداب.
стр. 2493
العدد ٤٠ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩٠٩
стр. 2494
المقيم المقعد
للشيخ الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي البغدادي عليه
الرحمة
هو كتاب جليل نادر الوجود توجد منه نسخة عند بعض طلبة العلم في بغداد. أوله لما كانت العربية تنقسم قسمين أحدهماالظاهر الذي لا يخفى على سامعيه ولا يحتمل غير ظاهره. والثاني المشتمل على الكنايات والإشارات والتجوز. وكان هذا القسم هو المستحلى عند العرب نزل القرآن بالقسمين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله. فكأنه قول عارضوه بأي القسمين شئتم ولو نزل كله واضحاً لقالوا هلا نزل بالقسم المستحلى عندنا. ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية أو استعارة أو تعريض أو تشبيه كان أحلى وأحسن.
قال امرؤ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
فشبه النظر بالسهم فحلا هذا عند السامع. وقال أيضاً:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازاً ونآء بكلكل
فجعل لليل صلباً وصدراً على جهة التشبيه. واستشهد أيضاً بشعر آخرين من شعراء الجاهلية وأطال في الكلام وأطنب. ثم عقد فصولاً في مطالب شتى.
منها فصل في بيان عادة العرب في تكرير الكلام واستشهد على ذلك بمنشور ومنظوم من كلام فصائحهم وخطبائهم.
ثم قال فصل وقد تأتي العرب بكلمة إلأى جانب كلمة كأنها معها وهي غير متصلة بها وفي القرآن (يريد أن يخرجكم من أرضكم) هذا قول الملاء فقال فرعون (فماذا تأمرون) وأورد شواهد أخر من القرآن ومن كلام الفصحاء وأطنب في الكلام.
ثم قال فصل وقد تجمع العرب شيئين في كلام فترد كل واحد منهما إلى ما يليق به وفي القرآن (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) فيقول الرسول (إلا أن نصر اللع قريب). وهو فصل طويل.
ثم قال فصل وقد يحتاج بعض الكلام إلى بيان فيبينونه متصلاً بالكلام ومنفصلاً وجآء القرأن على ذلك فمن المتصل (يسألونك ماذا أحلَّ لهم قل أحل لكم الطيبات). وأما المنفصل
стр. 2495
الخ وذكر له عدة شواهد من القرآن وغيره.
ثم قال فصل وقد تذكر العرب جواب الكلام مقارناً له وقد تذكره بعيداً عنه وعلى هذا ورد القرآن فإن المقارن من الجواب كقوله تعالى (ويسألونك ماذا يفقون قل العفو) وأما البعيد فتارة يكون في السورة كقوله تعالى (ما لهذا الرسول الآية جوابه بعده باثنتي عشرة آية وهو قوله تعالى (وما أرسلنا قبلك من المرسلين) الآية.
ثم قال فصل في ذكر أقسام الخطاب في القرآن. الخطاب في القرآن على خمسة عشر وجهاً خطاب عام الله الذي خلقكم. وخطاب خاص (أكفرتم). وخطاب الجنس (يا أيها الناس). وخطاب النوع (يا بني آدم). وخطاب العين (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة). وخطاب المدح (يا أيها الذين آمنوا). وخطاب الذم (يا أيها الذين كفروا). وخطاب الكرامة (يا أيها النبي) وخطاب الإهانة (فإنك رجيم). وخطاب الجمع بلفظ الواحد (يا أيها الإنسان ما غرك بربك). وخطاب الواحد بلفظ الجمع (وإن عاقبتم فعاقبوا). وخطاب الواح دبلفظ الاثنين (ألقيا في جهنم). وخطاب الاثنين بلفظ الواحد (فمن ربكما يا موسى). وخطاب العين والمراد به الغير (فإن كنت في شك). وخطاب التلون وهوعلى ثلاثة أوجه أحدها أن يخاطب ثم يخبر (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم. وما أتيتم من زكوة يريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون). والثاني أن يخبر ثم يخاطب (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم. وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء) والثالث أن يخاطب عيناً ثم يصرف الخطاب إلى الغير. (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله) على قرآءة.
ثم قال فصل في ذكر أمثال القرآن وذكر اثنين وأربعين مثلاً منها وبين ما اشتملت عليه من البلاغة والفصاحة والحكم بما لا يزيد عليه.
ثم قال فصل في الحروف الزوائد والنواقص وذكر هنا مسائل لغوية مفيدة تمس إليها حاجة اللغوي وطلاب علم العربية.
ثم قال فصل في المقدم والمؤخر وذكر ما يجب تقديمه في الكلام وما يجب تأخيره في النظم والنظر وهو بحث لم تطفو به يد غيره من المحققين.
ثم قال فصل واعلم أن لغة العرب واسعة ولهم التصرف الكثير فتراهم يتصرفون في
стр. 2496
اللفظة الواحدة بالحركات فيجعلون لكل حركة معنى كالحَمل والحِمل والرَوح والرُوح وتارة بالأعجام كالنصح والنضح والقبضة والقبصة والمضمضة والمصمصة وتارة يقلبون حرفاً من كلمة لا يتغير عندهم معناها كقولهم صاعقة وصاقعة وجذب وجبذ وما أيبه وأيطبه وربض ورضب وانبض في القوس وانضب. ولعمري ورعملي. واضمحل وامضحل. وعميق ومعيق. وسبسب وبسبس. ولبكت الشيء وبلكته. وأسير مكبل ومكلب. وسحاب مكفهر ومكرهف. وناقة ضمزر وضمرز إذا كانت مسنة. وطريق طامس وطاسم. وقفا الأثر وقاف الأثر. وقاع البعير الناقة وقعاها. وقوس عطل وأعلط لا وتر عليها. وجارية قتين وقنيت قليلة الززأ (كذا). وشرخ الشباب وشخره أوله. ولحم خنز وخزن. وعاث يعيث وعثى يعثي إذا أفسد. وتنح عن لقم الطريق ولمق الطريق. وبطيخ وطبيخ. وماء سلسال ولسلاس وسلسل ومسلسل وملسلس إذا كان صافياً. ودقم فاه بالحجر ودمقه. وفثأت القدر وثفأتها إذا سكن غليانها. وكبكبت الشيء وبكبكته إذا طرحت بعضه على بعض.
ثم قال فصل ومن سعة اللغة وحسن تصرفها أن العرب تضع للشيء الواحد أسمآء من غير تغير يعتريه فيقولون السيف والمهند والصارم ويغيرون الاسم بتغيير يعتري فيقولون بمن نزل في الركي فملأ الدلو مآئح للمستسقي من أعلاها ماتح فالتاء المعجمة من فوق لمن فوق والياء المعجمة من تحت لمن تحت وتضع العرب للشيء الواحد أسما تختلف باختلاف محاله فيقولون لمن انحسر الشعر عن جانبي جبهته أنزع فإذا زد قليلاً قالوا أجلح فإذا بلغ الانحسار نصف رأسه قالوا له أجلى وأجله فإذا زاد قالوا أصلع فإذا ذهب الشعر كله قالوا أحص والصلع عندهم ذهاب الشعر والقرع ذهاب البشرة ويقولون شفة الرجل ويسمونها من ذوات الخف المشفر. ومن ذوات الظلف المقمة ومن ذوات الحافر الحجفلة ومن السباع الخطم. ومن ذوات الجناح غير الصائد المنقار ومن الصائد المنسر ومن الخنزير الفنطيسة.
ويقولون صدر الإنسان ويسمونه من البعير الكركرة ومن الأسد الزور ومن الشاة القص ومن الطائر الجؤجؤ ومن الجرادة الجوشن وللمرأة الثدي وللرجل ثندوة وهو من ذوات الخف الخلف ومن ذوات الظلف الضرع ومن ذوات الحافر والسباع الطبي وللإنسان الظفر ومن ذوات الخف المنسم ومن ذوات الظلف الظلف ومن ذوات الحافر الحافر ومن السباع والصائد من الطير المخلب ومن الطائر غير الصائد والكلاب ونحوها البرثن ويجوز
стр. 2497
البرثن في السباع كلها والمعدة للإنسان بمنزلة الكرش للدابة والحوصلة للطائر.
ثم قال فصل المراهق من الغلمان بمنزلة المعصر من الجواري والكاعب منهن بمنزلة الحزور منهم والكهل من الرجال بمنزلة النصف من النساء. والقارح من الخيل بمنزلة البازل من الإبل. والعجل من البقر والشادن من الظباء كالناهض من الفراخ. والبكر من الإبل بمنزلة الفتي من النساء. والقلوص بمنزلة الجارية. والجمل بمنزلة الرجل. والناقة بمنزلة المرأة والبعير بمنزلة الإنسان. والغرز للجمل كالركاب للفرس. والغدة للبعير كالطاعون للإنسان. والهالة للقمر كالدارة للشمس. والبصيرة في القلب كالبصر في العين.
ثم قال فصل وتفرق العرب في الشهوات فيقولون جائع إلى الخبز قرم إلى اللحم عطشان إلى الماء عيمان إلى اللبن قرد إلى التمر خصم إلى الفاكهة شبق إلى النكاح ويفرقون في أسماء الأولاد ليقولون لولد كل سبع جرو ولولد كل ذي ريش فرخ ولولد كل وحشية طفل ولولد الفرس مهر وفلو ولولد الحمار جحش وعلو ولولد البقرة عجل ولولد الأسد شبل ولولد الظبية خشف ولولد الفيل دغفل ولولد الناقة حوار ولولد الثعلب الجرس ولولد الضب حسل ولولد الأرنب خرنق ولولد النعام رال ولولد الدب ديسم ولولد الخنزير خنوس ولولد اليربوع والفأرة درص ولولد الحية حربش ويقولون البيض للطاشر والمكن للضباب والمازن للنمل والسر للجراد والصواب للقمل ويفرقون في المنازل فيقولون بيت من مدر وبجلد من وبر وخباء من صوف وفسطاط من شعر وخيمة من غزل وقشع من جلود. ويفرقون في الأوطان فيقولون وطن الإنسان وعطن البعير وعرين الأسد ووجار الأسد والضبع وكناس الوحش وعش الطائر وقرية النمل وكور الزنابير ونافقاء اليربوع ويقولون لما يصنعه الطائر على الشجر وكرفان كان على جبل أو جدار فهو وكن فإذا كان في كن فهو عش فإن كان على وجه الأرض فهوأ فحوص والأوحى للنعام خاصة ويقولون عدا الإنسان وأحضر الفرس وأرقسل البعير وعسل الذئب ومزع الظبي وخف النعام ويقولون طفر الإنسان وصبر الفرس ووثب البعير ونفر العصفور وطمر البرغوث ويفرقون في الضرب فيقولون للضرب بالراح على مقدم الرأس صقع وعلى القفا صفع وعلى الوجه صك وعلى الخد ببسط الكف لطم وبقبضها لكم وبكلتا اليدين لدم وعلى الذقن والحنك وهر وعلى الجنب وخزز وعلى الصدر والبطن بالكف وكز وبالركبة زبن وبالرجل ركل وعلى
стр. 2498
كل ضارب بمؤخره من الحشرات كالعقارب يسلع وكل ضارب منها بفمه يلدغ ويفرقون في الجماعات فيقولون كوكبة من الفرسان وكبكبة من الرجال وجوقة من الظباء وعرجلة من السباع وعصابة من الخيل وصرمة من الإبل وقطيع من الغنم وسرب من الظباء وعرجلة من السباع وعصابة من الطير ورجل ممن الجراد وخرشم من النحل ويفرقون في الامتلاء فيقولون بحر طام ونهر طافح وعين ثرة وإناء مفعم ومجلس غاص بأهله ويفرقون في اسم الشيء اللين فيقولون ثوب لين ورمح لدن ولحم رخص وريح رخاء وفراش وثير وأرض رشة ويفرقون في تغير الطعام وغيره فيقولون أروح اللحم وأسن الماء وخنز الطعام وسنخ السمن وزنخ الدهن وقتم الجوز ودخن الشراب وصدأ الحديد ونغل الأديم ويقولون يدي من اللحم غمرة ومن الشحم زهمة. ومن البيض زهكة. ومن الحديد سهكة. ومن السمك زنخة. ومن الخل خمطة. ومن العسل لزقة. ومن الفاكهة لزجة. ومن الزعفران ردغة. ومن العجين ورخة. ومن الطيب عبقة. ومن الدم ضرجة. وسلطة وسطلة. ومن الوحل لثقة. ومن الماء بللة. ومن الحمأة زفطة. ومن البرد صردة. ومن الأشنان قضضة. ومن المداد وحدة. ومن دهن البزر والنفط نمسة ونسمة. ومن البول قتمة. ومن العذرة طفسة. ومن الوسخ وزنة. ومن العمل محلة.
ويفرقون في الوسخ فإذا كان في العين قالوا أرمص فإذا أجف فهو عمش. فإذا كان في الأسنان فهو حفر. فإذا كان في الأذن فهو أف. فإذا كان في الأظافر فهو تف. فإذا كان في الرأس فهو حزار. وهو في باقي البدن درن.
ويفرقون في الكشف عن الشيء من البدن فيقولون حسر عن رأسه وسفر عن وجهه وافتر عن نابه. وكشر عن أسنانه. وأبدى عن ذراعيه. وكشف عن ساقه وهتلك عن عورته.
ويفرقون في الرياح فإذا وقعت الريح بين ريحين فهي نكباء. فإذا وقعت بين الجنوب والصبا فهي الجريباء. فإذا أهبت من جهات مختلفة فهي المناوحة. فإذا جاءت بنفش ضعيف فهي النسيم. فإذا كانت شديدة فهي العاصف. فإذا قويت حتى قلعت الخيام فهي الهجوم. فإذا حركت الأشجار تحريكاً شديداً وقلعتها فهي الزعزع. فإذا جاءَت بالهباء فهي الحاصب. فإذا هبت من الأرض كالعمود نحو السماء فهي الإعصار. فإذا جاءت بالغبرة فهي الهبوة. وإذا كانت باردة فهي الجرجف والصرصر. فإذا كانت معبردها ندى فهو البليل
стр. 2499
فإذا كانت حارة فهي السموم. فإذا لم تلقح ولم تحمل مطراً فهي العقيم.
ويفرقون في المطر فأوله رش ثم طش ثم طل ورذاذ ثم نضح ثم نضخ ثم هطل ثم تهتان ثم وابل وجود فإذا أحيا الأرض بعد موتها فهو الحيا. فإذا جاء عقب المحل أو عند الحاجة إليه فهو الغيث. فإذا كان صغار القطر فهو القطقط. فإذا دام مع سكون فهي الديمة. فإذا كان عاماً فهو الجداء. فإذا روى كل شيء فهو الجود. فإذا كان كثير القطر فهو الهطل والتهتان. فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع فهو الوابل.
ويقولون هجهجت السبع وشايعت الإبل ونعقت بالغنم وساسأت بالحمار وهاهأت بالإبل إذا دعوتها للعلف وجأجأت بها إذا دعوتها للشرب وأشليت الكلب دعوته أسدته أرسلته.
ويفرقون في الأصوات فيقولون رغا البعير وجرجر وهدر قبقب وأطت الناقة وصهل الفرس وحمحم ونهم الفيل وشهق الحمار وسحل وسحج البغل وجأرت البقرة وخارت وثاجت النعجة. وثغت الشاة ويعرت. ونعم الظبي ونزب. ووعوع الذئب. وضج الثعلب وصنغب الأرنب. وعوى الكلب ونبح ومأت السنور وصأت الفأرة. وفحت الأفعى. ونعق الغراب ونغب. وزق الديك وصعق. وصفغ النسر. وهدر الحمام وهدل. وغلرد المكاء وقبع الخنزير ونقت العقرب. وانقضت الضفادع ونقت أيضاً وعزفت الجن.
ثم قال فصل وللعرب خاص وعام فالبغض عام والفرك خاص. النظر إلى الأشياء عام والشيم للبرق خاص. الصراخ عام والواعية على الميت خاص الذنب للحيوان البهيم عام والذنابي للفرس خاص السير عام والسرى لليل خاص الهرب عام والأباق للعبيد خاص الرائحة عام والقتار للشواء خاص.
ثم قال فصل ومن جماة المسلم للعرب أنهم لا يقولون مائدة إلا إذا كان عليها الطعام وإلا فهي خوان ولا للعظم عرق إلا ما دام عليه لحم ولا كأس إلا إذا كان فيها شراب وإلا فهي زجاجة ولا كوز إلا إذا كانت له عروة وإلا فهي كوب ولا رضاب إلا إذا كان في الفم وإلا فهو بصاق ولا أريكة إلا لسرير عليه قبة فإذا لم يكن عليه قبة فهو سرير ولا ريطة إلا إذا كانت لفقين وإلا فهي ملاءة ولا خدر إلا إذا كانت فيه امرأة وإلا فهو ستر. ولا للمرأة ظعينة إلا إذا كانت في الهودج ولا قلم إلا إذا كان مبرياً وإلا فهو أنبوبة ولا عهن إلا إذا كان مصبوغاً وإلا فهو صوف ولا وقود إلا إذا اتقدت فيه النار وإلا فهو حطب ولا ركية
стр. 2500
إلا إذا كان فيها ماء وإلا فهي بئر ولا للإبل راوية إلا ما دام عليها الماء ولا للدلو سجل إلا ما دام فيها ماء ولا ذنوب إلا ما دامت ملأى ولا نفق إلا إذا كان له منفذ وإلا فهو سرب ولا للسرير نعش إلا ما دام عليه الميت ولا للخاتم خاتم إلا إذا كان عليه قص ولا رمح إلا إذا كان عليه زج وسنان وإلافهو قناة ولا لطيمة إلا للإبل التي تحمل الطيب والبز خاصة ولا حمولة إلا للتي تحمل الأمتعة خاصة ولا بدنة إلا للتي تجعل للنحر ولا ركب إلا لركبان الإبل ولا هضبة إلا إذا كانت عيداناً مجموعة وإذا كان نقب في جبل أو حائط فهو وكن ووكر.
ثم قال فصل وتقول العرب في الأمر وهن وفي الثوب وهي وفي الحساب غلت وفي غيره غلط وفي الطعام بشم وفي الماء ثغر وحلا الشيء في فمي وحلي في عيني الخ.
وهكذا جميع فصول الكتاب كلها غرر بل قلائد درر وهو نحو أربعمائة صفحة والصفحة على ربع الورق تغمد الله تعالى مؤلفه برحمته ورضوانه.
بغداد
محمود شكري الألومي
стр. 2501
بعد البين
لقد طوحتني في البلاد مضاعا ... طوائح جاءت بالخطوب تباعا
فبارحت أرضاً ما ملأت حقائبي ... سوى حبها عند البراح متاعا
عتبت عليّ بغداد عتب مودع ... أمضته فيها الحادثات قراعا
أضاعتني الأيام فيها ولو درت ... لعز عليها أن أكون مضاعا
لقد أرضعتني كل خسف وإنني ... لأشكرها إن لم تتمّ رضاعا
وما أنا بالجاني عليها وإنما ... نهضت خصاماً دونها ودفاعا
وأعملت أقلامي بها عربيةً ... فلم تبد إصغاءً لها وسماعا
ولو كنت أدري أنها أعجمية ... تخذت بها السيف الجزاز يراعا
ولو شئت كايلت الذين انطووا بها ... على الحقد صاعاً بالعداء فصاعا
ولكن هي النفس التي قد أبت لها ... طباع المعالي أن تسوء طباعا
أبيت عليهم أن أكون بذلةٍ ... وتأبى الضواري أن تكون ضباعا
على أنني داريت ما شاء حقدهم ... فلم يجد نفعاً ما أتيت وضاعا
وأشقى الورى نفساً وأضيعهم نهىً ... لبيب يداري في نهان رعاعا
تركت من الشعر المديح لأهله ... ونزهت شعري أن يكون فذاعا
وأنشدته يجلو الحقيقة بالنهى ... ويكشف عن وجه الصواب قناعا
وأرسلته عفواً فجاء كما ترى ... قوافي تجتاب البلاد سراعا
وقفت غداة البين في الكرخ وقفةً ... لها كربت نفسي تطير شعاعا
أودع أصحابي وهم محدقون بي ... وقد ضقت بالبين المشت ذراعا
أودعهم في الكرخ والطرف مرسل ... إلى الجانب الشرقي منه شعاعا
وأدعم رأسي بالأصابع مطرقاً ... كأن برأسي يا أميم صداعا
وكنت أظن البين سهلاً فمذاتي ... شرى البين مني ما أراد وباعا
وإني جبان في فراق أحبتي ... وإن كنت فيغير الفراق شجاعا
كأني وقد جدّ الفراق سفينة ... أشالت على الريح الهجوم شراعا
فمالت بها الأرواح والبحر مائج ... وقد أوشكت ألواحها تتداعى
فتحسبني من هزة فيّ أفدعاً ... ترقى هضاباً زلزلت وتلاعا
стр. 2502
فما أنا إلا قومةٌ وانحناءةٌ ... وسرُ أذاعته الدموع فذاعا
أبيت وما أقوى الهموم بمضجع ... تصارعني فيه الهموم صراعا
وألهو بذكراهم على السير كلما ... هبطت وهاداً أو علوت يفاعا
هم القوم أما الصبر عنهم فقد عصى ... وأما اشتياقي نحوهم فأطاعا
لقد حكموني في الأمور فلم أكن ... لانطق كلاباً أم قحمت سباعا
فلست أبالي بعد أن جدّ بينهم ... زجرت كلاباً أم تحمت سباعا
سلامٌ على وادي السلام وإنني ... لأجعل تسليمي عليه وداعا
له الله من وادٍ تكاسل أهله ... فباتوا عطاشاً حوله وجياعاً
رآهم عبيداً فاستبد بمائه ... ولم يجر بين المجديات مشاعا
جرى شاكراً صنع الطبيعة إنها ... أبانت يداً في جانبيه صناعا
وما أنس لا أنس المياه بدجلة ... وإن هي تجري في العراق ضياعا
ولو أنها تسقي العراق لما رمت ... به الشمس إلا في الجنان شعاعا
وما وجدت ريح وإن قد تناوحت ... مهباً به إلا قرى وضياعا
سأجري عليها الدمع غير مضيع ... وأندب قاعاً من هناك فقاعاً
وأذكر هاتيك الرباع بحسنها ... فنعمت على شحط المزار رباعا
الأستانة ـ
معروف الرصافي
стр. 2503
النقل والناقلون
للتأليف طريقتان طريقة الاعتماد على من سبق لمؤلف ونقل كلامهم ليدعم به قوله ويؤيد رأيه وطريقة إبداء رأي المؤلف مباشرة دون الاستشهاد بأقوال غيره مهما بلغت من المكانة. والطريقة الأولى هي الطريقة العلمية المقنعة التي تبقى على الدهر ويصعب أن يتطرق إليها الخلل إلا إذا ظهرت نصوص كثيرة صحيحة تخالف ما استشهد به الكاتب.
فقد رأى ديكارت الفيلسوف الفرنسوي أن ليس في مذاهب الغير ولاسيما في الفلسفة كبير أمر وأنا الأجدر ولو ببعض أرباب العقول أن يبحثوا عن الحقيقة بما فيها من الأسرار الخاصة دون الاحتفال بالمذاهب الأخرى التي ذهب إليها غيره في هذه المسألة بيد أن بعض إشياع فلسفة ديكارت نفسهم يرون أن هذا البحث على خلوه من فائدة ضار لأنه يسلب من العقل في تقدير الأشياء قدرها.
ويرى الفيلسوف كوزين الفرنسوي غير رأي ديكارت بل أنه غالى في ضرورة درس المذاهب الفلسفية السالفة حتى تدرج إلى أن مزج الفلسفة بتاريخ الفلسفة ومن رأيه ان الطريقة الفلسفية الوحيدة الجديرة بهذا العصر أن يدرس المؤلف المذاهب كلها ويقابل بين المذاهب التي ظهرت إلى اليوم على مشهد العقل البشري من المذاهب المتناقضة.
قم عاد ديكارت أيضاً فقال أن المصنفات التي يصنفها جماعة قد تكون في كمالها دون التي يصنفها فرد واحد وتدرج من ذلك إلى أن قال أن العلوم التي تألفت على التوالي من آراء كثيرين قد يكون حظها من الأخذ بطرف من الحق أقل من العلوم التي هي ثمرة فكر واحد.
ومن العادة عند مؤلفي الغربيين إذا أرادوا الكتابة أن يطالعوا جميع ما يمكنهم مطالعته في الموضوع الذي يريدون الخوض فيه فيطالع الألماني ما كتبه الإفرنسي والإيطالي والروسي والإنكليزي والأميركي وغيره غيرهم لتكون كتابته مؤيدة بالشواهد الصحيحة ولذا قرأ سبنسر فيلسوف الإنكليز في القرن التاسع عشر ١٧٣ كتاباً قبل أن يكتب كتابه العدل. وهكذا كل مؤلف في الغرب اليوم.
وبعد فماكل قول ينقل ويستشهد به حجة لتأييد الكلام وإنما ينقل قول يكون قائله قدوة وإلا فما من قول إلا وقد قيل كما قال كثير من الحكماء. وقد نشأ من نقل أقوال كيفما اتفق اختلاف كثير حتى أن الباحث إذا دقق النظر يرى أن تلك الأقوال ترجع إلى قول أو قولين ممن يعتد بهم ولو أمكن لكل مؤلف أن يسلك طريقة الجاحظ في قوله: إنما أحكي لك من
стр. 2504
كل نحلة قول حذاقهم وذوي أحلامهم لأن فيه دلالة على غيره وغنيّ عما سواه لكان نهج السبيل الأقوم.
ومن نقل كل ما يقال ترى في كتب التاريخ والملل والنحل أقوالاً إذا بحثت عنها لم تجدها إلا عند بعض أدنى العوام فكراً ولو عين المنقول إليه لسقط موقع القول من النفوس لكن بعض الناقلين لقصورهم في النظر ينقلون كل ما يقال بدون تعيين المنقول عنه ولو عينوا المنقول لسقط الإشكال. وكثيراً ما يقصد الحذاق منهم المغالطة ليوهموا الناظر أن في المسألة اختلافاً وهو محل دقيق جداً يغلط فيه التحرير العالم على أن بعضهم يرى أن لا ينقل من قوللا الحذاق إلا قول له موقع في النفس ومن ثم يقول القائل.
وليس كل خلاف جاء معتبراً ... الأخلاف له حظ من النظر
وإن أرباب النقد ليبحثون في كل قول عمن قاله ليعلموا درجة القائل في نفسه ودرجته في اقتداء الناس به وبذلك تظهر له الحقيقة في أجلى مظاهرها وقد قال حجة الإيلام الغزالي قولاً قاله كثير ممن قبله لو سكت من لا يعلم قلَّ الخلاف في العالم.
سألنا ذات يوم أحد العلماء العارفين عن السر في اختلاف المذاهب والمشاعب المنقولة فقال: وربما نجد في كتب الملل والنحل أسماءَ فرق لها أقوال غريبة يصعب عليك بعد التتبع الشديد أن تعرف في أي عصر وجدت وأين وجدت وكيف وجدت وفي أي قطر يوجد منهم أناس وإن زعم الزاعم انقراضها يعسر عليه إثبات زمان انقراضها وأغرب من ذلك صعوبة معرفة ترجمة رجل من حذاقها فذكر فرقة من هذا النوع يعد سخافة من الناقل. والذين لهم كتب في هذا المقام منهم الناقل غير الناقد ومنهم المموه لغلبة الهوى عليه في هذا الباب مثلاً لكفينا المؤنة في ذلك نعم يقال أن الجاحظ قد يسلك طرق التمويه كما سجل عليه ذلك بعض معاصريه من أبناء نحلته كأبي جعفر الإسكافي لكن تمويه الجاحظ تمويه عاقل ذي بصيرة إذا موه يكاد يظهر الحق من خلال تمويهه وقد يصرح بغير ذلك في موضع آخر فالعاقل ذو البصيرة ينتفع بكلامه كيف كان قال ومن يخلط في نقله كالطبيب الذي ينقل كل قول لا يعود أحد يعتدُّ بمنقوله وكذلك النحوي وغيره وهذه القاعدة تكاد تكون عامة لا تتخلف في كل فن فقد نقل ابن أبي الحديد أن الجاحظ ألف كتاباً سماه كتاب العثمانية انتصر فيه للخلفاء الراشدين إلا أنه أظهر فيه ما يشعر بالنصب لما اقتضته طينة
стр. 2505
البصرة على زعم بعضهم فتصدى له من أبناء نحلته الإمام أبو جعفر الإسكافي فنقض كتابه وأطلق لسانه في الجاحظ إطلاقاً لم يقع نظيره من المضادين للجاحظ في النحلة فمن ذلك قوله: القول ممكن والدعوى سهلة سيما على مثل الجاحظ. . . قوله لغو ومطلبه سجع وكلامه لعب ولهو يقول الشيءَ وخلافه ويحسن القول وضده.
قال قاضي القضاة عبد الجبار في كتاب طبقات المعتزلة نقض الإسكافي كتاب الجاحظ في العثمانية في حياته فدخل الجاحظ الوراقين ببغداد فقال: من هذا الغلام السوادي الذي بلغني أنه تعرض لنقد كتابي وأبو جعفر جالس فاختفى منه حتى لم يره وكان أبو جعفر علوي الرأي محققاً منصفاً قليل العصبية ألف سبعين كتاباً في علم الكلام.
وقصارى القول أنه لا ينقل إلا كلام الثقات والعظماء للاستئناس به وتقوية أواصر الكلام به وقد ينقل كلام بعض الضعفاء لنكتة فيه أو لعبرة تراد منه. والكتابة بدون استشهاد بأقوال الأئمة والعظماء مهما بلغت درجة صاحبها لا يلتفت إليها عند المحققين ولو حوت من اللآليءِ كل عقد ثمين.
стр. 2506
التمييز في الألبسة
ليس أغرب من هذا الشرق ترى فيه الاختلاف في الأفكار كما تراه في الأديان بل تراه في اختلاف الهواء والماء وقد وفق الغرب إلى توحيد ألبسة أهله في القرون الأخيرة أما الشرق فلم يزل في تخالفه في ذلك على نحو ما كان عليه في القرون الوسطى قرون الظلم والهمجية.
اختلاف المشارقة في ألبستهم قديم فقد كان للقضاة وللأجناد وللعلماء والعامة ألبسة خاصة بهم بل كان اللباس تابعاً للأقاليم فابن الحجاز يلبس ما لا يلبسه ابن الشام وهكذا تجد لو طفت الأقاليم ودرست المدنيات.
وكان لأهل الذمة في الإسلام لباس خاص بهم وهو من التحكمات السياسية التي دعا إليها العرب لا الدين وليس في الدين ما يدل على تمييز المسلمين بلباس خاص فقد اشترط الخليفة الثاني في كتاب الجزية الذي كتبه لأهل الذمة أن يؤخذوا بلبس الغيار وهو علامة لهم كالزنار ونحوه ولما تبسط الفاتحون في مناحي السلطان كان من جملة واجبات المحتسب كما في كتاب نهاية الرتبة في الحسبة أن يأخذ الذميين يلبسه فإن كان يهودياً عمل على كتفه خيطاً أحمر أو أصفر وإن كان نصرانياً عمل في وسطه زناراً أو علق في حلقه صليباً وإن كانت امرأة لبست خفين أحدهما أبيض والآخر أسود وإذا عبر الذمي إلى الحمام ينبغي أن يكون في حلقه صليب أو طوق من حديد أو نحاس أو رصاص ليختبر عن غيره.
وفيكتاب الخراج لأبي يوسف أن لا يترك أحد منهم يتشبه بالمسلمين في لباسه ولا في مركبه ولا في هيئته ويؤخذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الخيط الغليظ يعقده في وسطه كل واحد منهم وبأن تكون قلانسهم مضربة قبل وإن عمر بن الخطاب امر عماله أن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي أي أن تكون قلانسهم طوالاً مضربة وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامل له فلا يلبس نصراني قباء ولا ثوب خز ولا عصب وقد ذكر لي أن كثيراً من قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا المناطق على أوساطهم واتخذوا الجمام والوفر وتركوا التقصيص ولعمري لئن كان يصنع ذل فيما قبلك إن ذلك بك لضعف وعجز ومصانعة.
وفيما اطلعنا عليه من الكتاب إشارات طفيفة لاختلاف أزياء الذميين في العصور الإسلامية
стр. 2507
وما هذا الاختلاف في الحقيقة ناتج إلا من التحكم البارد غالباً. قال ابن الأثير في حوادث سنة ٢٣٥ أن المتوكل أمر أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية وشد الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب وعمل كرنين في مؤخر السروج وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفين لون الثوب كل واحد منهماقدر أربع أصابع ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى ومن خرج من نسائهم تلبس إزاراً عسلياً ومنعهم من لبس المناطق وأمر بهدم بيعهم المحدثة وبأخذ العشر من منازلهم وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان ولا يعلمهم مسلم وأن يظهروا في شعانينهم صليباً وأن يستعملوا في الطريق وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض وكتب في ذلك إلى الآفاق.
وقال الذهبي فيحوادث ٣٩٨ وفيها هدم الحاكم كنيسة القيامة بالقدس وكانت فيها أموال وجواهر ما لا يوصف وألزم النصارى بتعليق صلبان على صدورهم واليهود بتعليق مثل رأس العجل على صدورهم وكان الصليب رطلاً بالدمشقي من خشب ومثال رأس العجل كالمدقة وزنها رطل ونصف وأن يشدوا الأجراس في رقابهم عند دخول الحمامات قال وألزم الحاكم صاحب المغرب والحجاز ومصر والشام أهل الذمة بالصلبان في أعناقهم وألبس اليهود العمائم السود نكاية واهنة لبني العباس قال ابن خلكان وفي سنة اثنتين وأربعمائة أمر الحاكم النصارى واليهود إلا الخيابرة بلبس العمائم السود وأن تحمل النصارى في أعناقهم الصلبان ما يكون طوله ذراعاً ووزنه خمسة أرطال وأن تحمل اليهود في أعناقهم قرامي الخشب على وزن صلبان النصارى وأن يكون في أعناق إذا دخلوا الحمام الصلبان وفي أعناق اليهود الجلاجل ليتميزوا عن المسلمين.
قلنا وكان في الحاكم لوثة وجنة يأمر اليوم بأمر فينهي عنه في الغد.
وذكر الذهبي في حوادث سنة سبعمائة أن النصارى واليهود ألبست بمصر والشام العمائم الزرق والصفر واستمر ذلك. وسنة ٧٣٤ ألزمت النصارى ببغداد بالغيار ثم نقضت كنائسهم ودياراتهم وأسلم منهم ومن أعيانهم خلق كثير منهم سديد الدولة وكان ركناً لليهود.
وروى لسان الدين بن الخطيب أن اسمعيل بن فرج الخزرجي من ملوك الأندلس اشتهر في إقامة الحدود وإراقة المسكرات وحظر تجلي القينات للجرال في الولائم وقصر طربهن
стр. 2508
على أجناسهن من الناس وأخذ لليهود الذمة بالتزام سمة تميزهم وإشارة تشهرهم وليوفى حقهم من المعاملة التي أمر بها الشرع في الخطاب. والطرق وهو شواش (جمع شاشية) أصفر. وذكر صاحب المعجب في سيرة أبي يوسف يعقوب بن يوسف ابن عبد المؤمن أنه أمر في آخر أيامه أن يتميز اليهود الذين بالمغرب بلباس يختصون به دون غيرهم وذلك ثياب كحلية وأكمام مفرطة السعة تصل إلى قريب من أقدامهم وبدلاً من العمائم كلوتات على أشنع صورة كأنها البراديع تبلغ إلى تحت آذانهم فشاع هذا الزيّ في جميع يهود المغرب ولم يزالوا كذلك بقية أيامه وصدراً من أيام ابنه عبج الله إلى أن غيره أبو عبد الله بعد أن توسلوا إليه بكل وسيلة واستشفعوا بكل من يظنون أن شفاعته تنفعهم فأمرهم أبو عبد الله بلبسان ثياب صفر وعمائم صفر فهم على هذا الزي إلى وقتنا هذا وهو سنة ٦٢١ وإنما حمل أبا يوسف على ما صنعه من أفرادهم بهذا الزي وتمييزه إياهم به شكه في إسلامهم وكان يقول لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم ولو صح عندي كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم وجعلت أموالهم فيئاً للمسلمين ولكني متردد في أمرهم ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة إنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام ويصلون في المساجد ويقرون أولادهم القرآن جارين على ملتنا وسنتنا والله أعلم بما تكنه صدورهم وتحويه بيوتهم اهـ.
وقال ابن أبي أصيبعة: حدثني الشيخ موفق الدين البوري الكتاب النصراني قال لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الكرك أتى إلى دمشق الحكيم موفق الدين يعقوب بن سقلاب النصراني وهو شاب على رأسه كوفية وتخفية صغيرة وهو لابس جوخة ملوطة زرقاء زي أطباء الفرنج وقصد الحكيم موفق الدين بن المطران وصار يخدمه ويتردد إليه لعله ينفعه فقال له هذا الزي الذي أنت عليه ما يمشي لك به حال في الطب في هذه الدولة بين المسلمين وإنما المصلحة أن تغير زيك وتلبس عادة الأطباء في بلادنا ثم أخرج له جبة واسعة عنابية وبقياراً مكحلاً وأمره أن يلبسهما.
قال ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة أسعد بن المهذب ما يأتي: كان المهذب أبوه المعروف بالخطير مرتباً على ديوان الإقطاعات وهو على دين النصرانية فلما علم أسد
стр. 2509
الدين شيركوه في بدء أمره بمصرانه نصراني وأنه يتصرف في (عمله) بلا غيار نهاه وأمره بغيار النصارى ورفع الذؤابة وشد الزنار عن الديوان فبادر هو وأولاده فأسلموا على يده فأقره على ديوانه مدة ثم صرفه عنه فقال فيه ابن الذروي:
لم يسلم الشيخ الخطير لرغبة في دين أحمد
بل ظن أن محاله ... يبقي له الديوان سرمد
والآن قد صرفوه عنه فدينه فالعود أحمد
ولما أمر شيركوه النصارى بلبس الغبار وإن يعمموا بغير عذبة قال عمارة اليمني:
يا أسد الدين ومن عدله ... يحفظ فينا سنة المصطفى
كفى غياراً شد أوساطنا ... فما الذي يوجب كشف القفا
هذا ما كان عليه الاختلاف في الأزياء بين أهل الوطن الواحد وأكثره كما ترى ناشيء من ملوك وفقهاء متعصبين تعصب ظاهراً مثل المتوكل والحاكم بأمر الله ولم يسمع بأن رجال الجد في الإسلام مثل الرشيد والمأمون وصلاح الدين ونور الدين تحكموا هذه التحكمات والله أعلم.
стр. 2510
الجغرافيا والعرب
لم يترك العرب أيام حضارتهم فرعاً من فروع العلوم النافعة في قيام مجتمعهم إلا وتوفر أفراد منهم عليه. وعلم الجغرافيا هو أحد تلك العلوم ولم يكن لهم به عهد في الجاهلية كالشعر والرواية والأدب والخطب وإذا ذكروا بعض أسماء البلدان المجاورة لهم فإنما يذكرونها بالعرض لا تشعر بمعرفة ولا تنمّ عن اشتغال.
وكان أول الكتب التي نقلوها إلى لسانهم كتب بطليموس اليوناني في الجغرافيا ومن أول الأعمال الجغرافية العلمية التي تمت على يد علمائهم هو أن المأمون أمر محمد بن موسى بن شاكر وأخويه أحمد والحسن بتحقيق طول خط نصف البار لمعرفة محيط الكرة الأرضية فقاسوا أحد خطوط الطول في سهل سنجار ثم أعادوا المقياس ثانياً في وطآت الكوفة فثبتت لديهم كروية الأرض وعرفوا محيطها.
قال ابن خلكان في ترجمة بني شاكر: وكانت لهم همم عالية في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل وأتعبوا أنفسهم في شأنها وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها لهم واحتضروا النقلة من الأصقاع الشاسعة والأماكن البعيدة بالبذل السني فأظهروا عجائب الحكمة وكان الغالب عليهم من العلوم الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم وهو الأقل ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشتمل على كل غريبة ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها وهو مجلد واحد. ومما اختصوا به في ملة الإسلام وأخرجوه من القوة إلى الفعل وإن كان أرباب الأرصاد المتقدمون على الإسلام قد فعلوه ولكنه لم يثقل أحداً من أهل هذه الملة تصدى له وفعله إلا هم وهو أن المأمون كان مغرى بعلوم الأوائل وتحقيقها ورأى فيها أن دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل كل ثلاثة أميال فرسخ فيكون المجموع ثمانية آلاف فرسخ بحيث لو وضع طرف حبل على أي نقطة كانت من الأرض وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض والتقى طرفا الحبل فإذا مسخنا ذلك الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل فأراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك فسأل بني موسى المذكورين عنه فقالوا: نعم هذا قطعي وقال: أريد منكم أن تعملوا الطريق الذي ذكره المتقدمون حتى نبصر هل يتحرر ذلك أم لا فسألوا عن الأراضي المتساوية في أي البلاد هي فقيل لهم صحراء سنجار في غاية الاستواء وكذلك وطآت الكوفة فأخذوا معهم جماعة ممن يثق المأمون إلى أقوالهم ويركن إلى معرفتهم بهذه
стр. 2511
الصناعة وخرجوا إلى سنجار وجاؤا إلى الصحراء المذكورة فوقفوا في موضع منها فأخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات. وضربوا في ذلك الموضع وتداً آخر وربطوا فيه حبلاً طويلاً ثم مشوا إلى الجهة الشمالية على استواء الأرض من غير انحراف إلى اليمين واليسار حسب الإمكان فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتداً آخر وربطوا فيه حبلاً طويلاً ومشوا إلى جهة الشمال أيضاً كفعلهم الأول ولم يزل ذلك دأبهم حتى انتهوا إلى موضع أخذوا منه ارتفاع القطب المذكور فوجدوه قد زاد على الارتفاع الأول درجة فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبال فبلغ ستة وستين ميلاً وثلثي ميل فعلموا أن كل درجة من درج الفلك يقابلها من سطح الأرض ستة وستون ميلاً وثلثان ثم عادوا إلى الموضع الذي ضربوا فيه الوتد الأول وشدوا فيه حبلاً وتوجهوا إلى جهة الجنوب ومشوا على الاستقامة وعملوا كما عملوا في جهة الشمال من نصب الأوتاد وشد الحبال حتى فرغت الحبال التي استعملوها في جهة الشمال ثم أخذوا الارتفاع فوجدوا القطب الشمالي قد نقص عن ارتفاعه الأول درجة فصح حسابهم وحققوا ما قصدوه من ذلك.
وهذا إذا وقف عليه من له يد في علم الهيئة ظهر لهم حقية ذلك ومن المعلوم أن عدد درج الفلك ثلثمائة وستون درجة لأن الفلك مقسوم باثني عشر برجاً وكل برج ثلاثون درجة لتكون الجملة ثلثمائة وستين درجة فضربوا عدد درج الفلك في ستة وستين ميلاً أي التي هي حصة كل درجة فكانت الجملة أربعة وعشرين ألف ميل وهي ثمانية آلاف فرسخ وهذا محقق لا شك فيه فلما عاد بنو موسى إلى المأمون وأخبروه بما صنعوا وكان موافقاً لما رآه في الكتب القديمة من استخراج الأوائل طلب تحقيق ذلك في موضع آخر فسيرهم إلى أرض الكوفة وفعلوا كما فعلوا في سنجار فتوافق الحسابان فعلم المأمون صحة ما حرره القدماء في ذلك.
هذا ما قاله صاحب وفيات الأعيان بنصه وليس العمل لإثبات كروية الأرض هو العلم الوحيد الذي قام به المأمون فقد قال المسعودي صاحب مروج الذهب في كتابه التنبيه والإشراف وهو مما ألفه بفسطاط مصر سنة ٣٤٥ للهجرة: ورأيت هذه الأقاليم مصورة في غير كتاب بأنواع الأصباغ وأحسن ما رأيت من ذلك في كتاب جغرافيا مارينوس وتفسير جغرافيا قطع الأرض وفي الصورة المأمونية التي عملت للمأمون اجتمع على صنعتها عدة
стр. 2512
من حكماء أهل عصره صور فيها العالم بأفلاكه ونجومه وبره وبحره وعامره وغامره ومساكن الأمم والمدن وغير ذلك وهي أحسن مما تقدمها من جغرافيا بطليموس وجغرافيا مارينوس وغيرهما اهـ.
قال السنيور جويدي الإيطالي وليس حكماء العرب هم الذين عنوا دون غيرهم من الأمة العربية برسم صورة الأرض بل أن أمراءهم كذلك ومنهم أمير المؤمنين المأمون الخليفة العباسي فإنه أغرم برسم الأرض وبذل قصارى جهده في إبرازها فجمع من بالعراق من حكماء دولته زهاءَ سبعين حكيماً على ما قيل فاجتمعوا على تكوينها وأحكامها حتى فضلت بذلك ما تقدمها من الصور اهـ ولقد عرف المسلمون أن من جملة أسباب الفتح معرفة طرق البلدان والأمصار فقد ذكر المؤرخون أنه قام الملاحون المدعوون بالمغرورين في القرن الأول للهجرة وأقلعوا من لشبونة عاصمة البرتغال اليوم بغية الوصول إلى ما وراء كولمبس وفي البعثات التي سيرها الخلفاء إلى القاصية كبعثة الواثق العباسي لاكتشاف سواحل الخزر وبعثة المقتدر بالله عام ٣٠٩ إلى البلغار للدعوة الإسلامية فيها وأخذ أحد أعضاء البعثة أحمد بن فضلان معلومات مفيدة عن تلك البلاد وفي الحملة التي وصلت إلى بكين بعد فتح كاشغر سنة ست وتسعين للهجرة لدعوة الصين إلى الإسلام في كل ذلك أكبر دليل على تقدير العرب على رسم الأرض أو الجغرافيا أو علم تقويم البلدان.
ولقد كان علماء الحديث من أشد الناس عناية بالجغرافيا لتمييز النسب إلى البلدان والفرق بين الرجال ومساقط رؤوسهم وهذا هو السبب الذي دعا أرباب المعاجم أن يذكروا أسماء الأمصار والقرى. ومن راجع باب العشر والخراج في مطولات الفقه علم ما بين الفقه والجغرافيا من التعلق.
كتب أحد الخلفاء إلى حكيم من حكماء عصره حين فتح الله البلاد على العرب من العراق والشام ومصر وغيرها يقول: إنا أناس عرب وقد فتح الله علينا البلاد ونريد أن نتبوأ الأرض ونسكن البلاد والأمصار فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها وما تؤثره الترب والأهوية في سكانها فكتب إليه ذلك الحكيم بجغرافيتها الطبيعية. وكتب عمر ابن عبد العزيز إلى أحد عماله أن يصف له جزيرة الأندلس لأنه علم أن المسلمين نزلوا فيها في بلاد يحيط بهم الإفرنج من أكثر الجهات ولا بقاء لهم في تلك البلاد.
стр. 2513
ولما اجتمع ابن خلدون بتيمورلنك سنة ٨٠٢ هـ في دمشق سأله هذا عن بلده والمغرب الأقصى فذكر له ابن خلدون ما حضره وطلب منه أن يؤلف له مختصراً وجيزاً يصف له بلاد المغرب كلها أقاصيها وأدانيها وأنهارها وقراها وأمصارها فكتب له في غربته اثنتي عشرة كراساً في وصف المغرب.
وأجمع تعريف للجغرافيا يستدل منه على موقعها من نفوس العرب واتصالها بعدة علوم لهم ما قاله ياقوت في مقدمة معجم البلدان: ومن ذا الذي يستغني من أولي البصائر ع معرفة أسماء الأماكن وتصحيحها وضبط أصقاعها وتنقيحها والناس في الافتقار إلى علمها سواسية وسر دورانها على الألسن في المحافل علانية لأن من هذه الأماكن ما هي مواقيت للحجاج والزائرين ومعالم للصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين ومشاهد للأولياء الصالحين ومواطن غزوات سرايا سيد المرسلين وفتوح الأئمة من الخلفاء الراشدين وقد فتحت هذه الأماكن صلحاً وعنوة وأماناً وقوة ولكل من ذلك حكم في الشريعة في قسمة الفيء وأخذ الجزية وتناول الخراج واجتناء المقاطعات والمصالحات وإتالة التسويفات والإقطاعات لا يسع الفقهاء جهلها ولا تعذر الأئمة والأمراء إذا فإنهم في كريق العلم حزنها وسهلها لأنها من لوازم فتيا الدين وضوابط قواعد الإسلام والمسلمين فأما أهل السير والأخبار والحديث والتواريخ والآثار فحاجتهم إلى معرفتها أمسُّ من حاجة الرياض إلى القطار غب أخلاف الأنواء والمشفي إلى العافية بعد يأسٍ من الشفاء لأنه معتمد عليهم الذي قلَّ أن تخلو منه صفحة بل وجهة بل سطر من كتبهم وأما أهل الحكمة والتفهيم والتطبب والتنجيم فلا تقصر حاجتهم إلى معرفته عمن قدمنا فالأطباء لمعرفة أمزجة البلدان وأهوائها والمنجم للاطلاع على مطالع النجوم وأنوائها إذ كانوا لا يحكمون على البلاد إلا بطوالعها ولا يقضون لها وعليها بدون معرفة أقاليمها ومواضيعها ومن كمال المتطبب أن يتطلع إلى معرفة مزاجها وهوائها وصحة أو سقم منبتها ومائها فصارت حاجتهم إلى ضبطها ضرورية وكشفهم عن حقائقها فلسفية ولذلك صنف كثير من القدماء كتباً سموها جغرافيا ومعناها صورة الأرض وألف آخرون كتباً في أمزجة البلدان وهوائها نحو جالينوس وقبله بقراط وغيرهما وأما أهل الأدب فناهيك بحاجتهم إليها لأنها من ضوابط اللغوي ولوازمه وشواهد النحوي ودعائمه ومعتمد الشاعر في تحلية جيد شعره بذكرها وتزيين عقود لآلي نظمه بشذرها فإن
стр. 2514
الشعر لا يروق ونفس السامع لا تشوق حتى يذكر حاجز وزرود والدهناء وهبود ويتحنن إلى رمال رضوى فيلزمه تصحيح الاسم وأين صقعه وما اشتقاقه ونزهته وقفره وحزنه وسهولته فإنه إن زعم أنه واد وكان جبلاً أو جبل وكان صحراءَ أو صحراءُ وكان نهراً أو نهر وكان قريةً أو قرية وكان شعباً أو شعب وكان حزناً أو حزن وكان روضةً أو روضة وكان صفصفاً أو صفصف وكان مستنقعاً أو مستنقع وكان جلداً أو جلد وكان سبخةً أو سبخة وكان حرّةً أو حرة وكان سهلاً أو سهل وكان وعراً أو يجعله شرقياً وكان غريباً أو جنوبياً وكان شمالياً سفل قدره ونزر كثره وآض ضحكة ويرى أنه ضحكة وجعل هزأة ويرى أنه هزأة واستخف وزنه واسترذل واستقل فضله واستجهل اهـ.
وبعد فقد نبغ في علماء العرب بفن الجعرافيا أناس لم يزالوا يذكرون كما يذكر الأفراد فمن قدمائهم أبو موسى الخوارزمي وعبد الله بن خرداذبة وابن واضح اليعقوبي وابن الفقيه الهمذاني وعمر بن رستة وقدامة بن جعفر والجيهاني وعلي بن فضلان وأبو دلف مشعر وأبو زيد البلخي وأبو إسحق الاصطخري وشمس الدين المقدسي وعلي بن الحسين المسعودي وأبو الريحان البيروني وأبو عبيد البكري وأبو سعيد الأصمعي وأبو عبد الصيرافي والزمخشري ومحمد بن أحمد الهمذاني ومحمد بن أبي بكر الزهري والشريف الإدريسي وابن فضل الله العمري ومحمد المازني ومحمد بن علي الموصلي وأبو عبد الله بن شداد وأبو محمد العبدوي وأبو عبد الله ياقوت الحموي وزكريا بن محمد القزويني وابن سعيد المغربي وشمس الدين الأنصاري الدمشقي والملك أبو الفداء صاحب حماة وابن بطوطة وابن الوردي وابن إياس وهذا كان آخرهم ممن يعتد بأقوالهم فقد جاء في القرن العاشر للهجرة وبعد ذلك انقطع سند العلوم الجغرافية من المسلمين بزهدهم في كل علم ولغلبة الجهل وإن صادف أن جاء من اشتغل بالجغرافيا بعد ذلك العهد فيكون ناقلاً عن مصنفات أولئك الأعلام أو مختصراً لبعضها شأن العرب في القرون الثلاثة الأخيرة في جميع ما كتبوا فقد فقدت منهم ملكة التأليف والاختراع وصاروا نقلة عاديين والله أعلم.
стр. 2515
ديوان خالد الكاتب
في جملة مخطوطات دار الكتب الظاهرية في دمشق ديوان خالد الكاتب ابن يزيد كتب سنة ١١١٠ هـ بقلم محي الدين الدمشقي السلطي وهو في ٨٨ ورقة تغلب عليه الصحة ومرتب على حروف الهجاء رتب لناظمه ولم يرتبه بنفسه فيما يظهر قال على قافية الباءِ:
يا أيها المعرض يا ذا الذي ... هب للهوى ديني بطول التعب
أما تراني دنفاً هائماً ... وجداً بمن صارمني واحتجب
ياواحداً في الحسن طال الهوى ... والشوق إذ طال إليك الطلب
عدمت للعبد على أن لي ... قلباً قريحاً بك نافي الندب
وقال أيضاً:
القلب مني على شوق وتعذيب ... وزفرة فرحت في قلب مكروب
لا والذي ذهبت بالنفس لحظته ... وما بعبرى (؟) من حسن ومن طيب
ما طول شوقي ولا حزني ولا كمدي ... إلا على مهجتي من بعد تعذيبي
كم كمن الدهر من سهم يفوقه ... مسدد بدم العشاق مخضوب
وقال أيضاً:
ليست بأول ليلة ... طالت على دنف غريب
متأوه حب الخليل ... بزفرة الصب الكئيب
لم يلق بعد فراقه ... ثمراً وغصناً في كثيب
وقال أيضا:
فلو أن خداً كان من فيض عبرة ... يرى معشباً لأخضر خدي فأعشبا
كأن ربيع الزهر بين مدامعي ... بما اخضل فيه مزفتى وتعببا (؟)
على أنني لم أبك إلا مودعاً ... بقية نفس ودعتني لتذهبا
وقد قل لما لم أجد ليراحة ... سوى الدمع لما حل أهلاً ومرحبا
ومعظم الديوان في الغزل قال في قافية الدال:
السنه السقم حتى ملَّ عائده ... يا سالم القلب من شوق يكابده
ثم لا أرقت فإن الهم أقلقه ... فبات يسهد ليلاً أنت راقده
وباح بالسر لما ذاب أكثره ... شوقاً إليك ولما بان واحده
стр. 2516
رثى العذول له حتى بكى معه ... حزناً وأسعده بالدمع حاسده
وقال أيضاً:
القلب يحسد عيني لذة النظر ... والعين تحسد قلبي لذة الفكر
يقول قلبي لعيني كلما نظرت ... كم تنظرين رماك الله بالسهر
العين تورثه هماً فتشغله ... والقلب بالدمع ينهاه عن النظر
هذان خصمان لا أرضى بحكمهما ... فاحكم فديتك بين العين والبصر
وقال أيضاً:
ولما رأيت الدمع غاص إلى الحشا ... وأن فؤادي من دموعي في بحر
نظرت إلى عينيّ لا ماَء فيهما ... فأيقنت أن الدمع تحتهما يجري
فلولا استبان الدمع في مضمر الحشا ... تفجر أنهار الدموع من الصدر
على ان قلبي ينشف الدمع حره ... وأين بقايا الدمع في وهج الجمر
قلنا أن معظم شعره في الغزل والنسيب وأكثره من أربعة أبيات ومن شعره في المديح قوله يمدح الحسن بن وهب الكتاب:
يا وجه أحسن من يمشي على قدم ... بحرمة الحسن قل لي كيف حلَّ دمي
أما وخدين يسقي الورد ماءهما ... في نسبة تمنع الدنيا من الظلم
ومقلة كلما دارت رأيت بها ... من جوهر اللحظ أسقاماً بلا ألم
إلى أن قال في المديح:
مذهب في الباب الملك أسرته ... أهل الكتابة والألباب والحلم
من بيت دهنقة الأشراف في شرف ... أوفى على مطلع العيوق في الشمم
في ذروة من بناءِ العز باذخة ... علياءُ طالت عن الأوعال والعصم
أمضى البرية في خطب وأصوبها ... عزماً وأكتب من أملى على قلم
قال جامع الديوان وهذا آخر ما وجد في ذيله عن نسخة أخرى ند قافية الباءِ قوله:
يا تارك الجسم بلا قلب ... إن كنت أهواك فما ذنبي
يا مفرداً بالحسن أفردتني ... منك بطول الشوق والحب
إن تك عيني أبصرت فتنة ... فهل على قلبي من عتب
стр. 2517
حسيبك الله لما بي كما ... أنك في فعلك بي حسبي
وشعر خالد الكاتب كما تراه منسجم هو إلى شعر المولدين أقرب منه إلى شعر العرب الذي يحوي فخامة اللفظ وجزالة التركيب وقد استفدنا من ترجمة خالد الكاتب أنه كان مغرماً بالصبابة وبينه وبين معاصره أبي تمام الطائي ملاحاة وشؤون وخلاصة حياته كما في فوات الوفيات للكتبي أنه خالد بن يزيد أبو الهيثم الكاتب البغدادي أصله من خراسان وكان أحد كتاب الجيش ولاه ابن الزيات الأعطاء ببعض الثغور فخرج فسمع في طريقه منشداً ينشد:
من كان ذا شجن بالشام يطلبه ... ففي سوى الشام أمسى الأهل والوطن
فبكى حتى سقط مغشياً عليه ثم أفاق واختلط عقله واتصل به ذلك إلى الوسواس وبطل. قال ومن شعره:
عش فحييك سريعاً قاتلي ... والهوى إن لم تصلني واصلي
ظفر الشوق بقلبي دنف ... فيك والسقم بجسم ناحل
فهما ما بين وجد وضنىّ ... تركاني كالقضيب الذابل
وبكى العاذل لي من رحمة ... فبكائي لبكاء العاذل
ومن شعره أيضاً:
عشية حياتي بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض
وراح ولعل الراح في حركاته ... كفعل النسيم الرطب فيالغصن الغض
стр. 2518
مصالح الأبدان والأنفس
قد يظن بعض من لا عهد لهم بحالة العرب أيام حضارتهم أنهم كانوا كعرب البادية اليوم لا يكادون يعرفون الأمور الصحية ولا تدبير البدن وأنهم كانوا يسيرون متشبعين بفكر القضاء والقدر إن هلكوا قالوا قضاءٌ وإن عاشوا قالوا قدر. والحقيقة إن القوم كانوا على عناية أكيدة بأمور الصحة وما بقي من كتبهم القليلة المحفوظ بعضها في دور الكتب في الشرق والغرب والمطبوع بعضها يدل دلالة كبيرة على ذلك وأقرب سبيل للإشراف على عناية العرب بتدبير الصحة أن يرجع القاريء إلى كشف الظنون فيرى الكتب التي ألفت في هذا الفن بل إلى تراجم الأطباء في القرون الأولى للإسلام ويقرأُ في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة أسماء الكتب التي صنفوها في تدبير الصحة فقط.
وقد ظفرنا في خزانة كتب السيد أبي الخير عابدين من جلة فقهاء دمشق بكتاب مصالح الأبدان والأنفس لأبي زيد البلخي ولعله الجغرافي المؤرخ المشهور في القرن الثالث: والقطعة مقتطعة من كتاب للمؤلف تغلب عليها الصحة فأحببنا نقله للمقتبس لأن معظم ما تكلم فيه من المصالح كأنه كتب في هذه الأيام قال المؤلف:
تذكرة مقتضبة على سبيل الإيجاز والاختصار من كتاب أبيزيد البلخي رحمه الله تعالى المسمى مصالح الأبدان والأنفس تجنبنا فيه بسط أبي زيد وتطويله وإن كان ملذاً غير مملول ومعسول اللفظ غير مغسول إلا أنا ملنا إلى ما يدركه الحفظ وتقصر في الإحاطة به مساهمة اللحظ وبالله التوفيق والإعانة. . .
باب الحاجة إلى تعهد الأجسام وما في ذلك من استدامة الصحة
إن الجسد يحتاج في تعاضد أركانه وتماسك أجزائه إلى تعهد شديد وتفقد بليغ والنفع في ذلك بين أثره عند من دق نظره. ومثاله ما نراه من حال النمو في الأطفال وأنه يتدرج على ترتيب يخفى عن الحس إلى أن يبلغ غاية التمام والشباب ثم يولى تولية تلطف عن الإدراك حتى يجتمع فيه من أحوال الانتقاض والانتقاص ما تكون جملته محسوسة وإن لم يحسن تفصيله فذلك منفعة التعهد ومضرة الإهمال في خفائهما أولاً ثم ظهورهما أخيراً.
باب في تدبير الأهوية والبلدان
كما يسافر الناس لطلب المعاش فلذلك يجب أن يسافروا لطلب المنازل المحمودة والبعد من
стр. 2519
الأهوية الفاسدة فإن بعض الحيوان قد يفعل شبيهاً بذلك مثل أجناس الطير القاطعة وأصناف السمك المثقلة والهواء كالمركب أبداً من طبيعة الماء والتراب اللذين يمر عليهما واختلاف أحوال سكان البلاد في صورهم وأخلاقهم يتولد عن اختلاف هذه الأصول التي هي التراب والمآء والهوآء، وعلى حسب ذلك يجب أن يرغب الحكيم في إصلاح ما يخصه منها. وأفضل المساكن ما كانت تربته عذبة طيبة غير مشوبة ولم تبعد الشمس عن سمت رؤوس أهلها وكان عالياً في إنجاد الأرض وذرى الجبال ليتموج هوآؤُه ولا تحتقن فيه بخارات المياه وأنفاس الحيوان. ويكون ماؤه سبحاً من مناقيع طيبة حرَّة التراب، وتكون مجاريه بارزةً للشمس وحركته شديدة ومسافته من مبدإِه إلى منتهاه بعيدة ولا يكون بقرب المنزل تربة فاسدة أو مياه أَجنة من بطائح ونقائع، وقد يوجد في المواضع الخربة من الأرض تفاوت شديد يجب معه الحرص على طلب الأصلح وإذا دفعت الضرورة إلى نزول بلد هواؤُه فاسد أصلح بالبخورات الموصوفة. وجلب الماء للشرب من المواضع السليمة والانتقال عنه أصلح، فأما السلطان فتنقله في بلاد ملكه يجمع فنوناً من المصلحة منها سرور التنزه، ومنها تخير الأصوب في تدبير الأجسام ومنها توزيع مراعاته على كل حد من حدود ملكه، والهوآء أقوى أجسام هذا العالم تصرفاً وتصريفاً لما لاقيه وهو الذي يؤدي السري من الأجسام السمارية إلى الأرضية ويوصل قوى ما يمر عليه إلى ما يصل إليه كإيصاله الأصوات والروائح التي لو سكن لعدمت، ويجب أن يكون المبيت في الصيف بإزاءِ مهب الشمال، والجلوس فيالشتاء بإزاء مهب الجنوب، وفي الفصلين بإزاء مهب الصبا فهي موصوفة بطيب النسيم ولاسيما في السحر ويجتنب مع ذلك ملاقاة كل ريح عاصفة، وإنما خصت الصبا بالحركة في السحر لإقبال الشمس من ناحيتها فترفق أجزاء الهواء بحرها فيتبدد ويطلب مكاناً أوسع فيحدث النسيم المستلذ، ولأن الشمس تعطي كل ما تلاقيه في أول النهار قوة عجيبة، وأما الدبور فيجب اجتنابها في جميع الأوقات والأحوال. ويجب أن يجعل الجلوس عالياً عن مهب الهواء الجاري على وجه الأرض المشوب بالأبخرة فإنها تكدر الهواء المتنسم فيختر البدن ويفتره ويضعف قوة الحفظ وينقصه، وتستوطن العلالي والمناظر إلا أن يمنعه منها صميم الحر والبرد فيتعوض عنها الأسرَّة والفرش المنضدة قياساً على ما قد تقرر من أن المواضع الجبلية أصح مزاجاً وأنقى هواءً
стр. 2520
من السهلية. . .
باب تدبير الأكنان والملابس
واجب على الإنسان توقية جسمه الح والبرد من غير مبالغة في ذلك تكسب الترفه وتجلب الضرر عند أيسر تغيير من العادة وترقق أديم الجسم والحرارة أوحى إهلاكاً (؟).
والبرودة أشد مضادة وبذلك يهلك الشتاء النبات ويحوج الحيوان الصامت إلى الاستتار بدل الانتشار ويجب أن تكون مساكن الشتاء منحرفة عن سنن الرياح مستحصفة الحيطان لتكون أحصن. . . تخلل الهوااء واسعة رفيعة السمك ليكون للبخار والأنفاس ودخان الوقود والمصابيح مجال فيها فإنها إن تكاثفت انعكست إلى المسام فكانت لها بئس الغذاء وهذه الصفة في التوسعة وتعلية السمك تلزم في الصيف والشتاء، ويجعل مساكنه مضيئة ما أمكن فإن النفس تنزوي من الظلمة وتستوحش قياساً على الليل والنهار وربما احتيج إلى قرآءة كتاب في الظلمة فلم يكن إلا بإكراه البصر وإكراهه يكله ويضعفه والظلمة مضرة بالبصر فإن قوام النظر بالهواء المعتدل. وشدة الضوء تضره كشعاع الشمس واتصال الظلمة يبطله كما أصاب من طالت مدته في الحبس. ويجب إدفاء بيوت الشتاء بالنار التي يستوي في إحمائها جميع أجزاء البيت لتستوفي لذة الدفاء من جميع الجهات كفعل الحمام فإن اختفت مقادير السخونة أضرت بحسب خروجها عن الانتظام والاعتدال، إلا أن يحتاج أن يسخن بعض أعضائه فيجري ذلك مجرى العلاج ويبتدىء فيدخل في أول البرد إلى الأروقة ثم إلى المواضع التي تليها ثم يتدرج إلى المواضع الغامضة بحسب زيادة البرد كحال الداخل إلى الحمام في التنقل بين بيوته فإن لزوم التدريج بين الأضداد واجب، ويتقي برد الخريف أكثر من اتقائه برد الربيع لأن ذلك مقبل وهذا مولٍ، وأعدل الثياب القطن ولذلك لا يصيبها السوس ولا تسرع إليها الآفة وهي ملابس الشتاء والكتان للصيف لبرده ولتنشيفه العرق ييبسه، والصوف قوي الحرارة مضر بالأبدان التي تكثر حرارتها ويجب أن يختار من الملابس ما كان ناعماً لتلتذه حاسة اللمس، ويكون في الشتاء خفيفاً ليمنع البخار الخارج من الأبدان من النفوذ فينعكس إليها فيكون به الدفاء وهذا حقيقة الدفاء وبه تدفأ الأوبار أكثر لأن الكثافة فيها أوفر، واحتقان الأبخرة في أثنائها أعظم، وثوب الصيف متخلخل شفاف بضد ذلك إلأا أن يكون ضاحياً بارزاً في الصيف فيحتاج إلأى لباس كثيف ليوقي جسمه الحر،
стр. 2521
ومن كان محروراً واضطر إلى الوبر فليجتنب الثقيل الطويل الشعر كالثعلب، وليجتنب ما كان ضاماً للبدن كله كالأقبية ونحوها، وليقتصر على ما يدفئ الظهر فهو أشد ما في البدن برداً إلا أن الأعضاء التي فيها الحرارة كالكبد والقلب في البطن دون الظهر ولذلك يكون ابتداء الأمراض عنه أعني الظهر فإن الأخلاط فجة هناك فتبتديء الطبيعة بها ولا يغم رأس المعدة قإنه موضع حساس، وللصفراء هناك تسلط ربما آذاه لصوق الوبرية بل يجتهد أن يصل إلى هذا الموضع روح الهواء ما لم يضره، أو يخالف عادته ويتوقى ملاقاة الريح فإن التحرز من البرد فيها لا يمكن في الهواء الساكن فإن اضطر إلى ذلك استكثر من الدثار وتلثم وسد منخريه ولم يستنشق من الهواء البارد بل يتنفس من كمه أو ما يستره، وإن كان ممن يمشي مشي فسخن جوفه وإن لم يكن ممن يمشي ركب دابة كثيرة الحركة محوجاً له إلى الرياضة ودلك بدنه وقتاً بعد وقت فإن الحركة تقاوم البرد ودليل ذلك ما تشاهده من جمود الماء الواقف قبل الجاري ولا يباشر السفر في هذه الحال، إلا بعد أن يغتذي غذآء خفيفاً غير تام ويجعل فيه كالثوم والخردل، وأنفع من ذلك كله الشراب الموصوف فإنه يسخن الدم في عروقه. ويختار للصيف المساكن الفسيحة الكثيفة الحيطان التي للرياح الهابة فيها مخترق وترش وينضح الجسد بماء الورد ويروح عنه فأما السراديب والمواضع العميقة فتجتنب البتة فإن أهويتها غليظة تكسل وتفتر وإذا جلس في الخيش استعلى عن سطح الأرض بالأسرَّة وما يجري مجراها واحتال لوصول الهواء من أعالي البيت ليخفف عنه ثقل الهواء الثقيل المنحصر فيه ويكون الاستكنان في الخيش في وقت الظهيرة لا قبله ولا بعده ويستعمل الأطعمة الحارة في الشتاء فعلاً ومزاجاً والأطعمة الباردة في الصيف.
باب تدبير المطعم
من أخذ من الغذاء قدر حاجته من غير زيادة عليه ولا تقصير عنه دامت له الصحة، وكان مثله كالمصباح يمد من الدهن بما لا ينقطع عنه فيطفئه ولا يغمره فيفرقه وأقوى الأغذية غذاء اللحم، ولذلك صارت السباع التي تغتذي به أقوى من غيرها والأمم التي تنفرد باستعماله أشد بطشاً وأكثر غناءً في المصاولة ممن سواها كالأتراك ومن أشبههم وأفضله المعتدل الذي لا تغلب عليه كيفية من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة كلحم الضأن ولذلك صار الإنسان لا يمله وصار يطيب بكل صنعة وبكل طعم يضاف إليه وخص بهذه
стр. 2522
الفضيلة لاعتدال مزاجه، وخيره لحم الفتي منه وإن يجتنب ما صغر كالأجنة وما قرب عهده بالنتاج فإنه يكون لزجاً مولداً للكيموس الفاسد. ويجتنب الضاني القحل اليابس ويقصد السمان دون المهازيل والخصيان دون النعاج، فإن الولد يمص جوهرها ودون الفحول فإن السفاد يؤبس لحمها وكلا المعنيين يأخذ صفو أجساد الحيوان ويختار للأكل الرقبة ولحم الأضلاع والكتف والمواضع المتوسطة للجسد. ويجتنب الرأس وكل ما فيه الأفخاذ وما يليها فإن لحومها غليظة ثقيلة بطيئة الانهضام والأعضاء ذوات الأسماء والهيئات ولا خير فيها كالقلب والكبد والطحال والأمعاء والكروش إنها ليست لحماناً خالصة ولحم الطيور بالحكم الأعم أخف من لحوم المواشي وربما ثقلبعضها بالحكم الأخص وينبغي أن يقصد منها الأسرع انهضاماً، والحيوان المآءيُّ كالبط والغرانيق غليظة زحمة بطيئة الانهضام ولا خير في السمك لأصحاب الأبدان الباردة الرطبة وقد ينفع الطري منه المحرومين ويقصد منه المتوسط بين الصغير والكبير ولما كان في المياه العذبة دون البحار والآجام والمملوح منه كالقديد من اللحم ولا خير فيهما فإنهما كالشيءِ الذي ذهب صفوه ولبابه وبقي أثقل وأغلظ ما فيه، وأما الألبان فمناسبة للحم في جوهرها لأن أصلها الدم وتعمها اللطافة وسرعة الاستحالة فللطفها صارت غذاءً للصغار الذين تضعف قواهم عن الهضم ولاستحالتها صارت أجزاؤها تتميز سريعاً كالزبد والسمن وأمكن أن تتخذ أصنافاً كثيرة من الأغذية والاقتصاد عليها ليس بمحمود إلا لمن جرت عادته بها وإن جعلت أداماً وفي الطبيخ فإن طبيعتها عند ذلك تمتزج بطبيعة ما يكون مخلوطاً بها والحموضة فساد عارض في اللبن كما يعرض مثله في الشراب فليجتنب الصادق الحموضة منه ما أمكن وبياض البيض غذاء ثقيل وخيم وصفرته غذاء شريف كثير التغذية، وأفضله النيمبرشت والذي ينهضم من الحبوب ويستحيل منها إلى الدم أقلها والباقي الفاضل عن الهضم أكثرها وهي في ذلك مخالفة للحم لأنه مناسب للدم بجوهره سريع الاستحالة إليه، وينبغي أن يجتنب منها ما طبيعته توليد الرياح فكل ما يتولد الرياح عنه رديء بطيء الانهضام، وأجود الحبوب للاغتذاء السمين وما تناهى إدراكه ولم يكن فجّاً ولا عتيقاً عفناً كالفتي من الحيوان بين الأطفال والمسان ويعتمد لبابها، ويجتنب قشورها، فإن القشور تولد كيموساً غير محمود، والفواكه قليلة الغذاء ومن أفضلها التين والعنب، وهما مع ذلك إذا لم ينهضما ولدا أمراضاً
стр. 2523
رديئة والإكثار من جميع الفواكه ومن هذين النوعين رديء لإسراع العفونة إليها في المعدة واستحالتها إلى الكيفيات الرديئة ويجتنب قشورها فربما لصق القشر بالمعدة والأمعاء فضر ويهجر كل ما كان فجاً وقديماً عفناً من جميع أصنافها والبقول لايكاد ينهضم منها إلا ما كان مطبوخاً لأنها عادمة النضج في جميع أحوالها إلا أنها في أول منبتها ألطف ويجب أن يجتنب أكلها بالجملة كل معنيّ بحفظ الصحة فإن دعت شهوة أو ضرورة فالفوذيخ (؟) فإنه يقوي المعدة والهندباء فإنه يصفي الدم، والخس فإنه يرطب ويقمع الصفراء ويهجر ما له حرافة وحدة إلا أن يطبخ في جملة الطعام.
صنعة الطعام
إحكام صنعة الطعام أحد قوانين حفظ الصحة لأن الطبيعة تشتهيه فتستمريه وقوام الطعام معنيان نوع الغذاء وصنعه وقوت الصنعة أضر من رداءة النوع، لأن الرديء النوع قد ينقله أحكام الصنعة إلى أن يلتذ ويشتهى. والجيد النوع قد يجري أمره بالضد فيقل ميل الطبيعة إليه ونيلها منه وما فاته جودة الصنعة حل من الطبيعة محل الدواء المستكره لا الغذاء المشتهى وربما ولد أمراضاً لنفار الطبيعة منه وقلة احتوائها عليه ويبلغ من الانتفاع بقوة الشهوة أن الضار قد يصير بها نافعاً بجودة الاستمراء له واستيلاء القوة عليه حتى أن المرضى ربما اشتهوا شيئاً رديئاً فأصلحت قوة الشهوة فساد مزاجه فقلَّ لذلك الاستضرار به، وأحوج الناس إلى هذا الباب من اعتاده ومرنت حاسة الشم منه عليه وارتاضت مذاقته به والجفاة الطبع أقل حاجة إلى التدقيق في هذا الباب أولاً لجفاء التركيب، وثانياً لفقد العادة في الارتياض لمعرفة الطيب وغيره فقليل الصنعة كثير عندهم، وثالثاً أن كثرة حركاتهم تجود هضم معدهم حتى يستمروا من الخبز الفطير ومن اللحم ما ناله الأشمام ولا يستضرون بشيء منه بل يناسبون الحيوانات الصامتة في أكثره وأولى الأشياء بالتقية فيه الخبز لأنه أصل الغذاء والراتب منه وأصوب ما يستعمل فيه المبالغة في إنضاجه فإن القليل النضج منه يولد فيالبدن أخلاطاً غليظة وأدواء خبيثة، والخبز الخشكار أكثر حرارة وأسرع هضماً لحرارة نخالته.
والحواري أبطأ انهضاماً وإذا انهضم كان أكثر غذاءً وأفضل جوهراً وبالجملة فكل ما فاته النضج فالآفة فيه على البدن عظيمة جداً ولا يتناول منه الحار لوقته فإنه بمثابة مالم يدرك
стр. 2524
ولا اليابس فإنه بمثابة القديد وكلاهما إذا أصابه الماء في المعدة انتفخ وربا كما يصيبهما إذا صب عليهما الماء خارجاً عنه، بل ما كان مخبوزاً ليومه أو غده ثم اللحم ومن التدبير فيه إنضاجه ويتجاوز ذلك فيمن ضعفت معدته إلا أن يهرا له تهريةً، فأما من قوي هضمه كرجال الحرب فالصواب أن يتناولوا من الخبز الفطير ومن اللحم المشوي ما لم ينته نضجه ليتولد لهم اللحم الصلب الكثير المحتمل للألم فإن اختمار العجين وتهرية اللحم يقلل قوتهما، وما كان من الحيوان رطباً كالسمك والحملان الرضع شوي ليقلل رطوبته وما كان مسناً طبخ ليقلل رطوبة الطبخ يبوسته، والشواء يؤبس الطبع والطبخ يحله، وما عمل بالكانون أخف مما عمل بالتنور، لأن التنور يغمه فيرجع إليه البخار فيكسبه ثقلاً ووخامة وأغباب شواء التنور أصلح ويستعمل بعد شوق إليه، وشهوة له تعين على هضمه ويطيب الطبيخ بلباب البصل والحمص ومآئهما دون قشورهما وجملة جرمهما وبالجملة فاللب من كل شيء أكثر نفعاً وأقل ضراً من القشور، ويجتنب الأشياء الحريفة كالخردل والثوم فربما لذعت الآت الغذاء وقرحتها كما تفعل في ظاهر البدن قلت وهذا الحنين فيه قول يدل على أنها تقرح الظاهر وتعفن الباطن وإذا انهضمت الأشياء اللذاعة أحدثت في الكيموسات كيفية حادة حريفة مضرة جداً لأن الذي تفعله استحالة كيفية الدم أضر مما تفعله كميته ويجب أن يجتنب التي منها حتماً وأصلح الأطعمة ما لم يغلب عليه طعم فإن الطعم الغالب يدل على الكيفية الغالبة وأشد الطعوم ومشاكله للدم الحلاوة، ولذلك تشتد شهوة الصبيان لها لأنهم في سلطان الدم والحلو الأصلي كالتمر والعسل أشد تسخيناً للدم وإحراقاً له من الحلو الدسم كالفالوذج ونحوه وهذه المركبة أقل غائلة في تنوير الحرارة لأن الدسومة تقاوم تلك السورة إلا أنها أثقل على المعدة لمكان الدسومة وشرب الماء على الحلو الأصلي أنفع من شربه على المركب لأن الماء يمازج الأصلي فيكثر حلاوته ويعدله ولا يمازج الدسم فيعقب لذلك تخماً، والأصلح في تناول الحلو استعماله عباً وبعد الشوق الشديد ثم الإقلال وقصد اللطيف كالمعمول من السكر الطبرزد واللوز والحامض يفتق الشهوة إلا أنه أقل غذاءً من الحلو وهو مضر بالعصب، ويعق! ب الهزال والنحافة، وأصلح الحموضات الخل فإن فيه تحليلاً وتلطيفاً، والمالح معين على الهضم ويعتبر ذلك من تأثيره في الأشياء التي يطيب بها فيدفع العفونة والفساد عنها وهو ينوب عن الأفاوية الحارة مع سلامته وقلة غائلته، ويجتنب أكل
стр. 2525
الطبيخ الحار الذي في بقية عليانه ولم تفارقه الأجزاء النارية فإنه كالشيء الذي لم يدرك، والغاب والفاسد رديء لا خير فيه. . . .
أوقات الأكل
أصلح أوقاته وقت الحاجة إليه وتجتنب استعماله بالعادة في وقت يعينه في كل يوم أو بالمساعدة أو بالشهوة الكاذبة فإنه يحدث حينئذ أمراضاً خبيثة والغداء والعشاء يصلحان للعامة ويجب أن يخفف الغداء لئلا يثقل البدن عن التصرف في المعاش ويستوفوا العشاء لأن النوم يتبعه فيعين على هضمه فلليل خاصية في تجويد الهضم ليست لنوم النهار إلا أن العشاء ربما أضر بالرأس والعين لأن قوة الهضم تحدث أبخرة كثيرة، فأما الملوط فصدر نهارهم مشغول بمهماتهم وهم يستكثرون مع ذلك من الألوان فلا يبقى فيهم فضلة لأكلة أخرى، بل الواجب أن يستقبلوا الليل بعد النوم الذي يعين على هضم الغذاء وهم في نهاية الجمام والنشاط للسهر والمؤانسة وإن دعت أحدهم نفسه إلى أكلة ثانية وليس ذلك بصواب له فليحذر اللحم والدسم ويقتصر على الخبز لا يكاد يعرض منه تخمة ولا يثقل إلا أن يفرط في الإكثار منه ويجعل أدمه في هذه الحال من الحموضات والملوحات وليحذر كل الحذر ويتوقى كل التوقي أكله بين شرايين فإنه مجرب الضرر ولا يكاد مستعمله يسلم منه.
تقدير الطعام
الحمية أصل الطب. وقلة الأكل أفضل العلاج، وحد ذلك أن يمسك عن الأكل وقد بقيت من الشهوة بقية تدعوه إلى الازدياد، فإن الطعام يربو وينتفخ في المعدة بعد أكله فإذا أمليت به ولم يترك فيها فضاء لرتوه أحدث الكظة وأوجب التخمة وتولدت عنه الأمراض الرديئة، ومن ضعف هضمه، جعل أكله دفعات وخففه واقتدى فيه بتدبير الطبيعة في تفريقها غذاء الأطفال وبتقليله في كل مرة، وينبغي ان تكون الجرأة على الأكل في الشتاء أكثر لانهزام الحرارة إلى غور البدن ويستعمل في الصيف ضد ذلك ويقصد في زمان الصيف اللطيف من الأغذية كالبوارد.
ترتيب ألوان الطعام
يجعل الأخف قبل الأثقل ولا يبتدئ بالدسومة فتفقر الشهوة وتلطخ المعدة بل يقدم الحامض بالخل فإنه يحلل أجزاء ما لاقاه فيفتق الشهوة ويمكن لما سواه ولا يقدم الشيء الحلو فإن
следующие страницы →