Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
يقال لها (معيت) أي العدالة فتلقنها الاعترافات السلبية لتتبرأ كم كل تهمة توجهت إليها ثم تدخل بعدئذ في رياض يقال له (سخيت أيالو) في زمرة الأرواح السعيدة وهي أراض طيبة الخصوبة يعلو فيها القمح إلى سبعة أذرع بما في ذلك السنابل التي تبلغ ارتفاع الواحدة منها ذراعين.
والموتى هم المكلفون بزراعته وجمع محصولاته وتخزين الغلال وقد ينوب عنهم في هذا العمل الشاق تماثيل صغيرة توضع بجانب جثثهم في القبور ويقال لها (شبتى) أي المجيبة وقت نداء صاحبها لمباشرة أعمال الفلاحة في حقل (أيالو) المذكور في الأوقات المعينة أما باقي أوقاتها فتكون في ولائم مستمرة وفي أغاني ومسامرات ومسرات لا نهاية لها.
وكثير منهم يقول ببطلان هذه العقيدة وفسادها لما فيها من الخشونة والفظاعة وهؤلاء كانوا يجتهدون في الوقوف على الحقائق وينسبون للأرواح درجة أشرف وأرقى من ذلك.
وكان لكهنته (أمونرع) مذاهب في حقيقة ما تؤول إليه الروح وكلها ضروب من تخمين اللاهوتيين لا دخل لأفراد الشعب فيها ومضمونها أن الإنسان سيبعث بعد موته ولا يعلم سر ذلك إلا الله الخفي اهـ.
стр. 3887
الرأي الصريح
في مقال الفصيح العامي والعامي الفصيح.
قرأت في الجزء العاشر من مجلة المقتبس مقالاً بعنوان الفصيح العامي والعامي الفصيح لحضرة الفاضل نعوم أفندي مكرزل صاحب جريدة الهدى التي تصدر في نيويورك. قرأته بلهف شديد لأني أميل بسائق من طبعي إلى المباحث اللغوية نقد كلام البلغاء وتميز القول الفصيح من الغث الركيك. ليكون لي من ذلك مادة استعين بها. وقاعدة أحتذي مثالها: أقدمت على تصفح هذه المقالة وأنا معجب بأولئك النفر من أخواننا العرب المسيحيين الذين هاجروا وطنهم ولكنهم لم يهجروا لغتهم. ولم يذلوها في غربتها. بل رفعوا شأنها وحفظوا كرامتها. بما نشروه من الجرائد. وبجوه من الرسائل والكتابات المفيدة. وحضرة نعوم أفند=ي من هؤلاء الأفاضل الذين خدموا لغتنا العربية بما نشروه في جريدة (الهدى) التي لم أك من قراءها وإنما كنت أقرأ أحياناً نبذاً منها في صحافتنا العربية أما مقال (الفصيح العامي) الذي قرأته أخيراص في مجلة المقتبس فقد رأيته أقل قدراً من أن يعزى إلى صاحب جريدة (الهدى).
ولاحظت فيه ركاكة في التعبير. وضعفاً في الأسلوب. ومواضع للنقد والمناقشة بلغت من الكثرة مبلغاً جعلتني استبعد أن تكون فرطت من قلم كاتب المقالة وإنما هو الذهول غلب على مصحح أصولها في إدارة المقتبس فجاءت هذا مشوهة المحاسن. طامسة المعالم. وإن لم يكن الأمر كما ذكرت فيكون الوسط الأعجمي الذي يعيش فيه أخواننا المهاجرون أثرت رطانته في صراحة لغتهم. وبدلت عجمته من عروبة ألسنتهم. وإلا فكيف قرأ مقالاً لواحد من أشهر كتابهم في نقد لغة الكتاب وتعداد أغلاطهم في أساليبهم وتراكيب كلامهم. وإرشادهم إلى الطريقة المثلى في التعبير والتحبير. ثم بعد هذا كله نسمع في المقال نفسه من الركاكة والغموض والعسلطة ما لا يتفق وجوده في عشرات المقالات. ألا يكون هذا من الغرائب؟
لو اقتصر الكاتب على الموضوع الأهم من مقالته: وهو سرد الكلمات العامية التي يحتسبها الكتاب دخيلة وهي عربية فصيحة ثم حضهم على استعمالها لكان أجاد وأفاد. لكنه ذهب في أفانين القول كل مذهب وتعرض لنصح المنشئين والزراية عليهم والإنشاء العالي فسقط في
стр. 3888
هذا التعرض من عل وأتى بأشد مما نهاهم عنه. وحذرهم منه. ولامهم عليه.
ولا يكون من الإنصاف بعد هذا أن لا نذكر نموذجاً مما نؤاخذ الكاتب فيه. ثم نلفت أنظار القارئ إلى:
أول ما يؤخذ عليه قوله في العنوان (الفصيح العامي والعامي الفصيح) فإنه تكرار لأحسن فيه. ولا داعي له: إن كلمتي (العامي) و (الفصيح) في هذا التركيب وقعتا صفة لمحذوف كأنه يقول (اللفظ الفصيح في أصله العامي في استعماله) ولما عكس وضع الكلمتين كان المعنى (اللفظ العامي في استعماله الفصيح في أصله) وه نفس المعنى المستفاد من التركيب الأول فكان ذكره زيادة مستغنى عنها. وليس تغليب الكلمتين هنا كما هو في قلوهم (كلام الملوك ملوك الكلام) فإن هذا القول له معنى خاص لا يستفاد إلا بمجموع التركيبين وقد حمل أحدهما على الآخر. أي أن لكلام الملوك ميزة على سائر كلام الناس كما أن للملوك ميزة على الناس أنفسهم. فالمعنى المستفاد من الموضوع والمحمول حسن في ذاته. وزاده حسناً قلب التركيب وعكس الألفاظ حتى استحق بذلك أن يعد في جملة أنواع البديع.
ثم بعد هذا العنوان أراد الكاتب أن يبين مبلغ حاجتنا إلى معجم لغوي يجري في تحليل الألفاظ مجرى معاجم اللغات الأوربية فافتتح الكلام بقوله: (ليس في اللغة العربية معجم واحد يستحق أن يدعى نجعة الرائد يوفر الشواهد وكثرة الفوائد وضبط الشوارد ولا في غير اللفظة ما يدل على إزالة الإبهام الخ) فقوله (ولا في غير اللفظة) غامض في اتصاله بما قبله مبهم في تعيين المراد منه.
ثم قال: (فترى أكثر الكتاب يتخرصون فيما لا يعذرون عليه ويتوهمون أن البيان في الدخيل والحوشي والبلاغة في العقيم والوحشي وأن كل من هرف عرف).
الكاتب الذي خط قلمه هذه العبارة هو الذي قال بعد سطرين (قد تهتأ ثوب اللغة حتى كاد يسقط من تقطعه فترى كل من تحيف بيانه عجمة وجدل عن ادعاء ومكابرة يتحف الفصيح ويستلب البليغ ويحرك خشاشه غضباً على كل ملك من اللغة عناناً وضبط لها بياناً ويكون لا يدري من أي الدهداء هو الخ) إذا سالت معاجم اللغة عن معنى ما ورد في هذه الجملة قد تجد أن معنى (تهتأ) تقطع وبلى. لكنك إذا سالت نفسك عما فهمته منها تجدها لا تحير جواباً. ولا تملك خطاباً. وإذا ألحقت عليها بالسؤال تقول لك يلوح لي أن الكاتب الفاضل
стр. 3889
يريد أن يوبخ أدعياء اللغة والإنشاء الذين ينتقصون غيرهم. ويعمون عن عيوب أنفسهم.
إذا قلنا أن المصحح سها عن تصحيح كلمتين أو ثلاث فهل يعقل أن يكون ركبه السهو في كل جمل المقالة فحرفها تلعب بها. ودونك هذه الجملة الأخرى: وقليل من البحث يرجعها_أي الكلمات العامية_إلى أصلها. ويقيم مكن اللسان مناداه. على ما وقع من نحو خمسين عاماً إلى اليوم إذ توكف المجتهدون أثر بلغاء العربية الأقدمين وتنشطوا للبحث والتنقيب وأقبلوا على التدقيق والتحقيق وقد ترجع مثابرتهم اللغة إلى رونقها الأول بعد خمسين عاماً تأتي الجملة بمجموعها ركيكة ظاهر عليها التكلف. ولعله يريد بقوله توكف المجتهدون أثر البلغاء_تتبعوا. فيقال فلان توكف لآل فلان اذا تعهدهم بالصلات والعطايا. وفلان يتوكف للأمير أي يتعرض لها حتى يلقاه. وقوله: مثابرة اللغة وصوابه على اللغة لأن لمثابرة معناها المواظبة. وهما يتعديان بعلى يقال: ثابرت على الأمر وواظبت عليه. على أن المعهود في مثل ما يريده الكاتب أن يقال المثابرة على خدمة اللغة أو دراسة اللغة لا المثابرة على اللغة. ثم انحنى الكاتب باللائمة على المدارس الأجنبية التي توجب على تلاميذها التخاطب بلغتها وقال وبذلك بتسرب العقوق وشيءٍ من البله إلى قلوب وعقول هؤلاء الأولاد المساكين قد نجد لتسرب العقوق إلى العقول معنى لكننا لا نجد أبداً لتسرب البله إلى عقولهم معنى ولا شبه معنى بسبب التخاطب باللغات الأجنبية.
ثم قال الكاتب إن البلاء ليس في الإدعاء وحده بل في اختزال كل منا برأيه. والتصرع والتصاغر للأجنبي والتمرؤ الظاهر تكلفه والتفوق البادي تحيفه مع الوطني وريح التخاذل حتى في اللغة تنجف كل ذروة باقثية في جرفها وتحتمل كل درة كنا نعرفها قبل عصفها. ولله في تدابيره شؤون. .
وأغرب من ذلك أن حضرة الكاتب أراد أن يذكر عيوباً للغة فقد منها عيباً يعده قوم مزية من مزايا اللغة ويحسبه الآخرون أمراً طبيعياً لا تخلو منه لغة من.
(ومن عيوب العربية إيراد جموع لا مفرد لها وأفعال لا مصدر ولا ماضي لأحدها. فهل تقبل فلسفة اللغة شيئاً من هذا؟ وهل يعقل أن واضعي اللغة ينو كلاً من غير أجزءا؟ إننا لا ننسب هذا الخلل إلا إلى المدعي المحافظة على سلامة اللغة أو يكونون يحافظون على قديم عقيم لا يسلم به عقل سليم).
стр. 3890
لا نرى علاقة بين فلسفة اللغة وبين أن يكون في العربية موع لا مفرد لها: عدد أهل اللغة طائفة من الجموع لم يعرف منها مفرد: مثل محاسن ومذاكير وتجاليد. فذهب بعضهم إلى أنها لا مفرد لها. وحقق آخرون أن لها مفردات أهملت في الاستعمال. وربما كان المراد من قول الأولين (لا مفرد لها) أي في الاستعمال لا الوضع فلا يكون بين الفريقين خلاف.
ولا بد من داع دعا أهل اللغة إلى إهمال تلك المفردات. وقد قالوا أن جمع كلمة (لب) (ألباب) لكنهم لما رأوا الجمع أرشق في اللفظ وأخف على السمع أكثروا من استعمال الجمع وإهمال مفرده وهكذا كان دأب القرآن الكريم في استعمال الجمع دون المفرد.
ومثل هذا يقال في الفعل الذي لم يستعمل مصدره أو لم يستعمل ماضيه.
فليست المسألة إذن من مسائل الفلسفة. وإنما هي مسائل تخير أرشق كلمات اللغة للتخاطب والتفاهم.
وفلسفة اللغة لا يصح أن يكون التعمق فيها مدعاة للإجادة في المنظوم والمنثور. كما كرره الكاتب في مقاله: فإن تلك الفلسفة علم نظري أكثر مما هو عملي. وله ثمرة خاصة به غير تجويد الإنشاء وتحبير الكلام الذي يتوقف على استظهار كثير من كلام البلغاء وإطالة النظر في أساليبهم والتفطن لمناحي كلامهم. هذا هو الطريق لتحصيل ملكة الإنشاء. أما فلسفة اللغة فلا يكون من أثرها ذلك بل كان ربما للاشتغال بها اسوا الأثر في ضعف تلك الملكة والعجز عن تحدي الكلام البليغ.
وقد غلا حضرة الكاتب في الرفع من شأن فلسفة اللغة والحط من قدر زملاءه الكتاب الذين لم ينالوا حظاً من تلك الفلسفة حتى قال:
(نحن ابعد أبناء اللغات الحية عن وضع الكلام في مواضعه وإقامته في مواضعه لأننا لا ندرس فلسفة اللغة بل لأن أكثر أصحاب الجرائد والمجلات والمترجمين والمؤلفين من غير الأكفاء إلا بالتبجح والادعاء. أو أن اللغة أمست واسطة للكسب والارتزاق حتى بالعبث والنفاق).
فقد جعل حضرته علة تقصير أخوانه في وضع الكلام مواضعه جهلهم فلسفة اللغة. فهل هذا حق؟.
ومما انتقده الكاتب قولهم (دام بقاؤه) فقال (إن طلب الدوام. حماقة وحرام) وأنهم في مثل
стр. 3891
هذا القول قد طلبوا (البقاء في دار الفناء وخلود من أعدت لهم اللحود). وذا ذهول من حضرة الكاتب: لأن أصل الدوام في اللغة السكون ومنه (ماء دائم). ويستعمل أيضاً في طول البقاء وامتداد المدة. ومنه (ديمة) للمطر الذي يستمر تهطاله بضعة أيام. ومنه أيضاً استعمال (مادام): فاذا قلت اجتمع بك مادمت في هذه البلدة كان المعنى مدة بقائك فيها. فقول الكاتب دام بقاؤه في الدعاء بمثابة أطال الله بقاءه. نعم قد يرد بالدوام والخلود كما في القرآن الكريم (أكلها دائم وظلها) والضمير يرجع إلى الجنة كما أن الخلود نفسه يراد به طول المدة أحياناً كما ورد في القرآن الكريم عن أناس لا يكونون كافرين ومع هذا خبر عنهم بأنهم يدخلون النار خالدين فيها ففسروا الخلود بأنه طول المكث لا المكث الأبدي.
ومما انتقده أيضاً عليه فيه قولهم (همى الدمع من عيونها) قال كم من عيون لها يشير إلى أن صوابه أن يقال من عينيها. لكن أهل اللغة يجوزون استعمال صيغة المثنى في الجمع والجمع في المثنى بل يجوزون أحياناً استعمال المفرد في الجمع والجمع في المفرد. ومثلوا لكل ذلك. وذكروا له أسباباً معتبرة عند أصحاب اللغة. ففي القرآن الكريم فقد صغت قلوبكما. كان الظاهر أن يقال قلبا كما لأن المخاطبين اثنان. ولهما قلبان لا قلوب. لكنهم هرعوا اجتماع علامتي تثنية في لفظ واحد. أما مثل همى الدمع من عيونها فيؤولونه بإرادة المبالغة وأن المرأة كانت كأنها تبكي بعيون كثيرة. لفرط ما استبلته من الدموع الغزيرة. وأكبر ما يؤاخذ به الكاتب أنه عاب أخوانه الصحافيين في أمر تكاد ترى مثله ماثلاً أمام عينيك وملموساً تحت يديك في كل جملة من جمل مقاله. مثال ذلك أنه آخذهم في قولهم أرسلت له وصوابه أرسلت إليه. وانتقاده صحيح ولكن الرصفاء لا يستحقون عليه كل هذا الأزراء والتوبيخ فقد قال في هذا الصدد:
(أصعب ما في اللغة على الدارسين أنفسهم استعمال حروف الجر وكل مدقق يتناول الجرائد والمجلات إلا العدد القليل منهن يضحك من كثرة السقطات التي لا يعذر منشئ عليها وفي مقدرته شراء معجم أو في رأسه قوة تميز بين هذا وذاك المعنى الخ).
ولكن هل تحسب حضرة الكاتب في منجاة من كل ما تنقص به زملاءه. وهل تراه أحسن استعمال حروف الجر ووضعها مواضعها اللائقة بها؟
قال في هجو أولئك الزملاء المساكين: (فترى أكثر الكتاب يتخرصون فيما لا يعذرون
стр. 3892
عليه) أخطأ الكاتب في استعمال الحرفين_في وعلى في جملة واحدة قصيرة. يقال تخرص عليه أي كذب وافترى. ولا يقال تخرص فيه. ويقال عذره في فعله. ولا يقال عذره على فعله: فكان الواجب على الكاتب أن يقول (يتخرصون على ما لا يعذرون فيه). على أن هذه الجملة برمتها لا معنى لها أو لا معنى لاستعمال التخرص في هذا المقام.
ومما قاله في صدد التهكم بالكتاب والمنشئين: ولماذا لا نكتب ونكاتب بفهم وسهولة وبساطة وسلامة وحقاً إن حضرته أشفق على القراء مكن أذى ما ينالهم من كد الذهن اذا قرأوا كثيراً مما يخطه الكاتبون لكنه لم شفق هو عليهم في مقاله هذا بل ضربهم بثالثة الأثافي مذ قال في خامتة المقال. وإنا لمعيدوه على أسماع القراء وإن طال: ثم ما هي فائدة الحركات في اللغة اذا كنا لا نريد أن نصرف عن جعل الواو الثقيلة الد؟ في أولى وعمرو وحيوة وصلوة بجحة التمييز وإزالة اللبس وهلا يوجد غير هذه الكلمات في العربية بحاجة إلى الضبط؟ ثم ما هي فائدة الحركات اذا كنا نكتب إله ولا يجوز لنا أن نكتب مؤنثه إلهة؟ ثم كيف يعقل أن تكون جموع لا مفرد لها مثل شلقة ومخاطر ومحاسن وشماطيط وما جمعه الثعالبي وغيره وهل كان كل ما لا يكون سمعه بالجامع لا يكون وضعه الواضع جرياً على القياس؟ وكيف يمكن أن تكون المطاوعة في فعل ولا تكون في آخر مثله تماماً؟ وكيف تكون صيغة أفعل التفضيل في ما لا فعل له كقولهم هو اقلط منه؟ أو كيف يكون مضارع لا ماضي له كقولهم لم يذر؟ أو مزيد لا مجرد له. والأمثلة متوفرة. وثمت منابت العربية بعد أن كانت مستحلسة. وتفاصح كل من لم يكن فصيحاً ولن يكون متفصحاً. فوجب أن يرجع الناس إلى فقه اللغة الذي لا أعني به كتاب أبي منصور الثعالبي بل فلسفة اللغة حتى لا يرسل كل من اغتر بقدرته الكلام على عواهنه ويحسب أن من جمع كلمة إلى كلمة كان شاعراً أو ناثراً أو إماماً وثقة يجب الإقلال من الترديد والمبهم الذي لا يزيد إلا اعتكالاً والاعتدال في تعليم القواعد بحسب كل مذهب التوثق في معاني البليغ من المنظوم والمنثور والاستكثار من حفظ الجيد ولاسيما ما يدعى السهل الممتنع ويجب أن تكون مجلاتنا وجرائدنا المدارس الحقيقية فترفض كل كتاب عليلة بالمعاني وينبه المغرور والشعرور إلى ما يفسد الذوق ويدعو إلى الهزأ ومن فقه اللغة أن نصطلح على ما يذلل لنا صعاب اللفظ عند الترجمة والاستشهاد أي أن يكون لنا ما نستطيع معه نقل الكلمة الأعجمية
стр. 3893
من نكرة وعلم إلى معناها الأصلي. وقد كان للعرب روم وأشمام فليكن لنا زيادة على مثالهما والله ولي التوفيق اهـ.
هذا ما نؤاخذه أو نعاتب به الكاتب الفاضل. ولم نقدم عليه إلا عندما آنسنا منه في مقاله غراماً في اللغة العربية. ورغبة في أن تكون مصونة من عبث العابثين بها. وكيد العاملين على أمانتها: فقد أعرب حفظه الله في غير ما موضع من مقاله المذكور عن غيرة شديدة. وعزمه في إصلاح اللغة أكيدة. من ذلك قوله: ولو أن الحكومة تقيم الأئمة لإقامة الكلام واللفظ لكانت تخدم البلاد والعباد ومازالت مدارستنا توجب على التلاميذ التخاطب بلغة أجنبية ولا توجب عليهم التخاطب_ولو ساعة_بفصيح لغتهم كأن التخاطب بفصيح العربية عار وبفصيح اللغات الأخرى فخار فلا جرم أن هذه الغيرة من حضرته منقبة يحمد عليها ومأثرة يجب علينا أن نقتدي به فيها.
طرابلس الشام:
المغربي.
стр. 3894
سير العلم والاجتماع
الآداب العربية
وفق أحمد بك زكي بعد عناية عشرين سنة إلى جمع طائفة من مخطوطات السلف في علوم مختلفة فعرض على حكومة مصر أن تساعده على تمثيلها بالطبع فعنيت لذلك ألف جنيه في ميزانيتهم هذه السنة ووقفت المال الاحتياطي الموجود في دار الكتب المصرية لطبع ما يجب طبعه وإليك المجموعة النفيسة التي جمعها صديقنا العالم ويشرع بطبع الكتابين الأولين منها قبل كل شيءٍ وهي بشرى بل بشريان للأمة العربية بل ولكل من تهمه مدنية العرب الراقية:
الموسوعات
نهاية الأرب في فنون الأدب لشهاب الدين النويري.
مسالك الأمصار في ممالك الأبصار لابن فضل الله العمري.
جوامع اتلعلوم لفريعين تلميذ أبي زيد أحمد بن سهل البلخي.
أدب وبلاغة وإنشاء.
الفاخر للمفضل الضبي.
ديوان الحماسة الصغرى المعروف بالوحشيات لأبي تمام.
التسهيل بالتمثيل وهو المعروف بتسهيل السبيل إلى الترسيل للحميدي.
رسائل وخطب وأشعار السلطان الملك الناصر يوسف صلاح الدين الأيوبي من جمع حفيده.
مجموعة ترسل القاضي الفاضل عبد الرحيم البستاني.
حديث.
فنون العجائب.
إكرام الضيف.
آداب الملوك.
كتاب التاج للجاحظ.
стр. 3895
محاسن الملوك.
رسائل الملوك ومن يصلح للسفارة ومكن أمر بإرسال رسول ومن نهى عن ذلك وكيف ينبغي لمن أرسل إلى ملك أن يعمل في الاحتياط لنفسه
ولمن أرسله ومن ذم من الرسل ومن حمد لأبي علي الحسن المعروف بابن الفراء.
كتاب تنبيه الملوك (وسياساتهم في تدبير الأمم والممالك).
التراجم.
إنباه الرواة على أنباه النحاة للقاضي الأكرم الوزير القفطي.
نزهة الألباب في الألقاب لابن حجر.
التأليف الطاهر في شيم الملك الظاهر القائم بنصرة الحق أي سعيد جقمق لا بتن عربشاه.
هدية العبد القاصر إلى الملك الناصر أبي السعادات محمد بن السلطان الملك الأشرف لعبد الصمد الصالحي.
سبك النضار وكسب المفاخر ونثر الدر ونظم الجوهر من سيرة المقر الأشرفي السيفي اقباي الأسد الظافر كافل المملكة الغزية (في أيام قتباي) لعبد الله بن محمد بن عبد الله الزكي الغزي الحنبلي.
التاريخ.
كتاب المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام لمحمد بن حبيب.
ذيل تجارب الأمم وتعاقب الهمم في وقائع العرب والعجم لابن مسكويه تأليف أبي شجاع أحد وزراء الدولة العباسية.
درر التيجان وغرر تواريخ الأزمان لأبي بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري المصري كنز الدرر وجامع الغرر له أيضاً.
النسب.
شجرة النسب النبوي الشريف تأليف السلطان الملك الأشرف أبي النصر قانصوه الغوري.
الجغرافيا.
صور الأقاليم الإسلامية لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي (بالخرائط).
стр. 3896
صرة الأرض وصفة أشكالها ومقدارها في الطول والعرض وأقاليم البلدان ومحل الغامر منها والعمران من جميع بلاد الإسلام بتفصيل مدنها وتقسيم ما تفرد بالأعمال المجموعة إليها (بالخرائط).
هيئة أشكال الأرض ومقدار صورها في الطول والعرض (بالخرائط).
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق المعروف بكتاب رجار للشريف الإدريسي (بالخرائط).
علوم طبيعية وميكانيكية.
سرور النفس بمدارك الحواس الخمس لابن المكرم صاحب لسان العرب.
الباهر في علم الحيل.
الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل (بالأشكال والصور).
رحلة.
تاريخ الأمير يشبك الظاهري (وهو رحلة الجنود المصرية وفتوحاتهم في آسيا الصغرى في أيام السلطان الملك الشرف قابتباي).
علم حفظ الصحة.
كمال الفرحة في دفع السموم وحفظ الصحة للقوصوني الطبيب في عصر السلطان قانصوه الغوري.
علم الحيوانات.
الدر المطابق في علم السوابق (في طب الخيل وقد ظفر به ملك الأرمن في خزائن العباسيين عندما هاجمها مع التتر فنقله إلى بلاده وأمر بترجمته ثم ضاعت النسخة العربية الأصلية وقد ظفر جنود مصر بالترجمة في بلاد الأرمن حينما فتحوها فترجمه إلى العربية ابن الخليفة العباسي بمصر بمساعدة بعض الأسرى من الأرمن).
طب الطيور (مستخرج من خزانة الرشيد).
علم المعادن.
الجماهر في الجواهر لفيلسوف الإسلام بالهند أبي الريحان البيروني.
стр. 3897
أزهار الأفكار في جواهر الأحجار للتيفاشي.
علم الفلك.
التفهيم لصناعة التنجيم لأبي ريحان البيروني.
علم الساعات والعمل بها لرضوان بن محمد الخراساني بخط بيلك بن عبد الله القبجافي.
علم الموسيقى.
كتاب العود والملاهي للمفضل الضبي.
كشف الغموم والكرب بشرح آلة الطرب (بالصور والأشكال).
علم الحرب.
العز والمنافع للمجاهدين بآلات البارود ولمدافع لابن غانم الأندلسي (بالأشكال).
الأنيق في المجانيق (بالصور والأشكال).
التذكرة الهروية في الحيل الحربية للسائح الهروي.
ديانات قديمة.
فلسفة الوثنيين (وهو قطعة بقيت من كتاب ثمسطس الذي أحرقه بعضهم وترجمها أحد المسلمين مع شرح الأناشيد والألحان الموسيقية الخاصة بديانة الوثنيين وبديانة المجوس).
كتاب الأصنام لابن الكلبي.
فنون متنوعة.
لطائف المعارف للنيسابوري.
عين السبع مختصر طرد السبع للصرح الصفدي.
الإلمام بآداب دخول الحمام.
الكوكب الدري في أجوبة السلطان الغوري.
نفائس المجالس السلطانية في حقائق الأسرار القرآنية لجمعية من علماء في عصر السلطان الغوري وهو في جملتهم.
الترقق في العطر للفيلسوف الكندي.
стр. 3898
كتاب الأطعمة المستعملة في مصر على عهد سلاطين ومماليك.
الوصلة إلى الحبيب في وصفات الطيبات والطيب.
بسط الشرق
من أهم ما لفت أنظار الغربيين في معرض الصناعات الإسلامية في مونيخ في العهد الأخير قسم البسط والسجادات الشرقية فقد قدروا ما فيها من الكمال المدهش من حيث الألوان والنقوش والتراكيب وهيهات أن تعبر الألفاظ عن جمال تقطيعها وظرفها وتنوع وضعها وجماع صنعها وانضمام أشكالها وترصيعها وتوزيع زينتها السالمة من كل خلل. قالت إحدى المجلات العلمية ومن أهم هذه القطع سجادة اسمها ربيع كسرى يرد عهدها إلى الدولة الساسانية التي قضت عليها دولة العرب في القرن السابع للميلاد وقد تمازج فيها الذهب بالأحجار الكريمة وفيها صور ينابيع وأشجار وأطيار وأصقاع بديعة تأخذ بمجامع القلب. ولقد نسج البسط بسطاًَ من هذا النوع المسماة ببسط الحدائق قبل قيام دولة الأكاسرة بألف سنة فكانوا يصورون فيها غدراناً فيها أسماك وأشجار اللوز مثمرة تتسلق عليها الهوام. ولم تكن تجعل هذه السجادات التي لا تجوس عليها الأرجل إلا متلطفة على الجدر كما هو الحال في اوربا اليوم بل كانت تبسط على الأرض.
وهي من عهد ارتقاء الصناعات الفارسية أي من القرن السادس عشر وكانت تباع منذ عشرين سنة ببضع مئات من الفرنكات أما اليوم فتباع بما يوازي ثقلها ذهباً. ومما عرض في هذا المعرض بساط اسمه بساط الصيد وهو ملك بلاط النمسا ولم يكن إمبراطورها فرنسيس يوسف عارفاً بقيمة هذا الكنز الذي يحويه في قصره من قبل وهو معمول في القرن السادس عشر أيضاً وفيه صورة وعلة يصطادها أسد وهذه الصورة في بلاد الصين رمز إلى طول الحياة وكثيراً ما كانت الصناعة الفارسية تنقل عن الصين وتقلدها في مناحيها.
معجم إنكليزي
بدأت إحدى بيوت المطابع في أكسفورد من بلاد الإنكليز بطبع معجم للغة الإنكليزية منذ سبع وعشرين سنة برئاسة السير جايمس موري وهو أرقى بموضوعه من المعاجم الكبرى في اللغة الإفرنسية مثل لتره والإنكليزية مثل وبستر والألمانية مثل كريم. فيذكر هذا
стр. 3899
المعجم تاريخ كل مفردة وما توالى عليها من النشوء مع إيراد الشواهد لذلك ويقوم بتأليف ألف ومائتا لغوي انتخبوا من مشاهير علماء اللغة الإنكليزية. وقد بلغ مجموع عناوين الكتب في مكتبة تأليفه عدة ملايين تتألف منها خزانة هائلة اقتضت أن ينشئوا لها بناية من الحديد مخافة أن تسري إليها النيران وهذا المعجم يصدر في أوقات غير معينة وقد بلغوا إلى حرف ت.
ويقدرون بأنه ينتهي سنة ١٩١٣ أما ثمنه فغال ولكن نفقاته قد جمعت مقدماً باشتراك بعض الكتبة به. فأنعم وأكرم بأمة فيها هذا القدر من العلماء في لغتها على من لم يقع عليهم الاختيار وببلاد يطبع فيها مثل هذا المعجم الهائل الذي ربما تجاوز ثلاثين مجلداً وشركته تربح به من أول يوم.
بردي قديم
أوصى أحد المحسنين للقسم المصري في المتحف البريطاني بأعظم ورقة من ورق البردي عرفت حتى الآن طولها ٤١ سنتيمتراً وعرضها ٥٠ سنتيمتراً وقد حفظ ت حروفها ورسومها سالمة من كل سوءٍ. ويرد تاريخها إلى ما قبل ٣٠ قرناً وهي عبارة عن صورة ثيبية من كتاب الأموات مشفوعة بابتهال إلى الرب عمون أهم معبود في ثيبية وقد كتبت هذه الورقة قبل ألف سنة من التاريخ المسيحي لابنة الملك نيزي حانسو هي ذات شأن عظيم في تاريخ الأديان.
صناعات الأمراء
تناقلت الصحف أن السلطان عبد الحميد سجين قصر الأتيني في سلانيك يصرف بعض أوقاته في النجارة بعد أن أنزل عن عرش السلطنة. والعادة في الملوك والأمراء أن يعنوا بصناعة من الصناعات النفيسة في الغالب أو عمل من الأعمال اليدوية يرضون بها أنفسهم وحواسهم وكانت هذه العادة شائعة كل الشيوع في فارس وبخارى وأفغانستان وبلوخستان وغيرها من الأصقاع الواقعة في النصف الشرقي من قارة آسيا ولكن ما كان من مميزات الآسياويين أيام حضاراتهم أصبح الآن من مميزات الأوربيين في استبحار عمرانهم فمن أمرائهم من ينصرف إلى علم أو فن أو صناعة يدوية وقد يصرفون فيها شطراً صالحاً من أوقاتهم خصوصاً أولئك الذين ليس لهم عمل حقيقي من الأمراء والملوك. فقد كان الدوق
стр. 3900
كارل تيودور البافاري عالماً بطب العيون وممتازاً فيه. وكانت الملكة إيملي ملكة البرتقال منصرفة إلى دراسة السل الرئوي. وسجل الأمير هنري دي بروس الألماني اكتشافه طريقة لتنظيف زجاج السيارات. وعرف ملك بلغاريا بامتيازه في علم الحيل (الميكانيك) وهو الذي يسوق قاطرة القطار الملكي بنفسه. ويخصص ملك نابولي شطراً مهماً من وقته في عمل المعادن. واخترع دوق دولاندبورغ آلة دافعة جديدة للسفن. وأخصى الأمير جواشيم في الحدادة. وكان الأمير فريدريك سيجموند معلماً في النجارة. أما إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني فقريحته متسعة فهو شاعر ومؤلف قصص فاجعات ومصور بل هو يتوفر أيضاً على تربية المواشي والنباتات وصنع الخزف والفخار. وملكة رومانيا كاتبة من الطراز الأول. والأمير أوجين السويدي مصور المناظر الطبيعية. ودوقة دارجيل ناقشة ماهرة. وكان الملك إدوارد السابع يصرف جزءاً عظيماً من وقته في تربية الحيوانات.
أعظم البوارج
أنشأت شركة ويت ستار الإنكليزية بارجتين للسفر بين سوسامبتون إحدى مواني إنكلترا ونيويورك في أميركا وهي أضخم ما عرف حتى الآن دعتهما (أولمبيك) و (تيتانيك) وقد أنزلت الأولى إلى البحر وقريباً تنزل الثانية وطول كل واحدة منهما ٢٥٩ متراً وعمقها ٢٨ متراً و٢١ سنتمتراً ومحمولها خمسون ألف طن ولها ثلاث آلات دافعة وتقطع ٢١ عقدة في السعة وهي بقوة ٤٦ ألف حصان.
حكم إفرنجية
اذا تولى بعض المناصب يؤثرون أن يعملوا أعمالاً سخيفة على أن يبقوا بلا عمل (أرسين هوساي).
للمرء بعض الآمال الخيالية التي قد يتعذر الحصول عليها والتعلق بأهداب المحال وطلب الأبلق العقوق أو الصعود إلى العيوق (عمانويل أرين).
لا تعمل الحكمة شيئاً مع إحساس الضمير العام (كيزو).
الاقتناع هو الإرادة الإنسانية البالغة أبعد مراقيها (بالزاك).
أبداً يظل المرء غير راضٍ عن حالته اذا قاسه بأحس منه (لافيس).
إياك والتساهل في النفقات الصغيرة فإن ثقباً صغيراً يجري فيه الماء تغرق منه سفينة
стр. 3901
كبرى فرانكلين.
إن العلائم الظاهرة للحزن الكبير تأتي على الأحياء كما تكون القباب بلية على الأموات فإنها كثيراً ما تكون علامة الكبرياء أكثر مما تكون علامة الحزن والفضيلة شاتوبريان.
كلنا محكوم علينا ن نموت وما الولادة إلا مبدأ الموت غوتيه.
إن الإكثار من الكلمات للتعبير عن أثر مشهور أشبه بقطعة من ذهب تبدلها بنقود زائفة بومارشيه.
الأموات غير مرئيين ولكنهم غير غائبين هوغو.
للقلب عقل لا يعرفه العقل نفسه باسكال.
اذا سار المرء على خطأٍ يستحيل أن يصل إلى الحقيقة جوي.
لا يجني خريف الحياة إلا ما غرسه كل يوم منها كراتري.
الإنسانية تأمرني أن أظن خيراً أكثر مما أظن شراً بوسويه.
من عاقب وهو في حال الغضب فلا يريد من عاقبه الإصلاح بل الانتقام مونتين.
إن مما يصعب علينا أن لا نكون على اتفاق مع حبنا ذاتنا أسيل.
كلما وقع في نفس الإنسان إن ليس شيءٌ مستحيلاً يقوم بأعمال أكبر مما كان يظن مالريب.
من الأمراض أن يتطلب الموت وأعظم منها مرضاً أن يخاف الموت.
الشهوات كأنواع الأطعمة أبسطها هي التي لا تقزز منها النفس.
على المرء أن يطيل النظر في نفسه قبل أن يفكر في الحكم عليه.
الطاعة أعظم فرحة للمرأة بعد الحب.
على المرء أن يجيب بنفسه لأن البشر لا يعدلون إلا مع من يحبون.
كانت الضرورات في المجتمعات القديمة هي الزوائد أما في المجتمعات الحديثة فإن الزوائد هي الضرورية.
اذا أردت أن يظن بك خيراً فلا تذكر أنت ذلك (باسكال).
نحب العدل كثيراً وقلما نحب العادلين.
الواجب عليَّ أن أقوم بما تفرضه عليَّ الحياة من الواجبات على أي صورة وكيفية ولكن الواجب القيام بها.
стр. 3902
الكسلان الصحيح الجسم أردأ من المريض لأنه يأكل ضعفين ولا يعمل عملاً.
إن من يهتمون أبداً لصحتهم هم كالبخلاء يجمعون الكنوز بدون أن يستمتعوا بها.
إن قلباً مفطوراً على الاستقامة التامة لا يرضى عن الترقيع في الأخلاق كالأذن الصحيحة السمع لا ترضى عن الموسيقى الرديئة.
إن من يعتقدون من أنفسهم الذكاء أكثر من غيرهم هم أقرب إلى الانخداع غالباً.
الديانة أم يتخلى عنها الإنسان عندما ينادي داعي سعده وهي تنتظرك يوم تصيبك البوائق (دي ليفي).
إن إصلاح نفوس أغلب الناس عبارة عن إدخال القلب والإبدال عن رذائلهم.
الأفكار رأس مال لا تأتي بفائدة إلا في ايدي من رزقوا القرائح والعقول.
تأتي على المرء أحوال يكثر فيها غمه أكثر من الباكين ويتمنى الدموع أن تجري في مآفيه فلا يجدها.
السكك العثمانية
أصدر المسيو ألكسيس راي كتابه الرابع عشر في إحصاءات السكك الحديدية العثمانية وحساباتها في السنة الماضية جاء فيه أن دخل السكك الحديدية في آسيا كان متوسطاً أما مجموع الدخل في السلطنة فقد زاد عن السنة السابقة اذا حسبنا ما نقص من سكة الرومللي من جهة بلغاريا منذ أعلنت استقلالها وقدر النقص بـ ٣١٠ كيلومترات.
وقد نقصت الضمانات الكيلومترية في السلطنة ٥٧٩ ألف وتنقص كثيراً في ميزانية ١٩١٠. أما السكة الحجازية فقد بلغ طولها ١٥٠٠ كيلومتر ودخلها ٣ ملايين و٨٠٠ ألف فرنك. وهاك ما أعطته الحكومة العثمانية من الامتيازات الجديدة: ١ً تمديد سكة بغداد يقدر بخط يبلغ طوله ٨٢٠ كيلومتراً وقد بدأت الأشغال في نقط مختلفة منه ومما تقرر أيضاً مد هذا الخط إلى حلب. ٢ً تمديد خط حمص_طرابلس وطوله ١٠٢ كيلومتراً وصار على أهبة النجاز ٣ً امتياز فرع من باندرما إلى صوما وطوله ١٩٠ كيلومتراً ويتصل بأزمير وبحر مرمرة وبذلك تقرب المسافة بين أزمير والأستانة. ٤ً امتياز فرع من بابا إلى إسكي كليسا وطوله ٤٠ كيلومتراً وهو لشركة الرومللي والخطوط الثلاثة الخيرة لا ضمانة كيلومترية لها ومجموع الخطوط الأربعة الجاري العمل بها يبلغ طولها ١١٥٢ كيلومتراً
стр. 3903
منها ١١١٢ كيلومتراً في ىسيا و٤٠ في اوربا وهذا بيان توزيعها على الأمم.
٨٢٠ كيلومتراً للألمان و٢٩٣ للفرنسيين و٤٠ للنمساويين.
وهذا بيان ما تستثمره الأمم حالاً من السكك جمعاء في السلطنة.
١٦٩٧ كيلومتراً للفرنسيين و١٥١٩ للألمان و١٥٠٠ للعثمانيين و٩٥٥ للنمسويين و٩٠٩ للإنكليز و٤١ لأمم مختلفة.
ويتبين من ذلك أن الألمان اذا أتموا مد الخطوط المعهودة إليهم يصبحون في مقدمة الجميع إذ يبلغ مجموع خطوطهم ٢٣٣٩ كيلومتراً ويتلوهم الفرنسيون بخطوط مجموعها ١٩٨٩ كيلومتراً.
стр. 3904
مخطوطات ومطبوعات
الدروس العربية
تأليف الشيخ مصطفى الغلاييني طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت سنة
١٣٢٨ ص٨٨
اعتاد صديقنا صاحب هذا الكتاب أن ينشر من قلمه كل ما فيه تصحيح الأفكار وبث اللغة وشفره هذا في النحو من سلسلة كتب في النحو والصرف وفنون البلاغة والإنشاء وقرظ الشعر والأدبيات واللغة كتبه بعبارة سهلة يفهمها التلميذ وشفعه بتمارين نثرية وشعرية تفيد في إحكام ملكة الإعراب فنشكره على غيرته على الآداب ونرجو له إتمام هذه السلسلة.
الطريقة القدسية
أو طريقة جديدة للقيودات المزدوجة لواضعها إلياس بك القدسي طبع بالمطبعة
الأهلية البطريركية الأرثوذكسية بدمشق ص٣٢.
أجاد صديقنا في وضع هذا الكتاب في علم الدوبيا أو طريقة القيود المزدوجة وقد قال في مقدمته أن الإيطاليين كانوا أسبق الأمم إلى استعمال تلك الطريقة في منتصف القرن الرابع عشر وكان أول كتاب ظهر في إنكلترا من نوعه سنة ١٥٦٩ سماه مؤلفه فن الحسابات التجار الطليان أو مسك الدفاتر بالقيودات المزدوجة وقد وجد في مدينة جنوة سجل أمين صندوق البلدية مؤرخاً في سنة ١٣٤٨ وفيه الحسابات المدونة على هذه الكيفية ولكن هذه الطريقة لم تشع في أوربا إلا في القرن السابع عشر والثامن عشر قال ولم تدخل هذه الطريقة إلى بلادنا إلا نحو سنة ١٨٦٥ إذ قام المعلم سليم غالية الدمشقي وطبع كتابه البدر المنير في أصول الزنجير وألف بعده المعلم ظاهر خير الله الشويري كتابه لمحة الناظر في مسك الدفاتر ورسالة ترويض المباشر في مسك الدفاتر وتبعه آخرون وضعوا كتاباً على الطريقة الإيطالية وقد شرح المؤلف طريقته الجديدة المبتكرة أحسن شرح يفهمه طالب هذا العلم النافع فله منا الثناء على غيرته وفضله.
ديوان سلام بن جندل
رواية أبي سعيد الأصمعي نشره الأب لويس شيخو طبع في المطبعة الكاثوليكية
стр. 3905
في بيروت سنة ١٩١٠ ص٤٩.
نشر هذا الديوان في مجلة الشرق أولاً عن نسختي الأستانة والإسكندرية وعلق عليها منشئها الباحث ملحوظات واصطلاحات وعد سلامة في شعراء النصرانية بالطبع. وشعر العرب العرباء كله مما يقتنى فللناشر الأديب الشكر على عنايته بنشر آثار العرب في أي مظهر إظهار
كتب متفرقة
الأحكام السلطانية_هذا الكتاب للماوردي المتوفى سنة ٥٤٠ مشهور متداول وقد أعيد طبعه الآن وعني بتصحيحه السيد محمد بدر النعساني ويطلب من محل محمد أمين أفندي الخانجي في مصر والأستانة.
دروس التاريخ الإسلامي_للشيخ محي الدين الخياط وقع في ٩٦ صفحة وهو القسم الثالث منه يشتمل على مجمل تاريخ بني أمية في الشرق وخريطة الدول العربية والإسلامية ويطلب من المكتبة الأهلية ببيروت.
الخراج في الشرع الإسلامي_كراسة للمسيو كولوزيو طبعت في تونس باللغة الإفرنسية ذكر فيها تاريخ الخراج في ١٦ صفحة.
هل اللغة العربية ميتة_كراسة للمسيو كاموسي قدمها للمجمع العلمي القرطاجني في ١٧ صفحة قال فيها أن العربية لا تشبه الفرنسية فقد ظلت زاهرة ألف سنة ومنذ ثلاثمائة سنة وقفت عن النمو أما الإفرنسية فقد مضى عليها ألف سنة وهي في حال التنبت وأخذت تنمو منذ ثلثمائة سنة وليس القرآن هو السبب في وقوف العربية بل أبناؤها وميلهم إلى العلم.
وقاية الشبان من المرض الإفرنجي والسيلان_هو كتاب وضعه الدكتور سعيد أبو جمرة صاحب الأفكار البرازيلية منذ بضع سنين ونفذت طبعته الأولى فأعاد طبعه الآن واصفاً هذه الأمراض المدهشة وعلاجها وطرق التوقي منها بلسان علمي وقد وقع في ١٧٢ صفحة من قطع الوسط وهو يعد من الأمهات في هذا الباب.
مجلتان جديدتان
الورقاء_مجلة علمية أدبية صناعية لمنشئها الخور فسقفوس جرجس شلحت تصدر في حلب مرة كل شهرين في ٧٦ صفحة وقيمة اشتراكها ريال في حلب وخمس فرنكات في
стр. 3906
غيرها.
سمير الصبا_مجلة أدبية فنية فكاهية تصدر في حمص مرة في الشهر لصاحبها شكري أفندي فارس لوقا في ١٦ صفحة وقيمة اشتراكها ١٤ غرشاً في حمص و١٥ في غيرها أو ٣ فرنكات وربع في الخارج.
стр. 3907
خاتمة السنة الخامسة
نحمدك اللهم أنك يسرت لنا ختام هذه السنة من المقتبس على النحو الذي نحوناه منذ أول تأسيسه. وبعد فقد اضطرتنا الحال إلى التعجل في إصدار أجزاء هذه السنة لتعود إلى اعتبار المحرم أول سنة المجلة ونجبر المدة التي انقطعت فيها عن الصدور أشهراً في العام الفائت فأصدرنا أجزاء اثنتي عشر شهراً في نحو ستة أشهر وألفناها كذلك حتى جاء بفضل الله وبيض أيادي مؤازرينا من أهل البحث والعلم لا تقل في تجويد الموضوعات عن السنين السالفة إن لم نقل أنها أحسن على كثرة ما انتاب مجرى العمل من العوارض. وفي مأمولنا أن تبدو هذه الصحيفة في سنتها السادسة في مظهر أرقى يكون لائقاً بشأن العصر ونهوض البلاد بكثرة سواد الراغبين في العلم والتعلم اليوم بعد اليوم والله نسأل هدايتنا وتسديدنا والتجاوز عن هفواتنا وسيئاتنا وهذا جهد المقل وما على من يبذل جهده من حرج والسلام.
стр. 3908
العدد ٦٠ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١١
стр. 3909
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فاتحة السنة السادسة
يفتتح المقتبس سنته السادسة بحمده تعالى أن يسر له قطع شوط يصح عده شيئاً في عمر المجلات، ويغتبط اليوم أن يرى له موقعاً من نفوس العلماء والأدباء ومكانة من مجامعهم وأنديتهم وسبيلاً إلى الانتشار بين الخاصة في كل بلد يتكلم أهلها باللغة العربية أو يرغبون في تلقفها، ويعود فيعاهد قراءه على أن يتعاهدهم كل شهر كما عودهم بنشر الأبحاث النضيجة مشبعاً إياها درساً وتمحيصاً ما ساعدته بيئته ومادته فينقل للشرقيين ما تبرزه عقول الغربيين ويمثل للغربيين ما أنتجته قرائح الشرقيين من الأقدمين والمحدثين ويعنى من المباحث عناية خاصة بعلوم التربية والتعليم والاجتماع والاقتصاد واللغة والأدب والتاريخ والآثار وتدبير المنزل والصحة والكتب وحضارة العرب وحضارة الغرب ولا يتعرض للعلوم الأخرى إلا بقدر ماله علاقة بالموضوع ويتجافى عن مس العواطف الدينية والمنازع السياسية عملاً بالخطة التي رسمها في أول جزء صدر منه على ضفاف النيل.
ولقد هيأ الزمان لهذه المجلة طائفة من العلماء الباحثين والكاتبين المفكرين أخذوا على أنفسهم كما فعلوا في السنين الغابرة أن يوافوها أثابهم الله الشهر بعد الشهر بخلاصة أبحاثهم ويعلموا الناس مما علموا وزكنوا وهذا مما يزيد الثقة بهذا العمل العلمي وعمل الجماعة أمتع وأنفع وعمل الفرد لا يخلو من ضعف وضؤولة، وهاك أسماءهم إقراراً بأفضالهم على العلوم والآداب:
أحمد بك تيمور (القاهرة) أحمد بك زكي (القاهرة) أمين أفندي ريحاني (نيويورك) الشيخ جمال الدين القاسمي دمشق جرجي أفندي الحداد دمشق خليل أفندي رفعت دمشق خليل بك سعد بيروت رشيد أفندي بقدونس سلانيك رفيق بك العظم القاهرة زكي أفندي الخطيب سنجار صلاح الدين أفندي القاسمي دمشق ساتسنا بغداد سليم أفندي البخاري دمشق شكري أفندي العلي دمشق الشيخ طاهر الجزائري القاهرة الدكتور عبد الرحمن شهبندر دمشق عبد القادر أفندي المغربي طرابلس الشام عبد الله أفندي مخلص حيفا عبد الوهاب أفندي الإنكليزي الباب عيسى أفندي اسكندر معلوف زحلة فارس أفندي الخوري دمشق فارس أفندي فياض دمشق محمود شكري أفندي الآلوسي بغداد يوسف أفندي جرجس زخم
стр. 3910
نبراسكا.
стр. 3911
كتاب البئر
من مصنفات إمام أئمة اللغة والأدب أبي عبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي توفي سنة ثلاثين ومائتين رحمة الله عليه
ترجمته في ص ٢٠٧ من كتاب نزهة الأدباء
عني بنشره وتعليق حواشيه السيد محمود شكري الآلوسي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب النحوي قراءة عليها وأنا أسمع بجامع القصر من مدينة السلام يوم الجمعة ثالث عشري شهر الله الأصب من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، قال أخبرنا القاضي أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسين الفراء قال أنبأنا الشيخ أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري، قال أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الحزاز قراءة عليها في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
قال قرأ هذا الكتاب أبو الحسن الرزاز علي بن عبد الله محمد بن أحمد الحكيمي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وأنا حاضر أسمع قال حدثنا أبو العباس أحمد يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي قال وقرأه الرزاز أيضاً على أبي عمر محمد بن عبد الواحد غلام ثعلب على معنى التصحيح قال: صفة البئر عن ابن الأعرابي.
قال وأخبرني أيضاً الشيخ الإمام المهذب أبو الحسن علي بن عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الملك بن إبراهيم بن عبد الملك السلمي الرقي قراءة عليه بمدينة السلام في منزله في شعبان من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وسمعته أيضاً من قراءته قال: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن علي بن عمر السلامي والفقيه أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصار في قراءة عليهما في صفر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة فأقر به قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قراءة عليه في يوم الجمعة خامس عشر صفر من سنة إحدى وتسعين وأربعمائة فأقر به قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري قراءة عليه وأنا أسمع في المحرم سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن زكريا ابن حيويه
стр. 3912
الحزاز قراءة عليه في يوم الأربعاء النصف من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة قال: قرأ أبو الحسن الرزاز رحمة الله تعلى على أبي عبيد الله محمد ابن أحمد الحكيمي سنة أربع وثلاثين وأنا حاضر أسمع، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي وقرأه الرزاز وأنا حاضر أسمع على أبي عمر محمد بن عبد الواحد غلام ثعلب على معنى التصحيح قال:
صفة البئر
عن ابن الأعرابي قراءة على أبي العباس أحمد بن يحيى النحوي عن أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي قال: يقال للأرض إذا لم يكن فيها حفر فحفر فيها أرض مظلومة قال الشماخ:
وأس رماد كالحمامة ماثل ... ونؤيان في مظلومتين كلاهما
ويقال إذا حفر قعدة الرجل أو قعدتين قيل حفراوقة أو اوفتين قال الشاعر:
وانغمس الرامي لها بين الأوق
قال أبو عمر: هو أوقة بالفتح وجمعها أوق كذا سماعي من ثعلب قال أبو العباس: الأوقة بئر الصائد التي يستتر فيها من الوحش فإذا ابتدأ حفر البئر فهي بدء فإذا حفر إلى أسفل قيل قد اعتمق وامتعق وحفر معيق وعميق وإذا أخذ جانبها قيل قد لجف قال الشاعر:
إذا انتحى معتمقاً أو لجفا
ويقال لجانب البئر الجال والجول وأنه لغير ذي جول أي أنه قليل العقل وأنه لغير متماسك الجول يقال ذلك للرجل إذا كان يحمق فغذا حفرها حتى يبلغ الماء قيل قد أنبطها والماء هو النبط وفطرها إذا كان هو ابتدأها
واختصم إلى ابن عباس ﵄ رجلان في بئر فقال أحدهما بئري أنا فطرتها أي ابتدأتها واستخرجتها.
فإذا أنفذتها في الجبل قيل بئر خسيف وهي التي خسف جبلها قال الشماخ:
من الكلى في خسف رويات
ويقال حفر حتى أعان وأعين أي حتى استخرج الماء وحفر حتى أصلد إذا وقع موضع صلب أو على حجر وكذلك اكدى قال أبو زبيد:
стр. 3913
يا عثم أدركني فإن ركيتي ... صلدت فأعيت أن تبض بمائها
وحفر فاجبل وقع على جبل وأسهب وقع على رمل أو تراب يغلبه.
ويقال لتراب البئر البغيثة والنبيثة والنثيلة والثلة والسفاة قال الهذلي:
وقد أرسلوا فراطهم فتأثلوا ... قليبا سفاها كالاماء القواعد
ويقال ماء نمير إذا كان يوافق الشاربة وينجع في جلودها وأجسامها عذبا كان أو غير ذلك قال حاتم:
قد جعلت والحمد لله تقر ... من ماء عد في جلودها نمر
قال أبو عمر: تقر تسكن من قولك وقر يقر إذا سكن ويقال ماء شريب عذب وشريب أيضاً ثقيل وماء مأج وقد مؤج يمؤج مؤجة ومياه مائجة.
وأسماء البئر
الركية والجمع ركايا، والقليب والجمع قلب، والفقير وهي التلي فقر جبلها فاتخذت حديثاً، والطوي والجمع أطواء، والبدني وهي الجديدة الحفر وهي الواسعة الرأس لأنها ربما تقوضت واتسع رأسها وربما كانت غير بعيدة القعر، والبدي حي تبتدأ وهي القريح وقال بعض الأعراب البدي يحفر للغرس يريد الغسيل والماتح يضع رجلاً على هذا الجانب ورجلاً على هذا الجانب الآخر.
والبدي مربعة وهو يمنح منها بيده بغير قامة فإذا دور رأسها فهي القليب ويقال لفم البئر شحوتها وجرابها جوفها من أعلاها إلى أسفلها ويقال بئر شديدة الجراب إذا لم تحتج أن تطوى والبئر والركية انثيان والقليب والعلوي ذكران قال أبو عمر: القليب والطوي يذكران ويؤنثان والشطون من الركايا التي في جوانبها عوج لا يخرج دلوها إلا بحبلين.
فإذا طويت بخشب فهي معروشة وقد عرشت تعرش عرشا والمزبيرة المطوية بالحجارة وغير الحجارة يقال زبرئها زبرا وضرستها اضرسها ضرسا طويتها بالحجارة وإذا استقي بالدلو من البئر باليد قيل بئر متوح وإذا كانت على بكرة بنزع باليد نزعا قيل نزوع ونشوط التي إنما حبلها نشطة واحدة وبئر أنشاط إذا خرج دلوها بجذبة واحدة قال أبو عمر: إنما هو أنشاط بالفتح جمع نشوط قال أبو محمد يوسف بن الحسن: روى الطوسي وغيره إنشاط بالكسر ويجوز أنشاط بالفتح جميعا ويقال ماء رفق وهو القريب الغشا
стр. 3914
القصير الرشا وماء عضوض بعيد القعر وأنشدنا:
أبيت على الماء العضوض كأنني ... رقوب وما ذو سبعة برقوب
وماء مدرع قريب من المرعى قال أبو عمر: إنما هو مدرع بفتح الراء وباسط بعيد وماء مطلب إذا أبى أن يطلب وبئر نضوض وبروض ورشوح الأصل رشوج بالجيم قال أبو عمر إنما رشوخ بخاء معجمة ومكول هي التي يجتمع ماؤها قليلا يقال قد اجتمعت فيها مكلة وإذا كانت لا يؤخذ ماؤها إلا غرفاً فهي قدوح ويقال قدحتها أقدحها قدحا وإذا كانت بأتي ماؤها مرة ويذهب أخرى فهي الظنون وإذا كانت إذا استقي ماؤها جمت بماء آخر قيل بئر جموم وإذا كانت إذا قلت الأمطار قل ماؤها قيل بئر قطوع وأصابت الناس قطعة إذا غار ماؤهم واقطع الماء وهو مقطع وقاطع وقد قطع.
وإذا كانت البئر حبلها عن لعوج في جرابها قيل بئر يون وبئر زوراء ودحول إذا كان في خلقها عوج وإذا كانت البئر إلى جنبها بئر أخرى تضر بها قيل بئر ضنيط وبئر مأطورة مثلها وبئر سك إذا كانت ضيقة وأنشدنا:
صبحن من وشجى قليبا سكا
قال أبو عمر: وشجى محركة ويقال بئر ذمة قليلة الماء وبئر فراط وهي التي من سبق إليها ليس لأحد أن يمنعه وبئر جموم سريعة رجوع الماء ويقال للماء إذا خرج من عيونه فارتفع في البئر جم يجم جما والماء نف الجم ويقال استق من جم بئرك وقال الغنوي: وسئل ما مالك فقال ساحات فيح وعين هزهز قريبة مرتكض المجم أي يجم ماؤها سريعاً وهزهز يهتز بالماء الصواب هزهز قال أبو عمر: سألت أبا العباس عن هذا الحرف مراراً فقال هزهز على لفظ هديد قال وإذا كان يغرف منها باليد قيل بئر غروف وإذا دام ماؤها في المطر والقيظ قيل بئر واتنة وقد وتنت تتن وتونا وإذا كانت كثيرة الماء قيل بئر قليذم وأنشد:
إن لنا قليذما هموما ... يزيدها مخض الدلا جموما
وإذا لم ينزح ماؤها قيل بحرها لا ينكف ولا ينكش ولا يوبى ولا يغضغض ولا يفرض ولا يفثخ وبئر سعبر والخضرم والعليم الغزيرة وبئر ماهة وبئر مئة كثيرة الماء وبئر نبط التي يخرج ماؤها من عرضها ويقال للبئر إذا قل ماؤها غار يغور غورا وغؤرا وقد نكزت
стр. 3915
أيضاً قال:
فظلت بأعراف كأن عيونها ... إلى الشمس بل تدنو ركين واكز
أنكزت تنكز نكوزاً وهي ناكز وإذا اندفنت ثم أخرج ترابها وليس بجديد قيل بئر نثول والجمع نثل وإذا اندفنت قيل بئر دفن ودفان وإذا عطلت حتى تخرب قيل بئر سدم والجمع اسدام فإذا كانت عادية فالتقطت والتقاطهم إياها وقوعهم عليها قيل بئر لقيط وبئر خفية مثلا وكانت قديمة لأمة من الأمم فالتقطت وعد ما كان نبضه من الأرض يجم عشر قيم إلى ثلاثين قامة وإذا كان في طي البئر حجر نادر فهو العقاب يقال لصلح عقاب بئرك فيخرج حجراً في الطي فيقدم ليقوم عليه قال والثعلبة أن يجذب الحيل عن حجر ناتئ في جانب البئر قال:
لو أن سلمى شهدت مطلي ... تمتح أو تدلج أو تعلي
إذاً لراحت غير ذات دل
وقال آخر:
أكل يوم قائل أبن أبن ... دلوك عن حد الصفيح واللبن
والثمت أن تكون كالبئر إلا أنه لا تكون من عيون إذا انقطع حفر ذراعان أو قامة فيخرج فيشرب أياماً ثم ينقطع والحسى دائم لا ينقطع والجمع احساء وحساء، والحسى يسمى الكر وإذا تغير الماء في القليب قيل قد عرمض وسجس الماء في القليب وهو الصرى والصرى مقصوران يقال ماؤها صرى فاستق من غيرها ويقال أجن وأسن يأجن وبأسن اسنا واجونا وأسن أسنا وإذا علته جليدة من طول الترك قيل دوى يدوي تدوية وماء داو كما ترى فإذا علنها خضرة قيل قد طحلب وعرمض وغلفق ويقال بئر ذات طاق إذا كان فيها دور وهي حروف نادرة وعرش البئرة خثبلتها التي يستظل بها عليها يطرح الثمام قال الراجز:
أكل يوم عرشها مقيلي ... حتى ترى المئزر ذا الفضول
مثل جناح السيد الغسيل
ويقال محشوشة وحشوا بئركم أي اكسوها وبئر مجهودة إذا نقيت حتى حمأتها ويظهر حر طينها فقد جهرت تجهر جهراً والاذاء حجر يجعل في مصب الدوا لئلا يخرق الماء الحوض وهو في بئر الماشية والإبل وفي بئر الذرع والقف والدعامة مقام الساقي في أعلى
стр. 3916
البئر وإنما سميت دعامة لأنه يدعم بها طي البئر فيضغطه وهما شجرتان يدعمان طي البئر قال الشاعر:
لما رأيت أنها لإقامه ... واتني ساق على سامه
جذبت جذبا زعزع الدعامة
والمثابة مقام الساقي أنشد أبو الجراح:
يا عين بكي عامراً يوم النهل ... قام على مثابة زلج فزل
والشجار خشبتان على جانبي البئر عليهما عارضة ودون العارضة بقدر ذراع أو ذراعين عارضة أخرى والنعامتان خشبتان فيما بين العارضتين في كل جنب واحدة فتانك النعامتان وفيها المحور والمحور مشدود بحبل إلى العارضة وأنشد:
لولا الزمام اقتحم الاجاردا ... بالغرب أو دق النعام الساجدا
وإذا كانت عارضتا البكرة وعضدها من حديد كان أو خشب الوالج فيها والبكرة إذا كانت على ركية جرود فهي محالة الإبل واذا قالوا تعوب فهو خشبة مدورة عظيمة لها أسنان فيها كأسنان الرحى قال الشاعر:
كأن صوت نابه الاذب ... صريف خطاف بقعوقب
ويقال للذي يجري عليه الحبل من البكرة الحرث واذا كان الشجاران من بناء طين أو حجارة فهما الزرنوقان والقرنان قال الشاعر:
تأمل القرنين فانظر ماهما ... احجرا ام مدرا تراهما
فإذا وقع الحبل من البكرة وعضد بها قيل مرس الحبل وامرسته انا فيقال امرسه اي أخرجه قال الشاعر:
بئس مقام الشيخ امرس امرس ... اما علي قعو واما اقعلسس
والمرس اسم الحبل قال أبو العباس امرسه القاه بين الخد والبكرة وامرسه اخرجه وقد مرس الحبل نفسه قال الشاعر:
ولا تلمسوا لي الأرض فيا فإنني ... اخاف عليكم قامتى حين تمرس
في نوادر ابن الأعرابي وليس من الكتاب:
ولا يلمسوا لي الأرض فيا فإنني ... اخاف عليكم حيتي حين تلمس
стр. 3917
في أرض الجليل
من دمشق ركبنا قطار السكة الحجازية قاصدين إلى بلاد الجليل فاجتار بنا سهول حوران وجزءاً من وادي الأردن والغور ومعظم البلاد التي مررنا بها تبعث النفس على النظر والعين على التحديق والفكرة على التأمل لما جرى فيها من الوقائع والحوادث في سالف الأعصار.
وإن أرضاً أخرجت رسولاً كالسيد المسي ﵊ فكانت مهوى افئدة اهل النصرانية في العالم على اختلاف الأعصار والأقطار لحرية بأن تزار مهما شظت بقاصدها الديار فما بالك وهي الآن منا بضع ساعات في قطار البخار، وإن بلاداً مضى على أبناء إسرائيل ألوف من السنين وهم لم ييأسوا من استرجاعها لجديرة أن يخف إليها كل من يروم البحث في اجتماع الأمم وافتراقها.
يحد بلاد الجليل شرقاً الأردن وجنوباً الكرمل وجبال افرايم وغرباً بحر الروم وشمالاً فينيفية ولبنان وتسمى هذه البلاد جليل الأمم لكثرة الأمم فيها وفي الجليل تربى يسوع وفيها صرف أكثر مدة خدمته جهراً فدعي جليلياً وكان تلاميذه جليليين ماعدا يهوذا الاسخريوطي واشتهر الجليليون بشدة البأس فقال يوسيفوس المؤرخ اليهودي الذي كان هو نفسه جليلياً أنهم كانوا يتمرنون على استعمال كل أنواع الأسلحة منذ الصغر، وقد اشتهروا بشدة مقاومتهم للرومانيين وآل خراب اورشليم إلى نجاح الجليل فأصبحت دار العلوم اليهودية ونقل إليها السنهدريم مجمع الأمة العظيم فجعل اولا في اوشته وهي الآن خربة هوشته قرب شفا عمرو ثم نقل إلى شفرام وهي الآن شفا عمرو ثم إلى بيت شعرايم وصفوري وطبرية وكانت الجليل مقسومة إلى قسمين الجليل السفلى وطولها من طبرية إلى زبولون قرب عكا وعرضها من قرية كسالوت قرب تايور إلى بيرسبع (غير بير سبع في الجنوب) وكان فيها على رواية بوسيفوس ٢٤٠ قرية وفي أصغرها ١٥٠٠٠من السكان والجليل العليا طولها من ميلون غرباً إلى طلة قرب الأردن شرقاً وعرضها من بير سبع جنوباً إلى بقعة على حدود أرض صور شمالاً.
ومعنى الجليل بالعبرانية الدائرة أو المقاطعة وكانت تطلق خاصة على القطر الشمالي من أرض الموعد وفيها عشرون مدينة أعطاها سليمان إلى ملك صور لقاء خدمه في عمارة المعبد في القدس وكان يسكن هذه البلاد جمهور من الوثنيين ومن هنا اشتق اسمها جليل
стр. 3918
الأمم وكانت بلاد الجليل تمتد على عهد عيسو إلى ضفاف بحيرة طبرية ثم دخل فيها سهل يزرعيل مرج ابن عامروعلى عهد السيد المسيح كانت عبارة عن أرض عازر ونفتالي وزبولون وازياخار وظلت مقتسمة إلى جليل أعلى وجليل أسفل الأول يمتد إلى شمالي الخط الممتد من عكا إلى كفر ناحوم والثاني يدخل فيه القسم الجنوبي.
ويمكن على الجملة أن يقال أن أرض الجليل واقعة اليوم في الجهة الشمالية من بلاد فلسطين بين لواءي عكا ونابلس وفي الجهة الغربية من نهر الأردن ويدخل فيها قضاء صفد وقضاء طبرية وقضاء الناصرة وبعض قضاء جنين ومن أعمالها مرج ابن عامر وكانت أهم مدن الجليل بطلومايس التي أصبحت فيما بعد عكا وصفورية والناصرة وكفركنة وبتولي وكفر ناحوم وسكانها كما هم الآن مزيج من أمم مختلفة وأهم عناصرهم اليهود والآشوريون وكان هذا الاقليم على عهد ظهور النصرانية عامراً جداً بالسكان غنياً مزهراً وله حياة سياسية كما له حياة دينية وجميع أنواع العبادات والمذاهب تجري فيه حرة مطلقة لا شيء ينغص عليها أمرها وتكثر فيه النباتات والزهور من كل نوع وفيه غابات كثيرة كان يستخرج منها خشب السفن.
وعرف العرب أرض الجليل بجبل الجليل فقال ياقوت أن جبل الجليل في ساحل الشام ممتد إلى قرب حمص كذا كان معاوية يحبس في موضع منه من يظفر به ممن ينبز بقتل عثمان وقال ابن الفقيه وكان منزل نوح ﵇ في جبل الجليل بالقرب من حمص في قرية تدعى سحر ويقال أن بها فار التنور قال وجبل الجليل بالقرب من دمشق أيضاً وهو جبل يقبل من الحجاز فما كان بفلسطين منه فهو جبل الحمل وما كان بالأردن فهو جبل الجليل وهو بدمشق لبنان وبحمص سنير، وهذا التعريف أقرب إلى الجلاء من غيره، وقال ابن عساكر أن جبل الجليل من أعمال صيداء وبيروت من ساحل دمشق، وهو تعريف حسن في الجملة قال أبو قيس بن الاسات:
فلولا ربنا كنا يهوداً ... وما دين اليهود بذي شكول
ولولا ربنا كنا نصارى ... مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذا خلقنا ... حنيف ديننا عن كل جيل
قلنا إن أرض الجليل كانت معترك الأمم والأديان من قديم الزمان ولقد جاء عليها عهد أيام
стр. 3919
الرومان كانت فيه الأديار والبيع والمعابد مبثوثة في كل بقعة من بقاعه وقرية من قراه ولما فتحها المسلمون عاملوا أهلها بالرفق وأقروهم على عبادتهم شأنهم في فتوحاتهم ولكن دالت الدول وكرت الأعصار وجيشت ملوك أوروبا على الشرق جيوشها في القرون الوسطى وكانت الحرب الصليبية سجالا بين المسلمين والصليبيين في هذه الارض مدة قرنين فلا عجب إذا شهدنا أسوار المدن مهدمة وآثار البيع والاديار معفاة داثرة وأشجار ذاك الصقع وغاباته مدمرة وكثيراً من مدنه قرى صغيرة أو مزارع بائرة.
خربت هذه الديار بأدوار اتت عليها كان القول الفصل في سياسة حكومات الأرض لرجال الدين وكان أهل الصليب من أمم أوروبا كلما أرادوا أن يرجعوا أدراجهم ويتخلوا عن هذه الأرض يحفز أرواحهم حافز من القساوسة والشمامسة ومن لف لفهم من حملة الدين فيلقون بأنفسهم في مآزق صعبة ويركبون إلى نيل اوطارهم كل ذلول وصعبة فتردهم جيوش المسلمين عن استباحة حمى الإسلام لأن فلسطين أوسورية إذا ملكها الافرنج يضيع الإسلام المسجد الاقصى ويوشك أن يكون الخطر محدقاً بالحرمين الشريفين مبعث الوحي والرسالة ومحج أهل الإسلام من العالمين ولذلك هاجم الصليبيون هذه الديار بسائق الدين ودافع عنها المسلمون بسائق الدنيا والدين فكتبت الغلبة لأهل هذه البلاد وقلما ظفر مهاجم ورجع الدخلاء عنها مدحورين ولكن بعد أن خرب العامر والغامر وأصبحت نفراء جرداء لا تجد فيها خضراء ولا غضراء.
ولقد كانت طبرية عاصمة الجليل ولها شأن مذكور بين مدن تلك الأرباض أسست عام ١٧ للمسيح على يد هيرود انتيباس حاكم الجليل الذي جعلها عاصمته وسماها بالاسم الذي عرفت به إلى اليوم إكراماً لحاميه الامبراطور طيباريوس الروماني وكانت المدينة جنوبي موقع المدينة الحالية اولا اي حوالي الحمامات المعدنية ويسمى اليوم ذاك المكان بخربة الحمام وذلك لأنه اكتشفت مدافن وقبور في مكان المدينة القديمة فأبى اليهود أن يسكنوها لان خرق حرمة المدافن يعد عندهم من الكبائر، ولم يستطع هيرود أن يسكن طبرية لاول انشائها الا باناس من طبقة واطئة انعم عليهم بأنواع الاحسان وأغدق عليهم الأعطيات ترغيباً لهم ولما توفي عاملها عهد الامبراطور نيرون إلى اغريبا الفنى بالولاية عليها سنة ٤١ فلم يكن منه إلا أنه أسقط طبرية عن مكانتها واختار صفورية لتكون عاصمة الجليل.
стр. 3920
ولما انتفض اليهود على الرومانيين عهد إلى المؤرخ يوسيفوس أن يكون والياً على الجليل الاسفل والأعلى فحصن طبرية وكانت ينتابها ليؤيد نفوذ الدولة على الشاغرين من أهلها، واستسلم أهل طبرية لفباسيان وفتحوا له أبوابها لما داهم الجليل بجيشه فكان ذلك سبب أنعام الرومانيين عليهم بضروب الاحسان بعد خراب بيت المقدس.
ولئن سحق الامبراطور ادريانوس الامة الاسرائيلية وأنشأ له معبداً في طبرية لعبادة الأوثان فقط ظل نفوذ اليهود مستحكماً بعده، وإن عد اليهود طبرية بموجب شريعة اسرائيل من المدن القذرة فإن لربانيين منهم اختاروها واتخذوها بلدهم المقدسة وجعلوها محجهم الجديد وفي أواخر القرن الثاني انتقل من صفورية إلى طبرية كبار رجال التلمود عندهم ونشأ منهم ربابنة عظماء يقدسونهم ويمجدونهم ومنهم الذين جمعوا المبعثر من شريعة اسرائيل ودخلت النصرانية في القرن الرابع إلى طبرية.
فتحت طبرية على يد شرحبيل بن حسنة في سنة ٣١ هـ صلحاً على أنصاف منازلهم وكنائسهم وقيل أنه حاصرها أياماً ثم صالح أهلها عل انفسهم وأموالهم وكنائسهم إلا ما جلوا عنه وخلوه واستثنى لمسجد المسلمين موضعاً ثم نقضوا في خلافة عمر ﵁ واجتمع إليهم قوم من شواذ الروم فير أبو عبيدة إليهم عمرو بن العاصي في اربعة آلاف وفتحها على مثل صلح شرحبيل وفتح جميع الأردن على مثل هذا الصلح بغير قتال قال ياقوت: وهي بليدة مطلة على البحيرة المعروفة ببحيرة طبرية وهي في طرف جبل وجبل الطور مطل عليها وهي من أعمال الأردن في طور الغور بينها وبين دمشق ثلاثة أيام وكذلك بينها وبين بيت المقدس وبينها وبين عكا يومان هي مستطيلة على البحيرة وعرضها قليل حتى تنتهي إلى جبل صغير فعنده آخر العمارة.
ولما فتح الصليبيون بيت المقدس اقطع ملكها غود نرى دي بوليون ولاية الجليل إلى تنكر يد فجعل عاصمتها طبرية فأنشئت مدينة حديثة شمالي القديمة وهي الموجودة اليوم وفي سنة ١١٨٧ قبيل وقعة حطين كان يملك طبرية ريمون الثالث كونت طرابلس فسقطت المدينة بيد صلاح الدين إلا القلعة وكان فيها امرأته وأولاده فطلبت الأمان من صلاح الدين فأمنها وانصرفت عنها تلحق بزوجها وغدت طبرية في سنة ١٢٣٩ ملكاً لاود دي مو بيلارد بموجب معاهدة عقدت بين الملك الصالح أيوب سلطان دمشق ضد ملك مصر
стр. 3921
فاستعادها هذا بعد خمس سنين وذبح الحامية والنصارى فيما يقول الافرنج وأخذت هذه المدينة بالانحطاط حتى أن الرحالة كارسيموس لما زارها سنة ١٦٢٠ لم يرقيها أحداً من اليهود ووجد سكانها كلهم من المسلمين.
وحكم طبرية ظاهر العمر حاكم عكا وهو الذي بنى سورها المتهدم الحالي سنة ١٧٣٨ وجدده ابراهيم باشا المصري سنة ١٨٣٣ ولكن أصيبت بعد أربع سنين من هذا التاريخ بزلزال لم يبق منها ولم يذر هلك فيه سبعمائة شخص وقوضت أركان أبنيتها كافة وقل سكانها المسلمون ونزلها يهود من أطراف الأرض وهم اليوم أكثر من ثلاثة أرباع سكانها لا يقلون عن سبعة آلاف فيهم النمساوي والبولوني والروسي وغيرهم.
وأهم ما في طبرية حماماتها وبحيرتها قال علي بن أبي بكر الهروي: أما حمامات طبرية التي يقال أنها من عجائب الدنيا فليست هذه التي على باب طبرية على جانب البحيرة (المعروفة اليوم) فإن مثل هذه كثيراً ما رأينا في الدنيا وأما التي من عجائب الدنيا فهو موضع من أعمال طبرية شرقي قرية يقال لها الحسينية في واد وهي عمارة قديمة يقال أنها من عمارة سليمان بن داود وهو هيكل يخرج الماء من صدره وقد كان يخرج من اثنتي عشرة عيناً كل عين مخصوصة بمرض إذا اغتسل فيها صاحب ذلك المرض برئ بإذن الله تعالى والماء شديد الحرارة جداً صاف عذب طيب الرائحة ويقصده المرضى يستشفون به وعيون تصب في موضع كبير حر يسبح الناس فيه ومنفعته ظاهرة وما رأينا ما يشابهه إلا الشرميا.
قلنا وإن ما يشير إليه من الحمامات بأنه في واد بعيد عن طبرية وهو من عجائب الدنيا يشير فيما نحب إلى الحمة الواقعة في وادي اليرموك على طريق الخط الحديدي عند الكيلومتر ٩٣ و ٩٥ قال أبو القاسم في وصف حمة طبرية وفيها عيون ملحة حارة وقد بنيت عليها حمامات فهي لا تحتاج إلى الوقود تجري ليلا ونهاراً حارة وبقربها حمة يغتمس فيها الجرب وبها مما يلي الغور بينها وبين بيسان حمة سليمان بن داود ﵇ ويزعمون أنها نافعة من كل داء.
وهذه الحمة الأخيرة أي حمة سليمان لا تزال إلى اليوم معروفة بحمام سيدي سليمان وهي إحدى الحمامات الكائنة في جنوب طبرية على نحو كيلومترين منها ويجري الماء إلى
стр. 3922
الحمامات من أربع عيون حارة وأهمها ما بناه ابراهيم باشا وهو في الشمال ويعرف باسمه وهو عبارة عن حوض كبير تحيط به عمد قديمة من الرخام وعليه قبة عظمى وهي مثقوبة بثقوب اسطوانية يخرج منها البخار ودرجة حرارة الماء ٦٢ بالميزان المئوي وهو صاف براق في الجملة ملح الطعم مر مهوع وتنبعث منه رائحة شديدة من حامض الكبريت أو رائحة بيض فاسد، وهذه الحمات ملك الحكومة تؤجرها ممن تريد لقاء ألف ليرة في السنة وفيها مغاطس في مكان آخر قد يغير صاحب الحمام مياهها في الاحايين ولكنها كسائر أقسام الحمامات الأربعة غير صحية لان أناساً كثيرين من أرباب الأمراض المختلفة ينزلونها في وقت واحد ويخشى أن تسري جراثيم بعض الأمراض إلى جسم من كان منها سليماً فيخسر بانغماسه في هذا الماء من حيث يريد الربح ولو رتبت هذه الحمامات ترتيباً صحياً كما هو الحال في حمامات مارينباد في النمسا وبورصة في الاناضول وحلوان في مصر وأنشئت هناك كما هو رأي بعض المفكرين في عمران هذه الديار للانتفاع بخصائصها الطبيعية فنادق وحدائق وأماكن تتوفر فيها شروط الراحة ومرافق الحياة لجلبت المستحمين في هذه الحمة من اقطار الأرض كما تجلب حمامات بورصة وحلوان ومارينباد وباد.
وموسم الاستحمام بهذه الحمامات من اول كانون الثاني إلى آخر حزيران وتختلف الحرارة في الصيف في طبرية من ٢٥ إلى ٤٢ ولكن الهواء حسن في الجملة فلا يؤثر في سكانها الأصليين كثيراً بقدر تأثيره في الغرباء ولذلك صدق ما قاله فيها أبو عبد الله ابن البناء: طبرية قصبة الأردن بلد وادي كنعان موضوعة بين الجبل والبحيرة فهي ضيقة كربة في الصيف وخمة وبئة وطولها نحو من فرسخ بلا عرض وسوقها من الدرب إلى الدرب والمقابر على الجبل بها ثمان حمامات بلا وقيد حارة الماء والجامع في السوق كبير حسن فرشه مرفوع بالحصى على اساطين حجارة موصولة ويقال أن أهل طبرية شهرين يرقصون من كثرة البراغيث وشهرين يلوكون يعني البق فإنه كثير عندهم وشهرين شاقفون يعني بإيديهم العصي يطردون الزنابير عن طعومهم وحلاوتهم وشهرين عراة يعني من شدة الحر وشهرين يزمرون يعني يمصون قصب السكر وشهرين يخوضون من كثرة الوحل في أرضهم قال وأسفل طبرية جسر عظيم عليه طريق دمشق وشربهم من البحيرة وحول
стр. 3923
البحيرة كله قرى متصلة ونخيل فيها سفن كثيرة وهي كثيرة الأسماك لا تطيب لغير أهلها والجبل مطل على البلد وماؤها عذب ليس بحلو.
ويرى أطباء العصر أن مياه طبرية الحارة تنفع النساء في وظائفهن التناسلية وتشفي كل الشفاء من الأوجاع العصبية الحادة والمزمنة ومن أمراض الرثية الروماتيزم ومن ضعف المجموع العصبي ومن داء النقرس ومن البول السكري ومن المرة السوداء لابوخندريا ومن أمراض أعضاء التناسل ومن الأورام المفصلية التي هي في حال الوقوف كما قد تنفع في التهاب قصبة الرئة برونشيت المزمن وبعض أمراض الأنف والحنجرة المزمنة والأمراض الجلدية وعدم انتظام حركة سلسلة الفقار واختناق الرحم والبول الزلالي والتدرن الرئوي وغيرها.
أما بحيرة طبرية فقد قال فيها واصفوها من الافرنج أنها الحوض الثاني الذي يملؤه نهر الأردن في طريقه عند انحداره من قيسارية إلى بحيرة لوط وسطح مائها على ٣٠٨ أمتار تحت سطح البحر المتوسط وعمق البحيرة ٤٥ متراً في وسطها ولكنه يبلغ ٢٥٠ متراً في اللجج المجاورة للشاطئ الجنوبي من البحيرة اي قرب سمخ التي يركب منها إلى طبرية في قارب في البحيرة ساعة أو يركب في مركبة على اليابسة ساعة ونصفاً.
وطول البحيرة ٢١ كيلو متراً من الشمال إلى الجنوب وعرضها تسعة كيلومترات ونصف أي أن مساحتها السطحية ١٧٠ كيلومتراً مربعاً ومياهها قابلة للشرب في الفصول الأربعة وفيها كثير من السمك الجيد والجبال التي تحيط بالبحيرة في الجنوب الغربي تنفرج عنها في الشمال الغربي فيتالف منها نصف دائرة متسعة وفيها يكون سهل النويز الخصيب وعلى ثمانمائة متر من البحيرة إلى الأعالي عدة قرى وبينها مدينة صفد القديمة وفي الشمال من البحيرة سهل مموش يشعر بمصب الأردن وفوق السهل المتوج الذي يفصل بحيرة طبرية عن بحيرة الحولة أو مياه ميروم تنظر إلى قنن جبل حرمون (الشيخ) المكللة بالثلوج ويحد البحيرة من الشرق والجنوب الشرقي صخور عالية هائلة يبلغ علوها نحو ثلاثمائة متر وهي تحمل سطح الجولان وفي الجنوب ينفرج الغور ثانية فيجتازه الأردن ويتلون فيؤلف أضواجاً عديدة.
وكان اسم هذه البحيرة في القديم كنريت اشارة إلى شكلها البيضي الذي يشبه عود الطرب
стр. 3924
واسمه بالعبرانية كنور على أن هذا الشكل هو عام في جميع البحيرات التي تحيط بها الجبال ويجتازها نهر وكانت كنريت معروفة قبل العبرانيين من مدن الكنعانيين وبعد سبي بابل دعيت البحيرة بحيرة الغوير أخذاً من اسم السهل الخصيب الذي يصل إلى شواطئها من الشمال الغربي وسميت في العهد الجديد ببحيرة الجليل وببحيرة طبرية وهذا الاسم هو الذي أطلقه عليها العرب.
ولم يخل هذا البلد على حرارته من رجال في الإسلام ولدوا ونشأوا وكانت لهم يد في خدمة المسلمين مثل الامام الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير أبي القاسم الطبراني أحد الأئمة المعروفين والحفاظ المكثرين والطلاب الرحالين الجوالين والمشايخ المعمرين المصنفين المحدثين والثقات الاثبات المعدلين وغيرهم ممن يفنى الدهر والخلف يتناقل عن السلف أعمالهم.
وكان الأردن على عهد الفتح الاسلامي أحد أجناد الشام الخمسة وهي كورة واسعة منها الغور وطبرية وصور وعكا وما بين ذلك قال أحمد بن الطيب المرخسي الفيلسوف هما أردنان أردن الكبير وأردن الصغير فأما الكبير فهو نهر يصب إلى بحيرة طبرية بينه وبين طبرية لمن عبر البحيرة في زورق اثنا عشر ميلا تجتمع فيه المياه من جبال وعيون فتجري في هذا النهر فتسقي اكثر ضياع جند الاردن مما يلي ساحل الشام وطريق صور ثم تنصب تلك المياه إلى البحيرة التي عند طبرية وطبرية على طرف جبل يشرف على هذه البحيرة فهذا النهر في الأردن الكبير بينه وبين طبرية البحيرة وأنا الاردن الصغير فهو نهر يأخذ من بحيرة طبرية ويمر نحو الجنوب في وسط الغور فيسقي ضياع الغور وأكثر مستغلهم السكر ومنها يحمل إلى سائر بلاد الشرق وعليه قرى كثيرة منها بيسان وقرارا واريحا والعوجاء وغير ذلك وعلى هذا النهر قرب طبرية قنطرة عظيمة ذات طاقات كثيرة تزيد على العشرين ويجتمع هذا النهر ونهر اليرموك فيصيران نهراً واحداً فيسقي ضياع الغور وضياع البثنية ثم يمر حتى يصب في البحيرة المنتنة في طرف الغور الغربي وللأردن عدة كور منها كورة طبرية وكورة بيسان وكورة بيت رأس وكورة جدر وكورة عفورية وكورة صور وكورة عكا وغير ذلك، وقد فتح طبرية لما انتقضت عمرو بن العاص كما قلنا فتحها على مثل صلح شرحبيل وكذلك جميع مدن الأردن وحصونها ففتح
стр. 3925
بيسان وافيق وجرش وبيت رأس وقدس والجولان وعكا وصور وصفورية وغلب على سواد الأردن وجميع أرضها.
في وادي الأردن بين قرية لوبية وطبرية في سهل قرية حطين وقعت الوقعة الهائلة بين جيوش الصليبيين وجيوش المسلمين ورأسهم صلاح الدين التي قال فيها مؤرخو الصليبيين أنها كانت في الرابع من تموز سنة ١١٨٧م وكان جيش الافرنج مؤلفاً من ألفي فارس وخمسين ألف راجل اشتد بهم العطش لقلة الماء هناك وبرحت بهم تباريحه قبل الوقعة بيومين وهبت عليهم ريح شرقية وهي المعروفة بالخماسين فمن لم يسلم الروح ظلماً اسلمها للسيف وانهزم الكنت ريموند صاحب طرابلس فاستولى صلاح الدين على الاكمة وقتل من ملوكهم صاحب الكرك رنودي شاتليون الذي كان غزا الحجاز واحب فتح الحرمين فنذر صلاح الدين أن هو ظفر به أن يقتله بيده وكذلك كان واستسلمت سائر المواقع لإرادة الجيش الصلاحي.
وكان صلاح الدين قد نازل طبرية ونقب بعض ابراجها ونهب المدينة وأحرقها فلما سمع الفرنج بذلك اجتمعوا للمشورة فأجمعوا على التقدم فركبوا واشتد القتال وصبر الفريقان ورمي جاليشية المسلمين من النشاب ما كان كالجراد المنتشر والافرنج يقاتلون سائرين نحو طبرية لعلهم يردون الماء فلما علم صلاح الدين مقصدهم صدهم عنه وكان بعض المنطوعة قد ألقى في تلك الأرض ناراً وكان الحشيش كثيراً فاحترق وكانت الريح فحملت حر النار والدخان إليهم فاجتمع عليهم العطش وحر الزمان وحر النار والدخان وحر القتال فلما انهزم القمص (الكنت) سقط في أيديهم وكادوا يستسلمون ثم علموا انهم لا ينجيهم من الموت إلا الاقدام عليه فحملوا حملات متداركة كادوا يزيلون المسلمين على كثرتهم عن مواقفهم إلا أن الافرنج لا يحملون حملة فيرجعون لا وقد قتل منهم فوهنوا لذلك وهناً فارتفع من بقي منهم إلى تل بناحية حطين وأرادوا أن ينصبوا خيامهم هناك فاشتد القتال عليهم من سائر الجهات واخذ المسلمون صليبهم الأعظم الذي يسمونه صليب الصلبوت ويذكرون أن فيه قطعة من الخشب التي صلب عليها المسيح ﵇ فيما يقال فكان أخذه من أعظم المصائب إلى أن أسر المسلمون من نجا من حد السيف وفيهم الملك وأخوه والبرنس ارنلط (ارنولد) صاحب الكرك ولم يكن في الفرنج أشد منه عداوة للمسلمين وأسروا أيضاً صاحب
следующие страницы →