← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

الألعاب الرياضية الشديدة ولا يبالون فكأن الرياضيات لهم كالفطرة المستحكمة كما كانت الألعاب الأولمبية في يونان أيام عزهم ثم إنك لا تجد غنياً لا يصرف شطراً من وقته في النظر في شؤون مقاطعته وابرشيته وكثيراً ما يهلك قواه في هذا السبيل على حين تجد ابنه في استراليا أو مانيتوبا يعيش مع رعاة الغنم في تلك البلاد القاصية المنفردة وابنه الآخر من المرسلين في جنوبي إفريقية يعمل شاق الأعمال. وبينما نرى الانكليزي أكثر الأمم تحاشياً مما فيه عبودية واحرص الناس على التناغي بالحرية الشخصية والحرية المدنية كحرية الاجتماع وحرية التكلم وحرية القول نراه في نظام أسرته قد احتفظ حتى الآن بنظام الحكم المطلق فنرى الابنة تأتي زوجها بدون أن يعطيها والدها بائنة لأن العادة جرت بين الأغنياء وأرباب اليسار أن يحفظوا لبكر الأولاد العقارات ويقسموا الأشياء المنقولة بينه وبين أخيه الأصغر منه سناً وتنال الابنة حصة من ذلك ويكون في الأغلب دخلاً قليلاً تناله من واردات أبيها، حرمت من ذلك حتى لا تجيء دار زوجها بما يرفع رأسها عليه لأن الرجال يريدون أن تكون لهم السلطة التامة في بيوتهم حتى أنه إذا اتفق أن أزواجهم جاؤهن بشيء من المال يضيفونه إلى ثروتهم ويحرمونهن حتى من الوصاية على أولادهن ومن التصرف بأموالهن. عادات قديمة ورثوها فحافظوا عليها وإذ كان أبطال القرون الوسطى في أوروبا قد لطفوا من شأن المرأة لأن من عادتهم الأخذ بأيدي الضعفاء والعاثرين فإن انكلترا لم يدخل عليها هذا التلطف والزوجة مع زوجها وما يختار لا ما تختار هي، وترى الوالد والوالدة يربيان ابنهما بعيداً عنهما ولا تأخذهما شفقة في ذلك والولد إذا غاب عن والديه ينساهن وإذا مثل بين أيديهما يحترمهما. هذه بعض صفات الانكليز ومنها انبعث ارتقاؤهم المادي والمعنوي فسبحان المعز المذل القابض الباسط رافع الأمم وخافضها ومشقيها ومسعدها.

стр. 3957

الأمة تحبو نريد بالأمة هنا الأمة العربية أو الشعوب العربية وإن كان لكل قطر بل لكل كورة من أقطار بلادها وكورها حالة خاصة بها وفلسفة روحية تختلف عن جارتها وتستدعي بحثاً على حدثها ولكن ما يتعذر على التفصيل يجدر أن يذكر على الاجمال، ننظر نظرة عامة في حال العرب ليتجلى لنا أن كانوا ناهضين نحو الرقي أم هم يسرون سيراً متثاقلاً لا يعرفون الغاية ولا يهتدون إلى وجد الحق سبيلاً. إذا بدأنا بمراكش وهي أقصى حدود البلاد العربية نجدها لم تبرح على ما يبلغنا من أمرها أمة أمية كما كانت في أواخر القرون الوسطى وهي على استقلالها وقربها من أوروبا لم تتأثر بالمدينة الغربية وما فتئ أهلها يعيشون في حال التنبت يأكل كبيرهم صغيرهم ويعبث خاصتهم بعامتهم يرون السعادة كل السعادة ما هم فيه ولا تحدثهم أنفسهم أن يغيروا منه بأن يبحثوا عن سر تفاشلهم وتقاتلهم وجاهليتهم. فأهل مراكش في تقاليد مدينتهم كالذين ينتحلون الفتشية أي عبادة الأصنام في إفريقية بالنسبة لأهل الأديان السماوية الراقية ما زالوا على الفطرة الأصلية وليس عندهم من دواعي البقاء إلا ما لا غنية عنه لكل قبيل مهما انحطت درجة مجتمعه وهيهات أن تتوحد كلمة المراكشيين على تباين أقطارهم وأمصارهم ما دامت القبائل تتعادى والحكومة كل يوم في شأن وليس بين قبائل البربر في القاصية وبين أهل فاس وطنجة صلة كأنهم من عالم آخر، أما من يسوغ أن يقال عنهم بأن لهم شيئاً مما يطلق عليه اسم مدينة من باب التجوز وهم سكان الأمصار فالخاصة منهم لا يعرفون إلا بعض المسائل الدينية والتاريخية وتقف معارفهم عند هذا الحد ومن المتعذر جداً أن ترى مراكشياً قلد الغربيين في ملبسه وعيشه ومناحيه وتصور معنى المدينة الفاضلة. وهكذا إذا جئت تبحث في حال بوادي المغرب الأوسط أي الجزائر ولولا مبادئ من الافرنسية يلقنها بعض الجزائريين طوعاً أو كرهاً لما رأيتهم الاكبادية مراكش حذو القذة بالقذة، أما مدن الجزائر فسائرة نحو التطبع بطابع المدنية الغربية على تشدد السكان الأصليين واستنكافهم من الأخذ بها والتحامي من الايغال في تلقف ما يضر بكيانهم من قبول تلك المدنية التي تنتهي إذا فتحت لها السبل كلها بصيرورتهم فرنسيساً كما هي إرادة الحكومة والقوم مهما أبدوا من المتانة في مجافاة الأوضاع الافرنسية تضطرهم بقوة ولو بعد

стр. 3958

نصف قرن أن يقبلوا بكل ما تعرضه حكومتهم عليهم من الأوضاع والمنازع التي لا ترى لها ولهم سعادة بدونها، والجزائريون لا يستطيعون على تلك الحال أن يدرسوا وحكمهم استعماري حتى ولا مبادئ لغتهم لما يحول دون أمانيهم من العوائق على ما يقال، وكأنا بالجزائر إذا دام أمر المسلمين فيها في تراجع وقد أصبحت فرنسوية في كل حال من أحوالها وأنك لترى بعض أهلها يهاجرون منذ سنين ويتخلون بطبيعة الهجرة عن عروضهم وعقارهم وينزل مكانهم أناس من الفرنسيس والطليان والإسبان وغيرهم يستعمرون الأرض ويتملكون الدور والعقار ويقبضون على أزمة التجارة، وقسم من الأهلين يقلد الافرنج فيتعلم على طريقتهم ويحسن لغتهم وينسى لغته وتضعف وطنيته وجنسيته وعقيدته فهذا وأولاده من بعده يصبحون إفرنجاً صرفاً إن لم يكن في الجيل الثاني ففي الثالث والقسم الآخر من السكان وهو المهم الآن وفيه كثير من أرباب الغنى والفكر يجمعون إلا قليلاً بين الأخذ بمذاهب المدنية الحديثة مع المحافظة على تقاليدهم وأوضاعهم وهؤلاء خير طبقة يرجى منها النفع الآجل والعاجل وهناك قسم آخر يجرفهم سيل المدنية الحديثة فيقبلونها رضوا أم لم يرضوا. وإنا إذا حسبنا من تعلموا الافرنسية اليوم من الجزائريين ولم يتعلموا لغتهم مائتي ألف نسمة من أصل نحو خمسة ملايين بعد أن حكمت فرنسا هذا القطر زهاء سبعين سنة فسنرى عددهم يربو على ذلك أضعافاً بعد نصف هذه الحقبة من الزمن، إذ أن الدعوات الدينية والمدنية تكون ضئيلة في الغالب لأول أمرها ثم تقوى كالنار أصلها من شرارة ثم يمتد لهيبها ولتهم البعيد والقريب منها، ويخشى أن يكون حال الجزائر مع من يهاجرونها من أبنائها حال الجو في إنكلترا مع سكانها فقضى بقاعدة الانتخاب الطبيعي وقانون الوراثة على العاجزين والخاملين وبقي الشعب على الجملة من الأقوياء الأشداء العاملين الناهضين، نعم نحاذر أن تقذف الجزائر بالخاملين الذين سدت في وجوههم مذاهب المعاش وأن تستعيض عنهم بالعاملين من الغربيين أو من الجزائر بين أنفسهم الآخذين بمذاهب الحياة أخذ الأوروبيين. من أجل هذا ساغ لنا أن نقول أن مستقبل الجزائر إن دام على هذا المنوال مظلم محزن ومثلها تونس وإن كان الأمل بنهوض هذا القطر أقرب من بعض الوجوه لأن طرز حكومة

стр. 3959

الحماية يختلف بعض الشيء عن طرز حكومة المستعمرة لوجود حاكم من أبناء البلاد في الصورة ولأن بعض المنورين من أهلها لم يسعهم بعد طول الروية إلا التشبث إلى الرقي بأسبابه المنتجة ولو بعد زمن طويل ونعني بذلك التعلم على المناحي الأوروبية وعدم إغفال التعاليم القومية والمذهبية، وهذه البزرة على صغرها لا بد أن يأتي يوم عليها تكبر فيه دوحتها وتثمر في أرض قرطاجنة. أما إقليم برقة أو ولاية طرابلس الغرب فشأنها على اتساع رقعتها وكثرة سكانها شأن البلاد المتأخرة جداً وجمودها في الأخذ بمذاهب الحضارة جمود المغاربة المراكشيين وبلادهم حتى الحواضر منها بادية أكثر منها متحضرة وقلما تجد نهوضاً إلى التعلم الحقيقي فيهم والنبهاء منهم يرون الاكتفاء بأن يتلقوا مبادئ العلوم في مدارس الحكومة للتوظف في خدمتها أما سائر مذاهب المدنية فقد أغفلوه ولذلك يصعب أن نقول عنهم أنهم كالطفل يقوم ويقعد أو يحبو ويدب. جئنا إلى مصر ومصر معقد الآمال في مستقبل هذه الأمة لأن توسطها من الأقطار العربية ومركزها التجاري المهم الداعي إلى اختلاطها بالأمم الأخرى كثيراً وخصب تربتها وغناها وكثرة سكانها كثرة قلما يتأتى لواد كوادي النيل أن يحوي مثله نفوساً يوفر لهم مرافق العيش وانتظام حكومتها بعد الإسلام على اختلاف الدول التي حكمتها ومدنيتها القديمة ونظامها الذي عم أريافها كما عم أمصارها وتسلسل الميل في أبنائها للأخذ بمذاهب الحضارة الغربية وتأسيس أوضاعها والعناية بما يبقي عليها جنسيتها ونحلتها كل هذا مما يرجى منه أن يكون حضارة عربية غربية تأخذ إن شاء الله من الحضارتين أطايبهما على نحو ما فعلت يابان يوم عزمت أن تنشأ نشأة راقية تضاهي بها دول المنعة والمدنية الحديثة فلم تتخل عن شعائرها ولم تتناول كل ما وقعت أبصارها عليه من أسباب الحضارة الغربية فجاءت بمدنية لا شرقية ولا غربية يكاد سنا ضوئها يأخذ بالأبصار. ولقد خط الزمان لمصر خطة منظمة في الارتقاء وفيها الذين قلدوا الراقين من الغربيين بعيشهم ومناحيهم وإدلالهم بوطنيتهم وأرومتهم وعندها ما يلزم لأمة من أدوات الرقي على أتمه إلا قليلا، وإذا نشأت لبعض أبنائها رغبة في تلقف العلوم الطبيعية والصناعية كما أولعوا بالعلوم الأدبية والسياسية تصبح بعد بضع وعشرين سنة كأمة أوروبية راقية وربما

стр. 3960

فاقت الآن وهي بعلمها وارتقائها في قارة إفريقية بمنزلة ألمانيا وفرنسا في قارة أوروبا كثيراً من الشعوب المنحطة في جنوبي أوروبا. أما سورية فقد أنشأت لها مدنية خاصة إن صح أن نسميها كذلك ولكنها متلونة بتلون مصادرها مختلفة اختلاف اهويتها وعناصر سكانها فالأتراك يلقنونها لغتهم منذ استيلاء الدولة العلية عليها ولكنهم لم يوقنوا إلا بتعليم أفراد في بعض البلاد قضت عليهم مصلحتها التجارية كأهل حلب وما جاورها مثلاً بتعلمها أو غرامهم بالوظائف العلمية والعسكرية والملكية كأهل دمشق وطرابلس وبيروت أن يتلقفونها أما الذين تأثروا من أبنائها بالمدنية الغربية المنبعثة من المدارس الفرنسوية والاميركانية والانكليزية والروسية وغيرها فأوفر عدداً وإن لم تكن المدارس أقدم زمناً وأرسخ قدماً في كل الأقطار فهي في فلسطين أي في جنوبي سورية أقوى منها في شماليها وفي غربيها أكثر مما هي في شرقيها فنجد الناشئة الجديدة على المناحي الغربية في القدس ويافا وحيفا وعكا والناصرة وصور وصيدا وبيروت ولبنان وطرابلس والاسكندرونة أكثر مما تجد منهم في نابلس وصفد ودمشق وحمص وحماة وحلب واللاذقية، وكلما كثر في بلد سواد المسلمين كان البعد عن الأخذ بمدينة الغرب أكثر من غيره من المدن المحنسة بأديانها وتباين أغراض المعلمين فيها. وعندنا أن الحكومة تحسن صنعاً إذا نشطت في هذا القطر اللغة العربية أكثر من اللغة التركية أو على الأقل جعلتها مثلها ليكون لها من أبنائها أكفاء في صد تيار المدارس الأجنبية التي تعد الناس للهجرة أكثر من تحبيب بلادهم في أعينهم أما السعي في تتريك العرب في سورية وفي غيرها من الأقاليم العربية كاليمن والحجاز والعراق والجزيرة فسعي باطل ليس في خير للبلاد ولا للدولة لأن تعليمهم بغير لسانهم يطول معه زمان نهوضهم الحقيقي والأتراك ليسوا بمدنيتهم على مستوى الفرنسيس والانكليز في الرقي ومعرفة المدخل والمخرج مثلاً حتى يفيضوا من عملهم على العناصر الأخرى ولذلك كان عمل الحكومة عقيماً في نشر التركية فقط في البلاد العربية والدليل على ذلك أن الولايات التركية أحط بكثير من الولايات العربية فولايتا سورية وبيروت أرقى ولا شك من ادرنة وبورصة كما يؤكد ذلك من طافوا هذه الولايات الأربع وخبروا قراها كما خبروا مدنها أما درجة التهذيب والتعليم في سورية فأرقى من بلاد الأكراد وأرمينية وولايات آسيا الصغرى

стр. 3961

أي الأناضول ولذلك جاز لنا هنا أن ندعي أن السوريين كالطفل بدأ يحبو نحو المدنية إلا أنه لم يعين له خطة معينة حتى الآن وحالته مناط بفناء نوابه بل نواب العرب وكفاءتهم في مجلس النواب وإذا حسنوا النيابة نالت هذه البلاد حقوقها الإدارية والعلمية والعمرانية وإلا فتبقى في حالة التذبذب. أما سائر الأقطار العربية فلا يسوغ لنا أن نقول أنها أخذت تحبو ما دامت الفتن تنهك قواها وذلك مثل بعض أنحاء العراق ونجد واليمن فإن الأمن لم يكد يتقرر في نصابه في قطر من أقطارها مدة طويلة ومنذ نحو أربعين سنة لا تخلو سنة إلا وتنتشر الفتن في بقعة من بقاع اليمن وكذلك جنوبي سورية ونجد والعراق ولولا بقايا مدنية تقذفها الهند على خليج فارس فينال منها البصرة وبغداد شيء قليل أو تلك الآثار الضئيلة التي يلقيها الراحلون إلى الشرق من أهل الغرب على بعض موانئ البحر من جهة الجزيرة العربية لقلنا أن هذه لم تختلف حالتها عن بضعة قرون إلا ما كان من خلل الأمن فيها. وبعد فإن حال هؤلاء الملايين في اليمن والحجاز والبصرة وبغداد والجزيرة والشام وطرابلس الغرب يدل على أن الانتفاع من قليل منظم خير من كثير مشتت وأن أهل سويسرا وهم ليسوا سوى جزء من عشرين جزءاً من العرب المنبعثين من شواطئ بح الظلمات إلى شواطئ المحيط الهندي أكثر أثراً في المدينة من العرب اليوم وهم لا يقلون عن ستين مليوناً وما ذلك إلا لبعد أقطارهم واختلاف الأغراض في حكوماتهم فتجدها إما إلى اليقظة الغربية أو إلى الإهمال المدهش، إفراط أو تفريط وكلا هذين إن زاد قتل. أما سائر البلاد العربية كزنجبار والسودان وأواسط إفريقية فحالها تبع للأقدار وهي أقرب إلى الانصباغ بصبغة الحاكمين عليها لأن أهلها على الأغلب ليست لهم في الأصل مدنية راقية زالت ثم بدأت تعود ولأن أقاليمهم الحارة تفعل في عقولهم فتخملها كما تفعل الأقاليم الباردة في عقول الساكنين فيها فتنشطها وتبعث منهم قوة الإرادة والثبات وتطلب منهم مطالب كثيرة تضطرهم إلى تنويع أساليب العمل. وبعد فليس كمصر بين البلاد في رقيها فهي أم الأقطار العربية وسوف تعلم غيرها كما تعلمت فترسل أشعة أنوارها إلى الأقطار ولا سيما إذا نالت استقلالها الإداري وأصبحت ذات دستور يحل شؤونها ونهوض البلاد بحسب طبائع الحكومات التي تتولاها.

стр. 3962

والمدنية كتيار قوي لا تقف في وجهه سدود الحكومات، مهما ضغطت، ورابطة اللغة والدين أقوى الروابط لا تنزعها القوانين اليوم مهما جارت والأمة الآن تحبو وتوشك أن تمشي مشية الشاب القوي العضلات التام الأدوات والصفات، خصوصاً إذا تعاطفت وتعارفت أكثر مما تتعاطف الآن وتتعارف وعندنا أن الصلات الاقتصادية أي التجارية إذا قويت بين هذه البلاد أكثر مما هي الآن ورحل التاجر الراقي من العراق إلى تونس وجاء المراكشي إلى الشام ونهض اليماني نحو مصر وكثرت الصلات والمواصلات واشتركت المنافع واتحدت يتأتى أن نقول ولو بعد قرن أو قرنين (والقرن والقرنان لا يعدان شيئاً في حياة الأمم) أن هناك أمة عربية ذات كيان يذكر لا يقل عن كيان الطليان والألمان واليابان والأميركان والعصر عصر تكوين الوطنيات باللغات وإحياء ما اندثر من القوات بضم شملها بعد الشتات ولا سبيل إلى النهوض إلا بإحياء اللغة والآداب وتذكير الأبناء بما فعل الآباء وإلا فتبقى هذه الأمة الكثيرة الحصا الوافرة البقاع والأصقاع أمام المدنية الغربية أقرب إلى الاضمحلال منها إلى البقاء ومتى أزمن مرضها يتعذر برؤها، سبحان من يحيي العظام وهي رميم.

стр. 3963

العفة وتمدح العرب بها العفة خلق يعصم صاحبه عن تناول ما لا يحل: فإذا عرض له ملذوذ محرم، أو سنحت له شهوة محظورة حال هذا الخلق الكريم بينه وبين التلوث بها، وقد غلب استعمال كلمة العفة في تجنب قاذورة الزنا، ومن أكرم نفسه عن هذه القاذورة كان في منجاة من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة، ويكفي الزاني خزياً في دنياه أن يكون محتقراً في ذويه معرضاً للعاهات والأمراض الخبيثة، وأن يصبح قدوة سيئة لأهله وولده في سلوك هذا الطريق المشؤوم، وإني أعرف رجلاً ابتلي بهذه الرذيلة فكان له في كل يوم خليلة يختلف إليها، وينفق من رزق عياله عليها، وكان له زوجة وأولاد: فلم يكن أمره ليخفى عليهم مهما بالغ في التكتم، ولما بلغ أكبر أولاده من الرشد مال إلى هذا المنكر ونما في نفسه حب الفاحشة، فجعل يسافر من بلد إلى بلد في تطلب الفتيات، وتصيبهن، والإنفاق عليهن وكيف يكون موقف الأب إزاء عمل ابنه هذا؟ أتراه يقدر على كبح جماحه وإرجاعه عن غيه، وإقناعه بأن ما هو فيه يؤدي إلى قبح الأحدوثة، وضياع الشرف، وخسارة الصحة وعذاب الآخرة فإذا نصح له أبوه بمثل هذا القول ماذا يكون جواب ابنه له يا ترى؟ وفي مثل هذه القصة قال الشاعر في المثل السائر: إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً ... فلا تلم الصبيان فيه على الرقص وقديماً ما تمدح العرب بالتخلق بالعفة، والابتعاد عن التلوث بقاذورة العهر، بل تجنب كل ما يلحق بهم ريبة، أو يدعو إلى سوء ظنه، فكان أحدهم لا يزور امرأة جاره في غيبة زوجها تأثماً وتكرماً. وإذا كان جواداً مثل حاتم الطائي، وكان له جار بادي الخصاصة، احتال في إرفاد زوجته أثناء غيبته من دون أن يلم بها، أو يدخل بيتها وقد دل حاتم على خلقه هذا في قوله: وما تشتكيني جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها سيبلغها خيري ويرجع بعلها ... إليها ولم تسبل علي ستورها قوله وما (وماتشتكيني) أي لا يمكنها أن تشكوني إلى نساء الحي فتقول: إن حاتماً بخل علي، ومنع عني معروفه، في غياب زوجي، لا تقول ذلك لما أني كنت لا أقصر في فعل

стр. 3964

كل ماينعم عيشها، ويكفي حاجتها، إلا الزيارة فإني كنت أدعها مدة غياب زوجها، وقوله (سيبلغها خيري) أي يصل إليها معروفي ورفدي وأزال كذلك حتى يرجع زوجها من دون أن أدخل خدرها وتسبل علي سترها. وقال حاتم أيضاً في هذا المعنى: ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر يقول أن جاري لا يضرم ناراً لنفسه وإنما تكون ناري له ناراً فيأكل هو وعائلته مما يطبخ عليها، بل إن القدر تنزل عن النار وتقدم إليه ليتناول منها حاجته قبلي ما ضرني جارا جاوره ... أن لا يكون لبابه ستر لا أبالي أن لا تكون ستارة على باب بيت جاري، وذلك لأني عفيف العين فلا أخشى على نفسي التطلع إلى داخل البيت، والنظر إلى النساء اللائي فيه. أعشو إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي الخدر هذا البيت كأنه جواب لسؤال يوجه إلى حاتم: فيقال له أحسنت إذ لم ترسل نظراتك الخائنة من خلال الستور إلى نساء جارك ولكن كيف تصنع إذا برزت الجارة من خدرها وتمشت بين المضارب والبيوت، فقال إني إذ ذاك (أعشو) أي أغض عيني وأغمضهما فلا أعود أبصرها حتى تدخل خدرها، وتتوارى فيه، واصل (العشى) مقصور من دون همزة، أن يضعف بصر المرء فلا يعود يبصر في الليل، وإن كان يقدر على الإبصار في النهار، والوصف منه أعشى، وبه سمي الشاعر المشهور والناقة العشواء التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شيء يعترضها، وتعتسف الطرق على غير هدى، ومنه المثل فلان يخبط خبط عشواء. وقد تجوز حاتم فاستعمل العشى هنا بمعنى غض العين، أو تخزير الجفن بحيث لا يعود يبصر إلا كما يبصر الأعشى الضعيف البصر. وقد أعطانا هذا العربي الكريم في شعره درساً جليلاً في الأخلاق وفي آداب معاملة النساء يجدر بنا أن نحفظه، ونحتذي مثاله، فلا نتعرض إلى النساء الأجنبيات، ولا نسارقهن النظرات الخائنات. وقد افتخر حميد بن ثور الهلالي بما افتخر به حاتم فقال:

стр. 3965

وإني لعف عن زيارة جارتي ... وإني لمشنوء إلي اغتيالها (مشنوء) مبغض مكروه، يقول أنه يكره أن يزورها لئلا يساء به الظن فيهان، كما يكره أن يغتابها لئلا يقال أنه تنزل لمنافسة النسوان. إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زواراً ولم تنبح علي كلابها زوار على وزن غراب بمعنى كثير الزيارة ومن مادة الزيارة سمي الرجل الذي يكثر من زيارة النساء وغشيانهن ومجالستهن زير وبه سمي المهلهل أخو كليب الزير ويقال فلان زير نساء إذا كان مولعاً بمجالستهن وتصبيهن. وما أنا بالداري أحاديث بيتها ... ولا عالم من أي حوك ثيابها حوك مصدر حاك الثوب حياكة وزير النساء يعمل على تعرف أحوالهن وتسقط أخبارهن فيدري إذا جرى بينها وبين جارتها أو خادمتها وماذا رأت أو سمعت في العرس أو المأتم الذي ذهبت إليه، وقد يستخبر منها عن نسيج ثوبها، ومن أي صنف أو جنس هو، ومن أين اشترته، وعند أي خياطة خاطته كل هذه الأسئلة لأجل أن يكون له مادة للحديث يشغلها به حينما يزورها أو يصادفها، فشاعرنا العربي لم يقصر في درس طباع هؤلاء الأزيار جمع زير ومعرفة غريب حيلهم، فهو ينفي عن نفسه أن يكون فاسقاً مثلهم أو يشتغل بالنساء اشتغالهم. ومثله في ذلك عقيل بن علفة المري الذي يقول من أبيات: ولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم حضور (غياب) جمع غائب، وقوله (رجالك) أصله (رجالكن) بالنون لأن الخطاب للجارات وهن جمع، قالوا إن هذا الحذف أو الخطاب بالمفرد جائز في الشعر فقط: يقول: إنه لا يسألهن هذا السؤال ليتوصل به إلى محادثتهن، أو أنه لا يسألهن إياه إرادة الدخول عليهن، وقضاء لبانة منهن. ولست بصادر عن بيت جاري ... صدور العير غمره الورود (العير) حمار الوحش ووروده مجيئه الماء يريد الشرب وصدوره رجوعه عنه بعد شربه منه، و (غمره) بتشديد الميم من التغمير، وهو أن يرد حمار الوحش الماء فيشرب أول الشرب ثم يحس بالصائد الكامن له على الماء فيرجع نافراً غير متلبث وبه إلى الماء حاجة

стр. 3966

ونفسه تدعوه إلى العودة. فالشاعر يقول إني لا أدخل بيت جاري ابتغاء الريبة، وارده كما يرد عير الوحش منهل الماء، حتى إذا علمت بأن الجار في البيت صدرت ورجعت مسرعاً كما يفعل عير الوحش متى أحس بالصائد القانص إذ ينقلب عن المنهل مغمراً وتغميراً، وهو شديد الظمأ إليه. ولا ملق لذي الودعات سوطي ... ألاعبه وربته أريد (ذو الودعات) هو الصبي الصغير الذي يعلقون عليه الودع خشية العين ومسيس الجن، وقوله (ربته) تأنيث (رب) وضميره يرجع لذي الودعات، ويعني بربته أمه: لأنها تربيه وتملك أمره وتصلح من شأنه، حتى يبلغ كماله، والتربية مأخوذة من هذه المادة. وقد زاد الشاعر هنا معنى لم يقله زميله الشاعر السابق: فهو يقول أنه ليس بالوقح الذي يتوصل إلى مغازلة النساء ومحادثتهن بمناغاة أطفالهن وملاعبتهم، فإذا رأى طفلاً مع امرأة حسناء أو خادمة وسيمة ألقى إلى طفلها سوطه أو سبحته أو فم سيكارته يظهر من نفسه الرحمة بالأطفال وشدة العطف عليهم، والأمر ليس كذلك وإنما هو فاسق يريد صاحبة الطفل، ويبغي بها السوء. وأسلوب هذه الأبيات يعطي أن قائلها يريد التعريض بعدو منافس له: كأنه يقول أني لا أتنزل لأمثال هذه الشناعات وإنما ذاك خصمي فلان هو الذي اعتاد فعل ذلك. ومثل قوله الأخير قول الآخر: لا آخذ الصبيان ألثمهم ... والأمر قد يغزى به الأمر (يغزى) من غزا قصد، ومن غزو العدو، لأن الغازي يقصدهم في موضعهم، ومنه أيضاً (مغزى) الكلام، و (مغزى) القصة أي المعنى المقصود منها، فلثم الصبيان هنا ليس مقصوداً لذاته وإنما هو أمر قصد به أمر آخر، وهو تجميش المرأة والتفكه بحسنها وجمالها، وشكلها ودلالها. ولا أريد بالشكل هنا الهيئة والصورة وإنما هو بمعنى الغنج والدلال وشينها تفتح وتكسر، شكلت المرأة كفرحت فهي شكلة. أما التجميش فلا أبيح لنفسي التصريح بأصل اشتقاقه، وإنما أكتفي بتفسيره بالمغازلة. وخطر لي الآن أن المغازلة، ويراد بها محادثة النساء بكلام الحب، مشتقة من غزل القطن

стр. 3967

والصوف، وإنما سميت هذه المحادثة بهذا الاسم، لأن الزير يجلس إلى المرأة وهي تغزل فقد يساعدها بالغزل أو يحل الخيوط المعقدة أو يسألها عن غزلها وما تريد أن تنسج به مثلاً ويكون الزير بصنيعه هذا كأنه شاركها في الغزل، ولذلك جاء فعله (مغازلة) على بناء المشاركة، ثم يتوصل الزير بهذه المشاركة إلى أحاديث أخرى يعلمها الأزيار، ومن لطائف المتأخرين قول بعضهم: وزان بحب الزنا مغرم ... اماط رادء الحيا واطرح يقبل أولادهن الصغا ... ر ومن عشق الدن باس القدح المغربي

стр. 3968

أخبار وأفكار الجمعية الخلدونية في الشام ومصر وتونس جمعيات إسلامية كثيرة غايتها تعليم ناشئة الأمة وبث روح العلم والفضيلة في النفوس وأهما فيما نرى جمعية مآثر التربية والمقاصد الخيرية في بيروت والجمعية الخيرية في القاهرة وجمعية العروة الوثقى في الاسكندرية والجمعية الخلدونية في تونس، وأمامنا الآن الخطاب السنوي لرئيس الخلدونية ألقاه في الاجتماع السنوي لانتخاب رئيس وأحد عشر عضواً كما يقضي بذلك نظامها قال فيه أنه لا تسمو كلمة الأمة ولا يتقدم لها شأن إلا باشتراكها في السعي والعمل والقول والفكر وأنه من أجل هذا تألفت في العالم المتمدن الشركات والجمعيات الأدبية والعلمية واتحدت أفراداً أعلى شعوراً وإحساساً، فالرغبة في الحصول على هذه الغاية الشريفة سعى نخبة من فضلاء الأمة التونسية فوقفوا لتأسيس الجمعية الخلدونية العلمية التي مضى عليها الآن مدة تناهز أربعة عشر عاماً لم تزل في غضونها دائبة على القيام بوظيفتها من توسيع نطاق المعارف ونشر العلوم العصرية بين الشبيبة التونسية عامة وتلامذة الجامع الأعظم خاصة لاعتبار هذا المعهد العلمي كفرع للكلية الزيتونية. ومع قيامها بتلك الوظيفة السامية لم تزل أيضاً تبحث عن الوسائل الموصلة لاستكمال ذلك وترتب الدروس في الفنون غير المزاولة بالجامع الأعظم زيادة على التاريخ والجغرافيا والحساب والهندسة من بقية العلوم الرياضية والطبيعية التي لا يحسن الجهل بها في الأوقات الحالية. وقال: إن مادة بقاء الجمعية هي إعانة المشتركين من ذوي الغيرة والمروءة الذين قدروا المشروع حق قدره واستمروا على مساعدته بمالهم وعملهم، وعناية أعضاء لجنة إدارتها ورؤسائها الفضلاء السابقين الذين يحق للجمعية أن تفتخر بحزمهم وسعيهم في ترقية الجمعية وتصييرها من أرقى الجمعيات العلمية في شمالي إفريقية وخص من بينهم بالذكر سيدي محمد الاصرم الذي بذل جهده في هذا السبيل وأنفق وقتاً ثميناً من حياته لتحسين تراتيبها وأساليب تعليمها، ثم اهتمام السادة المدرسين الذين قاموا بما نيط بهم أحسن قيام وساعدوا الجمعية على نشر العلوم التي كانت مفقودة في تونس وترجمتها من اللغات

стр. 3969

الأجنبية إلى لغتنا العربية ونذكر في مقدمتهم سيدي البشير صفر والسيد حسن عبد الوهاب والسيد صادق التلاتلي والسيد عبد الرزاق الغطاس وغيرهم. وقال: إن أهم نتيجة لعمل اللجنة في السنة السالفة مضاعفة الإعانة المالية المخصصة للجمعية من إدارة الأوقاف وما قررته بموافقة الجلسة العامة من تغيير مدة التعليم وتصييرها عامين بعد أن كانت عاماً واحداً حرصاً على أن يكون المتخرجون من مدرسة الجمعية أكثر علماً وأوفر استعداداً لتلقي الدروس العالية أو مباشرة الخدم المعاشية ومن تنظيم نظام التعليم بما يشمل بعض فنون عصرية كالحكمة والكيمياء وحياة الحيوان والإنشاء العربي ومبادئ اللغة الفرنسوية الخ. هذا أهم ما ورد في خطاب الرئيس ولعل بعض قرائنا يودون الاطلاع على الغرض الحقيقي من تأسيس هذه الجمعية الراقية فنقول لهم نقلاً عن تقريرها سنة ١٩٥٦ وهو يصدر باللغة الافرنسية أن أول من اقترح تأسيسها المسيو ريبيليه الملحق العسكري بالمقيم العام في تونس وكان من المتبحرين في المسائل الإسلامية والواقفين على حركة النهضة المصرية فوقع في نفسه أن في مكنة شبان تونس المتعلمين في المدارس الفرنسوية أن ينشروا في القطر التونسي الأساليب الحديثة المتبعة في بعض بلاد الشرق ويصلحوا جامع الزيتونة على ما يناسب حال النهضة العلمية الحديثة فإذا صلحت حال هذا الجامع الأعظم يصبح كما كان مبعثاً للنور في العالم الإسلامي ولا سيما في شمالي إفريقية، وهكذا سعى إلى تأسيس هذه الجمعية فأنشأها زمرة من الفضلاء والمفكرين ودعوها بالخلدونية نسبة إلى ابن خلدون المؤرخ الفيلسوف الذي وضع في مقدمته أصول التعليم والإصلاح العلمي. ومن نظامها فتح دروس وإلقاء محاضرات في التاريخ والجغرافيا واللغة الافرنسية والاقتصاد السياسي وحفظ الصحة والطبيعة والكيمياء خاصة وأن تسهل على من فيهم استعداد لسلوك سبل الارتقاء في العلم وتنشط على أحداث خزائن كتب وأن تنشئ مجلة بالعربية والافرنسية تعرف العرب بالمدنية الفرنسوية والفرنسيس بالحضارة العربية. وبعد تأسيسها بمدة أعطيت مدرسة من المدارس القديمة جعلتها محلاً لصفوفها ومسامراتها ومكتبتها التي كانت تحتوي سنة ١٩٠٦ على ٦٩٠ مصنفاً بالعربية والافرنسية وقعت في ١١٥٣ مجلداً وفيها الامهات الممتعة ولا سيما ما يتعلق بتاريخ تونس وعمرانها ومدنية

стр. 3970

الإسلام. وقد لقي هذا المشروع معاكسات قوية بادئ بدء وكثرت فيه الظنون والتخرصات على نحو ما يلقى في العادة كل مشروع في الشرق ولكن عرف القوم بعد حين سلامة قصد القائمين وسكتت الألسن عن تناول الخلدونيين بسوء خصوصاً لما يرون من حماية سمو الباي والدولة المستعمرة لجمعيتهم ولأن المتخرجين في مدرستها إذا كانت بأيديهم شهادة يفضلون على غيرهم في الوظائف. والدروس والمحاضرات التي تلقى في تلك المدرسة هي الحساب والهندسة والتاريخ والجغرافيا والطبيعة والكيمياء وقد أقاموا معملاً كيماوياً في مكتبة المدرسة ليطبقوا العلم على العمل ثم أضافوا إلى هذه الدروس علم المساحة ورسم الأراضي (الطبوغرافيا) والرسم والجبر، وأهم ما تدور عليه المحاضرات تدبير الصحة العلمية والنظام القضائي في تونس وقانون العقارات وعلم الحقوق الإسلامي والفرنسوي والاقتصاد السياسي والاقتصاد الزراعي يلقيها في الغالب أعضاء الجمعية وفيهم العلماء والكاتبون والباحثون باللغة العربية وكان المستمعون قلائل جداً بادئ الرأي قلما ثبتت الجمعية ارتقوا من العشرات إلى المئة والمئتين وكانت واردات الجمعية سنة ١٩٠٦ - ٦٨٨٩ فرنكاً ونفقاتها كذلك ولا شك أنها زادت الآن بحسب حاجة العصر وارتقاء مدارك أهله، وقد انتخب لرئاسة الخلدونيين هذه السنة السيد عبد الجليل الزاوش من علماء تونس وأرباب الأفكار فيها. بلغ مجموع إيراد هذه الجمعية الخيرية في سنة ١٩١٠ - ٢٢٣٤٠ جنيهاً و ٧٦ مليماً منها ٩٩٧ ج و ٢٠٠ م اشتراكات و٧١٧٢ ج ٢٢٥ م إيجار أطيان و ٢٩١٧ ج و ٨٩١ م للاحتفال السنوي منه مبلغ ٢٢٣٧ ج و ٣٧٦ م لسنة ١٩٠٩ و ٥٢٤ج و ٦٧٢ م تبرعات و ٢٠٣ ج إيجار مباني الجمعية بيتي مزار وطنطا و٧٥ج مرتبات خيرية وجنيه ومائة مليم إيرادات متنوعة عمومية و ٦٧٧٣ج و ٥٠٠م أجور تعليم و١٣٧٨ج و ٥٦١م ثمن كتب وأدوات مبيعة و١٤٥٠ج مرتبات خيرية و ٨٢ج و٣٧٥م إيراد وقف المرحوم أحمد أفندي شاكر و٦٦٣ج ٧٨م تبرعات و ٤٥ج جائزتا المرحوم علي باشا مبارك وحضرة عبد الرحمن بك رضا ٥٥ج و٧٦٥مليماً، وبلغ إجمالي المصروفات ١٨٥٥٢ ج و ٦٤٨م وبلغ الباقي بعد نفقات سنة ١٩١٠وهي نفقات التعليم والإعانة والصدقة الخصوصية والنفقات

стр. 3971

العامة ١١٠٣٤ جنيهاً و ٣٢٨ مليماً. التعليم الدنيوي نشر المسيو كومبايري من علماء الفرنسيس مقالة في مجلة المجلات الباريزية بشأن التعليم الدنيوي (العلماني) في فرنسا وحاضره ومستقبله جاء فيها أن حكومة الجمهورية تصرف كل سنة ١٢٠ مليون فرنك على المعلمين والمعلمات عدا ما تنفقه على بناء البيوت لمعلمي المدارس ومعلماتها وأن عددهم يبلغ ٥٣٢٧٦ معلماً و ٥٩٣١٥ معلمة بحسب إحصاء سنة ١٩٠٥ يتخرجون ويتخرجن من ١٧٥ داراً للمعلمين يتقنون فيها ما يلزمهم تخريج الصبيان والبنات وكان عدد المتعلمين سنة ١٩٠٧ في مدارس الحكومة الدنيوية ٤، ٥٤٢، ٦٣١ فتى وفتاة ما عدا ٥٢٢٩٤٧ ولداً في مدارس الأمهات العامة و ٨١١٢٣١ تلميذاً في المدارس الخاصة و ٢٢٨٢١٣ في مدارس الرهبنات وهكذا زادت فرنسا مدارسها في الثلاثين سنة الأخيرة فكثرت فيها كما كثرت كنائسها في القرون الوسطى وانتشرت المدارس حتى في القرى البعيدة فكان عدد مدارس القرى أو مدارس الشعب سنة ١٨٤٣ بلغت ٣٨٠٠ مدرسة فأصبحت سنة ١٩٠٧ - ٦٨١٢٨ مدرسة. ومع ما بذل من العناية لم توفق فرنسا إلى إخراج الأمة كلها من ظلمات الأمية فكان عدد الأميين من الجنود الذين كانوا تحت السلاح سنة ١٩٠٨ - ٩٨٥٣ لا يقرأون ولا يكتبون و ٤١٧٥ يقرأون فقط على حين كان في الجند العامل سنة ١٨٧٢ - ٥٦٠٠٠ أمي وفرنسا مع كل ذلك لم تبلغ مبلغ جاراتها في قلة عدد الأميين في أبنائها، فإن في الجيش السويسري العامل وقدره ٢٨ ألفاً عشرين أمياً فقط وفي الجيش الألماني واحد في الألف يعد في الأميين والسبب في كثرة الأميين في فرنسا بالنسبة لغيرها جهل بعض الآباء وإهمال الأولاد على كثرة تشديد المعارف والبلديات على أولياء الأولاد الذين يهملون إرسال أولادهم إلى المدارس الابتدائية يتعلمون ثلاث سنين ما يخرجهم عن حد الأمية، والسبب الاجتماعي الذي يدعو في الغالب إلى تخلف الأولاد عن دخول المدارس قلة ذات أيدي آبائهم فلا يستطيعون أن يظهروا في بزة تناسب حالهم بين أترابهم ولكن الحكومة تداركت الأمر وأنشأت منذ مدة صناديق للمدارس يضع فيها المحسنون صدقاتهم ومنها ينفق على الأولاد المحاويج ما يلزمهم من كسوة وطعام مغذ في الشتاء ولكن لم تعم هذه الطريقة أقطار

стр. 3972

فرنسا كلها وبلغ عدد الصناديق المدرسية ١٧ ألف صندوق ٣٧١ ألف مديرية أو مقاطعة. وبعد أن قال أن الفقر هو من الدواعي الكبرى التي تحول بين أولاد الفلاحين والاختلاف إلى المدارس ذكر أن بعض الذكور يحتاجون أن يعملوا ليطعموا بعض أسرتهم ومن الإناث من يقمن على تربية أخواتهن وإخوتهن مدة تغيب والداتهن في الحقول وإن أولاد الفلاحين ينقطعون عن المدرسة لأنك تراهم معظم السنة يشتغلون بحش الحشيش أو الزرع أو الحصاد أو قطف الكروم. ومن أعظم ما يحول دون تعميم المدارس الدنيوية طغمة رجال الدين فإنهم حرموا في فرنسا من يختلف إلى مدارس الحكومة لأنها لا تعلم الدين وطردوا أولاداً لم يرقهم أمرهم ومنعوا تلاوة كتب لم تؤلف على هواهم فالتعليم الدنيوي لم ينجح على ما يجب بعد لضعف الوازع الأخلاقي ولأنه من الصعب أن تعلم أمة بأسرها تعاليم العقل وتطبق نفسها على نظامه وإشراب التعليم الأخلاقي الآن لفتيان صغار في عقولهم لا يتأتى لهم أن يقدروا نتائجها حق قدرها. ومن الطرق التي ارتآها بعض الأساتذة في إصلاح هذا الحال أن يعلم الكبار الذين لم يسعدهم الحظ بدخول المدرسة في صغرهم كما تفعل ألمانيا في تعليم جندها الأمي حتى يكون القرن العشرون قرن العناية بالشبان كما كان القرن التاسع عشر عصر العطف على الأطفال. ويرون أن خطط الدروس الابتدائية كثيرة المواد يختلط بها ذهن التلميذ فالأولى الإقلال منها ما أمكن وطبع صورة إجمالية في ذهن التلميذ تعده فقط لمادئ طفيفة لا يتعب بها ذهنه وتكون برزخاً له إلى الانتقال إلى تعلم الصناعات المفيدة والتعليم الثانوي فالعالي. وقد نصح الكاتب للأساتذة أن لا يدخلوا غمار السياسة ولا يسمعوا لكلام من ساءهم فصل الحكومة عن الكنيسة ويطمحون إلى أن ترفع الحكومة يدها من التعليم وتمنح المعارف استقلالاً حتى تكون للأمة مباشرة يريدون بذلك أن يجعلوا حكومة في حكومة فقال لهم ما قاله جول فري مؤسس التعليم الدنيوي لبعض الأساتذة: إياكم أن تأملوا أن يكون منكم رجال سياسة فخير لكم أن تنشئوا عشرين وطنياً صالحاً من أن تساعدوا على انتخاب نائب في مجلس الأمة.

стр. 3973

وليس معنى المدارس الدنيوية أنها ضد الأديان بل معناه أنها على الحيدة لا يحب القائمون بأمر الأمة أن يلقي المعلم في المدرسة رأياً خاصاً له أو رأياً من الآراء التي تروج في الشوارع والأزقة بل تريده على أن يترك من وكل إليه تعليمهم أن يفكروا كما يشاؤون فإذا خالف ذلك وأورد لهم مبدأ دينياً يخون وطنه وأمته فالمدارس الدنيوية ليست مدارس الحاد فإذا كانت لا يذكر فيها اسم الله فليس الغرض منها أنها تخالف الله. البعثة العلمانية أصدرت البعثة العلمانية أو الدنيوية في بيروت مجلة يكون لسان حالها باللغات الثلاث العربية والتركية والافرنسية سمتها الرابطة وكل قسم من أقسامها منفصل عن الآخر فقرأنا فيها مطالب هذه البعثة في الشرق وقد أسست لتنفيذها مدارس في القاهرة والاسكندرية وسلانيك وبيروت وغيرها من البلاد والحواضر، وهي ترجو أن تتعدد في هذه البلاد التي فرقها التعصب دهراً طويلاً المدارس العلمانية مدارس التساهل والاتحاد والسلم التي يجتمع على مقاعدها الموسوي والعيسوي والمحمدي جنباً إلى جنب فيتعلمون كيف يحب بعضهم بعضاً ويخادع بعضهم بعضاً ويتضارسون؟! وقد جاء في هذه النشرة أن البعثة العلمانية الافرنسية أنشئت لنشر التعليم اللاديني في غير فرنسا سنة ١٩٠٢ وعدد أعضائها من الفرنسيس اليوم نحو عشرة آلاف يقسمون إلى عدة فروع منهم من يدفع فرنكين في السنة ومنهم من يدفع خمسة ومنهم من يدفع عشرة ومنهم عشرين والغرض من ذلك بث التساهل لا الطعن بالأديان وتعلم الحضارة الافرنسية والحضارة الشرقية بحسب حالة البلاد وأن عملها إنساني تقصد به تحسين حالة الناشئة في الماديات والمعنويات وتكميل الإنسانية في المعقولات والاجتماعيات، وذكرت كلاماً للفيلسوف ادغار كينه (١٨٠٣ - ١٨٧٤) أحد المبشرين الأول بالتعليم العلماني قال في الجمعية العلمانية: أنها تعيش بمبدأ حب الوطنيين بعضهم بعضاً بقطع النظر عن معتقداتهم فعسى أن تكون كما قال وأكده مئات بعده من أنصار الجمهورية وأحباب الاستعمار وبث الأفكار. فلسفة أديسون خالف هذه المرة أديسون الأميركاني مخترع الكهربائية جميع الفلاسفة الإلهيين في الاعتقاد

стр. 3974

بخلود النفس فصرح ولم يجمجم باعتقاده المادي وأنكر الخلود محاولاً أن يورد حجة على دعواه في حوار له مع أحدهم فقال: ليس الإنسان إنساناً بذاته بل هو بالخلايا التي فيه فالدماغ الإنساني هو كآلة فلا سبيل لنا من ثم إلى الاعتقاد بخلود الروح كما لا سبيل إلى الاعتقاد بخلود اسطوانة من اسطوانات آلتي الفوتوغرافية على أننا لم نجد حتى الآن أحداً قال بخلود الاسطوانة فلماذا نطالب به للأدمغة أو للقوة التي فيها، لا جرم أن ذلك ناشئ من كوننا لا نعرف هذه القوة التي نعتقد بخلودها إذاً فلنحكم بأن الكهربائية خالدة أيضاً لأنها قوة نجهلها. هذا ما قاله الفيلسوف بالحرف وقد أحدثت تصريحاته اضطراباً شديداً في الولايات المتحدة وانطلقت الألسن في شرح أقواله في الأندية وقد صرح أديسون في خلال مقالاته أن خصومه يعثرون على حجج تؤيد ما ادعاه في كتاب من تأليف الدكتور طومسون اسمه الدماغ والشخصية إلا أن مصنف هذا الكتاب نفسه سئل عن رأيه في هذا الشأن فأجاب جواباً لم يكن ينتظر منه فقال: إن آراء أديسون مخالفة للعلم فالأمة التي لا تعتقد بخلود النفس يختل أمرها وقد رد بعض القسيسين على أديسون في معنى الخلود بقولهم إذا كان الإنسان كما يدعي أديسون مجموع مواد مختلفة متلاحمة من الخلايا فلا يكون أديسون مخترع الفوتوغراف بل مجموع خلايا فقط. الفقراء في ألمانيا نشأ عن كثرة الولادات وقلة الوفيات في ألمانيا أن كانت هذه الامبراطورية سنة ١٨٧٠ أربعين مليوناً فأصبحت الآن أربعة وستين مليوناً وتزيد الولادات عن الوفيات تسعمائة ألف في السنة ولذلك نرى الفقراء كثاراً فيها وكذلك الاشتراكيون لأن معامل البلاد وصناعاتها وزراعتها لا تعول سوى أربعين مليوناً فقط ولذا يتوسل الألمان بجميع مالهم من الأسباب أن يقللوا من الشقاء في المدن والقرى فما تقوم به ألمانيا في برلين مثلاً لتخفيف شقاء الفقراء إنها افتتحت أربعة أسواق لا تباع فيها اللحوم إلا من الفقراء ويحظر رجال الشرطة والصحة دخولها على غيرهم من أهل السعة، والسبب في هذا الحظر هو أن اللحوم كلها سواء كانت لحم بقر أو عجل أو خروف أو خنزير لا تخلو من شبهة ولذلك لا يسمح ببيعها من الفقراء إلا إذا جعلت في معمل كيماوي يعقمها التعقيم العلمي فيقتل منها

стр. 3975

الجراثيم الضارة، وهذه الرخصة بالسماح ببيع اللحوم الملوثة قد لا يسمح بها في البلاد الراقية ولكن الألمان بالعلم أقسموا أن ينتفعوا حتى مما يضر ولا يطرحون شيئاً مهما بلغ من تفاهته وبذلك ينتفع جماهير المحاويج بتناول اللحوم اللازمة لهم في جهاد الحياة هناك. تعلم اللغات أقرب طريقة لدرس لغة من اللغات أن يتلقفها الطالب من أفواه أبنائها أو ممن يحسنها كأحدهم ولما كان هذا متعذراً على بعض الأشخاص ممن لم يسعفهم الحظ بوجود معلم ليدرسهم اللغة التي يطلبونها في بلدهم اخترع أحد الأميركيين آلة على نسق الحاكي يستطيع أن يدرس ابن أميركا اللغة الافرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية بواسطتها مع قليل من الكتب دون أن يتكبد نفقات الأستاذ أو عناء السفر إلى تلك البلاد ليدرس لغاتها. أصل التصوير الشمسي اخترع روجر باكون سنة ١٢٩٧ م الغرفة السوداء المستعملة للتصوير الشمسي وفي سنة ١٥٥٦ لاحظة بعض الكيماويين تأثير النور في الفضة وقام بروغام بعد حين وادعى إمكان حصول التأثير في العاج الحساس وذلك بمحلول الفضة. والذي اخترع اكتشاف التصوير الشمسي في الحقيقة هما رجلان فرنسويان اسمهما نيبس وداكرونالا جائزة من حكومة فرنسا جزاء نشرهما طريقتهما وأقدم الصور الفوتوغرافية محفوظ في متحف شالون سورسون في فرنسا مسقط رأس نيبس وكان دوروتي درابر أول شخص رسم بالتصوير الشمسي وكذلك شقيقه رسم سنة ١٨٢٩، وظل التصوير الشمسي يرتقي إلى أيامنا هذه حتى أعلنوا مؤخراً اختراع طريقتين جديدتين للتصوير البارز الناتئ وأنهما نجحتا وأعلنوا خبر اختراع التصوير الملون وهكذا لا ينتهي الاكتشاف والاختراع ما دام العقل البشري يعمل ويفكر. أسباب الهجرة النبوية أيها السادة: كلمتي إليكم اليوم في أسباب الهجرة النبوية ونتائجها الأدبية تعلمون أن كل مصلح قام في العالم سواء كان من الأنبياء الكرام أو العلماء الأعلام ناله من قومه اضطهاد ولاقت دعوته في بادئ الأمر صداً وإعراضاً والكتب الإلهية والتواريخ

стр. 3976

الاجتماعية شاهد حق على ما نقول. إن أمام المصلحين وخاتم النبيين الذي نحتفل بعيد هجرته الشريفة اليوم لاقى كذلك فوق ما يلاقيه كل مصلح للهيئة الاجتماعية وعانى من أهل الحسد والبغضاء من بني عمه وغيرهم ما لم يعانيه نبي من قبل ومع هذا فقد كان منذ بعث إلى أن هاجر صابراً على الأذى لا يفتأ يدعو قومه إلى الإسلام ويعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج ويدعوهم إلى دينه وحمايته من حسد قومه ليتمكن بعد المنعة من بث الدعوة ونشر دين الهدى والحق ووضع قواعد الترقي الاجتماعي على أساس مكين. لكن الذين يريدون الحقيقة نفسها ويقبلون الحق لأنه حق قليلون في البشر لا سيما في ذلك العصر وفي قوم حالهم من الجهالة معروف لذا لم تصادف دعوته قبولاً إلا من جماعة قليلين من قريش وغيرهم إلا أنه كان فيمن اتبعه من قريش مفر من وجوههم وأهل المكانة والعقل فيهم مثل أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأشباههم من السابقين الأولين وصناديد قريش الذين أيدوا الدعوة المحمدية ورفعوا بعد ذلك شأن الأمة العربية بل شأن الشرق كله على وجه بهر أنظار العالم وقلب نظام الاجتماع في كثير من أنحاء الأرض على ما تعلمون. كان في إسلام هؤلاء ما يكفي أن يثير غيظ قريش وغضبهم وخوفهم على أوثانهم فاشتدوا في اضطهاد النبي ﷺ وأصحابه فألجأوه في نهاية الأمر للهجرة إلى المدينة مع ذلك النفر من المؤمنين. وذلك بعد أن دعا جماعة من الأوس والخزرج من سكان المدينة إلى الإسلام في أحد المواسم سنة عشر للبعثة وجاءه في السنة القابلة والتي بعدها جماعة منهم ببيعة قومهم فبايعوه بيعة العقبة الثالثة وقيل هي الثانية واستوثق له منهم عمه العباس بن عبد المطلب فأقسموا على نصرته وعاهدوه على تأييد دعوته ثم نصروه بالقول والفعل وسموا بعد ذلك أنصاراً ونعم هذا الاسم وحبذا الفخر بنصرة الحق والحقيقة والعدل. أمر بعد ذلك أصحابه بالهجرة إلى المدينة فأخذوا يهاجرون ارسالا إلى جماعات مستخفين إلا بطل قريش وأشجع شجعانهم المهاجر بدعوة الحق رغماً عن أنوف المكابرين فخر الأمة الإسلامية بل فخر التاريخ عامة عمر بن الخطاب فإنه أعلن هجرته وخرج مهاجراً على

стр. 3977

ملاء جبابرة قريش فلم يسعهم منعه أو الوصول إليه بسوء. اتصل بعد ذلك بالنبي خبر تآمر قريش على قتله فاتفق مع صاحبه أبي بكر على الخروج في نفس تلك الليلة التي عينوها لقتله وترك على فراشه علياً ابن عمه وخرج والقوم يرصدونه فزاغت أبصارهم عنه وأنقذه الله منهم رحمة بالإنسانية وإنقاذاً لكثير من الأمم من ظلمات الشرور. وكان خروجه ﵇ في مثل هذا اليوم المبارك ومن جميل المصادفات أنه كان يوم الاثنين كيومنا هذا الذي نحتفل فيه وذلك سنة ثلاث عشرة للبعثة فسلمه الله وصاحبه من كيدهم وبلغ مأمنه بسلام في قصة طويلة معروفة في التاريخ. هذه أسباب الهجرة فما هي نتائجها الأدبية؟ عجيب أيها السادة أمر هذا الإنسان القوي الضعيف بينما يتطال أحياناً إلى أن يتناول بمداركه كل ما تحت السماء ينحط حيناً حيناً آخر إلى حضيض الغبراء، فمحمد ﷺ إنما كان يريد حياة هؤلاء القوم ولكنهم كانوا يريدون قتله فما هذا التباين العظيم وكيف بلغت بهم قوة التمييز من الضعف هذا الحد؟ أريد حياته ويريد قتلي ... ولو علم الحقيقة ما أرادا نعم جهلوا حقيقة النبي لا لنقص في ذكائهم الفطري واستعدادهم لقبول الفضيلة لأن ما ظهر منهم بعد بضع سنين من ذلك التاريخ يؤيد أنهم كانوا أذكى الشعوب وأعظمها قابلية للخير والفضيلة لكن الانصراف لعبادة الأوثان يدعو من طبعه للانصراف عن التفكر في خالق الوجود ويوجد الكمال في الطبيعة فيقف بالفكر عند حد محدود من التصور ويصده عن درك كثير من الحقائق عند عرضها عليه أو مفاجأته بما لم يألفه منها وهكذا كان شأن قريش والعرب عامة مع النبي ﷺ في بادئ الأمر. ولقد تحقق بعد لقريش وللعرب والناس كافة أن سلامة النبي من غائلة قريش في ذلك اليوم واستقرار الدعوة في مدينة يثرب هو مبدأ سعادة قريش أنفسها وسعادة مئات الملايين من البشر ونهاية القضاء في قسم عظيم من الأرض على عبادة الأوثان وعلى سلطة أفراد من سدنة الهياكل وكهنتها، سلطة لا حد لها لا على النفوس فقط بل على الضمائر والعقول أيضاً، أقول على الضمائر والعقول لأن احتكار العلم الذي يراد به احتكار السيادة الدينية ما

стр. 3978

عرف إلا بين جدران الهياكل حيث كانت تقيم طائفة من الناس تزعم أنها وارثة ايزيس واوزيريس وبعل وجوبيتر واللات والعزى وما لا يعد من الآلهة تسحر هذه الطائفة بما احتكرته من العلم عقول الشعب فتقوده حيث تشاء ولا تعطيه منه إلا بمقدار ما يستطيع مئات الألوف من البشر أن يبنوا هيكلاً للشمس أو قبراً لابن الشمس مكرهين مسخرين. إن أطلال تلك الهياكل الفخمة وبقايا تلك القبور الهائلة الماثلة إلى اليوم تدل على أن ذلك النور الضئيل الذي كان ينبعث من وراء جدران الهياكل إنما كان من أجل الهياكل لا من أجل الشعب ولا أبالغ إن قلت أن بعض المدنيات القديمة للأمم البائدة احر بها أن تسمى مدنيات الهياكل بفضل أولئك السدنة الذين كانوا يحجبون عن العقول نور العلم الصحيح ونور الحقيقة الإلهية استعباداً للنفوس والأرواح وقد أخبرتنا الكتب المقدسة وأخبرنا التاريخ من أحاديث أولئك الطائفة من الناس بما يغني عن طول الشرح. هذا هو السر في أن قريشاً وهي سدنة البيت العتيق اهتزت أعصابها واستشعرت الخطر على سيادتها الدينية لأول دعاء دعا به النبي وهو التوحيد أي قول لا إله إلا الله ولا عبودية لأحد سواه فأظهروا له العداوة والبغضاء وما زالوا به حتى ألجأوه وأتباعه إلى الهجرة عنهم ولو علموا أن هذه الدعوة مخبوء لهم تحتها فوق ما يزعمون من السيادة الوهمية وهي سيادة العلم والمدنية والسلطان العظيم في الأرض بما سيكون إليهم من ميراث الأمم لما فعلوا معه ما فعلوه ولكن أكثر الناس أعداء ما جهلوه. ومهما كان الحال فقد كانت هجرته الشريفة خيراً لقريش وللعرب والانسانية جمعاء إذ تمكن بعد امتناعه بالأنصار من جمع كلمة العرب ووضع قواعد شريعته الغراء التي قيدت قيود عبودية البشر للبشر وفسحت للعقل مجال النظر في الكائنات فجعلت العلم مشاعاً بين بني الإنسان من الطبقات فندبت عامة الناس إلى تعلم العلم وتعلم اللغات والاستفادة من قواميس الكون وأسرار الطبيعة وجعلت قاعدة التفاضل بين المسلمين التقوى والعلم فلا يفضل عالم جاهلاً إلا بعمله، ولا يفضل تقي شقياً إلا بعمله. فكان من هذا نذير عظيم بالتبدل العتيد لشكل المدنية القديمة والعلم الناقص انتفض له جسم الإنسانية الهامد تحت ضغط الخرافات الوثنية التي شيبت به علوم الأقدمين ونشطت النفوس إلى تناول حقها الطبيعي من هذا الوجود بما قرره الإسلام من مبادئ الاشتراكية

стр. 3979

العامة الصحيحة التي مبناها أن العقل رأس مال كل فرد فمن حق كل فرد أن يتناول من العلم ما استطاع ليتساوى مع أخيه في الاشتراك بمرافق الحياة. وهذا هو السر في أن المدنية العربية كانت أرقى مدنية سبقتها وأن العرب فعلوا في قرنين ما لم يفعله غيرهم في قرون وكانوا أسرع الأمم سيراً في سبيل المدنية وتبسطا في الحضارة فما لبثوا بفضل الإسلام جيلاً وبعض جيل آخر حتى نشروا سيادتهم ودينهم ولغتهم في أحسن أجزاء المعمور ولما توطدت لهم دعائم على عهد الدولتين دولة الخلفاء الراشدين ودولة الأمويين وقبضوا على زمام السيادة السياسية في معظم الممالك القديمة صرفوا عنايتهم للأخذ بأزمة السيادة العلمية فلم يكفهم ما كتبوه واشتغلوا به من علوم الشريعة والأدب واللغة والتاريخ وسائر فنون العربية بل اهتموا بترجمة كتب اليونان في الفلسفة والفلك والهندسة والكيمياء والطبيعة وغيرها فكان اهتمام عامتهم بنقل هذه العلوم إلى اللغة العربية كاهتمام خاصتهم وخلفائهم ووزرائهم فكما كان الخليفة المأمون يعطي حنين بن اسحق المترجم عن كل كتاب ينقله إلى العربية زنته ذهباً مثلاً بمثل ما كان بنو موسى بن شاكر المهندسون وهم من عامة الشعب يعطونه كل شهر خمسمائة دينار من أجل الترجمة هذا فضلاً عما كانوا ينفقونه من الأموال على الكتب التي كانوا ينفذون في طلبها من بلاد الروم والأصقاع البعيدة بالثمن الباهظ. وكما كان كذلك محمد بن عبد الملك الزيات الوزير ينفق على المترجمين من ماله الخاص نحو ألفي دينار في الشهر وكثيرون غير هؤلاء من الخلفاء والوزراء والعلماء من كانوا ينفقون على استحضار كتب العلم وترجمتها. لم يقف بهم الأمر عند هذا الحد من تعلم العلم وتعليمه ونشره عملاً بأوامر صاحب الهجرة وواضع أساس المدنية الصحيحة ﵊ بل عمدوا إلى تأسيس المدارس فأنشأ العباسيون أول كلية جامعة في بغداد على عهد الرشيد والمأمون سميت دار الحكمة وكانت تدرس فيها سائر العلوم الحكمية كالفلسفة والطب والكيمياء والهندسة والفلك وغيره ثم المدرسة النظامية ثم المستنصرية في بغداد أيضاً وحذا حذوهم في ذلك الأمويون في الأندلس والفاطميون في مصر حتى وصلوا سلسلة المدنية المنقطعة من عهد سقوط دولة الرومان بحلقة من المدنية العربية كان لها الفضل العظيم على العالم المتمدن لهذا العهد

стр. 3980

لأنها كانت الصلة المتممة لترقي الإنسان وترقي المدنية بما مهدته لعلماء أوروبا من سبل المدنية الحديثة. عجيب أمر هذه الأمة أيها السادة ولقد يكاد يظن القارئ لإخبارها أن رقيها السريع من الخوارق وما هو كذلك بل هو نتيجة الإفراج عن العلم وإخراجه من بين أسوار الهياكل وجعله مشاعاً مشتركاً بين الناس يتناول عقل كل فرد نصيبه منه وحقه أن يتناول ذلك ما دام العلم ثمرة من ثمرات العقل. عرف المسلمون في إبان مجدهم ومدنيتهم هذه القاعدة وحرصوا على مبدأ الاشتراكية العامة فلكي لا يكون العلم محتكراً لطائفة أو قاصراً على فريق دون فريق تغالوا في إنشاء المدارس المتنوعة بتنوع المشارب والعلوم تغالياً لم تجارهم في أمة من قبل فجعلوا مدارس لتلقي علم الحديث سموها دور الحديث ومدارس لفروع الشريعة على عدد المذاهب فمدارس الشافعية غير مدارس الحنفية ومدارس المالكية غير مدارس الحنابلة ثم مدارس الحكمة التي يدرس فيها الطب والفلسفة والرياضيات والفلك وغيره من العلوم الحكمية وكانت أكثر هذه المدارس داخلية ذات غرف يأوي إليها الطلبة ولم يكن التعليم فيها مجاناً فقط بل كان للطلبة فوق ذلك جرايات ومرتبات تغنيهم عن العمل لغير العلم. ومن أدلة تغالي هذه الأمة في إنشاء أمثال هذه المدارس كتاب خطي موجود في مكتبتي اليوم في نحو ألف صفحة وهو خاص بمدارس دمشق وحدها من القرن الخامس إلى التاسع وفيه تاريخ مائتي مدرسة أو تزيد على ذلك منها ثلاث مدارس طبية أنشئت في عصر واحد في مدينة واحدة من المدن الكبرى الإسلامية كحلب والموصل وبغداد وسمرقند والقاهرة وتونس ومراكش وطليطلة وإشبيلية وغرناطة وغيرها من المدن الشهيرة التي كانت تفيض أنوار العلم والمدنية على الشرق والغرب. أما تأثير هذه المدارس وعلوم العرب وآدابهم التي كانت تدرس فيها في أهل الغرب وعلوم المدنية الحديثة فمما لا يتسع لذكره هذا المقام ويكفي فيه شهادة علماء الافرنج أنفسهم فإذا سمحتم لي أتلو عليكم شيئاً من شهادة عالم محقق كبير من علماء أوروبا فيما للعرب من الفضل على المدنية وهو العلامة سديو صاحب تاريخ العرب. قال هذا النصف المحقق في مقدمة كتابه المذكور بعد أن أثنى على أخلاق نبينا وعمله

стр. 3981

الجليل في جمع كلمة العرب: وأما تواريخ الخلفاء الراشدين وكذا الأموية في دمشق وقرطبة والعباسية في بغداد والفاطمية في مصر ووصف تمزيق الممالك الإسلامية التي أغار عليها المغول فدونها الافرنج تدويناً حسناً وأضفنا إليها ما تركوه من أصولها وهو وصف المدنية العربية التي تمكنت أصولها في آفاق الدنيا القديمة أقوى تمكن ولا نزال إلى الآن نرى آثاره حين نبحث عن مستمد مبادئ ما نحن عليه من المعارف الأوروبية فإن العرب في غاية القرن الثامن من الميلاد تركوا صفاتهم الحربية وشغفوا بنيل المعارف حتى أخذت عما قليل مدائن قرطبة وطليطلة والقاهرة وفاس ومراكش والرقة وأصفهان وسمرقند تفاخر بغداد في حيازة العلوم والمعارف وقرئ ما ترجم إلى العربية من كتب اليونان في المدارس الإسلامية وبذل العرب همتهم في الاشتغال بجميع ما ابتكرته الافهام البشرية من العلوم والفنون، وشهروا في غالب البلاد خصوصاً البلاد النصرانية من أوروبا ابتكارات تدل على أنهم أئمتنا في المعارف. ولنا شاهداً صدق على علو شأنهم الذي يجهله الافرنج من أزمان مديدة الأول ما أثر عنهم من تواريخ القرون المتوسطة وأخبار الرحل والأسفار والقواميس ما اشتهر من الأمكنة والرجال والمجاميع الشاملة لكثير من الفنون الفاخرة، والثاني ما كان لديهم من الصناعات الفائقة والمباني الفاخرة والاستكشافات المهمة في الفنون وما أوسعوا دائرته من علوم الطب والتاريخ الطبيعي والكيمياء الصحيحة والفلاحة والعلوم الصحية التي مارسوها بغاية النشاط من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر من الميلاد أي من القرن الثالث إلى القرن العاشر الهجري. إلى أن قال بعد تخطئة بعض علماء الافرنج الذين قالوا أن الهنود والصينيين أعلم من العرب: وأما المدرسة البغدادية المدونة للعلوم التمدنية في الفترة التي بين عصر يونان الاسكندرية والأعصر الأخيرة فكانت مساعدة على استيقاظ أهل أوروبا من رقدة الجهالة ونشر أنوار المعارف في جميع ممالك آسيا. وبعد أن ذكر كيفية انتقال العلوم من العرب أو بواسطتهم إلى ممالك آسيا، الصين، والهند، والتركستان وغيرها قال:

стр. 3982

ثم اطلع أهل الغرب من أوروبا على أسرار تلك العلوم فأخذوا يشتغلون بها حتى جددوا في البلاد الافرنجية المدنية واللغة العربية وفنونها الأدبية التي أخذت كل يوم في زيادة الانتشار بين الافرنج وما زلنا إلى الآن نستكشف أموراً مهمة (يريد من القضايا العلمية) من الكتب العربية القديمة وأن عزي ابتكارها زوراً إلى بعض المتأخرين من الإفرنج. هذه شهادة عالم أجنبي عن أوطاننا ولغتنا وديننا تشعر أن المدنية العربية وآدابها عمت منافعها الشرق والغرب وأن العرب كانوا أساتذة العالم بلا نزاع وبالتالي كان لهم الفضل على العالم أجمع وقد شهد كثير من علماء أوروبا ومحققيها مثل هذه الشهادة كالعالم دساسي والعالم دربي والعالم كوستاف ليون وغيرهم ولمن كان الفضل في هذا كله؟ كان لصاحب الشريعة الإسلامية الذي نحتفل بعيد هجرته اليوم ولأمته النجيبة التي خدمت العلم والمدنية والإنسانية جمعاء خدمة لا ينكرها إلا العوام الجاهلون الذين في قلوبهم مرض وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون. فسلام على يثرب وسلام على ساكنها العظيم وسلام على أمته النجيبة وعليكم أجمعين. رأس السنة الهجرية هل الهلال فحيوا طالع العيد ... حيوا البشير بتحقيق المواعيد يا حرف شك ستلقانا على ثقة ... وقد عقدنا المنى في نون توكيد كأن حسنك هذا وهو رائعنا ... حسن لبكر من الأقمار مولود لله في الخلق آيات وأعجبها ... تجديد روعتها في كل تجديد * * * فتيان مصر وما ادعو بدعوتكم ... سوى مجيبين أحرار مناجيد سوى الأهلة من علم ومن أدب ... مؤملين لفضل غير مجحود المستسر شعار المقتدين به ... العاملين بمغزى منه مقصود في العين رمز لميقات يحد به ... وفي النهى رمز جد غير محدود ما زال من مبدأ الدنيا ينبئنا ... أن التمام بمسعاة ومجهود فإن تسيروا إلى الغايات سيرته ... إلى الكمال فقد فزتم بمنشود * * *

стр. 3983

اليوم عيد به معنى السرور لكم ... ولم يكن بدؤه يوماً لتعييد رسالة الله لا تنهى بلا نصب ... يشقى الأمين وتغريب وتنكيد رسالة الله لو حلت على جبل ... لاندك منها وأضحى بطن أخدود ولو تحملها بحر لشب لظى ... وجف وانهال فيه كل جلمود فليس بدعاً إذا ناء الصفي بها ... وبات في ألم منها وتسهيد ينوي الترحل عن أهل وعن وطن ... جاراً عليه بقلب منه مكمود يكاد يمكث لولا أن تداركه ... أمر الإله لأمر منه موعود * * * فإذا غلا القوم في إيذائه خطلا ... وشردوا تابعيه كل تشريد دعا الموالين إزماعاً لهجرته ... فلم يجبه سوى الرهط الصناديد مضى هو البدء والصديق يصحبه ... يغامر الحزن في قفراء صيخود مولياً وجهه شطر المدينة في ... ليل أغر على الأدهار مشهود حتى إذا اتخذ الغار الأمين حمى ... ونام بين صفاء نوم مجهود حنا عليه فما مثواه منه سوى ... مثوى الجنين من البكرية الرود ياللعقيدة والصديق في سهر ... تؤذيه أفعى ويبكي غير منجود إن العقيدة إن صحت ولزلزها ... مفني القرى فهي حصن غير مهدود أما الذين بقوا من صحبه فتلوا ... سارين في كل مسرى غير مرصود ماجند قيصرا وكسرى إذا افتخروا ... كهؤلاء الأعزاء المطاريد كأنهم في الدجى والنجم شاهدهم ... فرسان رؤيا لشأن غير معهود في حيطة الله ما شعت اسنتهم ... فوق الظلال على المهرية القود * * * عانى محمد ما عانى بهجرته ... لمأرب في سبيل الله محمود وكم غزاة وكم حرب تجشمها ... حتى يعود بتمكين وتأييد كذا الحياة جهاد والجهاد على ... قدر الحياة ومن فادى بها فودي أدنى الكفاح كفاح المرء عن سفه ... للاحتفاظ بعمر رهن تحديد

стр. 3984

وضل زاعم سوء لا اضطلاع له ... فالمجد إذ قال من يخلق فقد عودي ليغنم العيش طلقاً كل مقتحم ... وليبغ في الأرض شقا كل رعديد ومن عدا الأجل المحتوم مطلبه ... عدا الفناء بذكر غير ملحود * * * لقد علمتم وما مثلي ينبئكم ... لكن صوتي فيكم صوت ترديد ما أنتجت هجرة الهادي لأمته ... من صالحات أعدتها لتخليد وسودتها على الدنيا بأجمعها ... طوال ما خلقت فيها بتسويد بدا وللشرك أشياع توطده ... في كل مسرح باد كل توطيد والجاهليون لا يرضون خالقهم ... إلا كعبد لهم في شكل معبود مؤلهون عليهم من صنائعهم ... بعض المعادن أو بعض الجلاميد مستكبرون أباة الضيم غر حجى ... ثقال بطش لدان كالأماليد لا ينزل الرأي منهم في تمزقهم ... إلا منازل تشتيت وتبديد ولا يضم دعاءً من اوابدهم ... إلا كما صيح في عقر ابابيد ولا يطيقون حكماً غير ما عقدوا ... للذي لواء على الأهواء معقود بأي حلم مبيد الجهل مرهقه ... وأي عزم مذل القادة الصيد أعاد ذاك الفتى الأمي أمته ... شملاً جميعاً من الغر الأماجيد لتلك تالية الفرقان في عجب ... بل آية الحق إذ يبغي بتأكيد صعبان راضهما توحيد معشرهم ... وأخذهم بعد إشراك بتوحيد وزاد في الأرض تمهيداً لدعوته ... بعهده للمسيحيين واليهود وبدئه الحكم بالشورى يتم به ... ماشاءه الله عن عدل وعن جود هذا هو الحق والإجماع أيده ... فمن بفنده أولى بتفنيد أي مسلمي مصر دين الجد دينكم ... وبئس ما قيل شعب غير مجدود طال التقاعس والأعوام عاجلة ... والعام ليس إذا ولى بمردود هبوا إلى عمل يجدي البلاد فما ... يفيدها قائل يا أمتي سودي سعياً وحزماً فود العدل ودكم ... وإن رأى العدل قوم غير مودود

стр. 3985

لا تتعبوا لا تملوا إن ظمأتم ... إلى غدير من الأقوام مورود تعلموا كل علم وانبغوا وخذوا ... بكل خلق نبيه أخذ تشديد فكوا العقول من التصفيد تنطلقوا ... وما تبالون اقداماً بتصفيد مصر الفؤاد فإن تبغوا سلامتها ... فالشرق ليث وقد صحت بمفؤد الشرق نصف من الدنيا بلا عمل ... سوى المتاع بما يضني وما يودي الغرب يرقى وما بالشرق من همم ... سوى التفات إلى الماضي وتعديد تشكو الحضارة من جسم أشل به ... شطر بعد وشطر غير معدود * * * أبناء مصر عليكم واجب جلل ... لبعث مجد قديم العهد مفقود فليرجع الشرق مرفوع المقام بكم ... ولتزه مصر بكم مرفوعة الجيد ما أجمل الدهر إذ يأتي وأربعنا ... حقيقة الفعل والذكرى بتمجيد والشرق والغرب معوانان قد خلصوا ... من حاسد كائد كيداً لمحسود صنوان بران في علم وفي عمل ... حران من كل تقييد وتعبيد لا فعل يخطئ فيه الخير بعضهما ... إلا تداركه الثاني بتسديد ولا خصومة إلا في استباقهما ... لما يعم بنفع كل موجود * * * هذي الثمار التي يرجو الأنام لها ... من روضكم كل نام ناضر العود لمصر والشرق بل للخافقين معاً ... دع زعم كل عدو الحق مريد جوزوا على بركات الله عامكم ... فقد تبدل منحوس بمسعود رجاؤكم أبداً ملء النفوس فما ... ينفى بحسنى ولا يوهى بتهديد بدا الفلاح وفي هذا الهلال لكم ... بشرى التمام لوقت غير ممدود غداً نرى البدر في طرس السماء محا ... بخاتم النور زلات الدجى السود الصيد في انكلترا لا يخفى ما في الصيد من المنافع الاقتصادية فإن بعض الأقطار تتوقف حياتها على الإكثار منه فإن في إنكلترا مثلاً ٤٥٦ سرب كلاب وتكلف النفقة على كل واحد منها ٢٥ ألف

стр. 3986

فرنك في السنة وبقدر ما يصطادون من المرات في الأسبوع، فإذا صادوا أربع مرات في الأسبوع مثلاً يكلف في السنة مئة ألف فرنك كل سرب من الكلاب ومجموع ما تنفقه إنكلترا على كلابها ١٨، ٢٥٠، ٠٠٠ فرنك ويلزمها مائتا ألف حصان للصيد وثمن كل واحد منها تعدل قيمته بألف وخمسمائة فرنك فمجموع قيمتها إذاً اثنا عشر مليون فرنك وتكلف نفقة كل حصان في السنة ألف فرنك أي ثمانية ملايين فرنك من حيث المجموع ويقدرون ما يأتي من أرباح الصيد في إنكلترا للتجار وأرباب المزارع وغيرها بخمسين مليون فرنك يستفيد منها الفلاحون وتجار الخيل والسياس والسروجيون والخياطون وسكك الحديد والحوذيون وأرباب الفنادق والقصابون والحراس وغيرهم وإذا بطل الصيد يفقد هؤلاء ملايين من الفرنكات ينتفعون بها لقوام حياتهم. طلبة السوريين بلغ عدد طلاب سورية الذين يتلقون العلوم المختلفة في مدارس أوروبا ولا سيما في فرنسا خمسين طالباً أكثرهم من دمشق وبيروت. تبدل الاهوية لا يزال الشيوخ في بلاد الشام يذكرون أن الأمطار والثلوج كانت تتصل سلسلتها منذ خمسين عاماً أياماً وليالي تمنع الناس عن الخروج في الأسواق في المدن والفلاحين عن تعهد حقولهم وحدائقهم في القرى مدة طويلة وقد بطل ذلك اليوم فتبدلت تلك الثلوج والأمطار الغزيرة ببرد وجليد يدوم أسابيع فيهلك الزرع والضرع كما حدث في الشهر الماضي فدام الجليد المضني زهاء شهر ونزلت درجة الحرارة إلى سبعة تحت الصفر في المحال المعتدلة كدمشق مثلاً وذلك بالميزان المئوي وهلك نحو ثلث الماشية في بعض أنحاء سورية لقلة المراعي وتضررت المزروعات الشتوية والأشجار المثمرة بالجليد المتصل وقلة الأمطار المنعشة وإذا دام الحال في احتطاب الغابات على هذا المنوال تصبح سورية جرداء مرداء على ما ورد في مبحث غابات سورية من هذا الجزء، وهناك الضرر العظيم في قلة المياه في الصيف فتجف الجداول والأنهار وتصبح أكثر الأصقاع المخصبة قاحلة كل هذا والحكام غافلون أو متغافلون والسكان جاهلون أو متجاهلون. شجرة الماء

стр. 3987

بحث بعض العلماء في أميركا هذه الآونة في شجرة الماء التي يكثر وجودها في الأصقاع القطبية من أميركا وذكرها كثير من أرباب الرحلات في سياحتهم وهي شجر كالصبار يحتوي جذعه كمية مهمة من الماء الذي يشرب وأشهر هذه الأشجار شجرة البيزناكا وفيها عصير مائي بكثرة ويستخرج الماء منها بأداة حادة من مدية أو فأس تقطع بها رأس الشجرة وإذا لم يجد السائح أداة قاطعة بكسر الأشواك منها ثم يحطم رأسها بحجر كبير وبهذا ترفع طبقة غلظها من ١٥ إلى ٢٠ سنتمتراً فينزع لباً مغشى في ثقب يحوي نحو عشرة لترات من الماء فيسحقون اللب باليدين فيخرج منه سائل لذيذ يروي الظمأ وهو أرق من الهواء، وفي كل صبارة لتراً إلى ثلاثة لترات من الماء ويتخذ هنود أميركا من هذا الشجر ما يروون به ظمأهم بعض أشهر السنة ويفضلون ماءها على كل ماء ويستعملونه لطبخ البط وغيره من الطيور التي يصيدونها في تنقلاتهم، ومن هذا الشجر نوع اسمه ساكوارو له مثل خاصية الشجر المتقدم ذكره ولكن يمازج ماءه شيء من المواد المرة، قالت المجلة التي ننقل عنها وقد دلت التجارب أن السياح لو كان معهم إنبيق أو آلة للتقطير لما صادفوا في سبيلهم صعوبة في اختيار الماء الجيد وقد صنع أحدهم آلة تحمل مع السائح تفي بهذا الغرض فيقطر بها في الحال من ثلاثين إلى أربعين لتراً من الماء المقطر السالم من مضار الماء الملوث في مثل هذه الواحات. هجرة الأوروبيين الظاهر أن قد اكتفت الولايات المتحدة الأميركية بمن نزلها من الأوربيين مهاجرين إليها منذ قرن إذ قد خف معدل قاصديها من أهم الممالك الأوربية، فقد كان عدد من هاجر إليها من النمسا والمجر سنة ١٩٠٧ - ٣٠٠ ألف فأصبح سنة ١٩٠٩ - ١٧٠ألفاً وكان عدد المهاجرين من إيطاليا ٢٨٥ ألفاً تلك السنة فنزل إلى ١٨٣ ألفاً وكان المهاجرون الروسيون ٢٥٨ألفاً فتناقص إلى ١٣٠ألفاً والانكليز من ٥٦ ألفاً إلى ٣٢ والفرنسيس من ٩٧٠٠ إلى ٦٧٠٠ وسكان جنوبي أوروبا يقصدون في الغالب الجمهورية الفضية في جنوبي أميركا ففي تلك الجمهورية نصف مليون من الاسبانيول وثمانمائة ألف من الطليان في حين أن سكانها لا يتجاوزون السبعة ملايين منهم خمسة ملايين من الأهالي الأصليين. مدرسة الفنادق

стр. 3988

عزمت باريزان تنشئ لها مدرسة لتعليم أرباب الفنادق وليست باريز هي التي ابتكرت هذا الفكر بل سبقتها إليه سويسرا وألمانيا وإيطاليا يعلمونهم كيف يرفهون السائحين والنازلين ويستجمعون صفات الراحة والهناء وفيها تلقى دروس نظرية وعملية يفهمها كل سامع فيتعلم فيها الطلبة علم سرعة الاستملاء والحساب والجغرافيا الوصيفية وبعد دراسة ثمانية أشهر يطبقون ما تعلمونه بالنظر على العمل تحت نظارة العارفين والفاضلين. البساط المدفئ اخترعوا بساطاً من نسيج أسلاك الحديد أشبه بشعرية معدنية ذات حلق مسردة يمد على أرض الغرفة التي يراد تدفئة أرجل الجلوس فيها خصوصاً الزوار الذين يدخلون مخدع الضيوف وأرجلهم ترتجف من البرد، وهذا البساط يمس المجرى الكهربائي بوساطة آلات التنوير أو الجرس الكهربائي، وهذه الآلة مغشاة بنسيج ملطف يمنع المعدن مما يضربه، ونفقة هذا البساط في الساعة لا تتجاوز الخمسة سنتيمات، وهكذا لم يكتف أهل الغرب بما لديهم من أدوات الدفء من المواقد المنوعة ومنها بالكهرباء وأخرى بالغاز وبعضها بالبترول وأخرى بالفحم الحجري أو بالحطب بل رأوا أن تدفأ الأرجل أيضاً في الحال وما ندري ماذا يهديهم إليه البحث بعد ذلك للرفاهية والراحة. المعارف في يابان بلغ عدد المدارس الابتدائية في يابان ٢٨ ألف مدرسة وعدد مدارس المعلمين للقسم الابتدائي ٦٤ وعدد المدارس الثانوية ٣٧٠ و ٣ مدارس عالية لتخريج معلمي المدارس الابتدائية والثانوية و ٨ مدارس عالية للطلبة الذين لا يريدون الدخول إلى كليتي طوكيو وكيوتو اللتين تحتويان على ١٢ مدرسة عالية، هذا عدا ٤٩ مدرسة عالية للبحرية والحربية والطب والصناعات المختلفة، وعدد المدرسين في هذه المدارس كلها ١٢٥ ألف مدرس وعدد الطلبة ٥، ٥٦٥، ٤٩٥ طالباً منهم ٥، ١٤٤، ٠٠٠ في المدارس الابتدائية الإجبارية، ولا يعلم الدين في مدارس الحكومة. تدبير الغذاء الصحة هي الثروة الأولى التي يجب الدفاع عنها ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتدقيق في

стр. 3989

تدبيرها بالتغذية المعقولة والسير في العمل والراحة على ما يقتضيه تركيبنا وما خص به الخالق بني البشر من القوى الطبيعية والعقلية، فنحن لا نحسن استنشاق الهواء ولا السير على الأقدام ولا المنام للراحة ونهمل أمر عضلاتنا ونسيء استعمال أعصابنا فنفتح بصنعنا الباب للجراثيم الضارة فتهاجمنا وتحيط بنا خصوصاً وهي مستعدة إلى التسرب على الدوام إلى خلايانا لتعبث بها وتعيث، ولكن إذا أحسنا الغذاء والعمل والراحة والنزهة والنوم وكانت لنا إرادة قوية يكون لنا من الصحة ما نتغلب به في معترك هذه الحياة الاجتماعية. فقد قال الحكيم اليوناني: اعرف نفسك فإذا عرفت نفسك وعرفت مزاجك تضع لها تدبيراً صحياً من الغذاء والرياضة ينفعها، ومعلوم أن أمزجة الناس أربعة المزاج اللمفاوي أو البلغمي والمزاج الدموي والمزاج العصبي والمزاج الصفراوي، ومن النادر أن يخرج الإنسان عن أحد هذه الأمزجة الأربعة بل يكون مزاجه مؤلفاً من اثنين أو ثلاثة منها ويكون أحدهما متغلباً على الآخر وهذا هو الذي تجب مراعاته في تدبير الغذاء والأعمال، والجهل بالمادة الغذائية من كل طعام من الأمور التي لا تحتقر ومعرفتها أهم في قوام البنية مما يتوهم بعض العامة وذلك من الوجهتين الصحية والمنزلية. وما المعدة إلا بيت نار وقوده الأطعمة وعملها الكيماوي مع استنشاق الهواء يحدث الحرارة اللازمة لبقاء الجسم وتحويل ما يدخل فيه وما يخرج منه بقدر ما يتناوله من الغذاء، وقد حسب علماء منافع الأعضاء هذه الحرارة بحساب الكالوري فهم يقدرون معدل ما يلزم لرجل بالغ أشده من ٢٨٠٠ إلى ٣٠٠٠ من الكالوري أو قياس الحرارة، وإليك الآن كميات الكالوري التي تنشأ من الطعام الأكثر استعمالاً وهي مقدرة بمئة غرام أي أنك إذا تناولت ١٠٠ غرام من السمك تحصل على ١١٣ من الكالوري: ففي السلطة ١٢ من الكالوري وفي الملفوف ٢٧ وفي الثمار اليابسة ٣١ وفي البقول الخضرة ٣٧ وفي اللبن (الحليب) ٦٢ وفي البطاطا ٨٣ وفي اللحم ٩٤ وفي البيض ١٥٣ وفي الخبز ٢٥٥ وفي الأرز ٣٤٥ وفي البقول اليابسة ٣٦٢ وفي السكر ٣٨٠ وفي الشوكولاتا ٤١٥ وفي الجبن ٤٦٦ وفي الزبدة ٧٥١. فلك أن تحصل على ٢٨٠٠ من الكالوري إذا تناولت ٦٠٠ غرام من الخبز والمعجنات يكون منها (١٥٣٠) من الكالوري و ٢٨٠ غراماً من اللحم منها ٣٦٣ و ٥٠ غراماً من

стр. 3990

السمك و ٣٠ من البيض و ٢٠٠من البقول الطرية و٥٠ من البطاطا و٤٠ من البقول النشوية و٤٠ من الثمار و٢٠ من الزبدة و١٠ من الجبن و٢٠ من السكر الخ أي نحو كيلوغرامين من الغذاء كل يوم وهو ما يلزم المرء في الأربع وعشرين ساعة. ويستثنى من هذا التدبير من يعمل وهو جالس فإن تناول هذا القدر ضار به بل يلزمه ٣٥٠ غراماً من الخبز و ١٥٠من اللحم و ١٠٠من البقول الطرية و٢٠٠ من البطاطا و ٢٥٠ من اللبن و٤٠ من السكر و٢٥ من الزبدة و ١٥ من الأرز و١٠٠ من الثمار أي ما يكون منه ٢١٠٠ كالوري وعلى العكس فمن يعمل أعمالاً تحتاج إلى أتعاب الجسم فإنه يحتاج أن يرفع درجة الكالوري من ٣٢٠٠ إلى ٣٦٠٠ لا بزيادة ما يتناوله من اللحم فإنه لا يحصل منه سوى عشرة في المئة مما يجب لقوام بنيتنا من الدهن والكربون والزلال بل يتناول الخبز واللبن والبيض واللوبياء والعدس والفواكه والسكر وفيها ٢٣ في المئة مما يجب لنا، وإن كيلوغراماً واحداً من البقول كالباقلاء واللوبيا والعدس والحمص لتساوي ثلاث لبرات ونصفاً من اللحم واللبرة خمسمائة غرام. ويحتوي الخبز واللبن والبيض على جميع المواد اللازمة للتغذية في غذاء تام ثم يجيء الأرز واللحم على اختلاف أنواعه والبقول الطرية وهي أقل في التغذية من الأصناف الثلاثة الأولى والسكر غذاء العامل ومولد القوة والمعوض عما فقده الجسم من التعب والسمك نافع في التغذية لما فيه من الفوسفور وللفوسفور دخل في تركيب بنيتنا وأعصابنا فمن كانت أشغالهم عقلية أو من كانوا في سن الطفولة من الأولاد ينبغي لهم أن يتناولوا من السمك أكثر من غيرهم ليساعد ذلك على نموهم، ويقول الدكتور متشنكوف الشهير أن من يشرب مصل الحليب كل يوم يطول عمره ولا يهرم بالشيخوخة لأن فيه باشلساً أو جراثيم صغيرة تهلك الجراثيم المضرة التي يعيش منها ملايين في الأحشاء. والحرشف (الأرضي شوكي) تكثر فيه المادة القابضة وهو مقو يمنع الإسهال ومدر للبول، والملفوف صعب الهضم لا يلائم المعد الضعيفة، والسبانخ ملين للبطن ويسميه الافرنج مكسنة الأحشاء ومن خصائصه هو والكراث أنهما يصفيان اللون، والبقلة الحامضة (الحميض) تسهل الهضم ومن كان فيهم استعداد لمرض الحصاة ينبغي لهم الامتناع عنها بالكلية، والبندورة مقبلة ومرطبة وعلى المصابين بالنقرس والحصاة والرثية (داء المفاصل)

стр. 3991

أن يمتنعوا عن تناولها، والكرفس النيء عسر الهضم والأخذ منه باعتدال يقوي من ضعفت أعصابهم وإذا تناول منه المصاب بالنقرس يكون له كالتوابل اللطيفة، والهليون مدر للبول ويجب تناوله طرياً، والبطاطا نافعة لأرباب المعد القوية وأرباب المعد المتعبة ينبغي لهم تناولها ممروثة، والخس مرطب ونافع لالتهاب الأحشاء وأمراض الكلى، والبقدونس فهو مهيج معرق مدر للبول قاتل للديدان دافع للحمى يقوي الشهوة للطعام ويسهل الهضم، وإياك أن تسلق البقول بالماء الغالي جداً لئلا تفقد أملاحها وموادها الآزوتية المركبة منها وفي التوت الافرنجي (الفريز) كمية من حامض الساليسيليك ينفع المصابين بضعف المجموع العصبي وداء المفاصل، ومنقوع التوت الافرنجي من أحسن المقويات للأعصاب وهو من أفيد ما يكون لمن أنهكتهم الأشغال العقلية، والتوت الشوكي كالتوت الافرنجي وهو أيسر على الهضم، والكرز نافع للمصابين بالسويداء (هيستيريا) ومقاوم للرثية، والخوخ نافع للمصابين بالبول السكري وللمصابين بقروح بالمعدة، والتفاح نافع في تشنج الأعصاب ومعرق، ويكثر في التين الأصل المهضم (البيسين) وهو نافع للمصدورين والإجاص تغلب عليه البرودة فيضر ببعض المعد، والليمون يقي من الحمى وإذا أضيف للقهوة ينفع كما تنفع الكينا، وهو أحسن علاج لفساد الدم، والبرتقال أخف الفواكه على المعدة، واللوز اليابس مغذ جداً وهو غذاء طبيعي نادر المثال، ويرى الدكتور اوندرهيل أن لب العنب يؤكل وحده إذا كانت صحة المرء حسنة فوهو أحسن علاج لفساد الدم، والبرتقال أخف الفواكه على المعدة، واللوز اليابس مغذ جداً وهو غذاء طبيعي نادر المثال، ويرى الدكتور اوندرهيل أن لب العنب يؤكل وحده إذا كانت صحة المرء حسنة فإذا كان في البطن اطلاق يؤخذ اللب مع القشر ويطرح البزر وإذا كانت المعدة منقبضة ويراد به تسهيل الطبيعة يتناول اللب والبزر ويطرح القشر وبهذه الواسطة يكون العنب دواء وفاكهة لا نظير لها. والقهوة تورث الجسم قوة فهي من مضادات السموم ومقوية للقلب والشاي في الصباح يقوي ويورث نشاطاً ويسهل التنفس وإذا شرب بعد المشي أو عمل متعب يورث راحة سريعة وينبه النشاط والأقدام، وأرباب الأمزجة البلغمية يتطلبون مواد مقوية تصلح أجسامهم فعليهم بلحم البقر والغنم مشوياً ولحوم الأرانب والحمل والتدرج (الديك البري) وأن يتناولوا الخبز ناضجاً جداً بكمية وافرة وبقولاً مرة مسهلة ويقللون من المواد النشائية وتضر بهم الأطعمة

стр. 3992

غير الناضجة والخس والهندباء والسبانخ والجزر وجميع البقول المرطبة والمسهلة. وعلى أرباب الأمزجة الدموية أن يعتدلوا في مآكلهم ويتقشفوا بحيث لا يزيدون الكريات الحمراء في دمهم ويتناولون من اللحوم لحم العجل والفراخ والأرنب واللبن ويكثرون من البقول والثمار المرة وتنفعهم القهوة الخفيفة ويتخلون عن الأبازير والتوابل، وكل ما يورث الحرارة في الجسم وإذا كانوا مستعبدين للعرق فالأولى أن لا يأتوا عملاً من شأته منعه. وعلى أرباب الأمزجة العصبية أن يستعملوا المواد اللطيفة اللذيذة لغذائهم مثل البيض والفراخ واللبن المطبوخ وأسماك الأنهار ويمتنعوا عن المهيجات مثل القهوة والشاي وغيرهما والخس والكرفس من أنفع البقول لهم فإن في عصير الخس مسكناً لأعصابهم وفي الكرفس النيء وقاية لهم من الاضطرابات فهو يقوي الأعصاب وربما نفع في ضربات القلب، وعليهم أن يقللوا من تناول الطعام أي يعتدلون جداً ولا يأخذون ما لا يوافق أذواقهم من الطعام بتة. وعلى أرباب الأمزجة الصفراوية أن يفضلوا الأطعمة الغليظة ويمتنعوا عن المواد الدهنية والنشائية ويتناولوا من البقول والأرز ولا يتناولون القهوة، والثمار الناضجة اللذيذة توافق أمزجتهم، والخس والبندورة نافعان لهم والبندورة محسنة الكبد. والأجدر بسكان البلاد الحارة أن يكثروا من البقول وبسكان البلاد الباردة أن يكثروا من اللحوم والمواد الدسمة نافعة لهم أيضاً. والخبز الطري غير نافع للصحة لأنه لا يجود علكه فيعسر على المعدة هضمه وربما أحدث مع الزمن اضطراباً في الدورة الدموية أو أوجاعاً في الرأس وآلاماً في المعدة وسوء هضم، والخبز السخن الذي يتناوله بعضهم في الصباح وعليه شيء من الزبدة سم ناقع. ومن المشهيات للطعام الثريد البارد الخالي من الدهن يتناول قبل الأكل بساعة فيكثر به سيلان اللعاب في المعدة فتستدعي الطعام ورأى بعض العلماء أن أحسن مقبل ما يعمل من منقوع ملعقتين من بزر الجزر في نصف لتر من الماء الغالي يؤخذ بين الطعام والطعام محلى بالعسل فيجود الهضم وتزيد الشهوة للطعام. وإذا ساء الهضم معك فخير دواء سريع قريب أن تشرب شراباً حاراً، فقد قالت إحدى المجلات الطبية أن من خصائص المشروبات الحارة أن تسكن الغشاء المخاطي في المعدة

стр. 3993

وتعدل أحياناً التأثيرات المؤلمة التي يشعر بها بعد الأكل فهي تقوي الوظائف المعدية، والظاهر أن اليابانيين بلغوا ما يبلغوه من الصبر وجودة الصحة باستعمالهم الأشربة الحارة لأنهم يتناولون في كل المواسم ماءً حاراً أو شراباً حاراً ويقولون أن الماء البارد يشد الأطراف والرعامى (فص الكبد) والرئة ويحدث السعال ويطفئ الحرارة الطبيعية التي تديم الحياة. وعليك يا هذا أن تنظم أوقات طعامك فبذلك يسهل على الحواس أن تأخذ حظها من الطعام والهضم وتعمل عملها وتستعد لقبول غيره إذا وقت لها وقتاً وعليك أن لا تسرع في هضم طعامك وقضمه بل أن تمضغ كثيراً حتى لا تضطر المعدة أن تعمل ما كان من شأن أسنانك أن تعمله من طحن الطعام، ومن الضروري أن تقلب أسنانك على اللقمة عشرين مرة وكل طعام علك جيداً كان أكثر في التغذية من طعام ازدرد ازدراداً سريعاً فقد ورد في الأمثال الافرنجية من تأنى في أكله طال عمره وهاك الآن معدل الساعات اللازمة لهضم أنواع الطعام الأكثر استعمالاً. دقيقة ساعة ١ الأرز ٣٠ ١ البيض النيء، السمك المنقوش وسمك سليمان ٤٥ ١ النخاع المسلوق ٣٠ ٢ اللوبيا والبطاطا المقلوة، الدجاج الهندي والبط المشوي ٤٥ ٢ البيض المسلوق والفراخ المحمصة ٣ اللبن المطبوخ ولحم الضأن المشوي والبفتيك ١٥ ٣ النقانق الباردة ٣٠ ٣ السمك المقلي ولحم البقر المشوي ٣٠ ٣ الخبز الطري والبيض المقلي والجبن ولحم الصيد ماعدا الطيور ثقيل على الهضم يحتاج من ٤ إلى ٥ ساعات، هذا ما لقفناه من أقوال أحدث علماء الصحة من الغربيين وعلى المرء أن يكون حكيم نفسه في تحميل معدته ومزاجه ما يطيق وأن يراقب خروج الطبيعة مراقبة تامة فإن أمراض التهاب الكلى وسوء

стр. 3994

الهضم والتهاب الأمعاء والزائدة الدودية كلها تنشأ من القبض وإذا رأى الخروج قد أبطأ في الصباح فعليه أن يستعمل التمسيد قبل أن يقوم من سريره وذلك بأن يضع رجليه تحت ظهره ويضغط بيده على بطنه فيبدأ بغمز الموضع القريب من السرة ثم يصل إلى الحالب فيمر يده على صورة قوس حتى ينتهي إلى الحالب الأيسر. وهنا أمر يجب التنبه له لأنه داخل في صحة الجسم وهو أن المسكرات على اختلاف أنواعها ضارة بالصحة بحسب رأي علماء أوروبا أنفسهم يضل قليلها وكثيرها خلافاً لمن يهرفون بما لا يعرفون ويقلدون على العميا وهم جاهلون ولا سيما في هذه البلاد المعتدلة الجيدة المياه القليلة الغش في المأكولات على الجملة.

стр. 3995

مخطوطات ومطبوعات المنهج الأحمد ألف العرب يوم كان علماؤهم يحسنون التأليف طبقات لرجال كل فن وعلم ذكر منهم صاحب كشف الظنون طبقات الأدباء (مطبوع) لابن الأنباري المتوفى سنة ٥٧٧ وطبقات الاصبهانية لابن حيان البستي (٣٥٤) وطبقات الأصوليين للسيوطي (٩١١) وطبقات الأطباء (مطبوع) لابن أبي أصيبعة (٦٦٨) وطبقات الأمم لصاعد ولابن سعيد المغربي وطبقات الأولياء لابن الملقن (٨٠٤) وطبقات البيانيين للسيوطي وطبقات التابعين لابن النجار (٦٤٣) وطبقات الثعلبي الموسوي والطبقات الجلالية للجلال الدواني (٩٠٨) وطبقات الجنان وطبقات الحفاظ (مطبوع) للذهبي (٧٤٨) وطبقات الحكماء لابن صاعد (٥٤٨) وطبقات الحكماء (مطبوع) للقفطي (٦٤٦) وطبقات الحنبلية وذيولها وطبقات الحنفية وذيولها وطبقات الخطاطين للسيوطي وطبقات الخواص للزبيدي (٧٩٣) وطبقات الرواة خليفة بن خياط ومسلم بن حجاج والطبقات السنية في تراجم الحنفية للتميمي الغزي (١٠٠٥) وطبقات الشافعية للسبكي (طبع) وذيوله وطبقات الشافعية للخيضري (٨٩٤) وطبقات الشعراء لابن قتيبة (٢٩٦) ويدخل فيها كتب كثيرة مثل شعراء الزمان وقلائد العقيان (مطبوع) وعقود الجمان والإشارة والإماء الشواعر وكتاب النساء الشواعر وأصداف الأوصاف وطرف الأدباء ومروج الزمان والباهر والنموذج الشعراء وجنى الجنان والغرة الطالعة والدرر الناصعة ومعجم الشعراء وشعراء الأندلس والكتب المؤلفة في الشعراء كثيرة منها يتيمة الدهر (مطبوع) للثعالبي ودمية القصر (مطبوع) للباخرزي وزينة الدهر في لطائف شعراء العصر للخيضري وفريدة القصر للأصفهاني والملح العصرية لابن القطاع والانموذج في شعراء القيروان لابن رشيق والحديقة لأبي الصلت أمية بن عبد العزيز وسر السرور للغزنوي وكتاب عمارة اليمني في شعراء عصره والمختار في النظم والنثر لابن بشرون الصقلي وطبقات الشعراء بالأندلس لابن ربيعة (٣١٠) والبارع واليتيمة والخريدة ومتعلقاتها وخبايا الزوايا والباهر وفحول الشعراء والدرر والغرر والحديقة وطبقات الصحابة والتابعين للبصري (٢٣٠) وطبقاتهم لابن مندة (٣٩٥) وأسد الغابة (مطبوع) وطبقات ابن سعد (مطبوع) والطبقات الصدرية وطبقات الصوفية
следующие страницы →