← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

أطلق الأخوة والأخوات والأعمام فلا بد أن يقول في الأخوات من أب وأم أو من أب أو من أم. وإذا كان في المذكورين في رقعة الاستفتاء من لا يرث أفصح بسقوطه فقال: وسقط فلان وإن كان سقوطه في حال دون حال قال وسقط فلان في هذه الصورة أو نحو ذلك لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال. قال الصيمري وغيره: وحسن أن يقول: تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا. (الخامس عشر) إذا رأى المفتي في رقعة الاستفتاء خط غيره ممن هو أهل للفتوى وخطه فيها صحيح موافق لما عنده قال الخطيب وغيره: كتب تحت خطه هذا جواب صحيح وبه أقول أو يكتب جوابي مثل هذا وإن شاء ذكر الحكم بعبارة الخص من عبارة الذي كتب وأما إذا رأى فيها خط من ليس أهلاً للفتوى فقال الصيمري: لا يفتي معه لأن في ذلك تقرير المنكر بل يضرب على ذلك بأمر صاحب الرقعة وله انتهار السائل وزجره وتعريفه قبح ما أتاه وأنه كان واجباً عليه البحث عن أهل الفتوى وطلب من هو أهل لذلك (قال) والأولى في هذا الموضع أن يشار على صاحبها بأبدالها فإن أبى ذلك أجابه شفاها (قال أبو عمرو): إذا خاف فتنة من الضرب على فتيا العادم الأهلية ولم تكن خطأ عدل إلى الامتناع من الفتيا معه فإن غلبت فتاويه لتغلبه على منصبها بجاه أو تلبيس أو غير ذلك بحيث صار امتناع الأهل من الفتيا ضاراً بالمستفتي فليفت فإن ذلك أهون الضررين وليتلطف مع ذلك في إظهار قصوره لمن يجهله. أما إذا وجد فتيا من أهل وهي خطأ مطلقاً لمخالفتها القاطع أو خطأ على مذهب من يفتي ذلك المفتي على مذهبه قطعاً فلا يجوز له الامتناع من الفتيا تاركاً للتنبيه على خطاءها إذا لم يلق ذلك غيره بل عليه الضرب عليها عند تيسره والإبدال أو تقطيع الرقعة بإذن صاحبها أو نحو ذلك وإذا تعذر ذلك وما يقوم مقامه كتب صواب جوابه عند ذلك الخطاء ثم إن كان المخطئ أهلاً للفتيا فحسن أن يعاد إليه بإذن صاحبها أما إذا وجد فيها فتيا أهل الفتوى وهي على خلاف ما يراه هو غير أنه لا يقطع بخطاءها فليقتصر على جواب نفسه

стр. 4027

ولا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة ولا اعتراض قال صاحب الحاوي: لا يسوغ لمفت إذا استفتي أن يتعرض لجواب غيره برد ولا تخطئة ويجيب بما عنده من موافقة أو مخالفة. (السادس عشر) إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلاً ولم يحضر صاحب الواقعة قال الصيمري كتب: يزاد في الشرح لنجيب عنه أو لم أفهم ما فيها فأجيب (قال) وقال بعضهم لا يكتب شيئاً أصلاً (قال) ورأيت بعضهم كتب في هذا يحضر السائل لنخاطبه شفاها. قال الخطيب: ينبغي له إذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتي إلى مفت آخر أن كان وإلا فليمسك حتى يعلم الجواب. قال الصيمري: وإذا كان في رقعة الاستفتاء مسائل فهم بعضها دون بعض أو فهمها كله ولم يرد الجواب في بعضها أو احتاج في بعضها إلى تأمل أو مطالعة أجاب عما أراد وسكت عن الباقي. (السابع عشر) ليس ينكر أن يذكر المفتي في فتواه الحجة إذا كانت نصا واضحاً قال الصيمري: لا يذكر الحجة أن أفتى عامياً ويذكرها أن أفتى فقيهاً (قال) ولم تجر العادة أن يذكر في فتواه طريق الاجتهاد ووجه القياس والاستدلال إلا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض فيومئ فيها إلى طريق الاجتهاد ويلوح بالنكتة وكذا إذا أفتى غيره فيها بغلط فيفعل ذلك أو ينبه على ما ذهب إليه. وقد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ فيقول: وهذا إجماع المسلمين أو لا أعلم في هذا خلافاً أو فمن خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب أو فقد أثم وفسق أو وعلى ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر وما أشبه هذه الألفاظ على حسب ما تقتضيه المصلحة ويوجبه الحال. (الثامن عشر) قال الشيخ أبو عمرو: ليس له إذا استفتي في شيء من المسائل الكلامية أن يفتى بالتفصيل بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض في ذلك فإن كانت المسألة مما يؤمن في تفصيل جوابها من ضرر الخوض كان الجواب تفصيلاً وعلى هذا ونحوه يحمل ما جاء عن بعض السلف من الفتوى في بعض المسائل الكلامية وذكر إمام الحرمين في كتابه الغياثي أن

стр. 4028

الإمام يحرص ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك. جمال الدين القاسمي.

стр. 4029

في أرض الجليل تتمة ما ورد في الجزء الأول جبلان في هذا الصقع يقدسهما المسيحيون لما لهما من الشأن في تاريخ الدين وهما من أجمل الجبال يبعثان النفوس إلى عبادة الخالق تعالى وتوحيده ونعني بهما جبل الطور وجبل الكرمل، فالأول على مقربة من الناصرة قائم في الجو وسط سهل يزرعيل يعلو عنه خمسمائة متر ويعلو عن سطح البحر ٦٠٢ مترين وهو جميل المنظر ومحله عجيب في إنباته وروائه وتجد في منحدراته شجر السنديان والخروب والبطم والمصطكى وغير ذلك، وقد ذكر بعض سياح الافرنج الذين زاروا هذه الديار في القرن التاسع للميلاد أنه كان يصعد إلى قمة الجبل من سلم طوله ٤٣٤٠ درجة والطريق إلى القنة يدل على ذلك ومسطح القنة ١٢٠٠ متر طولاً و ٤٠٠ متر عرضاً وفي أحد سفوح الجبل آثار مدينة عبرانية قديمة تسمى الدبورة أو أبو عمود وكانت مطلة على الوادي الذي كان طريق الزوار والجيوش المصرية قديماً فموقعه من أحسن المواقع الحربية وفي سفح جبل تابور وفي سنة ٥٣ م حدثت ملحمة كبرى بين اسكندر بن اريستوبول وأوليسوس كابينوس أحد قواد بومبينوس الامبراطور الروماني وبعد قرن عندما انتقض اليهود على الرومانيين أحدث يوسفوس قلعة على قمة الجبل وكذلك فعل المسلمون في القرن الثالث عشر للميلاد فأقاموا حصناً منيعاً تجد اليوم بعض آثاره وقد تقاسم الروم واللاتين لعهدنا سطح الجبل وجعلوه أدياراً. كان جبل الطور ذا شأن عظيم على عهد الصليبيين لإشرافه على بلاد الأردن، قال ياقوت: والطور جبل بعينه مطل على طبرية الأردن بينهما أربعة فراسخ على رأسه بيعة واسعة محكمة البناء موثقة الأرجاء يجتمع في كل عام بحضرتها سوق ثم بنى هنالك الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب قلعة حصينة وأنفق عليها الأموال الجمة وأحكمها غاية الإحكام فما كان في سنة ٦١٥ هـ وخرج الافرنج من وراء البحر طالبين للبيت المقدس أمر بخرابها حتى تركها كأمس الدابر. ويقول مؤرخو الصليبيين أن الذين خرجوا من وراء البحر من الافرنج طالبين للقدس سنة ١٢١٧ م كانوا اندراوس الثاني صاحب المجر وليوبولد دوق النمسا وغليوم كونت فلاندر

стр. 4030

ولويس البافاري ويوحنا دي بريان ملك القدس وهوج دي لوزنيان صاحب قبرص جاؤوا في خمسة عشر ألفاً من رجالهم وحاولوا مرتين فتح قلعة الطور فارتدوا عنها خائبين فرأى الملك العادل قطعاً لأطماعهم وحرصاً على السلام أن يدك ذاك الحصن بعد خمس سنين من بنائه وفي سنة ١٢٦٣ جاء الظاهر بيبرس البندقداري من مصر في جيش ضخم وعسكر في منحدر جبل الطور وخرب فيما قيل الأماكن الدينية التي كانت فيه وجعل عاليها سافلها وفي سنة ١٦٣١ نال قنصل دوقية طوسكانيا في صيدا من الأمير فخر الدين المعني رخصة تجيز لرهبنة الأخوات القاصرين أن يقيموا في جبل الطور ومنذ ذاك العهد أصبح هذا الجبيل معاهد للعبادة والنسك. هذه لمعة من تاريخ الطور ويقال له جبل التجلي كما يقال له جبل تابور، أما الكرمل فهو أيضاً من الحصون المهمة قال ياقوت: كرمل بالكسر ثم السكون وكسر الميم ولام هو حصن على الجبل المشرف على حيفا بسواحل بحر الشام وكان قديماً في الإسلام يعرف بمسجد سعد الدولة، ولذا يغلط الناس اليوم في فتحهم كاف الكرمل والصحيح كسرها وهذا الجبل أطول من الطور يمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي على طول ٣٤ كيلو متراً ويختلف عرضه من ٥ إلى ٨ كيلومترات ولا يبلغ علوه في الشمال الغربي أكثر من ثلثمائة متر على حين يبلغ في الوسط ٥٤٠ متراً وهو مشرف عل البحر من جهة وعلى سهل يزرعيل الفسيح من جهة أخرى. ومعنى كرمل بالعبرانية الحديقة ورد ذكره في التوراة إشارة إلى الجمال والخصب وهو من أشهر جبال غربي الأردن يبتدئ من رأس قرب حيفا وينتهي بوادي الملح مقابل يتنعام طوله نحو ١٢ ميلاً وأعلى رؤوسه عند عسفيا نحو ١٧٢٩ ويعرف هذا الجبل بجبل النبي الياس لأنه أقام فيه وكان الكرمل في كل عصر موطن التفكر والعزوف عن الدنيا وذلك في أيام الوثنية والنصرانية حتى أن الفيلسوف فيثاغورس اليوناني كثيراً ما كان يذهب للتدبر والتفكر في الكرمل المقدس وفي عهد دارا بن يستاسب ملك الفرس (٥٢١ - ٤٨٥ ق. م) كان يعبد في الكرمل كوكب المشتري وقال بعض مؤرخي الرومان أن الكرمل نفسه كان يعبد فلم يكن فيه معبد ولا هيكل بل ليس فيه إلا مذبح وعباد يتعبدون وكان في النصرانية معبداً لرجالها حتى نشأت في القرون الوسطى فيه رهبنة الكرمليين المشهورة في المشرق

стр. 4031

والمغرب وهو اليوم مقسم بين أهل المذاهب المختلفة من المسيحيين أقاموا فيه الأديار وغرسوه بأنواع الأشجار واستقلوا به حتى لا يطرقه طارق ألا بجعل أو إذن وهو مطل على حيفا وعكا ناظر إلى بلاد الجليل ولا سيما سهل يزرعيل أو مرج ابن عامر المعروف في التوراة ببقعة مجدو وبقعة مجدون ووادي يزرعيل وهو مرج واسع واقع بين جبال الجليل وجبال السامرة طوله من الشرق إلى الغرب ٢٤ ميلاً وعرضه من ميلين إلى ١٢ ميلاً وهو مثلث الشكل وقاعدة هذا المثلث ضلعه الشرقي وهو خط يمتد من جبل جلبوع والدحي وتابور إلى جبال الجليل أو الناصرة ومن هذه القاعدة يتفرع ثلاثة فروع نحو الشرق فرع بين جلبوع والدحي وفرع بين الدحي وتابور وهو الأخصب والأشهر وفرع بين تابور وجبال الناصرة وعند هذه القاعدة ترتفع الأرض فيتحول مجرى الماء إلى الشرق والغرب ويشق هذا السهل من الشرق إلى الغرب نهر قيشون المسمى الآن المقطع ومع كل ما هو عليه من الإهمال الآن لا يزال هذا السهل في غاية الخصب وكان أعظم ساحة حرب في هذه البلاد. نعم إن العناية بهذا السهل قليلة لأن أصحابه أغنياء كانوا ابتاعوه فيما بلغنا بحيلة ورشوة وذلك أن قراه كانت لا ناس من الفلاحين ضعاف أرادت الحكومة منذ نحو أربعين سنة أن تسجل قراهم للتقاضى منها ضرائب وكان الفلاح يرتعش من سماع الضرائب ويخاف أن يعرف بأنه مالك أرض فأبوا أن يسجلوها بأسمائهم تفادياً من الظلم الذي كان ينال الفلاح يومئذ فازمع والي سورية إذ ذاك أن يبيع تلك القرى أو سهل يزرعيل برمته باعتباره من الأراضي الأميرية المحلولة فما كان من أولئك الأغنياء إلا أن احتالوا لتباع كلها صفقة واحدة وهي ثماني عشرة قرية لا يقطعها الفارس في أقل من ثماني ساعات وذلك حتى لا يتيسر لأحد الأهالي أن يشتريها فرشوا الوالي فيما قبل بثلاثة آلاف ليرة وابتاعوها بأقل من خمسة عشر ألف ليرة وجلسوا يلعبون بالميسر مع الوالي في دارهم ولم يمض الهزيعان الأولان من الليل إلا وقد خرج الوالي كما دخل صفر اليدين من المال الذي ناله من طريق الرشوة فأضر بالأمة والدولة معاً لأن أولئك الأغنياء خسروه في القمار ليلاً ما كان ناله منهم رشوة في النهار، وهكذا حرم أصحاب هذه القرى الحقيقيون منها بجهلهم وسوء إدارة الحكومة إذ ذاك وتشتتوا في البلاد وبعضهم استخدموا إجراء في قرى الأغنياء وكانوا من

стр. 4032

قبل في نعمة ولكن من يأخذ البلاد بغير حرب يهون عليه تسليمها فإن أولئك المالكين زهدوا فيما ملكوا لأنهم بعيدون عنها والأرض لمن يقوم على تعهدها فهو هو مالكها الحقيقي لا من يكتفي من ريعها بما حصل، فأباع بعض أولاد أولئك الأغنياء ما ورثوه من آبائهم وأكثرها انتقلت إلى أيدي الجمعية الصهيونية ويوشك أن يباع ما بقي ولكن بمئات الألوف من الليرات لارتقاء الأسعار ولأن الصهيونيين آلوا على أنفسهم أن يملكوا فلسطين وأرض الميعاد، ويبذلوا فيها مهما كلفتهم. ولا بأس هنا من الإشارة إلى الجمعيات الاسرائيلية وما ترمي إليه من المقاصد فهي عدة جمعيات منها جمعية أحباء فلسطين وهي منتشرة في عامة الأطراف ومنها تتفرع جمعية معاونة فلاحي اليهود وصناعهم في فلسطين وسورية وهذه الجمعية روسية ولهاتين الجمعيتين فروع كثيرة في القدس ويافا وأعمالها وحيفا وأعمالها وصفد وبلاد بشارة وحوران وعبر الأردن ويقدر الخبيرون عدد أفرادها بمئة وخمسين ألف نسمة يزيد عددهم كثيراً بما ينضم إليهم كل شهر من إخوانهم الأوروبيين الذين يرحلون بدينهم من أوروبا إلى الأرض المقدسة، وعدا هاتين الجمعيتين فإن للإسرائيليين أناساً من مشهوري أغنيائهم مثل روتشيلد وبركم وفليرو وفتيفيوري وغيرهم ممن ابتاعوا الأراضي لابناء نحلتهم وأمدوهم بالمال ليتوفروا على استثمارها على نحو ما تشاهد في زمارين مما يدل بلسان حاله أن الصهيونيين سيعيدون مجد آبائهم في فلسطين ويستولون عليها وهاك ما يقوله العارفون بهذه المسألة التي يهتم لها كل من يعرف تاريخ السياسة ويغار على مصلحة البلاد فقد قال أحدهم أن آمال اليهود في استرداد فلسطين بلاد آبائهم وأجدادهم وإعادة مجدهم وملكهم إليها قديم يعود إلى عهد الرومان وتؤيده حروبهم العديدة مع المملكة الرومانية وفي كل واقعة منها في حروب اليهود ليوسيفوس آيات بينات على ذلك ولكن هذه الآمال غاضت بعد أن شتتهم في الأرض أدريانوس في القرن الثاني بعد المسيح وفرق جامعتهم وأبعدهم عن صهيون أو أورشليم أو القدس عاصمة مملكتهم القديمة ومدينة هيكلهم العظيم ولكنها ما لبثت أن ظهرت في صورة التمني في عهد قسطنطين الذي أذن لهم بالدنو مرة في السنة من أسوار بيت المقدس ليندبوا مجدهم الزائل وما زالوا إلى يومنا هذا يدنون من حائط الحرم الشريف الخارجي المسمى بالبراق ويتذكرون مجد ملوكهم وعظمة هيكلهم ومدينتهم

стр. 4033

ويطلبون من الله أن يعيد ما خسروه. ولكن رجال النهضة منهم لم يقفوا عند حد التمني فألف الدكتور هارتشل الجمعية الصهيونية التي جعلت همها الوحيد جمع المال وتوحيد كلمة اليهود على اختلاف لغاتهم وبلدانهم وجمعهم في بلد واحد أمين يحصنونه أعظم تحصين بحيث لا يستطيع أحد مهاجمتهم وفاوض الدكتور المذكور حكومة عبد الحميد في ذلك ولم ينجح فعهدت الجمعية الصهيونية إلى الايكا بالاستعمار التدريجي كما عهد إلى جمعية الاتحاد الاسرائيلي (اليانس اسرائيليت) بالتهذيب والتعليم وبقيت تعمل على جمع المال وتوحيد كلمة اليهود وإقناع رجال الحكومة الدستورية بحسن مقاصدها. نعم إن الجمعية الصهيونية اليهودية ورفيقاتها جمعيات ايكا وفاعوليم واليانس وغيرها ساعيات في استرجاع فلسطين التي وعدهم بها ربهم في الإصحاح الثاني والثلاثين من ارميا من الكتاب المقدس الباحث عن أسر بابل لليهود والذاكر وعد الرب برجوعهم إلى فلسطين بقوله في آخره: يشترون الحقول بفضة ويكتبون ذلك في صكوك ويختمون ويشهدون شهوداً في أرض بنيامين وحوالي أورشليم وفي مدن يهودا ومدن الجبل ومدن السهل مدن الجنوب لاني أرد سبيهم يقول الرب وذلك بعد ما سبتهم حكومة الكلدان على أنهم لم يستطيعوا البقاء من بعد ذلك لأنهم أصبحوا محل التنازع بين حكومة الرومان في مصر وحكومة الرومان في أنطاكية ثم انقرضوا ولم يبق لهم ملك ولا دولة والآن عملاً بهذه الآية يشترون الأراضي في فلسطين على حساب الفضة ويشرطون البيع على أن يكون الثمن فضة ويكتبون الصكوك ويشهدون وهكذا تراهم لا يفتررن طرفة عين وهم يتجسسون الأخبار عن الذين تأخرت حالتهم المالية من أهل هذه البلاد وهي عبارة عن لواء عكاء بأجمعه ولواء القدس ولواء نابلس وقسم من لواء الكرك وبعض من قضاء عجلون ويطمعون البائع بالثمن الفاحش ويكتبون الصكوك ويشهدون عليها ويسجلونها عند محرر المقاولات وعند بعض القنصليات وكانت الحكومة قبلاً منعت استعمارهم ولكن بما بذلوه من الدنانير التي تسحر الباب الخائنين من الحكام والمستخدمين استطاعوا أن يستولوا على ثلاثة أرباع قضاء طبرية ونصف قضاء صفد وأكثر من نصف قضاء يافا والقدس والقسم المهم من نفس حيفا

стр. 4034

وبعض قراها واليوم يسعون للدخول إلى قضاء الناصرة ليستولوا على سهل شارون ويزرعيل المذكور بالتوراة والمعروف اليوم بمرج بني عامر الذي يشقه الخط الحجازي من الغرب إلى الشرق وكل ذلك بأسماء العثمانيين وبدلالة سماسرتهم الخائنين الذين يعدون أنفسهم من سراة القوم وأمجاد البلاد وهكذا اشتروا الكثير من القرى واستولوا عليها وهم لا يخالطون العثمانيين ولا يشترون منهم شيئاً ولهم بنك أنغلو فلسطين بقرضهم بفائدة لا تتجاوز الواحد في المائة في السنة وقد جعلوا كل قرية إدارة فيها مدرسة وكل قضاء مديرية ولكل جهة مدير عام ولهم راية لونها أزرق وفي وسطها خاتم سليمان وتحته كلمة عبرانية معناها صهيون لأنه جاء في التوراة أن أورشليم ابنة صهيون ويرفعون هذا العلم مكان العلم العثماني في أعيادهم واجتماعاتهم ويترنمون بالنشيد الصهيوني وقد احتالوا على الحكومة فقيدوا أنفسهم عثمانيين في سجل النفوس كذباً وبهتاناً وهم لا يزالون حاملين الجوازات الأجنبية التي تحميهم وعندما يصيرون إلى المحاكم العثمانية يظهرون جوازاتهم ويدعون الحماية الأجنبية ويحلون دعاويهم واختلافاتهم فيما بينهم بمعرفة المدير ولا يراجعون الحكومة ويعلمون أبناءهم الرياضة البدنية واستعمال السلاح وترى بيوتهم طافحة بالأسلحة وفيها كثير من المارتين ولهم بريد خاص وطوابع خاصة وغير ذلك مما يبرهن على أنهم بدأوا بتأسيس مقاصدهم السياسية وتأليف حكومتهم الخيالية فإذا لم تضع الحكومة حداً لهذا السيل الجارف لا يمضي على فلسطين زمن إلا وتراها أصبحت ملكاً للجمعية الصهيونية ورفيقاتها أو شعبها المذكورة. إليك بعض ما يقال في الاستعمار الصهيوني وعواقبه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهو مضر باتفاق العقلاء المجردة نفوسهم عن الأغراض وهناك استعمار آخر في فلسطين والجليل وهو أقل منه خطراً ونعني به قدوم الجالية من الأوروبيين ليتخذوا هذه البلاد موطناً لهم على أن لا ينسوا مساقط رؤوسهم ويظلوا من تبعة دولهم كالألمان في يافا وحيفا مثلاً. فقد أتت عشرات من الأسرات الألمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ونزلت في ذيلك البلدين فارة بدينها من ألمانيا إلى هذه الأرض المقدسة وهي من طائفة حرة اسمها شيعة الهيكليين أو أحباب أورشليم أنشئت سنة ١٨٦٢ في إمارة ورتمبرغ في ألمانيا عقيب

стр. 4035

الحركة الدينية التي أحدثها هوفمان الذي ذهب إلى أن الرأي الحالي في دين النصرانية لا يكون سبيلاً إلى أن يحيا المتدينون بها حياة مسيحية حقيقية فأخذ أشياعه على أنفسهم أن يقيموا ملكوت الله في الأرض بأن يبدؤوا بذلك من أرض الوعد ومنها ينبثون في أوروبا ليجددوا حياة الكنيسة والمجتمع وهم يفسرون نبوات العهد القديم تفسيراً حسناً فشرعوا سنة ١٨٦٨ بإنشاء مستعمرة في حيفا وفي الوقت نفسه أنشأوا مستعمرة لهم في يافا ولهذه الطائفة الآن أربع مستعمرات يناهز سكانها ١٣٠٠ وقد ساعدت على استعمار البلاد وفتحت للألمان باب التدخل في شؤوننا أحياناً. ولو عقل من يساكنون هؤلاء الألمان من أهل حيفا ويافا لقلدوهم في نشاطهم وتنظيم بيوتهم وحدائقهم، زر حي الألمان أو مستعمرتهم في الشمال الغربي من حيفا وألق عليها نظر المتدبر تجدهم لا يزيدون عن سبعمائة نسمة ولهم مدرستان ومعبدان، سرح رائد الطرف في تلك الطرق المعبدة المنسقة والبيوت القائمة على نظام واحد تحيط بها الحدائق الصغرى الغاصة بكل غض ويانع المستوفية شروط المرافق والمنافع وتعال معي بعدها ننظر إلى ما في جوارها من بيوت الوطنيين وأحيائهم فماذا تجد؟ تجدها بؤرة الأوساخ ومثال الخلل ونموذج الاتكال وراموز الجمود والخمود، طف واعتبر بيناتهم العاملات وبناتنا الخاملات ثم أنصفنا وأنصفهم منا، هل نرى رجالنا في اقتدارهم على مستوى بناتهم في تربيتهن ونشاطهن، أما التنظير بين رجالنا ورجالهم فهذا لا يقول به حتى أضيق الناس عقلاً. شرذمة من المطرودين من بلادهم نزلوا بلادنا فقراء معدمين لا يملكون غير مضائهم وبعض حرف يحسنونها فساعدهم بعض موسريهم على ابتياع عشرات من الأفدنة من أرض بلادنا فعمروها كما ترى على النسق الألماني ولم تمض بضع سنين حتى وفوا بنشاطهم ديونهم وأثروا ولا إثراء ابن البلاد الذي ورث مئات الأفدنة وأصبحوا يغبطون حتى من كبار أغنيائنا ونحن من أمرهم حائرون باهتون لا نعمل ولا نتحرك كأن الفتور قد كتب علينا والغرور مسجل في صحائف حياتنا وكأنهم خلقوا من طينة غير طينتنا وعقل يستحيل علينا أن نلحق شأوه. ولا ننس تلك الحديقة التي زرناها في المستعمرة الألمانية في حيفا وقد تجلى لنا فيها المضاء الغربي في أجلى مظاهره حتى لظننتنا في حديقة من حدائق فرنسا أو ألمانيا،

стр. 4036

حديقة لا تبلغ مساحتها فداناً دمشقياً وفيها معظم ما يجود في الأرض الحارة من صنوف البقول والأشجار جعلت مساكب وقسمت طرقاً وقد قيل لنا أن دخل صاحبها منها لا يقل عن خمسين ألف قرش في السنة فلم يسعنا إلا أن نقول سبحان الله السر في السكان لا في المكان، نعم السر في السكان ولا عجب إذا رأينا الألمان في مقدمة دول الأرض بعلومهم وصناعتهم وإحصائهم في الفنون وعندهم مثل هذا الشعب النشيط الذي يعلم بعمله أهل النشاط من الأمم دروساً سامية فما بالك به مع الخاملين. وعلى ذكر حيفا لا بأس بإيراد نبذة موجزة من تاريخها لنسلسله إلى حالتها اليوم فنقول: كانت حيفا قديماً تسمى قلمون وليس لها ذكر في التوراة وتاريخها القديم غامض لا شأن له، ولقد كان الساحل من نصيب قبيلة عازر ولما وصل الاسرائيليون إلى هذه البلاد لم يستطيعوا أن يستولوا على مدينة من المدن الساحلية ومن جملة الملوك الذين غلبهم جوزوي في شمالي فلسطين كان الملك جوشانان ملك الكرمل والكرمل كانت كما يقول المؤرخ بلين على الجبل المسمى باسمها وكان اسمها قديماً اكباتان وكان في جوار حيفا أو قلمون مدينة اسمها سيكامينوس أي مدينة الصبار لكثرة هذا الشجر في أرضها فكانت قلمون وسيكامينوس مدينتين متنافستين تعمر الأولى وتخرب الثانية وهكذا كانت المنافسة بينهما سجالاً إلى القرون الوسطى وقد زالت سيكامينوس من لوح الوجود أبد الدهر، فتاريخ المدينتين كما قال برنابه ميسترمان ممزوج بعضه في الآخر، ولقد روى التاريخ أن بطليموس لا يثر حاكم جزيرة قبرص بعد أن طردته أمه كليوباترا من مصر جاء سنة ١٠٤ ق. م لنجدة عكا وكان يحاصرها إذ ذاك اسكندر جانى ملك يهودا فأنزل جنده وكان ثلاثين ألفاً في مدينة سيكامينوس وفي أوائل التاريخ المسيحي لم تكن سيكامينوس ذات شأن هي وسائر المدن المجاورة لها وكانت مدينة عكا على رأي سترابون أرقى تلك البلاد وتجيء بعدها قيسارية. وكثيراً ما يذكر اسم الكرمل وبعض المدن مثل سيكامينوبوليس وبوكولوبوليس وكروكوديبوبوليس وغيرها وذكر المؤرخ بلين أموراً كهذه، وقد ازدهرت مدينة سيكامينوس ومدينة قلمون في القرن السادس للميلاد. ومعنى حيفا بالعبرانية الرأس أو الأرض الداخلة في البحر لأنها أنشئت في جوار الكرمل

стр. 4037

وهو لها معتصم وملجأ وحيفا القديمة كانت في مكان لا يبعد كثيراً عن حيفا الجديدة عرفت آثاره كما أن مدينة سيكامينوس تبين أنها على أربعة كيلومترات من حيفا القديمة وقد اكتشفت بعض آثارها وعادياتها وهي رومانية يونانية. ولقد كانت حيفا في الإسلام من جملة الحصون المشرفة على البحر الرومي لا سيما وأنها موازية لجزيرة قبرص ولم تزل في أيدي المسلمين إلى أن تغلب عليها كوفرى الذي ملك بيت المقدس سنة ٤٩٤ وبقيت في أيديهم إلى أن فتحها صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة ٥٧٣ (١١٨٧) وكانت حيفا من نصيب الملك تنكرد الذي أصبح أميراً على بلاد الجليل من طبرية إلى حيفا ولما سقطت عكا في أيدي الافرنج سنة ١١٩١ خرب صلاح الدين حيفا نكاية بالصليبيين حتى لا ينالهم منها إلى الخراب، ولكن هؤلاء جددوا بنيانها ولما غادروا سورية سنة ١٢٩٢ ظلت حيفا خاملة الذكر إلى أن كان القرن الثامن فاستولى عليها الشيخ ظاهر العمر كما استولى على أرض الجليل ودكها فجعل عليها سافلها ثم أعاد بناءها وبنى عليها سوراً وأنشأ له قصراً من جنوبها يطل عليها. والظاهر عمر هذا كان من أرة بدوية اسمها بني الزيادنة ورث من أبيه الحكم على مدينة صفد واستولى على طبرية سنة ١٧٣٨ وعلى عكا سنة ١٧٤٩ فأصبح شيخاً على أعمال الجليل كلها وكان يميل إلى العمران بحيث يشبه بأعماله الأمير فخر الدين المعني أمير الدروز في القرن الحادي عشر للهجرة وقد تقاتل الشيخ ظاهر العمر مع أبنائه أنفسهم ثم غدر به أحد رجاله أحمد باشا الجزار واستولى على الحكومة دونه، واستولى بونابرت على حيفا سنة ١٧٩٩ وبعد بضعة أيام ضربه الاسطول الانكليزي ضربة قاضية وفي سنة ١٨٣٧ احتلت عساكر ابراهيم باشا المصري مدينة حيفا وفي سنة ١٨٤٠ أصيبت حيفا ولا سيما حصنها بأضرار جسيمة من قذائف الأساطيل الانكليزية والنمساوية والعثمانية ومنذ غادرها الجيش المصري ظلت بلا حامية إلى المدة الأخيرة وقد جعلت قضاءً وأخذت بعض السفن التجارية ترسو فيها قليلاً فتنقل إليها البريد والبضائع وتحمل منها حبوب حوران وحاصلات الجليل وقد زادت مكانة بجعلها سنة ١٣٢٠ مبدأ للسكة الحديدية الحجازية فأنشئت في ضاحيتها محطة مهمة ومعامل وأنابير فأخذت المدينة تعمر بذلك حتى كادت بما بلغته تنسي ذكر الموانئ المجاورة لها، ويقدر سكانها الآن بنحو عشرين ألف نسمة نحو

стр. 4038

نصفهم اسرائيليون مهاجرون لم يقيدوا في دفاتر الحكومة سوى ستمائة منهم والباقون مسلمون ومسيحيون ويقف عليها مدى السنة زهاء ٣٠٠ باخرة و٧٠٠ مركب ويحمل منها زهاء عشرين ألف طن من الحبوب والدرة والسمسم والزيت ويصدر إليها ما تبلغ حمولته عشرة آلاف طن من البضائع. وماء البلد من آبار فيه بعض الملوحة وقد كان يمكنها الاستقاء من ينابيع بقربها ولا سيما من نهر المقطع أو قاديشا الفاصل بين أرض الجليل وفينيقية أو بين أرضها وأرض عكا لو صحت العزيمة على ذلك، وهواؤها جيد ومناظرها الطبيعية رائقة ويكثر فيها النخيل. أما عكا وهي الآن مركز اللواء وقضاء طبرية وقضاء صفد وقضاء الناصرة من أعمالها وبعبارة ثانية هي قاعدة بلاد الجليل على ما أصابها من الانحطاط الشديد، ويؤخذ مما ورد في سفر القضاة أن عكو أي عكا لم تكن مدينة اسرائيلية ولم تصبح مستعمرة يهودية إلا بعد أزمان طويلة، وكان اليونان يربطون عكا بفلسطين ثم دعيت بعد باسم بطولمايس نسبة إلى أحد بطالسة مصر وربما كان بطليموس ابن لاغوس وذكر مؤلفو الرومان والنقود التي عثر عليها من عهدهم أن عكا كانت مستعمرة للامبراطور كلوديوس وكانت ذات منعة من حيث هي مدينة بحرية واستولى عليها العرب سنة ٦٣٨ ففقدت إذ ذاك اسمها اليوناني. قال ياقوت العكة الرملة حميت عليها الشمس وعكة اسم بلد على ساحل بحر الشام من عمل الأردن وهي من أحسن بلاد الساحل في أيامنا هذه وأعمرها قال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء البشاري: عكة مدينة حصينة كبيرة الجامع فيه غابة زيتون يقوم بسرجه وزيادة ولم تكن على هذه الحصانة حتى قدمها ابن طولون وكان قد رأى صور واستدارة الحائط على ميناها فأحب أن يتخذ لعكة مثل تلك المينا فجمع صناع الكور وعرض عليهم ذلك فقيل له لا يهتدي أحد إلى البناء في الماء في هذا الزمان ثم ذكر له جدنا أبو بكر البناء وقيل له أن كان عند أحد فيه علم فهو عنده فكتب إليه وأتي به من القدس وعرض عليه ذلك فاستهان به والتمس منهم احضار فلق من خشب الجميز غليظة فلما حضرت عمد يصفها على وجه الماء بقدر الحصن البري وضم بعضها إلى بعض وجعل لها باباً عظيماً من ناحية الغرب ثم بنى عليها الحجارة والشيد وجعل كلما بنى خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ليشتد البناء وجعلت الفلق كلما ثقلت نزلت حتى إذا علم أنها قد استقرت على الرمل

стр. 4039

تركها حولاً كاملاً حتى أخذت قرارها ثم عاد فبنى من حيث ترك وكلما بلغ البناء إلى الحائط الذي قبله أدخله فيه وحنطه به ثم جعل على الباب قنطرة والمراكب كل ليلة تدخل البناء وتجر سلسلة بينها وبين البحر الأعظم مثل صور قال فدفع إليه ألف دينار سوى الخلع والمركوب واسمه عليه مكتوب إلى اليوم قال وكان العدو قبل ذلك يغير على المراكب. وفتحت عكا في حدود سنة ١٥ على يد عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وكان لمعاوية في فتحها وفتح السواحل أثر جميل ولما ركب منها إلى غزوة قبرص رمها وأعاد ما تشعث منها وكذلك فعل بصور ثم خربت فجددها هشام بن عبد الملك وكانت فيها صناعة بلاد الأردن وهي محسوبة من حدود الأردن ثم نقل هشام الصناعة منها إلى صور فبقيت على ذلك إلى قرابة أيام الإمام المقتدر ثم اختلفت أيدي المتغلبين عليها وعمرت عكة أحسن عمارة وصارت بها الصناعة إلى يومنا ذا وهي للافرنج قال ياقوت: وكانت قديماً بيد المسلمين حتى أخذها الافرنج ومقدمهم بغدوين صاحب بيت المقدس من زهر الدولة بن أمير الجيوش منسوب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي أو ابنه وكان فيها من قبل المصريين فقصدها الافرنج براً وبحراً في سنة ٤٩٧ فقاتلهم أهل عكة حتى عجزوا عنهم لقصور المادة بهم وكان اهل مصر لا يمدونهم بشيء فسلموها إليهم وقتلوا منها خلقاً كثيراً وسبوا جماعة أخرى حملوهم إلى خلف البحر وخرج زهر الدولة حتى وصل إلى دمشق ثم عاد إلى مصر ولم تزل في أيديهم حتى افتتحها صلاح الدين يوسف بن أيوب في جمادى الأول سنة ٥٨٣ وشحنها بالرجال والعدد والميرة فعاد الافرنج ونزلوا عليها وخندقوا دونهم خندقاً وجاءهم صلاح الدين ونزل دونهم وأقام حولهم ثلاث سنين حتى استعادها الافرنج من المسلمين عنوة في سابع جمادى الآخرة سنة ٥٨٧ وأحضروا أسارى المسلمين وكانوا نحو ثلاثة آلاف وحملوا عليهم حملة واحدة فقتلوهم عن آخرهم، والنسبة إليها عكي وقد نسب إليها قوم وقد رسمها عماد الدين الأصفهاني في الفتح القبسي بالألف المقصورة تارة عكا وبالألف الممدودة أخرى. وقد استولى بودوين الأول على عكا سنة ١١٠٤ م بمعونة اسطول جنوي له وجعلها الصليبيون ميناءً مهمة لا لإنزال جيوشهم بل ميناءً تجارية فكانت ترسو فيها سفن الجنويين

стр. 4040

والبنادقة والبيزانيين وبعد وقعة حطين سقطت عكا بيد صلاح الدين وفي سنة ١١٨٩ حاصرها من البر الملك كي دي لوزنيان ومن البحر اسطول بيزاني واستولى عليها ريشاردس قلب الأسد ملك الانكليز سنة ١١٩١ م فأصبحت من ذاك الحين الجادة العظمى للنصرانية في فلسطين وكانت معسكر الفرسان ودعوها باسم إحدى فرقهم وكانت تدعى القديس يوحنا فقالوا عنها وفي سنة ١٢٩١ استولى عليها الملك الأشرف بعد مقاومة شديدة فقضى بالاستيلاء عليها على سلطة الافرنج من هذه البلاد، فبقيت عكا أهم ميناء ينزل فيه حجاج الغربيين إلى الأرض المقدسة وفي حوالي منتصف القرن الثامن عشر استولى الشيخ ظاهر العمر على الجليل الأسفل وعلى جزء عظيم من الجليل الأعلى واتخذ عكا مقر إمارته فعادت إليها نضرتها وخلفه في الإمارة أحمد باشا الجزار الذي وسع حدود إمارته فامتدت شمالاً إلى نهر الكلب وبعلبك وجنوباً إلى قيسارية واشتهر بمبانيه التي جلب لها المواد من عسقلان وقيسارية وغيرهما، وبدأ الفرنسيس سنة ١٧٩٩ يحاصرون عكا وبعد ثماني وقائع سألت فيها الدماء إلى الأباطح اضطر نابوليون أن يرجع عنها واستولى ابراهيم باشا سنة ١٨٣٢ على المدينة فنهبت وخربت ولكنها عادت فنهضت من كبوتها وفي سنة ١٨٤٠ خربت الأساطيل الانكليزية والنمساوية ثغر عكا فخرب بذلك كل أثر من آثارها القديمة ثم تعاقب الخراب الاقتصادي عليها فكانت تجارتها رائجة لأنها كانت سوق الحبوب التي ترد إليها من الداخلية ولا سيما من حوران فسقطت من هذه الوجهة خصوصاً لما قامت بعد موانئ سورية مثل بيروت وطرابلس وحيفا ويافا تنازعها في مكانتها وأنشئت سكك حديدية ربطت معظم هذه الموانئ بالمدن الداخلية وبقيت عكا في نجوة من الأرض ضعيفة في تجارتها وهاجرها كثير من أهلها ومنهم أناس من كبار تجارها وأرباب الأملاك بها. وقفنا على سورها نطل على ثغر عكا الذي اهرقت في سبيل الاستيلاء عليها دماء غزيرة ذاك السور الذي أعجز بمناعته صلاح الدين وجيوشه وتدبيره فارتد عنها غير ما مرة وأهرق الصليبيون دماءهم في بسط أيديهم عليها ثم زحزحوا عنها بعد وقائع تشيب لهولها الرؤوس وهكذا طمح فيها الفاتحون لأنهم كانوا يعتبرونها مفتاح سورية، ولطالما كانت عكا ترمي من برها وبحرها بالقذائف والنيران وكانت مجزرة يهلك فيها الإنسان.

стр. 4041

وقفنا على أسوارها ننظر إلى المدينة التي أعجزت الملك الناصر والملك الظاهر بونابرت ونتأمل في أرباضها القاحلة اليوم وكم جثة دفنت فيها وفي بحرها وهو يحدجها بعينه الزرقاء كم ابتلع من أسطول بما فيه، وقفنا وفكرنا ملياً في حال البشر يقتتلون على بسط سلطانهم وتكبير رقعة بلدانهم ويرتكبون كل منكر في سبيل المجد والفخار رأيناهم في القديم يقتتلون بحجة دينية واليوم هم كذلك ولكن حجتهم مدنية وإنسانية وما المقصود في الواقع ونفس الأمر إلا الاستيلاء والتغلب وتوسيع نطاق الحكم والسلطان. فوقفنا على أسوار عكا نندب في نفسنا الضعف البشري وقد استولى على النفس جلال ذلك البلد وذكرنا أرواح الخلق تباع في كل عصر بيع السماح ولو أردنا أن نأتي هنا على لمعة من تاريخه لاقتضى له مجلد برأسه، وهاك الآن نموذجاً واحداً بما جرى لأجلها في القرون الوسطى قاله أبو الفدا حاضرها بنفسه: إن السلطان الملك الأشرف سار بالعساكر المصرية إلى عكا وأرسل إلى العساكر الشامية وأمرهم بالحضور وأن يحضروا صحبتهم المجانيق فتوجه الملك المظفر صاحب حماة وعمه الملك الأفضل وسائر عسكر حماة صحبته إلى حصن الأكراد وتسلمنا منه منجنيقاً عظيماً يسمى المنصوري حمل مائة عجلة ففرقت في العسكر الحموي وكان المسلم إلي منه عجلة واحدة لأني كنت إذ ذاك أمير عشرة وكان مسيرنا بالعجل في أواخر فصل الشتاء فاتفق وقوع الأمار والثلوج علينا بين حصن الأكراد ودمشق فقاسينا من ذلك بسبب جر العجل وضعف البقر وموتها بسبب البرد شدة عظيمة وسرنا بسبب العجل من حصن الأكراد إلى عكا شهراً وذلك مسير نحو ثمانية أيام للخيل على العادة وكذلك أمر السلطان الملك الأشرف بحر المجانيق الكبار والصغار ما لم يجتمع على غيرها واشتد عليها القتال ولم يغلق الافرنج غالب أبوابها بل كانت مفتحة وهم يقاتلون فيها وكان يحضر إلينا مراكب مقبية بالخشب الملبس جلود الجواميس وكانوا يرموننا بالنشاب والجروخ وما زالوا بها حتى فتحت وكان في داخل البلد عدة أبرجة عاصية بمنزلة قلاع دخلها عالم عظيم من الفرنج وتحصنوا بها وقتل المسلمون وغنموا من عكا شيئاً يفوق الحصر من كثرته ثم استنزل السلطان جميع من عصى بالأبرجة ولم يتأخر منهم أحد فأمر بهم فضربت أعناقهم عن آخرهم حول عكا ثم أمر بمدينة عكا فهدمت إلى الأرض ودكت دكا ومن عجائب الاتفاق أن الفرند استولوا على عكا وأخذوها من صلاح

стр. 4042

الدين ظهر يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة واستولوا على من بها من المسلمين ثم قتلوهم فقدر الله في سابق عمله أنها تفتح في هذه السنة (٦٩٠) في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة على يد السلطان الملك الأشرف صلاح الدين فكان فتوحها مثل اليوم الذي ملكها الفرنج فيه وكذلك لقب السلطانيين. وهذا القول ينبئك بمكانة عكا واغتباط المؤرخ باستخلاصها من الأعداء، ومن مدن الجليل صفد ولم يتيسر لنا زيارتها للأمطار المتهاطلة ولموقها في قمة جبل وهي ترى من طبرية وعلى بضع ساعات منها ومعظم سكانها يهود وبعض المسلمين من مهاجرة الجزائر وليس في أهلها العريق فيها للسبب الذي أورده أبو الفدا في حوادث سنة ٦٦٤ قال وفي هذه السنة خرج الملك الظاهر بعساكره المتوافرة من الديار المصرية وسار إلى الشام، وجهز عسكراً إلى ساحل طرابلس ففتحوا القليعات وحلبا وعرقا ونزل الملك الظاهر على صفد ثامن شعبان وضايقها بالزحف وآلات الحصار وقدم إليه وهو على صفد الملك المنصور صاحب حماة ولاصق الجند القلعة وكثر القتل والجراح في المسلمين وفتحها في تاسع عشر شعبان المذكور بالأمان ثم قتل أهلها عن آخرهم. ولقد كانت صفد في القرن السابع مملكة يقال لها مملكة صفد ومضافاتها وصفد حصن بقبة جبل كنعان في أرض الجرمق كان قرية فبني مكانها حصن سميت صفت ثم قيل صفد وهو حصن منيع وكان بها طائفة من الفرنج يقال لهم الداوية فحصرهم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي وفتحها وقتل كل من فيها على رأس تل بالقرب منها ثم رممها وبنى في وسطها برجاً مدوراً سماه قلة ارتفاعه في السماء مائة وعشرون ذراعاً وقطره سبعون ذراعاً وإلى سطحه طريقان يصعد في الطريق إلى أعلاه خمسة أفراس صفاً بلا درج في ممشى حلزوني وهو ثلاث طبقات أبنية ومنافع وقاعات ومخازن وتحته كله بئر للماء من الشتاء يكفي لأهل الحصن من الحول إلى الحول أشبه بمنارة اسكندرية وبهذا الحصن بئر تسمى الساقورة وعمقها مائة وعشرة أذرع في ستة أذرع بذراع النجار والدلاء التي لها بتاتي من الخشب تسع البتية نحو قلة من الماء وهم بتيتان في حبل واحد يسمى سرباق كغلظ زند الإنسان وكلما وصلت بتية إلى الماء وصلت الأخرى إلى رأس البئر وكلما وصلت واحدة إلى رأس البئر وصلت الأخرى إلى الماء وعلى رأس البئر ساعدان من

стр. 4043

حديد بكفين وأصابع تتعلق الأصابع في حافة البتية الملآنة وتجذبها الكفان فينصب الماء في حوض يجري فيه إلى مقر، فإذا انصب الماء من البتية حصل القصد والجاذب لهاتين البتيتين مرمة هندسية بقسي ودوائر وحركات ولا يزال ذلك السرباق راكباً على بكرته طرداً وعكساً يمنة ويسرة وحول المرمة بغال معلمات تدور بذلك فإذا سمع البغل الدائر خرير الماء وجر السلسلة انقلب راجعاً على عقبه ودار يمشي في مرتبته بخلاف ما كان يمشي إلى أن يسمع خرير الماء وجر السلسلة فينقلب دائراً على خلاف دورته كذلك وهي من أعاجيب الدنيا فإذا وقف واقف وتكلم كلمة واحدة في رأس البئر سمع رجع صوته بتلك الكلمة نازلاً نحو لحظة جيدة حتى يبلغ الماء ثم يعود إليه فيسمعه كما قالها فإن صاح وغلب سمع دوياً واضطراباً بذلك الصياح كالرعود لبعد الماء وعمقه، ومن أعمال صفد مرج عيون وأرض الجرمق وهي مدينة قديمة عادية كانت بها طائفة من العبرانية ينسبون إليها يقال لهم الجرامقة والكنعانيون بوادي كنعان ابن نوح ومن عملها جبل بقيعة وبه قرية يقال لها البقيعة لها أمواه جارية ولها سفرجل مليح وبه قرى كثيرة الزيتون والفواكه والكرم وجبل الزابود مشرف على صفد والزابود قرية وبها أيضاً قرى كثيرة. وفي بلاد الجليل أو عمل الأردن قرى دائرة ذكر بعضها ياقوت في معجمه مثل (كفرسبت) وهي قرية عند عقبة طبرية و (كفرعائب) وهي قرية على بحيرة طبرية من أعمال الأردن ذكرها المتنبي فقال: أتاني وعيد الأدعياء وإنهم ... أعدوا لي السودان في كفر عاقب ولو صدقوا في جدهم لحذرتهم ... فهل في حدي قولهم غير كاذب ومثل (كفرمندة) قرية بين عكا وطبرية بالأردن يقال لها مدين المذكورة في القرآن والمشهور أن مدين في شرقي الطور وفي كفرمندة قبر صفوراء زوجة موسى ﵇ وبه الجب الذي قلع الصخرة من عليه وسقى لهما والصخرة باقية هناك إلى الآن (عصرياقوت) وفيه ولدان ليعقوب يقال لهما أشير ونفتالي و (دبورية) بليد قرب طبرية من أعمال الأردن قال أحمد بن منير لئن كنت في حلب ثاوياً ... فنجني الغبير بدبورية و (ديرالتجلي) على الطور زعموا أن عيسى ﵇ علا عليهم فيه و (خيارة) قرية

стр. 4044

قرب طبرية من جهة عكا قرب حطين بها قبر شعيب النبي ﵇ عن الكمال بن العجمي و (عفربلا) بلد بغور الأردن قرب بيسان وطبرية و (الصنبرة) موضع بالأردن مقابل لعقبة أفيق بينه وبين طبرية ثلاثة أميال كان معاوية يشتو بها و (أربد) بالفتح ثم السكون والباء الموحدة قرية بالأردن قرب طبرية عن يمين طريق المغرب بها قبر أم موسى بن عمران ﵇ وقبور أربعة من أولاد يعقوب ﵇ وهم وإن وايسا جار وزبولون وكاد فيما زعموا و (اسكندرونة) قال ياقوت وجدت في بعض تواريخ الشام أن اسكندرونة بين عكا وصور و (اكسال) قرية من قرى الأردن بينها وبين طبرية خمسة فراسخ من جهة الرملة ونهر أبي خطرس لها ذكر في بعض الأخبار كانت بها وقعة مشهورة بين أصحاب سيف الدولة بن حمدان وكافور الإخشيدي فقتل أصحاب سيف الدولة كل مقتلة و (معليا) من نواحي الأردن بالشام و (الزيب) قرية كبيرة على ساحل بحر الشام قرب عكا و (صفورية) كورة وبلدة من نواحي الأردن بالشام وهي قرب طبرية و (الأقحوانة) موضع بالأردن من أرض دمشق على شاطئ بحيرة طبرية حدث هشام بن الوليد عن أبيه قال خرج قوم من مكة نحو الشام وكنت قيمهم فبينما نحن نسير في بلاد الأردن من أرض الشام إذ رفع لنا قصر فقال بعضنا لبعض لو ملنا إلى هذا القصر فأقمنا بفنائه حتى نستريح ففعلنا فبينما نحن كذلك إذ انفتح باب القصر وانفرج عن امرأة مثل الغزال العطشان فرمقها كل منا بعين وامق وقلب عاشق فقالت: من أي القبائل أنتم ومن أي البلاد قلنا: نحن أضاميم من هنا وهناك فقالت أفيكم من أهل مكة قلنا: نعم، فأنشأت تقول: من كان يسأل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن وإن قصري هذا ما به وطني ... لكن بمكة أمسى الأهل والوطن إذ نلبس العيش صفواً ما يكدره ... قول الوشاة وما ينبو به الزمن من كان ذا شجن بالشام ينزله ... فبالأباطح أمسى الهم والحزن ثم شهقت شهقة وخرت مغشية عليها فخرجت عجوزة من القصر فنفخت الماء على وجهها وجعلت تقول في كل يوم لك مثل هذا مرات تالله للموت خير لك من الحياة فقلنا أيتها العجوز ما قصتها فقالت: كانت لرجل من أهل مكة فباعها فهي لا تزال تنزع إليه حنينا وشوقاً.

стр. 4045

هذا ما تيسر نقله مما تأثرت به النفس في رحلة قصيرة إلى تلك الكورة في الشهر الماضي، ولو وفق أهالي عكا إلى تحقيق ما يفكرون به ويلتمسونه من الحكومة من إلحاق لوائهم بولاية سورية لأصبحت مدينتهم أو حيفا ميناءً مهمة لدمشق ومورد التجارات من أوروبا ومصدر الغلات من بلادنا ولعاد لبلاد الجليل بهاؤها القديم ولما أضر ذلك بعمران بيروت وطرابلس ضرراً يذكر إذ كل بلد ينال إذ ذاك حظه من الرقي، وقد كان الفكر الشائع يوم بوشر بمد شعبة من السكة الحجازية من حيفا أن تسقط بيروت عن مكانتها التجارية فرأيناها بعد أن تم ذلك الخط قد زادت بيروت مكانة ولم يغادرها من التجار إلا أفراد قلائل وعمرت حيفا بعض الشيء وإذا جعلت لهذه ميناء ترسو فيها السفن آمنة كما هي الحال في بيروت ترتقي أيضاً زيادة ولا تضر بغيرها. والعمران كالثروة لا يحلو وينفع إلا إذا كان موزعا بين البلاد على التساوي وحبذا يوم يكون فيه لكل ميناء من موانئ سورية صغيرة كانت أو كبيرة مرفأ أمين للسفن وخط حديدي يصلها بالبلاد الداخلية ولو بخطوط زراعية ضيقة يومئذ يقال أن سورية دخلت في دور العمران.

стр. 4046

أخبار وأفكار اللبن الرائب كتب الأستاذ متشنكوف بحثاً في مجلة من المجلات الفرنسوية أبان فيه مزايا اللبن الرائب أو الحامض في معالجة بعض الأمراض افتتحها بقوله إن الناس كانوا يفزعون من الهواء الأصفر ويموتون منه ألوفاً أيام لم يكن كوخ قد اكتشف ميكروباته فلما اكتشفها سهلت على الناس الوقاية فصاروا يتخيرون المياه الجيدة فينجون منه ومن لم تساعدهم الحال على استجادة المياه كأهالي بطرسبرج عمدوا إلى غلي الماء فنجوا من فتكات هذا المرض الوبيل ومثل ذلك يقال في جراثيم الطاعون والحمى وغيرها من الأمراض فغنها لما ظهر السبب فيها بطل العجب وذكر أنه جرب وجرب كثيرون فوائد اللبن الرائب للمصابين ببعض أمراض المعدة فثبتت فائدتها كل الثبوت في المستشفيات والمصاح ونفع في الحمى التيفوئيدية أيضاً وقال أن في أحشائنا جراثيم سامة لا يقتلها إلا حامض اللبن وأنه جرب ذلك منذ ١٢ سنة في نفسه وكان في الثالثة والخمسين من عمره فامتنع عن جميع المشروبات الروحية واقتصر على الماء واللبن الرائب والشاي الخفيف والطعام المطبوخ وامتنع عن كل ما هو نيء فجادت صحته على كثرة مشاغله وبعدت همته بحيث يعمل ساعات طويلة عملاً متواصلاً بدون أن يعروه ملل بذلك فهو يوصي الشبان أن يجروا على طريقته في تناول الألبان الحامضة إذ تساعدهم سنهم على الانتفاع منها وربما أطالت حبل آجالهم كما وقع لحائك عمره مئة وثلاث سنين بحثوا عن معيشته فرأوه على اقتصاده في مأكله يتناول بكثرة الملفوف المختمر وفيه شيء من الحامض اللبني والخلاصة فإن الأستاذ المشار إليه يضرب منذ سنين على هذا الوتر من بيان منافع اللبن وقد وافقه الآن على رأيه بعد التجارب الطويلة كثير من أطباء الروس والبولونيين والألمانيين والفرنسويين وغيرهم ولا يبعد أن يؤثر صوته فيدخل اللبن الرائب على الطريقة العربية والتركية والمصرية والبلغارية إلى بلاد لم يكن يدخلها من قبل بفضل هذا التنويه به. الطباعة كانت البعثة الأثرية الإيطالية عثرت في جزيرة كريت منذ سنين على إطار من التراب مكتوب عليه كتابة مدورة فثبت لها أن تاريخها يرد إلى سنة ١٦٠٠ قبل المسيح وقد

стр. 4047

توصل العلماء الآن إلى حلها بعض الشيء فتبين لهم أنها تقرأ من اليمين إلى الشمال وهي عبارة عن نشيد للصلاة وأنها أشبه بالخط الهيروغليفي أو المسند المصري وأنها أول أثر مطبوع ظفر به مما دل أن الطباعة في شواطئ البحر الرومي قديمة كما كانت في الصين. الرهبنات روت المجلة الباريزية أن عدد الرهبنات الدينية التي وقفت أنفسها على بذل الإحسان ومعاونة البائس من نوع الإنسان ما برحت آخذة بالانتشار في ألمانيا وقل عدد البرتستنتية منها فلرهبنة الدياكوني أو الشماسية ٨٤ ملجأ منها ٥٤ في ألمانيا والباقي في غيرها وهي مؤلفة من ٢٥٠٠ أخ و٢٥٠٠٠ أخت إلا أنه قل في العهد الأخير انخراط النساء في هذا السلك لأنه قل الاعتماد عليهن في المستشفيات كما كان سابقاً ولكن يزيد عدد من يمرضن المرضى في بيوتهم عن ذي قبل والرهبنات الكاثوليكية تنمو أكثر من غيرها فقد كان في بروسيا منذ ٢٥ سنة ٧٤٦ ملجأ فيها ٧٠٠٠ أخ وأخت فغدت سنة ١٩٠٧ ٢١١٣ ملجأ أعضاؤها ثلاثون ألفاً منهم أربعة آلاف أخ وستة وعشرون ألف أخت أي أن الرهبنات الكاثوليكية قد زاد عددها أربعة أضعاف. قتلى الالكحول أعظم المسائل الاجتماعية التي يتعاورها أرباب البحث والنظر في الغرب مسألة انتشار الالكحول بين الجمهور حتى أنهم حسبوا ما عند فرنسا من أماكن لبيعها فبلغت ٤٧٧٠٠٠ يصيب كل ثمانين نسمة منها محل واحد أو محل لكل ثلاثين بالغاً ومعظمها من الخمور القتالة المزورة وكل يوم يفتح في فرنسا ستة أماكن للبيع بحيث تهلك هذه الأمة عما قريب إذا لم تنظر في أمرها وبذلك تشوهت الخلق وضعفت الأجسام حتى اضطرت الحكومة أن تترك كثيراً من الذين دعتهم لحمل السلاح لعدم اقتدارهم عليه وكثر عدد المنتحرين فزاد عددهم أربعة أضعاف ما كان عليه قبل أربعين سنة وكذلك عدد المجانين وزادت الجرائم حتى قدروا أن ثلثي المجرمين هم من السكيرين أو من أبناء السكيرين، والأمة هناك تحارب الالكحول كما تحارب الأعداء بماتتوفر على نشره من الكتب والرسائل والنشرات والمجلات والجرائد والمحاضرات والخطب ولا بد أن توفق إلى تقليل وطأتها كما وفقت سويسرا وغيرها من الممالك الصغرى.

стр. 4048

آثار مصرية اكتشفت بعثة ألمانية في مصر الوسطى في الحفريات التي قامت بها في مكان اسمه أبو صير الملك كثيراً من الأواني والمدى المعمولة من الصوان والعظام والعاج المنحوت وتاريخ هذه الذخائر يرد إلى زمن عرف فيه التاريخ أي سنة ٢٥٠٠ قبل الميلاد. الآداب الانكليزية منح أحد نبلاء بريطانيا عشرين ألف جنيه لكلية كمبردج في انكلترا لتؤسس بها درساً في الآداب الانكليزية تسميه درس الملك ادوارد السابع، وأنشأوا في انكلترا جمعية دخلها الناس في كل البلاد التي يتكلم فيها بالانكليزية غايتها إشراب القلوب حب الشعر إذ ثبت أن المدنية المادية الحالية لا تحلو إلا إذا احتفظ الناس فيها بالخيال في الحياة. معهد كارنيجي أفاد لسان البرق أن المستر كارنيجي الغني الأميركي الشهير قد تبرع بعشرة ملايين دولار أخرى للمعهد الذي أنشأه على اسمه في نيويورك فبلغ مجموع ما تبرع به من ماله خمسة وعشرين مليون ريال اميركي فأكرم بامة فيها مثل هذا الكريم وببلاد تخرج مثل هذا الغني الذي لا يكاد يصدقه ابن الشرق لولا صدوره عن قوم لا يتكلمون إلا عن عقل ولا يميلون لغير المحسوسات، أما هذا المعهد الذي احتفل مؤخراً بافتتاحه فليس له نظير في العالم وسيكون له شأن كالمجمع العلمي الذي أنشأه باستور على اسمه في مدينة باريز، ومعمل باستور يعني خاصة بعلم الجراثيم (بكتريولوجي) والمعالجة بالمصل والكيمياء الحيوية والأمراض السارية أما معهد كارنيجي فهو ضرب من ضروب المستشفيات العجيبة لا يقبل فيه إلا المرضى الذين تخلى عن طبهم الأطباء وقطعوا بأنهم أقرب إلى الموت منهم إلى الشفاء وهو قصر عظيم جداً يذكر بأعظم قصور ملوك الشرق الأقدمين وفيه من مظاهر الرفاهية والراحة والجمال أحسن ما أبرزته عقول الغربيين وهو يطل على نهر فتشرف النفوس من ورائه على مناظر تأخذ بمجامع القلوب وهو مؤلف من إحدى عشرة طبقة يصعد إليها بمصاعد وأدراج واسعة وفيها ردهات وغرف وحجر فسيحة، وليس طول الغرف الخاصة بالمرضى أكثر من ١٦ متراً وعرضها ٨ أمتار وفي كل واحدة منها سبع سرر فقط وليس للغرف زوايا وقرن بل هي أبنية مدورة ذات قباب وذلك حتى لا يعلق

стр. 4049

الغبار زواياها على أن العناية في النظافة ليس وراءها غاية فالبيوت تفتح من تلقاء نفسها بمجرد مس الذراع أو الرجل أو الركبة لها مساً خفيفاً وبذلك لا ينال الأيدي شيء من الجراثيم وهناك محل عظيم لمداواة المرضى بالماء البارد والتغير الجسماني وآخر للتصوير الشمسي ورابع للراديوم وللمستشفى خزانة كتب عظيمة جعلت تحت أمر أطباء المحل وتلامذتهم وله أناس موظفون للخدمة والإشراف على الأعمال وكلهم من خيرة القوم وسيأتي على هذا المعهد العلمي الإنساني يوم نسمع بالاختراعات والاكتشافات التي تتم فيه بفضل تلك العقول الراجحة التي اجتمعت تحته وانقطعت إلى خدمة الإنسانية فيه بفضل المحسن الأميركي وبيض أياديه. قراءة الدماغ بعد أن أتقن الغربيون علم قراءة الأفكار بالتنويم المغناطيسي قام اليوم أحد علماء الانكليز بعد البحث الطويل يكتشف تركيب الدماغ الانساني ومميزاته وذلك بقياس الذهن بطرق وحسابات لا تخطئ فيمكنه أن يعرف طبقة عمل الدماغ معرفة أكيدة بالوقوف على درجة المقاومة في المجرى العصبي وذلك في الجزء الأسفل من مجموع الدماغ. المداواة بالراديوم أكد أحد جراحي الانكليز أنه شفى بعنصر الراديوم الذي اكتشفت منذ اثنتي عشرة سنة بعض الأمراض مثل فالج الوجه والآلام العصبية والرثية وأمراض الجلد والسرطان والصلع، وادعى طبيبان من كلية كنغبسرغ أن الراديوم يشفي من الهواء الأصفر والخناق. وأكد أحد أطباء الروس أن الراديوم يشفي الأكمه والأعمى، وإذا تم ذلك فلا يبقى على العلم إلا اختراع دواء لإحياء الموتى تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. برابرة بوليفيا بوليفيا أو بيرو العليا إحدى جمهوريات أميركا الجنوبية بلاد واسعة البقاع تبلغ مساحتها ١٢٢٢٢٨٠ كيلومتراً مع أن سكانها لا يتجاوزون ٢١٥٩٠٠٠ وما برحت بعض أصقاعها على حالتها من الهمجية الأولى ومن السكان الذين رآهم الرحالة هرزوك في بوليفيا الشرقية وثبت له من أخلاقهم أنهم من عنصر واحد هم وكوارايوس قبائل السيريانوس فإن هؤلاء الهمج لم يرتقوا درجة واحدة في الحضارة منذ العصر الحجري فهم يستعملون الحديد

стр. 4050

وأدواتهم القاطعة هي من الصدف الذي تقذف به الشواطئ وبها يقطعون وينحتون يعيشون عيش البادية في الغابات وتمتد الأصقاع التي ينزلونها إلى ريوغراند وسان ميكل إلى الشرق مما وراء ريوبلانكو، وهم لا يلبسون ثياباً وزينتهم الوحيدة عبارة عن عقد يتخذونه من أسنان القرود ومن حبوب يسلكونها في أسلاك بدون أن يخرقوها بآلة ما، وأكواخهم وقلما يأوون إليها مؤلفة من أغصان النخيل وأوراقه يدعمها جذع من الشجر وليس لهم من السلاح غير أقواس من خشب النخل طولها متران وسهام منه أيضاً طولها ثلاثة أمتار ورأسها محدد، ولا يعرف أصل هذا الشعب معرفة أكيدة. ألمانيا وكلياتها كان للكليات في ألمانيا خلال النصف الأول من القرن الماضي عمل عظيم في حياة تلك الأمة العقلية والأخلاقية والسياسية ففي سنة ١٨١٠ رأى فريدريك غليوم الثالث صاحب بروسيا أن تستعيض ألمانيا عن القوى المادية التي أفقدها إياها نابوليون بقوى أدبية فأسس كلية برلين ليلقي في قلوب ناشئة الأمة فكراً علمياً سليماً وبعلمهم بالكلام والمثال أن يخصوا أرواحهم للعلم وقلوبهم للوطن، ومن مجتمعات الطلبة نشأت الدعوة إلى الوحدة الألمانية وكانت ألمانيا إلى ذاك العهد مقسمة إلى إمارات مشتتة الكلمة ضعيفة السلطان تفادى الطلاب في هذا السبيل بكل عزيز ولطالما جنحوا إلى الثورات وقتلوا وقتل منهم في سبيل تأييد دعوتهم، فمن الكليات نشأت الانقلابات الكبرى في الفلسفة والدين والعلم وكان الألمان إلى ذاك العهد أمة فكر وشعر يقولون في أنفسهم أنهم تركوا البر لجارتهم (فرنسا) تنصرف فيه على ما تشاء والبحر لأخرى (انكلترا) تعمل ما تريد ولم يبق لهم إلا الاحتفاظ بالسماء وهي منزل العقل، وهذه الوحدة السياسية التي كان يراها بعضهم من الخيال قد تحققت في العلم والعمل بفضل الكليات التي كانت مركز الحياة الوطنية، وأنا إذا صرفنا النظر عن أهل الأدب والصناعات نجد جميع كبار الرجال في ألمانيا من أساتذة تلك الكليات، ولما نضجت الأفكار على تلك الصورة قام بسمرك قبيل الحرب الألمانية الفرنسوية ووحد بين تلك الإمارات وعلم أولئك العاملين أن النشرات والدعوات تعمل إلى حد محدود ولا بد لتحقيق الغرض بعد ذلك من النار والبتار، انتهى عمل الكليات السياسي سنة ١٨٧٠ ولكنها ظلت صاحبة الحق في حفظ تراث الأجداد وقديم الأمجاد فهي التي تعلم الناس التجديد ولكن

стр. 4051

مع النظر إلى القديم أبداً. كان في أواخر القرن التاسع عشر ثلاثة أنواع من الكليات في أوروبا الكلية الانكليزية التي هي أصل الكلية الاميركية والكلية الفرنسوية والكلية الألمانية التي اقتبست أسلوبها بلاد السكندياويين أو الدنمارك وأسوج ونروج وروسيا إلا قليلاً. فالكلية الانكليزية تقرب من نسق القرون الوسطى لا علاقة لها مع الحكومة بل هي مستقلة في إدارة شؤونها ومداخيلها وأساتذتها وتقصد إلى التربية العلمية بل إلى التهذيب العام الذي يجب للمهذب أن يكون له منه نصيب، أما الكلية الفرنسوية فهي تابعة للحكومة مباشرة على نحو ما أراد معدل نظامها نابوليون الأول وغايتها إعداد الطلبة لأن يتعلموا ما ينفعهم في ميدان الحياة الاستقلالية والكلية الألمانية نشأت بين الكليتين الانكليزية والفرنسوية فأخذت من هذه ومن تلك. والغاية منها أن لا تخرج علماء صرفاً ولا رجال صناعات ممتازين بل أن تهذب طلابها تهذيباً يتيسر لهم معه أن يستعدوا لدخول المجتمع والتصدر فيه فليست الغاية إذاً أن تخرج تلك الكليات أساتذة وحكاماً ورجال دين للحكومة ولا أن تعد محامين وأطباء للأمة بل أن تعلمهم تعليماً علمياً وتلقنهم الخطة التي يجب عليهم أن يسيروا عليها وتطلعهم على أساليب البحث والنقد والتقوى فيهم أخلاق العلماء كالعفة وخلو الغرض وسعة الفكر وتلقنهم شيئاً من العلوم المساعدة وأن ينظروا نظرة إجمالية في الميدان الذي يجب عليهم أن يجروا فيه وبالجملة تؤهلهم إلى أن يتموا هم بأنفسهم ما بدأ به أسلافهم، فالطالب المتخرج من كلية ألمانية يتعلم ما هو العلم إذا اقترن بعلم خاص فلا يكتفي بشهادة ينالها فيحق له بها أن يقضي أو يشفي أو يعلم أو يلقن الذين لمواطنيه بل يقضى عليه أن يتمرن سنة في الفرع الذي يريد الإخصاء فيه ثم يقدم فحصاً بعد أن تكون المدرسة قد أعدته للنظر الإجمالي في الحياة العلمية، ولرجال الدين والأساتذة والمحامين والقضاة والموظفين والأطباء في ألمانيا الذين يتخرجون من الكليات طبقة خاصة ومنزلة سامية بين قومهم لا ينالها إلا الضباط لأسباب خاصة ولكن الصيارف والتجار وأرباب الصناعات والأملاك مهما بلغوا من الغنى والذكاء والاعتبار وخدموا المصلحة العامة فهم دون أولئك الذين تخرجوا من الكليات بمنزلتهم، وتناغي القوم في الأعمال الحرة علم طبقات الأمة الألمانية أن أرباب الصناعات

стр. 4052

والتجارات وغيرهم من طلاب المال والغنى لا يعيشون مهما بلغوا من الذكاء إلا للثروة ولذلك تكون منزلتهم في الأنظار دون العاملين بأفكارهم وعقولهم. يقولون أن العلم لا ينجح إلا بإطلاق الحرية للمتعلم يتعلم على ما يشاء وللمعلم يعلم كما يشاء وهذا موجود في الجملة في الكليات الألمانية فإن الأستاذ وإن كان أمر تعيينه يرجع إلى الحكومة وتتحكم هذه في اختيار من يعرضون عليها فهو لا يعيش من رواتب تؤديها إليه الحكومة بل أنها تدفع له جزءاً صغيراً والباقي يتكفل به الطلبة فيدفعون أجور الدروس التي يحضرونها والطلبة لا يفحصون آخر السنة بل هم أحرار وعمدة الكليات مستقلة تدبر شؤونها بذاتها وينظر في انتخاب الأستاذ إلى قيمة ما يحسنه من العلم لا إلى ما يمتاز به من صفات التعليم مثل جودة الإلقاء وسهولته والمعلم لا يتعب في إلقاء دروسه لأنه يعلم تلاميذه بالعلم أكثر من النظر. وفي ألمانيا طبقة من الأساتذة مستقلة عن الحكومة كل الاستقلال ولهم الحق أن يدرسوا في الكلية التي يريدونها ويقبضوا من طلبتهم أجور دروسهم ويختاروا موضوعات مسامراتهم ومحاضراتهم ويشرعون وينتهون من دروسهم في الأوقات التي يختارونها وترى الطالب في الكلية لا يحتاج لشيء سوى أن يدفع المخصص لها وسواء حضر أم لم يحضر تعلم أم لم يتعلم لا يسأل عن عمله ويكاد لا يفحص إلا في بعض المواد القليلة كما أنه حر في الدروس التي يختارها. يعلم الألمان أن إطلاق الحرية للطالب على هذا النحو لا يخلو من حمله على الكسل ولكن يرون أن لها فوائد أخرى فإن الطالب يكون قد قضى في المدارس الابتدائية والوسطى نحو عشر سنين تابعاً لنظامها المدقق حتى إذا بلغ العشرين أو نحوها كان حرياً في الحلية أن يتعلم كيف يعمل بنفسه ويحبب إليه عمله بدون سائق يسوقه وكيف يوجه وجهته ويحدد رغبته في التعلم فيعمل على ذوقه برضاه لا مدفوعاً بسائق فحص يجب عليه أن يتخطاه، فالكلية الألمانية تضمن للطالب فيها تهذيب العقل من جهة وتربية الإرادة والخلق من جهة أخرى وذلك بإطلاقها حرية طالبها فنعامله معاملة رجل حر عاقل له حق التصرف بأحواله ولسان حالها اعمل ما يروقك واعلم فقط أنك ستجني ما زرعت. كثير في الأغاني الألمانية ما يشير إلى أن حرية الطالب أثمن شيء وأنها من أوصافه

стр. 4053

الخاصة به فالفتى لا يحضر دروس الكلية للحصول على معارف تنفعه للقيام بحرفة ما في المستقبل وما هذا المطلب إلا ثانوي بل أن الغاية التي يسعى وراءها في سنيه الثلاث في الكلية هو أن يصبح رجلاً وتكون له شخصية، يعينه على ذلك أساتذته وأترابه ومن هنا نشأت فائدة جمعيات الطلبة لأن الطالب يتعلم فيها أمرين مهمين الطاعة واحترام الناس له، والطلبة المتقدمون يطبعون على ذلك الطلبة المتأخرين أو المحدثين بمحافظتهم على قواعد لهم يسنونها وبالمحافظة عليها ينبعث في الطالب شعور الشرف وعزة النفس في الحياة المشتركة وتقوى إرادته على الصدمات فهو إذا خلص من سلطته في منزله بين أبويه يكون لتلك الجمعيات عليه شيء من السلطة الأدبية فبالكلية لا يصبح رجلاً عالماً ومهذباً فقط بل صاحب أخلاق، ولقد صدق أحد من وصف الكليات في الغرب فقال أن الكليات الفرنسوية تنقصها الحرية والكليات الانكليزية يعوزها العلم وفي الكليات الألمانية لا ينقص هذا ولا ذاك. قام مجد ألمانيا قديماً بمن نبغ فيها من الفلاسفة ثم بمن نبغ فيها من القواد والجند ومجدها اليوم مناط إلا قليلا بأرباب الصناعة والتجارة من أبنائها، ومعلوم أن حاجة المدنية الحديثة ماسة للإخصاء في العلوم والتفرد في الصناعات وألمانيا لا تجهل أن قوتها في جهاد الأمم السلمي بمن لديها من الاخصائيين الكثيرين كثرة لا نظير لها عند الأمم الأخرى ولذا بذلت العناية للمدارس الفنية والاخصائية حيث يتعلم الشبان علوماً توجد لهم مراكز في الصناعة وإذ جعلوا في أواخر القرن الماضي من حق هذه المدارس أن تمنح لقب دكتور للمتخرج بها كما تمنح الكليات فقدت هذه بعض الإقبال عليها إن لم يزد كما هو المأمول. وبعد فما برح الأساتذة الذين أوجدوا في الكليات روح الوحدة الألمانية وربوا رجال الأمة تلك التربية السياسية المهمة يتوفرون على الاحتفاظ بهذه الوحدة حتى صح على الألمان ولا يزال صحيحاً ما كان قاله بسمرك وقد رأى جماهير الطلبة سنة ١٨٩٥ تجيء لتهنئته بعيده الثمانيني: منذ رأيت هذه البلوطات الألمانية الحديثة (ويعني بها الشبان الألمانيين) لم يبق عندي أقل قلق على مستقبل ألمانيا. صور تتغنى وتتكلم إن النجاح الذي صادفته الصور المتحركة بتمثيل الأشباح على الستار قد جعل المفكرين

стр. 4054

يدأبون لتتميم الفائدة بإضافة آلة الفوتوغراف أو الحاكي ليتهيأ لجمهور المشاهدين التمتع برؤية الأشباح وسماع أصوات ممثليها في آن واحد، وقد وفق مؤخراً الكابتن كواد الفرنساوي للجمع بين عرض صور الممثلين وأسماع الجمهور أصواتهم بحيث تأتي حركاتهم وأصواتهم طبقاً للمألوف من أصوات الممثلين الحقيقيين وحركاتهم. وطريقه ذلك أن يتكلم الممثل أولاً أو يغني ويؤثر أمام آلتي الفوتوغراف والتصوير فيأخذ الحاكي أصواته على حدة وترسم آلة التصوير حركاته الموافقة لأصواته ثم يوصل بين هاتين الآلتين بقضيب من حديد لتتم المواصلة الكهربائية بينهما، وتوضع آلة التصوير وراء الجمهور حسب المعتاد، ويوضع الحاكي بالقرب من الستار ويديرها معاً مجرى كهربائي فتتحرك الآلتان بسرعة واحدة فتتفق بذلك الأصوات التي تصدر من الحاكي مع الحركات التي تدير صورها آلة السينما توغراف أو الصور المتحركة، فيرى المشاهد أشخاصاً ترقص أو تمشي أو تركض أو تتحرك بحركات غير هذه ويسمع ما تفوه به من الأصوات المطابقة فيخالها أشخاصاً طبيعية لها قوة الحركة والنطق. قفل يفتح بصوت صاحبه في جملة الاختراعات الحديثة قفل للأبواب والصناديق له فوهة مثل فوهة آلة التلفون وله جهاز خاص فلا يفتح إلا إذا تكلم صاحب القفل أو غيره في الفوهة كلمة اصطلاحية يفتح بها القفل بمجرد دخول الصوت المركب من مقاطع تلك الكلمة، فإذا زادت المقاطع أو نقصت تغير فعل الصوت في آلة القفل فيمتنع على الفاتح. غير أن لهذا الاختراع عيوباً أخصها عدم انفتاح القف إذا كان الصوت ابح ولذلك فإذا أصيب صاحب القفل بزكام شديد فلا يبقى بإمكانه أن يفتح بابه أو صندوقه ما لم يطلع صديقاً له على كلمة السر ليلفظ بها في فوهة القفل وفي ذلك ما فيه من الإعنات وكشف السر. تلقيح التربة بالبكتيريا درس بعضهم خواص نوع من البكتيريا فوجد أن له خاصة امتصاص عنصر النيتروجين من الهواء وغيره وبثه في التربة التي يعيش فيها، وامتحن تلقيح الأرض بهذا النوع من البكتيريا فوجد أنه يزيدها خصباً وأنه يحسن غلتها خصوصاً إذا وضع في التربة شيء من

стр. 4055

المواد التي ينمو فيها هذا الميكروب من مثل البوتاس والحامض الفسفوريك والكلس، وسيكون لهذا الاكتشاف شأن عظيم في الزراعة. آلة لتطهير هواء المنازل اخترع الأستاذ شارل ريشه من باريس آلة تنقي هواء المنازل مما يكون فيه من الغبار والجراثيم الحيوية، وهذه الآلة تقذف قطرات صغيرة من الغليسرين يلصق بها الغبار فتحمله ساقطة به إلى الأرض، ولها مروحة تجذب الهواء إليها ليسهل رشه بالغليسرين فيتهافت جميع هواء البيت شيئاً فشيئاً إلى تجاه المروحة فيتطهر بهذه الطريقة السهلة. شعر الرأس يمكن شعرة عادية من شعر الرأس أن تحمل ثقلاً يزن ست اواق طبية، ويبلغ معدل شعر الرأس نحواً من ثلاثين ألف شعرة ويمكنه أن يحمل ثقلاً يزن عشرة قناطير وإذا فتل معاً فإنه يحمل هذا الثقل ومقدار ثلثه أيضاً، ولذلك فإن نساء قرطاجنة الحرائر كن يقدمن شعورهن الكثة عندما حاصر الرومانيون مدينتهن ليصنع منها حبال قوية تقذف بها الحجارة من المجانيق. بندقية بدون صوت تحشى ببارود بدون دخان اخترع المستر هيرام برسي مكسيم الأميركاني أنبوباً صغيراً يناط بفم البندقية فيضعف قوة صوت البارود حتى يكاد لا يسمع للبندقية صوت عند إطلاقها، وهذا الأنبوب عبارة عن قطعة مجوفة من الفولاذ قطرها نحو قيراط ونصف وطولها نحو خمسة قراريط ولها في جوفها حلقات معدنية لولبية ناتئة من جدرانها الداخلية تجعل الغاز الذي ينفلت من البارود عند إطلاقه يدور في هذه الحلقات قبلما يخرج إلى الفضاء، فيفقد بذلك قوته ويخرج من فم الأنبوب ضعيفاً لا قوة له على تمزيق الهواء وإحداث الصوت المعروف وذلك لأن صوت البنادق إنما يحدث من غاز البارود الذي ينفلت من فوهة البندقية حالما تخرج من الرصاصة فيحلق في الهواء أي أنه يخرج بهيئة حلقات لها شكل الفطر، فتدفع هذه الهواء دفعاً شديداً تمزقه فيها تمزيقاً فيسمع له الصوت الذي نعرفه.

стр. 4056

أما بواسطة هذا الأنبوب الذي يدخل فيه فم البندقية إدخالاً محكماً فيدور غاز البارود في الحلقات اللولبية في باطنه فيفقد قوته لأنه لا ينطلق تواً، فيخرج وله صوت يماثل صوت الغاز إذا أطلق من زجاجة كازوزة بعد أن تزحزح الفلينة قليلاً فينفلت ضعيف القوة بحيث لا يسمع له صوت إلا على بعد بضع خطوات لشدة ضعفه. وقد جرب المخترع اختراعه هذا فحشا عدة بنادق ببارود لا دخان له وأطلقها جميعاً على هدف بحضور جم غفير فكان رصاصها يخترق الهدف والمشاهدون لا يرون دخاناً ولا يسمعون صوتاً إلا صوت وقع الرصاص على الهدف، وإذ رأت الحكومة الأميركية خطورة هذا الاختراع وتعرض الناس بواسطته لاعتداء القتلة الأشرار إذا تمكنوا من التسليح بهذا السلاح الذي يأمنون معه افتضاح أمرهم عمدت إلى قانون تسنه منعاً لم اعساه أن يترتب على هذا الاختراع من الضرر والإخلال بالأمن العام. طبقات الهواء العليا وجد بالامتحان أن حرارة الهواء تقل كلما صعدنا في الجو حتى نبلغ علو نحو عشرة آلاف متر (٣٣ ألف قدم) ومن ثم تأخذ الحرارة بالازدياد قليلاً ازدياداً قانونياً، وقد وجد أن هذه الطبقة العليا السخنة تضم جميع الجهات فوق المناطق الاستوائية والمعتدلة والمتجمدة شمالاً وجنوباً، فهذا الانقلاب في حرارة أعالي الجو يدل على إمكان اختلاف تركيب طبقات الهواء السفلى عن طبقته العليا وقد ملأ بعض الكيميين زجاجات من الهواء من طبقاته المتعددة إلى علو يتجاوز ٤٦ ألف قدم وعدا ما ذكر فإن ركاب المناطيد قد كشفوا طبقة هادئة في أعالي الجو وسيكون من وراء درسها نفع في الأسفار الجوية. اللحم الأحمر واللحم الأبيض في جملة الحيوانات الحمراء لحم البقر والغنم والخيل والخنازير البرية والوعول والأرانب والحمام والبط والإوز وسمك سليمان أو السلطان ابراهيم، وقد يكون لحم بعض هذه الحيوانات داكناً، أم العجول والخنازير الداجنة والأرانب الأليفة وسمك الشبوط وأبو منقاد والكركند والسراطين فلحمها أبيض أو كفيء اللون، وأما الطيور فجاجئها أي صدورها بيضاء اللحم وما بقي منها أسمر اللون، وكثير من أصناف السمك كالحنكليس وغيره يجمع بين اللونين الأسمر والأبيض، وقد تبين من الأبحاث العلمية أن لهذه الألوان علاقة بالقوة

стр. 4057

والنشاط، فتكون العضلات الكفيئة اللون على الجملة أكثر نشاطاً من التي لونها أحمر أو أسمر لأنها تتقلص بسرعة ولكنها تكل قبل العضلات السمراء إذ أنها تفرز مقداراً أعظم من الحامض اللكتيك (أو اللبنيك) وهو نتيجة التعب والدليل عليه ولذلك فيمكننا أن نحكم على نشاط الحيوان وعلى مقدار ما يتحمله من التعب بالنسبة إلى غيره من لون لحم عضلاته، والقاعدة لذلك أن ما كان لحمه أبيض كان كثير الحركة والنشاط وما كان أحمر اللحم وأسمره كان أقل نشاطاً في حركته ولكنه أكثر تحملاً للأتعاب. تعجيل نمو النبات كانت الطريقة المعول عليها لإنماء النبات إنماءً صناعياً أن يعالج بالأثير فيسرع نموه وتنضج ثماره قبل أوانها، غير أن العلامة مولبش قد كشف طريقة أسهل من هذه وأقل نفقة وهي: أن يغمس ما يراد إنماؤه من النبات مقلوباً في ما تبلغ درجة حرارته بين ٣٠ و ٣٥ بمقياس سنتيغراد، ويبقى مغموساً مدة تسع ساعات إلى اثنتي عشرة ساعة وبعد ذلك ينقل إلى غرفة مظلمة رطبة حرارتها تبلغ درجة ٢٥ ويبقى هناك إلى أن تبتدئ الأوراق تظهر فينقل حينئذ إى مغرس زجاجي ويعامل معاملة النباتات التي تربى في المغارس الزجاجية الدافئة، وامتحن أحدهم هذه الطريقة في الزنابق فأزهرت بعد نحو أربعين يوماً مع أن ما غرس منها غرساً عادياً لم تظهر أوراقه في هذه المدة مما يدل على شدة تعجيل نمو النبات بهذه الطريقة السهلة الإجراء القليلة النفقة. ثمن الراديوم كان يمكن قبلاً أن يشرى الجزء من ألف من الغرام من الراديوم بعشرة فرنكات أما في سنة ١٩٠٩ وما بعدها فبلغ ثمن هذا الجزء خمساً وأربعين ضعفاً أي ٤٥٠ فرنكاً، وبما أن الراديوم يستخرج من الأتربة الزفتية فتراب الزفت في ضواحي معمل كورنش بالقرب من لندن يساوي ثمناً يفوق ثمن تراب الذهب والماس. شباك الصيد دل اختبار صيادي السمك في جهات متفرقة على تأثير لون الشباك بالأسماك فصار من المقرر أن من يستعمل شبكة زرقاء اللون يصيد أكثر كثيراً ممن يستخدم الشباك العادية السمراء اللون، وذلك لأن لون الشبكة الزرقاء يماثل لون ماء البحر فينتفي بذلك خوف

стр. 4058

السمك من الدنو منها. آلة جديدة للحلاقة اخترعت في أميركا آلة جديدة تحلق شعر الوجه بموسى مجهزة بآلة كهربائية بدون أن تمسها يد إنسان، وللموسى واق من المطاط وغيره يقي الحد من الجرح، ولا نظن أن هذا الاختراع يسر الحلاقين عندنا إذا تهافت الناس على شراء هذه الآلة وصاروا يحلقون لحاهم بواسطة الكهربائية ويأمنون شر جراح المواسي التي قد تنقل العدوى من مصاب بمرض جلدي في وجهه إلى الأصحاء. عضو جديد للحس اكتشف فرتر في الهرة عضواً خاصاً للحس مؤلفاً من بضع شويكات نابتة في الجلد بجانب رسغي قائمتيها الأماميتين، وكانت هذه الشويكات قد وجدت في حيوانات عديدة غير الهرة من مثل القواضم والحيوانات الدرداء (التي لا أسنان لها) والمفترسة وذوات الأربع السافلة في سلم الأحياء، وتوجد هذه الحاسة خاصة في الحيوانات التي تتلقف طعامها بأكفها والتي تزحف أو تتسلق الأشجار، ولكنها لا توجد في القردة لأنها تعتاض عنها بما لها من الامتياز في استعمال ايديها وللآن لم يمكن الاستدلال على وجود هذه الحاسة في الكلاب. سفينة لرصد المغنطيسية عزم بعض محبي العلم في اميركا على السياحة في جهات القطبة الجنوبية وغيرها لرصد مغنطيسية الأرض فابتنوا سفينة خالية من الحديد والفولاذ، فصنعت جدرانها ومساميرها وسائر ما فيها من الخشب منعاً لتأثير ما قد يكون فيها من المواد المعدنية في المغنطيسية التي تقاس بآلات خاصة في السفينة خليل سعد طنين الآذان تختلف الاهتزازات التي يسمعها المصابون بالصمم أو بطنين الآذان فيطنون تارة أنهم يسمعون صفيراً حاداً وأخرى أنهم يسمعون جلبة مثل صوت الزيز والصرصور والجرادة وطوراً يسمعون صوت أنغام من جوقة موسيقية فيها الطبل والطنبور والجلاجل والصنوج

стр. 4059

أو رنة اجراس وتغريد طيور شديدة بحيث يتراءى للسامع بأنه في بيت حمام وقد تمر الشهور والمصاب بالصمم أو طنين الاذن يسمع هذه الأصوات فتحول دون سماعه الأصوات الخارجية، والمصابون بالصمم والخرس معاً ليسوا عرضة لهذا المرض بل أن جميع المصابين بالتهابات الشرايين هم على الجملة مصابون به وتختلف درجاته فيهم، وقد بحث الدكتور ما راج الفرنسوي في أسباب هذا المرض فقال أن أكثرها ناشئة من اختلال وضع سلسلة الكعب وإن التغميز (التمسيد) نافع في أكثر حالات هذا المرض. تعليم الجغرافيا الجغرافيا كلمة يونانية معناها رسم الأرض أو صورة الأرض عرفها العرب بتقويم البلدان أو رسم الأرض وكان لها شأن من عنايتهم ونبغ فيها مشاهير خدموها خدمة جلى في القرون الوسطى وعدم عناية من يشتغلون بالعلوم الإسلامية بها في القرون الأخيرة نشأت منه أمور مضرة ومنها ما يضحك حتى أن كثيراً من جرائدنا العربية بل ومجلاتنا تغلط في إيراد أسماء البلدان والأنهار والجبال والأقطار وكثير منها لا يعرف جغرافية مملكته بل قلّ جداً من خاصتنا اليوم من يحسن جغرافية قطره فالسوري مثلاً لا يستطيع أن يحدد لك بلاد فينيقية ولا جبال سنير والجليل وموآب واللكام ولا يعرف كم في سورية من بحيرات أو من مدن عامرة وكذلك المصري فلما يعرف مركز الوجه البحري من الوجه القبلي وأي بلاد الأقاليم أعمر وفي أيها يجود القطن أو تجد أثراً للصناعات وهكذا الحال في ابن العراف وابن تونس وابن الحجاز وابن اليمن دع عنك ما يلزم العثماني خاصة معرفته من أحوال الولايات العثمانية كلها حتى أن من ألغوا في الجغرافية من الأتراك خلطوا في أسماء الأعلام خلطاً يكاد يرفع الثقة من كل ما كتبوه وكذلك الحال فبمن كتبوا من المصريين وأطلعنا عليه من كتبهم وأن من الأسف أن يرد في إحدى مجلاتنا المعتبرة أن سورية هي من آسيا الصغرى كما من الأسف أن تقول بعض جرائدنا أن بلاد نجد خضعت لأحكام الدولة العلية مع أن نجداً قطر عظيم له أميران الآن ابن سعود وابن الرشيد فخلطه الكاتب مع لواء اسمه نجد من أعمال البصرة وقالت إحدى جرائدنا أن ولاية من الولايات القريبة من الاستانة مثلاً بورصة مع أن واناً هي في أقصى تخوم الولايات العثمانية على الحدود الفارسية والروسية وقالت أخرى أنهم انشأوا خط تلفون بين غلطة واشقودرة فعربت

стр. 4060

باشقودرة مع أنها اسكدرا إحدى أحياء الاستانة ويا بعد ما بين اشقودرة والاستانة وقالت إحدى جرائد الاستانة الكبرى أن والي بيروت زار جبلة مركز جبل الدروز مع أن جبلة على الساحل من أعمال بيروت وجبل الدروز في داخلية سورية لا علاقة لها مع والي بيروت إلى غير ذلك مما يقع أمثاله لصحافتنا كل يوم وهم يبحثون في بلادهم فما بالك بهم إذا تجاوزوهما إلى الصين والهند واوستراليا واميركا وأوروبا وأفريقية، وربما لا يخبط بعضهم عند كلامه على جغرافية الولايات المتحدة أو فرنسا أو انكلترا مثلاً بقدر ما يخبط في كلامه على ولايته نفسها إذ يكون قد درس جغرافيتها في مدارس الفرنسيس والأميركان والإنكليز حق الدراسة في كتب جيدة ونظر إلى كرة الأرض أو المصورات فطبق ما قرأه في الكتاب على المشاهد. ولكن علماء الجغرافيا في أوربا اليوم يرون تعليم هذا الفن على تلك الصورة متعباَ للذهن لا يلبث الطالب أن ينساه متى خرج من المدرسة وإذا ذكر منه فلا بذكر إلا اجماليات لا تغني من التفصيل شيئاً فقالوا أي فائدة للطالب أن تذكر له أن في المقاطعة الفلانية كذا من الأنهار والرؤوس وشبه الجزر والجبال والمدن والدساكر وهو يعتقد بأن ما يتناوله من هذا العلم هو من الكماليات لاغناء منه إلا بقدر ما في حسن الخط والرياضة الجسمية وكم من عالم رديء الخط ومن أديب لا يحسن اللعب على الحبل ولا يقفز مترين ولا يستطيع السير على قدميه ساعة أو التصعيد في جبل. يبد ان فن الجغرافية نافع في التربية نفع الرياضيات فهو علم تعقل وتدير هو علم صلات الأرض بالانسان ولذلك كان له شأن في تثقيف العقل فيه يدرسك المرء جسامة البحر المحيط وعظم غابات اميركا وأخلاق زنوج افريقية ويعودنا النظر إلى البلاد التي نعيش فيها ولا نعرف من امورها الطبيعية شيئاَ فلا نقدر ابعادها ولا قممها واوديتها ومضايقها رجوفها ولا لمَ كانت الأشجار الفلانية تجود في الساحل ولا تجود في الداخلية كل ذلك مما تعلمه الجغرافيا اليوم فيها نعرف تركيب طبقات الأرض واشكال النواتيء والمناخ وكيف تنبعث المياه واشكال ما يعيش فيها من الحيوانات والنباتات والانسان، وتدل كيف أن المرء مستعبد لقوى العالم واسير في الأرض وأنى له أن يجاهدها ويتغلب عليها ويبين الصلة المتبادلة بين الأرض والإنسان.

стр. 4061

وفي القرن الماضي بدت الجغرافيا في مظهر جديد بما توفر لها من علوم طبقات الأرض والطبيعة وأصول الشعوب وعلم قياس البحار وعلم الأحداث الجوية والحيوان والنبات والاقتصاد السياسي ورحلات من وصفوا الأمم وصفاً مجرداً ووصفوا بلادهم وصفاً مدققاً وتمت لها اكتشافاتها ولم يبق إلا شيء يسير من الأرض يحاول العلماء اليوم أن يكتشفوه ونعني به القطب الشمالي والقطب الجنوبي، وكم ذهب في هذا السبيل من رجال وصرفت فيه من أموال. فغدا هذا العلم يبحث في مختصراته ومطولاته عن الحوادث الكبرى في الجغرافيا الطبيعية والجغرافية الاقتصادية ولكن علماء الجغرافيا ينتقدون اليوم تلك الطريقة التي كانت مثل الرجوع بعد تلاوة الكتاب إلى المصورات أو رسمها كما هو الحال في بعض مدارس الشرق النظامية قائلين أن الجغرافيا لا تعلم في قاعة الدرس وهي مقفلة على هذه الصورة وأن أحسن الطرق في تلقينها ما تعلمه الطالب في الأرض التي يتعلم جغرافيتها فيطوف فيها مع استاذه ويريه سهولها وجبالها وبحيراتها وأنهارها وخلجانها وبركانها وقالوا أن تبعة تدريس الجغرافيا على هذا النحول عظيمة لأنها في الغالب تضطر الاستاذ أن يصحب معه ثلاثين أو اربعين طالباً إلى اماكن وعرة ولكنها جميلة وقد جرب بعضهم هذه الطريقة في التدريس فكانت طريقته انجع في الاستظهار وتطبيق التعلم على الحس اكثر من تلاوة كتاب والنظر إلى مصور فيحيط الطالب بالصقع وكل ما فيه من ظواهر الطبيعية أكثر ممن يسيحون وهم في القطارات لا يعرفون من البلاد إلا ما يكتب لهم أن يطلعوا عليه من نوافذ مركبتهم، والاساتذة الذين يمثلون صقعاً لتلاميذهم بالتصوير الشمسي أو رسم المسطحات أو الطواف في الضواحي يغرسون فيهم ذوق النظر والتشبيه ويضمنون لهم الفرح الكبير فإذا عملت الجغرافيا على هذه الصورة ولا سيما ما كان منها مختصاً بمملكة المتعلم يكون لها شأن عظيم في تربية قوى المتعلمين فلا تدخل في عقولهم مبادئ مهمة فقط بل تعلمهم النظر والتدبر فيكون منها مجموعة تتكون منها أحسن اداة في التربية العامة واقوى عامل في التعليم العملي فيتلقى الطالب من تعليمها على هذه الصورة اصولاً ينتفع بها في حياته يوم خروجه من المدرسة. انتشار الألمان

стр. 4062

قالت احدى المجلات الانكليزية المعتبرة: اخذت المانيا ترمي جهاراً إلى تكبير بلادها في الشرق والغرب فإن المحالفة الألمانية النمساوية تقوى كل يوم وتقترب روسيا منها بابتعادها عن انكلترا ويزيد الألمان في مداخلتهم في البلاد كلها بأنهم يؤسسون فيها المدارس والجرائد ويمثلون الروايات ويقيمون الحفلات الموسيقية ويحتكرون التجارة بالتدريج وقد فتحوا حديثاً في مدريد مدرسة نجحت نجاحاً كثيراً وللألمان في البلاد العثمانية صحافة خاصة وألمانيا تتقدم من جهة تخومها الغربية بخطا سريعة ولكنها ثابتة متينة وكأنا بالبلجيك وقد اصحبت عما قريب جزءاَ متمماً لاجزاء المملكة الجرمانية وسيكون شأنها شأن امارتي بافيرا وسكستونيا وقد كادت مدينة انفرس وهي سوقها الكبرى تصبح جرمانية بمشاريعها ورؤوس اموالها ونفوذها وتنظر المانيا جهاراً إلى بلاد القاع (هولاندة) والمستعمرات الهولاندية تريد أن تضمها إليها وأن المانيا على ما يتراءى من حالها قد اختطت لها خطة ستضم بها إليها اراضي جديدة وسيكون ذلك في اول فرصة متى حدث بينها وبين فرنسا أو انكلترا مشكل. النسر عند السوريين في مجلة تاريخ الأديان الفرنسوية أن الناظر في النواويس والقبور في سورية القديمة يجد صورة نسر وغراب وتاج محفورة في الحجر، وأحياناً لا يشاهد صورة غراب أو تاج ولكن قلما شوهد ناووس مهم إلا وقد زبرت عليه صورة نسر تارة منفرداً وحده وجناحاه مبسوطان وأخرى بين ذراعين إشارة إلى الصلاة وطوراً يحمل الميت على ظهره بكل ما في جناحيه الواسعين من قوة، وأنا لنشاهد هذا النسر على القبور الرومانية في عصر الامبراطورية بحيث يدعو ذلك إلى الظن بأن النسر السوري قد نقل على هذا الوجه إلى المدافن الرومانية ومنها نشأ الرمز الامبراطوري أي علم النسر الذي تحمله الكتائب، أما وجود النسر في القديم فذلك لأنه يعتبر في بعض الأديان السامية خادماً للشمس وهو الذي يحمل إليها الأرواح التي انفصلت عن الأجسام المستعبدة على الأرض، وانتقل هذا المعتقد السوري إلى رومية حيث كانوا يذهبون إلى أن النسر يحمل الامبراطرة إلى السماء، والنسر هو الحيوان المقدس للرب المشتري دام هذا الاعتقاد طويلاً وقد عثر على مسلة من القرن الرابع تمثل صورة امبراطور يسير في النعش وأمامه نسران يدلانه على الطريق

стр. 4063

وكانت هذه الحالة امتيازاً للقياصرة يمتازون به عن الشعب، وهكذا نرى نفوذ الأديان السامية الأولى مؤثراً في معتقدات العالم الروماني. الحركة التجارية في روسيا يؤخذ من بيانات سنة ١٩١٠ في روسيا أن روحاً جديدة أخذت تدب في التجارة ففي تقرير إدارة الرسومات عن ستة الأشهر الأولى من السنة المذكورة أنه بلغت الزيادة في أثمان البضائع الداخلة إلى البلاد ما يربو على ١٢٥ مليون ريال، والأصناف التي زاد ورودها بكثرة هي الحديد والخشب وزادت صادرات الجلود ٢٥ بالمائة عما كانت عليه، والمعلوم أن زيادة طلب الحديد دليل على حركة صناعية تجارية فالقسم الأوفر من الحديد هو لمد خطوط حديدية ففي سنة ١٩٠٨ زيد إلى مجموع ما عند روسيا من الخطوط الحديدية ٢١٥ ميلاً وفي سنة ١٩٠٩ زيد ١٣٧ ميلاً وأما في الستة الأشهر الأولى من سنة ١٩١٠ فقد زيد إلى مجموع ما عندها من السكك الحديدية ٢٧٥ ميلاً وهي عازمة الآن على بناء ٣٠٠٠ ميل. الانتفاع بالكلاب بعد التربية الكلاب من جملة الوسائل التي تتخذها جمعية الصليب الأحمر لتخليص الجرحى من ساحة الحرب ولفرع الجمعية في فرنسا إدارة خاصة بتربيتها لهذه الغاية فهم يعلمونها أن تفتش عن الجرحى في الليل أو أثناء النهار فإذا حظي أحد هذه الكلاب بجريح يأتي إما ببندقيته أو قبعته إلى حيث يقيم الراهبات فعندها يرشد جماعة منهن إلى مكان الجريح وقد اتخذ المدربون لتلك الكلاب الوسائل الفعالة في تمرينها حتى لا تنبح عندما تظفر بجريح لئلا تزعجه بنباحها وأما في ألمانيا فهم يمرنون الكلاب على أن تقيم بجانب الجريح عندما تظفر به وتنبح إلى أن يأتي من يأخذه من جماعة الراهبات. ساعة من الزهور زار حديثاً الموسيو فالير رئيس جمهورية فرنسا مدينة بيرن من أعمال سويسرا وهي من أشهر المدن في العالم لصنع الساعات فقدمت إليه ساعة مصنوعة من الزهور الطبيعية قطر دائرتها ٦ أقدام وهي معمولة من البنفسج والشقائق وعقاربها من زهور مختلف لونها عن لون دائرتها والأرقام من زهور يختلف لونها عن الجميع والزهور كلها مغروسة في

стр. 4064

أصاصي علب صغيرة وقد أحكم صانعها ضبط حركتها إلى درجة أنها لا تقل في ضبط الوقت عن أحكم الساعات. إزالة الثلج البخار أحدث طريقة لإزالة الثلج عن الخطوط الحديدية وذلك بتوليد البخار في المحطة يسحب في أنبوبين من حديد يمر كل واحد منهما تحت أحد قضيبي السكة فإذا نزل الثلج يذوب لحماوة الحديد. الموسيقى عن بعد وفق حديثاً أحد سكان سان فرنسيسكو قاعدة ولاية كليفورنيا من الولايات المتحدة لأن ينقل صوت الفونوغراف بواسطة التلفون إلى مسافة ٥٠٠ ميل وقد جرب ذلك جماعة من الخبيرين بفن الكهرباء فكان الكل يسمعون صوت الفونوغراف عن بعد يخرج الألحان بكل وضوح. أكبر مزرعة حمام في العالم أكبر مزرعة لتربية الحمام في العالم هي في ولاية كليفورنيا وهذه المزرعة مؤلفة من ثمانية أفدنة من الأرض شيدت عليها حظائر الحمام، وقد بلغ عدد ما تنتجه من الحمام ٤٥٠٠٠٠ طير في السنة لا يقل عدد المفرخين منها عن ١٠٠٠٠٠ طير ومعدل الثمن الذي يباع فيه ذلك الحمام من ريالين إلى أربعة ريالات ومع ذلك فلم تعد بفائدة عظيمة على صاحبه لكثرة ما يتكبده من النفقات فهي كل يوم تأكل ٦٠٠٠ اوقية انكليزية من الحبوب عدا أجور المستخدمين الذين يقومون بخدمتها ويحافظون عليها وعلى صغارها من الجرذان والفيران والطيور الجوارح. الأفيون قالت مجلة الاجتماع الاميركية: بلغ ثمن ما صدر من الأفيون من الهند الانكليزية إلى الصين من سنة ١٨٥٥ إلى سنة ١٩٠٤ ما قيمته ٨٥٢٢٠ مليون روبية أي أكثر من ١٠٠ مليون روبية كل سنة وكان كل ما ربحته بلاد الهند من الأفيون الصادر إلى آسيا الشرقية عامة من سنة ١٧٧٣ إلى سنة ١٩٠٦ ٤٣٦٠٠٠٠٠٠ جنيه وابتدأت تجارة الأفيون في

стр. 4065

الصين سنة ١٧٦٧ فصادفت مقاومة شديدة من الحكومة والشعب الصيني معاً ولكن الحكومة الانكليزية أرغمت الجميع على قبول دخول الأفيون إلى بلادهم. المواشي والمراعي اشتهرت أستراليا بتربية الماشية وكثر عددها في تلك البلاد حتى أصبح الكلأ غير كاف لإطعامها فعمد الأستراليون إلى سقي الأراضي لتنبت عشباً يفي بالمطلوب ولما كان ماء الأنهر لا يمكنه إرواء كثير من الأرض حفروا آباراً ارتوازية فأصبحت الأرض التي تسقي من ماء تلك الآبار ٣٠٠٠٠٠٠ فدان. أموال الانكليز بلغت الأموال التي أقرضها الانكليز إلى غيرهم من الأمم حتى آخر السنة الماضية ٢٦٩٣٧٣٨٠٠٠ جنيه ودخلهم منها ١٣٩٧٩١٠٠٠ وقد أقرضوا في السنين الثلاث الأخيرة ما بلغ مجموعه زيادة على المجموع السابق ٥١٦ مليون ليرة انكليزية فبلغ ما أقرضه الانكليز لسكان الولايات المتحدة ٦٨٨ مليون جنيه وما أقرضوه للجمهورية الفضية ٢٦٩ مليوناً وللمكسيك ٨٧ مليوناً وللبرازيل ٩٤ مليوناً ولشيلي ٤٦ مليوناً ولأوراغي ٣٥ مليوناً ولبيرو ٣٢ مليوناً ولسائر جمهوريات جنوبي أميركا ٢٣ مليوناً ولمصر ٤٤ مليوناً ولروسيا ٣٨ مليوناً وللدولة العلية ١٨ مليوناً ولإسبانيا ١٩ مليوناً ولإيطاليا ١١ مليوناً ونصفاً وللبرتغال ٨ ملايين ولفرنسا ٧٠٧١٠٠٠ ج ولألمانيا ٦٠٦١٠٠٠ ومجموع ما يدينه الانكليز من أموالهم للبلاد الخارجية ١٦٣٨٠٠٠ ج. وللمستعمرات والهند ١٥٥٤١٥٢٠٠٠ ج، أو ثمانون مليار فرنك هذا مع أن المشهور بأن فرنسا أكثر الدول غنى وأوسع الأمم في بسط يدها بالدين لمن يريد مع أن ديونها لا تبلغ سوى أربعين مليار فرنك أقرضتها لغيرها في البلاد الخارجية. الجرذان لا شك في أن الجرذان تسبب كثيراً من الأمراض الوافدة كالطاعون فقد فكر الكثير في طريقة لمحوها مع أن البوم يفتك في عدد وافر منها كل سنة ومع الأسف أن الصيادين في أميركا يقتلون كل ما عثر الواحد منهم عليه ففي فرنسا وألمانيا حموا هذا الطير عدو الجرذان الطبيعي فبرهنت التجربة فائدته للزارعين والصيادين معاً.
следующие страницы →