Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
أن تحدث عن الرعب الذي يستولي حتى على الكبار في السن لأن الأوهام غرست فيهم منذ الطفولة، قال ومن أنواع الخوف ما ينفع الجنس الإنساني والولد أيضاً وهو الخوف النافع في الأحايين أي من الجبناء وهم في الأغلب العاقلون قد ينجون بحياتهم في أحوال كثيرة.
الأوائل
من الموضوعات التي اشتغلت فيها في دار غربتي موضوع الأوائل، فقد بحثت حتى جمعت فيه مجموعة كبرى أخذت معظمها عن اللغة الانكليزية، وهي تشغل أكثر من أربعمائة صفحة من صفحات مجلة المقتبس.
وغرضي من جمعها أن أضع في هذا الموضوع كتاباً خاصاً ذهاباً إلى أن العربية مفتقرة إليه ولا سيما أن المغاربة قد عنوا به عناية خاصة لمكانته ولا يضر المشارقة أن يحذوا حذوهم.
ولقد سرني ما عرفته من أن عيسى أفندي اسكندر المعلوف الباحث المعروف قد عني بهذا الموضوع، ولا ريب عندي في أنه متى وقف على عنايتي به أيضاً سيسر لأن غرضه وغرضي يرميان إلى مساعدة المشتغلين بالكتابة على جعل العربية غنية بالمباحث التي يفاخرنا بها أهل الغرب.
وهذا بعض ما عربته بهذا الباب وأضفت إليه بعض الحواشي لزيادة الفائدة.
أول بندقية اخترعت سنة ١٦٤٦ وأول مدفع سنة ١٨٨٦.
أول ملعب للتمثيل بناه الرومان في رومية سنة ٦٩ ق. م.
نشر صليبيو إسبانيا لأول مرة في أوروبا أرقام الحساب العربي في القرن التاسع للمسيح.
أول رئيس قتل في الولايات المتحدة ابراهيم لنكان في ١٤ نيسان سنة ١٨٦٥.
أول إنسان اكتشف الخليج الفاصل بين كرنيلاند وأميركا الشمالية القبطان (بافن).
أول مخترع للمنطاد (غوزماك) اليسوعي في سنة ١٧٢٩ وأول من استعمله (مونتفولر) في سنة ١٧٨٢.
أول مصرف افتتح في الولايات المتحدة مصرف فيلادلفيا، افتتحه رهط من أكابر البلاد في ١٧ حزيران سنة ١٧٨٠ برأس مال قيمته ٨٣٩١٦ دولاراً.
стр. 4167
أول مخترع للبارومتر (فورسيلي) اخترعه في سنة ١٦٤٨.
اخترعت الحراب لأول مرة في (بايون) (فرنسا) سنة ١٦٧٠.
أول طبيب أذاع تقرير جريان الدم في الرئة (ميشل سريفتس الفرنساوي في سنة ١٥٥٣)
أول مخترع لتجليد الكتب ملك (برغامة) ظهر اختراعه في سنة ٨٨٧.
أول من استعمل الخميرة في الخبز الإنكليز سنة ١٦٥٠.
أول قناة في العالم أقيمت في مصر بين نهر النيل والبحر الأحمر.
اخترع ورق اللعب في فرنسا واستعمله الملك كارلس السادس للتسلية سنة ١٣٨٠.
أدخلت المركبات إلى فيينا لأول مرة في سنة ١٥١٥ وإلى لندن في سنة ١٥٨٠.
اخترع الشطرنج سنة ٦٠٨ ق. م.
سافر الأميركان إلى الصين لأول مرة في سنة ١٥٩١.
اكتشف الكلورفورم في أميركا وجرمانيا سنة ١٨٣١.
أول كلية أقيمت في الولايات المتحدة كلية (هارفرد) المعروفة اليوم بجامعة هارفورد.
أسست سنة ١٦٣٨.
زرع القطن لأول مرة في ولاية فرجينيا إحدى الولايات المتحدة سنة ١٦٢١، وأرسل إلى البلاد الأجنبية لأول مرة سنة ١٧٤١.
اعتبر ميلاد المسيح عيداً لأول مرة في سنة ٩٨.
طاف اسطول مجللان لأول مرة حول الأرض في سنة ١٥٢١.
اخترع العرب الساعات الدقاقة في سنة ٨٠٠ والإيطاليان في سنة ١٢٠٠.
اكتشف الفحم الحجري لأول مرة في انكلترا سنة ١٢٢٤.
سكت العملة لأول مرة في التاريخ المعروف في الصين سنة ١٢٠٠ ق. م. وفي رومية سنة ٥٧٦ ب. م وفي انكلترا سنة ١١٠١ ب. م.
أنشئت في باريس سنة ١٢١٥ أولى الكليات من نوعها.
ذكر البيع لأول مرة في سفر التكوين عندما بيع يوسف بن يعقوب من المصريين.
استعملت إبرة الملاحين في الصين سنة ٢٦٣٤ ق. م وفي أوروبا سنة ١١٨٠ ب. م.
أول اجتماع عقده مجلس الأمة في الولايات المتحدة في فيلادلفيا في ٥ تشرين الثاني سنة
стр. 4168
١٧٧٤.
ولدت النصرانية في إسبانيا سنة ٣٦ وفي بريطانيا سنة ٦٠ وقيل في القرن الخامس وفي فرنقونية وفلاندرس في القرن السابع وفي لومبارديا ونيورنفيا وهيس في القرن الثامن وفي اسوج والدنيمارك وبولاندا وروسيا في القرن التاسع وفي هنغاريا وسكلافونيه في القرن العاشر وفي فانداليا وبروسيا في القرن الحادي عشر وفي بومرانية وليتوانيا وقسم من بلاد التتار في القرن الرابع عشر وفي إفريقية في القرن الخامس عشر وفي الهند والصين في القرن السادس عشر.
صنعت الأواني الخزفية لأول مرة في (فانزا) سنة ١٤٥٠.
بوشر لأول مرة بتقطير المشروبات الروحية في القرن الثاني عشر وفي إيرلندا في سنة ١٥٩٠.
نشأ من احتكاك كرتين من الكبريت إحداهما بالأخرى في سنة ١٤٦٧ أول فكر أو رأي أو تصور لكيفية استخدام الكهربائية وفي سنة ١٧٤٦ اكتشفت أشعتها في لندن وفي سنة ١٧٥٦ كيفية إرسالها بالأسلاك.
أول رجل فاه في أميركا بعبارة (تحرير العبيد) ابراهيم لنلكي في أول كانون الأول سنة ١٨٦٣.
اكتشف فن النقش على صفائح نحاسية لأول مرة سنة ٥٠٤ ق. م وعلى الخشب سنة ١٤٢٣ في فلاندرس وعلى الفولاذ سنة ١٨٣٠.
أول مكتشف لفن الطبع على الحجر (سينفيلدر) الألماني حوالي سنة ١٧٩٦.
استعملت المغلفات لأول مرة في سنة ١٨٣٩.
اخترع حفر الخطوط سنة ٥١٢.
اخترعت أول آلة لإطفاء النار سنة ١٦٦٣.
نشرت الراية الأميركية لأول مرة في كمبردج ماستشوستس في أول كانون الثاني سنة ١٧٧٦.
استجلب الغاز لأول مرة إلى لندن لإنارة الحوانيت والشوارع في سنة ١٨١٤ وإلى بلتيمور الولايات المتحدة سنة ١٨٢١.
стр. 4169
اخترع مرغتيني التذهيب سنة ١٢٧٣.
هجر النور مصر سنة ١٥١٥.
عرف الصينيون لأول مرة صناعة عمل الزجاج سنة ٢٠٠ ق. م والرومان سنة ٧٩ ق. م وفي سنة ١١٨٠ أخذ الانكليز يستعملونه للنوافذ والشبابيك وفي سنة ١٧٥٧ للقناني والأوعية، وذلك بعد أن أدخل (بندكت) هذه الصناعة إلى انكلترا سنة ٦٧٤ ب. م.
صنعت أول مرآة في (لامبت) سنة ١٦٧٣ وفي (لانكثير) سنة ١٧٧٣.
اخترعت المطحنة في إيرلندا سنة ٢١٤.
يرد اختراع البارود إلى الصينيين وانتشار معرفة اختراعهم في الغرب إلى سنة ١٣٢٤.
أعدت المركبات للأجرة لأول مرة في لندن سنة ١٦٢٥.
بوشر استعمال مسحوق الشعر لأول مرة في انكلترا سنة ١٥٩٠ وفي سنة ١٧٩٥.
ضربت الحكومة الانكليزية على كل من يستعمله ضريبة سنوية قدرها ليرة انكليزية قديمة.
أول معمل للمناديل (المحارم) أنشئ في بيسلي في اسكوتلندا سنة ١٧٤٨.
اخترعت القبعات (البرانيط) في باريس سنة ١٤٠٤ واستعملت في لندن لأول مرة سنة ١٥١٠.
أنشئ علم النسب حوالي سنة ١١٠٠.
اخترعت الساعة الرملية في اسكندرية سنة ٢٠٤ ق. م وأدخلت إلى رومية سنة ١٥٨ ق. م.
استخرج العظلم في كرولينا الولايات المتحدة سنة ١٧٤٧.
جرب التطعيم أو التلقيح في المجرمين لأول مرة سنة ١٧٤١.
بوشر في انكلترا بضمان السفائن سنة ١٥٦٠.
اكتشف الحديد سنة ٤٠٦ ق. م بواسطة احتراق جبل (ايدا) وصب في انكلترا لأول مرة سنة ١٥٤٤ واكتشف في فرجينيا أميركا سنة ١٧١٥.
بنيت البواخر الحديدية لأول مرة في سنة ١٨٣٠.
اكتشف (جنسن) لأول مرة سيارة صغيرة للمشتري سنة ١٥٩٠.
استعمل زيت الكاز للتنوير لأول مرة سنة ١٨٢٦.
стр. 4170
بوشر بتقبيل رجلي البابا لأول مرة سنة ٧٠٩.
اخترعت جوارب الحبك أو شغل السنارة في اسبانيا نحو عام ١٥٥٠.
صنعت السكاكين أو المدي لأول مرة في انكلترا سنة ١٥٥٠.
أقيمت المدارس في جميع المدن الرئيسة في انكلترا لأول مرة سنة ١٨١٠.
نسج الشاش وخيوط الحرير والكتان لأول مرة في بيسلي سنة ١٧٨٤.
يرد أول دور من أدوار القرميد إلى الرومان وفي سنة ١٦٢٥ أمر كارلس الأول بتقطيعه بقوالب.
اعترف لأول مرة بطائفة (الكوكر) المعروفة بالفرندس أي الأصدقاء في سنة ١٧٠٢.
اخترع ميمون المصري حروف الهجاء في عام ١٨٢٢ ق. م.
علق جرس الحرية المشهور في أميركا لأول مرة سنة ١٧٧٦ في ساحة دار الاستقلال في مدينة فيلادلفيا.
نسج الكتان لأول مرة في انكلترا سنة ١٢٥٣.
يرد تاريخ اكتشاف المرايا إلى سنة ١٣٠٠.
اخترع القسيس كينف في انكلترا أنوال الحياكة سنة ١٧٨٧.
ذكر المؤرخون لأول مرة استعمال القرعة بمبلغ من الدراهم سنة ١٦٣٠.
اخترع روجر باكون النظارة المكبرة في انكلترا سنة ١٢٦٠.
اكتشف (ماموث) في سيبيريا سنة ١٨٠٦.
اخترع انكسيمند الخرائط والكرات سنة ٦٠٠ ق. م.
يرد اختراع الورق المعروف بالرخامي إلى أحد الجرمانيين في القرن السابع عشر استعمل الكبريت لأول مرة سنة ١٨٢٩.
اخترع المكرسكوب لأول مرة في جرمانيا سنة ١٦٢١.
أسس أول دير في العالم حيث اعتزلت الراهبة انطوني سنة ٢٧٠ وأول دير في فرنسا أسسه القديس مارتن سنة ٣٦٠.
اخترع الإبر أحد الهنود في انكلترا سنة ١٥٩٨.
اخترعت علامات الموسيقى سنة ١٠٧ ونقحت سنة ١٣٣٠ وطبعت سنة ١٥٠٢ أسس
стр. 4171
جوزف سمث الديانة المورمنية في سنة ١٨٣٠.
أول نسخة جريدة طبعت في الغرب سنة ١٤٩٤، وأول جريدة يومية ظهرت سنة ١٦١٥ اسمها فرنكفورت وأول جريدة انكليزية صدرت سنة ١٦٢٢ دعيت أخبار الأسبوع وأول إعلان ظهر في سنة ١٦٤٨ وأول جريدة أميركية طبعت في بوسطن (ماس) سنة ١٦٩٠ اسمها (حوادث الجمهور) وأول جريدة يومية في الولايات المتحدة أنشئت في بنسلفانيا سنة ١٧٨٤ اسمها (بنسلفانيا باكت) وأول جريدة سيارة في أميركا أنشئت في ١٥ أيار سنة ١٧٧٥.
اخترع الأرغن سنة ٧٥٥.
أسست جامعة اكسفورد في انكلترا سنة ٨٨٦ وهي الأولى من نوعها.
يرد عهد الدهن إلى زمن نينوس حوالي سنة ٢٠٠٠ ق. م.
صنعت الأوراق المالية لأول مرة في أميركا سنة ١٧٤٠.
صنع الورق من الخرق في مصر سنة ١٠٨٥ وفي الصين من الحرير سنة ١٢٠ ق. م.
اخترع الرق أطاليوس ملك برغامة سنة ٨٨٧.
سنت شريعة حصر الامتياز لأول مرة في الولايات المتحدة في ١٥ نيسان سنة ١٧٩٠.
أدخلت صناعة الترصيف إلى باريس لأول مرة سنة ١١٨٥.
اخترع فن ترصيع اللؤلؤ سنة ١٦٨٦.
استعمل (الريش) أقلاماً للكتابة لأول مرة سنة ٦٣٥.
أسس فيلادلفيا وليم بن سنة ١٦٨٢.
اخترع الفونغراف تومس أديسن سنة ١٨٧٧.
صنع الفوسفور لأول مرة سنة ١٦٧٧.
بوشر بفن التصوير لأول مرة في انكلترا سنة ١٨٠٢ وأتقن في سنة ١٨٤١.
اخترعت الأخلة لأول مرة في فرنسا وقد استجلبتها كاترينا هاورد واستعملتها لأول مرة في انكلترا وقد صنعت في المصانع الأميركية لأول مرة سنة ١٨٣٢.
صبت الغلايين المصفحة بالرصاص لأول مرة سنة ١٥٣٩.
استعملت الطبنجات أو الفرود لأول مرة فرقة من الفرسان سنة ١٥٤٤.
стр. 4172
صنع القير أو الزفت والقطران من مقلع فحم لأول مرة في (برستول) سنة ١٧٧٩.
اخترع الدمام في باريس سنة ١٤٧٠.
رقيت صناعة الخزف السكسوني لأول مرة ١٧٦٧.
بنيت كوات المدافع في البوارج الحربية لأول مرة سنة ١٥٤٥.
أسس أول بريد بين فيينا وبروسيلس في سنة ١٥١٦.
أصلح (ودغود) صناعة الفخار إصلاحاً عظيماً لأول مرة سنة ١٧٦٣.
منح أكبر أنجال العترة المالكة في انكلترا لقب أميروالس لأول مرة سنة ١٢٨٦.
اخترعت الطباعة سنة ١٤٤١.
ابتدأ الإصلاح الديني في جرمانيا سنة ١٥١٧ وفي انكلترا سنة ١٥٣٢.
يرجع تاريخ اختراع أنوال الشرائط الحريرية إلى القرن السابع عشر في جرمانيا.
صنعت ملابس الملاحين لأول مرة في إنكلترا سنة ١٥٩٠.
افتتحت المدارس العمومية في الولايات المتحدة لأول مرة حوالي سنة ١٦٤٢.
سار أول قطار حديدي للركاب في إنكلترا في ٢٧ تشرين الأول ١٨٢٥.
اخترع دولاب الغزل في برنسوك سنة ١٥٣٠.
اخترعت النظارة العوينات سنة ١٢٩٩.
أصلحت الأنصاب في الولايات المتحدة لأول مرة سنة ١٨٧٣.
اخترع أحد الفلمنكيين آلة اللف في لندن سنة ١٧٩٢.
قيل أن استعمال البرادع المعروفة اليوم يرجع إلى سنة ٣٨٥.
أول استعمال تمليح الفسيخ يرد إلى الهولانديين وقيل أن أول مخترع للمنشار هوتاليوس الكاتب اليوناني صنع ملح البارود لأول مرة في إنكلترا سنة ١٦٢٥.
أدخل الهودج إلى إنكلترا سنة ١٨٣٤.
أعطيت البراءة باستعمال آلة الخياطة لأول مرة في انكلترا سنة ١٧٥٥ وأتقن هذه الآلة ايلياس هاوي الأميركي في سنة ١٨٤٦ وآلة الخياطة هي المعروفة عند العامة بالمكنة.
اخترع تيخوبراهي سدس الدائرة في اغبورغ في سنة ١٥٥٠.
صنع الصابون في لندن لأول مرة سنة ١٥٢٤.
стр. 4173
ذكر السكر لأول مرة الطبيب بولس اغينتا سنة ٦٢٥.
استعمل الفرار لأول مرة سنة ١٥٤٠.
اخترع كرخر اليسوعي البوق في سنة ١٦٥٢.
اخترع أحرف الطباعة الحديثة وليم غد الصائغ في ادينبرغ في ١٧٣٥.
أسس المدارس الأحدية لأول مرة روبرت ريكس الإنكليزي في إنكلترا في ١٧٨١.
اخترعت الساعات الشمسية في ٥٥٨ ق. م وفي رومية في ٣٠٨ ق. م.
اخترعت الدباغة في ١٧٩٥.
أدخل الشاي إلى أوروبا لأول مرة في ١٦١٠ جلب الهولانديون من الهند والهنود من الصين.
استعمل الفرنساويون آلات البرق لأول مرة في ١٧٩٤ والانكليزيون في ١٧٩٦ أول تلغراف سلك كهربائي امتحن بين مدينة باديفتن ودراتور انكلترا في ١٨٣٥.
أول تلغراف فحص في أميركا بين بلتيمور والعاصمة واشنطن في ١٨٤٤ وأول رسالة برقية أرسلت في هذه البلاد في ١٨٥١ من دوفر إلى كالي وأول رسالة برقية قطعت المحيط الاتلانتيكي في ١٨٥٨.
عرض الحاكي التلفون المدعو جرس كبراهام لأول مرة في معرض سينتسنيال فيلادلفيا في ١٨٧٥.
اخترع اسحق نيوتن الفيلسوف المرقب في ١٦٩٢.
صنعت الخيطان لأول مرة في معمل بيسلي اسكوتلاندا في ١٧٢٢.
اخترع الثرمومتر دربيل الهولاندي في ١٦٢٠ وزاد بتحسينه ريومر في ١٧٣٠ وفارنهيت في ١٧٤٩.
اخترع الدكتور هيلس المهواة سنة ١٧٤٠.
اخترعت الكمنجة حوالي ١٤٧٧ وأدخلها إلى انكلترا الملك كارلس الثاني.
يرد أول دور من أدوار استعمال أوراق الحيطان إلى اسبانيا وهولاندا ١٥٥٥ أما الأوراق المخملية فقد استعملت أولاً في ١٦٢٠.
استجلب الدخان لأول مرة إلى انكلترا من فرجينيا الولايات المتحدة في ١٥٨٣.
стр. 4174
اخترعت الساعات الحديثة في ١٤٧٧ في جرمانيا وأدخلت لأول مرة إلى انكلترا في ١٥٧٧.
قيل أن اختراع مطحنة الماء يرد إلى عهد محاصرة الغوطيين لرومية في ٥٥٥ وأن مخترعها الأول هو رجل اسمه بلساريوس.
ذكر الدوارة لأول مرة فينريوفيوس اليوناني وأنها نصبت على رأس برج أثينا الذي بناه فيرشس.
أول جاب للأموال رجل دعي صولون عاش سنة ٥٤٠ ق. م.
حدائق الأطفال ومدارسهم
كتبت إحدى المعلمات الفرنسويات مقالة في أحسن الطرق لتربية الأولاد قالت فيها أن البداءة بتعليم الطفل تكون على الغالب بتعليمه مبادئ القراءة خاصة والظاهر أن القراءة هي الواسطة الوحيدة لتنبيه جميع حواسه على حين فجأة، وقد شغل هذا الموضوع بال كثير من أرباب العقول وقام في سويسرا منذ نحو مئة سنة اثنان من رجال التربية الثقات أحدهما بستالوزي في مدينة زوريخ والآخر الاب جيرارد في مدينة فريبورغ ووضعا موضع العمل طريقة جديدة من شأنها أن تزكي عقل الطفل على أيسر وجه منذ إدراكه قال فنيلون الأخلاقي الفرنسوي أن ذكاء الطفل كلهيب شمعة يحركها الريح وهي أبداً في اهتزاز فالغاية إذاً من التربية هو أن يمد ذاك اللهيب بالمادة اللازمة بأن يدفع هبة خفيفة لتساعده على الانبعاث على خطة مستقيمة عالية متوخين أن لا نطفئها بحركة سريعة منا بل الواجب كما قال بستالوزي أن نحسن تسليك الطفل ونعفيه من النظر إليهم إلى المدارك الصريحة وإذ كانت بالحواس تحدث التأثرات اقتضى أن نقرب بين الطفل وبين الأمور التي يقضى عليه دراستها يعلم معنى الألفاظ التي يتكلم بها على ما يجب ويضاف إلى تعليم عقله تعليم عملي باليد وتعليمه هذا التعليم بين السادسة والعاشرة وقال غيره يجب أن يعنى بالطفل لتنبيه إحساسه منذ أول إدراكه لأن الولد ليس هو في الحقيقة إلا رجلاً ولكنه صغير، وقال آخر أن الولد أب الرجل وأفضل الطرق في تعليمه كما قال فريبل أن يقرب من الطبيعة فيدرك رحمة الله ويتعلم قدرته وصنعه في الوجود ويحترم كل ما له حياة وذلك بأن يعلم تربية بعض النباتات والنظر إلى ما حوله فيعلم نفسه بنفسه كأن يعطى الولد
стр. 4175
كرات ومكعبات وعصياً وأشكالاً ورسوماً وأشياء يثنيها ويفتلها ولا سيما ما كان منها طبيعياً يعطى منها بحسب المواسم فيتناول زهراً في الربيع مثلاً وتفاحة في الخريف أو الشتاء أو غير ذلك مما تنبت الأرض في المواسم الأربعة فإذا كان تفاحاً يستصحب الولد إلى السوق وتبتاع ويشرح له كيف نمت وكبرت وتوصف له الأشجار وجذوعها والأوراق والأرض ثم ترسم له تلك التفاحات وتقطع وتنقى ويجعل له منها مربى أو تشوى له في الفرن ثم يذكر كيف يصنع العصير ويصفون له المركبة والحصان والسوط وغير هذا كل ذلك يرسم له على اللوح والولد يقلده ويشفع ذلك باغان وأشعار متعلقة بالموضوع وتتوسع المربية في شرح ذلك للطفل بدون أن تحيد عن الغاية الأصلية المطلوبة وبذلك يعمل عقل الطفل ويقلد في عمله فيجمع إلى التربية العلمية والأدبية التربية العملية لمعاناة الفنون والصناعات، وقد انتشرت طريقة فريبل في التربية على هذا النحو في سويسرا وألمانيا والبلجيك وهولاندة والسويد وانكلترا وفرنسا وأميركا ودخلت خصوصاً في دور اللقطاء والبائسين وأنشئت في باريز مدرسة على هذا النمط أنشأتها آنسة متعلمة وأخذت تربي الأطفال هذه التربية المعقولة جاعلة مع حدائق الأولاد دروساً تلقى عليهم بالعمل في حفظ الصحة وعلم النفس والكيمياء والنبات وتدبير المنزل فجعلت محيط تلك المدرسة متناسياً مع ما يراه الطفل في بيت أبيه ليس فيه ما في صنوف المدارس من المناظر المدهشة مثل القماطر السود والمقاعد العالية بل فيها صور ونقوش وأزهار وطيور وأثاثها مناضد وكراسي صغيرة تناسب طول الطفل ومن الأولاد من يبقى طول النهار في المدرسة فيتيسر لإدارتها أن تعلمه أموراً كثيرة في تدبير المنزل وتغرس فيه أصول النظام والنظافة وذلك بأن تتركه مثلاً يعمل طعامه بنفسه حتى إذا رجع في المساء إلى بيته وعمره في الخامسة على الغالب يلاحظ على والدته أن لا تطرح قشر البطاطا أو قشر البيض بل أن تحفظها لتنظيف القناني والزجاجات وآخر يطلب إلى والده أن يضع كل يوم بيومه أجرة المدرسة على حدة حتى تتجمع في آخر الأسبوع مخافة أن يجيء يوم الدفع ولا يكون في البيت درهم لأداء قسط المدرسة وهكذا يتعلم الطفل تدبير البيت والاقتصاد المنزلي منذ يعي على نفسه ويغرسون فيه فكر الإحسان والعدل وحسن العشرة والألفة حتى لا يستوحش من الناس كما هي عادة الأطفال وهي عادة ضارة شائعة ويعلم قدر الصناعات وفكر الأسرة فتتنبه فيه
стр. 4176
عزة النفس فلا يقول لشيء لا أستطيع عمله ومنذ السنة الخامسة يرفض أن يلبسه ثيابه أحد أو يسرح شعره ويمشطه ويهندمه أحد فيكون مسؤولاً عن عمله وتنمو فيه قوة الإرادة والشعور بالنظر كما ينمو فيه الإحساس الديني والكمالي والاحترام والحشمة وبالجملة ترتقي فيه التربية قبل أن يهتم بالتعليم.
فإذا خرج الطفل من هذه المدرسة ويدخلها وهو بعد الثانية من سنه في الغالب ويخرج منها بعد السابعة يحسن أن ينظم أموره لأنه تعلم منذ نعومة أظفاره الطاعة والنصيحة فلا يصعب عليه متى دخل المدرسة أن يتلقى بقبول حسن ما يلقيه عليه معلمه أو يفزع إذا جاء من بيته إلى المدرسة الابتدائية مباشرة بل يكون بحسب سنه قد ألف البحث والتفكر والنظر والتأمل في الأشياء ويجمع معلوماته ويصل بينها برباط وأحد وربما كانت بهذه الطريقة أفكاره قليلة ولكنها إلى الجلاء والوضوح أميل وفيها تسلسل معقول.
ويحسن الولد التفكر وحصر ذهنه وهو ما ينفعه عندما يجيء دور تعليمه القراءة فلا يستصعبها ويمل منها بل تكون له ميسورة سهلة سريعة ويحصر الذهن في موضوع يتعلم الولد الاهتمام بالأشياء المحيطة به أو التي تمسه مباشرة فهو يعرف الوجود ويحبه ويقدر نعمه قدرها ويذكر صانعها وتكون قد تنبهت حواسه وترقت وكذلك رغبته في النظر والمعرفة وبهذه الطريقة تقوى إرادته وتمهر يده وبما يتعلمه من الهندسة الابتدائية العملية يقدر بذهنه الأبعاد والخطوط ويسهل عليه النسب وبالرسم يتعلم نقل الصور المستعملة في البيت ويدرك بنفسه أنه لا يستطيع أن ينقلها كما هي ويبحث عن طريقة توصله إلى نقلها كما هي ويتعلم ملاحظة الأشكال وتقليدها وبذلك تتربى عينه ويده في آن واحد، ولا تسل عما تحدث هذه الطريقة عندما يجيء وقت الكتابة إذ تكون يده أعادت رسم الأشكال وما الحروف إلا أشكال ولكنها لا تنطق كالرسوم وعينه تساعد يده وكم ولد يرسم الحروف والكلمات التي يراها وهو يتعلم على هذه الطريقة بدون أن يفهم معناها، وتعلم الكتابة لا يتعب به عقله ولا جسمه بل يتعلمه كأنه يلعب ويرسم.
قالت الكاتبة فمدرسة حديقة الأطفال هي مدرسة التربية وعليها يصدق هذا التعريف: التربية هواء وقانون وحياة.
قرطاجنة والعرب
стр. 4177
بعث المسيو برتولون من المشتغلين بعلم تاريخ الإنسان إلى المجمع العلمي القرطاجني في تونس بمبحث بين فيه الفروق بين جماجم القرطاجنيين منذ ٢٤٠٠ سنة وجماجم التونسيين المعاصرين جاء فيه أن علماء الإنسان يتوصلون إلى درس الأخلاق الرئيسة لمعرفة مميزات عنصر من العناصر بالنظر أولاً إلى قامات أهله فمن أجناس الأمم من يغلب عليها طول القامات مثل الايكوسيين والسويديين ومنهم من يكونون قصارها مثل اللايونيين والسارديين والصقليين ثم ينظر إلى ألوان البشرة والعيون والشعور وحجم الجماجم والأنف والعيون والوجه فيقدرون المقياس الأعلى بمئة ومن بلغ طول رأسه من ٧٠ إلى ٨٦ كان معدوداً في طوال الوجوه ثم يقاس الطول مع العرض وتجري النسبة بينهما وقد قاس في تونس مئة جمجمة قديمة جداً يظن أنها من جماجم القرطاجنيين من القرن الرابع قبل الميلاد و٢٣ جمجمة حديثة من جماجم التونسيين فاستبان أن نساء القدماء يشبهن بتقاطيعهن نساء المحدثين إلا قليلاً وأن الاختلاف محسوس بين رجال اليوم ورجال أمس وأن العقول كانت واحدة في القرطاجنيين والتونسيين وكان كثيرون من القرطاجنيين طوال القامات ومميزاتهم كمميزات قبائل الغرب العظمى المعروفة في التاريخ باسم النوميديين وثبت له أن سكان ضواحي تونس يشبهون أولئك القدماء في قاماتهم وأن سكان قرطاجنة وتونس ظلوا متشابهين منذ القديم إلى يومنا هذا على ما طرأ عليهم من الطوارئ السياسية وبعيد أن يكون قدماء القرطاجنيين من فينيقية لأن الفينيقيين عرفوا بضيق جبهاتهم وكانت أواسط رؤوسهم منبسطة واستدل من حفريات مدافن صيدا ومن قياس هيكل عظام الملك ثابنيت بن اشمونازار الذي وجد في إحدى النواويس الصيداوية أن القرطاجنيين لم يشبهوا الفينيقيين بجنسهم وأن القرطاجنيين اختلطوا بأهل عنصر طويلة رؤوسهم وكذلك الحال في عيون الصيداويين أنها كانت أكثر استدارة من عيون القرطاجنيين وأنوف الفينيقيين أصغر من أنوف القرطاجنيين وبذلك ظهر أن سكان قرطاجنة (المستعمرة الفينيقية) في القرن الرابع لم يكونوا من عنصر يشبه العنصر الفينيقي وأن سكان قرطاجنة من أصل العنصر الذي أنشأ المدنية في بحر ايجيه (الارخبيل) أي أجداد المدنية اليونانية كما استدل الباحثون في أصول مدنية شواطئ البحر الأبيض أن هؤلاء الإفريقيين القرطاجنيين قد فني فيهم الطوارئ من الفينيقيين الذين حلوا ديارهم فكان أهل قرطاجنة فينيقيين ثم رومانيين ثم
стр. 4178
عرباً قال: وعلى فرنسا أن تنظر إلى ما تم في هذا السبيل من صبغة التونسيين لنعيدهم إلى صبغتها لأن حكم العرب قد أتاهم بقانون سنه رعاة لرعيان فصعب تطبيق هذه الشريعة على مجتمعات ممدنة كالمجتمع القرطاجني ولذا انحط أي انحطاط عما كان عليه زمن الفتح الروماني، قال وإن مبادئ التنظيم الذي بقيت آثاره إلى اليوم في تونس مثل البلديات والصناعات وصناعة الخزف والبناء والهندسة ليست من اختراع العرب كما يقال بل هي بقايا من المدنية القديمة السابقة للإسلام فسدت على عهد الفاتحين وأعمالهم العقيمة، قلنا وبمثل هذا المتعصب الفرنسوي ممن يمدون أقلامهم بالسم الزعاف ليكتبوا عن العرب جهلاً منهم أو تجاهلاً ما برح استعمار فرنسا متأخراً عن غيره من الأمم وسيتراجع عمرانها كلما قويت شأفة الممحاكين والسفسطائيين من أبنائها.
стр. 4179
العدد ٦٣ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١١
стр. 4180
البرجان
من هم البرجان الذين كثر ذكرهم في كتب العرب التاريخية القديمة وما اسمهم باللغة الفرنجية؟ هذا سؤال يحب أن يقف على جوابه كل من يهمه الاطلاع على إخبار الأقدمين والأمم السالفة، فأقول: إذا أردنا الوضوح في هذه المسألة يجدر بنا أن نقسم البحث إلى ثلاثة أقسام وهي: قسم نذكر فيه كلام مؤرخي العرب أو مشاهيرهم، وقسم نذكر فيه آراء لغويي العرب وقسم نأتي فيه على ما صرح به علماء الافرنج ومستشرقوهم ثم نختم هذه الأبواب الثلاثة بخاتمة تكون بمنزلة فصل الخطاب.
١_القسم الأول كلام مؤرخي العرب أو مشاهيرهم:
أول من ذكر البرجان من جغرافيي العرب هو أول مؤلف عربي صنف في وصف البلدان أعني به أبا زيد أحمد البلخي صاحب كتاب صور الأقاليم المتوفى ليلة السبت لتسع بقين من ذي القعدة سنة ٣٢٢ هـ (٣ تشرين الثاني ٩٣٣م) إذ يقول: أما مملكة الإسلام فإن شرقيها (في عهد المؤلف) الهند وفارس، وغربيها مملكة الروم وما يتصل بها من الأرمن واللان والبرجان والسرير والخزر والروس والبلغار والصقالية وطائفة من الترك، وشماليها مملكة الصين وما اتصل بها من بلاد الأتراك ومنها بحر فارس المطلوب من إيراده.
وقال ابن خرداذبة: والعمل الثاني (من بلاد الروم) عمل تراقية وحده من المشرق السور ومن الجنوب عمل مقدرنية ومن الغرب بلاد برجان ومن الشمال بحر الخزر وقد جاء في كتاب المسالك والممالك ذكر البرجان مراراً عديدة وكلها بهذا المعنى.
وقال ابن الفقيه في كتاب البلدان: وإليها (أي إلى الري) تقع تجارات أرمينية وأذربيجان وخراسان والخزر وبلاد برجان.
وأما اليعقوبي فلم يتعرض لذكرهم، وممن ضرب صفحاً عن ذكرهم أيضاً الاصطخري وابن حوقل والمقدسي وقدامة بن جعفر والبكري والبيروني.
وقال ابن الوردي عن أرض البرجان ما حرفه: هي أرض عظيمة واسعة بها من البرجان أمم لا تحصى وهي أمة طاغية قاسية بلادهم واغلة في الشمال ويقول عن أرض البلغار ليبين لك أنها ليست أرض أولئك كما زعم ذلك بعض المتأخرين أو المعاصرين: هي أرض واسعة ينتهي قصر النهار عند البلغار والروس في الشتاء إلى ثلاث ساعات ونصف ساعة
стр. 4181
قال الجواليقي: ولقد شهدت ذلك عندهم فكان طول النهار عندهم مقدار ما صلي أربع صلوات كل صلاة في عقيب الأخرى مع الأذان وركعات قلائل الإقامة والتسبيح، وعماراتها متصلة بعمارة الروم، وهم أمم عظيمة ومدينتهم تسمى بلغار وهي مدينة عظيمة يخرج واصفها إلى حد التكذيب.
وقال الطبري (١: ١٨ من ولد يوان: الصقالبة وبرجان. (وفي ١: ٢٩٩) وملك (افريذون ابنه) سلماً الروم والصقالية والبرجان وما في حدود ذلك (وفي١: ٩٠٠) وانوشروان غزا برجان ثم رجع فبنى الباب والأبواب. (وفي ٢: ١٣١٧) وفي هذه السنة (أي سنة ٩٨) أغارت برجان على مسلمة بن عبد الملك وهو في قلة من الناس فأمده سليمان بن عبد الملك بمسعدة أو عمرو بن قيس في جمع فمكرت بهم الصقالية، ثم هزمهم الله بعد أن قتلوا شراحيل بن عبدة. (وفي ٣: ٧٧٥) وقتل في هذه السنة (سنة ١٩٣) نقفور ملك الروم في حرب برجان وفي (٣: ١٤٥٠) وقد كان إذن (ملك الروم في سنة ٢٤٦هـ -) لوفود برجان وغيرهم ممن ورد عليه.
وقال المسعودي في كتاب التنبيه: وحد الإقليم الخامس بحر الشام إلى أقصى أرض الروم مما يلي البحر إلى تراقية وبلاد برجان والصقالية والابر إلى حد أرض يأجوج ومأجوج وقال في موضع آخر من كتابه المذكور: إن السبب في ذلك (في انتصار الملك قسطنطين على أعدائه) ظهور صليب له نوري في السماء في نومه في حال حربه مع ملك برجان وأنه قيل له: استنصر به على عدوك تنصر عليه.
وقال (في ص ١٤١): وقد دخل كثير منهم (من الأجانب) في وقتنا هذا في جملة الروم كدخول الأرمن والبرغر وهم نوع من الصقالية والبجناك من الأتراك فشحنوا بهم كثيراً من حصونهم التي تلي الثغور الشامية وجعلوهم ازاء برجان وغيرهم من الأمم المتأبدة بهم والمحيطة بملكهم. . . وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا السبب في كيفية بناء القسطنطينية والتنازع في ذلك، وقول من قال ما وراء الخليج كان من أرض برجان فاحتال قسطنطين على ملك برجان لعلمه بالموضع وحصانته حتى أذن له في بنائها.
وقال (في ص ١٦٤) لحق (يسطنيانس) بملك الخزر مستنجداً به وتزوج هناك فلم ير عندهم ما يحب فصار إلى طرفلا ملك برجان. . . . وقد كان شرط لطرفلا ملك برجان إذا
стр. 4182
رجع الملك إليه أن يحمل إليه في كل سنة خراجاً وكان يفعل ذلك. . .
وقال (في ص ١٨٣) وقد ذكر خبر السور المسمى بالرومية مقرون لينحس تفسير ذلك السور الطويل الحاجز بين بلاد برجان وبين البنود الخمسة التي وراء القسطنطينية
وقال في ص ١٨٤ وقرب من هذا الجبل جبل القبق من الأمم كاللان والسرير والخزر وجرزان والابخاز والصنارية وكشك والكاسكية وغيرهم والابر وبرجان والروس والبرغر والافرنجة والصقالبة. .
وقال في ص١٩١ ومن جاورهم (أي الروم) من الممالك: من برجان والابر والبرغر والصقالبة والخزر وغيرهم. . .
وقال (في ص ١٩٦) وقد ذكرنا ما جرى بين الروم وبرجان والبرغر والترك وغيرهم من الوقائع المشهورة والحروب المذكورة. .
وقال المسعودي في كتابه الآخر مروج الذهب: (٢: ١٦ طبعة باريس) وشن الغارات (أي ملك البرغر يريد البلغار) حولها (أي حول القسطنطينية) إلى بلاد رومية والأندلس وأرض برجان والجلالقة والافرنجة. . . وقال (في ص ٣١١ من ذلك الجزء). . وقد كان له (أي لقسطنطين الملك) في بنائها خبر طريف مع بعض ملوك برجان لخوف دخله من بعض ملوك آل ساسان. . وقال (في ص ٣١٤) وكان السبب في دخول قسطنطين بن هلاني في دين النصرانية والرغبة فيها أن قسطنطين خرج في بعض حروب برجان أوغيرهم من الأمم فكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من سنة. . . وقال (في ٣: ٦٦) الافرنجة والصقالبة والنوكبرد والاشبان واليأجوج والمأجوج والترك والخزر وبرجان واللان والجلالقة. . . وقال (في ص ٧٨) ولربما اجتمع عليهم (على أهل الأندلس) من الأمم من ولد يافث من الجلالقة وبرجان وافرنجة وغيرها من الألسن. . . وقال في ٣٨١٤ عمل الترك لخافان سبع مائة فرسخ في خمسمائة. أي طوله. . . وعرضه. . . عمل الخزر واللان سبع مائة فرسخ في خمسمائة فرسخ، عمل برجان ألف وخمسمائة فرسخ في ثلثمائة فرسخ، عمل الصقالبة ثلاثة آلاف وخمسمائة فرسخ في سبعمائة فرسخ، وقال في ١٤٣٢٧ وفي هذه السنة وهي سنة ٢٢٣ خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم في عساكره ومعه ملوك برجان والبرغر والصقالبة وغيرهم ممن جاورهم من ملوك الأمم حتى نزل مدينة زبطرة من الثغر
стр. 4183
الخزري فافتتحها بالسيف. . .
وقال ابن رسته: الإقليم السادس يبتدئ من المشرق ويمر على بلاد مأجوج ثم على بلاد الخزر فيقطع بحر طبرستان إلى بلاد الروم فيمر على جرزان وأماسيا وهرقلة وخلقيذون والقسطنطينية وبلاد برجان وينتهي إلى بحر المغرب.
الإقليم السابع يبتدئ من المشرق من شمال يأجوج ثم يمر على بلاد الترك ثم على سواحل بحر طبرستان مما يلي الشمال ثم يقطع بحر الروم فيمر ببلاد برجان والصقالبة وينتهي إلى بحر المغرب.
وأما ما وراء هذه الأقاليم إلى تمام الموضع المسكون الذي عرفناه فإنه يبتدئ من المشرق من بلاد يأجوج ثم يمر على بلاد التغزغز وأرض الترك ثم على بلاد اللان ثم على الابر ثم على برجان والصقالبة وينتهي إلى بحر المغرب.
وقال في موضع آخر: ومن هذه المدينة (أي رومية) تركب البحر فتسير ثلاثة أشهر حتى تنتهي إلى بلاد ملك برجان وتسير منها في جبال وعقاب شهراً واحداً حتى تنتهي إلى بلاد فرنجه.
وقال ياقوت: برجان بالجيم، بلد من نواحي الخزر، قال المنجمون: هو في الإقليم السادس وطوله أربعون درجة وعرضه خمس وأربعون درجة وكان المسلمون غزوه في أيام عثمان رضه.
وقال البلخي في كتاب البدء والتاريخ (١: ٦٤) سمعت قوماً من برجان يسمونه (أي الله) ادفوا، فسألتهم عن اسم الصنم فقالوا: فغ وقال (في ٣: ٢٦) فمنهم (من أولاد يافث) الترك والخزر والصقالبة وبرجان واشبان ويأجوج ومأجوج ستة وثلاثون لساناً وقال (في ٤: ٥٣) الإقليم السادس: يبتدئ من المشرق فيمر على بلاد يأجوج ومأجوج ثم على بلاد الخزر ثم على وسط بحر جرجان إلى بلاد الروم فيمر على جرزان وهرقلة وقسطنطينية وبلاد برجان إلى بحر المغرب، قال أهل هذا العلم: أما ما وراء هذه الأقاليم إلى تمام الموضع المسكون الذي عرفناه فإنه يبتدئ من المشرق من بلاد يأجوج ومأجوج فيمر على بلاد التغزغز وأرض الترك وعلى بلاد اللان ثم على بلاد برجان ثم على شمال الصقالبة إلى أن ينتهي إلى بحر المغرب.
стр. 4184
وقال أبو الفداء في تقويم البلدان: برشان بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة ثم ألف ونون في الآخر، ويقال لها أيضاً برجان بالجيم، كانت قاعدة البلاد، قال ابن سعيد: وبرشان كانت قاعدة الأمة الذين يقال لهم برجان وكان لهم شهرة وبأس في قديم الزمان فاستولت عليهم الألمانية وأبادوهم حتى لم يبق منهم أحد ولا بقي لهم أثر
وقال القرماني: برجان بلاد غائصة في جهة الشمال فيها قصر النهار إلى أربع ساعات والليل إلى عشرين ساعة وبالعكس وأهلها مجوس، وقال عن بلغار: مدينة عظيمة (كذا والمراد هنا قاعدة البلغار) على ساحل بحرمانطس مبنية من خشب الصنوبر وسورها من خشب البلوط، وحولها من أمم الترك ما لا يعد ولا يحصى، والبرد عندهم شديد جداً لا يكاد الثلج أن ينقطع عن أرضهم صيفاً وشتاءً.
وقال ابن الأثير في (١: ٢٨ من طبعة مصر) ومن ولد بوان (والأصح يوان بالمثناة التحتية) الصقالبة وبرجان والاشبان كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقع فيها من وقع من ولد العيص بن اسحق وغيرهم، وقال (في ١١٦) ثم ملك اسطينان (أي أسطنيانس أو يسطنيان) المعروف بالأخرم تسع سنين أيام عبد الملك ثم خلعه الروم وخرموا أنفه وحمل إلى بعض الجزائر فهرب ولحق بملك الخزر واستنجده فلم ينجده فانتقل إلى ملك برجان، ثم ملك بعده لونطش ثلاث سنين أيام عبد الملك ثم ترك الملك وترهب، ثم ملك السمين المعروف بالطرسوسي سبع سنين فقصده اسطينان ومعه برجان وجرى بينهما حروب كثيرة وظفر به اسطينان وخلعه وعاد إلى ملكه فكان ذلك أيام الوليد بن عبد الملك واستقر اسطينان وكان قد شرط لملك برجان أن يحمل إليه خراجاً كل سنة فعسف الروم وقتل بها خلقاً كثيراً فاجتمعوا عليه وقتلوه فكان ملكه الثاني سنتين ونصفاً وقال (في ص ١١٧) وجرى بين نقفور وبين برجان حرب سنة ١٩٣ فقتل فيها وقال (في ص ١٥٤) عن كسرى انوشروان عاد إلى المدائن وغزا البرجان ثم رجع وأرسل جنده إلى اليمن، ثم قال (في ص ١٥٥) وقوي أمره (أي انوشروان) وغزا فرغانة والبرجان وعاد فبنى مدينة الشابران، وقال (في ٥: ١٠) وفي هذه السنة (أي ٩٨) فتحت مدينة الصقالبة وكان برجان قد أغار على مسلمة بن عبد الملك وهو في قلة فكتب إلى سليمان يستمده فأمده فمكرت بهم الصقالبة ثم انهزموا.
стр. 4185
وأنت ترى أن ما نقلناه هنا عن ابن الأثير يكاد يكون نص الطبري بعينه، ومثل هذين النصين كلام ابن خلدون فلهذا نضرب صفحاً عن ذكره، وإلى هنا أيضاً انتهى ماجمعناه من كتب أشهر المؤرخين وأهل التخطيط وإن كان ثم غير هؤلاء إلا أنهم يعدون من النقلة لا من المصنفين الأصليين، وهذا يدلك على سبب عدولنا عن ذكر نصوصهم لاستغنائنا عنهم بأقوال الكتاب الأقدمين أصحاب القدم الراسخة في هذا الموضوع.
٢_القسم الثاني نصوص لغويي العرب
قال الفيروز أبادي في القاموس: برجان كعثمان: جنس من الروم وزاد السيد المرتضى في تاج العروس يسمون كذلك قال الأعشى:
وهرقل يوم ذي ساتيذ ما ... من بني برجان في الباس رجح
يقول: هم رجح على بني برجان أي هم أرجح في القتال وشدة البأس منهم، وهذا الكلام كله هو نص ابن منظور بحرفه، وقد أخذه المرتضى عنه ولم ينبه عليه.
وقال ابن الوردي: البرجان أمة بل أمم طاغية مثلثون، بلادهم متوغلة في الشمال وسيرهم منقطعة لبعدهم عنا وجفاء طباعهم.
وقال في المعرب للجواليقي: برجان، اسم أعجمي وقد تكلمت به العرب قال الأعشى: من بني برجان في الناس رجح.
وقال الجوهري في الصحاح:
وهرقلاً يوم ذي ساتيذما ... من بني برجان ذي البأس رجح.
ولم يزد على هذا القدر مع اختلاف الرواية بينه وبين صاحب اللسان والتاج.
وقال المطرزي في المغرب: برجان جنس من الروم بلادهم قريبة من القسطنطينية وبلاد الصقالبة قريبة منهم.
وقال صاحب الأوقيانوس: برجان على وزن عثمان اسم جنس من الروم وفي كتاب المغرب للمطرزي (ماذكرناه آنفاً) وكتاب الخريدة لابن الوردي (مانقلناه فويق هذا) ثم قال: وعليه فيؤخذ من هذا الكلام وعن سائر ما ورد في كتب تخطيط البلدان أن برجان وبغدان هما بلاد وجيل معروفان يكونان وراء نهر الطونة، فمن المحتمل إذاً أن تكون كلمة برجان معربة عن بوجاق (كذا، ويراد ببوجاق البلاد المعروفة باسم بسرابية) بل ولعل الأرجح أن
стр. 4186
تكون برجان تعريب بغدان تعريباً.
ومن الغريب أن القلقشندي الذي وضع كتاباً في الأنساب وذكر أنساب كثير من الأجيال والأمم والشعوب لم يتعرض لذكر البرجان، وممن أغفل التنويه بهم سائر اللغويين من العرب كصاحب الجمهرة وتهذيب اللغة والمحيط والمجمل والمخصص والمحكم والجامع لديوان العرب والعباب وأساس البلاغة والمصباح المنير ومجمع البحرين ومطلع النيرين والبابوس إلى آخر ما هناك.
وأما صاحب محيط المحيط أي البستاني فإنه نقل كلام المطرزي ولم يصرح باسم المنقول عنه، وصاحب أقرب الموارد لم يذكر البرجان بمعنى هذا الجيل من الناس، ونقف عند هذا الحد من ذكر نصوص اللغويين.
القسم الثالث رأي مستشرقي الافرنج
ذهب أغلب المستشرقين إلى أن المراد بالبرجان: البلغار، وهذا لا يمكن أن يكون صحيحاً البتة كما سنثبته في ذيل هذا القسم، على أن بعضاً منهم انتبهوا إلى ما في هذا التوحيد بين اللفظين من الغرابة والبعد لرؤيتهم كثيرين من كتاب العرب جمعوا في عبارة واحدة بين البرجان والبلغار وميزوا بين الجيلين تمييزاً بيناً فاستنتجوا أن القومين ليسا بواحد بل هما اثنان وإن كانا في أغلب الأحايين متحالفين متفقين في الهجوم والدفاع وفي القتال والقراع.
على أن بعض الافرنج ذهبوا إلى أن المراد بالبرجان في بعض عبارات الكتاب من العرب قوم يكونون في افرنجة (افرنسة) وهم المعروفون باسم البرجون أو البرغون أي هم المعروفون باللغة الفرنسوية باسم وهم محقون في ذلك، مثلاً ما قال المسعودي في عبارته (في ٢: ١٦) وفي عبارته (في ٣: ٧٨) فلا شك أن المراد بالبرجان هناك البرجون أو البرغون، وهذا التصحيف قريب من البرجان فظن المؤلف الأول أو ناسخ الكتاب أن البرجون والبرجان شيء واحد، والحال: أن الأمر على خلاف ما يظن وإن كان بين اللفظين تناسب في الاشتقاق، ولهذا فقد أصاب الفاضل بربيه دمينار حينما ذكر هذه العبارة: وبشن الغارات حولها إلى بلاد رومية والأندلس وأرض برجان والجلالقة والافرنجة إن المراد بهؤلاء البرجان: لكنه لم يصب في قوله أنهم البلغار في كلام المسعودي في ٣: ٦٦ و ٣: ٧٨ ثم ٧: ١٣٤ ثم ٤: ٣٨ فلو ذكرهم باسمهم البرجان كما فعل في ٢: ٣١١ و ٢:
стр. 4187
٣١٥ لكان أولى له ولهذا فقد أصاب في مواطن وأخطأ في مواطن أخرى.
وأما العلامة دي كوي فإنه لم ينقل إلى اللاتينية اسم البرجان كل مرة وردت في الطبري، وأما في ترجمته لكتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة فإنه نقلها إلى لفظة بلغار في ص ٢٥٧١٠٥٩٢ وأما في ٢٥٧١٧ فقد أبقاها على لفظها برجان، كأنه قد اكتفى بما ألمع إليه وبأن المراد من البرجان البلغار.
وقد صرح فريتاغ أنه لا يعرف على التحقيق من هم هؤلاء المعروفون باسم البرجان، على أنه في الآخر ذهب إلى أن قولهم: اسرق من برجان يراد بهم هؤلاء الأقوام، وقد قال في مستهل كلامه عن البرجان برجان اسم لص أو لصوص، وقد تابعه في هذا الوهم قزميرسكي، وقد وهم كلاهما، فإن اللص المشهور باسم برجان هو غير جيل البرجان فاللص برجان كان من ناحية الكوفة، صلب لسرقته فسرق وهو مصلوب، وذلك أنه قال لحافظه: مر إلى تلك الخربة فإن لي فيها مالا وأنا أحفظ برذونك، فلما غاب عنه قال لواحد مر به: خذ البرذون فهو لك.
وأما برجان الآخرون فهم أقوام يجاورون البلغار وليسوا بهم، وكانوا أهل غزو لا لصوصا شأن سائر الناس في غابر العصور قبل العمران الحديث، ولهذا فقول فريتاغ وقزميرسكي أنهم من اللصوص وهم ظاهر وخبط بين فليحفظ، هذا فضلاً عن أنك لا ترى واحداً من أبناء العرب ذهب إلى أن اللص برجان هو من قوم البرجان، أو أن البرجان هم من اللصوص ومنه قولهم اسرق من برجان كقولهم هم اسرق من قوم برجان.
والظاهر أن أول مستشرق ذهب إلى أن البرجان هم البلغار العلامة كاترمير في الكتاب الذي نشره في باريس لمؤلفه رشيد الدين وترجمه إلى اللغة الفرنسية مع حواش نفيسة تزري بعقود الجمان، وقد رأيت هذا الكتاب مراراً عديدة في مكتبة الحاج علي الآلوسي من مبعوثي بغداد، وهو اليوم في الاستانة ومكتبته مقفلة لا يدخلها داخل ولو كان من أخص أقربائه، ولما كان مقام كاترمير من أرفع المقامات في العلم تابعه الكثيرون اعتماداً عليه، والبائن أن العلامة رينو في ترجمته لكتاب تقويم البلدان تأليف أبي الفداء لم يقطع كل القطع برأي وطنيه كاترمير لأنه أبقى كلمة برجان على حالتها في ص ٢٨٣ من الجزء الأول من المجلد الأول وفي ص ٣١٣ من ذلك الجزء بعينه، ثم قال ما معربه: الظاهر
стр. 4188
كلمة برجان تعني بعض الأحيان البلغار المجاورين لنهر الطونة، راجع حواشي المسيو كاترمير على كتاب تاريخ رشيد الدين ص ٤٠٥ وراجع أيضاً تصنيف المسيو دوصون في كلامه عن أقوام جبل قاف ص ٢٦٠ ومن المرجح أيضاً أن هذا الاسم يشمل الإبر والصرب كلام رينو.
فأنت ترى أنه لا يجزم بصحة هذا القول كل الجزم بل يذكره بكل تحفظ وتحرز لأنه رأى أنه إذا صح هذا التأويل في مواضع فهو لا يصح في عدة مواطن.
وأما أقوى براهين كاترمير على أن البرجان هم البلغار المجاورون لنهر الطونة هو هذا على ما أتذكر: يقول المسعودي أن بستنيان الثاني المشهور بالأخرم لاد بتاوفيل ملك البرجان والحال أن كتبة اليونان يذكرون ذلك عن ملك البلغار إذن البرجان هم البلغار كلام العلامة محصلا بمعناه، فأقول: نص المسعودي هو هذا: وفي هذه السنة وهي سنة ٢٢٣ خروج توفيل بن ميخائيل ملك الروم في عساكره ومعه ملوك برجان والبرغار والصقالبة وغيرهم فيتضح من هذا الكلام أن البرجان غير البرغار أو البلغار وإلا لما فرق بين اللفظين بل أنهم قوم محالفون للبرغار كما كان الصقالبة محالفين لهم أيضاً واكتفاء اليونان بذكر البرغار فقط لا يدل على أنه لم يكن معهم برجان وصقالبة بل إنما ذهبوا إلى ذكر البلغار أما لكثرتهم وأما لشهرتهم وأما لأنهم إذا ذكروا البلغار فهم قراء أولئك الزمان حلفاء البلغار أيضاً البرجان والصقالبة أو لعل هناك سبباً آخر لا يصل إلى معرفته عقلنا القاصر.
وعلى كل حال فإن كلام المسعودي صريح كل الصراحة أن البرجان قوم كانوا مع البلغار وليسوا إياهم، بل هم الذين نعنيهم في كلامنا الآتي.
وأما آراء سائر المستشرقين فلا حاجة إلى ذكرها لأنه إذا كان مقدموهم وزعماؤهم على هذا التأويل فلا تبعد تأويل من جاء بعدهم وأخذ عنهم بعداً يذكر ومن ثم تكون آراؤهم منحصرة في ثلاثة تآويل: فالأغلب يذهب إلى أنهم والبلغار جيل ومنهم من يقول بأن البرجان في بعض المواطن تفيد البرجون أو البرغونيين والطائفة الأخرى تبقي اللفظة على وجهها لأنها لم ترها موافقة لمعنى البلغار.
على أن هناك مذهباً رابعاً بل وخامساً لا ينسب أو ينسبان إلى واحد من المستشرقين بل إلى عالم جليل من علماء الأتراك ولغوييهم أريد به عاصم افندي صاحب الاوقيانوس
стр. 4189
ومترجم القاموس فإنه يظن أن البرجان تعريب بوجاق ويرجح عليه كون اللفظة تعريب بغدان وكلا اللفظين وإن كانا يتقاربان في الكتابة إلا أنهما يبتعدان كل الابتعاد في النطق والتلفظ هذا فضلاً عن أن إبدال الحروف وسننه لا توافق كل الموافقة هذا التصحيف البعيد الوقوع إلا بتكلف وتعمل واعنات لا إعنات وراءه.
٤_خاتمة النبذة وفيها ذكر رأينا
من قرأ بترو وتدبر ما كتبناه إلى هنا وأنعم النظر في الشواهد التي نقلناها عن كتبة العرب على اختلاف عصورهم يحكم حكماً باتاً بأن البرجان غير البلغار وبالعكس وإليك خلاصة ما قاله العرب عنهم مجموعة هنا:
البرجان جيل من الناس بلادهم غائصة في جهة الشمال في قصر النهار إلى أربع ساعات والليل إلى عشرين ساعة، وبالعكس، وأهلها مجوس طغاة بغاة قساة وسيرهم منقطعة عنا لبعدهم وجفاء طباعهم، وقد تنصروا في عصور النصرانية الأولى بعد أن غادروا بلادهم وأقاموا بجوار البلغار من جهة وبقرب الصقالبة من الجهة الأخرى وكانوا تارة مهادنين للبلغار ومواليهم ومحالفيهم وطوراً أعداءهم وهاجمين عليهم وغازين إياهم، شأن الجار للجار، فهذا كله لا يصح إلى على الأمة المعروفة عن الافرنج باسم ويقال فيها عندهم كما أن العرب أخذوا هذه اللفظة عن اليونان وهم يكتبون الفاءالفارسية المثلثة الفوقية باء موحدة تحتية سهل سبب تعاقب الفاء والباء، والكلمة هي في الأصل ومعناها المنفي أو الآفاق ثم توهموا فيها الأفراد كما هو الأمر حقيقة فجمعوها على فعلان فقالوا فيها برجاناً كما قالوا في جمع ظهر ظهراناً.
والبرجان على التحقيق قوم افاقون أصل أغلبهم من اسكنديناوية ثم انضم إليهم أناس آخرون من عناصر أخرى كالروس والصقالبة والأبر والسرب والبلغار فاجتمع منهم أمة قائمة بنفسها قاتلها الألمانيون فافنوها عن آخرها.
هذا ما ظهر لنا على وجه التحقيق بعد أن طالعنا عدة مؤلفات عربية وافرنجية وبعد أن وقفنا على آراء بوغودين وجد عونوف وكستوماروف وهوفائسكي وآمي بوه وكانتس وليجه ودلافلاي وغيرهم.
وإن كان لواحد من القراء ما يهدم رأينا بمعول براهينه فليأتنا به ونحن له من أعظم
стр. 4190
الشاكرين لأن غايتنا البحث عن الحقيقة لا التمسك برأينا فمتى ما رأينا وجهها الصبيح نسير للحال بضيائه، وفقنا الله إلى ما به كل خير بغداد:
ساتسنا.
стр. 4191
الفتوى في الإسلام
تتمة ما ورد في الجزئين الماضيين
حاجة المفتين إلى معرفة العلوم الرياضية
إن هذه العلوم الجليلة - الرياضية - كان عني بها من سلفنا وأئمتنا من لا يزال اسمه كالبدر في السماوات وعمه وآثاره مرجعاً لحل العويصات مثل الحافظ بن حيان صاحب الصحيح وحجة الإسلام الغزالي وفخر الدين الرازي وولي الدين ابن خلدون والإمام ابن رشد وسيف الدين الآمدي والحرالي وابن عبد ربه وابن الصلاح وأبي الصلت الداني الأندلسي والرشيد بن الزبير الأسواني والمبشر بن فاتك الأموي والشيخ السويد والفخر الفارسي والقطب المصري والموفق عبد اللطيف البغدادي وابن البيطار وأفضل الدين الخونجي وشمس الدين الأصفهاني وابن النفيس والقطب الرازي والسيد الشريف الجرجاني وسعد الدين التفتازاني وبدر الدين ابن جماعة وقاضي القضاة الهروي وعلاء الدين البخاري وشهاب الدين ابن المجدي والتقي السبكي ومن لا يحصى من الأئمة كما تراه في طبقات الحكماء وفي حسن المحاضرة للسيوطي وسواهما من تواريخ الأعلام ووفيات الأعيان وكثر من كان فيهم من القضاة والحفاظ والرواة والمتكلمين والمفتين العدول الثقات ولو ضم إليهم غيرهم لبلغ مجلدات كل من عني بهذه العلوم - الرياضية - علم مسيس الحاجة إليها وأدرك موضع الكمال منها فراح بضرب منها بسهم ويخوض منها في بحر.
تخلل كتب الفقه ما لا يحصى من فروع هذه العلوم وكم توقف القضاء والافتاء في النوازل على الإلمام بهذه الفنون.
أليس تحرير سمت القبلة يتوقف على معرفة أصول فن الميقات وكذا تحرير أوقات الصلوات في البلاد على معرفة عروضها وأطوالها المقررة في علمها.
وكذلك حسم المنازعات في مساحة قطع الأرض أو مقادير السقيا من الأنهار أو الدمن يتوقف على فن الهندسة والمقاييس.
وهكذا التقاضي في وقف على بلد من بلاد دولة من الدول معينة ارتيب في كون تلك البلد من حوزتها أو حدودها يتوقف على علم الجغرافيا (تقويم البلدان) فمنه يعلم دخولها في شرط الواقف أو عدم دخولها.
стр. 4192
وهكذا أفتى من المحققين غير واحد أن لمن له معرفة بعلم هيئة الفلك أن يعمل بحسابه في صوم رمضان والفطر منه بل أفتى تقي الدين السبكي لما كان قاضي القضاة بدمشق في رسالة سماها (العلم المنشور في إثبات الشهور) إن من شهد برؤية الهلال في رمضان أو ذي الحجة مثلاً ودل الحساب على أنه لا تمكن رؤيته أن تلك الشهادة ترد (قال) لأنه أقوى من الريبة لأنه مستحيل عادة، وبين ﵀ في هذه الرسالة ما يجب على القاضي من التثبت في ذلك وما ينبغي له من الإلمام بعلم الهيئة والميقات أو تقليد من يثق به في ذلك ليكون على بصيرة مما يقبل من الشهادة في ذلك أو يرد.
ورسالته هذه من أنفس الرسائل المضنون بها.
وبالجملة فحاجيات الفنون الرياضية في الأقضية والأحكام وفي العبادات والمعاملات أوسع من أن يدخلها الحصر ولا غنى للقاضي والمفتي عن الإلمام بها كما أوضحنا.
تحري المفتي في مسائل الطلاق المجمع عليه والأقوى دليلاً
مما يجب على كل مفت - بمعنييه الخاص والعام - أن يتحرى ويتروى ويحتاط في مسائل الطلاق ما أجمع على وقوعه أو قوى الدليل فيه معقولاً أو منقولاً وأما التسرع بالفتوى بحل العصمة لمجرد قول غير مجمع عليه أو المدرك في سواه أو قول الصحب والتابعين رضوان الله عليهم على خلافه - هذا التسرع من الأمور التي جرت الويلات على كثير من العائلات وكم أفضت إلى التحيل بما لا يرضاه الشارع ولا يلتقي مع أصول ملته السمحاء، ومن العجيب أن صور الحلف بالطلاق وأنواع التعاليق فيه التي أفردت لها تآليف خاصة وأفعمت بطون الأسفار لا ترى منها مسألة مرفوعة إلى النبي ﷺ ولا واقعة مأثورة عن الصحب رضوان الله عليهم لأنها مما حدثت بعد قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في بعض فتاويه لما أحدث الحجاج بن يوسف تحليف الناس بأيمان البيعة وهو التحليف بالطلاق والعتاق والتحليف باسم الله وصدقة المال وقيل كان معها التحليف بالحج تكلم حينئذ التابعون ومن بعدهم في هذه الأيمان وتكلموا في بعضها على ذلك فمنهم من قال إذا حنث بها لزمه ما التزمه ومنهم من قال لا يلزمه إلا الطلاق والعتاق ومنهم من قال بل هذا من جنس إيمان أهل الشرك لا يلزم بها شيء ومنهم من قال بل هي من ايمان المسلمين يلزم فيها ما يلزم في سائر ايمان المسلمين واتبع هؤلاء ما نقل في هذا الجنس
стр. 4193
عن الصحابة وما دل عليه الكتاب والسنة (قال) كما بسط في موضع آخر.
وبالجملة فأهم مسائل الطلاق الآن مسألة الحلف به وبالحرام، والتعليق عليه، وطلاق السكران، وطلاق الغضبان، وجمع الثلاث في كلمة دفعة واحدة، والطلاق في الحيض، ويندرج تحت كل صور شتى يرى الواقف على مذاهب السلف فيها أقوالاً وفتاوى عديدة وقد أسلفنا ما اتفق عليه كلام المحققين من وجوب التحري في المسائل المختلف فيها وبذل الوسع في مسألة القولين لترجيح أحدهما.
ومما يعين المفتي على الترجيح الصحيح مراجعته الكتب التي جمعت أقوال السلف في هذه المسائل وهي المحلى لابن حزم وفتاوى ابن تيمية وكتاب إقامة الدليل على بطلان التحليل له أيضاً وإغاثة اللهفان الكبرى لابن القيم وإغاثة اللهفان الصغرى في طلاق الغضبان لابن القيم أيضاً وزاد المعاد له أيضاً وكذلك مراجعة كتب النوازل في فقه المالكية ومطولات كتب أصحاب الأئمة نفعنا المولى بعلومهم فالواقف عليها يجد من سماحة الإسلام ويسر الدين ورفع الحرج في هذا الباب ما يجعله كله السنة تنطق بحمده تعالى على هذه الرحمة.
حكم تولية طالب الإفتاء
هذا الحكم يعلم بالأولى مما ذكروه في القضاء ومن أحسن ما كتب فيه ما قاله الإمام الماوردي - من كبار أئمة الشافعية - في كتابه الأحكام السلطانية وعبارته:
فأما طلب القضاء وخطبة الولاة عليه فإن كان من غير أهل الاجتهاد فيه كان تعرضه لطلبه محظوراً وصار بالطلب مجروحاً.
وإن كان من أهله على الصفة التي يجوز معها نظره فله في طلبه ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون القضاء في غير مستحقه إما لنقص علمه وإما لظهور جوره فيخطب القضاء دفعاً لمن لا يستحقه ليكون فيمن هو بالقضاء أحق فهذا سائغ لما تضمنه من دفع منكر ثم ينظر فإن كان أكثر قصده إزالة غير المستحق كان مأجورا وإن كان أكثره اختصاصه بالنظر فيه كان مباحاً.
(والحالة الثانية) أن يكون القضاء في مستحقه ومن هو أهله ويريد أن يعزله عنه إما لعداوة بينهما وإما ليجر بالقضاء إلى نفسه نفعاً فهذا الطلب محظور وهو بهذا الطلب مجروح.
(والحال الثالثة) أن لا يكون في القضاء ناظر وهو خال من وال عليه فيراعي حاله في
стр. 4194
طلبه فإن كان لحاجته إلى رزق القضاء المستحق في بيت المال كان طلبه مباحاً وإن كان رغبة في إقامة الحق وخوفه أن يتعرض له غير مستحق كان طلبه مستحباً فإن قصد بطلبه المباهاة والمنزلة فقد اختلف في كراهية ذلك مع الاتفاق على جوازه فكرهته طائفة لأن طلب المباهاة والمنزلة في الدنيا مكروه قال الله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين.
وذهبت طائفة أخرى إلى أن طلبه لذلك غير مكروه لأن طلب المنزلة مما أبيح وقد رغب نبي الله يوسف ﵇ إلى فرعون في الولاية فقال اجعلني على خزائن الأرض اتي حفيظ عليم فطلب الولاية ووصف نفسه بما يستحقها به من قوله اني حفيظ عليم وفيه تأويلان (أحدهما) حفيظ لما استودعتني عليم بما وليتني وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (والثاني) أنه حفيظ للحساب عليم بالألسن وهذا قول اسحق بن سفيان وخرج هذا القول عن حد التزكية لنفسه والمدح لها لأنه كان لسبب دعا إليه انتهى.
اشتراط علم المولي بأهلية من يوليه لصحة التولية
قال الإمام الماوردي: تمام الولاية معتبر بأربعة شروط (أحدها) معرفة المولي للمولى بأنه على الصفة التي يجوز أن يولى معها فإن لم يعلم أنه على الصفة التي تجوز معها تلك الولاية لم يصح تقليده (والشرط الثاني) معرفة المولي بما عليه المولى من استحقاق تلك الولاية بصفاته التي يصير بها مستحقاً لها وأنه قد تقلدها وصار مستحقاً للاستنابة فيها ثم ذكر تتمة الشروط في تولية القضاء مما يدل على اعتبارها فيما هو دون تولية القضاء من الافتاء والتدريس والوعظ والإرشاد والخطابة والإمامة بالأولى ولله در المستوعر الأكبر في قوله:
وما سقطت يوماً من الدهر أمة ... من الذل إلا أن يسود دميمها
إذا ساد فيها بعد ذل لئيمها ... تصدى لها ذل وقد اديمها
وما قادها للخير إلا مجرب ... عليم بإقبال الأمور كريمها
وما كل ذي لب يعاش بفضله ... ولكن لتدبير الأمور حكيمها
وبالجملة فإعطاء كل ذي حق حقه ووضع الأشياء في مواضعها وتفويض الأعمال للقادرين عليها مما يوجب صيانة الحق ويشيد بناء العدل ويحفظ نظام الأمور من الخلل، ويشفي
стр. 4195
نفوس الأمة من العلل، وهذا مما تحكم به بداهة العقل وهو عنوان الحكمة التي قامت بها السموات والأرض وثبت بها نظام كل موجود، وكل من تتبع تواريخ الأمم وكان بصير القلب علم أنه ما انقلب عرش مجدها إلا لتفويض الاعمال لمن لا يحسن القيام عليها ويض الأشياء في غير مواضعها إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
حكم الاشتراط في الفتوى أن تكون على مذهب معين
يستفاد هذا مما أوضحه الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية في القضاء (قال): ويجوز لمن اعتقد مذهب الشافعي ﵀ أن يقلد القضاء من اعتقد مذهب أبي حنيفة لأن للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه، فإذا كان شافعياً لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها، فإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي حنيفة عمل عليه وأخذ به.
وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره لما يتوجه إليه من التهمة والممايلة في القضايا والأحكام وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كا ن أنفى للتهمى وأرضى للخصوم (قال الماوردي) وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه لأن التقليد فيها محظور والاجتهاد فيها مستحق.
ثم قال: فلو شرط المولي وهو حنفي أو شافعي على من ولاه القضاء أن لا يحكم إلا بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة فهذا على ضربين أحدهما أن يشترط ذلك عموماً في جميع الأحكام فهذا شرط باطل سواء كان موافقاً لمذهب المولي أو مخالفاً له، وأما صحة الولاية فإن لم يجعله شرطاً فيها وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي وقال: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب الشافعي ﵀ على وجه الأمر أو لا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي كانت الولاية صحيحة والشرط فاسداً سواء تضمن أمراً أو نهياً، ويجوز أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده سواء وافق شرطه أو خالفه.
فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية فقال قد قلدتك القضاء على أن لا تحكم فيه إلا بمذهب الشافعي أو بقول أبي حنيفة كانت الولاية باطلة لأنه عقدها على شرط فاسد، وقال أهل العراق تصح الولاية ويبطل الشرط ثم ذكر الضرب الثاني وفصل فيه فانظره وقال الإمام أبو زيد الدبوسي - من أكابر أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ في كتاب
стр. 4196
تقويم الأدلة في أواخر باب الاستحسان: وكان الناس في الصدر الأول أعني الصحابة والتابعين والصالحين رضوان الله عليهم أجمعين يبنون أمورهم على الحجة فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقوال من بعد رسول الله ﷺ ما يصح بالحجة فكان الرجل يأخذ بقول عمر ﵁ في مسألة ثم يخالفه بقول علي ﵁ في مسألة أخرى، وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة ﵏ أنهم وافقوه مرة وخالفوه أخرى على حسب ما تتضح لهم الحجة، لم يكن المذهب في الشريعة عمريا ولا علويا بل النسبة كانت إلى رسول الله ﷺ فقد كانوا قروناً اثنى عليهم رسول الله صلى الله عليهم وسلم بالخير فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم فلما ذهب التقوى من عامة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجج جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم فصار بعضهم حنفياً وبعضهم مالكياً وبعضهم شافعياً ينصرون الحجة بالرجال ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب ثم كل قرن اتبع عليه كيفما أصابه بلا تمييز حتى تبدلت السنن بالبدع فضل الحق بين الهوى كلام الإمام أبي زيد وللبحث مقدمة مدهشة فليرجع إليها وقد نقل نحواً من ذلك شيخ الصوفية محيي الدين ابن عربي في الباب الثامن عشر وثلثمائة من الفتوحات المكية في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية بالأغراض النفسية عافانا الله وإياك من ذلك فليتدبر من يحب الإنصاف.
الحسبة على المفتين وأمثالهم
قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين فمن صلح للفتيا أقره، ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وتوعده بالعقوبة إن عاد، وطريق الأمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم انتهى.
وقال الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية: وإذا وجد - المحتسب - من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ ولم يأمن اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف أنكر عليه التصدي لما هو ليس من أهله وأظهر أمره لئلا يغتر به.
وقال ابن القيم: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم عاص قال أبو الفرج ابن الجوزي: ويلزم ولي الأمر منعهم وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو
стр. 4197
يطب الناس بل هؤلاء أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين قال وكان شيخنا شديد الإنكار على هؤلاء فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: اجعلت محتسباً على الفتوى: فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب انتهى.
دلالة العالم للمستفتي على غيره
قال ابن القيم: هذا موضع خطر جداً فلينظر الرجل إلى من يدل عليه وليتق الله فإنه إما معين على الإثم والعدوان وإما معين على البر والتقوى وقد سأل الحافظ أبو داود - صاحب السنن - الإمام أحمد عن رجل يسأله عن مسألة فيدله على من يسأله فقال: إذا كان يعني الذي أرشده إليه متبعاً ويفتي بالسنة:
وذكر بعد ورقات أنه إذا علم أن السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة فيجعل استفتاءه تنفيذاً لغرضه لا تعبداً لله بأداء حقه فلا يسعه أن يدله على غرضه أين كان بل أن علم المفتي فيها نصاً عن الله ورسوله فلا يسعه تركه إلى غرض السائل وإن كانت من المسائل الاجتهادية ولم يترجح له قول لم يسغ له أن يترجح لغرض السائل وهذه المسألة جديرة بالمحافظة عليها وليرجع إلى تتمتها في كلامه.
هل يقول المفتي في المسألة قولان ونوادر في ذلك
قال الإمام ابن القيم في الأعلام: لا يجوز للمفتي تخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة بل عليه أن يبين بياناً مزيلاً للإشكال متضمناً لفصل الخطاب ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: يقسم بين الورثة على فرائض الله : وكتبه فلان:
وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: تصلي على حديث عائشة.
وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال: أما أهل الايثار فيخرجون المال كله وأما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه.
وسئل آخر عن مسألة فقال: فيها قولان، ولم يزد.
قال أبو محمد ابن حزم وكان عندنا مفت إذا سئل عن مسألة لا يفتي فيها حتى يتقدمه من يكتب فيكتب هو: جوابي فيها مثل جواب الشيخ، فقدر أن مفتيين اختلفا في جواب فكتب
стр. 4198
تحت جوابهما: جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له أنهما قد تناقضا فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا.
قال ابن القيم: وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى وهو مقدم في مذهبه وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى فيكتب: يجوز كذا أو يصح كذا أو ينعقد كذا بشرطه، فأرسل إليه يقول: فأتينا فتاوى منك فيها: يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه نحن لا نعلم شرطه فإما أن تبين شرطه وإما أن لا تكتب ذلك قال وسمعت شيخنا - ابن تيمية - يقول: كل أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط وهذا ليس بعلم ولا يفيد سوى حيرة السائل وتنكده.
(وكذلك) قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم: قال فياسبحان الله: لو كان الحاكم شريحا وأشباهه لما كان مرد أحكام الله ورسوله إلى رأيه فضلاً عن حكام زماننا والله المستعان.
وسئل بعضهم عن مسألة فقال: فيها خلاف: فقيل: كيف يعمل المفتي (فقال) يختار له القاضي أحد المذهبين.
قال عمرو بن الصلاح كنت عند أبي السعادات ابن الأثير الجزري فحكى لي عن بعض المفتين أنه سئل عن مسألة فقال: فيها قولان فأخذ يزري عليه وقال: هذا حيد عن الفتوى ولم يخلص السائل من عمايته ولم يأت بالمطلوب، وللبحث تتمة فليرجع إليه في كلامه ﵀.
أجناس الفتيا التي ترد على المفتين
قال الإمام ابن القيم في أعلام الموقعين: المفتي إذا سئل عن مسألة فإما أن يكون قصد السائل فيها معرفة حكم الله ورسوله ليس إلا، وإما أن يكون قصده معرفة ما قاله الإمام الذي شهر المفتي نفسه باتباعه وتقليده دون غيره من الأئمة، وإما أن يكون مقصود، معرفة ما ترجح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها لاعتقاده علمه ودينه وأمانته فهو يرضى بتقليده هو وليس له غرض في قول أمام بعينه، فهذه أجناس الفتيا التي ترد على المفتين.
فغرض المفتي في القسم الأول أن يجيب بحكم الله ورسوله إذا عرفه وتيقنه لا يسعه غير ذلك.
أما في القسم الثاني فإذا عرف قول الإمام بنفسه وسعه أن يخبر به ولا يحل له أن ينسب
стр. 4199
إليه القول ويطلق عليه أنه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه فإنه قد اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم فليس كل ما في كتبهم منصوصاً عن الأئمة بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منهم لا نص لهم فيه، وكثير منهم يخرج على فتاويهم، وكثير منهم أفتوا به بلفظه أو بمعناه.
فلا يحل لأحد أن يقول هذا قول فلان ومذهبه إلا أن يعلم يقيناً أنه قوله ومذهبه فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدي الله تعالى.
وأما القسم الثالث فإنه يسعه أن يخبر المستفتي بما عنده في ذلك مما يغلب على ظنه أنه الصواب بعد بذل جهده واستفراغ وسعه ومع هذا فلا يلزم المستفتي الأخذ بقوله وغايته أنه يسوغ له الأخذ به، فلينزل المفتي نفسه في منزلة من هذه المنازل الثلاث وليقم بواجبها فإن الدين دين الله والله سبحانه لا بد سائله عن كل ما أفتى به والله المستعان.
ولا يخفى أن في القسم الأول ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص بل هو اللازم ما أمكنه فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام وقد كان هو عصمة الصحابة واصلهم الذي يرجعون إليه وقد أسهب في ذلك بما لا يستغنى عنه فليراجع.
استعانة المفتي بمراجعة كتب المذاهب واختلاف الأئمة
في جمع الجوامع وشرحه ونرى أن الشافعي ومالكاً وأبا حنيفة والسفيانيين الثوري وابن عيينة وأحمد ابن حنبل والاوزاعي واسحق ابن راهويه وداود الظاهري وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم في العقائد وغيرها وقال الشعراني في الميزان وقد أجمعوا على أنه لا يسمى أحد عالماً إلا أن بحث عن منازع أقوال العلماء وعرف من أين أخذوها من الكتاب والسنة: وقال إن الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة وأقوال علمائها كالفروع والأغصان وقال إن الشريعة المطهرة جاءت شريعة سمحة واسعة شاملة قابلة لسائر أقوال أئمة الهدى من هذه الأمة المحمدية وأن كلا منهم فيما هو عليه في نفسه على بصيرة من أمره وعلى صراط مستقيم وأن اختلافهم إنما هو رحمة بالأمة وقال نقلاً عن الإمام الزركشي في آخر كتاب القواعد له ما مثاله: إن مطلوب الشرع الوفاق ورد الخلاف إليه ما أمكن كما عليه عمل الأئمة من أهل الورع والتقوى كابي محمد الجويني وإضرابه فإنه
стр. 4200
صنف كتابه المحيط ولم يلتزم فيه المشي على مذهب معين انتهى ثم قال الشعراني، وقد بلغنا أنه كان يفتي الناس بالمذاهب الأربعة الشيخ الإمام الفقيه المحدث المفسر الأصولي الشيخ عبد العزيز الديريني وشيخ الإسلام عز الدين ابن جماعة المقدسي والشيخ العلامة الشيخ شهاب الدين البرلسي والشيخ علي النبتيتي الضرير، ونقل الشيخ الجلال السيوطي ﵀ عن جماعة كثيرة من العلماء أنهم كانوا يفتون الناس بالمذاهب الأربعة لا سيما العوام الذين لا يتقيدون بمذهب ولا يعرفون قواعده ولا نصوصه ويقولون حيث وافق فعل هؤلاء العوام قول عالم فلا بأس به انتهى وذكر التاج السبكي في طبقات الشافعية في ترجمة إمام الحرمين ما مثاله والإمام لا يتقيد بالأشعري ولا بالشافعي لا سيما في البرهان وإنما يتكلم على حسب تأدية نظره واجتهاده: وذكر في ترجمة أبيه الجويني أنه ألف كتاباً سماه المحيط لم يتقيد فيه بمذهب وأنه التزم أن يقف على مورد الأحاديث لا يتعداها ويتجنب جانب العصبية للمذاهب: كما قدمه الشعراني، وذكر في ترجمة ابن جرير أن المحمديين الأربعة - ابن جرير وابن خزيمة وابن نصر وابن المنذر كانوا يذهبون مع اجتهادهم المطلق وكان كل منهم مجتهداً مطلقاً لا يقلد أحداً ولهم من الاختيارات ما دونه السبكي في تراجمهم وهذا باب يطول استقصاؤه وقد عد السيوطي في حسن المحاضرة من المجتهدين في مصر وحدها ما أضاف على السبعين فيكيف بغيرها وكل من هؤلاء إنما كان يفتي بما يؤديه اجتهاده وكان يتفق لكثير من هؤلاء وأمثالهم من جمع الكتب المنوعة للاستفادة بما فيها ما يدهش وقد حكى السبكي في طبقاته في ترجمة الإمام عبد السلام ابن بندار أنه دخل إلى بغداد من مصر ومما معه عشرة جمال عليها كتب بالخطوط المنسوبة في فنون العلم وقال الشعراني أيضاً: إن كل مقلد اطلع على عين الشريعة المطهرة - أدلتها - لا يؤمر بالتقيد بمذهب واحد وربما لزم المذهب الأحوط في الدين مبالغة منه في الطاعة، وإلى نحو ما ذكرناه أشار الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵁ بقوله، ما جاء عن رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي فعلى الرأس والعين وما جاء عن أصحابه تخيرنا وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال، ثم قال إذا علمت ذلك فيقال لكل مقلد امتنع عن العمل بقول غير إمامه في مضايق الأحوال امتناعك هذا تعنت لا ورع لإنك تقول لنا أنك تعتقد أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم لاغتراف مذاهبهم من
стр. 4201
عين الشريعة ثم قال وكان الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى يقول: لم يبلغنا عن أحد من الأئمة أنه أمر أصحابه بالتزام مذهب معين لا يرى خلافه وما ذلك إلا لأن كل مجتهد مصيب، وكان الزناتي من أئمة المالكية يقول: يجوز تقليد كل من أهل المذاهب في النوازل، وقد أطال الشعراني في هذا البحث وأجاد والقصد أن توسع المفتي في مراجعة مذاهب الأئمة وأقوالهم مما يعينه على الأقوى والأرجح في النازلة، إذ ليس الحق وقفا على مذهب أو كتاب وبالجملة فلا سبيل للوقوف على الضالة المنشودة إلا بتتبع مطاوي الكتب وخبايا الأسفار، وبمقدار رفع الهمة في ذلك بمقدار تنور الأفكار، قال العلامة العطار في حواشيه على شرح جمع الجوامع من تأمل ما ذكره من تصدى لتراجم الأئمة الأعلام علم أنهم كانوا مع رسوخ قدمهم في العلوم الشرعية والأحكام الدينية لهم اطلاع عظيم على غيرها من العلوم وإحاطة تامة بكلياتها وجزئياتها حتى في كتب المخالفين في العقائد والفروع يدل على ذلك النقل عنهم في كتبهم والتصدي لدفع شبههم وأعجب من ذلك تجاوزهم إلى النظر في كتب غير الإسلام قال فإني وقفت على مؤلف للقرافي رد فيه على اليهود شبهاً أوردوها على الملة الإسلامية لم يأت في الرد عليهم إلا بنصوص التوراة وبقية الكتب السماوية حتى يظن الناظر في كتابه أنه كان يحفظها عن ظهر قلب ثم هم مع ذلك ما أخلوا في تثقيف ألسنتهم وترقيق طباعهم من رقائق الأشعار ولطائف المحاضرات، ثم قال ومن نظر فيما انتهى إليه الحال في زمن وقعنا فيه علم أن نسبتنا إليهم كنسبة عامة زمانهم فإن قصارى أمرنا النقل عنهم بدون أن نخترع شيئاً من عند أنفسنا، وليتنا وصلنا إلى هذه المرتبة بل اقتصرنا على النظر في كتب محصورة ألفها المتأخرون المستمدون من كلامهم نكررها طول العمر ولا تطمح نفوسنا إلى النظر في غيرها حتى كأن العلم انحصر في هذه الكتب فلزم من ذلك أنه إذا ورد علينا سؤال من غوامض علم الكلام تخلصنا عنه بأن هذا كلام الفلاسفة ولا ننظر فيه أو مسألة أصولية قلنا لم نرها في جمع الجوامع فلا أصل لها أو نكتة أدبية قلنا هذا من علوم أهل البطالة وهكذا فصار العذر أقبح من الذنب، وإذا اجتمع جماعة منا في مجلس فالمخاطبات مخاطبات العامة والحديث حديثهم، فإذا جرى في المجلس نكتة أدبية ربما لا نتفطن لها وإن تفطنا لها بالغنا في إنكارها والإغماض عن قائلها إن كان مساوياً، وإيذائه بشناعة القول إن كان أدنى ونسبناه إلى عدم الحشمة وقلة
стр. 4202
الأدب، وأما إذا وقعت مسألة غامضة من أي علم كان عند ذلك تقوم القيامة وتكثر القالة ويتكدر المجلس وتمتلئ القلوب بالشحناء وتغمض العيون على القذى، فالمرموق بنظر العامة الموسوم بما يسمى العلم إما أن يتستر بالسكوت حتى يقال أن الشيخ مستغرق أو يهذو بما تمجه الاسماع، وتنفر عنه الطباع.
وقالوا سكرنا بحب الآلة ... وما أسكر القوم إلا القصع
فحالنا الآن كما قال ابن الجوزي في مجلس وعظه ببغداد
مافي الديار أخو وجد نطارحه ... حديث نجد ولا خل نجاريه
وهذه نفثة مصدور فنسأل الله السلامة واللطف كلام العطار وموضع الاستشهاد منه تأسفه على الاقتصار على ما في الأيدي من الأسفار مع أن الدواء الناجع هو التنقيب عما خبأته أيدي السلف من جواهر العلم ونفائس الفوائد وبالله التوفيق.
أعراض المفتي عن المقلد الخصم
المقلد هو الذي لا يصل فهمه إلى درك الدليل أو لا يريد أن يصل، أقعدته الفطرة عن اللحاق بأولي العلم، أو قنع بالتخلف عن السباق مع إبطال النظر وأقطاب الفهم، فلما ماتت قوته النظرية كان قصاراه أن يقف مع قول مفتيه، ويجرع من الكاس الذي يسقيه، فإذا تحكك بالدليل، وأخذ يخوض مع الإبطال في القال والقيل، دل على تطفله، وفضوله وتمحله وتعديه طوره، ومجاوزته قدره فلهذا يجب الإعراض عنه، وأن تحجب مخدرات المناظرة منه ولما ابتلي الأئمة قديماً بالمقلدة المماحكين، وضعوا لدرء جدلهم قوانين، قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ﵁ وأرضاه في كتابه فيصل التفرقة وشرط المقلد أن يسكت ويسكت عنه لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج ولو كان أهلاً له كان مستتبعاً لا تابعاً وإماماً لا مأموماً، فإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول، والمشتغل به صار كضارب في حديد بارد، وطالب لصلاح الفاسد وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر وقال ﵁ في إحياء علوم الدين في الباب الرابع من أبواب العلم في مباحث المناظرة وتلبيس المناظرين ما مثاله: اعلم أن هؤلاء قد يستدرجون الناس إلى ذلك بأن غرضنا من المناظرات المباحثة عن الحق ليتضح فإن الحق مطلوب والتعاون على النظر في العلم وتوارد الخواطر مفيد ومؤثر هكذا كانت عادة الصحابة ﵃ في مشاوراتهم ثم
стр. 4203
قال ويطلعك على هذا التلبيس ما أذكره وهو أن التعاون على طلب الحق من الدين ولكن له شروط وعلامات ثمان (إلى أن قال) الثالث أن يكون المناظر مجتهداً يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتى بما ظهر له كما كان يفعله الصحابة ﵃ والأئمة فأما من ليس له رتبة الاجتهاد وإنما يفتي فيما يسأل عنه نافلا عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يتركه فأي فائدة له في المناظرة ومذهبه معلوم وما يشكل عليه يقول لعل عند صاحب مذهبي جواباً عن هذا فإنى لست مستقلاً بالاجتهاد.
وقال ﵁ أيضاً في كتاب آداب تلاوة القرآن في أسباب موانع الفهم الأربعة ما مثاله في الثاني (ثانيها) أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفا على مسموعه، فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك فيرى أن ذلك من غرور الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله ولمثل هذا قالت الصوفية: إن العلم حجاب: وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وأتقوها إليهم انتهى.
وما أجمل قول الجاحظ عليه الرحمة: التقليد مرغوب عنه في حجة العقل منهي عنه في القرآن، نصراؤه قد عكسوا الأمور كما ترى ونقضوا العادات وذلك أنا لا نشك أن من نظر وبحث وقابل ووزن أحق بالتبين وأولى بالحجة انتهى.
ما على المفتي إذا عرف الحق
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الإيمان، اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال.
وإن كان عاجزاً عن إظهار الحق الذي يعلمه فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه.
وإما إن كان المتبع للمجتهد عاجزاً عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه
стр. 4204
مثله من الاجتهاد في التقليد فهذا لا يؤاخذان اخطأ كما في القبلة.
وأما أن قلد شخصاً دون نظيره بمجرد هواه ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق فهذا من أهل الجاهلية وإن كان متبوعه مصيباً لم يكن عمله صالحاً وإن كان متبوعه مخطئاً كان آثماً وهؤلاء من جنس مانع الزكاة ومن عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة فإن ذلك لما أحب المال حباً منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبداً له وكذلك هؤلاء فيكون فيه شرك أصغر ولهم من الوعيد بحسب ذلك وفي الحديث أن يسير الرياء شرك كلامه عليه الرحمة.
تورع المفتي عن التضليل والتكفير
مما يزين العالم كبر عقله وشدة رزانته وحصافة لبه، ومما يشينه ويزريه طيشه وحمقه وخفته وتسرعه فتراه بذلك يهوي من حالق وإن ناطح الجوزاء بعرفانه بحق أو بغير حق.
فبحفظ اللسان صيانة الإنسان وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.
قال حجة الإسلام الغزالي في فيصل التفرقة، إذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل فاعرض عنه ولا تشغل به قلبك ولسانك فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهال ولأجله كثر الخلاف بين الناس ولو ينكث من الأيدي من لا يدرى لقل الخلاف بين الخلق.
(وقال) ﵁ أيضاً، واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلاً إلا في مسألة واحدة وهي أن ينكر أصلاً دينياً علم من الرسول ﷺ بالتواتر (ثم قال) ولو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع فهذا فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجة أصلاً فصار كون الإجماع مختلفاً فيه.
وقال أيضاً ولا يلزم كفر المأولين ما داموا يلازمون قانون التأويل وكيف يلزم الكفر بالتأويل وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه.
وقال أيضاً كأن كل واحد لا يرضى بما ذكره الخصم ولا يراه دليلاً قاطعاً وكيفما كان فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه.
وكتابه ﵁ هذا فيصل التفرقة مما يهم كل نبيه مراجعته ومطالعته فلم يؤلف في موضوعه مثله.
стр. 4205
وقال الإمام ابن حزم في الفصل في الكلام فيمن يكفر ولا يكفر ما مثاله: اختلف الناس في هذا الباب إلى أن قال وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا وإن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال إن أصاب الحق فأجران وإن أخطأ فأجر واحد وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي ﵃ إلى أن قال والحق هو أن كل من ثبت له عقد الإسلام فإنه لا يزول عنه إلا بنص أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء فلا إلى أن قال وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط والتناقض ليس كفراً.
وتتمة البحث من نفائس العلم فليرجع إليها.
اتقاء المفتي التسرع في دعوى الإجماع
كثيراً ما يمر بمطالع كتب الفقه دعوى الإجماع في بعض المسائل أو النوازل ولا سند له إلا عدم العلم بالمخالف فيأتي سير التقليد فينقله على اعتقاد أنه مجمع عليه مع أن الواجب عليه أما التنقيب جهده في سائر بطون الكتب الفروعية وأسفار الخلاف حتى يسقط على الحقيقة في دعوى الإجماع أو يحذف كلمة الإجماع من نقله وعزوه فقد ظهر فيما يحصى من المسائل المدعى فيها الإجماع أن وراءها خلافاً في مذاهب أخرى بل في كتب منتشرة قد لا تخلو خزانة عالم منها، وما ألطف قول شمس الدين الأصفهاني - من كبار أئمة الشافعية - في شرح الحصول، الحق تعذر الاطلاع على الإجماع إلا إجماع الصحابة حيث كان المجمعون وهم العلماء منهم في قلة وأما الآن ويعد انتشار الإسلام وكثرة العلماء فلا مطمع للعلم به قال وهو اختيار الإمام أحمد مع قرب عهده من الصحابة وقوة حفظه وشدة اطلاعه على الأمور النقلية قال والمنصف يعلم أنه لا خبر له من الإجماع إلا ما يجده مكتوباً في الكتب ومن البين أنه لا يحصل الاطلاع عليه إلا بالسماع منهم أو ينقل أهل التواتر إلينا ولا سبيل إلى ذلك إلا في عصر الصحابة وأما من بعدهم فلا انتهي كلام الأصفهاني.
ووجه الاتقاء والتورع في دعوى الإجماع في بعض الأحكام هو أن الإجماع - على ما عرفه الأصوليون - اجتماع علماء المسلمين على حكم من الأحكام: ولذا قال شيخ الإسلام
следующие страницы →